دخولتسجيل الدخول

الحلقة 27

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلّغه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع». الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمن المعلوم أن أعلام المحدثين من الأمة في كل عصر كثيرون، بحيث يعسر تناول سيرهم في حلقات معدودة، وليس أدل من ذلك من كتب تراجم الحفاظ التي ذكرتهم. فعلى سبيل المثال نجد كتاب تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي رحمه الله، وقد أورد في هذا الكتاب من ينطبق عليه اسم الحافظ، ولو حسبنا هؤلاء الناس إلى عصر النسائي -وهو آخر أصحاب الكتب الستة، وتوفي سنة 303هـ- لوجدنا الذهبي قد ذكر منهم ما يزيد على 700 حافظ.

هذا العدد من الحفاظ عدد كبير، ولا يشمل من جاء بعد النسائي؛ فأنا حسبت فقط من كان من النسائي فمن قبله. أما من بعد النسائي فهناك حفاظ كثيرون؛ كابن خزيمة، وابن جرير، والطحاوي، وابن صاعد، وابن حبان، والدارقطني، وابن عقدة، والجعافرة، وهم كثيرون جداً. فإذا كان الذهبي قد ذكر إلى النسائي 700 فقط، فلا شك أنه من الصعوبة بمكان أن يذكروا في حلقات معدودة. أنا ذكرت هذا العدد لئلا يقول قائل بأني تركت المحدث الفلاني أو المحدث الفلاني، فالوقت في الحقيقة لا يتسع للجميع، وإنما اخترت من بعض الأمصار ومن بعض الأعصار بعض أولئك المشهورين من المحدثين، وتركت آخرين ربما يكون بعضهم في الشهرة وفي العلم أولى بالذكر ممن ذكرته في هذه الحلقة.

سأحاول تناول بعض المحدثين بشكل يسير جداً من خلال تناول بعض المؤلفات الحديثية، والمؤلفات الحديثية وأنواعها كثيرة، لكن المقصود في هذه الحلقة هو الإشارة إلى المراحل التي تمت بها جمع السنة النبوية وتنقيحها وخدمتها من خلال ذلك التدوين وذلك التصنيف. تقدم معنا في بعض الحلقات الماضية بيان أهمية الإسناد، وأنه من خصائص هذه الأمة المحمدية، وأن الذي حفظ الله به الدين هو الإسناد؛ كما قال بعض أهل العلم: فلولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

ومن ثم انتشرت ثقافة الإسناد في الأمة الإسلامية وخصوصاً بين المحدثين، بحيث لا تكاد تجد تأليفاً في عصر من عصور الرواية -وعصر الرواية قال الذهبي إنه ينتهي بسنة 300هـ تقريباً، وقد استمر بعد ذلك- إلا وتجده مشحوناً بالأسانيد. حتى أن الأمر تجاوز كتب التفسير والفقه والحديث إلى كتب النحو والأدب والشعر والحكايات وغيرها؛ حتى الكتب التي جاءت للتُّحَف -التُّحَف بمعنى الملح- ككتب المغفلين ونحوها تأتي بالأسانيد، وهذا يدلنا على أن ثقافة الإسناد قد انتشرت في ذلك العصر.

أما السنة نفسها وكذا أقوال الصحابة وأقوال التابعين، فكانت في البداية في عصر التابعين تكتب في أجزاء من غير ترتيب ومن غير تصنيف. وإنما كان طالب العلم يجيء إلى الشيخ فيمكث عنده مدة من الزمن، فيكتب حديثه كله أو بعضه بحسب سماعه له؛ فتجد طالب الحديث أو المحدث قد اجتمع عنده مما كتبه من الشيوخ أجزاء كثيرة، كل جزء لشيخ معين من مشايخه. فهذا الجزء مثلاً فيه حديث سفيان الثوري، وهذا الجزء فيه حديث شعبة، وهذا الجزء فيه حديث حماد بن سلمة، وهذا الجزء فيه حديث ابن زيد، وهكذا. لكن الأحاديث في تلك الأجزاء ليست مرتبة على طريقة معينة، بل كيفما اتفق للمحدث أن يكتب يكتب؛ لأن المحدث يحدث حسب ما اتفق له، فمرة تجده يحدث عن الصلاة عن ابن عباس، أو في البيوع عن جابر، أو في الجهاد عن ابن عمر، والطلاب يكتبون.

ثم بدأ بعض المحدثين في عصر أتباع التابعين -وهو عصر مالك بن أنس وسفيان الثوري وأمثالهم- يصنفون الكتب، ويرتبون الأحاديث فيها على حسب الأبواب الفقهية. ومن تلك الكتب أشهرها موطأ الإمام مالك، وقد مر معنا مالك بن أنس، حيث أورد فيه أحاديث كثيرة عن شيوخه لكنها مرتبة على الأبواب الفقهية. فبدأ بكتاب الصلاة، والكتاب عندهم معناه بمثابة الفصل الذي يجمع فروعاً كثيرة، ليس معنى الكتاب المؤلف، وإنما الكتاب باب كالفصل. فبدأ بكتاب الصلاة، ثم كتاب الزكاة، ثم كتاب الجنائز، ثم كتاب الصيام، وهكذا على حسب، وكل كتاب فيه أبواب وفيه أحاديث.

ألف على هذه الطريقة جماعة من أتباع التابعين من نظراء مالك رحمه الله، وبعض أهل العلم يسمي ذلك النوع من المؤلفات الأصناف. ثبت ذلك عن غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وابن معين. وابن معين كلمته مشهورة؛ لما ذكر من يدور عليهم الإسناد قال بعد ذلك: ثم صار علم هؤلاء الستة إلى أصحاب الأصناف ممن صنف، ثم ذكر جماعة من أتباع التابعين؛ منهم مالك بن أنس، وابن جريج، وابن عيينة، وابن أبي عروبة، وغيرهم.

وأهل العلم اختلفوا فيمن كان أول من صنف على هذه الطريقة، فبعضهم يذكر مالكاً، وبعضهم يذكر معمراً، لكن أقوالهم تجتمع في أنهم أتباع التابعين الذين هم أول من صنفوا. فمثلاً لأهل مكة يذكرون ابن جريج، لأهل المدينة يذكرون مالك بن أنس أنه أول من صنف، لأهل البصرة يذكرون سعيد بن أبي عروبة، لأهل الكوفة يذكرون سفيان الثوري، وهكذا. وقد جمع معهم السيوطي أو أشار السيوطي في ألفيته إلى هذا النوع من التأليف فقال:

أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب أمراً له عمر وكان ذلك الجمع من غير ترتيب، وأول الجامع للأبواب جماعة في العصر ذو اقتراب كابن جريج وهُشيم مالك ومعمر وولد المبارك

وفي نهاية القرن الهجري الثاني وبداية القرن الثالث ظهر نوع آخر من التأليف وهو ما يسمى بالمسانيد؛ كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند عبيد الله بن موسى، وهذا شيخ البخاري رحمه الله. أما أبو داود الطيالسي فهو يروي عنه البخاري بواسطة، وكذا الأئمة الستة، وعبيد الله بن موسى هو شيخ للبخاري وهو من أوائل من صنف المسند. يقول الحاكم إن أبا داود وعبيد الله بن موسى هما أول من صنف المسند.

وطريقة تصنيف المسانيد هي جمع أحاديث كل صحابي على حدة؛ جمع أحاديث الصحابة عن النبي ﷺ من غير أن ينظر إلى ترتيب تلك الأحاديث من حيث الموضوع، فهي ليست مرتبة على الأبواب كالأصناف، وإنما على حسب الصحابة. واختلف أهل المسانيد كيف يرتبون الصحابة فيما بينهم؛ فمنهم من بدأ بالعشرة المبشرين بالجنة -بأهل الفضل-، ومنهم من رتبهم على حسب القبائل، ومنهم من رتبهم على حروف المعجم -على الأبجدية-، وهكذا.

والفرق بين الكتب السابقة التي هي الأصناف وبين المسانيد يتضح في ثلاثة أمور: الأمر الأول أن الأصناف مرتبة على المواضيع الفقهية، والمسانيد مرتبة على الصحابة. الأمر الثاني أن الأصناف فيها الأحاديث النبوية وفيها أيضاً آثار الصحابة والتابعين، بينما المسانيد هي مقتصرة على الأحاديث النبوية فقط؛ لذلك يسمى المسند مسنداً. أصلاً كلمة المسند في المصطلح معناها الحديث المتصل المروي عن النبي ﷺ، فأُخذ منه كتاب المسند، فسمي الكتاب مسنداً لأن ما فيه من الحديث مسند. والثالث أن الأصناف تقتصر على أقوى الأحاديث في الباب، بينما المسانيد تجمع أكبر عدد مما رواه الصحابي؛ يحاول أهل المسانيد أن يستقصوا في روايات الصحابة، سواء كانت الرواية قوية أم غير قوية، لكنهم لا يروون في المسانيد الأحاديث الموضوعة أو التي فيها رواة كذابون ونحو ذلك، إنما يقتصرون على ما يمكن أن يُحتج به أو ما يمكن أن يُعتبر به أو يُستشهد به.

وهذه المسانيد لها فائدة وهي أنها احتوت جميع السنة أو جميع الأحاديث النبوية، وهذا الأمر ينبغي أن يعتقده كل مسلم: أن السنة قد جُمعت من خلال المسانيد ومن خلال الكتب الستة وأمثالها من الكتب المشهورة، وذلك لأمور: أولاً أن أصحاب المسانيد حفاظ كبار؛ كأحمد بن حنبل، ومسدد بن مسرهد، وأبو بكر بن أبي شيبة؛ هؤلاء حفاظ جبال، الواحد منهم إذا قيل له عن حديث فلم يعرفه قال العلماء بأن هذا الحديث لا وجود له. بل هؤلاء يعتبرون أهل المسانيد أحفظ أهل الإسلام من حيث كثرة المحفوظات، حتى أنه قيل إن الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث.

الأمر الثاني أن الذين صنفوا في المسانيد كثيرون؛ هناك مسانيد كثيرة ربما لا يخلو بلد من حافظ قد ألف فيه مسنداً، بعضها أو أكثرها وصل وبعضها لم يصل، لكنها مروية في كتب أخرى أو من طرق كتب أخرى. الثالث أن كل واحد من هؤلاء أصحاب المسانيد قد أراد الاستقصاء، حاول أن يجمع كل ما يعرفه حتى ادعى بعضهم، وهو الإمام أحمد، أن ما لا يوجد في كتابه فليس بحجة، فهذا دليل على أنهم أرادوا الاستقصاء. وعليه فلا يمكن القول بأنه قد فاتهم جميعهم حديث من أحاديث السنة، لا سيما إذا أضيف لهذه الكتب الكتب الستة.

ولذلك يقول البيهقي رحمه الله بأن الأحاديث قد جُمعت في تلك الكتب المشهورة -في معنى كلامه- أن الأحاديث قد جمعها الأئمة في هذه الكتب المشهورة، فإذا جاءنا أحد وروى حديثاً ليس في تلك الكتب رددناه عليه؛ لأن السنة لا تذهب عنهم جميعهم، وإن كانت قد تذهب عن بعضهم. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنت ذكرت قبل الفاصل أن هناك طريقة من التأليف وهي المسانيد جاءت في أواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث، وأن هذه المسانيد وكذلك الكتب الستة كما سيأتينا قد جمعت السنة ولا يخرج عنها شيء من السنة؛ قال ذلك الإمام البيهقي.

هذه المسانيد لما أُلّفت بقيت، ومن المصنفات التي بقيت مصنف عبد الرزاق الصنعاني ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة، وهذان الكتابان الغالب عليهما الآثار -آثار الصحابة والتابعين- مع وجود بعض الأحاديث المسندة فيهما. ثم ظهر بعد المسانيد -استمرت مع المسانيد- نوع آخر من التأليف، وهو كالنوع الأول كالأصناف التي صُنّفت على الموضوعات، إلا أن هذا النوع اقتصر على الحديث؛ فصنف أحاديث على الموضوعات ليس مع شيء من كلام الصحابة ولا من كلام التابعين.

وهذا التصنيف قسمان: قسم اشترط أصحابه الصحة؛ أن لا يخرجوا في كتبهم إلا الصحيح من الحديث، وهذا يمثله الصحيح، صحيح البخاري وصحيح مسلم، ومن المتأخرين من ألف في الصحيح أيضاً. القسم الآخر هو من لم يشترط الصحة إلا أن هؤلاء اشترطوا إخراج أفضل ما يجدونه في الباب ولو لم يكن صحيحاً، لكنهم اشترطوا أن لا يكون الراوي مجمعاً على تركه أو كذاباً، ويمثل هذا القسم الكتب الأربعة والسنن الأربعة، وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وآخر هذه الكتب تصنيفاً أو تأليفاً هو تصنيف النسائي رحمه الله؛ لأنه توفي سنة 303هـ، وهو آخر أصحاب الكتب الستة.

هذه الكتب الستة مع المسانيد تكون السنة بها قد اجتمعت، لا يمكن أن يخرج عنها حديث صحيح؛ وذلك لأن الكتب الستة قد اجتهد أصحابها غاية الاجتهاد في جمع ما يتعلق بالأحكام مما يمكن الاحتجاج به أو الاستشهاد به أو حتى القول به احتياطاً وإن كان ضعيفاً، ولم يتركوا من ذلك إلا ما كان راويه متروكاً أو كان خطأً أو كان موضوعاً. وإذا أُضيف إلى الكتب الستة المسانيد، ونحن نعلم أن أصحابها قصدوا الاستقصاء في الجمع، علمنا أنه لم يخرج من هذه الكتب حديث صحيح. ولذلك قال البيهقي قوله المتقدم، والبيهقي لما قال بأنه لا يخرج عن هذه الكتب المشاهير شيء من السنة، صار هو وأمثاله من الحفاظ يروون في كتبهم المصنفة -وهو من المتأخرين- من طريق تلك الكتب المتقدمة.

مثلاً سأضرب مثالاً حتى يتضح المقصود: البيهقي أخرج حديثاً في سننه من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، فذكر حديثاً. إذاً من طريق عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي الذي هو أحمد بن حنبل، إذاً هذا الحديث موجود في المسند، قال حدثنا أبو سلمة الخزاعي، ثم ذكر في آخر هذا الحديث بعد ما رواه البيهقي قال: رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن عبد الرحيم عن أبي سلمة الخزاعي. إذاً التقى سنن البيهقي مع البخاري في الخزاعي، والبيهقي إنما رواه من طريق أحمد. فكأن البيهقي رحمه الله هنا قد بين أمرين: أورد الحديث من طريق أحمد، فكأنه يقول لنا: أنا لم آت بشيء من عندي، ثم بين أن البخاري أخرجه، فكأنه يقول: هذا الحديث أيضاً صحيح، فكأنه يقول: كتابي موثوق لأني أروي من طريق تلك الكتب ولا آتي بشيء من عندي.

وأما من جاء بعد أصحاب تلك الكتب المشهورة من المؤلفات، فإنها تدور في فلك تلك الكتب؛ يعني مثلاً صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، وسنن الدارقطني، والبيهقي كما ذكرنا، هذه الأحاديث التي في هذه الكتب هي موجودة في الكتب السابقة في الغالب، يرويها أصحابها إما من طريق الكتب السابقة أو من طرق أخرى تتصل بالكتب السابقة.

لم يكن من تلك الأحاديث موجود في الكتب السابقة، فذلك إما أن يكون خطأ، وإما أن يكون متروكاً، وإما أن يكون موضوعاً قد تركه أصحاب تلك الكتب عمداً. هذه الكتب والمصنفات بعد ذلك كان الأئمة في جمع الكتب السابقة أهل تحر وتدقيق، وإن كانوا لم يقتصروا على الصحيح فقط، بل اضطروا بسبب محاولتهم للجمع أن يرووا أيضاً الأحاديث الضعيفة، لكنهم اشترطوا أن تكون موضوعة، وهناك من اشترط الصحة كما ذكرت.

هذا الجمع رافقه ظهور علوم حديثية احتاج الأئمة إليها، ومن أول ما ظهر من تلك العلوم علم الجرح والتعديل؛ لأنهم كانوا في بداية الأمر يفتشون عن الرواة ويبحثون عن أحوالهم، وذلك في عهد التابعين لما احتاجوا إلى الإسناد. وكان أول من فتش عن الرجال الإمام محمد بن سيرين البصري، وقد ترجمنا له وتوفي سنة 110هـ، وأخذ عنه التفتيش؛ لأنه كان يقول: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، ثم قالوا: سموا لنا رجالكم، وكلام كثير قاله في التفتيش عن الحديث. وأخذ عنه علم التفتيش عن الحديث أو عن الرواة أيوب السختياني، وانتشر ذلك واتسع في أتباع التابعين، وكان من أول من توسع في ذلك شعبة بن الحجاج، وكذلك كان مالك، وهو قرين شعبة، ينتقي رجاله أشد الانتقاء. وهكذا انتشر بين أهل العلم من المحدثين فحص الرواة وامتحانهم والبحث عن الأحاديث الصحيحة.

ظهرت أيضاً حاجة المحدثين مع كثرة الرواة والروايات إلى المقارنة بين تلك الروايات؛ بين روايات التلاميذ عن شيوخهم، فيفرقون بينها حتى يعرفوا المتثبت الحافظ مما ليس كذلك. فظهر علم الجرح والتعديل وظهر علم التعليل، وكان هذا بينهم ينقلونه نقلاً، وتجد بعضهم أحصى ما أخطأ فيه كل راو، وما سمعه من شيخه مما لم يسمعه. وهكذا شيئاً فشيئاً أخذ علم الحديث يتبلور وتترسخ قواعده وتُدون، فدون العلماء كتباً في الثقات، وكتباً في الضعفاء، وكتباً تجمع بين القسمين، وكتباً في المراسيل، وكتباً في علوم الحديث الذي هو المصطلح، وكتباً في المدلسين، وكتباً في المختلطين، وكتباً في العلل. وهكذا كل ذلك لخدمة تلك الروايات من الأحاديث والآثار، وخدمة تلك الكتب التي جمعتها.

يمكن الكلام عن بعض تلك المؤلفات التي ألفت لخدمة السنة، وإن كان وقت الحديث قصيراً والحديث طويلاً، لكني سأشير إشارات يسيرة. مثلاً من الكتب التي ألفت لخدمة الأسانيد كتب الجرح والتعديل، وهي كثيرة جداً، ويقصد بها ذكر الراوي وذكر أحاديثه وبيان أحواله من عدالة وضبط ولقائه للشيوخ، ومن سمع من من، ومن لم يسمع، ويذكر فيه ما يتصل بحال من انقطاع بين الرواة. وقد تنوعت هذه الكتب إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الكتب الجامعة بين الثقات والضعفاء، مثل كتاب التاريخ الكبير للبخاري، وعدد الرواة في كتاب التاريخ للبخاري قرابة 14 ألف راوٍ. كنت في حلقة سابقة قد عددتهم من الفهرس وكان المرقّم لها يرقم بعض المجلدات فوجدت أكثر من 3000، فذكرت في حلقة من الحلقات أن فيه 3000 وأنا كنت مستغرباً من العدد، ثم فحصت بعد ذلك لما عددت كل مجلد فوجدت أن الرواة أكثر من 14 ألفاً. وهكذا كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم فيه ما يزيد على 18 ألف راوٍ. ومن هذه الكتب الجامعة أيضاً كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي رحمه الله، وهذا الكتاب مقصور على رجال الكتب الستة فقط، لكنه توسع فيه توسعاً كثيراً، فذكر كل رواة الشيخ وتلاميذه وشيوخه، وذكر كل ما يتعلق به من أحوال، وأول ما طبع هذا الكتاب طبع في 35 مجلداً.

النوع الثاني من كتب الجرح والتعديل: كتب الثقات فقط، محصورة على الثقات دون الضعفاء والمجروحين، وهذا النوع ليس كثيراً، منه كتاب الثقات للعجلي، وكتاب تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين، وكتاب الثقات لابن حبان وغير ذلك. وفي كتاب الثقات لابن حبان لأن شرطه فيه خفيف، فيه أكثر من 12 ألفاً من الرواة.

النوع الثالث من كتب الجرح والتعديل: كتب الضعفاء، وهذا خاص بالضعفاء والمجروحين، وهي كتب كثيرة منها الضعفاء للبخاري، ومنها الضعفاء والمتروكين للنسائي، ومنها المجروحين لابن حبان، ومنها الضعفاء الكبير للعقيلي، ومنها الكامل في ضعفاء الرجال، وميزان الاعتدال وغير ذلك. والكامل هو أوسعها، صاحبه أبو أحمد بن عدي وهو من القدماء توسع فيه جداً، بحيث يذكر في ذلك الكتاب الراوي ومن جرحه ومن تكلم فيه، ويذكر رواياته ويستقرئ، خصوصاً إذا كان مقلاً فيذكر كل الروايات التي رواها، والمستنكر بالذات ويقول: استنكر عليه كذا، وهذه الرواية خطأ، فيعد تلك الروايات، وهو كتاب حافل عظيم فيه من الفوائد الشيء الكثير.

هناك أنواع أخرى من المصنفات مما يخدم الكتب السابقة في الرواة، منها ما هو خاص ببعض الرواة، مثل كتب الوحدان، وهي خاصة بالرواة الذين لم يروِ عنهم إلا رجل واحد. وهناك كتب الأسماء المفردة، ومعناها الذي لا يوجد لها نظير في الكتب، وهناك كتب المشاهير والعلماء والفقهاء، وكتب المدلسين، والمختلطين، وأنواع كثيرة، وكتب المراسيل وهي التي تنص على وجود انقطاع في روايات بعض الرواة عن بعض، أو كتب شيوخ المصنفين تذكر شيوخهم فقط، أو كتب الولاة والقضاة، والكنى والأسماء، ومن وافق اسمه اسم أبيه أو كنيته، إلى غير ذلك.

ومن الكتب أيضاً المهمة التي ألفت لخدمة السنة كتب العلل والسؤالات، وهذه الكتب ألفت خصيصاً لمعرفة ما أخطأ فيه الرواة من الروايات، وفيها أيضاً معانٍ أخرى من الجرح والتعديل وكلام على قواعد الحديث، وهي كثيرة جداً، منها علل الحديث لابن أبي حاتم وهو من أحسنها وأنفعها، وعلل الحديث ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، وكذلك علل الترمذي يرويه عن البخاري، وكذلك هناك العلل في روايات الأحاديث النبوية للدارقطني رحمه الله، إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة التي اجتهد فيها العلماء. وبهذه الكتب التي اجتهدوا فيها جاءتنا السنة نقية صافية، يمكن لأي محدث يعلم بهذه الكتب بكل سهولة أن يتبين ما هو الصحيح من الضعيف من الروايات.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.