قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي سنتحدث فيها بإذن الله عن إمام وعلم من أعلام الأمة، وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه -وهذه اللفظة لفظة بخارية معناها الزراع- الجعفي مولاهم البخاري، صاحب الصحيح، وإمام هذا الشأن والمقتدى به فيه، عول على كتابه بين أهل الإسلام، أمير المؤمنين في الحديث حقاً، وأستاذ هذه الصناعة. سماه الإمام مسلم: أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله.
أسلم جد أبيه المغيرة على يدي اليماني الجعفي والي بخارى، وكان مجوسياً. وطلب أبوه أبو البخاري إسماعيل بن إبراهيم العلم، ويذكر ذلك البخاري نفسه، يقول: سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه. رحل البخاري في طلب الحديث إلى سائر محدث الأمصار، وكتب عن أكثر من ألف شيخ. دخل بغداد مرات عديدة، منها ثماني مرات كان يجالس فيها أحمد بن حنبل، فقال له في آخر مرة ودعه فيها: يا أبا عبد الله، تدع العلم والناس وتصير إلى خراسان؟ يقول أحمد بن حنبل له: مثلك يبقى هنا وينشر العلم ويتعلم من الناس. قال البخاري: فأنا الآن أذكر قوله. هناك في خراسان ربما لم يحفل به كثيراً خصوصاً في آخر حياته، وربما يأتينا الكلام عن ذلك.
أعلى شيوخ البخاري إسناداً هم الذين أدركوا التابعين؛ فإذا روى عنهم البخاري كان بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة أنفس: شيخه، والتابعي، والصحابي. ومنها أولاً أبو عاصم النبيل، وهو شيخ لأحمد، وضحاك بن مخلد، ومنهم محمد بن عبد الله الأنصاري، ومكي بن إبراهيم، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم. كانت بداية طلبه رحمه الله أنه ألهم حفظ الحديث وهو ما زال في الكتاب وعمره عشر سنين أو أقل من ذلك. ثم خرج من الكتاب بعد العشر بعدما حفظ القرآن، وسار يختلف على العلماء.
فحدث أحد مشايخه بحديث عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن إبراهيم، فقال البخاري: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم إبراهيم النخعي، وأبو الزبير مكي. فانتهره الشيخ، ثم رجع إلى الأصل ونظر فيه، فقال: كيف هو يا غلام؟ فقال البخاري: هو سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم. فقال: صدقت. وكان عمر البخاري ذلك الوقت إحدى عشرة سنة. ثم حفظ كتب ابن المبارك، وكتب وكيع بن الجراح، وغيرها من الكتب، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى الحج إلى مكة، فرجع أخوه وتخلف هو في طلب الحديث. فلما بلغ ثماني عشرة سنة جعل يصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنف التاريخ الكبير وفيه أكثر من ثلاثة آلاف راوٍ، وكان يقول: قل اسم في التاريخ إلا وله قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب في التاريخ.
ولما صنف البخاري التاريخ أخذ إسحاق بن راهويه -وهو من شيوخه- هذا الكتاب فأدخله على عبد الله بن طاهر أمير خراسان، فقال: أيها الأمير، ألا أريك سحراً؟ حتى الشيخ متعجب من هذا المؤلف الذي هو في الرجال، فنظر فيه عبد الله بن طاهر فتعجب منه. وكان شيخه إسحاق هذا ابن راهويه يحدث مرة والبخاري حاضر المجلس، فمر إسحاق بحديث من أحاديث النبي ﷺ، وكان دون صاحب النبي ﷺ رجل اسمه عطاء الكيخراني، فقال إسحاق بن راهويه: يا أبا عبد الله، إيش كيخران هذا؟ ما هذه النسبة؟ قال البخاري: هي قرية باليمن، كان معاوية بن أبي سفيان بعث هذا الرجل من أصحاب النبي ﷺ إلى اليمن، فسمع منه عطاء الكيخراني هذا حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبد الله، كأنك قد شهدت القوم.
والكلام في حفظ البخاري كثير جداً، لكن يكفيه فخراً وعزاً لا يضاهيه فخر ولا عز هذا الكتاب الذي بين أيدينا الذي أصبح مرجع المسلمين ومعول المؤمنين بعد كتاب الله عز وجل الذي هو صحيح البخاري. لما قال البخاري عن شيخه علي بن المديني -وهو إمام هذا الفن، إمام الصنعة-: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني؛ وبلغ هذا الكلام ابن المديني، قال لهم علي بن المديني: دعوه، دعوا هذا، فإن محمد بن إسماعيل لم يرَ مثل نفسه. يعني لو قال هذا الكلام هو، لم يرَ مثل نفسه، يعني هو أحسن مني بلا شك. وكان تلميذه أبو عيسى الترمذي صاحب السنن يقول: لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل.
الكلام في فضل البخاري وعلمه وديانته كثير جداً، غير أني سأقتصر على واقعتين: إحداهما مع أهل بغداد وهي مشهورة، والأخرى مع الإمام مسلم صاحب الصحيح. أما الأولى التي هي مع أهل بغداد، فهي أنهم لما قدم بغداد أراد بعض أصحاب الحديث في بغداد اختبار حفظ البخاري، فاجتمعوا له وعمدوا إلى مئة حديث وزعوها بينهم بين عشرة منهم، وقلبوا متونها وأسانيدها، فصار كل واحد منهم يحفظ عشرة من الأحاديث، وأمروهم أن يلقوها على البخاري في مجلس التحديث. فلما اجتمع الناس، قام رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، ثم سأله عن آخر فقال: لا أعرفه، إلى أن انتهى من العشرة، ثم قام الثاني وفعل مثل ذلك، ثم قام الثالث إلى أن انتهوا العشرة، والناس يتعجبون؛ الحافظ إذا قال في حديث: لا أعرفه، يتعجبون، فما بالك بمئة حديث!
فلما رأى البخاري أنهم فرغوا، التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني كذا، وسار يعدل المتون والأسانيد حتى انتهى من العشرة، فرد كل متن من العشرة الرجال ومن المئة إسناد فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه. فعند ذلك أذعن الناس بحفظه وبعلمه رحمه الله عليه. كان الحافظ العراقي يقول فيما ينقله الحافظ بن حجر: ليس العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب فإنه واسع العلم، وإنما العجب من حفظ البخاري الأحاديث على الوجه الخطأ من مرة واحدة. يعني حفظ المئة على الوجه الخطأ وصار يصلحها. وإلى هذه الحادثة أشار العراقي في ألفيته وهو يتكلم عن الحديث المقلوب فقال: ومنه قلب سند لمتن، نحو أنهم إمام الفن في مئة لما أتى بغداد، فردها وجود الإسناد.
وأما الواقعة الثانية وهي التي حدثت مع الإمام مسلم، فهي أن إنساناً محدثاً قرأ على البخاري حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة حديث كفارة المجلس. فقال له مسلم: يا أبا عبد الله، هل في الدنيا أحسن من هذا الحديث؟ ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل! يعني هؤلاء أئمة، وحسنه هنا لأن موسى بن عقبة لا يعرف بالرواية عن سهيل، فقال البخاري: لا، إلا أنه معلول. فعند ذلك قال مسلم: لا إله إلا الله، وارتعد، ثم قال: أخبرني به، ما هي علته؟ فقال: استر ما ستر الله، فإن هذا حديث جليل رواه الخلق عن حجاج. فألح عليه مسلم وقبّل رأسه كاد أن يبكي، فقال: إن كان ولا بد، فاكتب: حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي عن عون بن عبد الله، قوله؛ يعني أن هذا الحديث من قول عون بن عبد الله. فقال مسلم: لا إله إلا الله، لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد بالله أنه ليس في الدنيا مثلك، أو نحو هذا الكلام. الشاهد أن مسلماً اقتنع بهذه الحجة، وقد أعلَّ هذا الحديث جماعة من النقاد بنفس ما أعله به البخاري؛ منهم أحمد بن حنبل، وأبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، والدارقطني، وغيرهم من الناس.
وشرح هذا النوع من التعليل في الحقيقة يطول. وربما أذكر شيئاً من ذلك؛ هم يقولون إن النقاد يرون بأن المحدثين الغالب عليهم أنهم لا يحبون إلا الحديث الصحيح، ولا يحبون إلا الحديث المروي إلى النبي ﷺ. فلما جاء حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا السند سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة يسمونه جادة، والجادة هي التي يسلكها الناس عادة. وقد وقع لي في مثل هذا حادثة، وقعت لي أنني كنت أذهب للمسجد على رجلي -هذا من باب الشرح ومن باب التفهيم معنى الجادة وكيف أعَلَّ البخاري هذا الحديث- كنت دائماً أذهب إلى المسجد وأنا أمشي على رجلي لأن المسجد قريب، ومرة من المرات جئت بسيارتي فوقفت عند المسجد وصليت، وذهبت إلى البيت على رجلي، فلما خرجت من البيت بعد ذلك لأمار السيارة، خفت خوفاً شديداً وظننت أنها سرقت، وكنت أريد الاتصال بالشرطة، ثم تذكرت أني كنت أوقفتها في المسجد. ما الذي حصل هنا؟ لما أوقفتها في المسجد وذهبت إلى البيت، سلكت الجادة التي تعودت عليها، وهي الذهاب مشياً على الأقدام إلى البيت. فهم يقولون: سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة هذه جادة، وأيضاً هذا حديث مرفوع بخلاف عون بن عبد الله لما هو بنفسه يقول حديثاً أو يقول حديثاً مرسلاً. فلما اختلف اثنان على سهيل، واحد قال عن سهيل عن أبي صالح عن أبيه، وواحد قال عن سهيل عن عون بن عبد الله، علمنا أن هذا الذي لم يسلك الجادة أنه هو الصواب. فلذلك لما ذكر البخاري هذا الحديث لمسلم، قال مسلم: أشهد بالله أنه لا يبغضك إلا حاسد وأنه ليس في الدنيا مثلك. طبعاً أنا وجدت حديثاً ربما كان هو سبب الخطأ يرويه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وهو في المجلس أيضاً، قال: قال الرسول ﷺ: «إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به»، فلعل الراوي لحديث سهيل أخطأ بهذا الحديث.
والبخاري كغيره من أئمة هذا الفن، من أئمة هذا الشأن، لحقه الحسد وحصلت له ابتلاءات كثيرة. بعض الأمراء أخرجوه من بلده مثل أهل نيسابور، سعى به رجل إلى الأمير حسده لما رأى كثرة الناس عنده، فسعى به إلى الأمير فأخرجه من نيسابور، وذكروا له مسألة اللفظ بالقرآن، لفظي بالقرآن مخلوق، وتجافى عنه كثير من أهل الحديث بسبب أن الرجل الذي قام ضده، وهو محمد بن يحيى الذهلي، كان إماماً من الأئمة. ثم ذهب البخاري عنهم وذهب إلى بخارى، فلما جاء بخارى فحصلت بينه وبين والي بخارى بعض سوء التفاهم، كان يريد أن يقرأ الصحيح على أولاده، فامتنع البخاري، فقال: سيرسل الأولاد ويريده أن يقرأ عليهم، فامتنع البخاري، فاشتد فرفع به بعض الناس فتكلموا في العامة أن البخاري اعتقاده غير صحيح كذا، حتى يرفعونه إلى الوالي، فلما رفعوه إلى الوالي أخرجوه. فخرج وهو مغموم ودعا الله وقال: إنها ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك، فقبض. ورؤي في النوم، رآه أحد الأئمة في النوم، هذا كان في سنة 256 قبض في رمضان في ليلة الفطر. ومن المنامات التي رؤيت له أن رجلاً رأى النبي ﷺ في المنام ومعه الصحابة واقفون، فقال: يا رسول الله لأي شيء وقوفك؟ فقال: أنتظر محمد بن إسماعيل يقدم. قال: فلما قمت وجاءني بعد أيام أن محمد بن إسماعيل توفي، فنظرت فإذا هو في اليوم الذي رأيت فيه تلك الرؤيا. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تحدثنا قبل الفاصل عن بعض سيرة الإمام البخاري بشيء من الاختصار، وأود أن أتحدث أيضاً عن كتابه الصحيح بشيء من الاختصار. من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الصحيحين، يعني صحيح البخاري وصحيح مسلم، هما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، وقد تلقته الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصح من كتاب مسلم عند أكثر العلماء. وليس معنى كونهما أصح الكتب بعد كتاب الله أنه ليس فيهما شيء ينتقد، بل إن جماعة من العلماء النقاد والحفاظ الجهابذة قد انتقدوا على البخاري ومسلم بعض الأحاديث اليسيرة، لكن هؤلاء العلماء الذين انتقدوا مع انتقادهم كانوا ممن يعظم هذين الكتابين ويدرجانهم في الاحترام؛ فكلامهم في بعض تلك الأحاديث إنما هو من باب النصيحة، ومن باب المحبة، والصيانة لهذين الكتابين، والصيانة للدين، لأن صيانة هذين الكتابين من صيانة الدين، فهذا كان طريقتهم، لأن هذين الكتابين هما العمدة كما ذكرت بعد القرآن.
هنا مسألة لا بد من الوقوف عندها وهي أن من انتقد الصحيحين من هؤلاء العلماء إنما هم من حفاظ الحديث الكبار ومن النقاد العارفين بالعلل الذين يميزون بين الصحيح والسقيم، ومع ذلك لم يسلم نقدهم أو لم يسلم لهم أيضاً من نظرائهم. ولذلك يقول السيوطي رحمه الله عليه في ألفيته: وانتقدوا عليه ما يسيراً، فكم نحوهما نصيرا؛ يعني كم من الناس انتقدوا هذا الانتقاد من.
ذكرت هذه المسألة لأننا صرنا نرى اليوم كثيراً من الناس يتكلمون في الصحيحين وهم ليس عندهم من العلم الشرعي شيء، وليس عندهم أهلية النظر ولا أهلية التمييز بين الصحيح والسقيم. ولكن سبب كلامهم في هذين الكتابين، بل وفي السنة كلها، هو ذلك الكم الهائل من الشبه التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، فيطلع عليها بعض أبناء المسلمين الذين لم يتحصنوا بشيء من العلم الشرعي، بحيث ليس عندهم ما يمكنهم من البحث اليسير للوصول إلى الحق ومعرفة الطريقة المنهجية من غير المنهجية، فيحدث ذلك في نفوسهم ما يحدث من التشكيك، فيندفعون إلى الإنكار والانتقاد بلا أسس ولا قواعد.
سأسوق مثالين حتى يتبين لنا وللناس سطحية هذه المنهجية التي يتعامل بها بعض هؤلاء. من تلك الأمثلة ما رواه الشيخان من حديث علقمة بن قيس النخعي، وقد مرت معنا ترجمته، وهو أعلم تلاميذ ابن مسعود وأصحهم إسناداً إليه، حيث ذكر أنه قدم الشام، وهذا في الصحيحين، فلقي أبا الدرداء فسأله أبو الدرداء: كيف يقرأ عبد الله بن مسعود ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾؟ فقال: فقرأ عليه علقمة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَىٰ﴾ [الليل: 1-3]، أي لم يقرأ: «وما خلق الذكر والأنثى». قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا من فيه إلى فيه.
فهذا الحديث في أعلى مراتب الصحة، ولذلك اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، بل أخرجه أئمة الإسلام في مواضع متعددة، وله طرق عن إبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وهؤلاء من أعلم أهل الكوفة، عن علقمة، عن ابن مسعود، فهذا في ظاهره من أصح الأسانيد. قد يشكل هذا الحديث على من لا علم عنده بأصول الإسلام وكيف جاءنا هذا الدين، وأما الأئمة فإن معنى الحديث عندهم وتفسيرهم له واضح لا إشكال فيه، ولذلك لم يطعن في هذا الحديث أحد من العلماء، وسأبين السبب في ذلك.
من المعلوم عند أهل العلم أن عبد الله بن مسعود يعتبر من القراء الكبار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: «استقرئوا القرآن من أربعة»، وذكر منهم ابن مسعود. لكن العلماء يعلمون أيضاً أن ابن مسعود قد ثبتت عنه روايات متعددة في قراءته لعدد من الآيات تخالف قراءة المصحف الذي جمعه الصحابة الكرام. العلماء حملوا ذلك من ابن مسعود على أنها قراءة سابقة، أي منسوخة نسخت في العرضة الأخيرة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعارضه جبريل بالقرآن، ففي الصحيحين أن جبريل كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة، وأنه عارضه العام مرتين، أي العام الذي توفي فيه، ولا أراه إلا قد حضر أجلي.
العلماء يقولون: هذه العرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان أن يكتبها الصحابة في المصاحف. كتبها أبو بكر وعمر في خلافتهما في صحف، وأمرا زيد بن ثابت بذلك، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابة المصاحف وإرسالها إلى الأمصار وجمع الناس عليها، واتفق الصحابة على ذلك. والحديث الذي في الصحيحين حمله العلماء على ذلك، أي حملوا القراءة التي فيه على أنها من القراءة المنسوخة، وأن ابن مسعود لم يعلم بذلك، لا هو ولا أبو الدرداء، ولذلك كان من الصحابة من يناقش ابن مسعود وأبا الدرداء في ذلك، بل إن عثمان بن عفان زجر ابن مسعود وألزمه بترك ما كان عليه ورجوعه إلى قراءة الناس، وهي الثابتة عنه مؤخراً. الأسانيد إلى ابن مسعود وإلى أبي الدرداء هي بالقراءة التي أجمع عليها الناس، هذا هو نظر الأئمة لهذا الحديث وأمثاله عن ابن مسعود وغيره.
في الحديث معانٍ أخرى تدل على فضائل بعض الصحابة؛ ففي هذا الحديث ذكر ابن مسعود وأنه صاحب الوساد، وذكر عمار بن ياسر وذكر حذيفة، فكان العلماء يخرجون هذا الحديث ليستفيدوا منه المعاني الأخرى ويعلمون المعنى الأول أنه منسوخ. ثم نفاجأ نحن في هذه الأيام بأناس لم يتخصصوا في الحديث ولم يتخصصوا في العلم، بل بعضهم ربما تخصصه في الماشية، فيتكلم في صحيح البخاري! يتعلقون بهذه الرواية وأمثالها ويزعمون أن الصحيحين غير صحيحين لأنهم أجمعوا على رواية تخالف القرآن المتواتر. حتى رأيت لبعضهم، بعض المشهورين في مواقع التواصل الاجتماعي في تويتر، يقول: ديننا ورسولنا وقرآننا بريئون من هذه السخافات. نسميها سخافات! يعني لا علم للأسف ولا أدب حتى في المنطق هكذا يقول، والآخر يقول: تنزيه البخاري ومسلم يعني القبول بتحريف القرآن. ما هذا؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
بالله عليكم، ألم يكن من الجدير بأمثال هؤلاء سؤال أهل العلم وعدم الجرأة والتقدم على الحديث الصحيح هكذا؟ هذا الحديث لو لم يروه البخاري ومسلم وكان في غيرهما من كتب الإسلام بهذه الأسانيد، فإنه لا يسع العالم إلا قبولها والبحث عن معناها. العجيب أن هنا أمراً غريباً آخر، وهو أن أمثال هؤلاء غير متخصصين في الحديث، عليهم أن يسألوا المتخصصين، فأين احترام التخصص وأين التفكير العقلاني؟ أليس هذا الاختلاف بين المصحف وبين مثل هذا الحديث اختلافاً واضحاً بيناً لكل أحد؟ عامة الناس يعرف هذه الآية في المصحف أنها ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ [الليل: 3]، فهل يصح أن يخفى هذا الذي هو بين لعلمة الناس، أن يخفى على أئمة الإسلام ويخرجون الحديث ولا يعترضون؟ في الحقيقة لا يمكن للعاقل أن يرى مثل هذا إلا ويفهم أن للرواية معنى ووجهاً مفهوماً عندهم، فكان ينبغي عليه أن يتطلب ذلك المعنى بدلاً من أن يقوم بتجهيل هؤلاء الناس كلهم وهؤلاء العلماء كلهم.
هناك أمثلة أخرى كثيرة، من تلك الأمثلة حديث البخاري -بل هو في الصحيحين- حديث أنس بن مالك، أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: ويلك، ما أعددت لها؟ فقال: ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك مع من أحببت». فقلنا: ونحن كذلك، ففرحنا بهذا فرحاً شديداً. ثم مر غلام للمغيرة، فقال: إن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، أجله لذلك الرجل الآن حتى تقوم الساعة أن يدركه الهرم. أنس بن مالك توفي سنة 92، معناه هذا الشاب الغلام وصل 92 أو وصل 100 ولم تقم الساعة. الحديث لا يراد به الساعة القيامة، والدليل على ذلك أن البخاري ومسلم -وهما توفيا سنة 256 وسنة 261- والإمام أحمد توفي سنة 241، وأئمة الإسلام كلهم جاءوا بعد ذهاب 100 سنة، وأخرجوا الحديث، فمعناه أنهم يفهمون من هذا الحديث معنى غير مسألة الساعة.
يأتي شخص ويقول: ما قول عُبّاد الأسانيد؟ لعل بعضهم ينبري ويتهكم بهذا الحديث الذي في الصحيحين، لعل بعضهم ينبري فيقول: وما يدريك لعل هذا الغلام ما زال حياً؟ هكذا يتهكم! الأئمة لما يخرجون مثل هذا الحديث ويسكتون عنه، هل معناه أنهم يفهمون أن هذا الحديث يقتضي أن قيام الساعة في سنة 100، وهم في سنة 260 يخرجون الحديث؟ هذا لا يفعله لا عامة ولا أطفال، لا بد أن نفهم أن للأئمة معنى في ذلك. والحديث لو أن الشخص الذي انتقده بهذه الطريقة لو أنه فتح الصفحات التي بعد ذلك لوجد التفسير؛ البخاري أخرج الحديث من طريق آخر فيه أن بلغ هذا الغلام الهرم: قامت عليكم ساعتكم، قال هشام الراوي: أي موتكم. فالمقصود بالساعة ساعة الحاضرين، وهكذا أخرجه الأئمة بهذه الطريقة.
علينا معشر طلاب العلم وعلينا معشر العقلاء أن نتأنى ولا نتعجل في انتقاد الأئمة في أشياء واضحة. لو كان الشيء خفياً لقلنا نعم، لكنه شيء واضح، والواضح الذي نفهمه نحن ونحن من العوام لا يمكن ألا يفهمه إمام من الأئمة المشهود لهم بالاجتهاد. ولذلك يقول الغزالي رحمه الله عليه: إن ذهاب الخفيات علينا أولى وأقرب من ذهاب الجليات عليهم. فإذا انتقدت مذهب إمام أو قوله بشيء جلي واضح، فاعلم أنه قد يكون خفي عليك شيء، وذهاب الخفيات علينا أولى من ذهاب الجليات عليهم. ثم قال: ولا يكن عقلك أقل من عقل الثعلب، فإنه لما رأى ألية مطروحة في برية وقيل له: بادر إلى طعامك والتقم فقد ظفرت بمطلوب فاغتنم، هذا الثعلب توقف وقال: ألية في برية ما تركت إلا لبلية، ولم يأكلها لأنها كانت مصيدة.
فعلينا معشر طلاب العلم ومعشر المثقفين أن نتأنى في مثل هذه الانتقادات، وأن نسأل المتخصصين، وألا نفتح ثغرة على ديننا ولا على سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري