قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلّغه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع». الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فسوف أتكلم في هذه الحلقة المباركة عن إمام من أئمة المسلمين، وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثم البغدادي. خرجت به أمه وهي حامل من مرو، وولد ببغداد ونشأ بها ومات فيها.
هذا الإمام طوّف البلدان في طلب العلم، فرحل إلى الكوفة، ورحل إلى البصرة، وإلى مكة والمدينة واليمن والشام وغيرها من البلدان. أخذ العلم والحديث عن جماعة من كبار العلماء، منهم: وكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن إدريس الشافعي، ويزيد بن هارون، وهشيم بن بشير، وإسماعيل بن علية، وإبراهيم بن سعد الزهري، وغير هؤلاء من العلماء الكثيرين.
حدّث عنه أيضاً كبار الأئمة، فحدّث عنه من شيوخه: عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق الصنعاني، ويزيد بن هارون، وأبو الوليد الطيالسي. وحدّث عنه من أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم. ومن تلاميذه: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وكذلك أصحاب الكتب الستة؛ روى عنه من أصحاب الكتب الستة البخاري ومسلم وأبو داود، وروى عنه البقية بواسطة، وحدث عنه خلائق كثيرون.
هذا الإمام أجمع العلماء على جلالته، وعلى إمامته في الدين، وعلى علمه في الفقه والحديث، وعلى ورعه وزهده وعبادته، وكلامهم فيه كثير في الثناء عليه، ولو أراد الإنسان أن يجمع لجمع مجلدات؛ فابن الجوزي ألّف مناقبه في مجلدين، والذهبي في سير أعلام النبلاء أفرد له مساحة كبيرة. يقول محمد بن الحسين الأنماطي: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة زهير بن حرب وجماعتهم من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تكثروا بعض هذا القول. فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد مما يستنكر؟ لو جلسنا مجلسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها.
وتفرّس في هذا الإمام عالمان من شيوخه، أحدهما أبو مسهر الدمشقي، فإنه قال له رجل يقال له الحارث بن عباس من العلماء: هل تعرف أحداً يحفظ على الأمة أمر دينها في هذا الوقت؟ فقال: لا أعلمه إلا شاباً في ناحية المشرق، يعني أحمد بن حنبل. والشيخ الآخر من مشايخه هو الهيثم بن جميل، قال له أحمد بن أبي الحواري: سمعت شريك بن عبد الله يقول: لم يزل لكل قوم حُجّة لزمانهم أو حُجّة على أهل زمانه، وإن الفضيل بن عياض حُجّة لأهل زمانه. فقال أحمد بن أبي الحواري للهيثم بن جميل: هل تعلم حُجّة لأهل هذا الزمان؟ وكان هناك فتى قد قام من المجلس، فنظر الهيثم بن جميل وقال: إن يكن لأهل هذا الزمان حُجّة، فذاك الفتى.
وقال الشافعي رحمه الله عليه -وهو من شيوخه-: خرجت من بغداد فما خلّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وكان يقول لأحمد: يا أبا عبد الله، إذا صحّ عندكم الحديث فأخبرنا حتى نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا. وقد تعجّب شيخه أبو عاصم النبيل -وهو من شيوخه الكبار- من حاله؛ يقول أبو عاصم النبيل لتلاميذه: ألا تفقهون؟ ما ليس فيكم فقيه! فجعل يتكلم عليهم، فقال رجل منهم: فينا رجل من أهل الفقه. فقال: من هو؟ قالوا: الساعة يأتي. فلما جاء أحمد بن حنبل أشاروا إليه فقالوا: هذا. وكان هذا بداية طلبه عند أبي عاصم النبيل، فنظر إليه فقال له: تقدّم. فقال: أكره أن أتخطى الناس. فقال أبو عاصم: هذا من فقهه. ثم قال: وسّعوا له، فوسّعوا له، فدخل فجلس بين يديه، وألقى عليه مسألة فأجاب، ثم ألقى عليه مسألة ثانية فأجاب، وثالثة فأجاب، وسار يلقي عليه المسائل وأحمد يجيب، فقال أبو عاصم: هذا من دواب البحر وليس من دواب البر، يعني هذا مختلف عنكم.
ثم صار أبو عاصم نفسه يشيد بأحمد بعد أن عرفه، فقد قال يوماً لتلاميذه: من تعدّون في الحديث ببغداد؟ فقالوا: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبو خيثمة. قال: من تعدّون بالبصرة؟ فقالوا: علي بن المديني وابن الشاذكوني وغيرهما. قال: من تعدّون بالكوفة؟ قالوا: ابن أبي شيبة وابن نمير وغيرهما. فقال أبو عاصم وتنفس: ما أحد من هؤلاء إلا وقد جاءنا ورأيناه، فما رأيت في القوم مثل ذلك الفتى أحمد بن حنبل.
وهذا الإمام كان يُهاب ويُجلّ، فقد شهد له شيوخه الكبار، فمرة ضحك بعض التلاميذ عند إسماعيل بن علية وأحمد موجود، فلما ذهبوا وجاؤوا في المرة الأخرى وجدوا شيخهم غضبان، فقال لهم: أتضحكون وأحمد بن حنبل عندي؟ وكان وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم علينا الكوفة مثل ذلك الفتى، يقصدان أحمد بن حنبل. ولما دخل البصرة رآه سليمان الشاذكوني -وهو نظيره كعلي بن المديني- فساءه مكانته عند الناس كأنه حسده، ثم ذكره ليحيى بن سعيد القطان بشيء، وكان يحيى لم يره قبل ذلك اليوم، فقال له يحيى: حتى أراه. فلما رأى أحمد بن حنبل قال للشاذكوني: ويلك يا سليمان! أما اتّقيت الله؟ تذكر حبراً من أحبار هذه الأمة؟ ويقول إبراهيم الحربي وقد ذُكر أحمد بن حنبل: كان الله قد جمع له علم الأولين من كل صنف، يقول ما يشاء ويمسك ما يشاء.
ويكفي في الدلالة على إمامته وفضله أن جماعة من الأئمة الكبار المقتدى بهم نصّوا على أنهم اتخذوا أحمد بن حنبل حُجّة فيما بينهم وبين الله، يعني إذا سألهم الله: لم فعلتم كذا؟ قالوا: لأن أحمد بن حنبل أفتانا، أو سمعنا أحمد بن حنبل يقول كذا وكذا. من هؤلاء العلماء الكبار: علي بن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام صاحب اللغة، ومحمد بن يحيى الذهلي، وكل هؤلاء وغيرهم يقولون: قد اتخذنا أحمد بن حنبل حُجّة بيننا وبين الله.
وأما كلامهم عنه فيما حدث له من المحنة فكثير، فالإمام أحمد وقف في هذه المحنة وقفة عظيمة، وهي محنة القول بخلق القرآن. يقول قرينه علي بن المديني: أيّد الله هذا الدين برجلين لا ثالث لهما: أبو بكر الصديق يوم الردّة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة. ويقول قرينه الآخر إمام نيسابور إسحق بن راهويه: لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها له لذهب الإسلام. وأيضاً يحيى بن معين يقول: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد، لا والله ما نقوى على ما يقوى عليه أحمد بن حنبل ولا على طريقة أحمد. وبشر بن الحارث -وهو إمام الأئمة- سئل عن أحمد بن حنبل بعد المحنة فقال: أنا أُسأل عن أحمد؟ إن أحمد بن حنبل أُدخل الكير فخرج ذهباً أحمر.
ويقول علي بن شعيب السمسار: كان عندنا مثل كائن في بني إسرائيل، أن أحدهم كان يوضع المنشار على مفرق رأسه فما يصرفه ذلك عن دينه، ولولا أن أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عاراً علينا أن قوماً سُبكوا فلم يخرج منهم أحد. وهذه المعاني قد أشرت إليها في بدايه نظم ملح الناد في نظم الزاد، فقلت: وبعد فالعلم أجل مقصدي لسيما فقه الإمام أحمد فهو من الأئمة الكبار وأعلم الجميع بالآثار وحاز في الفقه وفي العبادة والحفظ والزهد ذرى السيادة وقام بالإسلام حين أحجم كل عن الحق فلم يفتحم فكان قدوة لكل قدوة وشيخ الإسلام بغير مريّة
وأما المحنة وتفاصيلها فالحديث عنها يطول، وألّف فيها بعض العلماء مصنفات. وكانت بدايتها الفعلية حين تولّى المامون بن هارون الرشيد الخلافة، وكان المامون ذكياً يأخذ من علوم اليونان ويتعلّم من أهل الكلام من المعتزلة والجهمية، وكان متكلّماً، ثم أخذ يناظر الناس إلى أن آل به الأمر إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن الناس. وهو لم يمهل، فقد هلك في سنته، لكنه ترك بعده شرّاً وبلاءً في الدين على هذه الأمة؛ فإن الأمة قبله ما زالت تقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى ظهر لهم هذا القول السيئ إنه مخلوق، وأن إضافة القرآن إلى الله إنما هي إضافة تشريف كقولهم: بيت الله، وناقة الله.
عندما أظهر هذه المقالة أنكر العلماء عليه، فوجه المامون بحبس من امتنع منهم، فصار الناس يجيبون. وكان معهم أحمد، وكان رجلاً ليناً، خلقه دمث الخلق ولين الجانب؛ فلما رأى الناس يتسارعون في الإجابة خوفاً من الحبس، انتفخت أوداجه واحمرّت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، وبقي هو ومعه ثلاثة لم يجيبوا، كان عدد الموجودين يزيد على أربعين، ثم أجاب اثنان وبقي اثنان: أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، رجلان وحيدان في هؤلاء الناس في بغداد.
طبعاً وقعت الفتنة في أماكن أخرى ومنها الكوفة، الكوفة امتحن أهلها وكان من ضمنهم شيخ أحمد بن حنبل، واسمه الفضل بن دكين أبو نعيم. فلما تُلي عليهم خطاب المامون، قام الفضل بن دكين وأخذ زر قميصه فقطعه وألقاه أمام الوالي، وقال: إن نفسي عندي أهون من هذا الذي سقط بين يديك! والله لقد أدركت سبعين ممن أدرك أصحاب رسول الله ﷺ، كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، افعل ما تشاء. لكن الوالي بخل به ولم يفعل له شيئاً، وقبله في ذلك الوقت أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، وكان بينهما خصومة لكنه لما رأى موقفه... الشاهد أن هناك من وقفوا، لكن الإمام أحمد كان موقفه أعظم لأن الناس ينظرون إليه، وكثير من أولئك غير معروفين عند الخاصة والعامة.
فعند ذلك حُمل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح مقيدين من بغداد إلى الخليفة، فجاءهما رجل في الطريق -أعرابي- فقال يا أحمد... وكلمة يقول أحمد: ما سمعت كلمة منذ وقعت في الأمر أقوى من كلمة قال: يا أحمد، إن يقتلك الحق مِتّ شهيداً، وإن عشت عشت حميداً. يقول: فقوّى قلبي. وكان أحمد يدعو رحمة الله عليه أن يرى المامون، فبينما هم في الطريق إذا برجل يقول: البشرى البشرى، مات الرجل، يقصد المامون، وبقي أحمد ومحمد بن نوح محبوسين بالرقة، وهي مدينة على الفرات، حتى بُويع للمعتصم فرُدّا إلى بغداد، وفي الطريق توفي محمد بن نوح، وصلّى عليه الإمام أحمد.
وكان أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: إني لأرجو أن يكون محمد بن نوح قد خُتم له بخير. قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، قد مدّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله. ثم بقي أحمد بن حنبل رحمه الله محبوساً يصلّي بالناس في السجن وهو مقيد، وبقي في الحبس مدة حتى جاء رمضان، وذلك بعد أربعة عشر شهراً من موت المامون، ومرض في السجن وحُوّل إلى سجن آخر ومكث فيه مدة، وكان بعض أهل الحديث يأتون ويقرؤون عليه الحديث. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا في بداية الكلام عن المحنة وأن أحمد بن حنبل حُبس وبقي في الحبس حتى وُلي المعتصم أو بُويع له بالخلافة، ثم وُجّه إلى المعتصم، ذهب به إلى مكان المعتصم، وكان قد أقسم إن لم يجبه أحمد ليضربنّ ثم ليقتلنّ. فجيء به في الظلام أو في الليل، وأُدخل في دار هناك أو في حجرة مظلمة في جوف الليل، فوجد ماءً فتوضأ وقام يصلّي. فلما أصبح جاء الرسول وأُدخل على المعتصم، فأدناه المعتصم حتى أجلسه قريباً منه وهو ما زال في قيوده، فمكث قليلاً ثم قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلّم. فقال: إلى ماذا دعا الله ورسوله؟ فسكت المعتصم ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم قال: قال جدّك ابن عباس -وساق حديث وفد عبد القيس وفيه ذكر الإيمان والشهادتين-. فقال المعتصم -طبعاً هو ذكر جده ابن عباس حتى يذكّره بأنه من أسرة تدعو إلى الخير- فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك. وكان المعتصم أمياً.
ليس عالماً لكنه كان يعظم أخاه المأمون ويثق بعلمه، ثم قال: يا عبد الرحمن، التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق عنده فقال: ألم آمرك برفع المحنة؟ يقول أحمد: فقلت الله أكبر، إن في هذا لفرج للمسلمين. لما قال إن في هذا فرج للمسلمين طلب المعتصم منهم أن يناظره، يريد أن يتخلص من هذه الإشكالية، وكان أحمد يناظرهم ولا يقدرون عليه، فإذا انقطعوا قال أحمد بن أبي دؤاد وهو رأس الفتنة: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع، فيأمر أيضاً بمناظرته، فإذا انقطعوا وعادوا إليه قال المعتصم في النهاية: ويحك يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، اشفق على ابن هارون، ما تقول؟
فيقول أحمد: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئاً من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به. وبقي الأمر على هذا الحال مدة، ثم إن المعتصم قال مرة: ويحك يا أحمد، أجبني حتى أطلق عنك بيدي وأمشي معك، فيرد عليه كما رد عليه في السابق: أعطوني شيئاً من كتاب الله. فغضب عند ذلك المعتصم وأمر بضربه وتعذيبه، فجرت يداه حتى انخلعت، وكان المعتصم جالساً ورأى ما أصابه فلان له، فلما رآه لان له أغراه أحمد بن أبي دؤاد وقال: يا أمير المؤمنين، إن تركته قيل قد تركت مذهب المأمون، وسخط أنك قد تركت مذهب المأمون وأنه غلبك أو غلب أمير المؤمنين.
فهاج ذلك وأمر بضربه وتعذيبه إلى أن أغمي عليه، وحدث له ذلك مراراً، وأفاق مرة والمعتصم جالس في الشمس وهو يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثماً عظيماً في أمر هذا الرجل، فيقول له: يا أمير المؤمنين، إنه والله مشرك كافر، قد أشرك من غير وجه. ويقول رجل آخر ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس صبر حتى قتل فاتخذه الناس إماماً وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه فلعله يموت في الخارج فيتشكك الناس هل أجاب أو لم يجب فيذهب الأمر.
وكان الناس قد اضطربوا وتجمعوا في الميادين والطرق وأغلقوا الأسواق، فكان المعتصم كأنه خاف الناس فأمر بتخليته وألبسه لباساً جيداً. وبينما الناس ينتظرون إذ خرج عليهم أحمد في تلك الملابس، وأحمد بن أبي دؤاد عن يمينه، وإسحاق بن إبراهيم وهو والي بغداد عن يساره، وأخبر الناس أن أمير المؤمنين ناظره ثم خلى سبيله. والكلام في المحنة في الحقيقة يطول جداً، لكن هذا الإمام صبر، وإلى أن رفع الله عنه البلاء في زمن المتوكل، ثم ذاع صيته رضي الله عنه وقصده الناس من الأنحاء، وبقي الدين في الناس متمسكين به، رحمه الله على الإمام أحمد وعلى أئمتنا جميعاً، توفي أحمد سنة 241 هـ.
الإمام أحمد له مصنفات، ومن أهم مصنفاته مسند الإمام أحمد المشهور. كان المحدثون في بدايات التأليف في القرن الثاني الهجري يجمعون في كتبهم من الأحاديث النبوية ويجمعون معها الآثار، آثار الصحابة والتابعين، ويصنفون حسب الموضوعات كموطأ الإمام مالك، وجامع سفيان الثوري، وجامع معمر بن راشد، ومصنف سعيد بن أبي عروبة، وغيرها من الكتب، كانوا يجمعون الحديث والآثار. ثم تغيرت الطريقة بعد ذلك في نهاية القرن الثاني تقريباً، فبدأ العلماء يجمعون الأحاديث النبوية فقط، يجمعونها مستقلة دون الأثر، وكانت من تلك الكتب ما يسمى بالمساند، فما بقي عالم من الحفاظ إلا وصنف مسنداً من هؤلاء أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة.
المسند في اصطلاح المحدثين هو الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صحابي على حدة، فيبدأ بصحابي ثم يأتون بحديثه كاملاً، ثم ينتقلون إلى الصحابي الآخر من غير النظر إلى وحدة الموضوع، فقد تجد حديثاً في الصلاة وبجانبه حديث في البيوع وبجانبه حديث في التفسير، غير مرتبة لكنها مرتبة فقط على الصحابة. وترتيبهم على الصحابة يختلف، فمنهم من يقدم العشرة المبشرين بالجنة، ومنهم من يرتب على الحروف الأبجدية، ومنهم من يرتب على القبائل، لكن في داخل مسند كل صحابي أيضاً يرتبون ترتيبات مختلفة، فمنهم من يرتبه على الشيوخ، ومنهم من يرتبه على الرواة عن ذلك الصحابي.
والفرق بين المسانيد كمسند أحمد بن حنبل وغيره وبين الكتب المصنفة على الأبواب الفقهية كالكتب الستة، أن الكتب المصنفة على الأبواب أصحابها يقتصرون فيها على الأحاديث التي تصلح للاحتجاج، يبحثون عن أصح الأحاديث في تلك المسائل، أما من يؤلف في المسانيد فغايته ومقصوده الاستقصاء، محاولة جمع ما أمكن من الأحاديث التي يرويها ذلك الصحابي سواء كانت صالحة للاحتجاج أو للاستشهاد أو ليست بصالحة، حتى الأحاديث الضعيفة يخرجونها؛ لأن موضوع هذه المصنفات هو جمع تلك الأحاديث عن ذلك الصحابي.
إذا أراد شخص المقارنة بين تلك المصنفات التي على الأبواب مثل الصحيحين والسنن وبين المسانيد، فإن أكثر العلماء يقولون إن المصنف على الأبواب أصح من المسانيد، وهذا الكلام من حيث الجملة صحيح، لكن ما في تلك المصنفات التي على الأبواب من الأحاديث موجودة في المسانيد، وعادة تكون أسانيد المسانيد أصح. إذا نظرنا مثلاً إلى كتاب أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم، لما يروي البخاري ومسلم عن مالك، نجد البخاري ومسلم يعتمدان في روايتهما على مالك على إسماعيل بن جعفر في حديث الرجل ثائر الرأس، بينما نجد أحمد يعتمد في ذلك الحديث على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، وعبد الرحمن بن مهدي لا شك أن روايته أقوى من رواية إسماعيل بن جعفر، لكن أصحاب تلك الكتب صاحب الصحيح أو السنن يلجؤون إلى الرواة الثقات، لكنهم ليسوا كالكبار من أجل العلو حتى يساووا أحمد بن حنبل مثلاً، البخاري يروي عن مالك بواسطة كما أن أحمد يروي عن مالك بواسطة.
الإمام أحمد اشتغل بسماع الحديث وهو في السادسة من عمره، وبدأ جمع الروايات من ذلك الحين إلى سنة 180 تقريباً، شرع يجمع في المسند حتى كتب منه أوراقاً متفرقة، ثم قبل وفاته قرأه على أبنائه، جمع أهله وأبناءه وقرأ عليهم المسند، ثم قال لهم: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيت من أكثر من 750 ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة. وقد بين بعض العلماء معنى هذا الكلام، وأن مراده مما لا يوجد في مسنده مما اختلف فيه الناس، إذا هناك حديث اختلف فيه الناس ولا يوجد في المسند فهو الذي ليس بحجة.
والمسند كغيره من كتب الأئمة اعتنى به الكثير من العلماء، فمنهم من شرحه كابن زكنون في 12 مجلداً، ومنهم من رتبه وهذبه كابن الرزيق، ومنهم من عمل له أطرافاً كابن حجر، ومنهم من جمع زوائده على الكتب الستة كالهيثمي، ومنهم من ألف في إعرابه كالسيوطي، ومنهم من ألف في رجاله كالحسين، إلى غير ذلك من الجهود. والروايات في المسند يذكرون أنها أكثر من 30 ألف حديث، ومع زيادات عبد الله ولده بلغت 40 ألف حديث، هذا كم هائل جداً من الأحاديث، ويندر أن يكون هناك حديث في غير المسند وهو صحيح، يوجد لكنه نادر.
وفي المسند من الأحاديث الثلاثية التي بين أحمد وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رجال ما يزيد على 300 حديث، بينما البخاري رحمه الله وهو إمام الصنعة لكنه أصغر من الإمام أحمد ليس عنده من الثلاثيات إلا 20 أو أكثر بقليل، وأما من عداه من أصحاب الكتب الستة فليس عند أحد منهم شيء من الثلاثيات إلا الترمذي عنده ثلاثي واحد وفيه كلام. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري