دخولتسجيل الدخول

الحلقة 24

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع».

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن إمامين جليلين من أتباع التابعين، وهما شعبة بن الحجاج إمام أهل البصرة في زمنه الذي توفي سنة ستين ومئة، وإمام أهل مصر الليث بن سعد الذي توفي سنة خمس وسبعين ومئة. وسأتحدث في هذه الحلقة عن أربعة من الحفاظ النقاد، اثنان منهم من تلاميذ شعبة وهما من أئمة النقد الكبار، واثنان آخران تلميذان لهذين، وهما أيضاً من أئمة النقد الكبار. ولو قال قائل بأنه لا يوجد أعلم من هؤلاء الأربعة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مخطئاً. الأولان هما يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، والآخران يحيى بن معين وعلي بن المديني. ولولا ضيق الوقت المتبقي لنا من زمان هذا البرنامج لكان ينبغي أن يكون لكل واحد من هؤلاء حلقة تختص به، لكني سأحاول أن آتي على بعض ما في سيرتهم مما يدل على مكانتهم في هذا العلم.

أما يحيى القطان فهو أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي مولاهم البصري. عُني بهذا الشأن أتم عناية، وفاق الأقران، وانتهى إليه الحفظ، وتكلم في العلل والرجال، وتخرج على يديه الحفاظ الكبار النقاد كأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس وغيرهم كثير. كان يقال إنه خليفة شعبة والقائم بعده مقامه في هذا العلم. شعبة هو صاحب العلل وهو الذي كان يفتش ويتشدد في الأسانيد، لزمه يحيى بن سعيد عشرين سنة، تعلم منه علم العلل والرجال والحديث والسماع والاتصال حتى بلغ فيه مبلغاً فاق فيه شيخه شعبة. صار شعبة رضي الله عنه يُحكِّمه على نفسه. يقول عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرحمن بن مهدي إمام كذلك من الأئمة الكبار: اختلفوا يوماً عند شعبة فقالوا: اجعل بيننا وبينك حكماً، فقال: قد رضيت بالأحول، يقصده يحيى بن سعيد القطان، قال: فما برحنا حتى جاء يحيى فنظر إليه فقضى على شعبة، فقال شعبة: ومن يطيق نقدك يا أحول؟ وقال يحيى بن معين: قال لي عبد الرحمن: لا ترى بعينيك مثل يحيى القطان. ومثله قال علي بن المديني؛ علي بن المديني يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد.

والعباس بن عبد العظيم يقول: سمعت ابن مهدي يقول: لما قدم الثوري البصرة قال: يا عبد الرحمن، جئني بإنسان أذاكره، والثوري من الحفاظ الكبار الذين يُقضى لهم على غيرهم، يقول عبد الرحمن: فأتيته بيحيى بن سعيد القطان فذاكره، فلما خرج يحيى بن سعيد قال الثوري: قلت لك جئني بإنسان فجئتني بشيطان، يعني بهره حفظه. ويقول أحمد بن حنبل: ما رأيت مثل يحيى بن سعيد، وأحمد كان يقدمه على غيره ويقول: هو صاحب هذا الشأن. فقيل له: ولا هشيم؟ فقال: هشيم شيخ، يعني في مرتبة وسط، وما رأينا مثل يحيى. وجعل يرفعه جداً ويقول: لم يكن في زمان يحيى مثله. يحيى تعلم من شعبة وقال علي بن المديني: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى بن سعيد القطان، ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من عبد الرحمن بن مهدي. يعني تخصص القطان هو الرجال، وتخصص ابن مهدي هو معرفة العلل، فإذا اجتمع يحيى وعبد الرحمن على ترك حديث رجل تُرِك حديثه، وإذا حدَّث عنه أحدهما حُدِّث عنه. هذا يقوله علي بن المديني.

ومن عجائب ما وقفت عليه من فهم يحيى بن سعيد للحديث واستعماله للقرائن في الترجيح شيء وقفت عليه وكنت أشرح كتاب العلل لابن أبي حاتم، فمر معنا حديث يرويه قتادة بن دعامة السدوسي عن رجل عن زيد بن أرقم. وقد اختلف أصحاب قتادة وهما ثقتان كبيران إمامان في تعيين شيخ قتادة، هما سعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن أبي عروبة أكثر حديثاً من شعبة عن قتادة، والآخر شعبة بن الحجاج. كان شعبة يروي الحديث عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم، يعني يجعل الشيخ بين قتادة وبين زيد بن أرقم النضر بن أنس، وكان سعيد بن أبي عروبة يروي الحديث عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم، والقاسم بن عوف فيه ضعف، وأما النضر فكان ثقة. والشخص الناظر في هذا الحديث في مثل هذا الاختلاف بين سعيد وشعبة قد يترجح له رواية سعيد بن أبي عروبة لأن قتادة لو كان عنده حديث أو كانت الرواية عنده عن النضر الثقة لما روى عن القاسم الضعيف. فسعيد بن أبي عروبة لما ذكر القاسم دل على أنه تثبَّت، يعني لو كان قتادة ذكر له الثقة لما ذهب وتركه وذهب إلى الضعيف، كما أن رواية قتادة عن النضر بن أنس كثيرة، مما يرجح أن شعبة قد سلك الجادة كما يقولون.

هذا هو النظر الأولي في هذا الاختلاف، لكن هناك قرينة ذكرها يحيى بن سعيد القطان في هذه المسألة أو في هذا الحديث ولم أرَ مثلها من القرائن مطلقاً، ولا أظنه يوجد مثلها وما مر عليَّ شبيهة بها، وهذا يدل على علمه رحمه الله عليه. وذلك أن علي بن المديني سأل القطان عن هذا الحديث وذكر له اختلاف سعيد وشعبة على قتادة وأن سعيداً كان يقول القاسم بن عوف وكان شعبة يقول النضر بن أنس، فقال يحيى: لو علم شعبة أن الحديث عن القاسم لم يحمله، إنه رآه وتركه. ومعنى هذا الكلام أن شعبة رأى القاسم بن عوف أي أدركه وبإمكانه أن يروي عنه، ولم يحدث عنه لضعفه، فلو كان قتادة سمَّى القاسم لشعبة لأنكر شعبة ولم يحمل الحديث عن قتادة، يعني لا يمكن شعبة أن يخطئ في مثل هذا لأنه لما يذكر له القاسم ينفر منه. هذه القرينة من أدق القرائن التي رأيتها في علم الحديث، لكن سعيد بن أبي عروبة أيضاً هناك قرينة تجعله قد حفظ ما حمله عن قتادة، وهي أنه لو كان الحديث عن النضر لما ذهل وتركه ورواه عن القاسم، لأن المحدثين لا يرغبون في الأسانيد الضعيفة.

ولأجل هاتين القرينتين المتعارضتين لم يقضِ في هذا الحديث لا أبو زرعة ولا أبو حاتم وهما من أئمة العلم لما سألهما تلميذهما، والبخاري رحمه الله عليه على جلالته سأله الترمذي عن هذا الحديث فقال: لعل قتادة سمعه من الرجلين، لأن هنا قرينة وهنا قرينة فكان البخاري متوسطاً، ولعل كلام البخاري رحمه الله عليه هو الذي يفسر لنا هذا الاختلاف تفسيراً منطقياً. توفي يحيى بن سعيد القطان سنة ثمان وتسعين ومئة، وفي هذه السنة توفي جماعة من أهل العلم منهم ابن عيينة، ومنهم عبد الرحمن بن مهدي الذي سياتينا في الترجمة التالية.

عبد الرحمن بن مهدي هو أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري البصري، قال الشافعي عنه: لا أعرف له نظيراً في هذا الشأن، يعني في شأن الحديث، وكان الشافعي قد تعلم منه الحديث وهو قد تعلم من الشافعي الفقه، والشافعي ألَّف له كتاب الرسالة، كتاب الرسالة إنما ألفه لأجل عبد الرحمن بن مهدي. يقول نعيم بن حماد وهو من الأئمة: قلت لابن مهدي: كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون. يعني الطبيب أول ما يرى المجنون يعرف أن هذا مجنون، فهكذا ابن مهدي يعرف الحديث السقيم من الحديث الضعيف. وكان عبد الرحمن أيضاً يقول: معرفة الحديث إلهام، إنما قال معرفة الحديث إلهام بالنسبة لمن لا يعرفه، فلو قلت للمحدث الذي يُعَلِّل الحديث: من أين قلت؟ لم يكن له حجة عند ذلك الذي لا يعرف.

والكلام في ثناء العلماء على عبد الرحمن بن مهدي وشهادتهم له وإشادتهم بمعرفته بالحديث يطول، ويكفي في ذلك قول علي بن المديني شيخ البخاري الذي قال عنه البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني. كان علي يقول: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أرَ أحداً قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقد كانت لعلي مع عبد الرحمن بن مهدي تجارب لعلها هي التي جعلته يقول هذا الكلام، من تلك التجارب أنه رحل إلى الكوفة علي بن المديني لتحصيل حديث الأعمش، فعُني بحديث الأعمش وحصَّله من تلاميذه لأن الأعمش كان كوفياً، فجاء عند هذا وأخذ من هذا وأخذ من هذا، ثم رجع إلى البصرة فلقي شيخه عبد الرحمن بن مهدي، فلما سلم عليه قال: هات يا علي ما عندك، فقال علي: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئاً، يعني كل الأحاديث التي كانت عند الأعمش قد حويتها وبالتالي لا يوجد عند أحد حديث ليس عندي. فعند ذلك غضب ابن مهدي وقال: هل هذا كلام أهل العلم ومن يضبط العلم ومن يحيط به أمثلك يقول ذلك؟ ثم قال: هل معك شيء تكتب فيه؟ يعني يريد أن يملي عليه أحاديث ليست عنده، فقال ابن المديني: ذاكرني فلعله عندي، فقال: اكتب فلست أملي عليك إلا ما ليس عندك. قال علي بن المديني: فأملى علي ثلاثين حديثاً لم أسمع منها حديثاً قط، ثم قال: لا تَعُد، فقلت: لا أعود. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن إمامين من أئمة الحديث وهما يحيى القطان وابن مهدي وقد توفيا في سنة واحدة مع شيخهما سفيان بن عيينة في سنة ثمان وتسعين ومئة، وسأتحدث الآن بإذن الله عن تلميذيهما يحيى بن معين وعلي بن المديني. أما الأول وهو يحيى بن معين أبو زكريا المري مولاهم البغدادي فهو سيد الحفاظ والنقاد. ذكر علي بن المديني من يدور عليهم الإسناد فقال: نظرت في الإسناد فإذا هو يدور على ستة، وذكر هؤلاء الستة من التابعين ثم ذكر من بعدهم إلى أن قال في نهاية كلامه: وانتهى علم الناس إلى يحيى بن معين، يعني علوم هؤلاء الستة وتلاميذهم قد انتهت إلى يحيى بن معين رضي الله عنه. وكان بعض الحفاظ يقول: لولا يحيى بن معين ما كتبنا الحديث، فوالله لقد نفعنا الله به. ولقد كان المحدث يحدثنا كرامة له، وأنا لنذهب إلى المحدث فننظر في كتبه فلا نرى فيها إلا كل حديث صحيح حتى يجيء يحيى بن معين أبو زكريا فأول شيء يقع في يده يقع الخطأ، يعني أنه كان بصيراً بمعرفة الأخطاء في الحديث، ولولا أنه عرفنا الخطأ لم نعرفه.

ولقد قلنا له مرة: يا أبا زكريا، نفيدك حديثاً من أحسن الأحاديث، قال: ذلك الراوي وفينا علي بن المديني وفينا أحمد بن حنبل وقد سمعوا هذا الحديث وما قال فيه شيء، فقال: وما هو؟ فقلنا: كذا وكذا، فقال: هذا غلط، قال: فبحث عنه فإذا هو كما قال يحيى بن معين. وكان أحمد بن حنبل يقول وهم عند عفان بن مسلم: ليت أبا زكريا معنا، فقال له رجل: ما تصنع بقدومه؟ يعيد علينا ما قد سمعنا، فقال له أحمد: اسكت، فإنه يعرف خطأ الحديث من غيره. وكان عباس الدوري وهو تلميذ يحيى بن معين يقول: رأيت أحمد بن حنبل في مجلس روح بن عبادة سنة خمس ومئتين يسأل يحيى بن معين عن أشياء، يقول له: يا أبا زكريا، كيف حديث كذا؟ وكيف حديث كذا؟ يعني يريد أن يتثبت منه في بعض الأحاديث التي سمعوها، فكان يحيى إذا قال له شيئاً كتبه أحمد، وقلَّما سمعت أحمد بن حنبل يسمي يحيى بن معين إنما كان يُكَنِّيه يقول: يا أبا زكريا، يا أبا زكريا.

وكان أحمد بن حنبل أيضاً يقول بأن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الرجل لهذا الشأن، يعني يقصد يحيى بن معين، ليُظهِر كذب الكذابين، وكان يقول: كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث. وهكذا نقل ابن عدي في ترجمة عبد الرحمن بن آدم أحد الضعفاء أو المجاهيل قول ابن معين فيه لما سُئل عنه: لا أعرفه، علق عليه ابن عدي فقال: إذا قال مثل يحيى بن معين لا أعرفه في رجل فهو مجهول غير معروف، وإذا عرفه غيره لا يعتمد على معرفة غيره لأن الرجال بابن معين تُسبر أحوالهم. ومن أخبار الطرائف التي ربما ذكرناها قبل ذلك أنه حصل له في سفر هو وأحمد بن حنبل لعبد الرزاق الصنعاني ورجع منه معهم أحمد بن منصور الرمادي تلميذه، لما رجعوا من الصنعاني قال يحيى لأحمد: أريد أن أختبر أبا نعيم، فقال له أحمد: إن الرجل ثقة، فقال يحيى: لا بد لي من اختباره، فأخذ ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثاً من أحاديث أبي نعيم الفضل بن دكين، وجعل عاشر كل حديث حديثاً ليس من حديثه، ثم طرق عليه الباب، فخرج أبو نعيم وجلس على دكان مرتفعة أمام البيت، فأخرج يحيى بن معين الجزء فقرأ عليه عشرة أحاديث ثم قرأ الذي بعده العاشر، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي، اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثانية، فلما قرأ الحديث الثاني الذي ليس من حديث أبي نعيم قال: ليس من...

حديثه، اضرب عليه. ثم قرأ العشر الأُخر، وقرأ الحديث الثالث الذي أدخله، فانقلبت عيناه وتغير لونه، وأقبل على يحيى يكلمه ويد أحمد، ذراع أحمد في يده، فقال: أما هذا فأورع من أن يفعل هذا، وأما هذا -ويشير إلى أحمد بن منصور الرمادي وكان في تحت الدكان- فأدنى من أن يفعل هذا، ولكنه من فعلك يا فاعل! ثم أخرج رجله ورفس من الدكان حتى أسقطه. فقال له أحمد: ألم أقل لك إن الرجل ثقة؟ فقال: والله لرفسه عندي أحب إلي من سفرتي إلى اليمن. توفي ابن معين رحمه الله عليه سنة ثلاث وثلاثين ومئتين.

أما التلميذ الثاني ليحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي فهو حافظ زمنه وقدوة أهل الحديث، أبو الحسن علي بن عبد الله المديني السعدي، مولاهم رحمه الله عليه، وهو أحد الأئمة النقاد الذين يخضع قولهم في معرفة الرجال وعلل الحديث. يقول أبو حاتم الرازي -وهو من أئمة العلل-: كان ابن المديني علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط، إنما كان يكنيه تبجيلاً له. ويقول شيخه سفيان بن عيينة: يلومونني في حب علي بن المديني، ووالله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني! وكذا قال ذلك شيخه يحيى القطان. ويقول شيخه الآخر عبد الرحمن بن المهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة بحديث سفيان بن عيينة. وأما تلميذه البخاري فقد ذكرت قوله قبل قليل؛ كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.

مناقب علي بن المديني وإشادة العلماء به كثيرة جداً، ولا يتسع الوقت لذكرها، لولا أن هذه المناقب كدّرها مسألة خلق القرآن التي أثيرت في زمن أحمد بن حنبل؛ وتردده أيضاً، كان يتردد على ابن أبي دؤاد، ثم بعد ذلك تنصّل وندم وكفّر من يقول بخلق القرآن بعد ذلك. هذه المسألة لأجلها تجافى عنه جماعة من الحفاظ وتكلموا فيه. وجاءنا العقيلي رحمه الله عليه -وهو من الحفاظ، سنة ثلاثمئة وستين أو ثلاثمئة وخمسة وثمانين- في كتاب الضعفاء ذكر علي بن المديني، وهذا أمر عجيب، ولأجل ذلك أورده الذهبي في ميزان الاعتدال في نقد الرجال، أورد فيه علي بن المديني لأجل أن يذب عنه؛ لولا أن العقيلي أورده ما أورده الذهبي، لأن الذهبي ذكر في مقدمة كتابه الميزان أنه يذكر فيه كل من وجد أصحاب كتب الضعفاء قد ذكروه ولو كان ثقة لكي يبين أمره. وفي ترجمة علي بن المديني في ميزان الاعتدال ذكر الذهبي هذا الإمام وذبّ عنه وتكلم على العقيلي؛ فذكر أنه ذكره في كتاب الضعفاء، وبئس ما صنع -يقولها عن العقيلي-، وذكر أن بعض المحدثين امتنع عن الرواية عن علي بن المديني لأجل خلق القرآن، كالإمام مسلم بن الحجاج لم يروِ له في الصحيح لأجل هذه المسألة، وكذلك أبو زرعة الرازي، مع أن ابن المديني لم يتبنَّ المسألة وإنما كان يميل فقط إلى أحمد بن أبي دؤاد ذلك الذي كان يفتن الناس في هذه المسألة، وذلك لأنه كان محسناً إليه. وأما أبو حاتم الرازي فإنه كان يروي عن علي بن المديني؛ لأن علياً نزع عن تلك المسألة وتندم عليها.

كان علي إذا قدم بغداد تصدّر، وجاء يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والناس يتناظرون، فإذا اختلفوا في شيء تكلم فيه علي، فكان قوله هو الفصل. وكان صالح بن محمد الحافظ الملقب بجزرة -لأنه قرأ حديثاً فيه خرزة فقال جزرة، فلقب صالح جزرة- وهو حافظ من الحفاظ، كان يقول: أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني. ويكفي في الرد على العقيلي أن البخاري ليس من الضعفاء، وأن علي بن المديني ليس من الضعفاء؛ إن البخاري رحمه الله عليه وهو إمام المحدثين قد شحن كتابه الصحيح بحديث علي بن المديني، هناك أحاديث كثيرة، مئات الأحاديث عن علي بن المديني يرويها البخاري رحمه الله عليه، وكان يقول في حقه: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.

والذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة علي بن المديني تكلم كلاماً شديداً على العقيلي لأنه أورده، حتى إنه تكلم وقال له عبارات، وذكر معه أناساً ذكرهم العقيلي، وقال: لو تركت حديث علي، وصاحبه محمد -يعني البخاري- وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة وعدد أناساً من الحفاظ، يقول: لو تركنا حديث هؤلاء لأغلق الباب، ولا انقطع الخطاب، ولا ماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولا خرج الدجال! يعني أن هذا أمر عظيم الذي تفعله يا عقيلي، حتى إنه قال: فما لك عقل يا عقيلي! أتدري في من تتكلم؟ إنما تبعنا في ذكر هذا النمط من الناس لكي نذب عنهم ولنبيّن أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات. ثم قال: وأما علي بن المديني فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي، مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ، وبحر في هذا الشأن، بل هو فرد زمانه في معناه.

توفي علي بن المديني رحمه الله عليه بعد يحيى بن معين بسنة واحدة؛ يحيى بن معين توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، وعلي بن المديني توفي سنة أربع وثلاثين ومئتين، وتوفي بعدهم أحمد بن حنبل بسبع سنين، سنة إحدى وأربعين ومئتين، رحمه الله على الجميع. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلّغه، فرب مبلّغ أوعى من سامع».