قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فربَّ مُبلَّغ أوعى من سامع».
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، مرحبًا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة التي سوف نتحدث فيها عن إمامين من أئمة أتباع التابعين، أحدهما إمام أهل البصرة في زمنه وهو شعبة بن الحجاج، والآخر إمام أهل مصر في زمنه وهو الليث بن سعد الفهمي.
سأبدأ بشعبة بن الحجاج، وهو إمام العلل في زمنه الذي علّم الناس الحديث، أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم الواسطي، عالم البصرة وشيخها، كان في واسط ولد فيها ثم انتقل إلى البصرة. حدّث عن جماعة من كبار التابعين، وحدث عنه خلق لا يحصون، بعضهم من مشايخه. ذكر العلماء بأنه أول من وسع الكلام في الجرح والتعديل واتصال الأسانيد وانقطاعها، وهو أول من نقب عن دقائق العلل وفتش. وأئمة هذا الشأن الذي هو الحديث، وهم أئمة العلل وأئمة الحديث، إنما أخذوا هذا العلم عنه، منهم يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وغير هؤلاء من الأئمة.
ولذلك كان الإمام أحمد يقول: كان شعبة أمةً وحده في هذا الشأن؛ يعني في علمه بالحديث وتثبته وفي تنقيته للرجال واختياره. ويقول أبو حاتم الرازي، وهو إمام من أئمة العلل الكبار: كان شعبة بصيرًا بالحديث، كأنه خُلق لهذا الشأن. وكان سفيان الثوري، وهو قرينه وهو من هو في الجلالة والحفظ، كان يعترف لشعبة بالعلم في الحديث، وكان يجله أشد الإجلال، ويقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، ويقول أيضًا: شعبة أستاذنا. وأعجب من هذا ما ذكره حماد بن زيد البصري، وهو قرين شعبة في السن وفي الطلب، وإن كان كل واحد منهما في بلد، يذكر عن أيوب السختياني -وهو شيخ لحماد وشيخ لشعبة وقد رأى أنسًا من التابعين- أنه قال لما قدم شعبة البصرة: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط يقال له شعبة، هو فارس في الحديث، فإذا قدِم فخذوا عنه. وهذه شهادة عظيمة من أيوب السختياني رحمه الله عليه، قال حماد بن زيد: فلما قدم أخذنا عنه. وكان حماد بن زيد إذا حدّث عن شعبة يقول: حدّثنا الضخم عن الضخام شعبة الخير أبو بسطام.
وكان شعبة لا يقنع بسماع الحديث مرة واحدة بل لا بد أن يسمعه مرارًا، فإذا لم يسمعه إلا مرة واحدة لم يحدّث به. يقول أبو الوليد الطيالسي: سألت شعبة عن حديث فقال: والله لا حدّثتك به، فقلت: ولما؟ قال: لأني لم أسمعه إلا مرة واحدة. وينقل أبو الوليد عن حماد بن زيد قال: إذا خالفني شعبة في حديث صرت إلى قوله. يقول أبو الوليد: فقلت له: كيف يا أبا إسماعيل؟ يعني أنت رجل حافظ وتترك قولك وأنت حافظ؟ فقال: إن شعبة كان لا يرضى أن سمع الحديث عشرين مرة وأنا أرضى بسماعه مرة واحدة. طبعًا قوله عشرين مرة هنا إنما هو من باب المبالغة، وهي طريقة عند العرب معروفة في تكثير الأعداد، يقولون عشرين مرة وألف مرة وهكذا.
وكان شعبة رحمه الله شديد التفحص للسماعات في الحديث؛ يعني يفتش هل الشيخ سمع من شيخه؟ وذاك سمع من الآخر؟ بل ربما ألجأه ذلك إلى الرحلة للتأكد هل سمع كل واحد من الآخر. ومن أخباره في ذلك أنه سمع أحد تلاميذه وهو نصر بن حماد البجلي يحدّث عن إسرائيل، وإسرائيل قرين شعبة ونصر بن حماد هذا تلميذ شعبة، فنصر بن حماد يحدّث عن إسرائيل عن أبي إسحاق -وأبو إسحاق شيخ لشعبة- عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: كنا نتناوب رعية الإبل، فذكر الحديث. فعند ذلك لطمه شعبة على وجهه فتنحى التلميذ في ناحية من البيت إما يبكي أو حزين، فقال له شعبة: ما له؟ فقال له ابن إدريس: إنك أسأت إليه -عبد الله بن إدريس-. فقال: يعني ألا تنظرون كيف يحدّث؟ إنه يحدّث عن إسرائيل عن أبي إسحاق، أنا قلت لأبي إسحاق: من حدّثك؟ يعني هل سمعت عبد الله بن عطاء؟ فقال: حدّثني عبد الله بن عطاء. قلت: هل سمع عبد الله بن عطاء عن عقبة الذي هو شيخه؟ فقال مسعر -وكان حاضرًا، مسعر بن كدام- وكانوا يعني لا يفتشون عند الشيوخ كما يفعل شعبة، فقال مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة. قال: فرحلت إلى مكة ولم أرِد الحج وإنما أردت الحديث، فسألت عبد الله بن عطاء عن الحديث، فقال: سعد بن إبراهيم حدّثني.
سعد بن إبراهيم محدث من أهل المدينة، فقال مالك -وكان مالك في مكة-: سعد بن إبراهيم بالمدينة لم يحج العام. قال: فرحلت إلى المدينة فسألت سعدًا، فقال: من عندكم خرج -يعني من العراق- زياد بن مخراق حدّثني. فقلت: أي شيء هذا الحديث؟ بينما هو كوفي -لأنهم كانوا في الكوفة عند أبي إسحاق رحمه الله عليه- ثم صار مكيًا وذهب إلى عبد الله بن عطاء، ثم صار مدنيًا وذهب إلى سعد بن إبراهيم، إذ صار بصريًا. قال: فأتيت البصرة فسألت زياد بن مخراق عن هذا الحديث، فقال: ليس الحديث من بابك، ليس من بابك، يعني ليس من الأحاديث التي تحبها. فقلت -لأنهم يعلمون أن شعبة كان يفتش في الأسانيد-: فقلت لا بد أن تخبرني به، فقال: حدّثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر قال. قال يعني شعبة: فدمر علي الحديث. لما ذكر شهر بن حوشب قال: ووالله لو صح لي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلي من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين. قال أبو عمر بن عبد البر حافظ المغرب الذي توفي سنة 463: هكذا فليكن البحث والتفتيش، وهذا معروف عن شعبة.
ومع شدة فحصه إلا أنه ربما بالغ في الفحص وأزعج المشايخ في التدقيق. مرة من المرات جاء إلى شيخه حميد بن أبي حميد الطويل تلميذ أنس بن مالك، فسأله عن حديث لأنس فحدّثه به، فقال له شعبة: سمعته من أنس؟ فإنه الشيخ تبرّم عجبه، قال: فيما أحسب. فقال شعبة بيده وأشار يعني: لا أريده، ثم ولى. فلما ذهب قال حميد: سمعته من أنس كذا وكذا مرة، ولكنه شدد علي فأحببت أن أشدد عليه وأفسده عليه؛ يعني يترك الحديث، والحديث لا يضيع، يعني إذا تركه شعبة لم يتركه الآخرون. وهو رحمه الله ممن رسخوا قواعد علم الحديث وتعلمها منه الأئمة الكبار.
يقول عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يُترك حديث الرجل؟ والترك معناه عند أهل الحديث أنهم لا يكتبونه، لا يستفيدون منه لا في تقوية ولا في غيرها، فكان يقول: إذا حدّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. قال: هنا يُترك الرجل. فبيّن شعبة هنا أن الشخص إذا أكثر الرواية عن المعروفين بما لا يعرفه الناس أو المعروفون تُرك حديثه؛ وذلك لأن إكثاره عن المعروفين بما لا يعرفون دليل على أحد أمرين: إما أنه يكذب وإما أنه يغلط كثيرًا، وبالتالي يستحق الترك في كلا الأمرين. وهذا الذي قاله شعبة أصبح قاعدة من قواعد نقد الحديث، وكلام النقاد في ذلك المعنى كثير، وقد طبّقوه على عدد من الرواة، ومن ذلك ابن أبي حاتم يقول: سألت أبا زرعة عن أبي سفيان سليمان بن سفيان المديني فقال: منكر الحديث. طيب، ما السبب أنه منكر الحديث؟ قال: روى عن عبد الله بن دينار التابعي تلميذ ابن عمر، روى عن عبد الله بن دينار ثلاثة أحاديث كلها مناكير. وإذا روى المجهول المنكر عن المعروفين فهو كذا وكذا، كلمة قالها يعني أنه يكذب؛ يعني كيف أنت رجل لا تعرف علمًا فتأتي بثلاثة أحاديث عن رجل مشهور لا يعرفها أصحابه؟ هذا يدل على أنك إما وضعتها وإما أنك لا تعرف شيئًا، لا تحفظ شيئًا.
وكان شعبة رحمه الله مع علمه بالحديث أيضًا عالمًا بالشعر، وذلك أنه كان في بداية أمره في بداية الطلب توجه إلى الشعر، فلزم الطرماح الطائي، شاعر من كبار الشعراء، فمر شعبة يومًا بالحكم بن عتيبة وهو يحدّث فأعجب بالحديث وقال: هذا والله أحسن من الشعر. فمن ذلك اليوم طلب الحديث، وكان يقول: لولا الشعر لجئت بالشعبي، يعني لولا أنه قضى وقتًا في تعلم الشعر مع الطرماح هذا لجاء بالشعبي، يعني لسمع من الشعبي؛ فالشعبي فاته، والشعبي مشهور وقد تكلمنا عنه، عامر بن شراحيل الشعبي من أئمة التابعين ممن روى عن كثير من الصحابة.
وكان شعبة رحمه الله يكره الكتابة عنه؛ يعني لا يحب أن يكتب عنه الحديث، وهذا شأن كثير من السلف رضي الله عنهم. يقول علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الله بن إدريس وأبا خالد بن عمار يزعمان أن شعبة أملى عليهما، أملى يعني أنه حدّث وهم يكتبون، فأنكر ذلك يحيى بن سعيد -وهو أخص تلاميذ شعبة، بقي معه 20 سنة- أنكر ذلك وقال: قال لي شعبة: ما أمليت على أحد من الناس ببغداد إلا على ابن زريع، يزيد بن زريع، أكرهني عليه وقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أكتبها. ثم قال يحيى: لو أردت يعني أن يملي علي شعبة لأملى علي، وما أملى وأنا حاضر قط، ولقد جاءه خارجة بن مصعب وهو شيخ، وليس عنده يعني أحد غيري، فأخرج رقيعة، فنفر شعبة يظن أنه سيكتب، فقال له: إنما هي أطراف، قال: فسكن. ومن الطرائف في ذلك ما ذكره الأصمعي قال: كنا عند شعبة فجعل يسمع صوت الألواح يعني الناس يريدون الكتابة عنه، فقال: السماء تمطر؟ قالوا: لا. ثم عاد للحديث فسمع مثل ذلك، فقال: المطر؟ قالوا: لا. فعندها قال: والله لا حدّثت اليوم إلا أعمى، أعمى لأن الأعمى لن يكتب. فمكث ما شاء الله، فقام رجل أعور فقال: يا أبا بسطام تحدّثني؟ قال: نعم.
وكان من شدته في الحديث، ومع شدته في الحديث إلا أنه كان من أرق الناس على المحتاجين والمساكين. يقول يحيى بن سعيد: كان شعبة ربما مر به السائل فيدخل بيته فيعطيه ما أمكنه، فربما كنت عنده فيجيء السائل فلا يكون معه شيء، فيقول: يا يحيى معك شيء؟ فأقول: نعم، فأعطيه، ثم يعطيه السائل. ثم لا يلبث إلا أن يأتي بشيء إلي فيقول: خذ، وأقول: سبحان الله! فيقول: خذ.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج رضي الله عنه، وسأتكلم الآن عن إمام من أئمة المسلمين وهو إمام أهل مصر في زمنه بلا منازعة، وهو الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصري.
كان من أقران مالك بن انس، ومن أقران السفيانين، ومن أقران شعبة بن الحجاج. كان الليث من أئمة المسلمين في الحديث وفي الفقه، وهو إمام في السخاء والكرم رحمه الله عليه. حدّث عن جماعة من التابعين منهم يزيد بن أبي حبيب والزهري وابن أبي مليكة وعطاء بن أبي رباح وأبو الزبير المكي وغير هؤلاء، وحدث عنه جماعة من الحفاظ منهم عبد الله بن المبارك وقتيبة بن سعيد البغلاني وعبد الله بن يوسف وغيرهم.
أثنى عليه العلماء واتفقت كلمة النقاد على جلالته وحفظه وفقهه، وكان مالك يذكره في موطئه فيقول: أخبرني من أرضى من أهل العلم، وهو قرين له. وكان الشافعي يقول: الليث أتبع للأثر من مالك، وكان يقول أيضًا: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به؛ يعني لم يقوموا بعلمه بخلاف أصحاب مالك. وكان يقول أيضًا: العلم يدور على ثلاثة: على مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة. وكان يحيى بن بكير -وهو تلميذ لمالك وتلميذ لليث أحد رواة الموطأ- كان يقول: الليث أفقه من مالك ولكن كانت الحظوظ مع مالك، والله سبحانه وتعالى يقسم ما يشاء.
ويقول عبد العزيز بن محمد الدراوردي -وهو أيضًا من أئمة أهل المدينة ومن تلاميذ مالك ومن تلاميذ الليث-: رأيت الليث بن سعد عند ربيعة الرأي يناظرهم في المسائل؛ لأن ربيعة كان من أهل الرأي الذين يقلّبون ويتكلمون بآرائهم، وكان مالك يكره ذلك. قال: رأيت الليث بن سعد عند ربيعة يناظرهم في المسائل وقد فرّق الحلقة؛ يعني أتعب أهلها. ويقول حرملة بن يحيى: سمعت ابن وهب -وعبد الله بن وهب هو من تلاميذ مالك أيضًا ومن تلاميذ الليث-: يقول ابن وهب: لولا الليث ومالك لضللنا؛ لأنهم علّمانا ما يُعمل به وما هو منسوخ مما ليس بمنسوخ. وكان أحمد بن حنبل أيضًا يقول: ليس فيهم يعني أهل مصر ليس فيهم أصح حديثًا من الليث بن سعد، الليث بن سعد كثير العلم صحيح الحديث، هذا كان كلام أحمد بن حنبل رضي الله عنه. وقد قال جماعة من أهل العلم إنهم كانوا يرون أن حديث الليث عن أبي الزبير عن جابر يرونه الفيصل عندهم فيما سمعه أبو الزبير من جابر؛ لأن أبا الزبير قيل إنه عنده جزءان: جزء مسموع سمعه من جابر، وجزء سمعه من ناس عن جابر، لكنه إذا حدّث لم يذكر ما سمعه مما لم يسمعه.
فجاء الليث إلى مكة فزار أبا الزبير، فدفع أبو الزبير إليه جزأين: المسموع وغير المسموع، فسأله الليث: هل سمعت هذا كله من جابر بن عبد الله؟ فقال: منهما سمعته من جابر ومنهما حدثت عنه. فقال: علم على ما سمعت منه. فعلم على ما سمع منه، وهذا هو الذي كان يحدث به الليث.
كان الليث -رحمه الله عليه- لا يبالي أن يحصل العلم من أي أحد ممن هو دونه في السن أو ممن هو قرين له أو من شيوخه، وهذا يدل على أنه من أهل الطلب المخلصين. فكان قد حصل ثنائيات، وهذا شيء عالٍ كمالك بن أنس، فعندهم من الأحاديث عطاء بن أبي رباح عن عائشة، وعنده أيضاً ابن أبي مليكة عن ابن عباس، وعنده نافع عن ابن عمر، وعنده سعيد المقبري عن أبي هريرة، وعنده غير ذلك.
مع هذا النوع الذي عنده العالي جداً الذي ربما لا يوجد في زمنه مثل علوه، مع هذا ينزل في الأحاديث حتى يكون بينه وبين هؤلاء الناس الذين لقيهم أناس آخرون، فيروي أحاديث عن شيوخه بعدة وسائط؛ فتارة يروي عن شيخه نافع ويكون بينه أربع وسائط، وأحياناً يروي عن شيخه ابن شهاب الذي لقيه ويكون بينه وبينه ثلاث وسائط. وهذا لا شك أنه دليل واضح على أنه رجل مخلص وصادق في طلبه وأنه غير مدلس.
يقول ليعقوب بن داود وزير المهدي: قال لي أمير المؤمنين لما قدم الليث بن سعد العراق: الزم هذا الشيخ، فقد ثبت عند أمير المؤمنين أنه لم يبق أحد أعلم بما حصل منه.
كان أهل مصر ينتقصون عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فنشأ فيهم الليث، فلما نشأ فيهم حدثهم بفضائل عثمان فكفوا عن ذلك. وهكذا مثل الليث، أهل حمص كانوا ينتقصون علياً -رضي الله عنه-، فنشأ فيهم إسماعيل بن عياش فحدثهم بفضائل علي فكفوا عن ذلك.
وقد حصل بين الليث بن سعد وبين ابن لهيعة -وهما عالما مصر- منافسة في الطلب، والليث هو أكبر من ابن لهيعة بقليل. ذهبوا إلى الحج، فلما صاروا بمكة رأى الليث نافعاً قاعداً في دكان علاف، فأقعده يسأله الحديث، فمر به ابن لهيعة فقال: من ذا الذي رأيت معك؟ فقال الليث بن سعد: هذا مولى لنا. فلما قدموا مصر صار الليث بن سعد يقول: حدثني نافع، حدثني نافع، فوثب عليه ابن لهيعة وقال: يا سبحان الله! أين رأيت نافعاً؟ فقال: الرجل الأسود الذي كان معي في الدكان. فقال: نعم. فحج ابن لهيعة من العام القابل يريد أن يلتقي بنافع فوجده قد توفي.
وقدم بعد ذلك الأعرج الذي يروي عن أبي هريرة إلى مصر وهو يريد الذهاب إلى الإسكندرية، فرآه ابن لهيعة فأخذه فما زال عنده في بيته، مكث عنده يحدثه ثم اكترى له سفينة وذهب إلى الإسكندرية. فصار بعد أن ذهب إلى الإسكندرية يقول ابن لهيعة: حدثني الأعرج، حدثني الأعرج. فقال الليث: الأعرج متى رأيته؟ قال: إن أردت فهو في الإسكندرية، كان هنا فأخذته عنك والآن هو في الإسكندرية. فخرج الليث يريد إدراك الأعرج فوجده قد مات -رحمه الله على الجميع-.
كان الليث بن سعد سخياً كريماً، قال تلميذه قتيبة بن سعيد: كان الليث قد جاءه منصور بن عمار فوصله بألف دينار، واحترق بيت ابن لهيعة فوصله بألف دينار، وكان يصل مالكاً أيضاً بألف دينار، وكساني قميص سندس وهو ما زال عندي.
كان ابنه شعيب يقول: خرجت مع أبي حاجاً فقدم المدينة، فبعث إليه مالك بن أنس بطبق من رطب، فأخذ الرطب ثم جعل على الطبق ألف دينار ورده إليه. كان الليث غنياً وكان أمير المؤمنين يكرمه ويجري له عطاءً، وكان الليث يحصل في كل سنة 8000 دينار من عطائه، قال: وما وجبت عليه الزكاة قط. ولا تجب عليه الزكاة معناه لا يحول عليه الحول؛ فالزكاة تجب في 20 ديناراً، فإذا كان يأتيه 8000 دينار ولا يحول عليه الحول، معنى هذا أنه كان يقسمه على الناس ولا يبقي حتى العشرين ديناراً حولاً كاملاً.
يقول ابن وهب: كان الليث بن سعد يصل مالك بن أنس بـ 100 دينار في كل سنة، وكتب مالك إليه أن عليَّ دين، فبعث إليه بـ 500 دينار. وكتب مالك مرة إلى الليث: أني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها فأحب أن تبعث إليَّ شيئاً من عصفر -وهو نوع من الطيب-، فبعث إليه بـ 30 حملاً من العصفر، فصبغ لابنته وكانوا يصبغون به وباع منه بـ 500 دينار وبقي عنده فضلة.
يقول كاتب الليث وهو اسمه أبو صالح عبد الله بن صالح: كنا على باب مالك فامتنع من التحديث، كان مالك لا يحدث إلا في المسجد، فقلت لمن حولي: ما أشبه هذا بصاحبنا! قال: فسمعها مالك فأدخلنا وقال: من صاحبكم؟ قلت: الليث بن سعد. قال: تشبهوننا برجل كتبت إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا، فأنفذوا ما بعنا فضلته بألف دينار، يعني تتساوون بيننا وبين هذا الرجل الكريم!
كان لليث بن سعد أربعة مجالس: مجلس لنائب السلطان في حوائجه وفي القضايا، فإذا أنكر الليث من النائب أو من القاضي شيئاً كتب به إلى أمير المؤمنين فيأتي عزل ذلك الشخص. والمجلس الآخر كان يجلسه لأهل الحديث، والمجلس الثالث يجلسه لأهل المسائل الذين يسألون عن العلم، والمجلس الرابع كان يجلسه لعامة الناس، فلا يسأله أحد من الناس شيئاً إلا أعطاه، لا يرد أحداً.
توفي الليث سنة 75 ومئة، كما أن شعبة بن الحجاج توفي سنة 60 ومئة. وحضر جنازة الليث جمع غفير، يقول خالد بن عبد السلام الصدفي: شهدت جنازة الليث بن سعد مع والدي فما رأيت جنازة قط أعظم منها، رأيت الناس كلهم كان الميت ميتهم ويعزي بعضهم بعضاً ويبكون، فقلت يا أبتي: كان كل واحد من هؤلاء الناس كأنها صاحب هذه الجنازة، أبوه أو قريبه، فقال: يا بني لا ترى مثله أبداً.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري