قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلّغه، فربَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتكلم فيها بإذن الله عن بعض أتباع التابعين من نظراء الإمام مالك بن أنس. كنا تكلمنا في الحلقة الماضية عن مالك بن أنس وعن كتابه، واليوم سنتكلم عن إمامين: أحدهما إمام أهل مكة وهو سفيان بن عيينة، والآخر إمام أهل الكوفة وهو سفيان الثوري.
سفيان بن عيينة هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، مولى امرأة من بني هلال، وهي رهط ميمونة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. حدث هذا الإمام عن جماعة من التابعين، منهم الزهري، ومنهم أبو إسحاق السبيعي، ومنهم عمرو بن دينار، ومنهم محمد بن المنكدر، وغير هؤلاء من أعيان العلماء. وروى عنه أئمة كثيرون من أقرانه ومن تلاميذه، منهم ابن جريج قرينه في مكة، ومنهم شعبة بن الحجاج، ومنهم محمد بن إسحاق بن يسار، ومنهم الشافعي من تلاميذه، وعبد الرزاق، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني وغيرهم.
كان ابن عيينة إماماً عالماً ثبتاً حجة زاهداً ورعاً، مجمعاً على صحة حديثه، وكلام العلماء فيه كثير. ابن المديني وهو أحد تلاميذه، وهو إمام لا يُبارى، يقول عنه البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني. يقول: ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة. وكان الشافعي وهو أحد تلاميذ ابن عيينة يقول: مالك وسفيان بن عيينة القرينان في الأثر؛ لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، بل أحاديث سفيان أكثر من أحاديث مالك رحمهما الله.
وقال علي بن المديني: قال لي يحيى بن سعيد -ويحيى بن سعيد هو شيخ علي بن المديني وتلميذ لمالك وتلميذ لسفيان بن عيينة-: ما بقي من معلمي الذين تعلمت منهم الحديث غير سفيان بن عيينة لأنه عمّر في السن. يقول ابن المديني: فقلت يا أبا سعيد، سفيان إمام في الحديث؟ فقال: هو إمام في الحديث منذ ٤٠ سنة؛ ليس بسبب بقائه بعد أقرانه أنه صار إماماً، بل هو إمام وأقرانه موجودون.
ويقول عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين، قلت له: ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار أو الثوري؟ والثوري إمام من الأئمة النادرين جداً. فقال: ابن عيينة أعلم بعمرو بن دينار؛ طبعاً الثوري أعلم من ابن عيينة في أشياء أخرى. قال: فابن عيينة أحب إليك أو حماد بن زيد وهو من تلاميذ عمرو بن دينار؟ قال: ابن عيينة أعلم به. قلت: فشعبة؟ قال: وأيش روى شعبة؟ شعبة ماذا عنده من حديث عمرو بن دينار؟ إنما عنده ١٠٠ حديث. وإنما قال ذلك ابن معين لأنه لا مقارنة بين أحاديث شعبة عن عمرو بن دينار وأحاديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، فإن شعبة ليس له عن عمرو بن دينار إلا نحو ١٠٠ حديث.
كان يذكر أنه كان يختلف على عمرو بن دينار ٥٠٠ مرة، وأنه لم يأخذ في هذه الـ ٥٠٠ مجلس إلا ١٠٠ حديث؛ في كل خمسة مجالس حديث واحد، وهذا بسبب عسر عمرو بن دينار في التحديث. أما ابن عيينة فقد أطال الجلوس عنده، وابن عيينة مكي وعمرو بن دينار مكي، حتى إنه قال: سمعت منه قرابة ما بقي نوح في قومه؛ ألف حديث إلا ٥٠. وكان ابن عيينة يقول: أدركنا عمرو بن دينار وهو كبير، فلولا أننا أطلنا مجالسته لم نعرف ما يقول.
كانت بداية ابن عيينة أن رحل به والده بسبب دين لحقه وكان في الكوفة، فذهب به أو بأهله إلى المدينة. فلما ذهب إلى المسجد لصلاة الظهر وصار إلى الباب، إذا شيخ على حمار، فقال له: يا غلام أمسك علي هذا الحمار حتى أدخل المسجد فأركع. فقال الغلام: ما أنا بفاعل أو تحدثني. قال: وما تصنع أنت بالحديث؟ واستصغره. فقال ابن عيينة: حدثني. فصار يحدثه عن جابر وعن عبد الله بن عباس، وحدثه بثمانية أحاديث، فأمسك الغلام الحمار، وهذا يدل على نجابة هذا الغلام أنه قال حدثني وأخذ يتحفظ تلك الأحاديث. فلما صلى وخرج قال: ما نفعك ما حدثتك به حبستني؟ فقال الغلام: حدثتني بكذا وحدثتني بكذا، فرد عليه جميع ما حدثه به. فقال: بارك الله فيك، تعال غداً إلى المجلس، فإذا هو عمرو بن دينار المشهور.
كان يخرج ابن عيينة رضي الله عنه إلى المسجد وهو صغير يتفحص وجوه الناس، فإذا رأى مشيخة ورأى كهولاً جلس إليهم، وكان قد أدرك أكثر من ٨٠ نفساً من التابعين. وكان الزهري وهو شيخه يقول: ما رأيت طالباً لهذا الأمر أصغر سناً منه -يعني سفيان بن عيينة-. وكان ابن عيينة رضي الله عنه يقول: أول من أسندني إلى الأسطوانة مسعر بن كدام، وهذا في الكوفة؛ أي جعله يحدث، فقلت إني أحدث؟ فقال: إن معك الزهري وعمرو بن دينار؛ عندك أحاديث عن الزهري وعمرو بن دينار، وهذا شيء عظيم.
تفرد ابن عيينة بعلو الإسناد، وذلك لأنه عمّر طويلاً بعد أقرانه، لم يمت إلا في سنة ١٩٨، وتلاميذه بعضهم مات قبله. فصار الطلاب يزدحمون عليه بحيث يجتمع في مجلسه أعداد كثيرة من الطلاب من شتى البلدان، ومع تكرار ذلك أصبح يضجر منهم وينزعج. كان ابن عيينة رحمه الله قد رأى رؤيا تدل على أنه سيبقى، وهي أنه رأى أسنانه كلها قد سقطت، فذكر هذه الرؤيا لشيخه الزهري فقال: تموت أسنانك وتبقى أنت. فصار التأويل أن الأسنان من هم في سنك؛ قال: فمات أسناني وبقيت بعدهم، فجعل الله كل عدو لي محدثاً. هو يدعو الآن على أعدائه، يقول: جعل الله كل عدو لي محدثاً؛ لأن الطلاب كانوا يزعجون المحدثين وخصوصاً أهل الإسناد العالي.
مرة من المرات خرج سفيان بن عيينة وسأل التلاميذ وكانوا قد اجتمعوا له بأعداد كثيرة، فقال: أفيكم أحد من أهل مصر؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل الليث بن سعد؟ قالوا: توفي. قال: أفيكم أحد من أهل الرملة؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ قالوا: توفي. قال: هل فيكم أحد من أهل حمص؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل بقية بن الوليد؟ قالوا: توفي. قال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ قالوا: توفي. قال: هل فيكم أحد من أهل قيسارية؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل محمد بن يوسف الفريابي؟ قالوا: توفي. عند ذلك بكى وأنشد:
خلت الديار فاستحالت غير مسعودِ.. ومن الشقاء تفرُّدي بالسؤددِ
كان بعد كبره وانفراده بالعلو ينزعج من تلاميذه ويختفي منهم. يقول العلاء بن هلال الباهلي: حمل أصحاب الحديث على ابن عيينة يوماً، فصعد فوق السطح أو فوق غرفة، فقال له أخوه: أتريد أن يتفرقوا عنك؟ حدثهم بلا إسناد. والمحدثون يكرهون الحديث إلا أن يُسند، فقالوا: انظروا إلى هذا، يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درجة. وكان في كل مرة يتمنع من الطلاب ثم يحدثهم، يكون عاقبة هذا التمنع التحديث.
قال سليمان بن مطر وهو أحد التلاميذ: كنا على باب سفيان بن عيينة فاستأذنا، فاستأذنوا عليه لأنهم يريدون أن يحصلوا حديثه قبل أن يموت، وكان كبيراً. قال: فكسروا عليه الباب ودخلنا وإذا هو جالس ينظر إلينا، فقال: سبحان الله! دخلتم داري بغير إذني؟ ثم حدثنا وقال: حدثنا الزهري عن سهل بن سعد أن رجلاً اطلع من ثقب أو جحر في باب النبي ﷺ، والنبي كان معه مِدرى يحك بها رأسه، فقال: «لو علمت أنك تنظر إليّ لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر». فقلنا له: ندمنا يا أبا محمد -الآن أعطاهم حديثاً بسبب تقحمهم لبيته-، فقال: ندمت. حدثنا عبد الكريم الجزري عن زياد عن عبد الله بن معقل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الندم توبة». اخرجوا فقد أخذتم رأس مال ابن عيينة؛ أي الآن أعطيتكم أحاديث نادراً ما أحدث بها.
سفيان بن عيينة رحمه الله له كلام جميل في دقائق المعاني في العلم؛ ينبغي لطلاب العلم الاطلاع على تلك الدقائق. يقول من ضمن كلامه: من كانت معصيته في الشهوة فأرجو له التوبة، فإن آدم عليه السلام عصى تشهياً فغفر له؛ فإذا كانت معصيته في كِبْر فأخف على صاحبه، فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن. هذا الكلام كلام عجيب يدل على الفهم والمعرفة، وينبه الطلاب إلى طبائع النفوس، فإن المرء إذا كان على صواب أو على عبادة ربما غرته نفسه فيرى أن لها شأناً عظيماً، فيدخله الكبر ولا يتراجع عن ذلك، كما غرّت إبليس نفسه لكثرة عبادته فتكبر حتى عصى أمر ربه.
بينما الذنب بسبب الشهوة، وإن كان هذا أمر ينبغي تجنبه، قد يحمل المؤمن على الانكسار والندم، فيكون أقرب إلى الطاعة من صاحب الكبر. ولذلك قيل قديماً: إنك أن تبيت نائماً وتصبح نادماً خير من أن تبيت قائماً تصلي وتصبح معجباً، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك أن تضحك وأنت معترف بذنبك خير من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ بطاعتك، فإن أنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدللين.
ويقول يحيى بن يحيى النيسابوري: كنا عند سفيان بن عيينة رضي الله عنه، إذ جاءه رجل فقال: يا أبا محمد، أشكو إليك من فلانة -زوجته- أنا أذل الأشياء عندها وأحقرها. فأطرق سفيان ملياً ثم رفع رأسه فقال: لعلك رغبت إليها لتزداد بذلك عزاً -أي لها نسب عزيز أعلى من نسبك-؟ فقال: نعم يا أبا محمد. فقال: من ذهب إلى العز ابتلي بالذل، ومن ذهب في النساء إلى المال ابتلي بالفقر، ومن ذهب إلى الدين يجمع الله له العز والمال مع الدين. ثم أنشأ يحدثه فقال: كنا إخوة أربعة، أبناء عيينة أربعة محدثين، منهم محمد وعمران وإبراهيم وسفيان بن عيينة. يقول: فكان محمد أكبرنا وعمران أصغرنا، وكنت أوسطهم. فلما أراد محمد أن يتزوج رغب في الحسب فتزوج من هي أكثر منه حسباً فابتلاه الله بالذل. وكان عمران رغب في المال فتزوج من هي أكثر منه مالاً فابتلاه الله بالفقر؛ أخذوا ما في يديه من الأموال ولم يعطوه شيئاً، طبعاً أهل الأموال لا تطمع عندهم بأن تحصل المال. قال: فتعجبت من أمرهما وتفكرت في أمرهما، فقدم علينا معمر بن راشد فشاورته، وهو قرين وتلميذ للزهري أيضاً، وقصصت عليه قصة أخويّ، فذكرني بحديث يحيى بن جعدة وحديث عائشة رضي الله عنهما.
حديث يحيى بن جعدة قال: إن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لدينها، وحسبها، ومالها، وجمالها؛ فاظفر بذات الدين تربت يداك». وحديث عائشة: النبي ﷺ قال: «أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة». قال: فاخترت لنفسي -يقول ابن عيينة- الدين وتخفيف المهر اقتداءً بسنة النبي ﷺ، فجمع الله لي العز والمال مع الدين. طبعاً هذا الكلام لما ذكره سفيان بن عيينة للطلاب وأورد هذه الأحاديث، استفاد الناس منها.
توفي سفيان بن عيينة رحمه الله عليه في سنة ١٩٨، وكان ابن أخيه الحسن بن عمران بن عيينة يحدث أن سفيان قال له وهم في جمع في مزدلفة في آخر حجة حجها، قال له: قد وافيت هذا الموضع ٧٠ مرة -أي حج ٧٠ حجة-، أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإني قد استحييت اليوم من الله من كثرة ما أسأله ذلك. فرجع إلى بلده فتوفي في السنة القادمة. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن إمام من الأئمة وهو إمام أهل مكة سفيان بن عيينة، وبقي الكلام على سميه إمام أهل الكوفة وهو سفيان الثوري، وعادة ما يجمع العلماء اسميهما فيقولون: "السفيانان"، كما يقولون أيضاً: "الحمادان" -حماد بن زيد وحماد بن سلمة-، وحماد بن زيد وحماد بن سلمة إمام أهل البصرة. أما سفيان الثوري فهو إمام أهل الكوفة كما أن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة.
صاحبنا هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أحد الأئمة الأعلام الذين جمعوا أنواع المحاسن، وهو من أتباع التابعين. سمع من القدماء أبا إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر والأعمش وعمرو بن مرة وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، وروى عنه خلائق أيضاً كثيرون بعضهم من شيوخه. اتفق العلماء على وصف هذا الإمام بالبراعة في الحديث، فقد وصفه جماعة من المحدثين بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وصفه بذلك شعبة بن الحجاج -وشعبة كما يقال أيضاً أمير المؤمنين في الحديث-، ووصفه بذلك سفيان بن عيينة الذي ذكرنا ترجمته قبل قليل، ووصفه بذلك أبو عاصم النبيل شيخ.
الإمام أحمد وهو من الأئمة الكبار، ووصفه بذلك يحيى بن معين وهو إمام العلل في زمنه وغيرهم من الأئمة. وكان شعبة بن الحجاج يقول: سفيان أحفظ مني. ومرة قال له رجل: خالفك سفيان، فقال له: دمغتني؛ يعني ضربت دماغي، لأن مخالفة سفيان ليست سهلة.
ومرة حدث بحديث، الذي هو شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق السبيعي وهو من أثبت الناس فيه، فقال له رجل: إن سفيان يخالفك، فقال: دعوه لا تكتبوه، سفيان أحفظ مني. وأبو داود السجستاني صاحب السنن يقول: ليس يختلف سفيان وشعبة في شيء إلا ظفر به سفيان، خالفه في أكثر من خمسين حديثاً القول فيها قول سفيان؛ يعني خمسين حديثاً اختلف قول شعبة وقول سفيان فيهما فكان الصواب مع سفيان، طبعاً يعلمون بذلك من المقارنات الكثيرة.
وذكر النقاد أيضاً نقاد الحديث أن سفيان أثبت من أقرانه في كل شيء. قال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، وكان الشعبي في زمانه، وكان الثوري في زمانه. وتلميذه ابن المبارك الذي توفي سنة 181 يقول: كتبت عن ألف شيخ وشيخ، ما كتبت عن أفضل من الثوري. وهكذا ابن مهدي وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وهم من تلاميذه، وأقر لابن المبارك يقولون: ما رأينا أحفظ للحديث من الثوري. وهؤلاء ابن مهدي وابن القطان يعني ربما لا يوجد أعلم منهم في الحديث، لا، حتى تلاميذهم، تلاميذهم كالبخاري.
ويقول الدوري وهو تلميذ يحيى بن معين: رأيت يحيى بن معين لا يقدم على الثوري في زمانه أحداً في كل شيء، وكان يقول: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري. وقال عبد الرزاق: سمعت الثوري يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فخانني قط. وكان أحمد يقول: لا يتقدمه في قلبه أحد.
ومن عجائب حفظه ما ذكره تلميذه عبد الرحمن بن مهدي، قال: لما حدث سفيان عن حماد -يعني ابن أبي سليمان- عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان الفارسي قال: «إذا حكك جسدك فلا تمسحه بزاق»، الحديث. قلت له -يقوله عبد الرحمن بن مهدي-: حماد الذي هو شيخ سفيان الثوري، حماد بن أبي سليمان يرويه عن ربعي بن حراش عن سلمان وليس عن عمرو بن عطية. قال: من يقول ذا؟ يقول: فقلت له: حماد بن سلمة. قال: أمضه، أمضه؛ يعني استمر. قلت: حدثنا شعبة أيضاً. قال: أمضه. قلت: حدثنا هشام الدستوائي، فقال: هشام؟ قلت: نعم. فأطرق رأسه هنيهة ثم قال: أمضه، سمعت حماداً يحدث عن عمرو بن عطية عن سلمان.
قال عبد الرحمن بن مهدي: فمكثت زماناً أحمل الخطأ على سفيان الثوري؛ لأنه إذا اتفق جماعة على خلافه لابد أن يكون الصواب مع الجماعة، وخصوصاً هؤلاء الجماعة من الحفاظ. قال: كنت أحمل الخطأ على سفيان، ثم نظرت في كتاب غندر تلميذ شعبة محمد بن جعفر، نظرت في كتاب غندر عن شعبة فإذا هو يقول: عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان، قال: شعبة وقد قال حماد مرة عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ شيئاً لم يبال من خالفه.
بل إن مرة من المرات قالوا: خالفه أربعة، يقولونه لأبي حاتم الرازي، فقال: والله لو كانوا أربعة آلاف، من شدة حفظ سفيان الثوري. وإنما كان عبد الرحمن بن مهدي يحمل الخطأ على سفيان لأنه خالفه كما ذكرت ثلاثة من الحفاظ الكبار المتقنين، فكان يظن أن سفيان أخطأ في روايته، ثم تبين له بعد ذلك أن حماداً كان يروي عن شيخه.
وكان سفيان أيضاً من أثبت أصحاب منصور بن المعتمر وهو من أعلمهم بحديثه، كما أنه من أثبت أصحاب الأعمش، ولذلك قيل: أصح الأسانيد سفيان عن منصور -لأن منصوراً أتقن من الأعمش- عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، هذا إسناد كوفي. حتى إن ابن المبارك وهو تلميذ لسفيان الثوري كان يقول: إذا جاءك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله -يعني ابن مسعود- فكأنك تسمعه من النبي عليه الصلاة والسلام. وكان يقول: ما أجمع الناس على شيء إجماعهم على هذا الإسناد.
وكان الثوري رحمه الله عليه أيضاً آية في الفقه، يعني مع كونه محدثاً كان في الفقه أيضاً فقيهاً، حتى قال عنه قرينه سفيان بن عيينة: أنا من غلمان الثوري، وما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال ابن المبارك: كنت إذا شئت رأيت الثوري مصلياً، وإن شئت رأيته محدثاً، وإن شئت رأيته في غامض الفقه؛ يعني فقيهاً. والأوزاعي أيضاً وهو يذكر العلماء كان يقول: لم يبق منهم من يجتمع عليه العامة بالرضا والصحة إلا الثوري.
وكان أيضاً رحمه الله مبتعداً عن الخلفاء أو عن الساسة، لا يحب الدخول عليهم ولا الالتقاء بهم، وكان متجانفاً عنهم. وكان إذا قيل له في ذلك يقرأ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]. وكان متجانفاً عن أبي جعفر المنصور، وكان أبو جعفر يعني مهيباً جباراً؛ يعني لم يعهد أن أحداً يرفض له طلباً أو يخالف له أمراً. أدخل سفيان مرة عليه على أبي جعفر المنصور فقال له: يا أبا عبد الله، عظنا. فقال: وما عملت فيما علمت؟ فاعلم جهلت. يقول: أنت عندك علم، ماذا عملت فيه؟ أولاً اعمل ما تعلم به ثم أعظك بعد ذلك. فسكت المنصور.
وكان يقال بأن أبا جعفر المنصور هذا الخليفة يقول: ألقينا الحب للعلماء فالتقطوا، إلا ما كان من سفيان فإنه أعيتنا فراً؛ كان يفر ويأبى أن يقبل منهم شيئاً. ومرة أدخل عليه فواجهه بالكلام وقال: اتق الله، فإنما أنزلت هذه المنزلة وصرت في هذه المكانة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ها هم يموتون جوعاً، حج عمر بن الخطاب وكان ينزل تحت الشجر. فقال المنصور في كلام له: أتريدن أن أكون مثلك؟ ما قال مثل عمر، وهذا من عقل المنصور، فقال سفيان: لا، لا تكن مثلي ولكن كن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه. فقال له: اخرج مغضباً.
ثم زاد تغيظ أبي جعفر المنصور على سفيان حتى إنه أراد قتله، فمرة من المرات جاء إلى الحج، فقد بعث الخشابين أمامه إلى مكة وقال: إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه. فوصلوا إلى مكة ونصبوا الخشب. فنودي سفيان وكان واضعاً رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجله في حجر ابن عيينة؛ يعني فلنتخيل هذا المشهد، رأسه على حجر الفضيل بن عياض ورجليه، وهما عالمان كبيران لكنهما يعتبران تلميذان له، فقالوا: يا أبا عبد الله -يقوله الفضيل وابن عيينة-: يا أبا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء؛ يعني إذا قتلوك أو صلبوك هذه مشكلة كبيرة وشماتة علينا. فأخرجوه يريدونه أن يهرب.
فقام مغضباً وتقدم إلى أستار الكعبة ودعا الله وأقسم على الله ألا يدخلها أبو جعفر المنصور، ألا يدخل مكة. والحقيقة هم يرون عبارة أشد من هذه لكني استكبرت، وهي ثابتة عن هذا الإمام. يقولون: فمات أبو جعفر المنصور قبل أن يدخل مكة، قال الذهبي: هذه كرامة ثابتة لسفيان الثوري رحمه الله عليه.
وكان سفيان الثوري إذا قيل له إنه رؤي له في المنام كذا وكذا، قال: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات. وقيل مرة له إن أصحاب الحديث ليس لهم نية، فقال: طلبهم له نية، لو لم يأتني أصحاب الحديث لأتيتهم في بيوتهم، يقول: يكفيهم أنهم ذاهبون يطلبون الحديث. وكان يقول: ليس للناس شيء أنفع من الحديث. وكان أيضاً يحض على الإسناد، يحض التلاميذ والعلماء على الإسناد، ويحضهم على التمحيص، ويقول: الإسناد سلاح المؤمن، فمن لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل؟
وكان يقول: استعمل الرواة الكذب، فاستعملنا لهم التاريخ. وكان يقول: الملائكة حراس السماء وأصحاب الحديث حراس الأرض؛ يعني أن الملائكة تحرس السماء من شياطين الجن، وأصحاب الحديث يحرسون الأرض من شياطين الإنس، لأنهم إنما يحرسون الأرض بالدين، والدين إنما يحرس بالأسانيد، فإذا جاء من شياطين الإنس من يريد أن يحرف الدين قام له المحدثون بهذه الأسانيد الثابتة. ولذلك كان يتكلم في بعض الرجال ويبين ضعفهم، وذلك صيانة للحديث الشريف.
وكان كلامه قليلاً في هذا الباب، لكن العلماء كانوا ينظرون إليه، وهكذا الأئمة كانوا يعدون ذلك، بعضهم يعني يتكلم في الرجال ولا يعدونه غيبة. ولذلك لما سأله ابن المبارك عن جواز الكلام في بعض الرواة الضعفاء ومنهم عباد بن كثير، قال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري إن عباد بن كثير من تعرف حاله؛ يعني رجل صالح وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: بلى. فكان عبد الله بن المبارك وتلميذ سفيان قال: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد بن كثير أثنيت عليه في دينه وأقول: لا تأخذوا منه.
هذا بالنسبة للكلام في الناس صيانة للدين، وأما إذا كان الكلام في الناس ليس فيه صيانة للدين فكان هو من أشد الناس تورعاً من ذلك. مرة من المرات كان يقول: لقد حرمت قيام الليل خمسة أشهر لذنب أذنبته، فقالوا: وما هو ذلك الذنب؟ قال: رأيت رجلاً يصلي يبكي فقلت في نفسي: إنه مراء، فعد هذا ذنباً، رحمه الله عليه.
توفي سفيان في سنة 161، رضي الله عنه. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع»، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري