قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، كنا انتهينا فيما مضى من الحلقات من الحديث عن جماعة من مشاهير التابعين في بعض الأمصار العلمية، وسوف أتحدث في هذه الحلقة وما بعدها عن أتباع التابعين فمن بعدهم بحسب ما يتيسر لنا إن شاء الله.
في هذه الحلقة سأبتدئ بعالم من أتباع التابعين يقال فيه بأنه إمام دار الهجرة، وهو أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، وكان يقال فيه لا يُفتى وفلان في المدينة، ومالك في المدينة، وهو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله. أخذ العلم عن جماعة من التابعين الأجلاء منهم نافع مولى بن عمر، ومنهم الزهري، ومنهم أبو الزناد، وغير هؤلاء من التابعين الكثيرين.
وأخذ عنه العلم أمم لا يحصون، حتى قال غير واحد من الأئمة: لا نعلم أحداً مثل مالك في كثرة التلاميذ، ربما بعضهم أوصل تلاميذه إلى ما فوق الألف. وروى عنه من الأئمة الكبار أناس منهم عبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن المهدي، بل روى عنه أقرانه من الأئمة الأجلاء. وهذا الإمام قد أجمع العلماء على اختلاف طوائفهم على إمامته، وعلى جلالته، وعظم مكانه من العلم، وأجمعوا أيضاً على الإذعان له في الحفظ والتثبت، وعلى شدة توقيره لحديث النبي عليه الصلاة والسلام.
كان تلميذه معن بن عيسى يقول: كان مالك إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل، وتبخر، وتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويمشط لحيته. فيقال له في ذلك، فيقول: أوقر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما في المسائل لم يكن يفعل ذلك، وإنما يفعل ذلك إذا جاء الحديث. وكان رضي الله عنه لا يدع أحداً يرفع صوته وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يُقرأ، فإن رفع أحد صوته قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]. ثم يقول: فمن رفع صوته عند حديث النبي عليه الصلاة والسلام فكأنما رفع صوته فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام.
وأيضاً قد اتفق العلماء على أنه كان شديد الانتقاء والانتقاد للرجال أو للرواة. يقول حبيب الوراق: دخلت على مالك، فسألته عن ثلاثة رجال لم لم ترو عنهم مع أنه أدركهم؟ فأطرق رأسه، ثم رفعه، وقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وكان يكثر من قول ذلك، ثم قال: يا حبيب، لقد أدركت في هذا المسجد سبعين شيخاً ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن روى عن كبار التابعين، ولم نحمل الحديث إلا عن أهله.
وكان سفيان بن عيينة وهو نظيره إمام أهل الحجاز إمام مكة كان يقول: رحم الله مالكاً، ما كان أشد انتقاده للرجال، ما نحن عند مالك؟ إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر لأي شيخ إن كتب عنه مالك كتبنا عنه، وإن لم يكتب عنه لم نكتب عنه. وكان بشر بن عمر يقول: سألت مالكاً عن رجل فقال لي: هل رأيته في كتبي؟ لو كان ثقة لرأيته في كتبي. وهو هنا رحمه الله يتحاشى عن التصريح بالكلام في الرواة، وإن كان الكلام فيهم جائزاً لصيانة الدين والذب عن الشريعة وعن حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ورعه رحمه الله، وهكذا غيره من الأئمة، كان يحملهم على عدم الخوض في أحوال أولئك الرواة، ولذلك أعطاهم هذه القاعدة وهي أنه لو كان هذا الشيخ ثقة، هذا الشيخ المدني الذي أدركه مالك، لو كان ثقة روى عنه في كتابه.
وكان مالك رحمه الله من العلماء الكبار، كان ذا هيبة وجلالة، وكان الناس يزدحمون على بابه حتى يكادون من شدة ازدحام يقتتلون من طلبهم للعلم عنده. وإذا جلس وجلسوا عنده فلا يكلم أحد منهم الآخر، ولا يلتفت بعضهم إلى بعض، وبعضهم لم يكن يحرك الأوراق إلا بشكل بطيء من هيبة هذا الإمام، وكانوا يقولون برؤوسهم هكذا، وكان على رؤوسهم الطير. فإذا تكلم في مسألة فقال: لا، أو قال: نعم، لا يقال له: من أين قلت ذا؟ ولذلك يقول تلميذه مصعب بن عبد الله الزبيري -الزبيري نسبة إلى الزبير بن العوام-:
يُدعى الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقانِ عز الوقار ونور سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطانِ
أقوال العلماء والأئمة في الثناء على مالك كثيرة جداً، منهم الأقران ومنهم التلاميذ، كسفيان بن عيينة وهو من أقرانه إمام الحجاز كما ذكر، ويقول: مالك عالم الحجاز وهو حجة زمانه، ومرة قال: ما ترك مالك على ظهر الأرض مثله. ومرة حدث بحديث فقالوا: يخالفك فيه مالك، فقال: أتقرنني بمالك؟ ما أنا ومالك إلا كما قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيسِ
ابن اللبون هو ولد الناقة الذي أتم الثانية تقريباً، وأما البزل فهو جمع بازل، وهو البعير الذي شق نابه ودخل في السنة التاسعة، والقناعيس جمع قنعاس بمعنى البعير الضخم. فابن عيينة يقول: كيف تقرنني بمالك؟ يشبه نفسه مقارنة بمالك بابن اللبون الذي شُد بحبل مع بعير ضخم قوي، فلا شك أن ذلك البعير سيذهب به.
وكان الشافعي رحمه الله وهو إمام زمانه وأحد الأئمة المتبوعين، كان إذا ذكر مالك يقول: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك بن انس. وكان عبد الرحمن بن مهدي وهو تلميذ مالك أيضاً، وهو من أئمة الحديث الكبار، يقول: لا أقدم على مالك في صحة الحديث أحداً. وهكذا الإمام أحمد بن حنبل كان يقدمه على الأوزاعي، ويقدمه على الثوري، وعلى الليث، وعلى غيرهم من العلماء، ويقول: مالك إمام في الحديث، إمام في الفقه.
وأيضاً يحيى بن معين وهو من تلميذ تلاميذه، يقول: مالك من حجج الله على خلقه. وكان البخاري أيضاً يقول: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وفي ذلك يقول السيوطي رحمه الله عليه في ألفيته:
فمالك عن نافع عن سيده وزيد مال الشافعي فأحمده
يعني أن إذا روى الشافعي عن مالك، وأحمد عن الشافعي، فهذا أيضاً أصح الأسانيد تسمى سلسلة الذهب: أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر.
ومن مناقب هذا الإمام العظيمة ما جاء في مسند أحمد وفي سنن الترمذي من حديث أبي هريرة وفي غيرهما بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون عالماً أعلم من عالم أهل المدينة». وهذه منقبة عظيمة ومعجزة وعلم من أعلام النبوة، يقول العلماء: هذا من أعلام النبوة، يعني النبي يخبر بالغيب المستقبل، وأن المراد بهذا الحديث مالك بن انس. قال ذلك ابن جريج، وقاله سفيان بن عيينة وهما نظرائه في الحجاز، وقاله عبد الرزاق الصنعاني.
وكان ابن عيينة في السابق يظنه غير مالك، ثم وجد أهل المدينة يقولون إنه مالك بن انس. وكان ابن عيينة نظر فوجد أن قبل مالك كان هناك سعيد بن المسيب، وأن سعيداً كان معه الفقهاء السبعة، ثم عدل عن ذلك لأن سعيداً لم يكن وحده كما ذكرت، ولم يرحل إليه وحده، ثم صار يقول هو مالك بن انس، فإنه لم يبق في المدينة له نظير، وأصبح الناس يرحلون إليه. وهذا أيضاً قاله الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، ذكر جماعة من سادة التابعين منهم سعيد وغيره من الفقهاء السبعة وغيرهم، ثم قال: فما ضربت أكباد الإبل من النواحي لأحد من هؤلاء دون غيره حتى انقرضوا. ثم جاء بعدهم ابن شهاب وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وغيرهم، فلم ينفرد أحد منهم بأن ضربت إليه أكباد الإبل، حتى جاء مالك، وجاء معه عبد العزيز بن الماجشون وابن أبي ذئب، ولكن هؤلاء الأقران لم يكونوا في مرتبة مالك، فكان هو المقدم فيهم على الإطلاق، وهو الذي تضرب إليه أباظ الإبل من الآفاق.
وقد كان مالك أيضاً حافظاً متقناً للحديث، ولذلك قدمه الحفاظ على أقرانه، وكلامهم في هذا كثير. وقد عرف عنه منذ بداية طلبه للعلم الحفظ، ذكر أن الزهري قدم المدينة، فأتاه ربيعة وهو شيخ لمالك، ومعه جماعة من أهل العلم ومعهم مالك بن انس، فحدثهم الزهري بأكثر من أربعين حديثاً. ثم أتوه من الغد فقال: انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه، فأرأيتم ما حدثتكم به أمس أيش عندكم منه؟ فقال ربيعة: ها هنا شخص سيعيد عليك ما حدثت به بالأمس. قال: ومن هو؟ فأشار إلى ابن أبي عامر وهو مالك بن انس، فقال: هات، فسرد له ما حدثهم بالأمس أو أكثره، فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي من يحفظ هذا غيري.
وقد ظهرت نجابته أيضاً في الفقه في بداية أمره، ذكر تلميذه يحيى بن بكير وغيره أن أول ما بان من فقه مالك أن رجلاً أوصى عند وفاته أنه قد زوج ابنتيه من ابني أخيه، وأنه قد أخذ مهورهما، ومات الرجل. فأحضر الوالي الناس وسألهم عن هذه المسألة، وكان فيهم ابن أبي ذئب وابن عمران بن أبي سبرة ومالك بن انس، فقالوا جميعاً: الوصية جائزة، والزواج يجوز. ومالك ساكت، فقال: أتقول كذلك يا مالك؟ قال: لا، ذلك لا يجوز. فقال الوالي: من أين قلت؟ قال: أرأيت لو أهديتا جميعاً إلى زوجيهما، فتعلق كل واحد منهما بغير واحدة، لمن تقضون بها؟ فسكت الناس وسكت العلماء، فقالوا: أصاب. ثم قال: فما ترى؟ قال: النكاح مفسوخ حتى تسمى كل امرأة لرجل معين، وهذا الذي صار عليه أهل العلم.
كان رحمه الله مع ذلك شديد الورع في الفتيا، فكان يقول في كثير من المسائل لا أدري. جاءه رجل بمسائل كثيرة من أهل العراق، اثنتان وثلاثون مسألة في كل مسألة يقول: لا أدري، لا أدري. فقال: ماذا أقول للناس؟ قال: قل لهم: مالك لا يدري. نقف هنا قليلاً، ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كان آخر ما تكلمنا به قبل الفاصل ما ظهر من نجابة مالك في الفقه، وكان مالك كغيره من أئمة الهدى لا يخاف في الله لومة لائم، ولذلك امتحن لأجل حديث من الأحاديث، كان هذا الحديث في طلاق المكره، يبين أن طلاق المكره غير جائز. وهذا الحديث حدث به مالك في موطئه عن ثابت بن الأحنف، أنه تزوج أم ولد لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فأجبره ابنه عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب على طلاقها، وكان في إجباره على طلاقها أنه جاء بسياط وجاء بعبيد وقال: إن لم تطلقها ضربتك، فطلقها الرجل، فذهب واستفتى ابن عمر واستفتى ابن الزبير، وكلهم قالوا: ليس ذلك بشيء.
كان مالك يحدث بهذا الحديث، فجاء بعض الحساد لمالك إلى الوالي الذي كان على المدينة، وقال إن مالكاً لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وأيمان البيعة تكون للخليفة والذي يؤديها الولاة، وهو يأخذ بحديث في أن طلاق المكره لا يجوز، فأمره الوالي بأن لا يحدث بهذا الحديث، ثم دس له رجلاً فسأله عن الحديث، فحدث به مالك على رؤوس الناس، فعند ذلك أمر الوالي بضربه بالسياط وحلق رأسه وحمله على بعير، وقيل له: نادِ على نفسك. فقال: ألا من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن انس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء. فبلغ ذلك الوالي فقال: أدركوه، أنزلوه.
وكان طريقتهم أنهم في بيعتهم يبايعون الناس، يأخذون البيعة على الناس بالعتاقة: أبايع على أن أوفي لكم، فإن لم أوفِّ لكم فزوجتي طالق وعبيدي معتق ونحو هذا الكلام، فكانوا يأخذون الأيمان على الطلاق، فمالك لما ذكر أن طلاق المكره لا يجوز، قالوا: هذا كأنه يقدح في بيعة هؤلاء الولاة. ولما ضربه هذا الرجل، يقولون بأن أبا جعفر المنصور لما حج أراد أن يقيد مالكاً من الوالي، يضرب الوالي كما ضرب مالكاً، فأبى مالك عليه وقال: معاذ الله.
وكان مالك رحمه الله إماماً من أئمة السنة، من أئمة الاعتقاد، ومن ما اشتهر عنه رحمه الله أن رجلاً جاءه فقال: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ فيقولون بأن مالكاً ما وجد مثل تلك الموجدة من مسألة هذا الرجل، فنظر إلى الأرض، ثم جعل ينكت بعود، ثم رفع رأسه ورمى بالعود وقال:
الكيف منه مجهول أو الكيف منه غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج. توفي مالك رحمه الله عليه في سنة 179 للهجرة النبوية رحمه الله عليه. ومما ينبغي ذكره في سيرة مالك، ذكر كتابه الموطأ الذي سارت به الركبان.
هذا الكتاب الذي طبقت شهرته الآفاق، وحدث به عنه أمم لا يحصون، وسمعه الخلفاء والعلماء وانتشر في حياته، فحفظه تلميذه الشافعي قبل أن يتتلمذ عليه. وسمعه منه تلميذه يحيى بن يحيى الليثي، وهو في الأندلس قبل أن يرى مالكاً، ثم رحل فسمعه من رجل يقال له زياد بن عبد الرحمن يلقب بشبطون؛ وكان شبطون هذا من أول من أدخل موطأ مالك على أهل الأندلس، وأول من أدخل مذهب مالك. ثم إن يحيى بن يحيى بعد سماعه على شبطون، رحل إلى مالك ووصل إليه في السنة التي مات فيها، فسمع عليه الموطأ، ولم يشك في شيء من سماعه إلا في ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف؛ إذا جاءها رواها عن شبطون عن مالك.
والشافعي وهو من كبار تلاميذه ومن الأئمة الكبار، الأئمة الأربعة، كان يقول: ما على الأرض كتاب في العلم أكثر صواباً من موطأ مالك. طبعاً هو يقول هذا الكلام قبل تأليف الصحيحين؛ الشافعي توفي سنة 204 قبل تأليف البخاري صحيحه، وقبل تأليف مسلم صحيحه، وأما بعد الصحيحين فالصحيح هما أصح الكتب، ويليهما موطأ مالك. وكان الشافعي رحمه الله عليه كما ذكرت قد حفظ الموطأ قبل أن يرى مالكاً، وكان يقول: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ عن ظهر قلب، فقلت لمالك: إني أريد أن أسمع عليك الموطأ، يعني يريد اتصال السند لأنه حفظه من شخص آخر، فلما جاء أراد أن يسمعه على مالك فيكون سنده عالياً ومتصلاً.
فقال مالك: يطلب من يقرأ لك؛ كان مالك لا يقرأ الموطأ، وإنما يُقرأ عليه، وكان الغرباء لا يدعهم يقرؤون لأنهم يتأخرون في القراءة. فقال: لا، عليك أن تسمعه مني، فإن سهل عليك قرأت لنفسي. قال: اقرأ، فلما سمع قراءته وكان الشافعي فصيحاً قال: اقرأ، فما زلت أقرأ عليه حتى فرغت منه. وهذا الكتاب من أهميته شرحه خلق لا يحصون، أناس كثيرون؛ يعني بعض المحققين عدد ممن شرح موطأ مالك ما يزيد على 130 شرحاً.
ومن هذه الشروح شروح لتلاميذه، عبد الله بن مسلم بن وهب القرشي الذي توفي سنة 198 شرح الموطأ، وهكذا عبد الله بن نافع الصائغ توفي سنة 206، وهكذا عبد الملك بن حبيب القارئ عليه دائماً الذي يقرأ عليه الموطأ، شرح الموطأ وهو توفي في سنة 238، وهكذا من بعدهم هناك شروح كثيرة. ومن أفضل هذه الشروح شرحان لابن عبد البر الذي توفي سنة 463 حافظ المغرب كما يقال، أولهما اسمه التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، وهذا طبع في 24 مجلداً، والثاني مرتب على حسب شيوخ مالك على حسب حروف المعجم، رتب الشيوخ على حسب الحروف الأبجدية، يأتي بالشيخ ثم يذكر ترجمته ثم يذكر ما لمالك عنه من الأحاديث، وكان قد خصص التمهيد للأحاديث المرفوعة فقط.
ثم شرح الموطأ في كتاب آخر اسمه الاستذكار، وهذا الاستذكار ذكر فيه مذاهب فقهاء الأمصار، وذكر فيه أيضاً الآثار وشرحها وشرح كلام مالك. ولو أراد الباحث أن يستقصي جهود العلماء الذين خدموا موطأ مالك، لوجد نفسه أمام سيل هائل من كثرة المؤلفات التي لا يمكن استقصاؤها، منها كتب في غريبه، منها كتب في شروحه، منها كتب في رجاله، منها كتب في ما لم يصله مالك إلى غير ذلك من المعاني. وروايات الموطأ أيضاً كثيرة جداً، لو أخذنا البخاري، أنا عددت من الناس الذين روى عنهم البخاري الموطأ في صحيحه فعددت عشرة ثم عجزت عن العد، وربما يكونون أكثر من ذلك، منهم عبد الله بن يوسف التنيسي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وقتيبة بن سعيد البغلاني، وغيرهم معن بن عيسى.
والقاضي عياض في كتاب ترتيب المدارك، والقاضي توفي سنة 544، ذكر أبواباً كثيرة في ذلك الكتاب الضخم يتكلم فيها عن موطأ مالك والإشادة به ومن شرحه وكلام الخلفاء عنه. وذكر عن مالك أنه قال: لما حج المنصور دعاني فدخلت عليه فحدثته وسألني فأجبته، فقال: عزمت أن آمر بكتبك -بالموطأ- فتنسخ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ويدعوا ما سوى ذلك من العلم، فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة. فقال مالك: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سيقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث، وجاءهم صحابة وعملوا بما سيق إليهم ودانوا به، واختلف أصحاب الرسول، فمنهم من ذهب هنا ومنهم من ذهب هنا، وأقوالهم متناثرة بين الناس، وإن رد أولئك الناس عما اعتقدوه لشديد، فدع الناس وما هم عليه، ودعهم وما اختار كل بلد لأنفسهم. فقال: لعمري لو طاوعتني لأمرت بذلك، وهذا كان من عقل مالك رحمه الله عليه.
وأخبار خلفاء بني العباس مع مالك وموطئه كثيرة؛ فقد طلب المهدي حين قدم المدينة من مالك أن يسمع الموطأ لولديه هارون وموسى، وكان في البداية يريد أن يأتيهما الإمام مالك في مكانهما فأبى، وقال: العلم يؤتى أهله. فقال: نعم، وبعث بولديه، وأراده أن يسمعا من لفظ مالك فأبى، وذكر له أن أهل العلم بالمدينة يقرأ عليهم كما يقرأ الصبيان على المعلم، ثم أمر مالك شخصاً فقرأ لهما.
وهناك بعد هذه السيرة التي ذكرتها عن موطأ مالك، هناك شيء أود التنبيه عليه بشكل سريع، وهو أني إنما ذكرت ما تقدم من الكلام عن موطأ مالك ومعرفة الناس به في زمنه وانتشاره بين الناس وكثرة رواته وكلام الخلفاء عنه وغير ذلك مما لم أذكره، إنما ذكرت ذلك ليعرف الناس في هذا الزمان أن حق المؤلفات العظيمة التي يؤلفها العلماء الكبار كمالك والشافعي وأحمد والبخاري وغير هؤلاء، حق هذه المؤلفات أنها تنتشر ولا يمكن أن تخفى على أحد؛ بل لابد وأن يوجد ما يدل على رواجها بين أهل عصرها، وذلك لمكانة أهلها الذين ألفوها.
فإذا زعم زاعم بأن لمالك مثلاً أو للشافعي أو لأحمد أو لغيرهم من الأئمة كتاباً اسمه كذا وكذا، وهذا الكتاب لا نجد له ذكراً في الكتب التي رواها الأئمة، الكتب الأخرى، ولا في كتب التراجم، تراجم ذلك الإمام؛ لأن هناك عندنا كتب التراجم كثيرة للأئمة، ولا نجد له شروحاً، ولا نجد له أطرافاً، ولا مستخرجات. وأطراف الكتب كما هو معلوم هي كتب أشبه بالفهارس التي تعدد أحاديث الكتاب الواحد، فمثلاً الصحيحان والموطأ صنعت لهم أطرافهم في وقت مبكر؛ من أطراف الصحيحين أطراف أبي مسعود الدمشقي، توفي سنة 400، وهكذا خلف الواسطي يعدد ما في الصحيحين من الأحاديث، وهذه الكتب قديمة، وبالتالي لا يمكن أن يدخل في الصحيحين أو بغيرهما شيء من الأحاديث.
الشاهد أن هناك أيضاً مستخرجات، والمستخرجات يروي أصحابها أحاديث تلك الكتب من طرق أخرى غير طرق الصحيحين أو غير طريق مالك، وهناك مسانيد؛ مسند مالك أيضاً، كم من العلماء ألفوا مسند مالك؟ مسند مالك يعني يصلون الأحاديث التي في كتاب مالك من طرقهم. المقصود أن ادعاء صحة كتاب وهذا الكتاب لا يوجد له شهرة في زمن مؤلفه ولا بعده بقليل، ولا يوجد له أسانيد في كتب أخرى قريبة من دهره، وجود ادعاء مثل ذلك والكتاب لا نجد العلماء القديمين يعرفونه، هذا الادعاء لابد أن نعرف أنه ادعاء خاطئ وغير صحيح.
ظهرت علينا، رأيت بعض الناس في هذا الزمان يدعون صحة نسبة بعض الكتب إلى مؤلفين مشهورين من القدماء، ربما بعضهم قبل مالك، وأنها كتب صحيحة، بل نجد بعضهم يقارن بينها وبين أمهات كتب الحديث كالموطأ والبخاري وسائر كتب السنة المنتشرة الموجودة في كل الكتب القديمة، نجدهم يقارنون بينها وبين هذه الكتب مع أن تلك الكتب لا ذكر لها مطلقاً، بل ولا ذكر لها في كتب إثبات ولا رواية تتصل بها، بخلاف هذه الكتب المشهورة؛ فإن الرواية إلى اليوم لازال الناس يقرؤون البخاري والموطأ من أوله إلى آخره، وقد سمعت بنفسي شخصياً سمعت صحيح البخاري على عشرة من العلماء من أوله إلى آخره، وهكذا الموطأ على ثلاثة، والترمذي مثله، وإلى آخره، وما زالت الأسانيد تقرأ بأعداد هائلة وتتصل كل هذه الأسانيد إلى أن تصل إلى الإمام البخاري أو إلى الإمام مالك.
وأما أن نجد كتباً لا أسانيد لها إلا أسانيد مختلقة في عصر متأخر، وهذه الكتب أيضاً المشهورة لا يمكن زيادتها، لا يمكن إدخال فيها ولا حديث واحد، لا يمكن لأحد أن يدخل حديثاً في صحيح البخاري؛ لأن الأطراف موجودة وهي كثيرة، والشروح موجودة وهي كثيرة، فكيف سيدخل حديثاً ليس في هذه الكتب؟ إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري