قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فقد تكلمنا فيما مضى عن ثلاثة أمصار علمية، وهي المدينة ومكة والكوفة، وسأتحدث الآن عن البصرة. نشأ الحديث في البصرة كالكوفة في وقت الفتوح، في فتوح الشام والعراق، وقد كانت معظم هذه الفتوح في سنة 14 للهجرة أو 15. وحين مصر عمر الأمصار في سنة 14، نزل البصرة جماعة من الصحابة، وأكثرهم حديثاً أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وهناك غيرهم من الصحابة.
تميز حديث أهل البصرة بأنهم اعتنوا به عناية بالغة أكثر من عناية أهل الكوفة بالحديث؛ فأهل الكوفة كان الفقه فيهم أكثر، وأهل البصرة كان الحديث فيهم أكثر. لذلك كانت أحاديث أهل البصرة من أصح الأحاديث بعد أحاديث أهل الحجاز، وربما يكون سبب ذلك أنهم كانوا يتحرون السماع، فقد كان أكثر حديثهم فيه التصريح بالسماعات، يقولون: حدثني وسمعت، وهذا كأنهم تعلموه من شعبة بن الحجاج، وهو كان بصرياً. كما أن أحاديثهم تمتاز بالعلو؛ لأنهم يكتبون الحديث منذ الصغر، منذ أن يبلغ الواحد منهم عشر سنين وهو يطلب الحديث، وكذلك المدلسون فيهم قليل كما ذكر الحاكم وغيره.
من أشهر المحدثين من أهل البصرة من التابعين: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة بن دعامة السدوسي، وثابت بن أسلم البناني، وأكثرهم تلاميذ لأنس بن مالك رضي الله عنه. وأما من بعد هؤلاء التابعين فيأتي شعبة بن الحجاج، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد.
هذه الحلقة سأبدأ فيها بترجمة بعض التابعين، وسأبدأ بالحسن البصري، وهو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن، واسمه يسار البصري. كان من سادات التابعين وكبرائهم، كان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وأمه اسمها خيرة، مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. وأحياناً تغيب في العمل فيبكي الحسن البصري، فتأخذه أم سلمة وتلقمه ثديها، فقيل إنه در عليه ثديها وأنه شرب منها، فكانت الفصاحة والحكمة التي فيه من بركة ذلك اللبن.
كان للحسن البصري رحمه الله حلقتان: حلقة في بيته، لا يتكلم فيها إلا في معاني الزهد والورع والمواعظ والعبادة ونحو هذا الكلام، فإذا سأله إنسان عن غير هذه المعاني انزعج منه وتبرم، وقال: إنما خلونا مع إخواننا لنتذكر. والحلقة الثانية كانت في المسجد، وحلقة المسجد يكون فيها التحديث بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والفقه، وعلم القرآن، واللغة، وسائر العلوم. وكان أصحابه الذين يتعلمون منه أصنافاً؛ فمنهم من يصحبه للحديث، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان، ومنهم من يصحبه للبلاغة، ومنهم من يصحبه للزهد والإخلاص.
يقول مطر الوراق: دخلنا على الحسن نعوده، فما كان في بيته شيء؛ لا فراش ولا بساط ولا وسادة ولا حصير، إلا سرير مرمول كان يجلس عليه. وكان رحمه الله آية في العلم والعمل، قدم مكة مرة فأجلس على سرير واجتمع إليه الناس فحدثهم، وكان من ضمن هؤلاء الناس علماء مكة: مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس بن كيسان. فلما قاموا منه قالوا: لم نر مثل هذا قط.
كان فصيحاً بليغاً واعظاً. سئل أنس بن مالك مرة -وأنس كان في البصرة- عن مسألة من المسائل فقال: سلوا مولانا الحسن. قالوا: يا أبا حمزة، نسألك وتقول سلوا مولانا الحسن؟ فقال: سلوا مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا. وكلام أهل العلم في الثناء عليه كثير جداً، اجتمعت عليه كلمتهم في أنه من أهل العلم ومن أفضل أهل الورع والصلاح، حتى إن بعض أهل العلم يقول: لو أنه أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم لما تقدموه. يقول قتادة -وهو أحفظ أهل البصرة من التابعين وهو من أقران الحسن-: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له فضلاً عليه.
كان يقول: ما جالست فقيهاً قط إلا رأيت فضل الحسن عليه. وكان كثير من العلماء يقتدون به في أقواله وفي فتاواه. قال حجاج بن أرطأة: سألت عطاء -يعني ابن أبي رباح- عن القراءة على الجنازة، فقال: ما سمعنا ولا علمنا أنه يقرأ عليها. فقال له: إن الحسن يقول يقرأ عليها، فقال عطاء: عليك بذاك، فذاك إمام ضخم يقتدى به. وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى المسح على الوجه بعد الدعاء، فلما سئل قال: كان الحسن يفعله، فلولا أنه من الأئمة الذين يقتدى بهم لما قال هؤلاء الأئمة هذا الكلام.
الحسن رحمه الله كان مع علمه وورعه مشهوداً له بالشجاعة، يقول هشام بن حسان: كان الحسن أشجع الناس. وقال: كان المهلب بن أبي صفرة إذا قاتل المشركين يقدمه. وكان إذا تكلم بكلام يأخذ كلامه الألباب لفصاحته، يقول أبو عمرو البصري -وهو أحد القراء الكبار-: ما رأيت أفصح من الحسن. وكذلك يقول محمد بن جعفر الباقر المشهور: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
كان رحمه الله مع هذه الصفات أيضاً من أجمل الناس وأحسنهم خلقاً. قال عاصم الأحول: قلت للشعبي: ألك حاجة؟ قال: نعم، إذا أتيت البصرة فاقرأ الحسن مني السلام. قال: فقلت له: ما أعرفه. قال: إذا دخلت البصرة دخلت مسجدها، فانظر إلى أجمل رجل تراه في عينيك وأهيبه في صدرك، فاقرأ مني السلام. قال: فما عدا أن دخلت المسجد فرأيت الحسن ورأيت الناس حوله جلوس، فأتيته وقلت: إن الشعبي يسلم عليك.
له رحمه الله أقوال كثيرة وحكم يطول ذكرها، توجد هذه الكلمات في كتب العلم وهي كثيرة جداً، لا يكاد كتاب في العلم إلا ويوجد فيه نقل عن الحسن البصري رحمه الله عليه. ومن عجائب ما وقفت عليه من كلامه مما ينسب إليه ما قيل له: ألا ترى كثرة الوباء؟ -وهذا حصل في هذا الزمان، اتفق لنا أن وجدناه وقد حصل في هذا الزمان هذا المرض الذي انتشر على الناس- فقال: أنفق ممسك، وأقلع مذنب، واتعظ جاحد. يعني أن هذا الوباء أو الأوبئة هذه ظاهرها شر، لكنها في حقيقة الأمر في الباطن خير إن شاء الله؛ وذلك أنه بسبب الوباء تتغير أحوال الناس إلى الخير والأحسن، فينفق الأغنياء الممسكون، ويقلع العصاة المذنبون عما هم عليه، ويتعظ الجاحدون المعاندون؛ وذلك لأنهم مع وجود الأوبئة يخشون الموت ولا يأمنون على أنفسهم، فيبادرون إلى التخلي عن تلك الصفات القبيحة إلى الصفات الحسنة التي فيها خير لهم.
ومن فوائد ما يذكره رحمه الله عليه وهي من الفرائد، أنه قال لفرقد بن يعقوب -وهو من الزهاد- مر عليهم فدعاهم للأكل معهم، كانوا يأكلون حلوى، فقال فرقد: إني لا أستطيع أن أؤدي شكره. فقال الحسن: وهل تقدر أن تؤدي شكر الماء البارد الذي تشربه؟ يعني أنت لا تأكل ولا تشرب إلا ما تؤدي شكره، فالنعمة نفس الشكر الذي تشكره هو نعمة من الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن تؤدي شكر شيء من نعم الله سبحانه وتعالى، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. ولذلك قال الشاعر: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... عليّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
ويقال إن هارون الرشيد رحمه الله عليه قال لأبي العباس محمد بن السماك -وهو سيد من سادة الوعاظ، وشيخ للإمام أحمد، ومن الزهاد الكبار-: يا أبا العباس عظني. وكان هارون الرشيد في يده كأس فيه ماء، فقال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو حبست عنك هذه الشربة التي في يدك أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. ثم قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو حبس خروجها، أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين، لا خير في ملك لا يسوى شربة ماء ولا خروجها. فعند ذلك بكى هارون الرشيد رحمه الله عليه.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير بإذن الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تكلمنا قبل الفاصل عن الحسن البصري رحمه الله عليه، سأتكلم الآن عن قرينه وسيد التابعين بعده، الإمام محمد بن سيرين الأنصاري النجاري، وهو من المحدثين الكبار. والناس إنما يعرفونه بتعبير الرؤى، وإلا فهو إمام في التفسير، إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في الورع، وكذلك إمام في تعبير الرؤى.
كان أبوه سيرين بن عمر مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، صار إليه من غنائم عين التمر التي جاء بها خالد بن الوليد، فأعتقه أنس بن مالك، ثم إنه اشتغل بالتكسب، فخطب جارية اسمها صفية مولاة لأبي بكر الصديق، فعند ذلك سأل أنس بن مالك أبا بكر الصديق عنها، فقال: ما عرفته إلا صحيح الدين، رضي الخلق، موفور المروءة. وكانت صفية هذه جارية كريمة الشمائل، محببة إلى كل من عرفها، فكان نساء المدينة يحبونها، وكان أشد الناس حباً لها أمهات المؤمنين، ولا سيما عائشة لأنها مولاة أبيها رضي الله عنهم أجمعين.
لما أراد أبو بكر أن يزوجها جمع لها جمعاً كثيراً من الصحابة، وطيبها ثلاث من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ودعون لها، وتولى عقد نكاحها أبي بن كعب رضي الله عنه، ودعا لها، وأمن على دعائها الخلفاء الكبار وكبار الصحابة. فأنجب سيرين وصفية ستة من الولد كلهم رووا الحديث، منهم محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، وحفصة، وكريمة، كلهم أبناء سيرين رضي الله عنهم. وقد روى ثلاثة منهم بعضهم عن بعض في حديث واحد: محمد بن سيرين روى عن أخيه يحيى بن سيرين، عن أخيه أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، ورووا حديثاً فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لبيك حجاً حقاً تعبداً ورقاً».
وفيما تقدم مما ذكرته يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة عمود النسب: سيرين مولى أنس بن مالك ... من سبي عين التمر جيل الناسك وبالمعبر ابن سيرين العلم ... جاءت لذي الخلال مولاه وكم ذي الخلال أبو بكر الصديق ... وبالمعبر ابن سيرين العلم جاءت لذي الخلال مولاه وكم ... دعا لها عند الزواج من مكين وزفها أمهات المؤمنين
ولد ابن سيرين سنة 34 للهجرة، وأدرك من الصحابة جماعة كثيرين، وسمع أبا هريرة، وعمران بن حصين، وابن عباس، وابن عمر، وطائفة من الصحابة. وأخذ عنه من العلماء علماء كبار؛ أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وهشام بن حسان، وخلق كثير. وكان رحمه الله عليه فقيهاً إماماً غزيراً في التفسير وفي الحديث وفي الفقه، وكان ثبتاً ثقة علامة، وكان أيضاً علامة في التعبير، وكان رأساً في الورع.
يقول مورق العجلي: ما رأيت رجلاً أفقه في ورع، ولا أورع في فقه من محمد بن سيرين. وقال جماعة من أهل العلم: أصح الأسانيد محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي رضي الله عنه. يقول ابن المديني: وأصح من روى عن ابن سيرين أيوب السختياني. بينما يقول الفلاس: أصح من روى عن ابن سيرين عبد الله بن عون.
وفي ذلك يقول السيوطي رحمه الله عليه في ترجيحه للأسانيد أو في ذكره لأصح الأسانيد، يقول: والوقف عن حكم لمتن أو سند ... بأنه أصح مطلقاً أسد وآخرون حكموا فافطر لفوق ... عشر ضمنتها الكتب فمالك عن نافع عن سيده ... وزيد ما الشافعي فاحمد الان قال ثم ابن سيرين عن ... الحبر العلي عبيدة بما رواه عن علي
كان ابن سيرين رضي الله عنه شديد التثبت في الحديث، ففي صحيح مسلم عن ابن سيرين أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وقد روي عنه أشياء في التثبت عن الأحاديث، كان يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وكان هو أول من انتقد الرجال وميز الثقات من غيرهم.
يقول يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين -وهو إمام من أئمة الحديث كما يقول الذهبي تسبر أحوال الرجال-: تعرف أحداً من التابعين كان ينتقي الرجال كما كان ابن سيرين ينتقي؟ فقال برأسه لا. وكان علي بن المديني -وهو نظير يحيى بن معين في العلم- كان يقول: كان محمد بن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، ولا نعرف أحداً أول منه، لم يسبقه أحد في التفتيش، ثم كان بعده أيوب وابن عون تعلموا منه، ثم كان بعدهم شعبة بن الحجاج، ثم كان بعدهم يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي. ولذلك ذكر ابن عبد البر وهو يتكلم عن الإرسال بأن كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك لا يحتج بما أرسله، بينما من يأخذ عن.
الثقات؛ فإنه إذا أرسل، قُبِل مرسله. ومن أولئك الناس سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي. وكان محمد بن سيرين رحمه الله عليه أيضاً محبب الأخلاق، كان يحدث بأحاديث الناس وينشد الشعر ويضحك حتى يميل، فإذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلح وتقبض، وهذا لكونه يرى أن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم شديد، ولا بد فيه من التدقيق ومن التثبت حتى لا يقع في النهي «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وأيضاً كان من أهل الورع الشديد. يقول أبو بكر بن عبد الله المزني، جمع بينه وبين علماء البصرة وغيرهم في الوصف، فكان يقول: من سره أن ينظر إلى أعلم رجل أدركناه -هو يتكلم عن أهل البصرة- فلينظر إلى الحسن، ومن سره أن ينظر إلى أورع رجل أدركناه فلينظر إلى محمد بن سيرين، ومن سره أن ينظر إلى أعبد رجل أدركناه فلينظر إلى ثابت البناني، ومن سره أن ينظر إلى أحفظ رجل أدركناه فلينظر إلى قتادة. هؤلاء هم أئمة التابعين من أهل البصرة.
ومن ورع ابن سيرين رحمه الله عليه أنه لما حُبس، حُبس في دين، فقال له السجان: إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك وإذا أصبحت فتعال. فقال: لا والله، لا أعينك على خيانة السلطان. والعجيب أن سبب حبسه أنه اشترى زيتاً بأربعة آلاف درهم ديناً، فوجد في زق من هذا الزيت فأرة، فخشي أن تكون الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله وخسر الأربعة آلاف؛ لئلا يبيع للناس شيئاً مغشوشاً أو شيئاً نجساً، فحبس في ذلك الدين.
وكان عبد الله بن سري يقول: قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حُمِل به علي الدين؛ قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس. سبحان الله! هو يتذكر هذا الذنب أنه قال لرجل يا مفلس منذ أربعين سنة، كأنه أمر عجيب في الحقيقة؛ ما زال يتذكر الذنب وهو ذنب يسير بالنسبة لنا اليوم، ولو أراد الواحد منا أن يعد ذنوبه ما أدري ماذا سيفعل. وقول ابن سيرين في معرفة الذنب هذا حصل مثله لبعض الأئمة الآخرين، سفيان الثوري قال مرة: لقد حُرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل وما هو؟ قال: رأيت رجلاً يصلي ويبكي، فقلت في نفسي: هذا مراء. فقط قاله في نفسه. ولذلك يقول أبو سليمان الداراني: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فلسنا ندري من أين نؤتى. والعجيب أن هذا الذنب الذي ذكره الثوري هو شيء قاله في نفسه، لم يتكلم به، فكان عنده ذنباً وهو في الحقيقة شيء مهم، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»، والكلام في هذا كثير جداً.
وأما التعبير لابن سيرين فهو إمام التعبير، وله أحوال وعجائب من ضمنها، أختم به هذه الحلقة، أن الحسن البصري رأى في المنام أنه يضرب على العود، وأنه قائم عارٍ على مزبلة، عارٍ من الملابس ويضرب بالعود وهو واقف على مزبلة، وكان بينه وبين ابن سيرين ذلك الوقت شيء من التجافي، فأرسل أحد طلابه يسأل ابن سيرين ولا يخبره من رأى هذه الرؤيا، فقال: دع من رآها يأتي ويسأل ابن سيرين. فعند ذلك قام الحسن البصري وكانت الرؤيا قد أزعجته، فلما جاءه تصافحا وتعانقا وتعاتبا، قال: أخبرني بالرؤيا، فقال: لا عليك منها. فقال: ما هي؟ قال: أما كونك عارٍ فأنت عارٍ من الدنيا؛ لم تتلبس بشيء منها، وأما كونك على مزبلة فأنت قد رأيت الدنيا على حقيقتها، وأما كونك تضرب بالعود فهذا كلامك الذي يأخذ بالألباب. فقال: كيف عرفت أني صاحب الرؤيا؟ قال: لما أخبرني بها تلميذك نظرت فلم أر أحداً أولى بهذه الرؤيا إلا أنت.
وتوفي محمد بن سيرين رحمه الله عليه، وكذلك توفي الحسن البصري في نفس السنة، في سنة عشر ومائة للهجرة. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري