قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، ففي هذه الحلقة سنتكلم عن ثلاثة آخرين من حفاظ الكوفة الكبار، واحد منهم في طبقة إبراهيم النخعي أو بعده بقليل، إلا أنه كان راوية للحديث، وأما الآخران فهما من تلاميذه ومن تلاميذ إبراهيم النخعي. أما الذي هو من طبقة إبراهيم النخعي فهو أبو إسحاق السبيعي، وأما الآخران فهما أبو محمد سليمان بن مهران المعروف بالأعمش، والآخر هو أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي، والثلاثة من شيوخ الثوري وشعبة بن الحجاج.
سنبدأ أولاً بأبي إسحاق السبيعي، وهو من الأئمة الحفاظ والعلماء العاملين من أهل الكوفة. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه. وكان هذا الرجل حريصاً على طلب العلم، فهو مع كونه من التابعين إلا أن شيوخه قد تجاوزوا مائة شيخ، وهذا يدل على أنه كان طالباً للعلم شديد الطلب، منهم جماعة من الصحابة كثيرون كالبراء وزيد بن أرقم وغيرهما. وهناك جماعة كثيرة من كبار التابعين قد روى عنهم من أصحاب ابن مسعود وغيرهم.
بل إن علي بن المديني رضي الله عنه، وهو إمام الحديث في زمنه الذي يقول عنه البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني، يذكر بأن أبا إسحاق روى عن سبعين أو ثمانين رجلاً لم يرو عنهم غيره، وهذا يدلنا على أنه كان من أحرص الناس على الطلب. ولهذا قال شعبة لما قيل له: هل سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ ومجاهد أكبر من أبي إسحاق ومن أهل مكة؛ قال: وما كان يصنع به؟ هو أحسن حديثاً منه؛ لكثرة شيوخ أبي إسحاق السبيعي، فهو ليس في حاجة إلى حديث مجاهد لأنه أكثر حديثاً منه رضي الله عنه.
ولذلك قال علي بن المديني: نظرت في الإسناد فإذا هو يدور على ستة نفر؛ لأهل المدينة محمد بن شهاب الزهري، ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران الأعمش. يعني لأهل الكوفة هذان الرجلان، وترجمته معنا أحدهما هو أبو إسحاق هذا، والثاني هو سليمان بن مهران الأعمش. قال أبو داود الطيالسي: وجدنا الحديث عند أربعة؛ الزهري من أهل المدينة، وقتادة وهو من أهل البصرة، وأبو إسحاق والأعمش من أهل الكوفة. وكان قتادة كما يقول الطيالسي أعلمهم بالاختلاف، وكان الزهري أعلمهم بالإسناد، وكان أبو إسحاق أعلمهم بالحديث وبالذات بحديث علي وابن مسعود، وكان عند الأعمش من كل هذا. يقوله الطيالسي: ولم يكن عند واحد من هؤلاء إلا ألفان، وإنما كثرت أحاديث أبي إسحاق رضي الله عنه وكثر شيوخه لأنه طلب العلم صغيراً حتى أدرك أناساً لم يدركهم أقرانهم.
ولما قال: سمعت صلة بن زفر منذ سبعين سنة، قال الثوري: هذا يدل على أنه طلب العلم في عهد عائشة وأبي هريرة. ويقول ابن عيينة أيضاً: دخلت على أبي إسحاق فإذا هو في قبة تركية، وإذا هو جالس في مسجده في مكانه الذي يصلي فيه، فقلت: كيف أنت؟ قال: مثل الذي أصابه الفالج، كبير في السن ما تنفعني يد ولا رجل. فقلت: أسمعت من الحارث؟ والحارث هو من أصحاب علي رضي الله عنه؛ فقال لي ابنه يوسف: هو قد رأى علياً؛ يعني كيف تسأله عن هل سمع الحارث أو لا؟ فسألته فقال: نعم رأيت علياً. ويقول أبو إسحاق السبيعي: ويقول سفيان: اجتمع الشعبي وأبو إسحاق، فقال له الشعبي: أنت خير مني يا أبا إسحاق؛ والشعبي هو أكبر منه؛ فقال: لا والله بل أنت خير مني وأسن مني، وقد تكلمنا عن الشعبي في الحلقات الماضية. ويقول تلميذه أبو بكر بن عياش الكوفي: ما سمعت أبا إسحاق يعيب أحداً قط، وإذا ذكر رجلاً من الصحابة فكأنه أفضلهم عنده. توفي أبو إسحاق سنة تسع وعشرين ومائة رضي الله عنه.
وأما الثاني وهو أبو عتاب منصور بن المعتمر السلمي، فهو أحد الحفاظ الكبار وأحد الأثبات، وهو أوثق من الأعمش كما ذكر ذلك غير واحد. روى عن جماعة من التابعين الكبار، واختص بإبراهيم النخعي، إبراهيم بن يزيد الذي ذكرنا ترجمته أنه أخذ عن أصحاب ابن مسعود حتى قال يحيى القطان وهو إمام الحديث في زمنه وقد سئل عن أصحاب إبراهيم، فقال: إذا جاءك منصور فقد ملأت يديك لا تريد غيره. وأثبت أصحاب منصور وأعلمهم به سفيان الثوري، ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم منهم يحيى بن معين وغيره. ولذلك قيل: أصح الأسانيد سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، حتى إن الإمام عبد الله بن المبارك كان يقول: إذا جاءك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله فكأنك تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وابن المبارك تلميذ لسفيان الثوري.
وقال ابن المبارك أيضاً: ما أجمع الناس على شيء إجماعهم على هذا الإسناد: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. وهكذا قال عبد الرزاق: قال حدثنا سفيان الثوري وهو الشيخ، عبد الرزاق بحديث عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، ثم قال: هذا هو الشرف على الكرسي. ويقول وكيع بن الجراح: دائماً يحدث عن سفيان عن منصور، وقال مرة لأصحابه وهو يحدث عن الأعمش قال: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله؟ يعني الآن رواية وكيع عن أبي وائل اللي هو شقيق بن سلمة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله ليس بينه وبين النبي إلا ثلاثة أشخاص، فقال لأصحابه: أحديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله أحب إليكم أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ يعني بينه وبين النبي خمسة أو بينه وبين النبي ثلاثة، والعلو أفضل لا شك. فقالوا: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله؛ يعني هذا أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: الأعمش شيخ في المرتبة وأبو وائل الشيخ، وأما سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ففقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه. فهو مع علو إسناد وكيع من طريق الأعمش حيث ليس بينهم وبينه إلا ثلاثة، يفضل وكيع حديث سفيان عن منصور وإن كان نازلاً؛ لأنه مسلسل بالفقهاء.
وكان سفيان الثوري يقول: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد إلا رده؛ يعني الأعمش كان لا يعجبه أحد ولا يكبر في عينه من المحدثين الذين في زمنه؛ قال: فإذا حدثته عن منصور سكت. ومنصور والأعمش قرينان، وسفيان الثوري تلميذ لهذين الرجلين وهو أعلم بحديثهما، وقد كان يقدم منصورا على الأعمش مع أن الأعمش أعلى إسناد كما ذكرت من منصور. وإنما قدم العلماء منصوراً على الأعمش لأن الأعمش كان يدلس، كان فيه شيء من التدليس ويهم أحياناً وهي قليلة، وأما منصور فكان متقناً حتى قيل إنه لا يخطئ وأيضاً لا يدلس، والتدليس سأذكر أو سأبين معناه.
وكان منصور عابداً زاهداً امتنع من القضاء حتى إن ابن هبيرة الأمير كاد يسجنه وجاء بالقيد، فقالوا له: لو نثرت لحمه لم يلن للقضاء؛ فتركه. فجاءت أمه تعنفه وكانت شديدة عليه تقول: يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء، فتاب وهو واضع لحيته على صدره ما يرفع طرفه إليها رضي الله عنه. وذكر زائدة أن منصوراً صام أربعين سنة وقام ليلها وكان يبكي، فتقول له أمه: يا بني قتلت نفسك، يا بني هل قتلت قتيلاً؟ فيقول: يا أمي أنا أعلم بما صنعت بنفسي، وحتى إنه قال أعمش من كثرة البكاء. ولما توفي رآه سفيان بن عيينة في النوم فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: كدت ألقى الله بعمل نبي. توفي رحمه الله عليه في سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
وأما الأعمش وهو العالم الثالث، فهو أبو محمد سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أحد الحفاظ الكبار وشيخ للمقرئين، يعني هو مقرئ محدث. ولد في قرية من أعمال طبرستان كما يقولون في سنة إحدى وستين، وقدموا به إلى الكوفة وهو طفل، فرأى أنس بن مالك وحكى عنه بعض الشيء. روى عن جماعة من كبار التابعين منهم إبراهيم النخعي وأبو وائل شقيق بن سلمة كما ذكرنا قبل قليل، وكذلك مجاهد بن جبر وغيرهم كثير. وروى عنه أئمة كثيرون، وأوثق الناس فيهم رواية سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، وهكذا وكيع بن الجراح وأبو معاوية الضرير، وهو تقريباً أعلى إسناد لأنه تأخر في الموت فلحقه أكثر الطلاب.
ذكره علي بن المديني ضمن الستة الذين يدور حولهم الإسناد، لأنه قال: نظرت في الإسناد فإذا هو يدور على ستة؛ لأهل المدينة ابن شهاب، ولأهل مكة عمرو بن دينار، إلى أن قال: ولأهل الكوفة أبو إسحاق السبيعي وسليمان بن مهران يعني الأعمش. وكان أحمد بن حنبل يقول: أبو إسحاق السبيعي والأعمش رجلا أهل الكوفة لكثرة حديثهما. وذكر ابن المديني أن إسناد أهل الكوفة كما ذكرت يدور على هذين الرجلين، ولذلك قال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش، يعني من كثرة الحديث الذي أخذه عنه. وقال أبو داود: عند شعبة عن الأعمش نحو من خمسمائة حديث، وقد أخطأ شعبة على الأعمش في أكثر من عشرة أحاديث، وعند وكيع عن الأعمش ثمانمائة، يعني وكيع أكثر من شعبة.
وسفيان أعلم الناس بحديث الأعمش، يعني سفيان الثوري كان أعلم الناس بحديث الأعمش حتى إن الأعمش يقول: هو أعلم مني بحديثي. وكان من كبار المحدثين يسمون الأعمش المصحف من شدة إتقانه، وممن سماه بذلك شعبة بن الحجاج وهو أمير المؤمنين في الحديث، وكذلك عمرو بن علي الفلاس وهو أحد الأئمة النقاد الكبار، وهذا يكفي شهادة في حفظ الأعمش. وكذلك يقوله يحيى بن سعيد القطان فإنه يقول: الأعمش كان علامة الإسلام. وكان الأعمش صاحب إسناد، جلس مرة إلى إياس بن معاوية القاضي فذكر إياس حديثاً، فقال الأعمش: من ذكر هذا؟ فضرب للأعمش مثلاً برجل من الخوارج، فقال: تضرب لي هذا المثل؟ أتريد أن أكنس الطريق بثوبي فلا أدع بعرة ولا خنفساء إلا حملتها؟ يعني لا بد من الإسناد. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن حفظ الأعمش وأنه من أهل الإسناد. وهناك شيء في الأعمش مما كان لا يرغب فيه، وهو أنه مع كثرة علمه وكثرة حديثه إلا أنه كان عسراً في التحديث، وكان في خلقه شيء، كان إذا حدث بثلاثة أحاديث قال: قد جاءكم السيل، يعني يكفيكم هذا. ولذلك كان بعض التلاميذ يحتال عليه؛ سئل مرة عن حديث، فقال للذي سأله: هل ترى أحداً من أصحاب الحديث؟ وهو كان أعمش كفيفاً، يعني هل ترى أحداً من الطلاب؟ هو لا يرغب في التحديث كثيراً، فغمض الرجل عينيه وقال: لا أرى أحداً يا أبا محمد، فحدث بالحديث.
ومرة جاءه رقبة بن مصقلة العبدي فسأله عن شيء فكلحه في وجهه، فقال له رقبة: أما والله ما علمتك لدائم القطوب سريع الملال مستخف بحق الزوار، لكأنما تصع الخطل الخردل. ومرة قال لابن المبارك وهو إمام حلف ألا يحدثه، وهذا من شدته على الطلاب. ويقول عيسى بن يونس: خرجنا مرة في جنازة، وهذا صنع بالأعمش صنيعاً جيداً، قال: خرجنا في جنازة وكان هناك رجل يقوده من أهل الحديث، فلما رجعنا عدل به عن الطريق، فلما أسحر قال: أتدري أين أنت يا أبا محمد؟ أنت في جبانة كذا يعني في صحراء كذا، ولا أردك إلى بيتك حتى تملأ ألواحي حديثاً، فقال: اكتب. فلما ملأ الألواح بالحديث ردّه، فلما دخل الكوفة دفع الرجل الألواح إلى شخص آخر حتى يحرزها يخشى من الأعمش أن يمسكها إذا وصل. فلما انتهى الأعمش إلى بابه تعلق بالرجل وقال: خذوا الألواح من هذا الفاسق، فقال: يا أبا محمد قد فاتت؛ يعني ما عادت موجودة، ليست موجودة. فلما أيس منه قال: كل ما حدثتك به فهو كذب. فقال الرجل: أنت أعلم بالله من أن تكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن الطرائف التي تذكر في كراهته للتحديث -وهذا بعد أن كبر ومل من كثرة ما يزعج من الناس- أن عبد الله بن إدريس قال: يا أبا محمد ما يمنعك من أخذ شعرك؟ كان شعره طويلاً، فقال: كثرة فضول الحجامين، يأتيه الحجام ويسألون وكثرة فضولهم هذا الذي جعله يبقي شعره طويلاً، قال: فأنا آتيك بحجام لا يكلمك حتى تفرغ، فقال: نعم. فأتيت بالحجام يقوله عبد الله بن إدريس، وكان الحجام محدثاً وحجاماً لكن من طلاب الحديث، وأوصاه ألا يكلمه، فقال: نعم. فلما أخذ الحجام نصف شعر الأعمش، قال الحجام: كيف حديث حبيب بن أبي ثابت في المستحاضة؟ يريد يحدثه، فصاح صيحة وقام يعدو وبقي نصف شعره لم يحلق، بقي غير مجزوز شهراً كاملاً.
وجاء مرة أصحاب الحديث ليسمعوا عليه، فخرج عليهم وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم، ولا أدري هل كانت امرأته أم غير ذلك. ومرة أعاده جماعة من أصحاب الحديث وهو مريض، وكانوا يحبون حديثه لأن حديثه كان عالياً، فأطال الجلوس عنده حتى ضجر منهم، فأخذ وسادته وقام، وكان صاحب مزاح أحياناً.
وقام وقال: شفى الله مريضكم بالعافية. وخرج، أراد أن يستأذن وهم أجروا وبقوا عنده مدة. وقال له بعض التلاميذ مرة: ألا تموت فنحدث عنك؟ لأنه بقي مدة وهم يريدون ولا يستطيعون أن يحدثوا عن المحدث إلا بعد أن يموت. فقال: كم من حُب أصبهاني -والحُب هو الجرة- قد انكسر على رأسه كيزان كثيرة؟ يعني سيموت التلاميذ ويبقى الشيخ بعدهم إن شاء الله.
وكان الأعمش رحمه الله عليه إذا جاءه طلاب الحديث رغم شدتها عليهم كان يخرج لهم شيئاً يأكلونه، فقالوا فيما بينهم -بعض التلاميذ-: لا يخرج عليكم الأعمش إلا أكلتم. فأكلوا، أخرج لهم طعاماً فأكلوه، ثم أخرج لهم طعاماً فأكلوه، فدخل وأخرج لهم فتيتًا فشربوه، فدخل وأخرج لهم قتًا، فقال: فعل الله بكم وفعل، أكلتم قوتي وقوت امرأتي وشربتم فتيتها فما بقي إلا علف الشاة، دونكم! فعند ذلك سكتوا، وهم كانوا أرادوا أن يمازحوه بذلك.
ومن الطرائف التي تذكر أيضاً وحدثت له أنه جرى بينه وبين زوجته كلام وغضب، وكان يأتيه رجل من أهل الحديث يسمى أبا ليلى، وكان مكفوف البصر ولكنه كان فصيح اللسان يتكلم بالإعراب. فطلب منه الأعمش لما دخل عليه، قال: إن امرأتي نشزت علي، وأنا أحب أن تكلمها وتخبرها بمكانة الناس حتى تهدأ وموضعي عندهم، وأني من أهل الحديث. فدخل الرجل على المرأة وكانت من أجمل النساء، فقال لها: يا هنتاه، إن الله قد أحسن قسمك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا، ولولا حموشة ساقيه وعمش في عينيه لكان، فأسكته وقال: فعل الله بك وفعل الله بك! يعني أنت الآن جئت، أنا جعلت لك وسيطاً لعلك تمدحني عندها وتقول، فلا يغرنك حموشة عينيه ولا حموشة ساقيه، أنت تبين عيوبي عندها يا أعمى، أعمى الله قلبك! ثم أخرجه.
ومن فقهه رحمه الله عليه أن إبراهيم النخعي وهو إمام من الأئمة أراد أن يماشي الأعمش، وهو الأعمش أصغر منه سناً. فقال الأعمش: إن الناس إذا رأونا معاً قالوا أعور وأعمش، لأن النخعي أعور، وسليمان بن مهران أعمش. فقال له إبراهيم: وما عليك أن نؤجر ونذم؟ فقال له الأعمش: وما عليك أن نسلم ونسلم؟ وهذا كان من فقهه رحمه الله عليه.
وكان من حاله رحمه الله عليه من القراء العباد، قال تلميذه أبو بكر بن عياش: كان الأعمش يعرض القرآن فيمسك عليه المصاحف فلا يخطئ في حرف. وكان تلميذه وكيع بن الجراح أيضاً يقول: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته تكبيرة الإحرام. وكان رحمه الله قنوعاً صاحب مواقف، قال عيسى بن يونس: أرسل إليه أمير ألف درهم وصحيفة لكي يكتب له حديثاً، فكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-1]، ووجه بها إليه. فبعث إليه الأمير: أظننت أني لا أحسن كتاب الله؟ فبعث إليه الأعمش: أظننت أني أبيع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ علي، كان بنو أمية متجافين عن علي رضي الله عنه. فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة، لن يكتب شيئاً. فقال الرسول: يرحمك الله، لا بد أن تقول جواباً وإلا فعل بي وفعل بي، وإنها تهددني بالقتل. فأخذ الناس الذين حوله يكلمون الأعمش، أصحاب الأعمش أن يكتب لهم جواباً لهذا الرسول، فقال الأعمش: أخذت الكتاب وكتبت فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان رضي الله عنه مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي رضي الله عنه مساوئ أهل الأرض ما ضرتك، فعليك بخاصة نفسك، والسلام.
قيل للأعمش أيضاً أيام زيد بن علي لما خرج، قيل: لو خرجت معه؟ قال: ويلكم! والله ما أعرف أحداً أجعل عرضي دونه فكيف أجعل ديني دونه؟ توفي رحمه الله عليه سنة 148 للهجرة النبوية. هؤلاء الذين ذكرتهم وهم النخعي والشعبي وأبو إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر والأعمش من مشاهير أئمة التابعين من أهل الكوفة، وهناك آخرون غيرهم من الكبار كمسروق بن الأجدع وعبيدة السلماني وشريح القاضي وغيرهم.
وأما من أتباع التابعين فهناك أيضاً علماء كبار ولعله يأتي ذكرهم، لكن أهل الكوفة عندهم في حديثهم شيء يذكرون به وهو مسألة التدليس، كانوا يدلسون، عرفوا بالتدليس، والتدليس نوع من التمويه في الرواية يرتكبه بعض المحدثين، يرتكبونه للتغطية على عيب ما. وهو أنواع، أهم هذه الأنواع تدليس الإسناد، وهو أن يكون الراوي المدلس قد أخذ الحديث من شيخ أو عن شيخه، يعني بينه وبين شيخه واسطة، لكنه لم يسمعه من شيخه وإنما سمعه من واسطة، فيسقط الواسطة ويروي عن الشيخ مباشرة. هذا عرف به أهل الكوفة وبالذات الأعمش وأبو إسحاق السبيعي، فتجده يحدث عن الشيخ مباشرة ليوهم السامع أنه أخذه عن شيخه، لكنه لا يصرح بالتحديث، لا يقول سمعت أو حدثني، وإنما يقول عن فلان شيخه أو قال فلان، لأنه لو صرح بالتحديث وهو لم يسمع لكان كذاباً.
وهذا اللفظ يعني قوله عن شيخي أو قال شيخي، ليس فيه التصريح بالسماع كما ذكرت، ولذلك فهو ليس كذباً، ولذلك صاروا يتساهلون فيه. لكن هذا الصنيع من المحدثين من بعض أهل الكوفة يكرهه أهل الحديث، وكان شعبة يعده من الكبائر، ولذلك وقف لهم شعبة وجماعة من المحدثين بالمرصاد. فكان شعبة لا يدعهم يدلس، فإذا سمع أحداً منهم يحدث قال: قل سمعت، أو هل سمعته؟ وكان يضايقهم، فكانوا يبينون سماعاته، فإن سمعوه من الشيخ مباشرة بينوا، وإن سمعوه من غيره بينوا، وهكذا كان سفيان الثوري وهو من أهل الكوفة كان يحقق المشايخ ويشدد عليهم في السماعات، فإذا حدثه شيخ قال: هل سمعته من ذلك الشيخ أو لم تسمعه؟ وهكذا يفعلون.
ولذلك إذا جاءتنا أحاديث من هؤلاء الأئمة الكبار فلنعلم أنها قد فحصت وبينت، وعندي أن الكتب الستة فيما أحسب أنها خالية من مسألة التدليس لأن الأئمة قد دققوا فيها، وما أعلم حديثاً جزم الناس بتدليسه في هذه الكتب الستة. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري