قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: تكلمنا فيما سبق من الحلقات عن أهم مصرين من الأمصار العلمية، وهما المدينة ومكة، وتسمى مدرستهم مدرسة أهل الحجاز. ويقابل مدرسة أهل الحجاز من حيث الحديث مدرسة أخرى تسمى مدرسة أهل العراق، وأهم مصرين في مدرسة أهل العراق من الناحية الحديثية والعلمية هما الكوفة والبصرة.
الكوفة بلد علمي نشأ إبان فتوح الشام والعراق، وقد كانت معظم تلك الفتوح في سنة ثلاث عشرة أو أربعة عشرة، وتأكدت نشأة العلم في الكوفة بعد تمصير عمر للأمصار، وذلك في سنة ثماني عشرة؛ لأن عمر خَطَّ الكوفة وخَطَّ البصرة في تلك السنة. فنزل الكوفة من الصحابة جماعة، منهم من أشهرهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقبله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبو موسى الأشعري وغيرهم.
تميزت مدرسة أهل الكوفة عن أهل البصرة -وهي قريبة منها- بالفقه؛ وذلك لأن فيهم عبد الله بن مسعود، وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعن جميع الصحابة أجمعين. ومن التابعين الذين نزلوا الكوفة أيضاً علقمة بن قيس النخعي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، والشعبي، وغيرهم كثير. ثم جاء بعدهم إبراهيم النخعي من تلاميذهم، وأبو إسحاق السبيعي، ثم الأعمش ومنصور بن المعتمر، ثم سفيان الثوري ومسعر ووكيع وغيرهم من الأئمة.
في هذه الحلقة سأبدأ عن بعض مشاهير التابعين من الكوفة، لكني قبل البداية بذكرهم سأذكر شيئاً من أوصافهم دون أن أسميهم من باب تحفيز الأذهان لمعرفتهم ولترسيخ المعلومات. من هؤلاء التابعين الكبار أربعة كانوا من علماء الكوفة، ثلاثة منهم من تلاميذ ابن مسعود، وواحد تلميذ للثلاثة، وهؤلاء الثلاثة كانوا من أسرة واحدة، والرابع الذي هو تلميذهم هو ابن أخت لهم. الثلاثة هم: علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد وهو ابن أخيه، وكذلك عبد الرحمن. وأما الرابع فهو إبراهيم بن قيس النخعي وهو ابن أختهم.
ولنبدأ بعلقمة بن قيس النخعي، وهو أجلهم وهو أعلم الناس بابن مسعود. وهو تابعي مخضرم، مخضرم معناه أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام لكنه لم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام. وعلقمة رضي الله عنه أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لم يره، وإنما رأى أصحابه الكبار وأخذ عنهم؛ فأخذ عن عمر، وأخذ عن عثمان، وأخذ عن علي، وأخذ عن ابن مسعود، ولازم ابن مسعود حتى أصبح أعلم الناس به، بل وأشبه الناس في هديه وسمته ودَلِّه بابن مسعود. وبلغ من علمه وإتقانه أن عبد الله بن مسعود كان يصف الناس صفين؛ فعبد الله يقرئ رجلاً وعلقمة يقرئ آخر، وكان عبد الله يقول: ما أقرأ شيئاً ولا أعلمه إلا وعلقمة يقرؤه ويعلمه.
كان يقال: إذا رأيت علقمة فلا يضرك ألا ترى عبد الله بن مسعود. بل إنه قد بلغ من علمه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألونه ويستفتونه. وكان علقمة رحمه الله حسن الصوت بالقرآن، فكان ابن مسعود رضي الله عنه يرسل إليه ليقرأ عليه القرآن، فإذا قرأ علقمة القرآن استمع ابن مسعود وقال: زدنا فداك أبي وأمي. توفي علقمة بن قيس رضي الله عنه في سنة 62 للهجرة.
وأما الثاني وهو ابن أخيه الأسود بن قيس النخعي، فقد كان كعمه تابعياً. كان الأسود عابداً، كثير القيام، وكثير الصيام، وكثير الحج، وكان مكثراً من تلاوة القرآن، يختم القرآن كل ست ليالٍ وهذا في غير رمضان، وأما في رمضان فكان يختم كل ليلتين. لما احتضر رضي الله عنه بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: مالي لا أجزع؟ والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت. هذا يقوله هذا الرجل وهو من الصالحين، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحيياً منه، فما بالك بمن يذنب في حق الله سبحانه وتعالى؟ ولو غفر الله له فإنه لا يزال مستحيياً من ربه سبحانه وتعالى. توفي رضي الله عنه في سنة 75.
أما الثالث وهو ابن أخ للأول وأخ للثاني، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، وهذا أيضاً أحد الفقهاء الكبار، حدث عن جماعة من الصحابة منهم عثمان بن عفان ومنهم عبد الله بن مسعود وقد لازمه أيضاً. وهؤلاء الثلاثة الذين هم علقمة بن قيس والأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد، كلهم قد قال فيهم الشعبي رحمه الله عليه -وهو من أئمة التابعين من أهل الكوفة-: أهل بيت خُلِقوا للجنة، علقمة والأسود وعبد الرحمن. وأيضاً ابن أختهم إبراهيم كان هذا الرجل الذي هو عبد الرحمن بن يزيد كان كأخيه عابداً صواماً. جاء عبد الله بن مسعود مرة بشراب فعرضه على علقمة تلميذه الأول فقال: أنا صائم. وعرضه على الأسود فقال: أنا صائم. وعرضه على عبد الرحمن هذا فقال: أنا صائم. وعرضه على الربيع بن خثيم -وكان من تلاميذه أيضاً- فقال: أنا صائم. فأخذه عبد الله فشربه، ثم قرأ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]. هؤلاء الأئمة هكذا كان حالهم من العبادة ومن التقوى والورع رضي الله عنهم. توفي عبد الرحمن بعد أخيه في سنة 83.
أما الرابع وهو الإمام الحافظ فقيه العراق الذي حوى علوم هؤلاء، وهو أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي اليماني، فهو أحد الأئمة الأعلام وهو ابن أخي الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد. هذا الرجل أخذ عن كبار أصحاب ابن مسعود وعلى رأسهم علقمة بن قيس النخعي، وعلى رأسهم أيضاً مسروق بن الأجدع وهو من أصحاب ابن مسعود الكبار، وعلى رأسهم أيضاً خاله الأسود وعبد الرحمن بن يزيد.
كان الأعمش يسأله: ألا تسند عن ابن مسعود؟ فيقول: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله بن مسعود فهو الذي سَمَّيْت، وإذا قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد من أصحاب عبد الله عن عبد الله. يقوله إبراهيم النخعي للأعمش؛ لأن الأعمش يقول: بين لي من رويت عن ابن مسعود، من بينك وبينه؟ فيقول: إن سميت رجلاً فهو الذي سميت، وإن لم أسمِّ وقلت قال عبد الله فهو عن غير واحد. ولأجل هذا القول كان ابن عبد البر يقول بأن مرسل النخعي عن ابن مسعود أقوى من مسنده؛ لأنه يقول: عن غير واحد.
كان إبراهيم النخعي مفتي أهل الكوفة في زمنه هو والشعبي، والشعبي أيضاً نظير له، والناس مختلفون أيهم أعلم، وكان إبراهيم أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله بن مسعود وبطريقته وبمذاهبهم. وكان إبراهيم النخعي وجمهور العلماء لا يرون الخروج على أئمة الجور، وهذا هو مذهب أهل السنة، ولذلك كان يعيب على القراء خروجهم على الحجاج. فلما بلغه أن الحجاج قتل سعيد بن جبير قال -يرحمه الله-: ما ترك بعده خلف، يعني سعيد بن جبير. فلما بلغ ذلك الشعبي -وكان الشعبي قد خرج معهم- قال: هو بالأمس يعيبه بخروجه على الحجاج يعني يعيب سعيد بن جبير وهو اليوم يقول هذا! فلما مات إبراهيم النخعي قال الشعبي: ما ترك بعده خلف.
كان لإبراهيم تلاميذ كثيرون يفتون بقوله ويأخذون من سمته وهديه، ولذلك قال له النخعي -وكان يجله-: أما إني أفقه منك حياً وأنت أفقه مني ميتاً؛ وذلك أن لك أصحاباً يلزمونك فيحيون علمك. قال إبراهيم مرة: تكلمت ولو وجدت بداً لم أتكلم، وإن زماناً أكون فيه فقيهاً لزمان سوء. هكذا يقول إبراهيم النخعي مع سعة علمه ومع ورعه، فكيف لو أدرك هذا الزمان الذي يتكلم فيه كل أحد في الفتوى وفي العلم!
وقال أبو حمزة الثمالي: كنت عند إبراهيم النخعي فجاء رجل فقال: يا أبا عمران، إن الحسن البصري يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. فقال رجل: هذا من قاتل على الدنيا، أما من قاتل أهل البغي فلا بأس. فقال إبراهيم: هكذا قال أصحابنا من أصحاب ابن مسعود. فقال له: أين كنت يوم الزاوية؟ -ويوم الزاوية كان بين ابن الأشعث والحجاج- فقال: كنت في بيتي. لماذا لم تقاتل يعني مع الحجاج؟ فقال: أين كنت يوم الجماجم؟ فقال: في بيته. فقال: فإن علقمة كان مع علي في صفين، يعني قاتل مع علي، فقال: بَخٍ بَخٍ، من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله؟ نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كان آخر كلامنا قبل الفاصل عن إمام أهل الكوفة في زمنه وهو إبراهيم النخعي، توفي سنة 96. سنتكلم الآن عن قرينه ونظيره وليس هو بدونه عند أهل العلم، وهو إمام من أئمة الكوفة وهو الشعبي عامر بن شراحيل أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي. رآه علي رضي الله عنه وصلى خلفه، وأخذ العلم عن جماعة من الصحابة ربما تجاوزوا الخمسين، منهم أبو هريرة وجابر بن عبد الله الأنصاري وجرير بن عبد الله البجلي وابن عباس والنعمان بن بشير وغيرهم.
وقد كان جماعة من أهل العلم إذا ذكروا الكوفة قدموه على أهلها. قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول الشامي في الشام. وكان الشعبي أيضاً من أفقه التابعين، حتى قال جماعة من التابعين بأنهم لم يروا أفقه منه مع رؤيتهم لجماعة من الصحابة والتابعين الكبار. قال ذلك عن الشعبي ثلاثة من التابعين وهم: أبو حصين عثمان بن عاصم الأسدي أحد حفاظ الكوفة، وكذلك أبو مجلز لاحق بن حميد أحد حفاظ البصرة، ومكحول الشامي وهو أحد حفاظ الشام. وابن سيرين قال: قدمت الكوفة وشعبي في حلقة عظيمة والصحابة يومئذ كثير، ولذلك كان يقول لأبي بكر الهذلي: الزم الشعبي فقد رأيته يُستفتى وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون.
وإمام الحجاز ابن عيينة كان يقول: علماء الناس ثلاثة: ابن عباس في زمنه، والشعبي في زمنه، والثوري في زمنه. وكان الشعبي رحمه الله عليه أعجوبة في الحفظ، لا يسمع شيئاً إلا حفظه. كان يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، وكان يقول: ما حدثني رجل بحديث إلا حفظته ولا أحببت أن يعيده علي. وكان أيضاً مع علمه بالحديث والفقه عالماً بالمغازي والسير، مر عليه ابن عمر مرة وهو في المدينة -كان هارباً من المختار بن أبي عبيد- فرآه يحدث عن المغازي، فقال: كان هذا شاهداً معنا، ولهو أحفظ لها مني وأعلم.
وكان رحمه الله مع علمه أيضاً عاقلاً عابداً، كان يقول: إنما يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنسك، يعني العبادة. فإن كان عاقلاً ولم يكن ناسكاً قال: هذا أمر لا يناله إلا النساك فلن أطلبه، وإن كان ناسكاً ولم يكن عاقلاً قال: هذا أمر لا يطلبه إلا العقلاء فلن أطلبه. فلقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة منهما، يعني لا عقل ولا نسك. هذا يقوله في ذلك العصر، فكيف لو رآنا في هذا العصر؟ نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه.
ومن عقله وأدبه أن رجلاً أسمعه كلاماً فقال له الشعبي -يعني ذمه وتكلم عليه-: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. ثم أنشأ يقول: هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزةَ من أعراضنا ما استحلتِ يستشهد بهذا البيت، فعند ذلك قال الرجل: يا أبا عمرو، اعذرني، والله لا أعود إلى مثلها أبداً.
ومن عقل الشعبي وأدبه أيضاً أن عبد الملك بن مروان أرسله إلى ملك الروم رسولاً، فجعل ملك الروم يسأل الشعبي والشعبي يجيبه، فأُعجب الملك بعقله، في يعني حجزه عنده أو أبقاه عنده أياماً، ثم قال له قبل أن يرجع: هل أنت من بيت المملكة؟ فقال له الشعبي: لا، ولكني من جملة الناس أو من العرب. فهمس بشيء عند من عنده، وأعطاه رقعة أمره أن يوصلها إلى الخليفة. فلما قرأها الخليفة عبد الملك قال: هل قال لك شيئاً؟ فقال الشعبي: لا، إلا أنه قال: هل أنت من أهل المملكة أو من بيت المملكة؟ فقلت: لا، بل أنا من عامة الناس. فقال الخليفة: أتدري ما كتب في هذه الرقعة، ما كتب ملك الروم؟ فقال الشعبي: وما كتب يا أمير المؤمنين؟ قال: كتب: عجبت لأهل ديانتك كيف لم يستخلف عليهم رسولك؟ فقال الشعبي: والله لو علمت بها ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرَك يا أمير المؤمنين. فقال الخليفة: أتدري لِمَ كتبها؟ فقال الشعبي: لا. فقال: إنه حسدني عليك وأراد أن يغريني بقتلك. فبلغ ذلك ملك الروم فقال: لله أبوه، والله ما أردت إلا ذلك.
وأيضاً مما يدل على عقل الشعبي أنه كلم عمر بن هبيرة، الأمير أمير العراقين الفزاري، في قوم حبسهم فأبى أن يطلقهم، فقال له: أيها الأمير، إن حبستهم بالباطل فالحق يُخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم.
فعند ذلك أطلقهما أمير، وكان رحمه الله مع علمه وورعه ونسكه صاحب مزاح وظرافة. يحكى أن رجلاً مغفلاً دخل عليه ومعه امرأته، فقال: أيكم الشعبي؟ فأشار إلى المرأة وقال: هذه. وذكر تلميذه الأعمش أن رجلاً أتاه فقال له: ما اسم امرأة إبليس؟ وهذه من الأسئلة الغرائب، يعني بعض الناس يخطر في باله بعض الأسئلة الغريبة، قال: ما اسم امرأة إبليس؟ فقال: ذاك عرس ما شهدته.
وأنا وقع لي مثل هذا في بعض السفرات وفي بعض اللقاءات؛ مرة من المرات كان شاب معنا في البيت وكنا في سفر، وكان معجباً ربما بحفظ القرآن وبالعلم، فخطر على باله سؤال فسألني قال: يا شيخ، هل جبريل يحفظ القرآن؟ فأنا أول مرة أسمع مثل هذا السؤال فبهت وانتظرت وأنظر إليه أتأمل. فقال شخص من أهل البادية، شخص فطن: سبحان الله، ما ظننت أن الشيخ مثل التلميذ في الذهن، لم يبق إلا جبريل تسأله هل حفظ القرآن الذي جاء بالقرآن إلى رسول الله وكان يدارسه؟ فكأنه نبهني على شيء لم أكن متنبهاً عليه.
ومرة قال له الحجاج: كم عطاؤك؟ وكان الحجاج وضيعاً، فقال: كذا، فأعطاه الحجاج ورفع قدره. ثم خرج على الحجاج مع القراء، فلما خرج مع القراء غضب الحجاج وأراد أن يفتك به، قال: لأن ظفرت به لأفتكن به. فبقي مختفياً إلى أن خرج في جيش قتيبة بن مسلم مختفياً، وهو جيش بعثه الحجاج، فانتصر الجيش. فأراد قتيبة أن يكتب للحجاج فلم يدر ما يكتب بالنصر، فقام الشعبي وقال: أنا أعرف ما تريد. فكتب له الشعبي وأرسل الرسالة إلى الحجاج، وأعجب الأمير هذا قتيبة اللي هو قائد الجيش وسار يجالس الشعبي، فسأله: من أنت؟ فقال: اعفني، فعرف أنه يخفي نفسه.
فبينما هم في ذلك في ليلة من الليالي، فإذا برسول الحجاج بكتاب من الحجاج: أن هذا صاحب كتابك -يقول لقتيبة بن مسلم- أن صاحب كتابك إنه الشعبي، فوالله لئن لم تأتني به لأقطعن يدك ورجلك ولأفعلن ولأفعلن. فعند ذلك قرأه على الشعبي، فقال قتيبة للشعبي: أنا أرى أن تذهب في الأرض، وأنا سأحلف له بالأيمان أنني ما رأيتك وما علمت بك وأنك هربت. فقال: لا تفعل هذا يا أيها الأمير، ولكن ردني إليه. فقال: أنت أعلم. فرده إليه وقال: إذا اقتربتم منه فقيدوه، فقيد وأدخلوه على الحجاج. فلما أدخلوه على الحجاج قال له الحجاج: لا مرحبا ولا أهلاً، ألم أعطك كذا؟ ألم أجعلك على قومك كذا؟ قال: بلى والله، والله ما لنا من عذر حين خرجنا عليك، وإننا تلحفنا الخوف، وإننا صار لنا كذا. يعني بين له أنهم أصابهم من الخوف ومن الجزع الشيء الكبير حين انتصر الحجاج على ابن الأشعث، قال: والله ما كنا بررة أتقياء ولا أقوياء، وإنهم قد أرادوا أن أتكلم معك بالباطل، والله لا أقول إلا حقاً، وإننا كنا مبطلين وأنت كنت المحق، ونحو هذا، واعتذر له، فعند ذلك عذره الحجاج وعفا عنه.
وهذا من عقله، ومن عقله أيضاً أنه لما الحجاج مرة من المرات قال له: كم عطاك بالنصب؟ والمفروض يقول: كم عطاؤك؟ والحجاج كان فصيحاً، فقال الشعبي للحجاج: ألفان. فقال: ويحك، أتلحن وأنت إمام من أئمة الكوفة؟ كم عطاؤك؟ فقال: ألفان. قال: كيف لحنت وأنت إمام؟ لأن الحجاج لحن في البداية، قال: كم عطاك بالنصب؟ فقال له: ألفان. فأعاد الحجاج وقال: كم عطاؤك بالرفع؟ فقال: ألفان. قال: كيف لحنت؟ قال: لحن الأمير فلحنت، وما ينبغي أن يلحن الأمير ولا ألحن. فأعجب بذلك واستحسنه الحجاج وأجازه.
ومن الطرائف أيضاً للشعبي التي تدل على عقله أنه تخاصم إليه رجل وامرأته، فقضى للمرأة على الرجل لأنها كانت محقة وكان عندها بينة، فخرج الرجل وكان شاعراً يقول أبياتاً سارت بها الركبان يقول فيها: فتن الشعبي لما رفع الطرف إليها ... فتنة ببنان وبخط مقلتيها قال للرجل: أعد قدمها، وأحضر شاهديها، فقضى جوراً على الخصم ولم يقض عليها. فكان الشعبي بعد ذلك كلما مر على قوم يسمع هذه الأبيات، وكان من كمال عقله أنه لا يعنف أحداً على قولها، وربما فتح عليهم، يعني مرة مر على جارية وهي تغني فتقول: فتن الشعبي لما... فسكتت لما رأت الشعبي واستحت، فقال الشعبي: رفع الطرف إليها. يعني أراد أن يكمل، مع أنه كان يقول: أبعده الله، أما أنا ما قضينا إلا بحق.
ومرة دخل على عبد الملك فلما رآه عبد الملك قال: فتن الشعبي لما، فقال: رفع الطرف إليها، ثم فقال له الشعبي: ما فعلت بصاحب هذه الأبيات؟ قال: عنفته يا أمير المؤمنين أو أوجعته ضرباً بما انتهك من حرمتي ومن حرمة مجلس القضاء. فقال: أحسنت. يقول عبد الملك بن مروان. وكان هذا الإمام إماماً قد انعقدت كلمة أهل الكوفة على إمامته وعلى أنه من الفقهاء الكبار، وهكذا الأئمة، شهد له أناس كثيرون من التابعين، بل شهد له من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أناس. ثم إن الشعبي رحمه الله عليه توفي سنة 104 للهجرة النبوية.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري