قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في بعض الحلقات الماضية عن أهم بلد من البلدان العلمية، وهي المدينة المنورة، وذكرت في تلك الحلقات جماعة من التابعين، وفصلت الكلام عن أربعة منهم، وهم: سعيد بن المسيب وهو راوية أبي هريرة، وعروة بن الزبير وهو راوية عائشة، وسالم بن عبد الله وهو راوية أبيه عبد الله بن عمر، والرابع محمد بن شهاب الزهري وهو راوية هؤلاء التابعين الثلاثة.
سأتكلم في هذه الحلقة عن البلد الثاني بعد المدينة المنورة، وهي مكة المكرمة. وهي في الحقيقة أول البلدان العلمية لكونها كانت موطن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقل منها إلى المدينة، فانتقل بذلك الأساس لهذا البلد العلمي الذي هو مكة المكرمة. ثم تكون العلم فيها مرة أخرى بعد الفتح الأكبر وهو فتح مكة المكرمة؛ لأنها أصبحت بعد ذلك دار إسلام، وتوقفت بعد ذلك الهجرة منها إلى المدينة، فتأسست مدرسة مكة الحديثية وأصبحت تأخذ معالم مدرسة المدينة شيئاً فشيئاً في عهد الصحابة ثم التابعين فمن بعدهم.
من المعلوم أنه لم يكن للمهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا قبل الفتح، لم يكن لهم وهم كبار الصحابة أن يسكنوا مكة بعد أن هاجروا منها؛ لأن ذلك كان محرماً عليهم. ومن ثم لم يكن في مكة من الصحابة إلا صغارهم أو الذين أسلموا بعد الفتح. وقد كان أشهر أولئك الصحابة الصغار الذين استوطنوا مكة رجلان، وهما مكثران من الحديث: عبد الله بن عباس رضي الله عنه، وهو عمدة أهل مكة في العلم، والثاني جابر بن عبد الله الأنصاري الذي رحل إلى مكة وجاور فيها مدة من الزمن ثم رجع إلى المدينة.
قد كان في مكة أكثر الأحاديث الأصول كما يقول الشافعي، وذلك لأن فيها هذان الرجلان وهما عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وهما مكثران من الحديث. لذلك يقول الشافعي: أصول الأحكام نيف وخمسمئة حديث، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً، وكلها عند ابن عيينة إلا ستة أحاديث، وابن عيينة هو شيخ مكة في زمنه. وأحاديث المكيين تشبه أحاديث المدنيين من حيث الصحة والنقاء؛ وذلك لأن التدليس فيهم قليل، ولا يعرفونه، ولا اشتهر عندهم الكذب ولا وضع الأحاديث إلا نادراً بعد مدة من الزمن.
وقد كان أهل مكة وهم أصحاب ابن عباس من أعلم الناس. يقول ابن عياش: لم يكن أحد أعلم من أصحاب عبد الله بن عباس، كان عبد الله بن عباس هو مفتي أهل مكة، وكان أصحابه يقدمونه على ابن عمر الذي هو مفتي أهل المدينة. يقول سعيد بن جبير -وهو عالم جليل رضي الله عنه الذي قتله الحجاج-: كان ابن عمر حسن السرد للرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبلغ في الفقه والتفسير شأو ابن عباس. وسعيد بن جبير كان من تلاميذ ابن عمر، لكنه كان يقدم ابن عباس في الفقه والتفسير عليه، رضي الله عنهم أجمعين.
أيضاً جابر بن عبد الله مع كونه كان مدنياً، إلا أنه رحل إلى أهل مكة فكانت رواية أهل مكة عنه أكثر من رواية أهل المدينة. ولعل السبب في ذلك أن أهل مكة لكونهم لم يكن عندهم صحابة كثيرون، فكانوا حريصين على أي صحابي يأتي إليهم وهو مكثر من الحديث، بخلاف أهل المدينة فكان الصحابة عندهم متوافرون.
وأما التابعون من أهل مكة، فمن أشهرهم تلاميذ ابن عباس، وأشهر تلاميذ ابن عباس: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وكذلك مولاه عكرمة، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وغيرهم. وأما تلاميذ جابر بن عبد الله، فكان منهم عطاء بن أبي رباح وهو تلميذ لابن عباس أيضاً، وكان منهم أبو الزبير وهو مكثر عنه، اسمه محمد بن مسلم بن تدرس، وكذلك أبو سفيان طلحة بن نافع. وأما من بعدهم، فمن أشهر أولئك العلماء: عمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم.
بعد هذا السرد السريع لمدرسة الحديث في مكة، سوف أذكر ترجمة بعض المشاهير من تابعي أهل مكة ومن تلاميذ ابن عباس بالذات، وسأبدأ بذكر أشهرهم، إلا أني قبل الترجمة له سأذكر بين يدي ذلك بعض صفاته دون ذكر اسمه من باب التحفيز للوصول إلى اسمه بعد ذلك. صاحبنا هذا التابعي هو تابعي مكي قرشي فهري، استفاد علمه من أجلّ صحابيين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، استوطن مكة المكرمة وتخرج على يديه عالمان جليلان من أهل مكة من أعلم أهل مكة، وكذلك كان هو المفتي في الحرم المكي، وكان ينادى في مواسم الحج بأن لا يفتي إلا هو.
وكان من صفته أنه أسود اللون، وكان أفطس الأنف، أعور العين، أعرج، وإن كان هذا لا يعيبه لكن هذه كانت صفته. وأيضاً كان رابع أربعة يذكرهم قتادة بن دعامة السدوسي، يقول: اجتمع لي أربعة إذا اجتمعوا لي فلا أبالي بمن أو لا ألتفت إلى غيرهم، وذكر اسم هذا الرجل من ضمنهم. وهو أيضاً دخل عليه الخليفة عبد الملك بن مروان، فقام له الخليفة وأجلسه معه على السرير. فهذا الرجل الذي هذه صفاته وهذه الأخبار التي أشرت إليها -وهي قليلة في حقه- هو عطاء بن أبي رباح رحمه الله عليه.
وهو تابعي؛ لأنه ولد في خلافة عثمان في سنة 27 من الهجرة النبوية، وهو مكي لأنه نشأ في مكة، كان في اليمن، فقدم به أباه، وأبوه كان مولى من موالي بني فهر، قدم به في مكة وكان صغيراً، فنشأ هناك في مكة. وأما كونه قرشياً فهرياً، فلأن أباه رباحاً واسمه أسلم كان مولى لامرأة اسمها حبيبة بنت ميسرة بن أبي خزيمة الفهري من بني فهر. ولذلك يقول البدوي في قصيدة له: والحبشي ابن أبي رباحي مولاهم مولى بني فهر المشهور بالصلاح.
وأما كونه استفاد علمه من أجلّ صحابيين استوطن مكة، فلأنه تلميذ لابن عباس وتلميذ لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وكان عطاء بن أبي رباح من أجلّ من أخذ عن هذين الصحابيين. وكان بعض الصحابة إذا سألهم أهل مكة يقولون: أتسألوننا وفيكم عطاء بن أبي رباح؟ وكان أسلم المنقري يقول: جاء أعرابي يسأل، فأرشد إلى سعيد بن جبير، وهو من أجلّ الناس وأكثرهم يقدمه على عطاء، فجعل الأعرابي يقول: أين أبو محمد؟ يعني عطاء بن أبي رباح، فقال سعيد: ما لنا هاهنا في مكة مع عطاء شيئاً. وكان الأوزاعي يقول: مات عطاء بن أبي رباح يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس.
وأما أنه تخرج على يديه أعلم عالمين من أهل مكة، فلأن من تلاميذه عمرو بن دينار وعبد الملك بن جريج، وتتلمذ هذان الرجلان على يديه وهما من أعلم أهل مكة في طبقتهم. وأما كونه المفتي في الحرم المكي في زمنه، فقد ذكر ذلك غير واحد من العلم، ذكر ابن سعد أن الفتوى لأهل مكة في زمنه انتهت إليه. وأما كونه ينادى في المواسم باسمه أنه لا يفتي إلا هو، فهذا كان يعمل في زمن بني أمية، كانوا ينادون في المواسم: لا يفتي في الحج إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح.
وأما الكلام عن شكله وأنه كان أسود اللون، أفطس الأنف، أعور العين، أعرج الرجل، فذكر ذلك العلماء ليس من باب عيبه، وإنما من باب أنه كيف أن العلم رفع هذا الرجل مع هذه الصفات التي فيه. ولذلك يقول البدوي: والحبشي ابن أبي رباح مولاهم المشهور بالصلاح أعور أعرج أشل أفطس أسود من أنواره يقتبس.
وقد ذكرت سابقاً أن سليمان بن عبد الملك حين جاء يسأله هو وابناه عن مناسك الحج، كان يفتيه وكان لا يلتفت إليهم، ثم لما قام سليمان قال لابنيه: يا بنيّ، لا تنيا في طلب العلم؛ فإني لا أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد الأسود. يعني هو يقوله من باب الاحتقار لكنه يقول الذي رفعه هو العلم. وأما كونه رابع أربعة في كلام قتادة، فكان قتادة بن دعامة وهو من أعلم أهل البصرة كان يقول: إذا اجتمع لي أربعة لم ألتفت إلى غيرهم ولم أبالِ من خالفهم: الحسن بن أبي الحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح. هؤلاء علماء الأمصار، الحسن عالم البصرة، وسعيد عالم المدينة، وإبراهيم عالم الكوفة، وعطاء عالم مكة.
وأما دخوله على الخليفة عبد الملك بن مروان وقام له وأجلسه معه على السرير، فإنما دخل إليه من باب النصيحة؛ فإنه لما دخل عليه وقام له وأجلسه معه على السرير قال: يا أبا محمد، ما حاجتك؟ يقولها الأمير، فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله وحرم رسول الله، فتعاهد عمارته، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، واتق الله في أهل الثغور؛ فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين؛ فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك من الناس، فلا تغفل عنهم ولا تغلق دونهم بابك. فقال له: أفعل. ثم نهض عطاء وقام، فقبض على يده عبد الملك بن مروان، قال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حوائج غيرك وقد قضيناها، فما حاجتك؟ قال: ما لي إلى مخلوق حاجة. ثم خرج، فقال عند ذلك عبد الملك بن مروان: هذا وأبيك السؤدد، هذا وأبيك الشرف.
نختم سيرته قبل الفاصل بحادثة طريفة حدثت له رحمه الله، وهو أنه كما جاء في كتاب المحن لأبي العرب، أن رجلاً من الأعراب من الحجاج جاء إلى مسجد مكة فنام فيه، وكان عطاء يصلي، فكشفت الريح ثوبه عن بطنه، وظهرت منطقته وهي الشيء الذي يجعلون فيه النقود، فمر به أصحابه فخافوا عليه أن تسرق هذه المنطقة، فنزعها عنه. فانتبه الرجل، فإذا محفظته أو منطقته ليست معه، فنظر يميناً وشمالاً فلم يرَ إلا عطاء بن أبي رباح قائماً يصلي، فسار إليه فأخذ بتلابيبه وضيق عليه، قال له: يا عدو الله، فعلت الذي فعلت فلما راقتك أو رأيتك قمت تصلي؟ فقال له: ما بالك يا هذا؟ قال: منطقتي أخذتها، حللتها وأخذتها. قال: وكم فيها؟ قال: مئتا دينار. قال له: فسمع بهذا غيرك؟ هل أحد علم بهذا؟ قال: لا. قال: فاذهب معي حتى أعطيك ما ذهب منك.
فذهب معه، فعد له مئتي دينار فأعطاها للرجل، فذهب الرجل إلى أصحابه فأخبرهم الخبر، فقالوا له: ظلمت والله الرجل، كان من قصتنا كيت وكيت، وأخبروه بأنهم أخذوها معهم، ثم قاموا جميعاً يبحثون عن عطاء بن أبي رباح، فلما دلوا عليه، قال لهم الناس حين وصفوه، قالوا: هذا عطاء بن أبي رباح فقيه أهل مكة. فجاؤوا إليه واعتذروا إليه، وسألوه أن يجعلهم في حل ويقبل الدنانير، فقال لهم: هيهات! ما كانت لترجع إلي بعد أن أعطيتها، وأنت في حل مما أخذت. توفي عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه سنة 15 ومئة. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل بإذن الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا ترجمنا قبل الفاصل لعطاء بن أبي رباح، وسنترجم بعد ذلك لثلاثة من التابعين، اثنان منهما تلميذان من تلاميذ ابن عباس، والثالث أدرك ابن عباس إلا أنه تلميذ لتلاميذه، يعني هو رأى ابن عباس، والعجيب أن العلماء استنبطوا من بعض كلامه هو سمع من ابن عباس ستة آثار فقط، كان يقول: رأيت ابن عباس يطوف. فاستنبط علماء الحديث من ذلك أنه لم يكن من تلاميذ ابن عباس بحيث سمع منه كثيراً، ولذلك كان إذا روى حديثاً أو روي عنه حديثاً قالوا: هذا منقطع. لماذا قالوا ذلك؟ قالوا لأنه لما كان فرحاً برؤية ابن عباس يقول: رأيت ابن عباس يطوف، دل ذلك على أن روايته عن ابن عباس كانت قليلة، وإنما كان يروي عن تلاميذ ابن عباس.
فالاثنان من تلاميذ ابن عباس، هذا تلميذ لهما، أما التلميذان الكبيران فكلاهما تعلم من ابن عباس القرآن، وتعلموا من ابن عباس التفسير، وتعلم من ابن عباس الفقه، وكلاهما سكن مكة وسكن الكوفة، وكلاهما رويا عن جماعة من الصحابة، وكلاهما موليان، وأيضاً كل واحد منهما قد قرأ عليه أحد القراء السبعة، وهو أبو عمرو البصري. وأما تلميذ هذين الرجلين فهو أحد الستة الذين يدور عليهم الإسناد الذين تكلم عنهم ابن المديني، وقال: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكر منهم من هؤلاء الستة هذا التلميذ الأخير الثالث.
أما التلميذان الكبيران فهما: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، ومجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم. هذان الرجلان رويا عن جماعة من الصحابة الكرام، لكنهما اختصا بعبد الله بن عباس، وكان من المقدمين في أصحابه، لكن سعيد بن جبير كان مقدماً عند أكثر العلماء على مجاهد بن جبر. يقول علي بن المديني: ليس في أصحاب ابن عباس مثل سعيد بن جبير. وكان سعيد فيما يقال مجاب الدعوة، وكان جليلاً، كان العلماء يقدرونه تقديراً بالغاً ويقارنونه بسعيد بن المسيب بل
بعضهم يجعله فوقه يقولون كان مجاب الدعوة. كان عنده ديك يقوم من الليل بصياح ذلك الديك، فليلة من الليالي لم يصح ذلك الديك، فلم يقم سعيد حتى أصبح؛ يعني لم يصل إلا صلاة الفجر، لم يقم الليل، فشق ذلك عليه. وهذا من العجائب؛ يعني إذا لم يقم الليل شق عليه، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا. قال: فشق عليه، فقال: ماله قطع الله صوته! يقصد الديك، ماله قطع الله صوته؟ فكان هذا دعاء منه على الديك دون أن يشعر. قالوا: فما سمع لهذا الديك صوت بعد ذلك اليوم، فقالت له أمه: يا بنية، لا تدعُ على شيء.
كان ابن عباس قد قال مرة من المرات لسعيد بن جبير: حدث. وهذا دليل على مكانة سعيد بن جبير، قال له: حدث، قال: أُحدث وأنت هاهنا؟ قال: أليس من نعمة الله عليك أن تُحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك؟
وقد وقعت لسعيد بن جبير محنة شديدة أو عظيمة أو مشهورة، وهي أنه خرج ضد الحجاج مع عبد الرحمن بن الأشعث في فتنة عبد الرحمن بن الأشعث، وكان معه القراء، وكان الحامل له على ذلك ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي للناس، وتأخيره للصلاة، وأمور عظيمة كانت تقع منهم. فلما جاءت هذه الثورة من عبد الرحمن بن الأشعث، انضم إلى القراء الذين كانوا مع عبد الرحمن بن الأشعث، ثم إن عبد الرحمن بن الأشعث هذا هزم بعد أن كرب بهم عبد الملك بن مروان والحجاج؛ يعني هزم هو والحجاج في عدد من المواقع، لكن في آخر المواقع هزم هو وتفرق أصحابه وانتهت فتنته.
واختفى سعيد بن جبير مدة من الزمن تزيد على عشر سنين، ثم إنه مل من الاختفاء أو من الهرب، فبقي في مكة، وولي على مكة رجل يقال له خالد بن عبد الله القسري، فنصحه بعض الناس بالهرب لأن الرجل كان سيئاً، فقال: والله لقد فررت حتى استحييت؛ يعني استحييت من رب العالمين، فبقي. فلما قدم خالد أرسل إليه فأخذه وبعث به إلى الحجاج، فقتله الحجاج. وكان الحجاج إذا أتي بالرجل ممن خرجوا عليه يقول: أكفرت؟ لابد أن يقر بنفسه أنه كفر، فإن أقر على نفسه أطلقه، وإن رفض -وكان كثير منهم يرفض- قتله. فقال لسعيد بن جبير: أكفرت؟ قال: لا والله لا أكفر بعد إيمان. قال: إذا فاختر أي قتلة أقتلك بها. قال: اختر أنت، فإن القصاص أمامك، فقتله.
وكان مالك بن أنس يقول: كان سعيد بن جبير من العباد العلماء، قتله الحجاج عن غير شيء تعلق عليه به إلا العبادة؛ يقصد أنه ما كان هناك داعٍ لقتله لأنه مضى على الخروج أكثر من عشر سنين، فيقول: ما كان يتعلق عليه بشيء إنما كان عابداً. وكان أحمد بن حنبل يقول: قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. ثم مات الحجاج بعده بيسير؛ يعني لم يمهل بعده، وكان يقول: مالي ولسعيد؟ مالي ولسعيد؟ ولما قتله سال منه دم كثير، فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عن هذا، لأنه قتل قبله أناساً فما سال دمهم، فقالوا له: إن هذا الذي قتلته قتلته ونفسه معه، والدم تبع للنفس؛ يعني لم يكن خائفاً، وأما من كان قبله فإنك إذا قتلته تذهب نفسه من الخوف قبل قتله، فلذلك يقل دمه. وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير، ووالله لو اجتمع على قتله أهل المشرق وأهل المغرب لكبّه الله في النار. قتل سعيد بن جبير واستشهد رحمه الله سنة 95.
أما التلميذ الآخر وهو مجاهد فقد ذكرنا شيئاً من خبره، وأنه تلميذ ابن عباس، أخذ عنه التفسير وغير ذلك، توفي سنة 103.
وأما تلميذه وهو أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي مولاهم، وهو أحد الحفاظ الكبار، شيخ أهل مكة بعد هؤلاء، شيخهم بلا مدافعة. قال علي بن المديني وهو يتكلم عن علماء الأمصار وأصحاب ابن عباس الذين يذهبون مذهبه ويسلكون طريقه: عطاء وطاووس وسعيد ومجاهد وعدد هؤلاء، قال: فأعلم هؤلاء سعيد بن جبير وهو أثبت فيه؛ يعني في ابن عباس. وكان أعلم الناس بهؤلاء -يعني بتلاميذ ابن عباس- عمرو بن دينار. وكان علي بن المديني يقول أيضاً: نظرت في الإسناد فإذا الإسناد يدور على ستة، فلا أهل المدينة ابن شهاب، ولاهل مكة عمرو بن دينار مولى جمح، مات سنة 126.
كان رحمه الله من أوعية العلم، عمرو بن دينار كان من علماء أهل الاجتهاد، أفتى في مكة أكثر من 30 سنة، وكان أثبت الناس في عطاء بن أبي رباح شيخه، وكان من الحفاظ المقدمين. يقول شعبة وهو أمير المؤمنين في الحديث، شعبة حامل لواء علم الحديث، حامل لواء علم العلل، تعلم منه أكثر العلماء: ما رأيت في الحديث أثبت من عمرو بن دينار. وتلميذه ابن عيينة أيضاً وهو مختص به جداً، وأكثر حديثه عن عمرو بن دينار، كان يقول: كان عمرو لا يدع إتيان المسجد، كان يحمل على حمار، وهو ما ركب ذلك الحمار إلا بعد أن صار مقعداً؛ يعني أنه ما ترك الصلاة في المسجد حتى وهو مقعد كبير. ويقول ابن عيينة: إنما أدركنا عمراً وقد سقطت أسنانه وليس له إلا ناب واحد، فلولا أننا أطلنا مجالسته لم نفهم كلامه. وكان ابن عيينة يقول: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه؛ يعني أنه سمع منه ألف حديث إلا 50 حديثاً، ومن حفظه وصلاحه.
هذا الرجل مع حفظه وصلاحه إلا أنه كان عسراً في التحديث، قيل لإياس بن معاوية القاضي المشهور: أي أهل مكة رأيت أفقه؟ قال: أسوأهم خلقاً عمرو بن دينار، الذي إذا سألته عن حديث يقلع عينه؛ يعني يغضب إذا سئل عن الحديث. وقال شعبة: اختلفت على عمرو بن دينار 500 مرة؛ يعني 500 مرة وهو يأتي مجلسه وما سمعت منه إلا 100 حديث، في كل خمسة مجالس حديث واحد، وهذا من كونه عسراً في الحديث.
وحصلت له حادثة مع تلميذه ابن عيينة طريفة جداً، يقول ابن عيينة لما جاءوا من الكوفة يقول: كان أبي حمله الدين، فذهب من الكوفة إلى مكة، فلما رحنا إلى المسجد لصلاة الظهر، قال: صرت عند باب المسجد فإذا شيخ على حمار، فقال لي: يا غلام، أمسك هذا الحمار حتى أدخل أصلي، يعني أركع. فقال ابن عيينة: ما أنا بفاعل إلا أن تحدثني، وهو شاب صغير، فقال: وما تصنع بالحديث؟ فيقول: فقلت حدثني، قال: فسار يحدث بأسانيد عن جابر وعن ابن عباس رضي الله عنهما، فحدثه بثمانية أحاديث، يقول: فأمسكت حماره وأخذت أتحفظ تلك الأحاديث بأسانيدها، فلما صلى وخرج قال: ما نفعك ما حدثتك به؟ حبستني؛ يعني ربما حتى فاتتني الصلاة. قال: فقلت حدثتني بكذا، وحدثتني بكذا، ورددت عليه جميعاً ما حدثني به، فقال: بارك الله فيك، تعال غداً إلى المجلس، قال: فإذا هو عمرو بن دينار. كان الغلام لا يعرفه.
ويقول ابن عيينة -وهو تلميذ عمرو بن دينار-: مرض عمرو بن دينار فعاده الزهري، والزهري هو المقدم عند أهل المدينة، لأهل المدينة الزهري ولأهل مكة عمرو بن دينار، يقول: عاده الزهري، فلما قام منه قال: ما رأيت شيخاً أنص للحديث الجيد من هذا الشيخ. وهذه شهادة من الزهري تعتبر شهادة عظيمة، وقد روى عمرو بن دينار عن الزهري، وروى الزهري عن عمرو بن دينار، كلاهما روى عن الآخر، وهذا يدل على اهتمامهما بالحديث أو بالطلب، وهذا يسمى المدبج. يقول السيوطي في ألفيته: فإن روى كل من القرنين عن صاحبه فهو مدبج حسن. وكذلك البيقوني يقول ذلك في منظومته، قال: وما روى كل قرين عن أخيه مدبج فاعرفه حقاً وانتخبه.
توفي عمرو بن دينار سنة 126 هـ رحمه الله عليه. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوْعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري