قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فربّ مُبلّغ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، حديثنا اليوم عن إمامين من أئمة التابعين من أهل المدينة المنورة، أحدهما يروي عن الآخر، أي أن أحدهما شيخ للآخر. وسأبدأ الحديث عن الشيخ أولاً، لكني قبل الشروع في الكلام عنه سأذكر شيئاً من صفاته من غير أن أسميه، وذلك من باب شحذ الأذهان لمعرفة من هو ذلك الشيخ.
ذلك الشيخ تابعي من أهل المدينة المنورة، يتصل نسبه بالنبي ﷺ في الأب الثامن وهو كعب بن لؤي. والأمر الثاني أن أباه هو أحد الصحابة السبعة المكثرين من الحديث، وأيضاً جده الذي هو أبو أبيه، جده من أبيه أحد العشرة المبشرين بالجنة. وأما جده من أمه فهو ملك من الملوك، وبالتالي فأمه بنت ذلك الملك، ويعتبر هذا التابعي أيضاً من أخوال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. وهو أيضاً عالم في الحديث، بل هو أعلم الناس بحديث أبيه، ورواية الزهري، محمد بن شهاب الزهري، روايته عنه عن أبيه تعتبر من أصح الأسانيد كما قال ذلك غير واحد من أهل العلم. وهو أيضاً علاوة على أنه عالم بالحديث، عالم بالفقه، ويعتبر من الفقهاء السبعة عند بعض أهل العلم، وقد توفي رحمه الله في بداية القرن الثاني للهجرة في سنة ست ومئة.
الشيخ الذي ذكرنا عنه هذه الأوصاف من غير أن نسميه هو سالم بن عبد الله. يتصل نسبه بالنبي ﷺ في الأب الثامن، فهو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي. فهو يتصل مع النبي ﷺ في كعب، وكعب هو الأب الثامن للنبي ﷺ. لو أردنا أن نحسب آباء النبي ﷺ فنقول: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب. فهو يلتقي بالنبي ﷺ في كعب بن لؤي.
أما الوصف الثاني له وهو أن أباه أحد الصحابة السبعة المكثرين من الحديث، فهو عبد الله بن عمر. وإنما كان عبد الله بن عمر من المكثرين في الحديث لأن أحاديثه تجاوزت ألف حديث؛ أهل العلم ذكروا بأن من تجاوزت أحاديثهم ألف حديث من الصحابة يعتبر مكثراً، وهم سبعة أشخاص. ثلاثة منهم تجاوزت أحاديثهم ألف حديث وهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري. وثلاثة منهم تجاوزت أحاديثهم الألفين وهم: عبد الله بن عمر صاحبنا، وأنس بن مالك، وعائشة بنت أبي بكر الصديق. وواحد من هؤلاء السبعة تجاوزت أحاديثه خمسة آلاف حديث وهو أبو هريرة الدوسي رضي الله عنهم أجمعين.
وقد جمع السيوطي هؤلاء المكثرين، وتصرفت أنا في البيت الثاني بالتقديم والتأخير بسبب كثرة ما رووا، يقول السيوطي: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس وزوجة النبي وجابر والبحر كالخدري البحر الذي هو ابن عباس.
أما الوصف الثالث وهو كون جده من أبيه أحد العشرة المبشرين بالجنة وهو عمر بن الخطاب. فالفاروق كما هو معلوم أحد الخلفاء الراشدين، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. وقد ثبت تبشير النبي ﷺ له بالجنة في أحاديث كثيرة، منها حديث أبي موسى في صحيح البخاري قال: «إذاً له بشره بالجنة». ومنها حديث الصحيحين يقول النبي ﷺ: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ -وفي رواية ظننت أنه لي- فقال: هو لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبراً». يعني لولا غيرة عمر لدخله ينظر فيه عليه الصلاة والسلام. قال: فبكى عمر وقال: أو عليك أغار يا رسول الله؟
أما الوصف الرابع وهو كون جده من أمه ملك من الملوك؛ فلأن أمه أباها يزدجرد ملك الفرس، وهو آخر ملوك الفرس الذي انتهى ملكه بعد معركة القادسية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، في عهد جده من أبيه. ولذلك يقول ابن كثير: هو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق، لقول النبي ﷺ: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله»، وهذا الحديث في صحيح البخاري.
أما الوصف الخامس وهو أن أمه بنت ذلك الملك، فلأن إحدى بنات يزدجرد الثلاث -هم ثلاث بنات جاء بهن الصحابة في سبي فارس إلى المدينة المنورة- دفعت إحداهن إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فأنجبت له سالم بن عبد الله. ودفعت الأخرى للحسين بن علي، فأنجبت علي بن الحسين زين العابدين. ودفعت الثالثة لمحمد بن أبي بكر، فأنجبت القاسم بن محمد وهو أحد الفقهاء السبعة. فهؤلاء الثلاثة بنو خالة: سالم بن عبد الله، وزين العابدين، والقاسم بن محمد، وهم من خيرة التابعين رضي الله عنهم.
ولذلك كان أهل المدينة في السابق يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، يعني السراري أو المملوكات اللواتي يأتين في الغزوات، حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة الذين هم من كبار التابعين ففاقوا أهل المدينة ورعاً وعبادة وعلماً، وبعد ذلك رغب الناس في السراري. ومن طريف ما يذكر أن رجلاً من قريش كان يجلس مع سعيد بن المسيب، فسأله سعيد بن المسيب عن أخواله، فقال: إن أمي أم ولد أو سرية، فكأنه نقص في عين سعيد بن المسيب؛ وسعيد بن المسيب مخزومي، ولا يزال بقي في الناس رؤية أهل النسب وفضل قريش على الناس، ولا شك أن لهم فضلاً. فلما قال أمه سرية كأنه قل في نظر سعيد بن المسيب. ثم دخل سالم بن عبد الله، فقام الرجل وسأل سعيد بن المسيب: من هذا الداخل؟ فقال: هو سالم بن عبد الله، لا تعرفه؟ فقال: من أمه؟ فقال سعيد بن المسيب: سرية. ثم دخل علي بن الحسين زين العابدين، ثم دخل القاسم، وكله ذلك الرجل يسأله من أم هذا؟ فيقول: مملوكة أو فتاة. فعند ذلك قال: يا عم، رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي أم ولد، أفما لي في هؤلاء أسوة؟ فكبر الرجل في عين سعيد بن المسيب.
بالنسبة للوصف السادس وهو كون سالم بن عبد الله يعتبر من أخوال الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ فهذا لأن سالماً ابن عم أم عمر بن عبد العزيز، فإن أم عمر بن عبد العزيز واسمها أم عاصم، أبوها عاصم بن عبد الله بن عمر، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر، فهو ابن عمها، وابن العم يعتبر عند العرب كالأخ؛ فلذلك جعل أو اعتبر خال عمر بن عبد العزيز. ومما يذكر أو يحسن ذكره في أم عمر بن عبد العزيز بيان أنها كانت بنت تلك الفتاة التي رفضت أن تمزج اللبن بالماء؛ أم عمر بن عبد العزيز أمها هي تلك الفتاة، وكان عمر يعس بالناس، فقالت لأمها: انزقي اللبن بالماء، فقالت: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك. فقالت: إن أمير المؤمنين لا يرانا. فقالت: إن رب أمير المؤمنين يرانا. فأعجب عمر وأرسل ولده عاصماً إلى ذلك الموضع فقال: استخبر لي عنها، فوجد أنها من بني هلال. فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب. فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له أم عاصم، وأم عاصم هذه تزوجها عبد العزيز بن مروان فولدت له عمر بن عبد العزيز الذي فعلاً ساد العرب.
ولذلك يقول الليث بن سعد إنه كان يقال: الفراسة فراسة العزيز في يوسف النبي حين قال: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف: 54]. وكذلك فراسة عمر بن الخطاب في الهلالية حين قال لولده: تزوجها، والله ليوشكن أن تأتي بفارس يسود العرب، فأتت بعمر بن عبد العزيز.
وأيضاً يذكر في هذا الصدد أن سالماً دخل مرة على سليمان بن عبد الملك، وعلى سالم ثياب غليظة رثة، فلم يزل سليمان يرحب به -وهو الخليفة- ويرفعه حتى أقعده معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز في المجلس وكان أميراً على المدينة، فقال له رجل في أخريات الناس في جنب عمر بن عبد العزيز: أما استطاع خالك أن يلبس ثياباً أحسن من هذه؟ وكان على المتكلم ثياب فاخرة غالية. فقال له عمر بن عبد العزيز: والله ما رأيت ثياب خالي وضعته في مكانك، ولا رأيت ثيابك رفعتك إلى مكان خالي. ولله در بعض الأعراب الذي يقول: يُعايُون بقمصانٍ لهم جُدُدٍ كأننا لا نرى في السوق قمصانا ليس القميصُ وإن جدّت رقعتُه بجاعلٍ رجلاً إلا كما كانا
أما الوصف السابع وهو أنه عالم بالحديث وأعلم الناس بحديث أبيه، فقد سمع سالم رضي الله عنه من جماعة من الصحابة، وكان أعلم الناس بحديث أبيه الذي هو عبد الله بن عمر، وما كان ينافسه في حديث أبيه إلا مولى ابن عمر وهو نافع، وكانوا إذا اختلف سالم ونافع تحير العلماء أيهم يقدم.
أما الوصف الثامن وهو أن رواية الزهري أصح الروايات عنه أو رواية الزهري عن سالم عن أبيه أصح الأسانيد، فهذا قالها غير واحد من أهل العلم. يقول العراقي في ذلك: وجزم ابن حنبل بالزهري عن سالم أي عن أبيه البري
أما الوصف التاسع وهو أنه عالم بالفقه؛ فإنه معدود في الفقهاء السبعة. وفي ذلك يقول العراقي: والفقهاء في الكبار الفقهاء السبعة: خارجة، القاسم، ثم عروة ثم سليمان، عبيد الله، سعيد، والسابع ذو اشتباه أما أبو سلمة أو سالم أو أبو بكر خلاف قائم
فكان سالم بن عبد الله يعد من الفقهاء السبعة. توفي رضي الله عنه في سنة ست ومئة. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا قبل الفاصل تكلمنا عن الشيخ وهو سالم بن عبد الله. وأما الآن فسأتحدث عن التلميذ، وهو تابعي مدني شامي من أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، يتصل نسبه بالنبي ﷺ في الأب السادس وهو كلاب بن مرة، يروي عن جماعة من الصحابة ويروي عن الفقهاء السبعة بل التسعة، وهو معدود من العلماء الكبار، له تلاميذ كثيرون من أشهرهم: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وسفيان بن عيينة إمام أهل مكة، والليث بن سعد إمام أهل مصر، والأوزاعي إمام أهل الشام وغير هؤلاء. وذكره علي بن المديني ضمن الستة الذين يدور عليهم الإسناد، وأيضاً هو أول من جمع الحديث ودونه، وأيضاً كان جليساً ومستشاراً لجماعة من خلفاء بني أمية.
هذا التلميذ نحن ذكرنا قبل الفاصل أن روايته عن سالم أصح الروايات، وهو الزهري، محمد بن شهاب الزهري، وهو تابعي مدني شامي، ومن أخوال النبي ﷺ. يتصل نسبه كما ذكرت في الأب السادس، لأن اسمه طبعاً هو تابعي لأنه ولد سنة خمسين من الهجرة فهو لم يرى النبي ﷺ، وكان بينه وبين النبي ﷺ بعد موت النبي ﷺ أربعون سنة. وهو مدني لأنه ولد في المدينة، وكان جده عبد الله بن شهاب قد شهد غزوة أحد مع المشركين ثم أسلم. وأما كونه شامياً فلأنه سكن الشام فيما بعد، ذهب إلى الشام.
أما كونه من أخوال النبي ﷺ فلأنه من بني زهرة، وبنو زهرة أخوال النبي ﷺ، لأن أم النبي ﷺ آمنة الزهرية كما هو معلوم، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. وكونه يتصل نسبه بالنبي ﷺ في الأب السادس، لأن اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة، فهو وزهرة ابن كلاب، والنبي ﷺ قصي بن كلاب، فزهرة وقصي أخوان.
أما كونه يروي عن جماعة من الصحابة وأنه يروي عن الفقهاء التسعة، فنعم، هو يروي عن جماعة من الصحابة كأنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي، ويروي عن الفقهاء السبعة لأنه فعلاً روى عن السبعة المذكورين والاثنين المختلف فيهم، بل روى عن أناس لا يحصون، وهذا يدل على أنه طالب علم أو أنه مكثر في الطلب. وأما الوصف الثالث وهو أن له تلاميذ كثيرين فمن أشهرهم مالك بن أنس كما ذكرنا، فهذا أيضاً صحيح وهذا دليل على أنه كان من العلماء الكبار، وقد اشتهر عنه بالرواية آخرون منهم معمر بن راشد وغيرهم.
يونس بن يزيد الأيلي، ومنهم عقيل بن خالد، وهم أكثر الناس حديثاً عنه، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وقد روى عنه ناس أو أمم لا يحصون كما يقال، وهذا دليل على إمامته في الناس.
أما الوصف الرابع فهو أن علي بن المديني ذكر أنه ممن يدور عليهم الإسناد؛ فنعم، علي بن المديني قال: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فبدأ به فقال: ثالثهم بالمدينة ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن شهاب رحمه الله عليه.
أما الوصف الخامس فهو كونه أول من جمع الحديث ودونه، فقد ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم منهم مالك وغيره. ويقول السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثر ابن شهاب، أمراً له عمر، يعني عمر بن عبدالعزيز. وإنما لم يحصل الجمع قبل ذلك والتصنيف؛ هو حصلت الكتابة نعم، لكن جمعه وتصنيفه لم يحصل في عهد الصحابة رضي الله عنهم. وقد كان عمر قد نوى أن يجمعه ثم استخار ثم عدل عن جمع الكتابة، فاستخار شهراً كاملاً ثم عدل عن ذلك، وهذا لحكمة إلهية عظيمة بلا شك. وربما أن من حكمة ذلك أن الصحابة قد تفرقوا في البلدان، ولم يكن الحديث يتدارس بينهم كما يتدارس القرآن، وبالتالي كان الصحابي لا يحدث بالحديث ولا يتذكره إلا في واقعة تحدث له، أو ينشأ شيء أو داعٍ فيتذكر الحديث فيحدث به. فلو أن عمر جمع بعض الأحاديث التي يتذكرونها؛ ربما عزب عن أذهانهم بعض الأحاديث، فلو حدث صحابي أو حدث له أمر وحدث بعد ذلك الجمع، ربما غلط الراوي عنه أو كذب، فكان من الحكمة ترك ذلك الجمع. وهكذا أيضاً ربما من الحكمة أيضاً لكي يجتهد الناس في تحصيله وفي جمعه وفي تنقيحه، فيحصلون على الأجر العظيم؛ فيفوز الفائزون ويخسر المبطلون أو الخاسرون.
والوصف الأخير هو أنه كان جليساً ومستشاراً لجماعة من خلفاء بني أمية، فإن الزهري وفد على عبد الملك بن مروان وبقي مدة إلى أن توفي أولئك الخلفاء، وكان أول وفادة له إلى أن توفي في سنة 124. وكانت له قصة في ذلك، وهو أنه احتاج وهو في المدينة، ثم رأى أن يذهب إلى الشام، وجاء إلى حلقة عظيمة في الشام فجلس فيها، فسألوه: من أين؟ فقال: من المدينة، وانتسب لهم. وكان قبل ذلك قد جالس سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وغيره من العلماء، وتعلم النسب من عبد الله بن ثعلبة بن صعير من حلفائهم.
ثم لما جاء إلى تلك الحلقة سألوه أهل الحلقة عن حكم أمهات الأولاد، فإذا عنده منها علم، فقالوا: هذه الحلقة حلقة قبيصة بن ذؤيب وزير الخليفة أو مستشار الخليفة، وأنه جاء وسألنا ولم يجد عندنا خبراً. فجاء قبيصة وأخبروه، فأخذ الزهري وذهب به إلى الخليفة، فبقي عند الباب حتى ارتفعت الشمس، ثم أدخل فسلم الزهري على الخليفة بالخلافة، فسأله عن نفسه، فذكر له نسبه. فلما ذكر اسم والده مسلم، قال عبد الملك: أوه، قوم نُعار في الفتن، وكان والد الزهري مع عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الزبير بينه وبين بني أمية تلك الخصومة المشهورة حتى قتل رضي الله عنه في مكة. ثم سأل الخليفة الزهري عن حكم أمهات الأولاد، هل يباعون أو لا يباعون؟ فأخبره بقول سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير أنه يحرم بيعهن، فالتفت إلى قبيصة وأمره بكتابة ذلك إلى الآفاق، ثم إن الزهري حظي بعد ذلك بمكانة عند عبد الملك بن مروان، وبقي معه إلى أن توفي، ولم يزل مع الخلفاء بعده إلى أن توفي هو في سنة 124.
وقد كان الزهري من أعلم التابعين وأحفظهم على الإطلاق، وأقوال العلماء في علمه وحفظه كثيرة جداً، ربما لا يتسع المقام لذكرها، ويكفي في ذلك قول إمام دار الهجرة وهو تلميذه مالك بن أنس الذي كانت تضرب إليه أكباد الإبل، كان يقول: بقي ابن شهاب وما له في الناس نظير. وأيضاً يقول نظيره، نظير مالك وهو الليث بن سعد إمام أهل مصر، يقول: ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب ولا أكثر علماً منه، لو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا، وإن سمعته يحدث عن العرب وأنساب العرب قلت لا يحسن إلا هذا، وإن سمعته يحدث عن القرآن والسنة قلت لا يحسن إلا هذا.
ويقول جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك، وهو من الفقهاء من أفقه أهل المدينة، قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقضايا أبي بكر وعمر وبقضايا عثمان، وأفقههم فقهاً وأعلمهم علماً فهو سعيد بن المسيب. وأما أغزر حديثاً فعروة بن الزبير، عروة بن الزبير كان تلميذ عائشة وفي حجرها، وأخذ أكثر الحديث من عائشة ومن غيرها من الصحابة، ثم قال: ولا تشأ أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بحراً إلا فجرته، يعني كان عالماً من العلماء الكبار، وهو من الفقهاء السبعة، كما أن عروة بن الزبير من الفقهاء السبعة، كما أن سعيد بن المسيب من الفقهاء السبعة. فأخذ منهم جميعهم ابن شهاب، قال: وأعلمهم جميعاً عندي محمد بن شهاب، لأنه جمع علمهم إلى علمه رحمه الله عليهم أجمعين.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري