دخولتسجيل الدخول

الحلقة 1

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع».

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذا البرنامج الذي سوف نتحدث فيه عن الحديث النبوي الشريف وأهميته، وعن بعض الجهود التي قام بها الأئمة من المحدثين لجمع الحديث وحفظه وتنقيحه حتى استقام لنا الدين، وحتى ثبتت لنا معالمه. في هذا البرنامج سوف أسوق بإذن الله تراجم بعض هؤلاء الأئمة الأعلام، ولكني قبل التحدث عن ذلك رأيت أنه من المستحسن أن أبدأ في أولى الحلقات بالكلام عن فضل العلم الشرعي.

سأتكلم في هذا الباب وإن كان يطول، لكني سأختصر إن شاء الله لأن العلماء تكلموا فيه كثيراً وألفوا فيه المؤلفات؛ ومن تلك المؤلفات مثلاً كتاب «جامع بيان العلم وفضله» لحافظ المغرب ابن عبد البر، وكذلك «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي. هذان حافظان إمامان جليلان: ابن عبد البر النمري من أهل الأندلس حافظ المغرب، والخطيب البغدادي حافظ المشرق، وكلاهما توفي سنة 463 هـ، وكتاب ابن عبد البر هو لعله في هذا الباب أفضل من كتاب الخطيب البغدادي.

الكلام عن فضل العلم كثير ومتشعب، لكن أول ما ينبغي أن يُذكر أن نتيقن ونعلم بأن هذا الدين المبارك قام على العلم. وكما هو معلوم، العلم أنواع وصنوف، ولكن أشرف هذه العلوم علم الشريعة الذي به صلاح الدين وصلاح الدنيا، ثم يأتي بعد ذلك سائر العلوم الأخرى التي بها صلاح الدنيا ومعاش الناس. أول ما نزل من القرآن الكريم هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

هذه أول الآيات؛ وكون هذه الآيات هي أول ما نزل من القرآن على نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وحده يكفي ويغني عن كثير من الكلام، بحيث يدل على أهمية العلم. في هذه الآيات لفتة عجيبة تبين أهمية العلم وفضله؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى امتن على ابن آدم بخلقه من نطفة ومن علقة، كما قال تبارك وتعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وهذه المرتبة هي أدنى مراتب الإنسان؛ فالعلق قطعة من الدم.

ثم وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالأكرم مع أمره بالقراءة، فقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾؛ كأنه جل وعلا يبين أن تعليم الإنسان هو أعظم مِنة، حيث وصف نفسه بالأكرم في مقارنة بالعلم، مع قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هذه أعلى المراتب؛ فالإنسان بين مرتبتين: أدنى المراتب وأعلى المراتب. بين هاتين المرتبتين قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، فكان اختيار الله لهذا التعليم ليصف نفسه بالكرم دليل عظيم على أن العلم هو أفضل نعمة يمتن بها الله سبحانه وتعالى على عباده، وإلا لما كانت في أول ما نزل من القرآن.

والله سبحانه وتعالى فضل آدم عليه السلام على الملائكة بالعلم، وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالازدياد من العلم، وأمر الملائكة أن تضع أجنحتها لطالب العلم. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 31] إلى آخر الآيات، وأسجد الله لآدم ملائكته وذلك لفضله بالعلم. وقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].

العلماء يقولون يكفي العلم شرفاً أن الله أمر نبيه بأن يسأله المزيد منه. وفي مسند أحمد والسنن الأربع عن كثير بن قيس رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء رضي الله عنه في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء، إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جاء إلا لأجل الحديث. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، والعلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

العلم رفعة لصاحبه؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً يقول فيه: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين»؛ يعني بالقرآن. هذا الحديث في صحيح مسلم وله قصة، وهو أن أبا الطفيل يقول: إن نافع بن عبد الرحمن بن عبد الحارث -وكان عمر رضي الله عنه استعمله على أهل مكة- التقى به عمر في طريق، فقال: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. فقال عمر: ومن ابن أبزى؟ فقال: رجل من موالينا. فقال عمر: استخلفت على أهل الوادي وعلى أهل مكة مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض. فعند ذلك قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين».

وأبو العالية الرياحي، تابعي مشهور، كان يأتي ابن عباس وكان ابن عباس يجلسه على السرير معه، وكانت قريش تتعجب. فلما رآهم يتغامزون فطن لهم ابن عباس فقال: هكذا العلم، يزيد الشريف شرفاً، ويجلس المملوك على الأسرّة؛ يعني أبو العالية كان مملوكاً. ومحمد بن الحارث -وهو أحد رواة هذا الأثر- ينشد في ذلك: رأيت رفيع الناس من كان عالماً وإن لم يكن في قومه بحسي إذا حل أرضاً عاش فيها بعلمه وما عالم في بلدة بغريب

والله سبحانه وتعالى قد رفع أناساً من العلماء لم يكونوا في الحسب والنسب بذاك عند الناس، منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، شيخ البصرة، وكذلك محمد بن سيرين مثله، ومكحول الشامي، وغيرهم كثير كانوا من الموالي. ومنهم عطاء بن أبي رباح، وكان عطاء كما يقال مستوحش الخلقة، كان أسود اللون، أعرج، أعور، أفطس، أشل، ومع ذلك كان إمام أهل مكة، وكان ينادى: لا يفتي في الحج أو في المناسك إلا عطاء بن أبي رباح. ومرة من المرات جاء إليه خليفة المسلمين في زمنه سليمان بن عبد الملك ومعه ولداه، فجلسوا يسألونه عن المناسك، وكان عطاء بن أبي رباح من أعلم الناس بالمناسك، فكان يحدثهم وهو معرض عنهم بوجهه، ما اهتم كثيراً بخليفة المسلمين. فقال الخليفة لولديه بعد أن قاما: قوما ولا تكسلا في طلب العلم، فما أنسى ذلنا بين يدي ذلك العبد؛ يقصد عطاء بن أبي رباح.

والبدوي يقول في منظومته في عمود النسب لما ذكر عطاء بن أبي رباح: والحبشي ابن أبي رباحِ مولاهم المشهور بالصلاحِ أعرجُ أعورُ أشلُّ أفطسُ أسودُ من أنواره يقتبسُ يعني من علمه.

وروي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما قدم المدينة حاجاً أرسل البرمكي -وهو وزير له أو حاجب- أرسله إلى الإمام مالك الفقيه، إمام دار الهجرة، لكي يخبره أن أمير المؤمنين يدعوه، وأن أحمل إلينا كتابك الذي صنفته الذي هو الموطأ. فقال له مالك: اقرأ أمير المؤمنين السلام وأخبره بأن العلم يُزار ولا يزور، ويُؤتى ولا يأتي. فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد فأخبره، ثم قال البرمكي نفسه لهارون الرشيد، وكأنه يحرضه على مالك بن أنس: يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك بأمر فخالفك، اعزم عليه حتى يأتيك. فبينما هم كذلك إذا بمالك رحمه الله يدخل عليه وليس معه الكتاب، جاء فقط للسلام على خليفة المسلمين، فسلم وجلس. فقال له هارون: يبلغ أهل العراق أني سألتك أمراً من الأمور سهلاً فأبيت علي؟ فماذا قال مالك؟ قال مالك: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعلك في هذا الموضع لعلمك، فلا تكن أول من يضع العلم؛ يعني أنت إنما جُعلت خليفة بسبب ما عندك من العلم، فلا تكن أول من يضع العلم. ولقد رأيت من ليس هو في حسبك ونسبك يعز هذا العلم ويجله، فأنت أحرى أن تجله. وصار يكلمه، ولم يزل يعدد عليه الأشياء التي فيها فضل العلم حتى بكى هارون الرشيد رحمه الله عليه.

ثم قال مالك: أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان فيما يكتب هذه الآية: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 95]، طبعاً ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لم تنزل في ذلك الوقت، كان ابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير، فهل لي من رخصة في ترك الجهاد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أدري. قال زيد: وقلمي رطب ما جف، حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فوقعت فخذه على فخذي فكادت أن تندق من شدة الوحي، ثم سُرِّي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اكتب يا زيد ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ يعني هذه الجملة جاءت زيادة على الآية. قال مالك بن أنس: حرف واحد يا أمير المؤمنين بعث بها جبريل عليه السلام من مسيرة خمسين ألف عام من السماء إلى الأرض، حرف واحد، حتى نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، أفلا ينبغي أن أعزه وأجله؟ قال: بلى. فعند ذلك تأثر هارون الرشيد رحمه الله عليه وأجل مالكاً وقام معه وودعه.

ولله در القائل: العلم يرفع أقواماً بلا حسبِ فكيف من كان ذا علم له حسبُ فاطلب بعلمك وجه الله محتسباً فما سوى العلم فهو اللهو واللعبُ

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جاء في الترمذي وصححه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، أحدهما عابد والآخر عالم، فقال عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير». هناك حديث في الترمذي وابن ماجه وسنده فيه شيء من الضعف، لكنه له شواهد من حديث ابن عباس، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد». وأهل العلم يقولون: إن الصواب أنه من حديث ابن عباس، من قول ابن عباس وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لفظه قال: والله لعالم أشد على الشيطان من ألف عابد.

هذا المعنى في هذا الحديث أو في هذا الأثر نظمه بعض الشعراء فقال: تعلم فإن العلم زين لأهلهِ وفضل وعنوان لكل المحامدِ وإن فقيهاً واحداً متورعاً أشد على الشيطان من ألف عابدِ

إنما كان العالم أفضل من العابد لأن العبادة لا تقبل إلا بالعلم؛ كيف سيعبد الإنسان ربه إلا إذا كان عنده علم بتلك العبادة؟ ولذلك يقولون: العالم يعرف الجاهل، والجاهل لا يعرف العالم؛ العالم يعرف الجاهل لأنه كان قبل العلم جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن قط عالماً.

وكذلك من العبارات المشهورة في فضل العلم أنهم يقولون: العلم نور، وصدقوا في ذلك؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 174]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].

العلم نور؛ لأنه الميزان الذي توزن به الأعمال والأقوال والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، وبين الهدى والضلال، وبين الغي والرشاد، والذي يميز الشرائع والحلال والحرام. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122].

يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون. ولذلك يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس: إن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم؛ لماذا؟ قال: لأن العلم نور، فإذا أطفأ مصابيحهم خبطهم في الظلم كيف يشاء. ولذلك نجد أن كثيراً من الزهاد من تلبيس إبليس عليهم أنهم يحتقرون العلماء ويذمونهم؛ لأنهم يقولون المقصود من العلم العمل، وهم لا يعملون، ولا يفهمون أن العلم نور للقلب. ولو عرفوا مرتبة العلماء كما يقول أهل العلم في حفظ الشريعة وأنها مرتبة الأنبياء، لعدوا أنفسهم كالبكم عند الفصحاء، والعمي عند البصراء.

يقول ابن أبي أويس، وهو ابن أخت مالك بن أنس، يتكلم عن الإمام مالك، إن يحيى بن يزيد النوفلي وكان من الزهاد العباد، وكان لا يكلم مالكاً؛ يعني ناقم عليه، كتب إلى مالك بسبب أن مالكاً كان يلبس اللباس الجيد ويأكل الأكل الطيب، قال: أما بعد، فقد بلغني أنك تلبس الدقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطئ، وتجعل على بابك، إلى آخر ما قال، وأنت رجل قد ضربت إليك أكباد الإبل، وارتحل إليك الناس، واتخذوه إماماً، فاتق الله وتواضع، والسلام. فكتب إليه مالك: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام الله عليك، أما بعد، فقد وصل إلي كتابك، فوقع مني موقع النصيحة والشفقة والأدب، أمتعك الله بالتقوى، إلى آخر كلامه، ثم قال له: ذكره بقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 32]، ثم قال له: ولا تتركنا من كتابك، والسلام.

وأيضاً كتب إليه عبد الله العمري، وهو العابد، كتب إلى مالك زهده ويأمره بالانفراد، والانفراد معناه أن يترك الناس، فرد إليه مالك أو كتب إليه مالك يرد عليه أن من الناس من فتح الله عليه في الصوم، ومنهم من فتح عليه في الصلاة، ومنهم من فتح عليه في الجهاد، ومنهم من فتح عليه في الصدقة، وأما أنا فقد رضيت بما فتح الله علي من نشر العلم، وما أظنني أو ما أظنك على مرتبة أحسن من المرتبة التي أنا عليها، وفي كل خير، أو نحو هذا الكلام. فأحياناً بعض الناس العباد يظنون أن العالم على غير هدى أو نحو ذلك، وما يعلمون أن العلماء هم ورثة الأنبياء.

ومن الأبيات السائرة المشهورة التي تبين أن العلم نور ما ذكر أن رجلاً يقول، بعضهم ينسبها للشافعي، ولم أجد للشافعي حقيقة، وأظنه ربما يكون أحد تلاميذ وكيع وليس الشافعي، يقول: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي

والآخر يقول: العلم نور والجهالة حلكة ومن سرى في ظلمة الجهل هلك

والبربري يقول: العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر

هذه الأبيات لها قصة عند المحدثين جميلة جداً؛ أن محمد بن مصعب القرقساني كان محدثاً، وكان التلاميذ -وهو من تلاميذ الأوزاعي- يأتون عند بابه، منهم ابن أبي الخناجر أحد المحدثين، يقول: كنا عند باب محمد بن مصعب القرقساني ونحن جماعة من أهل الحديث، وفينا رجل عراقي بصير بالشعر، ونحن نتمنى أن يخرج إلينا ويحدثنا، يقصد القرقساني هذا حديث أو حديثين، قال: إذ خرج علينا فقال: قد خطر على قلبي بيت من الشعر، فمن أخبر به حدثته ثلاثة أحاديث، فقال العراقي: يرحمك الله، أي بيت هو؟ فقال الشيخ: العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر. فقال الفتى العراقي: هو لسابق البربري. فقال الشيخ: صدقت، وماذا بعده؟ قال: والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سواد الظلمة القمر. فعند ذلك حدث الشيخ بستة أحاديث، حدث هذا الشاب بستة أحاديث، يقول ابن أبي الخناجر: سمعناها معه، وهذا من بركة العلم.

ثم إن العلم أيضاً خير ما يقتنيه المؤمن؛ يعني الناس يقتنون الأموال، واقتناء العلم خير من اقتناء المال، كما يقول حماد بن الأمين في منظومة له: "والعلم نعم المقتنى والمقتضى". وهذا البيت شطر بيت أو من منظومة في الآداب لهذا الرجل حماد بن الأمين، وهو شنقيطي كان ينصح فيها ولده، وهي منظومة جميلة جداً، وليست طويلة، من ستة وثلاثين بيتاً، ينصح ولده هذا، والنصيحة لأولاد المسلمين أيضاً، يقول في بدايتها: بني إن البر شيء هين دونك منه ذا الذي يبين نصيحة من والد حفي بك هديت الرشد من بني إلى آخر ما قال

إلى أن قال: "فاؤذن به فالحلم زين الظرفاء"، جاء يتكلم عن أدب الحلم، وبعدها يأتي العلم، "فاؤذن به فالحلم زين الظرفاء، والعلم نعم المقتنى والمقتضى". "اطلبه فريضة وافرض علم مهمك به أبداً تقبضه"، فقوته الفقه وملحه الذي يصلحه النحو، جولته إلى أن قال له: تغرب وتواضع واتبع، واجهد، واعص هواك، وترع، حتى يرى حالك حال المنشد: لو أن سلمى أبصرت تخددي

يقول: تغرب للعلم واشهد له، حتى يرى حالك حال هذا المنشد: لو أن سلمى أبصرت تخددي، رجل ذهب تغرب للاتيان بمهر أو للاتيان بشيء من متاع الدنيا لأجل ابنة عمه سلمى، فأصابه من التعب والزهد ورق عظمه، فسار يقول: "لو أن سلمى أبصرت تخددي، ورقة في عظم ساقي ويدي، وبعد أهلي، وجفاء عودي، عضت من الوجد بأطراف اليدي".

والشاعر الآخر يقول: خليلي، أفني العمر غير الممدد على نشب، إن منه واسيت يزدد ولا تفنين العمر في جمع ما إذا بخلت به تذمم، وإن جدت ينفد

يقول: خليلي، أفني العمر غير الممدد؛ العمر ليس طويلاً، فأفنه في ماذا؟ على نشب، نشب يعني مال، ويقصد هنا العلم، "إن منه واسيت يزدد"، يعني إن أعطيت منه ازداد، والعلم يزداد بالإنفاق منه، ولا تفنين العمر في جمع ما إذا بخلت به تذمم، وإن جدت ينفد، ينتهي، وهذا وصف المال؛ إذا بخل به صاحبه لحقته المذمة، وإن جاد به لم يبق له شيء، فشتان بين المالين: العلم والدنانير. ولذلك قال بعض السلف: العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المال تفنيه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة.

يزول بزواله؛ يعني الخير إذا عملته بالمال يزول بزوال المال الصنيعة، يعني الذي يمدح عليه الإنسان. ثم يقولون: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. وفي ذلك يقول أبو إسحاق الألبيري رحمه الله عليه في تائيته المشهورة التي يحرض فيها ولده على العلم، وفي مطلعها -هي قصيدة مشهورة-: تفت فؤادك الأيام فتا وتنحت جسمك الساعات نحتا وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاحِ أنت أريد أنت

إلى أن قال: أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك إن عقلت إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرت وأجلو ما بعينك من عشاها ويهديك السبيل إذا ضللت وتحمل منه في ناديك تاجاً ويكسوك الجمال إذا اغتربت ينالك نفعه ما دمت حياً ويبقى ذكره لك إن ذهبت وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنت يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددت

وهذا هو وجه الشاهد، "يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفاً شددت".

يقول يحيى بن أكثم: قال لي الرشيد: ما أنبل المراتب؟ فقلت: ما فيه أنت يا أمير المؤمنين، فقال: لا، ولكن رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، كيف هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويلك، هذا خير مني؛ لأنه لا يموت أبداً، ونحن نموت نفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر. ولله در القائل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وكل فتى لم يحيَ بالعلم ميت وليس له حتى النشور نشور

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.