«نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي ما زلنا نتحدث فيها عن العلم وفضله.
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». هذا الحديث ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث وسائل لبقاء عمل الإنسان بعده، لكن لو نظرنا إلى هذه الوسائل الثلاث وأردنا المقارنة بينها، لوجدنا أن واحداً منها يمكن أن يتوفر لكل أحد وهو العلم النافع؛ فإن تحصيله لا يحتاج إلى مال، ولا يحتاج إلا فقط إلى جهد الإنسان. بخلاف الصدقة؛ فإنها تحتاج إلى توفر المال لدى الإنسان وقد يكون الإنسان فقيراً لا مال لديه، وهكذا الولد لا يكون إلا لمن يولد له، وقد يوجد من الناس من لم يتزوج أصلاً، أو من تزوج ولا يولد له.
ولذلك كان ابن المعتز رحمه الله يقول: علم الإنسان ولده المخلد. إذا أردت الولد المخلد فهو علمك. هذا الكلام في غاية النفاسة، الناس يتحسرون على من لا ولد له ويقولون انقطع عمله وانقطع ذكره؛ إلا إذا كان له ولد صالح فيبقى ذكره في الناس ويدعو له. لكن لو توفر له الولد فإنه يبقى عمله بعده بولده ما دام الولد حياً، والولد كما هو معلوم لا يبقى إلا قليلاً بخلاف العلم؛ فإنه كما قال ابن المعتز ولد الإنسان المخلد. وبذلك يقول أبو الفتح البستي أبياتاً عجيبة جداً يقول فيها: يقولون ذكر المرء يبقى بنسله وليس له ذكر إذا لم يكن نسلُ فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي فمن سره نسل فإنا بذا نسلُ
ثم العلم منصب ليس كالمناصب الدنيوية، هو منصب يبقى لصاحبه بخلاف المناصب الدنيوية فإنها لا تبقى لصاحبها؛ بل يُعزل منها أو يموت عنها. وأما هذا المنصب الذي هو العلم فهو منصب أخروي لا يُعزل صاحبه منه ولا ينعزل بموته عنه، بل طاعته تبقى حتى بعد موته. ولذلك يقول الشاعر: أخو العلم حيٌّ خالدٌ بعد موته وأوصاله تحت التراب رميمُ وذو الجهل ميتٌ وهو ماشٍ على الثرى يظن من الأحياء وهو عديمُ
والعجيب أن العلم رغم ما في تحصيله من التعب، إلا أنه سعادة ولذة دائمة، ولذلك نجد من ذاق حلاوته من أهل العلم يستسهل في سبيله كل عسير، ويترك لأجل تحصيله لذات الدنيا كلها، فتجده يتحمل في طلب العلم الجوع والسهر والاغتراب، وتجده يزداد نهمه في الطلب كلما ازدادت معرفته؛ لأنه كلما دخل روضاً وبستاناً تبدى له روض آخر وبستان آخر أفضل مما حصله، ولا تجده يقنع ولا يمل ولا يروى ولا يشبع. ولذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا. طالب العلم لا يشبع من طلب العلم، وطالب الدنيا لا يشبع من طلب الدنيا، وإن كان المنهومان لا يستويان، وهذا شيء مشاهد؛ طالب العلم الصادق لا يمل ولا يكل من طلب العلم حتى ولو بلغ ما بلغ، وهكذا طالب الدنيا مهما جمع من الأموال لا يقنع من جمعها حتى إن بعض الناس لو بعثر أمواله أو صرفها يومياً بالملايين ربما جاءه الموت وهي لا تنفد، ومع ذلك تراه يطلب المال. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
ليس طالب العلم كطالب المال؛ فأهل الأموال يجدون اللذة في جمع الأموال، وأهل العلم يجدون اللذة في جمع العلوم ويحتقرون عند هذه اللذة كل لذة كما ذكرت سابقاً. وفي ذلك يقول محمد بن هارون الدمشقي: لمحبرة تجالسني نهاري أحب إلي من أنس الصديقِ ورزم كاغدٍ في البيت عندي أحب إلي من عدل الدقيقِ ولطمة عالمٍ في الخد مني ألذ لدي من شرب الرحيقِ
يعني العالم لما يلطم على خده يقول هذا ألذ عندي من العسل. كيف وصلت بهم هذه الحال إلى أن يتلذذوا حتى بضرب المعلم؟ لأنه ما تلذذ بذلك إلا لكونه علم عظم شأن العلم وأن ثمنه نفيس. وقد كان يقال: أعز العلم ما كان عن ذل الطلب. وكان ابن عباس يقول رضي الله عنه: ذللت طالباً فعززت مطلوباً. وفي منظومة حماد بن الأمين التي ذكرتها قبل قليل يقول له: تغرب وتواضع واتبع ووجع وهن؛ وجع تحمل الجوع، وهن تحمل الهوان، واعص هواك. ولذلك محمد بن هارون يقول: ولطمة عالم في الخد مني ألذ إلي من شرب الرحيق.
وهذا يذكرني بقول يحيى بن معين لما رفسه شيخه أبو نعيم رفسه برجله وأسقطه، قال للإمام أحمد: رفسةٌ عندي أحب إلي من ذهابي إلى اليمن. وهذه قصة عجيبة يرويها أحمد بن منصور الرمادي وهو تلميذ لابن معين وتلميذ للإمام أحمد، يقول: كنت خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق في اليمن، وكنت خادماً لهما، فلما عدنا إلى الكوفة بعدما أخذوا علم عبد الرزاق وتعلموا عنده مدة، قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: تعال نختبر أبا نعيم، شيخ أحمد بن حنبل وشيخ ابن معين وشيخ للإمام البخاري أيضاً. فقال له أحمد: إن الرجل ثقة. فقال يحيى بن معين: لا بد لي من اختباره. فأخذ ورقة فكتب فيها 30 حديثاً من حديث أبي نعيم، هم عادة يحدثون من الشيخ ثم يأتون ويعرضون عليه حديثه مرة أخرى حتى يتأكدوا أنهم لم يخطئوا، فكتب في ورقة عشرة أحاديث وكتب حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، ثم كتب عشرة أخرى وكتب حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، ثم كتب عشرة أخرى وكتب حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، فصار المجموع 30 حديثاً فيها ثلاثة أحاديث ليست من حديثه.
ثم طرق عليه الباب فخرج عليهم فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين وأجلسه عن يساره، قال: ثم جلست أنا تحت الدكان، والدكان مثل الدكة عندنا وهو من طين بجانب بيت الإمام أبي نعيم. قال: فأخرج يحيى بن معين الورقة، فقرأ عليه عشرة أحاديث وأبو نعيم ساكت، هذا يسمونه العرض، ما دام الشيخ ساكت معناه أن هذا حديث الشيخ. فلما قرأ الحديث الذي أدخله قال: اضرب عليه فليس من حديثي. علم أنه ليس من حديثه، وهذا اختبار لأبي نعيم رحمه الله عليه، يريد يحيى بن معين أن يتأكد أن الشيخ متوثق من حديثه وعارف له. ثم قرأ العشر الثانية، فلما قرأ الحديث الثاني قال أبو نعيم: اضرب عليه فليس من حديثي. ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ الحديث الثالث، فعند ذلك تغير وجه أبي نعيم وانقلبت عيناه وغضب، ثم أقبل على يحيى بن معين يكلمه ويوجه الكلام له، فقال له: أما هذا وذراع أحمد بن حنبل في يده فأوقر من أن يفعل هذا، وأما هذا وأشار إلى أحمد بن منصور الرمادي فأقل من أن يفعل هذا، وما أراه إلا من فعلك يا فاعل! ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين وأسقطه من الدكان وقام ودخل مغضباً. قال أحمد ليحيى بن معين: ألم أقل لك إن الرجل ثقة؟ فقال: والله لرفسته لي أحب إلي من سفري إلى اليمن. يقول هذه الرفسة أثبتت أن هذا الرجل من الثقات الكبار.
شغف أهل العلم بالعلم وعشقهم له قد يحملهم على التقصير في بعض الحقوق، وهذا لا شك أنه أمر غير مرغوب فيه، لكن لمحبته له. ولذلك قيل لامرأة الزبير بن بكار وهو من العلماء الكبار من أهل التاريخ وأهل السير والتراجم، قيل لها: هنيئاً لك إذ ليست لك ضرة؛ ليس لك امرأة أخرى تشاركك في زوجك. فقالت: والله لهذه الكتب أضر علي من عدة ضرائر؛ هو مشغول عني بهذه الكتب.
ومن العجائب التي نقلها ابن القيم رحمه الله عليه عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أنه مرض، فقال له الطبيب: إن مطالعتك للكتب وكلامك في العلم يزيد المرض، كف عن مطالعة الكتب. فقال له الشيخ: لا أصبر، وأنا أحاكمك إلى علمك علم الطب، أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال الطبيب: بلى. فقال شيخ الإسلام: فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة. فعند ذلك سكت الطبيب.
ويقول إبراهيم بن الجراح التميمي وهو تلميذ لأبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: أتيت أعوده، وهو من تلاميذه، فوجدته مغمى عليه، في سكرات الموت. فلما أفاق قال يا إبراهيم: أيهما أفضل في رمي الجمار: أن يرميها الرجل راجلاً، على رجليه، أم راكباً؟ قال إبراهيم: فقلت راكباً. فقال: أخطأت. فقلت ماشياً. قال: أخطأت. فقلت: قل يرحمك الله أو رضي الله عنك. قال: أما ما يوقف عنده للدعاء، وهي الجمرتان الأولى والثانية، فالأفضل أن يرميهما راجلاً، وأما ما كان لا يوقف عنده، وهذه هي جمرة العقبة، فالأفضل أن يرميها راكباً. قال: ثم قمت من عنده فما بلغت الدار حتى سمعت الصراخ عليه بأنه قد مات رحمه الله.
وهذا الذي حدث لأبي يوسف يذكرني بحادثة عجيبة وقعت للإمام أبي زرعة رحمه الله عليه وهو أحد أئمة المحدثين. يقول أبو جعفر محمد بن علي الوراق: حضرنا أبا زرعة وكان في سياق الموت، وعنده أبو حاتم الرازي، وعنده محمد بن مسلم بن وارة، وعنده المنذر بن شهدان، وجماعة من أهل العلم، فذكروا تلقين الميت واستحيوا أن يلقنوا أبا زرعة لأنه محدث، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث. فقال محمد بن مسلم بن وارة: حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر عن صالح.. وسكت، صار يقول ابن أبي.. وسكت. فقال أبو حاتم الرازي: حدثنا بندار، قال حدثنا أبو عاصم النبيل، قال حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي.. وسكت. فلم يجاوز، فسكت الباقون. فقال أبو زرعة عند ذلك وهو في سياق الموت: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم النبيل، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». وتوفي رحمه الله.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الكلام في العلم يطول وكثير، وشغف العلماء به شيء فوق الوصف قد يعد من الأساطير. على سبيل المثال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله عليه، وهو أحد علماء الحنابلة الكبار، صنف من المصنفات ما لو قيست بعمره لما وسعها عمره. ذكر ابن رجب الحنبلي أنه لم يترك فناً من الفنون إلا وله فيه مصنف، وذكروا عدد كتبه فمنهم من قال 340 مصنفاً ومنهم من تجاوز هذا العدد، بعض هذه المصنفات 20 مجلداً وبعضها أقل أو أكثر من ذلك، وذكر حفيده أنه كتب بيده ألفي مجلد. وبعض أهل العلم نقل أن براية الأقلام كانوا في السابق يبرون القلم فيسقط من القلم ما يسمونه براية الأقلام، هذه الأشياء أوصى ابن الجوزي أن يسخن بها الماء عند موته الذي سيغسل به، فلما سخنوا به الماء، سخنوا بتلك البراية الماء وفضل منها شيء. وكانوا يهتمون، وهذا بسبب اهتمامهم بأوقاتهم، فإنهم كانوا يهتمون بهذا الوقت ألا يضيع عليهم غاية الاهتمام، ليس حالهم كحالنا اليوم من تضييع هذه الأوقات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا.
يقول ابن الجوزي: أعوذ بالله من صحبة البطالين. ثم يذكر أن كثيراً من الناس كانوا يعتادون الزيارة ويطيلون الجلوس ويخوضون في الغيبة والكلام الذي يضيع معه الزمن، فكان يتعجب من ذلك ولا يدري ماذا يفعل، كان بين أمرين، إما أن ينكر عليهم فتقع الوحشة بينه وبينهم وينقطع المألوف، وإما أن يتقبل هذا الحال ويضيع الزمن، فيقول: أعددت لمجلسهم، أو لحضورهم إذا حضروا أو للقائهم، أعددت لهم شيئاً لا يحتاج إلى تفكير، وهو قطع الكاغد، وهو الورق، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر. فيقول: إذا جاؤوا يتحدثون صرت أقطع الأوراق وأبري الأقلام، وهذا لا يحتاج إلى حضور قلب، قال: فأرصدتها لزيارتهم لئلا يضيع شيء من الوقت. هكذا كان اهتمام هؤلاء الأئمة.
وبالحديث عن الكتب وأهميتها، كتب العلم وأهميتها، فهناك كلام لهم كثير، ومما يحضرني قول أبي الطيب المتنبي: أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتابُ
وابن المبارك، الإمام ابن المبارك وهو من أئمة المسلمين الكبار الذين جمعوا خصال الخير، كانوا يقولون له: تجلس وحدك في بيتك ولا تجلس معنا، كانوا يعتبون عليه ذلك، فقال: ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس، وأنا ما أجلس إلا مع صحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومع التابعين.
يريد أن يقول لهم إن مطالعة هذه الأخبار والنظر في هذه السير كأنني بينهم. أبو الحسن السخاوي، وهو المقرئ المشهور صاحب القرآن ومن أهل القراءات، كان يقول: إذا أردت مجالسة إمام من الأئمة الماضين فانظر في كتبه، فإنه إذا نظرت في كتبه ومؤلفاته يكون لك مخاطبًا ومعلمًا ومرشدًا؛ كأنك قد رأيته وجلست معه.
الكتاب النافع في الحقيقة نفعه حاضر وضرره مأمون، وأيضًا يمل إذا مللت وينشط إذا نشطت؛ إذا كنت نشيطًا نشط وانبسط إليك، وإذا كنت ملولًا انقبض عنك، ولا يحيك لك الشر ولا يفشي لك السر ولا يسعى بنميمة إليك ولا ينم عليك. ولذلك يقول بعضهم: نعم المحدث والرفيق كتاب ... تلهو به إن خانك الأصحاب لا مفشيًا سرًا إذا استودعته ... وتنال منه حكمة وصواب
أحد العلماء أو الوجهاء، وهو أيوب أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع، أرسل غلامه إلى أبي عبد الله بن الأعرابي، وهو محدث من أهل اللغة العربية ولغوي كبير، أرسل إليه يسأله المجيء يريد أن يسامره ويتحدث معه. فجاء الغلام وعاد فقال: سألته فقال عندي قوم من الأعراب وسآتي، يقول الغلام: وما رأيت عنده أحدًا، لكن بين يديه كتب ينظر فيها. فلما جاء ابن الأعرابي قال له أبو أيوب: يا أبا عبد الله تخلفت عنا وحرمت الأنس بك وما رأى الغلام عندك أحدًا، فقال ابن الأعرابي هذه الأبيات العجيبة في فضل الكتب يقول فيها: لنا جلساء ما نمل حديثهم ... هم المأمون غيبًا ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسددًا بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا يتقى منهم لسانًا ولا يدًا فإن قلت أموات فلست بكاذب ... وإن قلت أحياء فلست مفندًا
فهو يقول: لنا جلساء ما يمل حديثهم، هم المأمون غيبًا ومشهدا، يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مسددًا، بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة، ولا يتقى منهم لسانًا ولا يدًا، فإن قلت أموات فلست بكاذب؛ يعني هذه الكتب أهلها أموات، وإن قلت أحياء فلست مفندًا؛ لأنهم بقوا ببقاء هذه الكتب.
هناك أبيات جميلة أيضًا لا بد من الإشارة إليها وهي للعلامة أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي، يقول فيها: العلم ما أكسب خشية العليم ... فإن خلا منها فذاك مليم لأنه ميراث الأنبياء ... فلم ينله غير ذي التقي لذاك قيل العلم يدعو العمل ... أن يلفه قر وإلا ارتحل دليل ذاك إنما يخشى ... إلى العلماء لدليل انجلى فاعمل بما علمت تورث علم ... ما لم تكن تعلم وتمنح مغنم واقصد به وجه الذي أنشاك ... ولا تمار فيه من نواك
في هذه الأبيات يشير إلى عدد من المعاني الواردة في النصوص الشرعية وفي كلام أهل العلم، فمنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. ففي هذه الآية دليل على أن العلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية، خشية الله، وهذا يذكره أهل العلم. قال ابن عباس وغيره من السلف: من خشي الله فهو عالم، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا.
والعجيب أن سياق الآية يدلنا على الطريقة والوسيلة المهمة للحصول على خشية الله، فإنها وردت بعد آية أخرى فيها التنبيه إلى التفكر في عجائب خلق الله عز وجل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 27-28].
فكان الله سبحانه وتعالى يقول: انظر في صنعي، انظر في صنع الله كيف أنزل الماء من السماء ثم أنبت به ألوانًا من النبات ومن الثمرات، وهكذا الجبال والناس والدواب والأنعام، كيف أن أصول كل من هذه الأشياء واحد لكن الفروع مختلفة، كما قال تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4]. الماء واحد والأرض واحدة لكنها مختلفة.
ولذلك قال ابن عباس في تفسير الآية السابقة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وجلالي وسلطاني. وإنما يعلم الإنسان ذلك بالتفكر في عظمة الله وخلق ما خلق من هذه المخلوقات العظيمة.
وأيضًا يشير الناظم الهلالي في قوله: "لأنه ميراث الأنبياء" إلى حديث النبي ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». ويشير أيضًا بقوله: "لذاك قيل العلم يدعو العمل أن يلفه قر وإلا ارتحل" إلى قول بعض أهل العلم من السلف: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل. وهذا الأثر وقفت في أثناء بحثي عنه على لطيفة أحب التنبيه عليها وأن أذكرها، وهي أن هذا الأثر كنت سمعته قديمًا من بعض العلماء، ثم وجدته في بعض الكتب فأردت أن أعرف قائل هذا الأثر من هو. طبعًا من الناس من عزاه للنبي ﷺ وهو لا يصح، فوجدت ابن عبد البر صاحب «جامع بيان العلم وفضله» قد نسبه إلى سفيان الثوري لكن بدون إسناد.
ثم وجدته في كتاب الخطيب البغدادي «اقتضاء العلم العمل»، لكنه رواه بإسناده إلى محمد بن المنكدر، ومحمد بن المنكدر من التابعين أقدم من الثوري، هو من تلاميذ جابر بن عبد الله وغيره من أصحاب النبي ﷺ، والثوري من أتباع التابعين الكبراء. فأردت أن أتأكد من نسبة هذا الأثر لابن المنكدر، فلما بحثت في سنده عند الخطيب وجدت فيه ما لا يمكن قبوله بحال؛ وهو أن أحد رواة هذا الأثر كان زنديقًا يكذب بأشياء كثيرة من الدين، وكان يدعي الألوهية في علي رضي الله عنه، وتعالى الله سبحانه وتعالى عن قوله علوًا كبيرًا، فتركت نسبته لابن المنكدر.
ثم وجدت الخطيب أيضًا قد أخرج -طبعًا الخطيب أسنده بسنده ويقولون: من أسند لك فقد برئ- أسنده الخطيب أيضًا إلى علي رضي الله عنه بلفظ قريب من هذا، لكن السند فيه شيء عجيب؛ وهو أن الخطيب يرويه عن شيخ له اسمه عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث التميمي عن آبائه، وفي السند تسعة آباء، يقول كل أب: حدثني أبي، حدثني أبي. فأنا استغربت من هذا الإسناد في الحقيقة لأن الغالب المشهور أنه يوجد ثلاثة آباء: فلان يحدث عن أبيه عن جده أو نحو هذا، أما تسعة آباء فهذه أول مرة أرى مثل هذا الإسناد.
فاضطررت أن أبحث عن هؤلاء الآباء ما حالهم، فوجدت في ترجمة أبي شيخي الخطيب وهو أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث التميمي ما يفسر هذه الغرابة؛ فإن هذا الرجل كان وإن كان من الحنابلة، من رؤوس الحنابلة، إلا أنه قد ثبت عليه أنه وضع حديثًا أو حديثين في مسند الإمام أحمد، لكن المحدثين الحفاظ الكبار كالدارقطني وابن شاهين وكانوا في زمنه وغيرهما من الحفاظ وقفوه على ذلك، وأنكروا عليه، وكتبوا عليه محضرًا أثبتوا فيه خطوطهم بشرح حال هذا الرجل، وأنه كذاب أو وضع، وهذا لا يستغرب؛ فإن الدارقطني كان من ضمن هؤلاء الناس، وكان يقول: يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحدًا يقدر أن يكذب على رسول الله ﷺ وأنا حي.
وأما قول الناظم: "فاعمل بما علمت تورث علم ما لم تكن تعلم وتمنح مغنم" فهو يشير إلى أثر مشهور وهو قول بعض السلف: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. وهذا في الحقيقة هناك من يذكر أنه حديث وليس بحديث؛ شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن رجب كانوا إذا ذكروا هذا الأثر قالوا: ورد في الأثر، أو قالوا: وكما قيل، ولا ينسبونه إلى النبي ﷺ، وبعض المفسرين للأسف نسبه إلى النبي ﷺ وهو لا يثبت عن الرسول عليه الصلاه والسلام.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.
د. سعيد المري