«نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحباً بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي أود الحديث فيها عن مكانة الحديث النبوي والسنة النبوية. ولكني قبل الكلام عن مكانة الحديث وعن مكانة السنة، لا بد من الكلام عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم. فبمعرفة مكانته عليه الصلاة والسلام نعرف مكانة السنة النبوية أو مكانة الحديث النبوي الشريف؛ لأن كثيراً مما نسمعه اليوم من عدم الاهتمام بالسنة أو التشكيك فيها من بعض أبناء المسلمين، إنما جاء في الحقيقة بسبب ضعف الإيمان المبني على الجهل بتلك المكانة العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومكانة النبي عليه الصلاة والسلام في دين الإسلام تعجز العبارات في الحقيقة عن تصويرها، وعن التحدث عنها، أو بيانها حق البيان، لكني سأحاول إن شاء الله إلقاء الضوء على شيء من ذلك في نقاط مختصرة تدل على ما سواها وعلى أكثر منها.
الأمر الأول: الله سبحانه وتعالى قرن الإيمان به بالإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام، كما قرن طاعته سبحانه وتعالى بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك في آيات كثيرة جداً، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: 13]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 32]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 24]. وغير ذلك من الآيات الكثيرة جداً قرن الله فيها الإيمان به وطاعته بطاعة رسوله وبالإيمان برسوله عليه الصلاة والسلام.
الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قرن اسمه سبحانه وتعالى باسم نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يُذكر الله سبحانه وتعالى إلا ذُكِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الآيات السابقة، وكما في الأذان، وكما في الخطب وغير ذلك من الكلام المهم. ولذلك فسر جماعة من السلف قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، بأن المعنى لا أُذكر إلا ذُكِرت معي؛ فسر ذلك مجاهد وقتادة وغيرهما. فلا يوجد تشهد وصاحب صلاة إلا يثني بهاتين الكلمتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
الأمر الثالث: أن الله سبحانه وتعالى جعل اتباعه عليه الصلاة والسلام ومحبته عليه الصلاة والسلام معياراً للإيمان، ومعياراً لمحبة الله عز وجل. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]. وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وفي الصحيحين أيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار».
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]. هذه الآية عجيبة نحتاج أن نتوقف عندها كثيراً؛ الله سبحانه وتعالى بين في هذه الحصول طريقة الحصول على محبته سبحانه وتعالى للعبد، وليست محبة العبد لله، محبة العبد لله كل الناس يدعونها. الله جل وعلا هو لا يحتاج لأحد من خلقه، يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. وفي الحديث القدسي المشهور في صحيح مسلم حديث أبي ذر: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً» إلى أن قال: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً»، يعني لو كفر الناس كلهم هذا لا ينقص الله سبحانه وتعالى، «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» إلى آخر الحديث.
كل واحد من الناس كل إنسان مؤمن بالله عز وجل يمكنه التضحية بكل شيء وفداء بكل شيء لنيل محبة الله عز وجل له؛ لأن محبة الله للعبد لا يعدلها شيء. من أحبه الله كان الله معه؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، فهو يحب الصابرين وبالتالي كان مع الصابرين. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 4]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، ثم جمع بين الوصفين وأنه معهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ إن من أحبه الله فالله معه، وكما يقال من كان الله معه فلا يبالي بشيء، من وجد الله فقد وجد كل شيء، ومن فقد الله فقد كل شيء.
وفي صحيح البخاري يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه» إلى آخر الحديث. وأيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض».
لله در القائل: يا حبيب القلوب من لي سواك ارحم اليوم مذنباً قد أتاك أنت سؤلي ومنيتي وسروري قد أبى القلب أن يحب سواك ليس سؤلي من الجنان نعيماً غير أني أريدها لأراك
سبحانه وتعالى، يعلم العبد أن ربه، كم هو عظمة شعور الإنسان لما يعلم أو يصل إليه أن الله سبحانه وتعالى يحبه، هل يمكن أن يوصف هذا الشعور؟ هذا الشعور لا يمكن أن يوصف. الناس حين يحبهم الناس يطيرون فرحاً كما هو مشاهد، لما يرى الشخص أن الناس يحبونه ويشيدون به في مواقع التواصل الاجتماعي والاتباع كثروا وإلى آخره يشعر بالفرح والسرور، ولما يتكلمون عليه أو يذمونه يتألم أشد الألم، وهذا مجرد شعور تجاه المخلوق. وهكذا لما يعلم الشخص أن حاكم البلد يحبه ويقدره ويقدمه على غيره من الناس، تجده يشعر بالفخر والاعتزاز والفرح والسرور وأنه مختلف عن بقية الناس، بل إن بعض الناس إذا حصل له موقف صغير أو يسير مع حاكم أو مع مشهور من المشاهير تجده يذكر ذلك الموقف ويردده دائماً ولو كان ذلك الموقف غير مهم. وهكذا إذا أخذ معه صورة تذكارية مع حاكم أو مشهور تجده يحتفظ بها ويعلقها في مجلسه وعلى جدران بيته وفي المكتبة، ومن جاءه من الناس أخذ يريها تلك الصور، يفتخر بها ومسرور بها؛ كل هذا يحصل بسبب الشعور تجاه مخلوق ضعيف ذليل.
بالله عليكم كيف هو الشعور حينما يعلم العبد أن الله يحبه؟ أن ملك الملوك، ديان يوم الدين، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أحق من ذُكِر وأحق من عُبِد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من مَلَك، وأجود من سُئِل، وأوسع من أعطى؛ هو الملك لا شريك له، وهو الفرد لا ند له، الذي لا يطاع إلا بإذنه ولا يعصى إلا بعلمه، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، القلوب له مفضية والسر عنده علانية، الرحمن الرحيم، الغني الكريم. إذا علم أن هذا الملك العظيم يحبه، أن رب العالمين يحبه، كيف سيكون شعور هذا العبد الضعيف المسكين الفقير المحتاج إذا علم بذلك؟ بل كيف إذا علم أن الله يسميه باسمه ويذكره بين الملائكة في الملأ الأعلى؟ يعني شعور العبد حين ذاك لا يمكن تخيله ولا يمكن وصفه. ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه كما في الصحيحين: «إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك سورة لم يكن الذين كفروا»، قال أبي: وسماني رب العالمين؟ سماني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم»، فصار أبي يبكي رضي الله عنه.
والشاعر يقول: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا كان منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
والآخر يقول: إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب
إذا كنا نريد هذه المحبة، محبة الله العظيمة التي لا يعدلها شيء، نريدها للعبد لنفسه، وهذه المحبة كما قلت عظيمة، إذا كنا نريد ذلك لا بد أن نمتثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. فكأن الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل لهم إذا كنتم تدعون محبتكم لله سبحانه وتعالى فهناك دليل وهو أن تتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وفوق ذلك سيحصل لكم باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يدر في خلدكم، وما يفوق ما يتمناه كل واحد منكم، وهو محبة الله سبحانه وتعالى لكم ومغفرته لذنوبكم. فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم ليس دليلاً على محبتكم لله ورسوله فقط، بل هو أيضاً سبيل لمحبة الله ورسوله لكم، ولا غاية أعظم من هذه الغاية. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الكلام عن مكانة النبي صلى الله عليه وسلم تعجز عن التعبير عنه الألسنة، لكن لو أردنا أن نتمعن في بعض الآيات، مثلاً انظر إلى خطاب الله سبحانه وتعالى لنبيه في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]. يقول عون بن عبد الله وهو من كبار أئمة التابعين: هل سمعتم بمعتب أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾. ويقول قتادة بن دعامة السدوسي: عاتبه الله كما تسمعون، ثم أنزل الذي في سورة النور فرخص له في أن يأذن لهم: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾، ثم في سورة النور بعد ذلك رخص له، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهُ﴾ [النور: 62]، ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاة والسلام.
وانظر مثلاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 1-5]. أقسم الله سبحانه وتعالى بالضحى وبالليل إذا سجى بهذه الأقسام أنه ما ترك نبيه، وأنه ما أبغضه كما يزعم المشركون حين تأخر الوحي، بل أكد له أن الآخرة خير له من الأولى، وأكد له أنه سوف يعطيه حتى يرضى. المعروف في الفعل "أعطى"؛ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾، والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، ولا الآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى. يقول العلماء أن "أعطى" هذا الفعل في العادة أن له مفعولين، المفعول الأول الكاف؛ "أعطاك"، أعطيتك الثوب مثلاً، المفعول الأول به الكاف في "أعطيتك"، والمفعول الثاني الثوب؛ "أعطيتك المال". هنا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، هنا ذكر المفعول الأول ولم يذكر المفعول الثاني، قالوا لماذا؟ قالوا إنه لم يذكر المفعول الثاني لأن الله أراد أن يعمم العطاء لكي يكون العطاء عاماً، فيعطيه ما يرضيه فيما يتعلق بنفسه وفيما يتعلق بأمته. ولذلك يقول بعض العلماء هذه أرجى آية في كتاب الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى وواحد من أمته في نار جهنم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا شفاعته عليه الصلاة والسلام.
الكلام كما ذكرت عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير، لو نظرنا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. هذه الآية ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ فيها معنيان عظيمان، وهذا من بلاغة القرآن أن الجملة الواحدة تجد فيها أكثر من معنى، وكل معنى مُراد، والأمثلة على هذا كثيرة. المعنى الأول: لا تجعلوا نداءكم للرسول كنداء بعضكم بعضاً، ما ذكره غير واحد.
من السلف أنهم كانوا يقولون يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، أن ينادوه باسمه، فأمرهم أن ينادوه فيقولون يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا رب العالمين إنما يناديه بالنبوة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: 64]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: 41]. نادى الأنبياء بأسمائهم يا آدم، يا موسى، يا عيسى، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يقول له يا رسول الله، يا أيها النبي، يا أيها الرسول.
وهذا المعنى من باب الأدب؛ لا تقولوا يا محمد، وإنما قولوا يا رسول الله؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].
هذه الآية في الصحيحين جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، وهو خطيب النبي صلى الله عليه وسلم المفوه، كان جهوري الصوت رضي الله عنه، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم. هنا الراوي ما قال "كنت أرفع صوتي"، قال: "كان يرفع صوته"؛ فالراوي يحكي العبارة بصيغة الغائب، "فقد حبط عمله" ولم يقل "فقد حبط عملي"، "وهو من أهل النار" ولم يقل "وأنا من أهل النار".
فأتى الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة». هذه الطريقة التي ذكرتها قبل قليل أن الراوي يقول "كان يرفع صوته فقد حبط عمله" يعني بصيغة الغائب، هذه طريقة بديعة في الخطاب، وهي إبدال ضمير الخطاب أو التكلم بضمير الغيبة؛ وذلك إذا كان في تلك الضمائر ما يكون في نطقه جفاء للمتكلم أو للمخاطب. لأنه لو حكى كلام ثابت بن قيس كما لو قال مثلاً: "كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي فقد حبط عملي"، لا سمح الله ينصرف الكلام إلى نفسه، وهو لا يريد أن ينصرف هذا الكلام الذي ربما فيه شيء أن ينصرف إليه.
وهذه طريقة للعرب أنهم كانوا يفعلون ذلك، وفي الأحاديث موجود الكثير من هذه الطريقة؛ منها حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها -ما قال يا ويلتي أو يا ويلي- يا ويلها أين تذهبون بها؟». فالعلماء يقولون عدل عن حكاية قول الجنازة إلى ضمير الغائب حملاً على المعنى؛ كراهية أن يضيف الويل إلى نفسه. وهذا من أحسن الأدب، ومنه في لغة العرب جرير بن الخطفي لما أنشد عند عبد الملك بن مروان قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: أتصحو أن فؤادك غير صاحي، عشية هم قومك بالرواح. طبعاً هو يخاطب نفسه "أتصحو"، وإن كان كأنه يخاطب شخصاً آخر؛ هكذا طريقة الشعراء، مثلاً صاحب البردة يقول: "أمن تذكر جيران بذي سلم.. مزجت دمعاً جرى من مقلةٍ بدمي"، هو يقصد نفسه "مزجت".
فجرير قال: "أتصحو أن فؤادك غير صاحي"، فكأنه خاطب عبد الملك فقال عبد الملك بن مروان: بل أنت فؤادك غير صاحي، إلى أن انتهى عند قوله، واستمر جرير في الكلام فقال: ألستم خير من ركب المطايا.. وأندى العالمين بطون راح. فعند ذلك ارتاح عبد الملك بن مروان وكان متكئاً فاستوى جالساً وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت. ولذلك نجد كبار السن عندنا في الجزيرة العربية، وخصوصاً أهل البادية، إذا تحدثوا بما يمكن أن يستاء منه المخاطب لو وجه الكلام إليه، نجدهم يصرفون الكلام عنهم إلى الغائب. فإذا أرادوا أن يقولوا مثلاً لمخاطبه: لو فعلت الشيء الفلاني فأنت كاذب أو كافر أو مجنون، لا يقولون ذلك وإنما يقولون: فالبعض.
وتجدهم أيضاً يستاؤون من بعض الخطباء، هذا من باب التنبيه للخطباء -وإن كان فعلهم جائزاً حين يوجه الخطيب الكلام إليهم وهم تحته في باب الترهيب- كان يقول مثلاً: "إذا شربت الخمر لم تقبل لك صلاة أربعين يوماً"، تجد هؤلاء أهل البادية ينزعجون من هذا الكلام لأنه كأنه وجه الخطاب إليهم، فينزعج منه أشد الانزعاج مع أنه لا يقصدهم، لكنهم مراعاة للأدب الذي تعودوا عليه كانوا يكرهون أن يوجه الخطاب السيئ إلى المخاطب ولو قاله بصيغة العموم. لو قال: "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة"، كما في الحديث، لكان هذا سائغاً وأدى الغرض. وفي مثل ذلك يقول ابن مبارك في منظومة الآداب له، وهي منظومة جميلة، يقول: وبدّل ضمائر الخطاب بغيبةٍ في مجلس الآداب من كل مُحكي إذا ما انصرف إلى الجليس كان ذكره جفاءً
يقول بدل هذه الضمائر. هذا المعنى الأول، أنه يقول لا تقولوا يا رسول الله يا محمد، وإنما ادعوا النبي صلى الله عليه وسلم قولوا يا رسول الله. والمعنى الثاني: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، يعني لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم لبعض، بل دعاؤه لكم واجب الامتثال. ولذلك جاء في آخر الآية: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؟». فمعناه دعاء النبي للصحابة أو لنا ليس كدعاء بعضنا بعضاً. ومن الأدلة الكثيرة على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتاج إلى استدلالات، ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو منهم الشمس».
ثم في نهاية الحديث يذهبون إلى آدم فيقول: نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، ثم يأتون إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، إلى أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها»، ثم يسجد، يأتي عند العرش فيسجد عليه الصلاة والسلام، ويفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتح على أحد قبله، فيقول له الله سبحانه وتعالى: «يا محمد، ارفع رأسك، اشفع تُشفَّع، وسل تُعطَ». عليه الصلاة والسلام، فيشفع للناس، وهذا دليل على مكانته وهو المقام المحمود، وهو الشفاعة الكبرى.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». وفي بعض كتب الرواية: «تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، كلهم يقول: نفسي نفسي»، وفي رواية: «لا أسألكم اليوم إلا نفسي»، وفي رواية: «إلا نبيكم»، أو «إلا نبيكم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، يقول: يا رب أمتي أمتي». وهو عليه الصلاة والسلام أول من يقرع باب الجنة، ويستفتح أبوابها، وقال لهم خزنتها: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].
هنا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم للناس في دخول الجنة أيضاً عليه الصلاة والسلام، ولذلك جاءت الواو: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]. وعند ذكر النار لم تأتِ الواو: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 71]، يعني تُفتح مباشرة. أما في ذكره للجنة قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. قال العلماء: وفتحت، هذه الواو إنما جاءت أنهم يأتون إلى الجنة فيبقون عند بابها حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هو الشافع لهم، وهذه من الأدلة العظيمة على منزلته عليه الصلاة والسلام.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري