قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، استكمالاً لما ذكرنا في الحلقة الماضية من الإشارة إلى مكانته عليه الصلاة والسلام؛ فإن معرفة مكانة السنة أو مكانة الحديث النبوي يسبقها معرفة مكانته عليه الصلاه والسلام، فمن لم يعرف مكانته عليه الصلاة والسلام عند المولى جل وعلا، لم يعرف مكانة سنته.
كان آخر ما ذكرنا في الحلقة الماضية الكلام عن حديث الشفاعة، وأنه عليه الصلاة والسلام يشفع للناس الشفاعة الكبرى، وأن آدم وأولي العزم كلهم يقولون: نفسي نفسي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمتي أمتي». وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها». وفي بعض الروايات: «فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه»، وفي بعض الروايات: «إلا نبيكم»، نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يقول، يعني كل هؤلاء الأنبياء يقولون نفسي نفسي، إلا نبيكم يقول: «يا رب أمتي أمتي».
والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يقرع باب الجنة ويستفتح خزنتها: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73]. هذه الآية فيها إشارة إلى أن الذي يفتح الباب هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله ذكر في أهل النار قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، تفتح مباشرة، وقالت لهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71]. لكن في الجنة ماذا قال تبارك وتعالى؟ قال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]. هنا ذكر فتح الأبواب أنه جاء بعد بالواو، ليبين عز وجل أنها لا تفتح مباشرة، بل لا بد وأن يكون افتتاحها على يد خير الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين سيد ولد آدم أجمعين عليه الصلاة والسلام.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك». وفي رواية في صحيح مسلم: «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً». وفي أخرى أيضاً: «أنا أكثر الأنبياء تبعاً، وأنا أول من يقرع باب الجنة». وفي بعض الروايات في المسانيد: «حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي».
وقد قلت في منظومة اسمها "عرى الإيمان وذرى الجنان في الاعتقاد" في عقيدة أهل السنة، ذكرت شيئاً من هذا من افتتاح باب الجنة ومن الشفاعة، أقول فيها: أول من يستفتح الجنان نبينا خير بني عدنان فدته نفسي وفدت ثراه صلى وسلم عليه الله وقبل ذا يشفع خير هادي للفصل بين الناس في المعادي شفاعة كبرى له أنا لها مولاه إذ أجاب "أنا لها"
لما قال الناس جاؤوا إلى آدم وجاؤوا إلى عيسى وجاؤوا إلى إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا لها، أنا لها». وفي بعض الروايات وفي صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فالنبي صلى الله عليه وسلم خيار من خيار. ولله در القائل: وأجمل منك لم تر قط عيني وأحسن منك لم تلد النساء خلقت مبرأً من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء
وفي صحيح ابن حبان وغيره بسند صحيح وهو على شرط مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم طيب نفس قلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي، يعني هي انتهزت فرصة طيب نفس النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت له: ادعُ الله لي، فالنبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وقال: «اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنبها وما تأخر، وما أسرّت وما أعلنت». فضحكت عائشة حتى سقط رأسها في حجرها من الضحك، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، أيسرك دعائي؟»، يعني أنت مسرورة بهذا الدعاء؟ فقالت: نعم، وما لي لا يسرني يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «والله إنها لدعوتي لأمتي في كل صلاة».
يعني أي عظمة أعظم من هذه المنة برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ منّة الله علينا برسول الله، ومنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا، يعني منته علينا أنه يدعو لهذه الأمة، وهو الذي يشفع للناس، وهو الذي يشفع لهم في يوم عرصات القيامة، وهو الذي يشفع لهم في دخول الجنة، وهو الرحمة المهداة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وقال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، "عزيز عليه ما عنتم" يعني يعز عليه ويشق عليه عنت وما يؤذيكم، "حريص عليكم" حريص على هدايتكم.
ومن عجائب ما حصل له عليه الصلاة والسلام مما أظهر رحمته وشفقته بالناس ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ وتعلمون أن يوم أحد كان شديداً عليه، قتل فيه عمه حمزة رضي الله عنه، وقتل خيرة أصحابه، وشُجَّ رأسه عليه الصلاة والسلام، وكُسرت ثنيته عليه الصلاة والسلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة لما عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، وإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت».
قال: ثم ناداني ملك الجبال، فقال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، يعني الجبلين. فقال عليه الصلاة والسلام: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً». يعني هو في غضبه وفيما حصل له من هذا التعب العظيم وهذه الإهانات، كل هذا ويعفو عنهم ويقول: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم». كم هذه الرحمة! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
والقصص في ذلك كثيرة، هبّار بن الأسود الذي طعن ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وأسقطها من بعيرها حين أرادت أن تهاجر أو تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص بن الربيع، وله قصة مشهورة أن يبعث بها إليه بعد أن وقع في الأسر في غزوة بدر، ثم فدته زينب رضي الله عنها بعقد لها أهدته لها خديجة. فالمهم أن أبا العاص بن الربيع لما رجع إلى مكة أرسل زينب، فتعرض لها هبار بن الأسود وأسقطها. فلما جاء في فتح مكة وفي منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من حنين من الجعرانة، جاء هبار بن الأسود هذا الذي طعن بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله هبار بن الأسود، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال اقتلوه، يعني في البداية ممن سفك دمه النبي صلى الله عليه وسلم هدر دمه. فقالوا: هبار بن الأسود، فقال: قد رأيته، فأراد إنسان أن يقوم إليه، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجلس. فوقف هبار فقال: السلام عليك يا نبي الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله لقد هربت منك في البلاد وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك، وكنا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة، فاصفح عن جهلي وعما كان يبلغك عني، فإني مقر بسوء فعلي معترف بذنبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، وإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله».
وهكذا عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عمه أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي كان يهجوه، وكان من أشد الناس عداوة له، وكان أخاه من الرضاعة ينبغي أن يكون من أنصاره لكنه قاتله عشرين سنة، وهكذا ابن عمته عبد الله بن أبي أمية. ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة قابله هذان الرجلان فصدَّ عنهما النبي صلى الله عليه وسلم، فاستشفعا بأم سلمة فقالت أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك يا رسول الله. فقال: لا حاجة لي فيهما. ثم دلّهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه على كلام يقولانه، قال: اذهب من قبل وجهه فقولا له: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: 91]. فجاء أبو سفيان من قبل وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين».
وكان سفيان أبو سفيان هذا ممن يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي هجاه حسان بن ثابت يرد عليه: ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء اتهجوه ولست له بكفئ فشركما لخيركما الفداء
لما أسلم أبو سفيان صار لا يرفع نظره في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبياتاً حين أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: لعمرك إني يوم أحمل رايتي لتغلب خيل اللاتي خيل محمد لك المظلم الحير أظلم ليلة فهذا أواني حين أهدى فأهتدي هداني هادٍ غير نفسي ودلني على الله من طردته كل مطرد
ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، قال أبو سفيان بن الحارث يرثي النبي صلى الله عليه وسلم قصيدة جميلة يقول فيها: أرقت فبات ليلي لا يزول وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا يروح به ويغدو جبرائيل وذاك حق ما سالت عليه نفوس الناس أو كربت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا بما يوحى إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالاً علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي فهو السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول
يقول: أفاطم إن جزعت يعني إن لم تصبري فذاك عذر، لأن المفقود من هو خير الناس، أفاطم إن جزعت فذاك عذر وإن لم تجزعي فهو السبيل، فقبر أبيك سيد كل قبر وفيه سيد الناس الرسول. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن عفو النبي عليه الصلاة والسلام عن هبّار بن الأسود، وعن ابن عمه أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي كان قد عاداه عشرين سنة، ثم عادت العداوة بعد عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه عادت محبة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه ورثاه بالقصيدة التي قرأتها عليكم. وأيضاً مما حصل أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن أهل مكة حين تمكن منهم وكانوا قد أخرجوه وأخرجوا أصحابه، يعني أخرجوه من بلده وأخرجوا أصحابه بعد مضايقتهم وتعذيبهم، لما فتح صلى الله عليه وسلم مكة أخذ بعضادتي الباب وقال: «يا معشر قريش، ما تقولون إني فاعل بكم؟» فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فأعاد إليهم، فعادوا إليه، فأعاد إليهم نفس الكلام، فعادوا إليه، فقال: «أقول لكم كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إلى أصحابه، بل هو أحب الناس إلى أصحابه، والأخبار في شدة محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً. يعني من هذه الأخبار ما في كتب السيرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان، هذه من القصص الجميلة العجيبة، كان يعدل الصفوف في يوم بدر، وكان في يده قدح، يعني شيء يعدل به الصفوف، وهو حديث، فمر بسواد بن غزية رضي الله عنه وهو مستنتج عن الصف فطعن في بطنه وقال: «استوِ».
فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني؛ أي أريد ضربتي. فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: «استقد». فاعتنقه سواد، فأخذ يقبل بطن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على هذا يا سواد؟». قال: يا رسول الله، حضر ما ترى الآن، نحن أمام العدو وسأموت، فاردت أن يكون آخر العهد من الدنيا أن يمس جلدي جلدك. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيراً.
وفي هذا يقول البدوي رحمه الله عليه: وابن غزية سواد استنلى من صفه ورام أن يعتدل نبينا فمسه إذ ألمس قدحه، أوجعتني، نخس، فأعطني القود، وجد في أن كان باشر الجسد.
ومن القصص أيضاً قصة طلحة بن البراء رضي الله عنه، لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله مرني بما أحببت، ولا أعصي لك أمراً. وكان شاباً صغيراً، فجرب النبي صلى الله عليه وسلم له وهو غلام، فقال له عليه الصلاة والسلام: «اذهب فاقتل أباك». فخرج هذا الغلام مولياً ليفعل، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إني لم أبعث بقطيعة رحم». كان النبي يختبر محبته، ثم إن طلحة مرض، فعاده النبي صلى الله عليه وسلم ورآه، وكان في وقت الشدة في برد وغيم، فلما أراد أن ينصرف قال: «لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فإذا مات فآذنوني به حتى أشهد جنازته وأصلي عليه».
فلما مات، عجلوا، ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم تقريباً بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان الأمر في ليل، فدفنه فقال طلحة: ادفنوني ولا تخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فإني أخاف عليه اليهود. فبعد ذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح، فجاء عليه الصلاة والسلام ووقف على قبره، وصف الناس معه، ثم رفع يديه وقال: «اللهم الق طلحة وهو يضحك إليك وأنت تضحك إليه». وهذا الحديث أخرجه أبو داود، وأصله في سنن البيهقي.
ومن القصص العجيبة أيضاً التي تدل على محبة صغار الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، قصة لشاب اسمه عمير بن سعد مع زوج أمه الجلاس بن سويد؛ الجلاس هذا تزوج أم عمير بن سعد، وهذه القصة مذكورة في كتب التفسير وفي كتب السير. الجلاس كان ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وتخلف أناس كثيرون منهم المنافقون، وكانت زوجته أم عمير بن سعد وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين بما قال فيهم في كتابه، قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل -يقصد النبي صلى الله عليه وسلم- صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير؛ يعني الآيات التي نزلت في المنافقين كانت شديدة، فيقول: لئن كان صادقاً لنحن شر من الحمير.
فسمع عمير بن سعد هذه الكلمة، وهي كلمة عظيمة كلمة كفرية، فقال: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وكان جلاس محسناً لعمير بن سعد وأحسنهم عندي بلاءً وأعزهم عليّ، أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة؛ لئن ذكرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتفضحنك، ولئن كتمتها لأهلك، وإحداهما أهون عليّ من الأخرى. فجاء وذكر مقالة الجلاس للنبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي الجلاس من الصدقة، فسأله عما قال عمير، فحلف جلاس بالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كذب عمير عليّ وما قلت ما قال عمير.
فعند ذلك قال عمير: اللهم أنزل على رسولك بيان ما تكلمت به. فأنزل الله قوله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: 74].
فالنبي صلى الله عليه وسلم استدعى جلاس ووقفه على هذه الآية وأطلعه عليها، فقال جلاس عند ذلك: إن الله قد عرض عليّ التوبة، والله لقد قلت ما قال عمير، وأنا أتوب إلى الله، وحسن إسلامه بعد ذلك. الشاهد أن عميراً وهو صغير يحب الجلاس، بلغ النبي وقال: والله ما أسكت على مثل هذه الكلمة.
وقريب من هذه القصة قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، وهو صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوه من المنافقين، رأس المنافقين. القصة حصلت في غزوة بني المصطلق، تلاحى أنصاري ومهاجر فيما بينهم، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فسمع مع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟».
ثم قال عبد الله بن أبي: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. يقول زيد بن أرقم كما في الصحيح: كنت مع عمي، فسمعت مقالة عبد الله بن أبي بن سلول حين قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله، وحين قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فجئت فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي يسأله وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم وكذب زيد بن أرقم.
قال زيد: فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في بيتي، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] إلى أن قال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4] إلى آخر الآيات، إلى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 7-8].
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى زيد بن أرقم رضي الله عنه وقرأ عليه الآية، ثم قال له: «إن الله قد صدقك». فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ يقصد عبد الله بن أبي بن سلول. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه».
هذا كله في الحديثين في الصحيحين متفق عليه، وفي كتب السيرة أن ولد عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، لما بلغه أن أمر أبيه، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل أبي، فإن كنت فاعلاً فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي فأقتله به؛ يعني لا تدعني نفسي أراه يمشي بين الناس فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».
وذكر بعض أهل العلم في بعض الروايات أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول -اللي هو الابن- على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون ويجوزون، فلما جاء أبوه قال له ابنه: وراءك؛ أراد أن يمنعه من دخول المدينة، فقال: مالك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: حتى تقول أنا الذليل ورسول الله الأعز؛ فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وكان يسير في ساقة الناس، شكا إليه المنافق عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما إذ أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجز الآن.
الأخبار والقصص في محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، وربما يحسن أن نختم بهذه القصة؛ وهي قصة عروة بن مسعود الثقفي، وهو أحد الثلاثة الذين أرسلتهم قريش لمفاوضة النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية، فكان كلما تكلم أراد أن يأخذ بلحية النبي صلى الله عليه وسلم، وكان المغيرة بن شعبة -ابن أخيه- قائماً على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده على لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضربها بنعل السيف، فقال: أخر يدك عن لحية الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات: لو مددتها في المرة الثانية والثالثة لم ترجع إليك. فقال: من هذا؟ يقوله عروة بن مسعود. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «المغيرة بن شعبة؛ يعني ابن أخيك».
يعني انظروا، ابن أخيه يمكن أن يقطع يده ويرد يده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عروة بن مسعود: يا غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء وأسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فأقبل منك، وأما المال فلست منه في شيء». فكان عروة يدفع الديات عن ولد أخيه.
لما رجع عروة إلى قريش قال: والله يا معشر قريش، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه، ولا توضأ وضوءاً إلا ابتدروا وضوءه يقتتلون عليه. فهذه الصورة التي ذكرها هذا الحديث في صحيح البخاري؛ هذه الصورة التي ذكرها عروة بن مسعود رضي الله عنه -وقد أسلم رضي الله عنه واستشهد رضي الله عنه- تبين لنا كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت محبتهم له عليه الصلاة والسلام، وهذا لمكانته عليه الصلاة والسلام.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أو عى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري