قال رسول الله ﷺ: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع».
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: كنا تكلمنا فيما سبق عن شيء من مكانة النبي ﷺ، مع العلم أن الكلام أو مهما تكلم المتكلم فسوف يكون كلامه قاصراً عاجزاً عن الإفصاح بما يستحقه عليه الصلاة والسلام من المكانة العظيمة في الدين.
في هذه الحلقة أريد أن أبتدئ الكلام عن مكانة الحديث النبوي الشريف أو السنة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، على أني مهما تكلمت أيضاً في هذا الباب سيكون الكلام قاصراً عن إدراك المكانة الحقيقية لهذا العلم. لكن لا بد من الحديث عن ذلك ولو بشكل مختصر، مع العلم بأن هذه الحلقة اليوم، وربما بعض الحلقات التي تليها، ربما لا تكون ممتعة أو لا تكون من الحلقات التي تستهوي العامة؛ وذلك لأنها ستكون علمية بعض الشيء. لكن هذه الأيام نحن في حاجة ماسة إلى مثل هذا الكلام.
قد يقول القائل: ما هو الداعي للكلام عن مكانة الحديث أو مكانة السنة النبوية؟ وهل هناك شك في مكانتها وفي حجيتها؟ وللجواب على هذا التساؤل أذكر ثلاثة دوافع هي التي حملتني على هذا الكلام. الدافع الأول: أن التذكير بمكانة السنة أو الحديث يزيد من ترسيخ الإيمان في قلوبنا بتلك المكانة، فإن المؤمن قد يغفل وقد ينسى وقد يتشكك إذا كان ضعيف الإيمان، وبالذكرى ينتفع المؤمن ويزداد إيمانه، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: «تعالوا نؤمن بربنا ساعة»، وهذا صح عن معاذ بن جبل في صحيح البخاري معلقاً، وكذلك ورد عن عبد الله بن رواحة من عدة طرق.
الدافع الثاني للكلام عن هذه المسألة: أن عامة الناس يعلمون أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم فلا يلحقهم الارتياب في ثبوت القرآن الكريم أبداً، بينما الكثير منهم لا يعلمون أن الله عز وجل قد تكفل أيضاً بحفظ السنة النبوية، ولذلك أردت الكلام عن مكانة السنة وحجيتها، لأن في ضمن أدلة حجية السنة أدلة تدل على أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ السنة أيضاً.
الدافع الثالث، وفيه الجواب عن السؤال الذي ابتدأت به الحلقة: هل هناك شك في مكانة السنة وحجيتها؟ هذا الدافع في الحقيقة هو أهم الدوافع في نظري، وهو أن الموجب لهذا الكلام توضيح مكانة الحديث ومكانة السنة النبوية في الإسلام. وهو دافع ربما يكون غريباً بعض الشيء، لأنه يفترض أن هناك من المسلمين من يشكك في السنة النبوية؛ قد يكون وجود من يدعي الإسلام وهو لا يؤمن بالسنة غريباً بعض الشيء أو مستبعداً غير قابل للتصديق في بداية الأمر، إلا أن الواقع للأسف يثبت وجوده. وهو أننا أصبحنا اليوم نرى من أبناء المسلمين من يشكك في حجية السنة النبوية، يشكك في حجيتها من جهة الثقة بثبوتها أو ثبوت مصدرها، فهم لا يقولون مثلاً بأن قول الرسول ﷺ مردود، وإنما يقولون: نحن لا ندري هل هذا هو فعلاً قول النبي ﷺ أم لا؟
بل إننا نجد بعض الناس في هذا الزمان ينكر الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها أئمة الإسلام، ينكرها بمجرد الظن أنها تخالف القرآن أو تخالف العقل أو تخالف الواقع أو المنطق أو الذوق، إلى آخر ما يقولون، مع أن الغالبية ممن ينكر السنة بهذه الطريقة لا يكون عنده من النظر أو أهلية النظر في الأدلة ما يمكنه من معرفة تلك المعاني، فضلاً عن أن يكون عنده أهلية التمييز بين الصحيح والسقيم حسب قواعد المحدثين. بل قد وجدنا من هؤلاء، وهم قليلون والحمد لله، ممن عنده من العلم بشكل عام الشيء الكبير فضلاً عن علم الشريعة، وجدنا من هؤلاء من ينادي بالاقتصار على القرآن وترك السنة جملة وتفصيلاً.
ولذلك قبل الدخول في الكلام عن مكانة السنة وحجيتها، أحب أن أشير إلى أن هذا التشكك في حفظ السنة النبوية أو في ثبوتها أو في حجيتها راجع في الحقيقة إلى أسباب، ومن هذه الأسباب سببان رئيسيان. أول هذين السببين هو سبب خارجي، وهو هذا السيل الجارف وهذه الأمواج الهائلة من التشكيكات والشبهات الموجهة إلى ثوابت الإسلام وإلى السنة خصوصاً، وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هناك عدد من التوجهات ممن يفعل ذلك، وغالباً ما تكون هذه التشكيكات وهذه الشبهات صادرة عن أعداء الإسلام الذين يستهدفون تشكيك المسلمين في دينهم، وقد تكون أحياناً من بعض أبناء المسلمين الذين ربما فتنوا بثقافة الغرب واغتروا بما حصلوه من العلم على قلته وضعف أسسه، فتجد بعضهم ينادي صباح مساء بإخضاع تراث أهل الإسلام كله للنقد، بل قد يصرح بعضهم بوجوب إعادة بناء العلوم الإسلامية من جديد، وكأن الأئمة وعلماء الإسلام عبر 14 قرناً من تحريرات وتحقيقات واستدراكات، كأن هذه الأشياء وهذه الجهود لا وزن لها ولا قيمة.
والعجيب أن الكثير منهم ينتقد مناهج أئمة المسلمين وعلمائهم التي تداولوها بالتمحيص والفحص قرناً بعد قرن، ينتقد تلك المناهج ثم لا نجد عنده منهجاً معيناً في أي علم من تلك العلوم، كأنه يدعو الناس لترك المنهج القائم إلى الفوضوية أو إلى اللامنهج. هذا الموضوع في الحقيقة من أخطر المواضيع، وتكمن خطورته للأسف في كونه جاء في عصر يسهل فيه تداول المعلومات وتسارعها بشكل هائل عبر هذه المواقع المشهورة. وهذه المواقع أو هذه الشبكات، رغم ما فيها من الخير وما يمكن استخدامها فيه من المعرفة البناءة، إلا أنها تعد أيضاً من أكبر العوامل في تسريع تداول هذه الشبهات وهذه الإشكالات.
وفي أحيان كثيرة تظهر هذه الشبهات عبر طرق عبر وسوم مقصودة وهي ما يسمى بالهاشتاجات، يبثها أهل تلك التوجهات فتظهر لكل من يستخدم شبكات التواصل الاجتماعي، ومن ضمنهم أناس ليس لهم أصلاً اهتمام بهذه القضايا أو بهذه الشبهات، وهذا أمر يجعل التأثر بها كبيراً جداً لأن الناس عندهم حب الاستطلاع. ولذلك أصبحنا نرى كماً هائلاً من الاعتراضات من قبل الشباب على الكثير من الأحاديث والآثار، بل إن هذه الموجة من الاعتراضات قد تصاعدت بشكل هائل حتى وصلت إلى أصول الإسلام، والله المستعان.
والأخطر من ذلك أن هذه الشبهات وهذه المعلومات التشكيكية التي تقدم من جهة هؤلاء الناس الذين يريدون التشكيك في الإسلام، يصحبها مؤثرات ويصحبها أشياء تحسنها وتسهل قبولها لدى المتابع، ولذلك نجد بعض الشباب ممن ليس لديه تمييز في الدراسة وليس لديه إتقان في العمل، وليس لديه تخصص في اللغة العربية ولا في الحديث النبوي، نجد بعضه يأتي ويدعي بكل سهولة أن القرآن فيه أخطاء لغوية أو أن صحيح البخاري فيه أحاديث ضعيفة أو موضوعة.
من غرائب ما حصل معي أنه جاءني بعض الشباب إلى المسجد ومعهم أحد الإعلاميين ومعه كتاب صحيح البخاري، وإذا هو مخطط فيه خطوطاً كثيرة بالقلم الأحمر، فقلت في نفسي: هذا ما شاء الله جهد ويريد أن يتعلم. فإذا هو يسأل عن حديث ويقول: هذا الحديث كيف يصح وكيف يخرجه البخاري في صحيحه؟ ما هو الحديث؟ قال: حديث عائشة تقول: كان النبي ﷺ يأمرها وهي حائض أن تتزر ويباشرها وهي حائض، وهذا يخالف القرآن، والقرآن نهى عن ذلك. فقلت له: يا أخي، هل رجعت إلى كتب اللغة؟ هل رجعت إلى الشروح؟ قال: لا. قلت: يا أخي، يباشرها مسألة بسيطة جداً، وهي أنه إما يلمس أو يقبل أو نحو ذلك، ليس معناه ما ذهب إليه خاطرك. فعند ذلك توقف؛ هو هجم على البخاري هذا الهجوم بمجرد انقدح شيء في ذهنه، ووجدته يخطط هذه الخطوط الكثيرة.
وهنا يحضرني كلام للغزالي رحمه الله عليه، كان يقول في كتاب اسمه حقيقة القولين: إذا بلغك عن إمام من أئمة الإسلام، إمام مجتهد، بلغك عنه مذهب أو قول ونفر منه طبعك، فلا تستعجل بالإنكار، فإنه ربما هذا الشيء الجلي الذي ظهر لك ربما هناك شيء خفي ظهر لذلك الإمام ولم يظهر لك. يقول: فذهاب الخفيات عليك أقرب من ذهاب الجليات على ذلك الإمام. هذا أمر جلي واضح أنت اكتشفته، فما بالك بإمام من أئمة المسلمين المجتهدين الذي يعرف اللغة وأصول الاجتهاد، كيف يخفى عليه هذا الجلي الذي ظهر لك؟ يقول: تأنَّ، فإن ذهاب الجليات عليه أبعد من ذهاب الخفيات عليك، وإن ذهاب الخفيات عليك أقرب من ذهاب الجليات على ذلك الإمام. قال: ولا يكن عقلك كعقل الثعلب، فإنه لما جاء في البرية فوجد إليه مرمى، فقال: إليه في برية، والله ما تركت إلا لبلية. فيقول: لا يكن عقلك أقل فهماً من عقل الثعلب.
والسبب الثاني أو السبب الآخر الذي يثير مثل هذا التشكك في السنة هو سبب داخلي، وهو ضعف الإيمان أو ضعف اليقين بحقيقة هذا الدين المبارك وبمكانة هذه السنة من هذا الدين. وهذا السبب في الحقيقة هو أهم السببين؛ فلو كان عند الشاب المسلم حقيقة اليقين والإيمان بهذا الدين وبالسنة النبوية لما أثرت في نفسه تلك الشبهات، ولكانت تلك الشبهات والشكوك أمام إيمانه بمثابة حجر صغير يلقيه طفل على برج من الأبراج العظيمة أو على حصن من الحصون المنيعة، لا يمكن أن يؤثر فيه.
ولذلك كان الكلام عن مكانة الحديث النبوي أو السنة النبوية هذه الأيام من الأهمية بمكان. والكلام عنها إنما هو من باب ترسيخ الإيمان بالنسبة للمؤمن المتيقن، ومن باب التذكير بالنسبة للغافل أو الناسي، ومن باب التبصير بالنسبة للمتشكك. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الأسباب التي جعلت تأثير الشبهات أو هذه التشكيكات على أبناء المسلمين كبيرة، وذكرنا أن من أهم الأسباب سبباً خارجياً وسبباً داخلياً، والسبب الداخلي وهو أهمها ضعف الإيمان. وذكرنا بعض الأمثلة، ويمكن القول أيضاً بأن مثال تأثير الشبهة على ضعيف الإيمان مع وجود الأدلة الكثيرة الدالة على أن السنة لا شك فيها ولا ريب، يمكن التمثيل له بمثل شخص يجلس تحت ظل يستظل فيه من الشمس ويزعم أن الشمس غير موجودة مع علمه بها ورؤيته لضوء، فليس علينا حينئذ إلا أن نقول له: ألا ترى شعاعها؟ إنك لو خرجت من مكانك لرأيت عياناً. فمنهم من يستجيب فيبصر الحق، ومنهم من يكابر ويستمر في ادعاء عدم وجود الشمس، وذلك كرهاً للشمس وحباً لمكانه وربما خوفاً من الخروج عنه، وهو في داخله قد استيقن وجود هذه الشمس واستيقن صحة السنة، والله المستعان.
أما الكلام عن أدلة حجية السنة فكثير جداً، لكني سأقتصر على الأدلة من القرآن، علماً بأن أدلة حجية السنة هي نفسها أدلة تدل على حفظ الله لها، ولعله يأتي بيان لذلك إن شاء الله. من الأدلة على مكانة السنة، وهو دليل واضح جداً على مكانتها، هو الآيات الكثيرة الدالة على أنه عليه الصلاة والسلام رسول من عند الله. الناس يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأنه خاتم النبيين، وأن رسالته عليه الصلاة والسلام إلى الناس أجمعين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]، وقال تبارك وتعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40].
هذه الآيات وجه الدلالة منها أنه ما دام الرسول رسولاً، وما دام مرسلاً إلى الناس كافة، وما دامت رسالته خاتمة الرسالات، فإن ذلك يقتضي أن رسالته حجة على الناس كلهم، وأنه لا بد أن تكون هذه الرسالة محفوظة إلى أن تقوم الساعة؛ لأنه لا نبي بعده عليه الصلاة والسلام. فهو الرسول للعالمين، سواء من كانوا في عصره أو من يأتي بعده إلى يوم القيامة. فإذا قال قائل بأن بعض ما أرسل به عليه الصلاة والسلام ليس حجة أو ليس محفوظاً، وهو يقصد السنة، فذلك يقتضي تكذيب القرآن.
وإن قال قائل بأن الحجة إنما هي في القرآن وهو المحفوظ دون غيره، فالجواب بشكل مختصر -وسياتي تفصيله إن شاء الله- أن يقال: إن مهمته عليه الصلاة والسلام هو تبليغ تلك الرسالة التي حمله الله عز وجل إياها وأوحى بها إليه، دون النظر إلى الطريقة التي استعملها الرسول في إبلاغ تلك الرسالة؛ فإنه لا يصح في العقل ولا يصح في الشرع أن يشترط المبلغ طريقة معينة على الرسول لقبول رسالته. فقد تكون كتاباً من عند الله وهو الوحي المتلو، وقد تكون وحياً غير متلو وهو السنة. ويمكن توضيح مثل هذه الكلمات زيادة في التوضيح في نقاط: النقطة الأولى مثلاً أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلاً إلى الناس ولم يكن مع هؤلاء الرسل كتب.
إنما كانوا يبلغون ما أرسلوا به بألفاظه، ومع ذلك جعل الله كلامهم حجة على أقوامهم. وقد حكى الله سبحانه وتعالى في القرآن محاورات الرسل لأقوامهم في مواطن كثيرة؛ فمثلاً أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام ليس معه كتاب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى محاوراته لقومه في عدد من السور؛ في هود وفي الأعراف وفي المؤمنون وفي غيرها من السور.
طالت محاورة بينه وبين قومه في سورة هود وفي سورة نوح، وبقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يقول: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 62]. فهذا الكلام كله تبليغ لرسالات الله وقد أثبته الله في القرآن، وقد جعل الله رسالته تلك وتبليغه ذلك حجة على قومه، ولذلك أهلكهم لما لم يؤمنوا؛ أهلكهم بالطوفان كما هو معلوم عند الناس. فعلى قول هذا القائل بأن الحجة إنما هي في القرآن فقط، ينبغي أن يكون قوم نوح مصيبين على قوله؛ لأن نوحاً لم يأتِ لهم بكتاب، وهذا القول لا يشك أحد في بطلانه.
وأيضاً النقطة الثانية، وهي تأكيد للنقطة الأولى، أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بدعوة المشركين، وأمره بمحاورتهم، وعاتبه في بعض المواطن حين تباطأ عن أصحابه حرصاً على محاورة هؤلاء المشركين؛ وذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1]. والآيات الدالة على أمره سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام بهذه المحاورات، ويرشده عليه الصلاة والسلام فيقول له في بعض الآيات: قل.
ومن تلك المواضع قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 4-6].
وقال سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَءَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]. فلولا أن لفظه عليه الصلاة والسلام وهو السنة، لولا أن هذا اللفظ حجة، لما أرشده الله سبحانه وتعالى إلى أن يقول لهم: قل. وعلى هذا، فقول القائل بأن الحجة في القرآن فقط يكون ما أرشد الله إليه نبيه من الحجة عليهم غير حجة على قول هذا القائل، وهذا كلام أيضاً لا يشك في بطلانه.
النقطة الثالثة: أن الله عز وجل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام في كتابه بأن يقول لأصحابه كذا وكذا، قل لهم كذا وكذا؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]. فلولا أن أمره لهم بكلامه وألفاظه حجة لكونه وحياً من الله سبحانه وتعالى لما أمره الله بذلك. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بغض البصر، كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وكذلك من حديث جرير بن عبد الله البجلي وذلك في صحيح مسلم يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري.
وجه الدلالة مما تقدم من الآيات الدالة على أنه رسول، وأن رسالته خاتمة الرسالات، وأنه رسول للعالمين، أنه يجب اتباعه، وأن رسالته والوحي الذي أتى به لا بد وأن يكون محفوظاً؛ سواء كان قرآناً متلواً أم سنة منقولة، وإلا كان في ذلك ما يناقض كونه خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام. هذا هو الدليل الأول.
الدليل الثاني على مكانة السنة النبوية وحجيتها هو الآيات الكثيرة الآمرة بطاعة الله وطاعة رسوله، وقد وردت هذه الآيات بأساليب متعددة؛ فمنها المصرحة بلفظ الطاعة، ومنها الآمرة بالرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ومنها الآمرة بالتأسي به عليه الصلاة والسلام. فمن تلك الآيات قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 132]. وقد جعل الله سبحانه وتعالى طاعة الرسول طاعة له، فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80].
وليس هناك طريق ولا وسيلة لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي فرض علينا بنص القرآن إلا إذا كانت أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام محفوظة. إذا قلنا بأنها محفوظة، فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن نؤدي ذلك الفرض، وقد شرف الله عز وجل المحدثين بأن جعلهم سبباً في حفظها؛ فالواجب علينا اتباع ما ثبت من الأخبار الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام. ولذلك قال الشافعي لشخص كان يجادلة في بعض الكلام: هل تجد أنت أو أحد قبلك أو أحد بعدك ممن لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، هل تجد طريقة أو وسيلة لاتباع ما فرض الله علينا في القرآن من طاعة الرسول؟ هل تجد وسيلة لذلك إلا بالأخبار أو بالخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني أنه لا يوجد إلا هذه الأحاديث الصحيحة التي بها نتمكن من طاعة الله في ذلك الفرض الذي فرض علينا.
وأيضاً من الآيات الآمرة بالرد إلى الكتاب والسنة والاحتكام إليها عند التنازع قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، في آيات كثيرة. فنحن كيف لنا أن نرد الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو أن نحتكم إليه أو أن نرضى بقوله وبقضائه إلا بالرجوع إلى سنته عليه الصلاة والسلام؟ وكيف نرجع إلى هذه السنة إلا إذا كانت محفوظة ثابتة؛ يعني ثابتة النسبة إليه عليه الصلاة والسلام، وذلك بما حفظه هؤلاء الأئمة الحفاظ من أهل الحديث.
من الآيات أيضاً الآمرة بالتأسي والأخذ به واجتناب مخالفته قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. وامتثال هذه الفرائض كلها كغيرها كسابقاتها، لا يمكن اجتناب ما نهى عنه عليه الصلاة والسلام إلا إذا قلنا بأن السنة محفوظة، إذا قلنا بأن أقواله وأفعاله والأخذ بالأخبار الصحيحة الثابتة عنه أن ذلك كله محفوظ. ولذلك قال الإمام أحمد: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ودفعنا رددنا على الله أمره سبحانه وتعالى؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.
ومن الأدلة أيضاً أن السنة بيان للقرآن؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]. وكيف يكون القرآن تبياناً لكل شيء إذا لم نقل بأن السنة مبينة له؟ الله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: 64]. فالقرآن ليس فيه تبيان كل الأحكام إلا إذا قلنا بأن الإحالة على السنة بيان، أي أن الكتاب العزيز القرآن الكريم تبيان لكل شيء؛ إما بالنص عليه وتوضيحه، وإما بالإحالة إلى ما يبينه وهو السنة. وأما الأدلة الأخرى كالإجماع والقياس فمبناها على الكتاب والسنة أيضاً.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فربَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع».
د. سعيد المري