قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن أدلة حجية السنة، ووقفنا عند الدليل الثالث، وهو أن السنة بيان للقرآن. قال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. فالسنة بيان للقرآن، ولو أردنا ذكر الأحكام التي ذكرها القرآن مجملة وترك بيانها للسنة لطال الكلام وتشعب الحديث، ولكن لا بد من الإشارة إلى بعض تلك الأحكام؛ من ذلك أركان الإسلام العملية: الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. هذه الأركان ورد الأمر بها في القرآن على سبيل الإجمال، وليس هناك في القرآن بيان لكيفية القيام بها إلا إذا اعتبرنا أن السنة مبينة للقرآن؛ فلولا أن السنة مبينة للقرآن لما أمكن تنفيذ هذه الفرائض على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى.
ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وكان يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم: «خذوا عني مناسككم». وهكذا الأمر بالنسبة للمعاملات كأنواع البيوع المحرمة والجائزة، وأنواع الشركات، وما يدخل في الربا وما لا يدخل فيه. وكذلك سائر أنواع العلم كتفاريق الفرائض، والزواج، والطلاق، والجنايات، والأطعمة، والقضاء، وغير ذلك من أبواب الفقه، كل ذلك لا يمكن معرفته على مراد الله سبحانه وتعالى إلا إذا عملنا بالسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ولذلك لما قال رجل وعمران بن حصين جالس ومعه أصحابه: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال عمران له رضي الله عنه: ادنُ. فلما دنا قال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعة، وصلاة العصر أربعة، والمغرب ثلاثة تقرأ في ثنتين وتجهر في ثنتين؟ أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعة، والطواف بالصفا والمروة سبعة؟ ثم قال: أي قوم، خذوا عنا، فإنكم إن لا تفعلوا تضلوا. وهذا الحديث رواه الخطيب والبيهقي في كتبهما.
وأيضاً في السنن الأربعة وفي مسند أحمد -إلا النسائي- وهو حديث صحيح عن المقدام بن معدي كرب الكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله». فهذه من ضمن الأدلة، وهناك أدلة كثيرة، وهذا هو الدليل الثالث.
الدليل الرابع على حجية السنة النبوية هو أن السنة وحي من الله، وهو دليل على أن السنة أيضاً محفوظة. ولبيان هذا الدليل يمكن أن أذكر بعض النقاط؛ فالله سبحانه وتعالى نص على كون ما يقوله عليه الصلاة والسلام وحي من الله في عدد من الآيات، وهذا يشمل القرآن ويشمل السنة؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 1-4]. هذه الآية صريحة في أن السنة وحي من الله عز وجل، ووجه الدلالة أن هذا الأسلوب من التعبير يفيد الحصر؛ فكلمة ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾؛ "إن" بمعنى ما النافية، أي: ما هو إلا وحي، فوصف شخص النبي بأنه وحي، وهذا فيه مبالغة في كون ما يصدر عنه وحياً، وهو أسلوب معروف في اللغة العربية.
فحسان بن ثابت يرثي النبي صلى الله عليه وسلم فيقول في رثائه: لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً ... عشية علوه الثرى لا يوسدُ فجعل ذات النبي عليه الصلاة والسلام نفسه علماً وحلماً ورحمة، وهذا أسلوب بلاغي يفيد أن الذي يصدر منه إنما هو علم، وإنما هو رحمة، وإنما هو حلم. وهذا البيت من قصيدة من أروع القصائد في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم وهي لحسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من القصائد التي ينبغي لطالب العلم أن يحفظها، وقد زادها جمالاً أنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وما دمت قد أتيت على ذكر هذا البيت فربما يحسن بي أن أذكر شيئاً من هذه القصيدة ليتعطر بها المجلس، يقول حسان في مطلعها: بطيبة رسم للرسول ومعهدُ ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمدُ ولا تنمح الآيات من دار حرمةٍ ... بها منبر الهادي الذي كان يصعدُ ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعدُ يُذَكِّرنا آلاءَ الرسول وما أرى ... لها مُحصياً نفسي فنفسي تبلدُ مُفجعةٌ قد شفها فقد أحمدٍ ... فظلت لآلاء الرسول تُعددُ أطالت وقوفاً تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذي فيه أحمدُ فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسددُ لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً ... عشية علوه الثرى لا يوسدُ وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضدُ يَبكيه من تبكي السماوات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالناس أكمدُ وهل عدلت يوماً رزية هالكٍ ... رزية يوم مات فيه محمدُ فأصبح محموداً إلى الله راجعاً ... يبكيه جفن المرسلات ويحمدُ وأمست بلاد الحرم وحشاً بقاعها ... لفقد الذي كانت من الوحي تعهدُ قفاراً سوى معمورة اللحد ضافة ... فقيد يبكيه بلاط ورقدُ فابكِ رسول الله يا عين عبرةً ... ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمدُ ومالك لا تبكين ذا النعمة التي ... على الناس منها سابغ يتغمدُ فجودي عليه بالدموع وأعولي ... لفقد الذي لا مثل الدهر يوجدُ وما فقد الماضون مثل محمدٍ ... ولا مثله حتى القيامة يفقدُ
وشاهدنا من هذه القصيدة الرائعة قوله رضي الله عنه: "لقد غيبوا علماً وحلماً ورحمةً عشية علوه الثرى لا يوسدُ". فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ أي ما هو عليه الصلاة والسلام إلا وحي يوحى، سواء كان ما صدر عنه قرآناً أم كان غير قرآن، فكله وحي؛ سواء كان قرآناً أو كان سنة.
وفي مسند الإمام أحمد وفي سنن أبي داوود وهو حديث صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ قال: فأمسكت عن الكتاب، ثم ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب، فهو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق»، عليه الصلاة والسلام.
الأمر الثاني في بيان أن السنة وحي، أن الله سبحانه وتعالى ذكر إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وعطف عليه إنزال الحكمة، وذلك في عدد من المواضع، وليس هناك تفسير للحكمة إلا إذا فسرناها بالسنة النبوية، وذهب إلى ذلك جماعة من التابعين وغيرهم في عدد من الآيات، من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]. ووجه الدلالة أن ما أنزله الله على نبيه إما أن يكون كتاباً أو غيره، والكتاب هو القرآن، وأما غيره أو ما عداه مما يصدر عنه فهو السنة، وهي التي وصفها الله بالحكمة.
ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، ولا شيء يتلى في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وإلا السنة، وهي التي وصفت بالحكمة. وقد نص على أنها المراد بالحكمة غير واحد من السلف، بعضهم من التابعين كالحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ونص عليها أيضاً من الأئمة جماعة منهم الشافعي رحمه الله عليه.
الأمر الثالث، أن هناك عدداً من الآيات تدل على أن هناك وحياً غير القرآن قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، منها قوله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124]. إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم، متى قال هذا؟ قالها قبل هذه الآية، فهذا الوعد من الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أنه وحي، لا يقوله إلا وحي، فأثبت الله في القرآن أن هناك قولاً قاله لأصحابه، وهذا القول لا يقوله عليه الصلاة والسلام إلا وحياً.
وكذلك من الآيات لما قال الناس للمؤمنين: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وقد ذكر ذلك الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]، إلى أن قال سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]. ووجه الدلالة من هذه الآيات أنها أثبتت أن الأمر الأول بالتوجه إلى القبلة الأولى كان بوحي من الله عز وجل، ولم يكن هذا الأمر موجوداً في القرآن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوق إلى التوجه للكعبة ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمنعه من التوجه إلى القبلة إلا أنه كان مأموراً بخلاف ذلك في البداية، ثم نزلت الآيات الآمرة بتحويل القبلة. وهذا دليل واضح على أن هناك وحياً غير القرآن وهو السنة النبوية.
ومنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]، فسمى فتح مكة نصراً وفتحاً، مع أن الله حرم دخولها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحلت لي ساعة من النهار». فهذا الأمر بأنها حلال للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من النهار لم يكن في القرآن، وإنما أشار إليه القرآن، فدل على أن ذلك الأمر أمر آخر غير القرآن وهو السنة، فدل على أن السنة وحي. نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا ذكرنا قبل الفاصل بعض الأدلة على أن السنة وحي من الله، ولأجل هذه الأدلة وغيرها مما لم أذكره وهو كثير، ذكر العلماء أن الإيمان بحجية السنة من لوازم الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنه لا بد من الإيمان بحجية السنة، وأن إنكار حجيتها جملة واحدة -الذي يقول السنة ليست بحجة- يعتبر كفراً مخرجاً من الملة؛ لماذا؟ لأنه إنكار للرسالة، وتكذيب بالقرآن، وإخلال بشهادة أن محمداً رسول الله. وهذا النوع من الإنكار للسنة لم يقع فيما أحسب إلا ممن كفر من المشركين والمنافقين.
ولذلك، بل إن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يستطيعون إظهار إنكار السنة، بل كانوا يظهرون العكس، كما قال تبارك وتعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 1-3]. وهذا في الحقيقة هو حال المنافقين في كل زمان.
ولذلك تصدى الصحابة رضي الله عنهم، وتصدى الأئمة لمن ينكر السنة، من ذلك أن الشافعي رحمه الله عليه ذكر حديثاً، فقال له رجل: أتقول به؟ فقال: ويحك، هل رأيتني خارجاً من كنيسة؟ هل رأيتني في بيعة؟ هل رأيت على وسطي زناراً؟ أقول لك قال رسول الله وتقول هل تقول به؟ وقد وقع ذلك أيضاً لإمام من الأئمة وهو شيخ لمحمد بن خزيمة صاحب الصحيح، ذكر الحديث هذا العالم، فقال له ابن خزيمة: أتقول به؟ فنهره وقال: ويحك، أقول قال رسول الله وتقول هل أقول به؟ هل رأيت في وسطي زناراً؟ نفس كلام الشافعي الذي قاله، قل: هل هو صحيح فأخذ به، أم ليس صحيحاً فلا آخذ به؟ وأما أن تقول هل تقول به وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يقوله مسلم. ولذلك ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن من يرد السنة بعد علمه بصحتها أنه كافر.
هذا بالنسبة للكلام في كون السنة حجة لا يجوز ردها بغير عذر سائغ، وقد تضمن هذا الكلام عن حجية السنة الكلام عن حفظها أيضاً؛ فإن الأدلة السابقة الدالة على حجية السنة هي نفسها أدلة دالة على حفظ الله لها، لأننا إذا قلنا بأنها غير محفوظة لم تكن محلاً للحج؛ ما الفائدة من قولنا بأنها حجة إذا لم تكن محفوظة؟ ويمكن استعراض بعض الأدلة الدالة على حفظ السنة من باب التوضيح، فمثلاً الآيات الآمرة بطاعة الله ورسوله، إذا لم نقل بحفظ السنة فإنه لا يبقى لها معنى؛ فعلى سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]. هذه الآية تأمرنا عند التنازع وعند الاختلاف بالرجوع إلى الله ورسوله، والمراد بذلك القرآن والسنة؛ لا يمكن أن يقول قائل بأن المراد بالرجوع هنا هو الرجوع إلى الرسول نفسه، وأن المخاطب بذلك الصحابة فقط، لأن قائل هذا القول لا.
يمكنه أن يدعي ذلك فيما يتعلق بالرجوع إلى الله، لا يمكن أن يقول لابد من مكالمة الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك؛ لأنه لا سبيل إليه طبعاً في هذه الدنيا. ولذلك أجمع العلماء على أن المراد هنا هو الرجوع إلى القرآن والسنة، ولا سبيل إلى الرجوع إلى السنة إلا بالأخبار الصحيحة الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام. فوجب أن تكون هناك أخبار ثابتة محفوظة لنتمكن من الرجوع إليها، وإلا اقتضى ذلك الطعن في كتاب الله سبحانه وتعالى، لأن القرآن لا يمكن أن يحيلنا إلى شيء لا يمكن الإحالة إليه.
المثال الآخر قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. هذه الآية تدل على حفظ السنة من وجهين: الوجه الأول أن المقصود بالذكر هنا إذا قلنا إنه القرآن، فحفظ القرآن يشمل حفظ ألفاظه وحفظ بيانه، وقد ذكرنا حفظ البيان والمعنى. وحفظ بيان القرآن ومعناه لا يكون إلا بحفظ السنة النبوية لكونها بياناً وتوضيحاً لتلك المعاني، كما قال تبارك وتعالى فيما تقدم: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح البخاري: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ويقول في صحيح مسلم: «خذوا عني مناسككم». كل هذا بيان للقرآن لما جاء مجملاً في القرآن.
الوجه الثاني أن السنة داخلة في الذكر إذا قلنا إن الذكر ليس المقصود به القرآن فقط، فهي داخلة في اللفظ؛ لأنه ثبت فيما مضى من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة وحي، كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، وكما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]. وذكرنا ذلك، فيكون المراد بالذكر في هذه الآية في حقيقة الأمر معناها الرسالة أو العلم الذي أرسل الله به نبيه وأوحى به إليه. وقد جاءت كلمة الذكر في القرآن ويراد بها أعم من القرآن، من ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]، أي والقرآن المشتمل على العلم والتذكرة، وهذا يدلنا على أن الذكر هنا ليس هو القرآن عينه؛ وإلا لكان فيه إضافة الشيء إلى نفسه، وليس هذا مراداً لا شك. فيكون الذكر هنا أعم من القرآن، ويدل على ذلك كثير من الآيات؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43]، يعني أهل العلم، وقوله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 29]، يعني عن الحق، إلى غير ذلك من الآيات. فهنا تكون السنة داخلة في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، والسنة منزلة أيضاً.
ومن الأدلة على حفظ السنة أيضاً قوله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. وكذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]. وكذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 3].
د. سعيد المري