دخولتسجيل الدخول

الحلقة 7

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلّغه، فربَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن أدلة حفظ السنة وعن المقومات التي حفظ الله بها السنة، وذكرنا من ذلك العناية الإلهية بالسنة، وعناية النبي ﷺ بالسنة في أحاديثه. وسنتكلم في هذه الحلقة عن عناية الصحابة الكرام بالسنة النبوية، وكيف كانوا يحرصون رضي الله عنهم على سماعها وعلى حفظها.

كان الصحابة الكرام يتلقون الحديث عن النبي ﷺ إما مباشرة أو يسمع بعضهم من بعض، وكان بعضهم إذا فاته الحديث سمعه من الصحابة الآخرين. ولأن الصحابة كان حالهم كحال سائر الناس؛ يحتاجون إلى الذهاب إلى العمل أو الانشغال، فقد يفوتهم شيء مما يقوله عليه الصلاة والسلام، ولذلك كانوا يتناوبون على سماع الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك بوّب البخاري رحمه الله باباً عن التناوب في العلم، وأورد فيه شيئاً من تلك الأحاديث.

ومن تلك الأحاديث ما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وأنه سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]، فأخبره عمر أنها حفصة وعائشة، وإن كان قد غضب عليه لأنه سأله عن امرأتين إحداهما ابنته. ومما ذكره رضي الله عنه أن بيته كان في العوالي، وأنه كان له جار من الأنصار، وكانا يتناوبان النزول على النبي ﷺ؛ فينزل الأنصاري يوماً وينزل عمر يوماً، وكل واحد منهما يأتي بالخبر إلى صاحبه في الوقت الذي ينزل فيه.

وهذا الحديث حديث طويل في الصحيحين وله روايات متعددة، وفيه معانٍ جميلة، من تلك المعاني أنه رضي الله عنه كان يقول: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. قال: فصحت على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب! ما تريد أن تراجع، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان.

فعند ذلك ذهب عمر إلى ابنته وأغلظ عليها القول، ثم دخل على أم سلمة رضي الله عنها لقرابته منها، وتكلم عليها بكلام في ذلك، فقالت له: عجباً لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه. قال: فأخذتني أخذاً كسرتني عن بعض ما كنت أجد.

ثم إن الأنصاري جاء يوماً وطرق الباب طرقاً شديداً على عمر -وكانوا يخافون من ملك من ملوك غسان أنه يريد أن يغزو الصحابة- قال: فلما طرق الأنصاري الباب قال عمر: جاء الغساني؟ فقال الأنصاري: بل الأمر أشد من ذلك، اعتزل النبي ﷺ نساءه، وفي بعض الروايات: طلّق نساءه. فذهب عمر إلى النبي ﷺ واستأذن عليه فأذن له بعد مراجعة، ثم قال عمر وهو واقف: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ فرفع النبي ﷺ بصره وقال: لا. فعند ذلك كبّر عمر، ثم قال عمر وهو قائم: يا رسول الله، أستأنس؟ فقال: نعم. فقال: لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم النبي ﷺ.

ثم قال عمر أيضاً: يا رسول الله، لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ -يعني يريد عائشة- فتبسم النبي ﷺ لأنه يعلم أن النبي كان غضبان على نسائه. قال: فجلست، ثم لما رأى النبي ﷺ تبسّم جلس رضي الله عنه، فرفع بصره في بيت النبي ﷺ، يقول: فما رأيت شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة -أي جلود- فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارس والروم قد وسّع الله عليهم وأُعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي ﷺ وكان متكئاً فقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عُجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، إلى آخر الحديث.

الشاهد أن الصحابة كانوا يتناوبون على الحديث عن النبي ﷺ، وقد كان بعض الصحابة لا يكاد يفارق النبي ﷺ أبداً، منهم أبو بكر الصديق ومنهم عمر. ولكن أبا بكر الصديق وعمر -أبا بكر الصديق بالذات- لم تكثر أحاديثه لأنه لم يبقَ بعد النبي ﷺ مدة طويلة، وإنما بقي سنتين فقط وكان مشغولاً بحروب الردة، وإلا فإنه أعلم الصحابة بحديث النبي ﷺ. وهكذا عمر، عمر إنما بقي مدة ليست بالطويلة وكان أيضاً مشغولاً بالفتوح الإسلامية، ومع ذلك كانت أحاديثه لم تكن بالقليلة، كان فيها شيء من الكثرة.

لكن أكثر الصحابة حديثاً من الملازمين له أبو هريرة رضي الله عنه، تجاوزت أحاديثه 5000 حديث، وذكره السيوطي رحمه الله في المكثرين من الصحابة رضي الله عنهم، ويقول في ألفيته: والمكثرون من رواية الخبر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخضر وزوجه النبي وهم سبعة

وأبو هريرة إنما كثرت أحاديثه لأنه بقي مدة طويلة بعد النبي ﷺ، والسبب الثاني في كثرة حديثه أنه كان ملازماً كما ذكرت للنبي ﷺ. ففي الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب وهو زوج ابنته يقول: إن أبا هريرة قال: إنهم يقولون: إن أبا هريرة قد أكثر، والله الموعد، ويقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه؟ وساخبركم عن ذلك: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق لأنهم كانوا تجاراً، وكنت ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا.

ولقد قال رسول الله ﷺ يوماً من الأيام: «أيكم يبسط ثوبه فيأخذ من حديثي ثم يجمعه إلى صدره، فإنه إن فعل لم ينسَ شيئاً سمعه». قال: فبسطت بردة عندي، حتى تحدث النبي ﷺ وفرغ من حديثه فجمعتها إلى صدري، قال: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به. ولولا آيتان من القرآن أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئاً، يقصد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].

ومن خبر أبي هريرة في ملازمته للنبي ﷺ أنه كان يبقى في المسجد حتى يبلغ به الجهد مبلغه. ففي صحيح البخاري قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوماً على طريقهم -على طريق الذين يخرجون من المسجد- فمر بي النبي ﷺ، فتبسم حين راني وعرف ما في وجهي، ثم قال: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق، ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذنت له، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو أهداه لك فلان. قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم إلي.

قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، أهل الصفة أمثال أبي هريرة ممن جلسوا في المسجد لملازمة النبي ﷺ. قال: أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، وكان إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك -أبو هريرة يقول ساءني أنه قال ادعوا أهل الصفة- لأن اللبن قليل، كيف وأنا أريد؟ قال: فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، ثم ما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة رسول الله ﷺ بد، فأتيته فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم، فقال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد القدح فيعطيه إلى أن انتهيت إلى النبي ﷺ.

فعند ذلك وقد ارتوى القوم كلهم أخذ النبي ﷺ القدح فوضعه على كفه، ثم نظر إلي فتبسم، فقال: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب. قال: فقعدت فشربت. ثم قال: اشرب. فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكاً. قال: فأرني القدح، فأعطيته إياه، فحمد الله وسمّى وشرب الفضل صلى الله عليه وسلم. الشاهد ملازمة أبي هريرة بحيث إنه يصل فيه الجوع بحيث يعتمد بكبده على الأرض.

ومن اعتناء الصحابة رضي الله عنهم بالسنة أيضاً أن بعضهم كان يكتب كل ما يقوله النبي ﷺ، ومن أولئك عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه. ففي مسند أحمد وفي سنن أبي داود بسند صحيح أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب ويتكلم في الرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأومأ إلى فيه وقال: «اكتب، فهو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق». وهكذا كان بعض الصحابة الكرام إذا سمع الحديث من صحابي آخر يأتي بنفسه إلى النبي ﷺ ليسمعه منه، وقد يرحل بعضهم إلى المدينة لأجل ذلك.

ومن أشهر ما حصل من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية ونسمع فيسأل النبي ﷺ ونسمع منه. فجاء رجل وقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال، الله أرسلك؟ قال: اللهم نعم.

قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً؟ قال: صدق. قال: ثم ولّى هذا الرجل وهو يقول: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليها ولا أنقص. فقال النبي ﷺ: «لئن صدق ليدخلن الجنة». هذا الرجل من الصحابة جاء ليسمع الحديث مباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذكرت قبل الفاصل عناية الصحابة في حياة النبي ﷺ بسماع الحديث، وأما بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فقد استمر الصحابة في سماع الحديث من الصحابة الآخرين، واستمروا في نقله للتابعين، لكن نقلهم للحديث كان مع التوقي والتورع لأجل حديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

وقد ورد التوقي أو التورع عند التحديث في روايات كثير من الصحابة، من ذلك ما في مقدمة صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن رسول الله ﷺ قال: «من تعمد عليّ كذباً فليتبوأ مقعده من النار». ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير أنه قال: قلت للزبير -لأبيه-: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان؟ قال: أما إني لم أفارقه، ولكني سمعته يقول: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

فكان الصحابة يتوقون الحديث عن النبي ﷺ أو إكثار الحديث عنه عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك ما أخرجه أحمد وابن ماجه -وهو حديث صحيح على شرط الشيخين- من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: حدثنا عن رسول الله ﷺ، فقال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد، شديد بسبب هذا الوعيد الذي ذكره عليه الصلاة والسلام. وهناك أيضاً في ابن ماجه وفي مسند...

أحمد وصححه الحاكم على شرط الشيخين من حديث عمر بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه؛ لأن ابن مسعود كان يحدث كل خميس. قال: فما سمعته يقول في شيء قط قال رسول الله، فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نكس رأسه، قال: فنظرت إليه فإذا هو قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو دون ذلك أو فوق ذلك أو قريباً من ذلك أو شبيهاً من ذلك. فهذه الآثار كلها تدل على أن الصحابة كانوا يتوقون الحديث.

وقد بوب الأئمة في كتبهم، كثير من الأئمة كمسلم بن الحجاج في كتاب التمييز، وكذلك ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن ماجه في سننه وغيرهم من الأئمة بوبوا أبواباً تفيد هذه المعاني. والصحابة الكرام كما أنهم كانوا يتورعون في التحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يتحرون في التثبت عندما يسمعون الحديث من غيرهم، وقد كان بعضهم يتشدد في ذلك كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

وقد جاء في موطأ الإمام مالك وفي السنن الأربعة من حديث قبيصة بن ذؤيب، وهو أحد المحدثين الكبار الثقات وأحد فقهاء المدينة المنورة، قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، لم يذكر في القرآن شيء عن الجدة، وما علمت لك في السنة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس. فجمع الصحابة وسألهم، فقال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأعطاها أبو بكر الصديق عند ذلك السدس. لكن الشاهد أنه تحرى: هل معك أحد سمع هذا الحديث؟

وكذلك في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: كنت في مجلس من مجالس الأنصار فإذا أبو موسى الأشعري مذعور، فسألوه فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فقال عمر: ما منعك أن تنتظر؟ فقلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع». فعندها قال عمر: والله لتقيم عليه بينة، فجاء أبو موسى يقول لهم: فهل منكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أنا أصغر القوم، يقوله أبو سعيد الخدري، فقمت معه. وفي رواية في الصحيحين قال عمر: خفي علينا هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألهانا الصفق في الأسواق، يعني ألهتني التجارة.

وهكذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخوف الناس من التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم من حديث معاوية رضي الله عنه قال: إياكم وأحاديث إلا حديثاً كان في عهد عمر؛ فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل.

وقد كان بعض الصحابة لشدة عنايتهم بالحديث يرحل لسماعه من صحابي آخر. جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو أحد المكثرين من الصحابة الذين ذكرهم السيوطي في منظومته وهو يقول: والمكثرون من رواية الخبر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوج النبي، فجابر من المكثرين، وله أحاديث في الصحيحين منها ما يزيد على مئة حديث تقريباً، وكان جابر من أهل الإفتاء في المدينة، كان مفتي المدينة بعد ابن عمر، وكان في زمن ابن عمر، وكان كل منهما يفتي الناس حتى مات ابن عمر فتفرد جابر بالفتوى رضي الله عنه، وبقي هو بعد ابن عمر خمس سنين. توفي جابر رضي الله عنه سنة 78 من الهجرة، وكان حين توفي قد عمي رضي الله عنه.

الشاهد أنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم رحل في أحاديث إلى مكة ورحل إلى الشام، وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقاً رحلة جابر بن عبد الله تعليقاً معناه بغير إسناد لكن بصيغة الجزم، فذكر رحلة جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد، والحديث الذي أشار إليه البخاري في الصحيح أخرجه بنفسه في الأدب المفرد وهو كتاب قيم له عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فابتعت بعيراً وشددت إليه رحلي شهراً حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فبعثت إليه أن جابراً بالباب، فرجع الرسول فقال: جابر بن عبد الله؟ فقلت: نعم، فخرج فاعتنقني. قلت: حديث بلغني لم أسمعه خشيت أن أموت أو تموت، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر العباد أو الناس عراة غرلاً بهماً»، قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، فينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: «أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمته»، كيف وإنما نأتي عراة بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات.

وفي مسند الحميدي ومسند أحمد رضي الله عنه من حديث أبي سعيد الأعمى يحدث عطاء بن أبي رباح يقول: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة. يعني هو قد سمعه قبل ذلك، لكنه أراد أن يسمعه مرة أخرى. فلما قدم أتى منزل والي مصر، فجاء وعانقه ثم سأله: أين بيت أبي أيوب؟ فدلوه بيت عقبة بن عامر فدلوه عليه، فذهب إليه فخرج عقبة بن عامر واعتنقه، فقال له أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق سمعه أحد غيري وغيرك فحدثه به، ثم عند ذلك أخذ أبو أيوب رضي الله عنه متاعه ورجع إلى المدينة، لم يكن له غرض في ذهابه إلى مصر إلا أن يسمع هذا الحديث من هذا الصحابي الجليل الذي هو عقبة بن عامر رضي الله عنه. وكان الحديث في الستر: «من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة»، لما ذكر له هذا الحديث قال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب راجعاً. هذا حرص الصحابة على حديث واحد، يرحلون من أجل حديث واحد، ونحن قد جمع الأئمة لنا الأحاديث ونقحت وهي ها هي مدونة في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم ومع ذلك لا نكلف أنفسنا قراءتها، هذا يرحل في حديث واحد قد سمعه، آخر يرحل في حديث واحد لم يسمعه، وعندنا كم من الأحاديث التي لم نسمعها، ومع ذلك ربما كثير منا لا يكلف نفسه أن يفتح الكتاب أو يقرأه على أحد.

أيضاً من اهتمام الصحابة بالحديث أنهم طلبوه حتى رووه عن بعض التابعين، وهذا من دليل على حرصهم على الأحاديث، وقد ألف ابن حجر العسقلاني مؤلفاً سماه نزهة السامعين في رواية الصحابة عن التابعين، وهذا النوع من الرواية يسمى عند المحدثين رواية الأكابر عن الأصاغر، منها رواية الشيخ عن تلميذه ورواية الصحابي عن التابعي، فالشيخ إذا روى عن تلميذه صارت روايته رواية الأكابر عن الأصاغر، وهكذا رواية الأقران.

هناك من تلك الأحاديث التي فيها صحابي عن تابعي ما أخرجه الإمام مسلم وغيره عن ابن شهاب الزهري عن السائب بن يزيد وعبيد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأ فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل». هذا الحديث يرويه السائب بن يزيد الكندي وهو صحابي، لكنه يرويه عن عبد الرحمن بن عبد القاري وهو تابعي من ثقات التابعين، فهذا يدلنا على أن الصحابة كانوا حريصين أيضاً على رواية الحديث وعلى تحصيل الحديث حتى ممن هم أصغر منهم، لكنهم بعد أن وقعت الفتنة صاروا يتشددون في سماع الحديث، ولذلك لما في مقدمة صحيح مسلم ابن عباس جاءه بشير أحد التابعين، وكان يقول: قال رسول الله، قال رسول الله، وهو بشير العدوي وابن عباس لا يأذن له ولا يلتفت إليه، فقال: عجباً لك يا ابن عباس، أقول قال رسول الله ولا تأذن لي؟ فقال ابن عباس: إنا كنا إذا حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبدت أبصارنا وتصغي إليه أسماعنا، فأما إذ ركب الناس الصعب والذلول فلا نأخذ من الناس إلا ما نعرف.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.