دخولتسجيل الدخول

الحلقة 8

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: سأتحدث في هذه الحلقة عن فضل أهل الحديث وشيء من جهودهم في حفظ السنة النبوية. هذا العلم، علم الحديث، يسميه أهل العلم علم الأثر، أو يسمونه أيضاً علم الآثار. طبعاً الآثار هي الأخبار أو الآثار النبوية أو آثار الصحابة، وقد سمى جماعة من أهل العلم كتبهم بالآثار، منهم محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، عنده كتاب اسمه الآثار، توفي الشيباني سنة 189 للهجرة، ومنها كتاب تهذيب الآثار للإمام ابن جرير الطبري صاحب التفسير، توفي سنة 310، ومنها شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي الحنفي، ومنها المحلى بالآثار لابن حزم، وهناك عدد من الكتب سميت بهذا الاسم.

المراد بالأثر من حيث اللغة العربية هو نقل الكلام، والمراد به هنا هو نقل الكلام وروايته. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ أنه لما سمع نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف الناس بآبائهم، قال: فوالله ما حلفت منذ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، لا ذاكراً ولا آثراً؛ أي لا متكلماً به من عند نفسي، ولا ناقلاً لذلك عن غيري. وقد فسر جماعة من أهل العلم قول الله تبارك وتعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4]. فسر بعض العلماء هذه الآية بأن المراد بالعلم هنا هو العلم الصحيح الذي يؤثر، ويؤثر يعني ينقل، وهو الإسناد، وصرح بذلك بعض أهل العلم، منهم مطر الوراق، قال في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي إسناد.

من الأحاديث الدالة على فضل أصحاب الأثر وأصحاب الحديث؛ ما جاء في الصحيحين من حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مُبلغ أوعى من سامع». ومنها ما في المسند والسنن: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبلغ أوعى من سامع». هذان الحديثان يدلان على فضل أصحاب الحديث؛ لأنهم أولى الناس بنقل الحديث، وأولى الناس بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم إنما ينقلونه بالإسناد إلى غيرهم؛ فهم بمثابة الشاهد الذي حضر كلام النبي عليه الصلاة والسلام.

يقول سفيان بن عيينة رضي الله عنه، وهو أحد أئمة الإسلام، توفي سنة 198، وهو نظير مالك بن أنس لكنه تأخر في الوفاة: ما من أحد يطلب الحديث إلا وفي وجهه نضرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه». وكذلك من الأدلة الدالة على فضل أصحاب الحديث رضي الله عنهم، ما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً». وكذلك هناك حديث في سنن الترمذي وفي صحيح ابن حبان، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة».

هذان الحديثان يدلان على فضل أهل الحديث؛ لأن أهل الحديث شغلهم الشاغل إنما هو سماع الحديث وكتابته، يكتبونه في كل وقت ويسمعونه، وكلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ما؛ يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، وربما سمعوا الحديث وكتبوه في اليوم الواحد مئات المرات، وبالتالي سيصلون على النبي صلى الله عليه وسلم مئات المرات. وقد قال جماعة من أهل العلم، منهم أبو حاتم ابن حبان صاحب الصحيح المشهور، ومنهم أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية؛ ذكروا أن هذا الحديث الذي فيه «أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة» فيه منقبة شريفة يختص بها أهل الحديث؛ وذلك لأنه لا يعرف لأحد من العلماء من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما يعرف لأهل الحديث.

هناك أقوال كثيرة للعلماء في بيان فضل أهل الحديث وبيان ما يقومون به من الجهد في حفظ السنة وتنقيحها. هذا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وهو من كبار المحدثين وأحد الأئمة المتبوعين، توفي رحمه الله سنة 204، يقول عن نفسه: إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث، فكأني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حياً؛ لماذا؟ لأن هذا المحدث سينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله. وهكذا يقول البخاري رحمه الله، توفي سنة 256، يقول: كنا ثلاثة نفر أو أربعة على باب علي بن المديني، علي بن المديني من الأئمة الكبار أيضاً، توفي سنة 234، وهو شيخ البخاري، وكان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني. علي بن المديني هذا يقول: إني لأرجو أن يكون تأويل هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقصد حديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم»، يقول: إني لأرجو أن يكون تأويل هذا الحديث أنتم، يعني البخاري وأمثاله؛ لأن التجار قد شغلوا بتجارتهم، وأهل الصنعة شغلوا بصناعاتهم، والملوك شغلوا بملكهم، وأنتم تحيون سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يزيد بن هارون الواسطي، إمام من الأئمة، شيخ للإمام أحمد، توفي سنة 206، كان يقول: قلت لحماد بن زيد، وحماد بن زيد أيضاً من الأئمة الكبار من أتباع التابعين، مثل مالك بن أنس وأمثاله، توفي في السنة التي مات فيها مالك بن أنس سنة 179، يقول قلت له: يا أبا إسماعيل، هل ذكر الله عز وجل أصحاب الحديث في القرآن؟ فقال: نعم، ألم تسمع إلى قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]. فهذا في كل من رحل في طلب العلم والفقه ورجع به إلى من وراءه يعلمهم، ومنهم أهل الحديث.

وكان أبو داوود السجستاني صاحب السنن، وقد توفي سنة 275، يقول: لولا هذه العصابة لندرس الإسلام؛ يعني بالعصابة أصحاب الحديث. وقال: لندرس الإسلام؛ لأنهم هم الذين حفظوا الروايات، وهم الذين أسندوا، بل وأسندوا القرآن الكريم، فإن القرآن إنما جاء بالأسانيد، ما من أحد يقرأ القرآن على شيخ إلا ويكون له إسناد، هكذا السنة. ولذلك كان كهمس بن الحسن التميمي، وهو أحد الثقات الكبار، كان يقول توفي سنة 149: من لم يتحقق أن أهل الحديث حفظة الدين، فإنه يعد في ضعفاء المساكين الذين لا يدينون لله بدين. يقول الله تبارك وتعالى للنبي: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حدثني جبريل عن الله عز وجل»، يقصد أن القرآن إنما حفظ بأهل الأسانيد، فإن كل قارئ حافظ للقرآن على شيخ من أهل القراءات أو من أهل القرآن، يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالإسناد إلى شيخه، إلى الصحابة الكرام، ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إلى جبريل، وجبريل يسنده إلى رب العالمين سبحانه وتعالى.

الإمام عبد الله بن داوود الخريبي، وهو من الحفاظ الزهاد توفي سنة 213، أيضاً كان يقول عن نفسه: لم أكذب إلا مرة واحدة؛ قال لي أبي: قرأت على المعلم؟ فقلت: نعم، وما كنت قد قرأت عليه. هذا الإمام يقول: سمعت من أئمتنا ومن فوقنا من أهل العلم أن أصحاب الحديث وحملة العلم هم أمناء الله على دينه، وحفاظ سنة نبيه، ما علموا وعملوا.

وهكذا الإمام سفيان الثوري، وهو من أئمة المسلمين الكبار، توفي سنة 161، وكان الإمام أحمد يقول: لا يتقدمه في قلبي أحد. كان يقول: الملائكة حراس السماء، وأصحاب الحديث حراس الأرض؛ يعني أن الملائكة حراس السماء من شياطين الجن، وأصحاب الحديث حراس الأرض من شياطين الإنس، وإنما يحرسونها بالأسانيد؛ لأن حفظ الأرض إنما يكون بالدين، وحفظ الدين إنما يكون بالأسانيد، فمن جاء من شياطين الإنس يريد تحريف الدين أو تغييره على مزاجه، قام له أهل الحديث وردوا عليه بالأسانيد الثابتة. ولذلك لما قيل للإمام ابن المبارك وهو تلميذ سفيان الثوري، توفي سنة 181، لما قيل له وهو من الأئمة الكبار المشهود لهم: هذه الأحاديث المصنوعة؛ يعني الموضوعة، ماذا نفعل بها؟ قال: يعيش لها الجهابذة؛ يعني الجهابذة يردونها ويبينونها.

وقد مر معنا فيما مضى أن رجلاً من أهل العلم من الحنابلة وضع حديثاً أو حديثين في مسند أحمد، وأنه وقف له بالمرصاد كبار الحفاظ كالدارقطني وابن شاهين، وكتبوا له عليه محضراً ووقعوا عليه يشرحون فيه حاله. وقد كان الدارقطني يقول فيما سبق: يا أهل بغداد، لا تظنوا أن أحداً منكم يقدر أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حي. هكذا كما قال ابن المبارك: يعيش لها الجهابذة. هذا الكلام كله يجرنا إلى الكلام عن أهمية الإسناد، ولا شك أنه ما من عالم إلا ويعلم أن الإسناد من الأهمية بمكان، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولذلك يقول محمد بن سيرين وهو من أئمة التابعين تلميذ أبي هريرة، توفي سنة 110، كان يقول -وهو أيضاً مولى أنس بن مالك رضي الله عنه تلميذ لأنس ومولاه-: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وهكذا سفيان الثوري الذي ذكرناه قبل قليل، كان يقول: الإسناد سلاح المؤمن، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟ وكان شعبة بن الحجاج نظير سفيان الثوري، توفي سنة 160، وكان يسمى أمير المؤمنين في الحديث، كان يقول: كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا، فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام، ليس فيه حدثنا وأخبرنا؛ يعني ليس فيه إسناد. وعبد الله بن المبارك الذي ذكرناه قبل قليل، وهو تلميذ لشعبة وتلميذ لسفيان الثوري أيضاً، كان يقول: بيننا وبينهم القوائم؛ يعني الأسانيد. وهكذا يزيد بن زريع وهو من الأئمة الكبار. عبد الله بن المبارك كان يقول: لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الحديث. نقف هنا قليلاً، ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا قبل الفاصل تكلمنا عن أهمية الإسناد، وأن أهل الحديث هم حراس الأرض كما أن الملائكة حراس السماء، وإنما كان أهل الحديث صمام الأمان لهذا الدين؛ لأنهم لم يقبلوا إلا ما كان عن الثقات المقبولين. يقول ابن سيرين كما في مقدمة مسلم -وذكرنا ابن سيرين وسنذكره كثيراً-: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. وهكذا جاء من حديث عتبة بن أبي حكيم في العلل الصغير للترمذي، قال: سمع الزهري إسحاق بن أبي فروة وهو يقول: قال رسول الله، قال رسول الله؛ وإسحاق تابعي لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له الزهري، الزهري توفي سنة 124 أو 125، قال: قاتلك الله يا ابن أبي فروة، تجيء بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؛ يعني ليس لها إسناد.

فصار الأئمة يتحرون ويطلبون الأسانيد، ولذلك كان الأئمة يهتمون بالتاريخ والأماكن ليعرفوا بذلك أحوال الرجال ويصبروا الأحاديث. يقول سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ. ويقول حفص بن غياث وهو أحد الأئمة من تلاميذ سفيان، توفي سنة 194: إذا اتهمت الشيخ فحاسبه بالسنين. وإسماعيل بن عياش وهو من أئمة الشاميين، توفي في السنة التي توفي فيها عبد الله بن مبارك سنة 181، يقول: كنت بالعراق -هو شامي من أئمة الشام، فكان بالعراق- يقول فأتاني أهل الحديث في العراق فقالوا: ها هنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، خالد بن معدان من أئمة التابعين في الشام، فجاؤوا إلى الشام حتى يسألونه عن الرجل الذي يحدث عن خالد بن معدان؛ لأنه هو أخبر بأحاديث أهل الشام. قال فأتيتُه فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة 13 و100، قال فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سنين!

ولذلك فإن أقوال الأئمة في أهمية الأسانيد وفي إسناد الأحاديث كثيرة، والإسناد في الحقيقة هو أمر اختصت به هذه الأمة دون سائر الأمم، كما أن أهل السنة اختصوا بالأسانيد دون سائر الطوائف، ولذلك سمي أهل السنة أهل السنة. جاء في مسند الإمام أحمد وفي سنن أبي داوود بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم». فهذا الأمر، الإسناد، السماع، هو خاص بهذه الأمة. ولذلك كان يقول عدد من الأئمة، منهم أبو حاتم الرازي وهو إمام العلل في زمنه من أئمة الأحاديث الكبار مثل البخاري تقريباً في المرتبة في معرفة الحديث، توفي سنة 277.

يقول في كلام معناه أنه لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذه الأمة. فقال له رجل يا أبا حاتم ربما رووا حديثًا لا أصل له ولا يصح؟ فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم، وإنما يروون ذلك للمعرفة، يروون هذه الأحاديث الضعيفة لكي يعرفوها، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها. ولذلك قال جماعة من أهل العلم بأن الإسناد من خصائص هذه الأمة، وأقوالهم في هذا كثيرة.

محمد بن حاتم بن المظفر أحد العلماء يقول إن الله أكرم هذه الأمة بالإسناد، أكرمها وفضلها بالإسناد، وليس ذلك لأحد من الأمم لا قديمهم ولا حديثهم. ليس لهذه الأمم إسناد، إنما الذي عندهم صحف في أيديهم ربما خلطوا بها ما جاء عن الأنبياء بما بأخبارهم، ولا يميزون هذا من هذا بخلاف هذه الأمة، فإنهم يميزون أحاديث الرسول عن أحاديث غيره. وأما الأمم الأخرى فإنهم لا يميزون ما ألحقوا به من الأخبار عن الناس مما ألحقوها بكتبهم أو ما ورد عن أنبيائهم.

وأيضًا هذه الأمة إنما تأخذ الحديث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله إلى منتهاه، هكذا يذكرون في شروط الحديث، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة، ثم يكتبون الحديث من أوجه كثيرة ربما من عشرين وجهًا أو أكثر من ذلك، ثم ينقون عنه الغلط والزلل ويضبطون حروفه، بل ويعدونه عدا. تجد ابن المديني يقول: حديث فلان ألفان، حديث فلان ألف، وكذا. ومثل هذا الذي ذكره محمد بن المظفر ذكره أيضًا ابن حزم الظاهري وغيره من الأمة. ابن حزم يقول إن نقل الثقة عن الثقة حتى يتصل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع اتصال الإسناد، هذا النقل خص الله به المسلمين دون سائر الملل.

والناظر في نشأة هذه الأسانيد واهتمام الأمة بها سيدرك أن ذلك إنما كان أمرًا إلهيًا، سيدرك أن ذلك إنما هو معجزة لهذا الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا الدين، ولذلك سخر الله له من لا يكون له من الهم إلا تتبع هذه الأسانيد والروايات والانشغال بها. وبداية نشأة الإسناد والاهتمام به كان من عصر النبوة، وقد ذكرت فيما سبق كيف كان الصحابة يهتمون بطلب الحديث وروايته مع تورع وحذرهم من الزلل فيه، ولكن طلب الحديث وعقد المجالس له لم يكن في زمن الصحابة متبلورًا أو لم يكن قد أخذ شكله كعلم، بل كان الرجل منهم يحدث الواحد والاثنين، ولم يكن طلب الإسناد قد احتاجوا له بشكل كبير وذلك بسبب قرب عهدهم من النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لما حصل التفرق ووقعت الفتن بعد مقتل عثمان رضي الله عنه احتاج الناس إلى التثبت من الأحاديث، ثم شيئًا فشيئًا انتشر طلب الأسانيد في عهد التابعين، ثم زاد انتشار طلب الأسانيد في عهد أتباع التابعين إلى أن انتشر انتشارًا كبيرًا في عهد تبع الأتباع، وهو العهد الذي أصبح فيه أتباع التابعين شيوخًا يعقدون المجالس الحديثية، وازدهر هذا العلم.

ومن صور ازدهاره في عهد أتباع التابعين وأتباعهم أن هناك أعدادًا كثيرة من الطلاب بحيث يكون في مجلس العالم الواحد أناس من أمصار مختلفة، والأخبار في هذا كثيرة. يقول العباس بن عبد الله الترقفي: خرج علينا سفيان بن عيينة، وسفيان بن عيينة هو نظير سفيان الثوري، لكن الثوري مات قديمًا وابن عيينة تأخر توفي سنة ١٩٨، ولذلك انكب عليه الطلاب. يقول خرج علينا يومًا فنظر إلى أصحاب الحديث فقال: أيكم هل فيكم أحد من أهل مصر؟ فقالوا: نعم، قال: ما فعل الليث بن سعد؟ قالوا: توفي، قال: هل فيكم أحد من أهل الرملة؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ قالوا: توفي، قال: هل فيكم أحد من أهل حمص؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل بقية بن الوليد؟ قالوا: توفي، قال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ قالوا: توفي، قال: هل فيكم أحد من أهل قيسارية؟ قالوا: نعم، قال: ما فعل محمد بن يوسف الفريابي؟ قالوا: توفي. طبعًا هو يعلم أن هؤلاء توفوا لأنه تأخر عنهم، وإنما أراد أن يبين لهم حاله. عند ذلك بكى بكاءً طويلًا ثم أنشد يقول: خلت الديار فسدت غير مسود، ومن الشقاء تفردي بالسؤدد.

هذا الأثر إنما أتيت به لنتصور كيف كان الطلاب يجتمعون على المحدثين وكيف ازدهر علم الحديث في طبقة أتباع التابعين. يقول العلاء بن هلال الباهلي: حمل أصحاب الحديث على ابن عيينة، أي ازدحموا عليه، فصعد فوق غرفة هربًا منهم، فقال له أخوه: تريد أن يتفرقوا عنك؟ حدثهم بغير إسناد، لأنهم أهل الحديث لا يرغبون في الحديث إلا إذا كان فيه إسناد، فقال: إذا حدثتهم بغير إسناد تفرقوا عنك، فقال هو: انظروا إلى هذا يأمرني أن أصعد فوق البيت بغير درج، وكان يكره أيضًا التحديث بغير إسناد.

والأخبار في هذا كثيرة، يقولون إن أبا بكر بن عياش كان وضع عند بابه كلبًا بسبب ازدحام أهل الحديث عليه، فاجتمع أهل الحديث طلاب الحديث وسموا هذا الكلب. فلما ما راعه إلا وهم يطرقون الباب فخرج فإذا أهل الحديث، طبعًا طلاب الحديث كانوا يزعجون الحفاظ أو الشيوخ الكبار ويمنعونهم حتى من التكسب، فنظر إلى الكلب فإذا الكلب ميت، فقال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

ومن صور ازدهار العلم أيضًا ازدحام الطلاب على العالم وكثرة المستملي، والمستملي هو بمثابة الميكروفون في عصرنا المكبر، هو الذي يبلغ الناس ما قال المحدث من الحديث، وذلك لصعوبة صوت المحدث بسبب كثرة الناس. وفي ذلك يقول السيوطي في ألفيته: ثم اتخذ مستمليًا محصلا وزد إذا يكثر جمع واعتلى، يبلغ السامع أو يفهم، واستنصر الناس إذا تكلموا، أحيانًا يكون هناك أكثر من مستملي. ويرغبون في كثير من الأحيان في مستملٍ جهوري الصوت، يقال كان هناك مستملٍ جهوري الصوت اسمه هارون بن سليمان، وكان يقال له الديك من قوة صوته، وكان إذا استملى معه المحدث إلى غيره، وكان بعض الشيوخ عنده أكثر من مستملٍ لكثرة الحضور.

يقول أحد العلماء وهو أحمد بن جعفر الختلي توفي سنة ٣٦٥: لما قدم علينا أبو مسلم الكجي وهو حافظ عالي الإسناد، فيجتمع عليه الطلاب، توفي سنة ٢٩٢، يقول لما أملى الحديث في رحبة غسان كان في مجلسه سبعة مستملين، يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يلي، وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر حتى مسحت الرحبة، وحسب من حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيفًا وأربعين ألفًا سوى النظارة، النظارة يعني الناس الذين يتفرجون. هذه صورة من صور العلم أو طلب الحديث في ذلك العصر، كيف أنه مزدهر على خلاف ما نحن فيه هذه الأيام. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.