دخولتسجيل الدخول

الحلقة 9

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

«نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ؛ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ كُنَّا ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أُمُورًا تَتَعَلَّقُ بِأَهَمِّيَّةِ الْإِسْنَادِ، وَأَنَّهُ خَصِيصَةٌ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ صُوَرِ ازْدِهَارِ الْعِلْمِ فِي عَصْرِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَالِازْدِحَامِ عَلَى الْعُلَمَاءِ. فِي هَذِهِ الْحَلْقَةِ سَوْفَ أُكْمِلُ بَعْضَ مَا تَكَلَّمْتُ عَنْهُ فِي الْحَلْقَةِ الْمَاضِيَةِ.

لَقَدْ كَانَ عِلْمُ الْحَدِيثِ يَتَبَلْوَرُ شَيْئًا فَشَيْئًا فِي تِلْكَ الْعُصُورِ، وَتَتَّضِحُ مَعَالِمُهُ وَقَوَاعِدُهُ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ وَسَطَ بِيئَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَجِيبَةٍ يَنْدُرُ فِي الْحَقِيقَةِ رُؤْيَةُ مِثْلِهَا فِي سَائِرِ الْعُلُومِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ فَهْمَ كَلَامِ النُّقَّادِ مِنَ الِاطِّلَاعِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْبِيئَةِ الْعِلْمِيَّةِ. قَدْ أَشَرْنَا فِيمَا سَبَقَ إِلَى ازْدِحَامِ طُلَّابِ الْعِلْمِ عَلَى الْمُحَدِّثِينَ وَوُجُودِ الْأَعْدَادِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تُقَدَّرُ بِالْآلَافِ، بِحَيْثُ يَحْتَاجُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى مُسْتَمْلٍ أَوْ أَكْثَرَ كَيْ يُبَلِّغَ مَا قَالَهُ الْمُحَدِّثُ لِلْحَاضِرِينَ، وَالْمُسْتَمْلِي هُوَ بِمَثَابَةِ الْمُكَبِّرِ.

كَانَ آخِرُ مَا ذَكَرْتُهُ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ مَجْلِسَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ حِينَ أَمْلَى الْحَدِيثَ فِي رَحَبَةِ غَسَّانَ كَانَ فِيهِ سَبْعَةُ مُسْتَمْلِينَ؛ وَذَلِكَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْحَاضِرِينَ. إِنَّمَا كَثُرَ الْحَاضِرُونَ مِنْ طُلَّابِ الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ لِأَنَّ إِسْنَادَهُ كَانَ عَالِيًا جِدًّا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَحَادِيثَ ثُلَاثِيَّةَ الْإِسْنَادِ؛ يَعْنِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ ثَلَاثَةُ رُوَاةٍ: الصَّحَابِيُّ، وَالتَّابِعِيُّ، وَتَابِعُ التَّابِعِيِّ. هَذَا شَيْءٌ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فِي وَقْتِ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ الَّذِي تُوُفِّيَ سَنَةَ 292.

أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ كُلُّهُمْ تُوُفُّوا قَبْلَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ بِزَمَنٍ إِلَّا النَّسَائِيَّ؛ فَمَثَلًا الْبُخَارِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ 256، وَمُسْلِمٌ سَنَةَ 261، فَبَقِيَ أَبُو مُسْلِمٍ بَعْدَهُمْ 30 سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. الْبُخَارِيُّ نَفْسُهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثُّلَاثِيَّةِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَالتِّرْمِذِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ 279، لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الثُّلَاثِيَّاتِ إِلَّا حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَفِيهِ أَيْضًا كَلَامٌ. وَأَمَّا أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ هَذَا فَعِنْدَهُ أَحَادِيثُ ثُلَاثِيَّةُ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ. قَدْ سَاعَدَهُ عَلَى الْحُصُولِ عَلَى تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَجَعَلَهُ مُتَفَرِّدًا بِهَا فِي زَمَنِهِ أَمْرَانِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ سَنَةَ 200، وَطَلَبَ الْحَدِيثَ وَهُوَ صَغِيرُ السِّنِّ فَأَدْرَكَ بَعْضَ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ؛ وَهَكَذَا الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، فَقَدْ وُلِدَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي وَقْتٍ مُقَارِبٍ لِلْوَقْتِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ، وَكِلَاهُمَا طَلَبَ الْحَدِيثَ صَغِيرَيْنِ، إِلَّا أَنَّ بَلَدَ الْبُخَارِيِّ كَانَ بَعِيدًا وَهُوَ بُخَارَى، وَبَلَدُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ كَانَ الْبَصْرَةَ وَهِيَ مَدِينَةٌ عِلْمِيَّةٌ.

الْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي سَاعَدَ أَبَا مُسْلِمٍ الْكَجِّيَّ عَلَى عُلُوِّ إِسْنَادِهِ أَنَّهُ عَمَّرَ طَوِيلًا، فَقَدْ تُوُفِّيَ كَمَا ذَكَرْتُ سَنَةَ 292، وَقَدْ قَارَبَ 100 سَنَةً، بَيْنَمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ تُوُفِّيَا قَبْلَهُ بِـ30 سَنَةً تَقْرِيبًا. فَكَانَ هَذَا سَبَبًا جَعَلَ طُلَّابَ الْحَدِيثِ يَكْثُرُونَ فِي مَجْلِسِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ يَعْلُو إِسْنَادُهُمْ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ، فَيُسَاوُونَ بِذَلِكَ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ الَّذِي يُعْتَبَرُ شَيْخًا لِشُيُوخِهِمْ، فَيَكُونُونَ كَأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ الَّذِي رُبَّمَا تُوُفِّيَ قَبْلَ مِيلَادِ بَعْضِهِمْ بِسِنِينَ طَوِيلَةٍ، بَلْ وَكَأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدَهُ ثُلَاثِيَّاتٌ، فَبِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ كَأَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ 241، يَعْنِي قَبْلَ وَفَاةِ الْكَجِّيِّ بِـ60 سَنَةً، فَإِسْنَادُهُ فِي غَايَةِ الْعُلُوِّ؛ وَهَذَا يُفَسِّرُ لَنَا كَثْرَةَ طُلَّابِ الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِهِ.

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَحْتَاجُ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، وَهِيَ الْقُرْبُ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَعْنِي يَكُونُ بَيْنَ الرَّاوِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ الرُّوَاةِ، وَكُلَّمَا قَلَّ الْعَدَدُ كُلَّمَا كَانَ الْإِسْنَادُ عَالِيًا. وَهِيَ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي عُرِفَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي بِيئَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَمْرٌ يُحِبُّهُ طُلَّابُ الْحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ الطُّلَّابَ يَبْحَثُونَ عَنِ الْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ وَيَبْحَثُونَ عَنِ الشُّيُوخِ. لَا تُوجَدُ هَذِهِ الْأَسَانِيدُ الْعَالِيَةُ إِلَّا لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ ذَيْنِكَ الْأَمْرَيْنِ: التَّبْكِيرُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَهَذَا أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ يَرْجِعُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ نَفْسِهِ، مُمْكِنٌ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ وَهُوَ صَغِيرٌ فَيُدْرِكَ الْمُحَدِّثِينَ الْكِبَارَ فِي السِّنِّ، وَقَدْ يَتَبَاطَأُ فَيَفُوتُ أُولَئِكَ الْمُحَدِّثُونَ. وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَمْرٌ قَدَرِيٌّ لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهِ وَهُوَ التَّعْمِيرُ، أَيْ طُولُ الْعُمْرِ، وَهَذَا مَنْ عَمَّرَ أَدْرَكَهُ الطُّلَّابُ الصِّغَارُ فَلَحِقُوا بِالْمُحَدِّثِينَ الْكِبَارِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: يَلْحَقُ الْأَحْفَادُ بِالْأَجْدَادِ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مُسَاوِينَ لِأُولَئِكَ الْكِبَارِ فِي الْإِسْنَادِ.

فَمَثَلًا فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ: تَلَامِيذُ الْكَجِّيِّ يَكُونُ عِنْدَهُمْ رُبَاعِيَّاتٌ، فَيَكُونُونَ مِثْلَ الْإِمَامِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ؛ فَالْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَعْلَى مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الرُّبَاعِيَّةُ، يَعْنِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةُ رُوَاةٍ، فَيَكُونُ مَنْ رَوَى عَنِ الْكَجِّيِّ كَأَنَّهُ فِي طَبَقَةِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ، وَبَيْنَ وَفَاةِ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ الطَّالِبِ الَّذِي سَيَرْوِي عَنِ الْكَجِّيِّ رُبَّمَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ 100 سَنَةٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْعُلُوِّ. هَذَا الْمَوْضُوعُ، يَعْنِي عُلُوَّ الْإِسْنَادِ، كَانَ مِنَ الْأَسْبَابِ الرَّئِيسِيَّةِ فِي اتِّسَاعِ الْحَرَكَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلِذَلِكَ رَحَلَ النَّاسُ لِطَلَبِ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ، رَحَلَ هُنَاكَ رِحْلَاتٌ كَثِيرَةٌ لِلْمُحَدِّثِينَ، وَكَانَ الْحَامِلُ عَلَيْهَا أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِدْرَاكُ الشُّيُوخِ لِتَحْصِيلِ الْعُلُوِّ، وَالثَّانِي لِقَاءُ الْحُفَّاظِ وَالْمُذَاكَرَةُ لَهُمْ وَالِاسْتِفَادَةُ مِنْهُمْ.

رَحَلَ فِي طَلَبِ الْإِسْنَادِ الْعَالِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَخْبَارُهُمْ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا سَبَقَ رِحْلَةَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ لِلِقَاءِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ؛ وَذَلِكَ لِأَجْلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ، رَحَلَ شَهْرًا كَامِلًا فَقَطْ لِأَجْلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ. وَهَكَذَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ رَحَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مِصْرَ لِلِقَاءِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِأَجْلِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ شَاعَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ حُبُّ الْعُلُوِّ وَهَذِهِ الْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ وَتَحْصِيلُهَا، كَمَا شَاعَ بَيْنَهُمْ كَرَاهَةُ النُّزُولِ أَوِ الْأَسَانِيدِ النَّازِلَةِ، وَالْأَسَانِيدُ النَّازِلَةُ هِيَ الَّتِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُحَدِّثِ وَبَيْنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: "الْحَدِيثُ بِنُزُولٍ كَالْقَارِ فِي الْوَجْهِ"، وَيَقُولُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: "النُّزُولُ شُؤْمٌ".

وَمِنَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو النَّيْسَابُورِيَّ الْمُسْتَمْلِيَ، الْحَافِظَ الْمَعْرُوفَ بِحَمْكُوَيْه -تُوُفِّيَ سَنَةَ 284-، اسْتَأْذَنَ شَيْخَهُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الذُّهْلِيَّ -وَهُوَ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 258- فِي الْخُرُوجِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ تُوُفِّيَ سَنَةَ 244، وَكَانَ عَالِيَ الْإِسْنَادِ. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ لِتِلْمِيذِهِ -لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهُ تِلْمِيذُهُ لِنَجَابَتِهِ وَصَلَاحِهِ-: "يَا أَبَا عَمْرٍو، انْزِلْ دَرَجَةً" -يَعْنِي مَا فِي إِشْكَالِيَّةٍ لَوْ تَنْزِلُ دَرَجَةً فِي الْحَدِيثِ، يَعْنِي يَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدٌ زِيَادَةٌ- "وَاكْتُبْ مَا شِئْتَ"، يَعْنِي سَأُمْلِي عَلَيْكَ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ لَهُ التِّلْمِيذُ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، النُّزُولُ شُؤْمٌ".

وَإِنَّمَا كَانَ النُّزُولُ شُؤْمًا لِأَنَّ عِلْمَ الْمُحَدِّثِ لَا يَنْتَشِرُ إِذَا كَانَ حَدِيثُهُ نَازِلًا، بَيْنَمَا إِذَا كَانَ حَدِيثُهُ عَالِيًا يَأْتِيهِ الطُّلَّابُ فَيَنْتَشِرُ عِلْمُهُمْ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْمُحَدِّثُونَ إِذَا سَمِعُوا بِشَيْخٍ ثِقَةٍ عَالِي الْإِسْنَادِ رَحَلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَقْطَارِ، وَنَجِدُ أَصْحَابَ كُتُبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَذْكُرُونَ فِي تَرْجَمَتِهِ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ مَثَلًا: فُلَانٌ كَانَتِ الرِّحْلَةُ إِلَيْهِ فِي زَمَنِهِ، أَوْ رَحَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ لِعُلُوِّ إِسْنَادِهِ، وَنَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ.

وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَحْتَفِظُ بِعَوَالِي الْأَسَانِيدِ وَلَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا فِي أَوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لِكَيْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْأَوْقَاتِ؛ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ عِنْدَهُ أَحَادِيثُ عَالِيَةٌ وَأَحَادِيثُ يَتَفَرَّدُ بِهَا يُسَمِّيهَا "أَحَادِيثَ السَّنَةِ"، لَا يُحَدِّثُ بِهَا فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً، مِنْهُمْ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، وَهُوَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعُلُوِّ؛ عُلُوِّ الْأَسَانِيدِ، فَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَحَادِيثُ مَخْصُوصَةٌ إِنَّمَا يَرْوِيهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَانَ يُسَمِّيهَا "أَحَادِيثَ السَّنَةِ".

وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إِذَا أَرَادُوا إِبْرَازَ مَكَانَتِهِمُ الْعِلْمِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ سَاقُوا الْأَسَانِيدَ الْعَالِيَةَ. مَرَّةً مِنَ الْمَرَّاتِ قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ -تُوُفِّيَ سَنَةَ 188- إِلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ أُخْلِيَ مَجْلِسُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ؛ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ الْكِبَارِ، فَالنَّاسُ تَوَجَّهُوا إِلَى هَذَا الْمُحَدِّثِ الْجَدِيدِ الَّذِي جَاءَهُمْ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ مُحَدِّثُ الْكُوفَةِ هُوَ تِلْمِيذُ عَاصِمٍ، مِثْلَ حَفْصٍ، حَفْصٌ تِلْمِيذُ عَاصِمٍ الْقَارِئِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِاسْمِ شُعْبَةَ. فَلَمَّا أُخْلِيَ مَجْلِسُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ الَّذِي هُوَ شُعْبَةُ لِأَنَّ الطُّلَّابَ تَوَجَّهُوا إِلَى ذَلِكَ الْمُحَدِّثِ الْجَدِيدِ الَّذِي قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: "وَاللهِ لَأُخْرِجَنَّ غَدًا مِنْ رِجَالٍ رَجُلَيْنِ لَا يَبْقَى عِنْدَ جَرِيرٍ أَحَدٌ"، وَيَقْصِدُ بِرِجَالِهِ شُيُوخَهُ، يَعْنِي أَنَّهُ سَيُحَدِّثُ غَدًا عَنْ شُيُوخٍ عَالِينَ الْإِسْنَادِ. فَلَمَّا جَاءَ مِنَ الْغَدِ حَدَّثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي حُصَيْنٍ، وَهَذَانِ الشَّيْخَانِ عَالِيَانِ جِدًّا؛ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّبِيعِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ 127، وَهُوَ إِمَامُ الْكُوفَةِ فِي زَمَنِهِ، يَرْوِي عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا أَبُو حُصَيْنٍ فَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ، أَحَدُ حُفَّاظِ الْكُوفَةِ أَيْضًا، يَرْوِي عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ يَرْوِي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَيَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ رَجَعَ الطُّلَّابُ إِلَى مَجْلِسِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ حِرْصًا عَلَى هَذِهِ الْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا. نَقِفُ قَلِيلًا ثُمَّ نَعُودُ إِلَيْكُم بَعْدَ وَقْتٍ قَصِيرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ.

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. اسْتَمَرَّ حِرْصُ الطُّلَّابِ عَلَى الْأَسَانِيدِ الْعَالِيَةِ، وَشَاعَ التَّنَافُسُ بَيْنَهُمْ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ مَعَ مُرُورِ الْوَقْتِ حَتَّى بَلَغَ الْأَمْرُ بِأَنْ يَحْرِصَ الْكَثِيرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الطُّلَّابِ عَلَى الِانْفِرَادِ عَنْ أَقْرَانِهِ بِتِلْكَ الْأَسَانِيدِ، وَأَدَّى ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِلَى أُمُورٍ لَا تُسَاعِدُ فِي نَشْرِ الْعِلْمِ لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ كَوَّنَتْ بِيئَةً عِلْمِيَّةً عَالِيَةً وَقَوِيَّةً جِدًّا؛ وَذَلِكَ لِمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنَ التَّنَافُسِ عَلَى الطَّلَبِ وَالتَّمَيُّزِ فِيهِ. وَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا التَّنَافُسِ بَيْنَهُمْ.

يَقُولُ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ -وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ وَإِمَامُ الْعِلَلِ فِي زَمَنِهِ وَهُوَ الَّذِي تَعَلَّمَ مِنْهُ النَّاسُ عِلْمَ الْعِلَلِ-: "وَأَيُّ شَيْءٍ أَلَذُّ مِنْ أَنْ تَلْقَى شَيْخًا قَدْ لَقِيَ النَّاسَ" -يَعْنِي أَنَّهُ عَالِي الْإِسْنَادِ- "وَأَنْتَ تَسْتَثِيرُهُ وَتَسْتَخْرِجُ مِنْهُ الْعِلْمَ قَدْ خَلَوْتَ بِهِ". وَهُنَا تَتَّضِحُ إِرَادَةُ الِانْفِرَادِ بِالْعُلُوِّ؛ لِأَنَّ تَحْدِيثَ الشُّيُوخِ لَا يَكُونُ دَائِمًا مُتَاحًا. فَهُوَ هُنَا يَتَمَنَّى أَنْ يَحْصُلَ عَلَى شَيْخٍ عَالِي الْإِسْنَادِ وَقَدْ سَمَحَ ذَلِكَ الشَّيْخُ بِالِانْفِرَادِ بِهِ وَأَعْطَاهُ كُلَّ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ، فَهَذَا يَعْنِي لَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ إِذَا حَصَلَ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْخِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ لَهُ تَفَرُّدٌ عَنْ غَيْرِهِ.

وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ وَهُوَ أَيْضًا إِمَامُ الْعِلَلِ فِي زَمَنِهِ -تُوُفِّيَ سَنَةَ 233-، فَكَانَ يَقُولُ: "أَشْتَهِي أَنْ أَقَعَ عَلَى شَيْخٍ ثِقَةٍ عِنْدَهُ بَيْتٌ مَلِيءٌ كُتُبًا أَكْتُبُ مِنْهُ وَحْدِي". وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ عَنْهُ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الْأَحَادِيثَ الْمُهِمَّةَ عِنْدَ الشُّيُوخِ؛ هَكَذَا عَادَةُ الْحُفَّاظِ لَا يَكْتُبُونَ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَ الشُّيُوخِ لِأَنَّ الزَّمَانَ قَصِيرٌ، فَهُمْ يَحْتَاجُونَ أَنْ يَنْتَخِبُوا مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ. فَابْنُ مَعِينٍ يَشْتَهِي أَنْ يَكْتُبَ عَنِ الشَّيْخِ وَحْدَهُ لِكَيْ يَنْتَخِبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الْمُهِمَّةَ بِحَيْثُ لَا يَدْرِي عَنْهَا الْآخَرُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مَعَهُ لَعَلِمُوا بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُهِمَّةِ وَأَخَذُوهَا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ. وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْأَحَادِيثَ الْمُهِمَّةَ النَّفِيسَةَ عِنْدَ كُلِّ شَيْخٍ الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ حِفْظِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ مَا يُوجَدُ عِنْدَ كُلِّ رَاوٍ أَوْ عِنْدَ كُلِّ شَيْخٍ. وَلِذَلِكَ يَذْهَبُ طُلَّابُ الْعِلْمِ إِلَى الْحُفَّاظِ وَيَسْأَلُونَ عَنِ الشُّيُوخِ، فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَطْلُبُ مِنْهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ؟ أَوْ أَيُّ شَيْءٍ نَأْخُذُ عَنْهُمْ مِنَ الْحَدِيثِ؟ فَمِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ يُفِيدُ غَيْرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَبُخْلُهُ لِكَيْ يَنْفَرِدَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْمُهِمَّةِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ الطُّلَّابُ إِلَيْهِ فَيَرْوُونَ عَنْهُ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْمُنَافَسَةِ الَّتِي شَاعَتْ فِي بِيئَةِ الْمُحَدِّثِينَ.

يَقُولُ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ -وَهُوَ إِمَامٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ تُوُفِّيَ سَنَةَ 250، وَهُوَ شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ- وَهُوَ تِلْمِيذٌ لِابْنِ جُرَيْجٍ: "مَا طَابَتْ نَفْسِي أَنْ أُفِيدَ إِنْسَانًا حَدِيثًا قَطُّ، وَلَا سَمِعَ مَعِي أَحَدٌ حَدِيثًا قَطُّ فَأَعْطَيْتُهُ". مَعْنَى قَوْلِهِ هُنَا: "مَا طَابَتْ نَفْسِي أَنْ أُفِيدَ إِنْسَانًا حَدِيثًا قَطُّ"، يَعْنِي مَا سَمَحَتْ نَفْسِي بِأَنْ أُخْبِرَ طَالِبَ حَدِيثٍ بِمَا اكْتَشَفْتُهُ مِنَ الْعُلُوِّ عِنْدَ شَيْخٍ مَا، أَوْ مِنْ أَهَمِّيَّةِ حَدِيثٍ مُعَيَّنٍ؛ فَهُوَ يُرِيدُ الِاسْتِئْثَارَ بِالْعُلُوِّ أَوْ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ لِكَيْ يَضْطَرَّ الْآخَرُونَ لِلْأَخْذِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ ذَلِكَ الشَّيْخِ أَوْ بَعْدَ عَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى الْأَخْذِ عَنْهُ كَالسَّفَرِ مَثَلًا.

وَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ -وَهُوَ تِلْمِيذُ الْأَعْمَشِ، اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ عَنِ الْأَعْمَشِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 195، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْمُلَازِمِينَ لِلْأَعْمَشِ- يَقُولُ: "لَقِيَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ" -وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ تَلَامِيذِ الْأَعْمَشِ، لَكِنَّهُ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ، وَهُوَ مِنَ النُّقَّادِ الْكِبَارِ، حَتَّى إِنَّ الْأَعْمَشَ يُقِرُّ لِسُفْيَانَ بِمَعْرِفَةِ سُفْيَانَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ، كَانَ يَقُولُ: سُفْيَانُ أَعْرَفُ بِحَدِيثِي مِنِّي- يَقُولُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ: "لَقِيَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بَعْدَ مَوْتِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ لِي: كَيْفَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ كَيْفَ حَالُكَ؟ ثُمَّ قَالَ لِي: سَمِعْتَ مِنَ الْأَعْمَشِ كَذَا؟ وَذَكَرَ حَدِيثًا. فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَسَمِعْتَ مِنْهُ كَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا. فَجَعَلَ يُحَدِّثُنِي بِأَحَادِيثَ كَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا، وَإِنَّمَا حَدَّثَهُ الثَّوْرِيُّ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَعْمَشِ هَذَا لِيُخْبِرَهُ أَنَّهُ اطَّلَعَ عِنْدَ الْأَعْمَشِ عَلَى أَحَادِيثَ تُوجَدُ عِنْدَهُ؛ وَهَذَا تَمَيُّزٌ لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَازَمُوا الْأَعْمَشَ كَثِيرًا، لَكِنَّ اللهَ عَوَّضَ أَبَا مُعَاوِيَةَ بِتَأَخُّرِ مَوْتِهِ".

بعد موت سفيان الثوري بأكثر من ثلاثين سنة، صار الانتشار لحديثه عن الأعمش أكثر من الانتشار لحديث الثوري عن الأعمش، وقد وقع مثل هذا عن سفيان مع عدة مشايخ. سفيان الثوري كان فعالاً، لذلك يقول إسماعيل بن عبد الرحمن الأزدي: سمعت أبا عاصم، الضحاك بن مخلد النبيل، سمعته يقول: ظننت أني قد حملت كل شيء عند ابن جريج، فلما مات كنا على القبر فنظر إلي سفيان الثوري، فقال: يا ضحاك، تحفظ عن عطاء كره صلاة المكتوبة في قلب الكعبة؟ قلت: لا، قال: حدثني صاحب القبر، ما حدثه إلا بعد أن مات ابن جريج. قال أبو عاصم: فحدثت ابن داود بهذا الحديث فقال: كان سفيان صاحب دهاء.

وظننت أنا ووكيع ومحمد بن بشر أننا لم نبقِ عند مسعر شيئاً من الحديث، فلما مات مسعر أخبرنا سفيان بثلاثة أحاديث عن مسعر، ليس مع أحد منا منها شيء. وهذا يدلنا على أن سفيان الثوري كان كثير الطلب وكثير التنقيب للحديث، وأن حبه لتحصيل الحديث ومعرفته يجعله أهلاً للانفراد وأهلاً للتميز على غيره. وقد كان سفيان يخشى على نفسه من حب الحديث، فكان يقول: وددت أني أنجو من هذا الأمر كفافاً، لا علي ولا لي. وكان يقول: ما أخاف على نفسي شيئاً أن يدخلني النار إلا الحديث. يقول هذا مع شدة ورعه رضي الله عنه ومع تقواه وزهده، وسيأتي الكلام عند ذكر ترجمته إن شاء الله، فهو من الأئمة الزهاد الحفاظ.

من ملح ما حصل بين الحفاظ من المنافسة على التفرد بالشيوخ، ما وقع بين ابن عيينة وابن جريج، وذلك أن سفيان بن عيينة وابن جريج كلاهما من أهل مكة، من أئمة الحجاز. روى حديثاً في الإهلال عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو من أئمة المدينة، قال سفيان: وكان ابن جريج قد كتم حديثاً، فلما قدم علينا عبد الله بن أبي بكر لم أخبره به لما قدم مكة، فلما خرج إلى المدينة صرت أحدثه بذلك الحديث، فقال لي: يا عود، تخفي عنا الأحاديث فإذا ذهب أهلها أخبرتنا بها؟ لا أرويه عنك، أتريد أن أرويه عنك؟ لا أرويه عنك. وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر في المدينة فكتب إليه به عبد الله بن أبي بكر، فصار ابن جريج يحدث به كتابه فيقول: كتب إلي عبد الله بن أبي بكر. وقد حصل بينهما مثلها كثير.

يقول سفيان بن عيينة: كنت آتي ابن جريج فأقول: تحفظ كذا؟ فربما قال لي: لا، وربما قال لي: أما أنت مسلم؟ تخبئ عنا الأحاديث حتى يذهبوا. ومرة قال ابن عيينة لابن جريج: دلني وأدلك على المشايخ إذا قدموا إلى موسم الحج، فقدم يحيى بن يحيى الغساني فسمعت منه ولم أعلمه، ما أخبر ابن جريج. فلما انقضى الموسم ورجعوا قال: اجتمعنا نتذاكر، فذكرت يحيى بن يحيى الغساني، فقال: متى سمعت منه؟ قلت: كان حضر الموسم. فقال عند ذلك غضب وقال: حدثني فلان وحدثني فلان، وصار يعدد بعض الشيوخ ويقول: من خنس عنا يحيى بن يحيى الغساني خنس عنه مثل هؤلاء. حتى ابن جريج قد كتم بعض المشايخ.

ومن غرائب المنافسات في هذا الباب ما حصل أيضاً بين شعبة بن الحجاج وهشيم بن بشير، وهشيم بن بشير تأخر عن شعبة، توفي في سنة 183 وشعبة في سنة 160. يقول شعبة: خرجت أنا وهشيم إلى مكة، فلما قدمنا الكوفة، وهشيم من أهل واسط، مروا على الكوفة. قال: رآني وأنا قاعد مع أبي إسحاق السبيعي، وهو حافظ الكوفة، فقال لي: من هذا؟ قلت: شاعر السبيع. قال: فلما خرجنا إلى مكة جعلت أقول له: حدثنا أبو إسحاق، حدثنا أبو إسحاق، فقال لي: وأين رأيته؟ فقلت: الذي قلت لك شاعر السبيع هذا هو أبو إسحاق. قال: فلما قدمنا مكة مررت به وهو قاعد مع الزهري، فقلت يا أبا معاوية، من هذا الرجل؟ فقال: شرطي لبني أمية؛ لأن الزهري كان مع بني أمية عاملاً عنده. فلما قفلنا جعل يقول: حدثنا الزهري، حدثنا الزهري، فقلت: أي مكان رأيت الزهري؟ وكان الزهري من أهل الشام وحج. قال: الذي رأيته معي قلت لك شرطي لبني أمية! قال شعبة: أرني الكتاب، فأخذ الكتاب وخرقه، وكان هذا في بداية الطلب ولم يحفظه شيء من تلك الصحيفة إلا أربعة أحاديث، فكان يحدث بها.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.