دخولتسجيل الدخول

الحلقة 10

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع».

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛ فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عما يكون في البيئة العلمية بين أهل الحديث من التنافس على تحصيل الحديث وعلى طلب العلو فيه، وسأتحدث في هذه الحلقة بإذن الله سبحانه وتعالى عن أمر آخر انتشر في هذه البيئة العلمية لأهل الحديث، وهو ما يسمى بالمذاكرة.

المذاكرة في اللغة مفاعلة من الذكر، والمراد بالذكر هنا التذكر أو الاعتماد على الحفظ عند جريان الكلام على اللسان، والمفاعلة لا تكون إلا بين اثنين فأكثر. وعلى هذا يمكن أن نعرف المذاكرة في اصطلاح المحدثين بأنها جريان الكلام بالأحاديث حفظاً بين اثنين فأكثر.

هناك مصطلحات أخرى للمحدثين قد تلتبس بالمذاكرة، وهي التحديث والإملاء والعرض. التحديث هو أن يحدث الشيخ التلاميذ ابتداءً، بمعنى أنه هو الذي يتولى قراءة الأحاديث التي يرويها عليهم، إما أن يقرأها من حفظه وإما أن يقرأها من كتابه؛ هذا هو التحديث. وأما الإملاء فيعتبر تحديثاً أيضاً، إلا أنه يتمهل الشيخ فيه حتى يتمكن الطلاب من الكتابة، فيسمى إملاءً؛ ولذلك سُمي الإملاء إملاءً أن الشيخ يحدث والطلبة يكتبون، وهذا النوع أرفع أنواع التحديث وهو أحب الأنواع إلى الطلاب.

وأما العرض ويسمى القراءة على الشيخ، فهذا يقرأ الطلاب على الشيخ هذه الأحاديث؛ أي أن الشيخ لا يتكلم وإنما تُقرأ عليه الأحاديث وهو يسمع، فيقول القارئ مثلاً: حدثكم أو أخبركم فلان، إلى آخر الحديث، ثم يقر الشيخ بذلك، فيقول مثلاً: «نعم» في آخر الحديث أو في آخر الكتاب. هذه الأنواع الثلاثة التي هي التحديث والإملاء والعرض هي التي يعتمد عليها المحدثون عند التحديث، لأن الغالب على المحدث إذا أراد التحديث أن يكون متهيئاً ومتحرياً عن الخطأ، لا يحدث إلا بما يحفظ؛ بخلاف المذاكرة، فإن من عادة الناس في المذاكرة التساهل في الرواية، لأنهم إنما يتذاكرون لأجل سماع أكبر قدر من الأحاديث، ولمعرفة ما عند المحدث من الأحاديث المهمة، فهم أحياناً يتساهلون في مسألة المذاكرة.

ولذلك حذر المحدثون من الاعتماد على المذاكرة أشد التحذير؛ لا ينبغي أن يحدث المحدث بشيء سمعه في المذاكرة. ولذلك اشترطوا أن يقول المحدث في حديثه الذي أخذه من شيخه في حال المذاكرة أن يقول: حدثنا فلان مذاكرةً، لكي ينتبه الناقلون عنه أن هذا الحديث جاء عن طريق المذاكرة.

لكن المذاكرة لها فوائد كبيرة فلا يستغني عنها طالب علم، فهي من أعظم ما يعين على الحفظ وعلى ثبات المحفوظ وعلى استذكار المنسي وعلى تصحيح الخطأ وعلى التنبيه على الإشكال، وهناك غير ذلك من الفوائد؛ ولذلك قيل: حفظ سطرين خير من كتابة ورقتين، وخير منهما مذاكرة بين اثنين. وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «تذاكروا الحديث، فإن مذاكرة الحديث تهيج الحديث». والزهري يقول: إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة، فالمذاكرة تركها يذهب العلم.

أهمية المذاكرة كانت عند بعض الأئمة تجعلهم يقدمونها على النوافل. يقول يحيى بن سعيد القطان وهو أحد الحفاظ الكبار: ما رأيت رجلاً أفضل من سفيان الثوري، لولا الحديث كان يصلي بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فإذا سمع مذاكرة الحديث ترك الصلاة وجاء. وكان عبد الله بن أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول: لما قدم أبو زرعة الرازي ونزل عند أبي، كان كثير المذاكرة لأبي؛ قال: فسمعت أبي يقول يوماً: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي. وهذا النص من الإمام أحمد يدل على أمرين: الأمر الأول يدل على أهمية المذاكرة خصوصاً مع الحفاظ، وأن فوائدها مقدمة على النوافل، وقد قال أهل العلم: فضل العلم خير من فضل العبادة. والأمر الثاني يدل على مكانة أبي زرعة الرازي في الحديث، بحيث كان الإمام أحمد على جلالته يقدم مذاكرته على نوافله.

وقد كان أبو زرعة الرازي عجباً في الحفظ، ومن عجائبه ما حصل له مع الشاذكوني حين حضر مجلس محمد بن سليمان الشاذكوني، حدث الشاذكوني بحديث أخطأ في إسناده، فكلم أبو زرعة المستملي وصحح للشيخ، فكلم المستملي الشاذكوني فرجع إلى الصواب. ثم حدث بحديث آخر -ونحن ذكرنا لكم سابقاً أن المستملي معناه الذي يبلغ الصوت- فذكر أبو زرعة للمستملي أنه خطأ، فأخبر المستملي الشاذكوني، فعند ذلك غضب الشاذكوني فنظر إليه وتناقش معه في الإسناد، فلما رأى الشاذكوني صواب ما ذكر أبو زرعة، سأله عن مسألة في الفقه أراد أن يؤدبه أمام الناس؛ هو شيخ وهذا طالب كان ينبغي عليه أن يتأدب ولا يخطئ الشيخ، لكنه كان حافظاً. فقال له: ما تقول في من جعل الأذان مكان الإقامة؟ يقولها الشاذكوني لأبي زرعة، وهذه مسألة ليس فيها أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ وإنما فيها أقوال أهل العلم، فكان الشاذكوني يظن أن أبا زرعة لا يحفظ فيها شيئاً.

فقال أبو زرعة: من قال هذا؟ قال: الشعبي. وهو عامر بن شراحيل الشعبي من أئمة التابعين من أهل الكوفة. قال: ومن عن الشعبي؟ فذكر إسناده. ثم قال: ومن غير الشعبي؟ قال أبو زرعة: إبراهيم النخعي، وهو إمام مثل الشعبي من أهل الكوفة. قال: من عن إبراهيم؟ قال أبو زرعة: فقلت: حدثنا أبو نعيم، حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: أخطأت. قال: فقلت: أبو نعيم، عن جعفر الأحمر، عن مغيرة، قال: أخطأت. قال: قال أبو زرعة: فقلت: أبو نعيم، حدثنا أبو كدينة، عن مغيرة، قال: أصبت. يقول أبو زرعة: وكنت كتبت هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخي قديماً، فما طالعتها منذ كتبتها، لكنه كان مستحضراً هذه الأسانيد.

ولأجل أن المذاكرة ليست تحديثاً، بحيث لا يمكن أن يتحمل المحدث عِبء الخطأ فيه، كانت تهوي الحفاظ، لأن فيها فوائد، والحافظ لا يكون جامداً للتحديث. يقول علي بن المديني: ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة وذلك من شدة شهوتهم للحديث: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وكلاهما شيخ له، ووكيع بن الجراح وهو شيخ له، وسفيان بن عيينة، وأبو داوود الطيالسي، وعبد الرزاق؛ كل هؤلاء شيوخ لعلي بن المديني ولذلك ذكرهم رضي الله عنه، ولو أدرك سفيان الثوري لذكره معهم، وكان سفيان أحب للمذاكرة من غيرهم.

وقد كان كثير من الأئمة رضي الله عنهم لشغفهم بالمذاكرة يهجرون الراحة والدعة ويؤثرون السهر ويؤثرون الجوع، فربما سهر بعضهم الليل كله حتى يبرق الفجر وحتى يؤذن المؤذن. ومن ذلك أن علي بن المديني ذكر مذاكرة وكيع بن الجراح وهو أحد الحفاظ، وعبد الرحمن بن مهدي وهو أيضاً أحد الحفاظ، كلاهما مات في وقت متقارب، الأول مات في سنة 197 وابن مهدي مات في سنة 198 وكان ابن مهدي آية في العلم. يقول ابن المديني: تذاكرا ليلة في المسجد الحرام فلم يزالا حتى أذن المؤذن وأذان الصبح.

وأيضاً مثل ذلك يقول محمود بن آدم المروزي: رأيت وكيعاً وبشر بن السري وهو أيضاً من الحفاظ توفي سنة 196 يتذاكران ليلة من العشاء إلى أن نودي بالفجر، فلما أصبحنا قلنا لبشر: كيف رأيت وكيعاً؟ قال: ما رأيت أحفظ منه. ويقول علي بن الحسن بن شقيق العبدي توفي سنة 215 وهو من الحفاظ: كنت مع عبد الله بن المبارك وهو من شيوخه في ليلة شتوية باردة، فقمنا لنخرج من المسجد، فلما كان عند باب المسجد ذاكرني بحديث وذاكرته بحديث، فما زال يذاكرني وأذاكره حتى جاء المؤذن فأذن لصلاة الصبح.

وأيضاً قتيبة بن سعيد البغلاني وهو أحد الحفاظ، كان يقول: كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل فيقف على الباب فيذاكره. وقتيبة قال: فيأخذ وكيع ليلة بعضادتي الباب ويقول لأحمد: يا أبا عبد الله، أريد أن ألقي عليك حديث سفيان -سفيان وهو شيخ وكيع، سفيان الثوري- قال: هات. أحمد لا يصل إلى سفيان الثوري إلا بشيوخه وكيع وابن مهدي. قال: هات. قال: تحفظ عن سفيان، عن سلمة بن كهيل كذا؟ قال: نعم، حدثنا يحيى، يقصد يحيى القطان. فقال له: وعن سلمة كذا وكذا؟ قال: نعم، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي. فيقول له: وعن سلمة كذا وكذا؟ فيقول: نعم، أنت حدثتنا؛ حتى ينتهي من سلمة، فيقول أحمد بعدما ينتهي: فتحفظ أنت عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، فلم يزل قائماً حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة.

وهذه المذاكرة التي حدثت بين أحمد بن حنبل وبين شيخه وكيع تدل على شدة حفظ الإمام أحمد بن حنبل، وأنه أحفظ من شيخه وكيع مع حفظ وكيع، وهذا من فوائد المذاكرات أنها تبين حفظ الحفاظ وتدل على مكانتهم من العلم. ومن أعجب ذلك قول الثوري في يحيى القطان، ويحيى القطان تلميذ للثوري، يقول عبد الرحمن بن مهدي وهو من أحفظ الناس كما ذكرت مراراً: لما قدم الثوري البصرة وعبد الرحمن كان في البصرة ويحيى بن القطان، قال: يا عبد الرحمن، جئني بإنسان أذاكره. قال: فأتيته بيحيى بن سعيد القطان فذاكرا، فلما خرج يحيى بن سعيد قال: قلت لك جئني بإنسان، جئتني بشيطان! يعني لبهره بحفظه، وهذا القول من الثوري شهادة عظيمة في حق يحيى بن سعيد القطان.

ومن فوائد المذاكرة أيضاً حفظ ما لم يُحفظ وتثبيت المحفوظ واستذكار المنسي كما ذكرت. يقول أبو بكر بن زنجويه وهو أحد الحفاظ توفي سنة 258: قدمت مصر فأتيت أحمد بن صالح المصري، وأحمد بن صالح المصري من الحفاظ أيضاً توفي سنة 248، قال: فسألني من أين أنت؟ فقلت له: من بغداد. قال: أتعرف أحمد بن حنبل؟ قلت: أنا من أصحابه. قال: تدلني عليه؟ فكتبت له موضع منزلي. فلما جاء إلى العراق، طلبني، فذكر الموعد الذي بيني وبينه، قال: تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل. فذهبت به إلى أحمد بن حنبل فاستأذنت، فذاكرا، قال له أحمد بن حنبل: بلغني عنك أنك جمعت حديث الزهري، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أصحاب رسول الله ﷺ. فجعلا يتذاكران ولا يغرب أحدهما على الآخر حتى فرغا. والإغراب معناه أن يأتي أحد بحديث لا يعرفه الآخر.

ثم يقول أبو بكر بن زنجويه: وما رأيت أحسن من مذاكرتهما. ثم قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد الصحابة. فجعلا يتذاكران ولا يغرب أحدهما على الآخر، إلى أن قال أحمد بن حنبل: يا أحمد بن صالح المصري، عندك عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال النبي ﷺ: «ما يسرني أن لي حُمر النعم، وأن لي حلف المطيبين»؟ فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ يعني أنه لا يعرف هذا الإسناد لهذا الحديث، وكأنه ينكر أن يوجد مثل هذا الحديث، وهذا هو الإغراب. قال: فجعل أحمد يتبسم ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول أو صالح عبد الرحمن بن إسحاق. قال: ومن رواه عن عبد الرحمن بن إسحاق؟ قال: حدثناه رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية وبشر بن المفضل. فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا وقفنا قبل الفاصل عند مذاكرة أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح المصري، وإغراب أحمد بن حنبل عليه بحديث «ما يسرني أن لي حُمر النعم، وأن لي حلف المطيبين»، فقال له: أتقول هذا وأنت الأستاذ؟ المهم أنه سأله أن يمليه عليه. قال أحمد بن صالح المصري لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي؛ يعني أصبحوا انتقلوا من المذاكرة إلى التحديث، فأملاه عليه. فقال أحمد: من الكتاب، من الكتاب. وهذا من شدة احتياط أحمد بن حنبل رضي الله عنه، فقام أحمد ودخل وأخرج الكتاب وأملاه عليه. فقال أحمد بن صالح المصري: لو لم أستفد من بغداد أو من العراق إلا هذا الحديث لكان شيئاً كثيراً.

ثم ودعه وخرج، وكلمة أحمد بن صالح المصري هنا في قوله: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث لكان كثيراً، تدلنا على سعة حفظ هؤلاء الحفاظ، حيث إن الواحد منهم يعرف الأحاديث التي في الأمصار الأخرى بحيث لا يمكن لأحد أن يغرب عليه؛ يعني أحمد بن حنبل أو أهل العراق ما أغربوا على أحمد بن صالح المصري إلا هذا الحديث الذي أغرب به أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين. وسعة حفظ الحفاظ للحديث أمر عجيب، بحيث يدخل الواحد منهم بلداً من البلدان العلمية فلا يستطيع أحد منهم أن يفيده حديثاً ليس عنده.

ومن فوائد المذاكرة أيضاً إصلاح غلط الرواية. يقول أبو حاتم الرازي: كنت عند والينا إبراهيم بن معروف، وحضر محمد بن مسلم -يقصد ابن وارة- فقال: يا أبا حاتم ويا أبا عبد الله -يقوله للأمير- لو تذاكرتما! فكنت أسمع.

فقال: أنا أجريه، قد حُبِّب إليَّ الصدقة، فما تحفظون في الصدقة؟ فأخذ محمد بن مسلم يروي حديثاً بسنده عن عدي بن حاتم في إسلام عدي. قال أبو حاتم: فقلت له: لم يسألك الأمير عن إسلام عدي بن حاتم. فقال: صدقت، إنما سألت عن فضل الصدقة. فذكر حديثاً قال في إسناده عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه». فقلت له، يقولها أبو حاتم: ليس إسناده كما ذكرت. قال: لِمَ؟ قلت: ليس هو سالم بن أبي الجعد. فقال: هو عبيد بن أبي الجعد. قلت: ولا هو عبيد. فقال: من هو؟ وجعل يكرر: سالم بن أبي الجعد، عبيد بن أبي الجعد، عبيد بن... صار يكرر، فقال له الأمير: لا تخبره. قال: فسكت ساعة، فجعل يجهد أن يقع عليه فلم يقع عليه. فقال الأمير: أخبره الآن. فقلت: هو عبد الله بن أبي الجعد عن ثوبان. قال: صدقت، وعبد الله بن أبي الجعد، وسالم بن أبي الجعد، وعبيد بن أبي الجعد كلهم إخوة، لكن سالماً كان أشهرهم.

وهكذا هذه المذاكرات أحياناً تكون فيها شيء من التحدي، ويتمثل هذا التحدي في الإغراب، والإغراب كما ذكرت هو أن يأتي المحدث بحديث لا يعرفه الذي يذاكره، وهذا يقع أحياناً لكنه يعسر لأن الحفاظ الكبار يندر الانفراد عنهم. ومن عجائب ما وقع من ذلك ما وقع بين علي بن المديني وشيخه عبد الرحمن بن مهدي؛ يقول علي بن المديني: قدمت الكوفة، فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، لأن الكوفة هي مكان الأعمش، فجمعه من تلاميذه. قال: فلما رجعت إلى البصرة لقيت عبد الرحمن بن مهدي شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي كان علي بن المديني يقول فيه: لو حلفت بين الركن والمقام على أنه لا يوجد أحد أحفظ أو أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن المهدي ما حنثت. يقول: فسلمت عليه، فقال: هاتِ يا علي ما عندك. فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئاً، ما أحد يستطيع أن يُغرب عليَّ أو يعطيني حديثاً عن الأعمش ليس عندي. يقول: فعند ذلك غضب فقال: هذا كلام أهل العلم! ومن يضبط العلم ومن يحيط به مثلك يتكلم بهذا؟ وهذا من عبد الرحمن بن مهدي من باب التربية لتلميذه، ثم قال: معك شيء تكتب فيه؟ يعني أنه سيذكر له أحاديث ليست عنده. قال: فقلت: نعم. قال: اكتب. قلت: ذاكرني، يعني ليست المسألة مسألة تحديث، مسألة مذاكرة فلعله عندي. قال: اكتب، فلست أملي عليك إلا ما ليس عندي. قال: فأملى عليَّ ثلاثين حديثاً لم أسمع منها حديثاً، كلها عن الأعمش. ثم قال: لا تَعُدْ. قلت: لا أعود.

قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان الشاذكوني إلى الباب، وهو من كبار الحفاظ، فقال: أمضي إلى عبد الرحمن -وكان أعلم الناس بالمناسك- أمضي إلى عبد الرحمن حتى أفضحه اليوم في المناسك. قال علي: وكان سليمان من العارفين بالمناسك. قال: فذهبنا، فدخلنا على عبد الرحمن فسلمنا وجلسنا بين يديه، والشاذكوني هو نظير لعلي بن المديني في عمره، وعبد الرحمن المهدي يعتبر شيخاً لهما. فقال: هاتِ ما عندكما، وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة. قال: نعم، ما أحد يفيدنا في الحج شيء. قال: لا يمكن أحد أن يأتي بشيء في الحج ليس عندنا. فأقبل عليه بمثل ما أقبل علي في المرة الماضية، قال له كلاماً: هل هذا يقوله من يضبط العلم؟ من يحيط به؟ قال: ثم قال: يا سليمان، ما تقول في رجل قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فوقع على أهله؟ فاندفع سليمان يروي: يتفرقان حيث اجتمعا ويجتمعان حيث تفرقا، ويذكر الروايات، قال: رُويَ ومتى يجتمعان ومتى يتفرقان؟ فسكت سليمان. فقال: اكتب. وأقبل يلقي عليه المسائل ويملي عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة، في كل مسألة يروي الحديث والحديث ويقول: سألت مالكاً، وسألت سفيان، وسألت عبيد الله بن الحسن. فلما فرغ وقمنا من عنده قال: لا تَعُدْ ثانيةً. يقول: لما خرجنا أقبل سليمان على علي بن المديني يكلمه فقال: إيش خرج علينا من صلب مهدي هذا؟ يقصد أبا عبد الرحمن المهدي، كأنه كان جالساً مع القوم، سمعت مالكاً، سمعت سفيان، سمعت عبيد الله بن الحسن.

ومن أطرف ما وقفت عليه من المذاكرات ما حصل بين الطبراني وابن الجعابي، وذلك بين يدي الوزير ابن العميد. يقول ابن العميد: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي، والطبراني توفي سنة ثلاثمئة وستين، والجعابي سنة ثلاثمئة وخمسة وخمسين. قال: كان الطبراني يغلب الجعابي بكثرة حفظه، وكان الجعابي يغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد. وكان في ضمن ما يفعل ابن الجعابي أنه يسمي قوماً من السلف يُعرفون بكناهم ويُكني آخرين حتى يُعمي على الطبراني الأسانيد، فكان الطبراني يقول: هذا دادا وبابا للأطفال! ارجع إلى الأصل، ماذا تحفظ في كذا؟ فذكر حديثاً وحديثين، فأخذ الطبراني يروي عن أصحاب عبد الرزاق؛ الدبري، وأبي مُرّة الصنعاني، والبوس، وأبي زرعة الدمشقي. وكون الطبراني أدرك تلاميذ عبد الرزاق، هذا علو عظيم جداً، البخاري يروي عن عبد الرزاق بواسطة، فأصبح كأنه البخاري، البخاري توفي سنة مئتين وستة وستين، والطبراني توفي سنة ثلاثمئة وستين، فأدرك من أدركهم البخاري أو بعض تلاميذ عبد الرزاق. قال الجعابي: لم يدرك هؤلاء، يعني يشك في إدراك الطبراني هؤلاء الرجال. فقال الطبراني: إنما أنت صبي! أنت مَن لقيت؟ وارتفعت أصواتهم، فقال ابن الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي. فقال: هاته. فقال: حدثنا أبو خليفة، حدثنا سليمان بن أيوب، وحدث بالحديث، فضحك الطبراني وقال: كأنك تريد أن تُغرب عليَّ؟ أتعرف سليمان بن أيوب؟ -طبعاً الطبراني اسمه سليمان بن أحمد بن أيوب- أتعرف سليمان بن أيوب الذي روى عنه أبو خليفة؟ أبو خليفة توفي قديماً. قال ابن الجعابي: لا. قال: أنا سليمان بن أيوب، ومني سمع الحديث أبو خليفة، فاسمع مني حتى يعلو إسنادك؛ فإنك تروي عن أبي خليفة عني. فخجل ابن الجعابي، وغلبه الطبراني.

وكان أبو الفضل بن العميد هذا الوزير متكئاً فاستوى جالساً وقال: هذا والله الشرف! أن يحدث أبو خليفة عن شيخ من مشايخنا منذ ستين سنة. قال ابن العميد: فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي، وكنت الطبراني. وفرح ابن العميد هذا الفرح، والطبراني فرح فرحاً شديداً، وهذا الذي جعل ابن العميد يقول هذا الكلام لما رأى فرح الطبراني. طبعاً هذا التمني لأن يكون مكان الطبراني، التمني من هذا الوزير حصل من آخرين أيضاً، وهو دليل على عظم محل الحديث في ذلك العصر، كما أنه دليل العقل؛ فإن الوزارة تذهب وما فيها من النعيم والملذات يذهب، وتبقى الأحاديث. ولذلك بقي أحاديث الطبراني يتداولها المحدثون ويرونها إلى اليوم.

وقد وقع هذا التمني أيضاً من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور؛ قال محمد بن سلام الجمحي: قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: نعم، بقيت خصلة، أن أقعد في مسطبة وحولي أصحاب الحديث، فيقول المستملي: مَن ذكرت رحمك الله؟ فأقول: حدثنا فلان عن فلان. قال: فجاء الندماء وأبناء الوزير بالمحابر فجلسوا عنده، فلما رآهم قال: لستم بهم، لستم أهل الحديث، أرادوا أنه يحدثهم هم، الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق ونقل الحديث. والعجيب أن مثل هذا التمني أيضاً وقع لحفيده الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي توفي سنة مئة وثلاثة وتسعين. قال يحيى بن أكثم: قال لي الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين. قال: فتعرف أجلَّ مني؟ قلت: لا. قال: ولكني أعرف رجلاً في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا أمير المؤمنين، هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي عهد المسلمين؟ قال: نعم ويلك، هذا خير مني؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يموت أبداً، نحن نموت ونفنى والعلماء باقون ما بقي الدهر.

ووقع مثل ذلك لولده هارون الرشيد وهو المأمون، قال القاضي يحيى بن أكثم: قال لي المأمون يوماً: يا يحيى، أريد أن أحدث. فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟ فقال: ضعوا لي منبراً. فصعد وحدث بنحو ثلاثين حديثاً بالأسانيد، ثم نزل فقال: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟ فقلت: أجلّ مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة. فقال: لا، ما رأيت لكم حلاوة، وإنما المجلس لأصحاب الحديث، الخلقان الثياب والمحابر، والشعثة رؤوسهم ونحو هذا الكلام. وحصل لهم مثل ذلك لما دخل مصر وفتحها.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فربَّ مُبلّغٍ أوعى من سامع»، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.