قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن شيء كان قد انتشر بين أهل الحديث وهو المذاكرة، وذكرنا فيها بعض الفوائد وبعض القصص التي تدل على تلك الفوائد، وذكرنا من تلك الفوائد ترسيخ الحفظ. وفي هذه الحلقة سأتحدث بإذن الله عن أهمية الحفظ وعن اهتمام المحدثين به، خصوصاً في الحديث النبوي الشريف.
من المعلوم أنه لا مقارنة بين من يحفظ العلم وبين من لا يحفظه، فليس من يحفظ القرآن كمن يقرؤه ولا يحفظه، وليس من يحفظ القرآن كله كمن يحفظ بعضه. ففي المسند وسنن أبي داود والترمذي -صححه- من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها». وهكذا يقال في سائر العلوم؛ فليس من حفظ علماً كمن قرأه ولم يحفظه، فإن حفظ العلم من أعظم أسباب انتفاع الطالب بما تعلمه.
ولذلك كان السلف الصالح يعلون من شأن الحفظ وينفقون فيه الأوقات الكثيرة ويستعينون عليه بالمذاكرة؛ وذلك لمنزلته ولكونه مما يجعل الإنسان يستفيد من علمه. ولذلك قال غير واحد من السلف كعبد الرزاق والأصمعي وغيرهما: كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فلا تعده علماً. والمقصود بالحمام هنا المستحم، ويشدون في ذلك: ليس بعلمٍ ما حواه القمطر، ما العلم إلا ما حواه الصدر. وقصدهم بهذا الكلام أن العلم إذا لم يكن محفوظاً في صدر صاحبه فلا يمكن الاعتماد عليه؛ وذلك لأن العلم إذا كان في الأوراق فقد تذهب الأوراق فيذهب العلم بذهابها.
ولذلك لما أحرق بعض الجهال كتب ابن حزم ظاهرياً علانيةً بسبب ما كانوا عليه من التعصب ضده، أنشد بيتين رائعين يقول فيهما: فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري
ومن الأمثلة المشهورة في هذا الباب قولهم: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي؛ والنادي المجلس. وفي مثل ذلك يقول بعض أهل العلم: علمي معي أينما يممت يتبعني جوفي وعاء له لا جوف صندوق كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق
والحفظ قسمان: الحفظ إما جبلي فطر الله عليه الناس مثل الأوصاف الأخرى كالعقل والفطنة والحلم وغيرها، وأما مكتسب. وهذا المكتسب هو الذي ينمي ويزداد، وله أسباب تنميه وتقويه. كقصة وكيع لما سئل قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي
فغض البصر من الأسباب المقوية للحفظ، وكذلك المداومة على المطالعة، وكذلك تكرير الملفوظ. وقد قيل قديماً: العلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقد نظم ذلك بعضهم فقال: أراني أنسى ما تعلمت في الكبر ولست بناسٍ ما تعلمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلم في الصبا وما الحلم إلا بالتحلم في الكبر ولو فلق القلب المعلم في الصبا لألفي فيه العلم كالنقش في الحجر
ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على حث الصبيان على التعلم لأنهم أحفظ للعلم. يقول محمد بن عوف بن سليمان الطائي -توفي سنة 272- وهو أحد المحدثين: كنت ألعب بالكرة مع الصبيان، فدخلت الكرة في المسجد حتى وقعت بالقرب من المعافى بن عمران -والمعافى بن عمران من أحد الأئمة الحفاظ توفي سنة 185- يقول: فدخلت لآخذها فقال لي: يا فتى ابن من أنت؟ قلت: أنا ابن عوف. قال: ابن سليمان؟ قلت: نعم. فقال: أما إن أباك كان من إخواننا وكان ممن يكتب معنا الحديث والعلم، والذي كان يشبهك أنت تتبع ما كان عليه والدك. قال: فصرت إلى أمي فأخبرتها، فقالت: صدق يا بني هو صديق أبيك، ثم ألبستني ثياباً من أحسن الثياب، ثم جئت إلى المعافى بن عمران ومعي محبرة وورق، فقال لي: اكتب حدثنا سليمان بن عياش عن عبد ربه بن سليمان قال: كتبت لي أم الدرداء في لوحي مما تعلمني: اطلبوا العلم صغاراً تعملوا به كباراً، فإن لكل حاصد ما زرع خيراً كان أو شراً. يقول: فكان هذا أول حديث سمعته.
ويقول إسماعيل بن عياش رحمه الله عليه: كان ابن أبي حسين المكي يدنيني شيخه، فقال له أصحاب الحديث: نراك تقدم هذا الغلام الشامي -وجاي من الشام ويقدمه هذا المكي- وتؤثر علينا؟ فقال: إني أؤمله. فسألوه يوماً عن حديث حدث به عن شهر بن حوشب، قال: «إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل» فذكر الثلاثة ونسي الرابعة، فسألني عن ذلك فقال لي: كيف حدثتكم؟ فقلت: حدثتنا عن شهر أنه إذا جمع الطعام أربعاً فقد كمل: إذا كان أوله حلالاً، وسمي عليه الله حين يوضع، وكثرت عليه الأيدي، وحمد الله عليه حين يرفع. فأقبل على القوم فقال: كيف تروني -يعني هذا الذي قدمته وهو هذا الغلام-.
وابن عيينة رحمه الله عليه كان يقول: كنا نختلف إلى الزهري أنا وجماعة وأنا حديث السن ولي ذؤابتان، فأملى حديثاً يوماً عن أبي سلمة وسعيد -يعني أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن المسيب-، فلما فرغنا جلسنا نقابل فاختلف القوم، فقال بعضهم: عن أبي سلمة، وقال بعضهم: عن سعيد، وابن شهاب يسمع ساكت، ثم التفت إلى هذا ابن عيينة وكان غلاماً فقال: ما تقول أنت يا صبي؟ فقلت: عن كلاهما، قال: فضممتهما، فجعل يعجب من ضبطي ويضحك من حفظي.
وقال سفيان بن عيينة أيضاً: كان أبي صيرفياً بالكوفة فركبه الدين، فحملنا إلى مكة، فلما رحنا إلى المسجد لصلاة الظهر وصرت إلى باب المسجد، إذا شيخ على حمار فقال لي: يا غلام أمسك عليّ هذا الحمار حتى أدخل المسجد فأصلي. قال: فقلت له: ما أنا بفاعل حتى تحدثني. قال: وما تصنع أنت بالحديث؟ واستصغرني. فقلت: حدثني، فصار يحدث: حدثني جابر بن عبد الله، وحدثني ابن عباس، فحدثني بثمانية أحاديث. فأمسكت الحمار وجعلت أتحفظ هذه الأحاديث التي حدثني بها، فلما صلى وخرج قال: ما نفعك ما حدثتك به حبستني حتى فاتت الصلاة؟ فقلت: حدثتني بكذا وحدثتني بكذا، فرددت عليه جميع ما حدثني به، فقال: بارك الله فيك، تعال غداً إلى المجلس، فإذا هو عمرو بن دينار وهو من أرفع شيوخ سفيان بن عيينة وهو مكثر عنهم.
وهكذا وقعت الحادثة مع البخاري رحمه الله عليه، يقول محمد بن أبي حاتم النحوي وهو راوي البخاري: قلت لأبي عبد الله: كيف كان بدء أمرك؟ -يعني كيف بدأ علمك بالحديث-. قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلت: كم كان سنك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره من أهل العلم، فقال يوماً الداخلي فيما كان يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم -هكذا يقول العلماء يبرزون السند: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم-. طبعاً أبو الزبير مكي وإبراهيم كوفي -إبراهيم النخعي-، فهذا فيه خلل. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم، فانتهرني. فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه وقال: صدقت. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة. قال: فلما طعنت في السادسة عشرة سنة كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء. ثم خرجت مع أمي وأخي إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بأمي وتخلفت في طلب الحديث. قال: فلما طعنت في الثامنة عشرة سنة جعلت أصنف القضايا: قضايا الصحابة والتابعين وأقوالهم، وذلك في زمن عبيد الله بن موسى، وصنفت كتاب التاريخ عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب. وهذا التاريخ الذي ألفه البخاري رآه إسحاق بن راهويه شيخ البخاري فذهب به إلى أمير نيسابور وقال: ألا أريك سحراً، متعجب من هذا الكتاب.
وقد عرف كثير من السلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بقوة الحفظ وكمال الضبط، وذلك بسبب ما وهبهم الله من الحفظ، وكذلك بسبب ما كانوا يستعملونه من الأسباب في تقوية الحفظ. ومن هؤلاء الحفاظ أبو هريرة رضي الله عنه حفاظ الصحابة، تجاوزت أحاديثه 5000 حديث كما ذكر ذلك أهل العلم. ومما ذكر من حفظه ما أخرجه الحاكم بسنده وصححه عن أبي زرعة وهو كاتب مروان بن الحكم قال: إن مروان بن الحكم دعا أبا هريرة وأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله وجعلت أكتب، حتى إذا كان عند رأس الحول -يعني بعد سنة- دعاه مرة أخرى وأقعدني خلف الحجاب وسأله عن الأحاديث، فما زاد فيها ولا نقص ولا أخر ولا قدم. يقول الذهبي عند هذه الرواية: هكذا فليكن الحفظ.
ومثل هذا أيضاً وقع للزهري رحمه الله عليه مع هشام بن عبد الملك، فإنه أراده أن يحدث أولاده فساق لهم 400 حديث، وكان أقعد إنساناً خلفهم يكتب هذه الأحاديث -أو قال له: ائتِ بي كاتب- فكتب له 400 حديث. ثم لما خرج الزهري من عند هشام بن عبد الملك حدث بها الناس: يا أهل الحديث تعالوا، فحدثهم حتى لا يختص أبناء الأمير أو الخليفة بشيء دون الناس. ثم لما جاء بعد مدة قال له هشام بن عبد الملك: إن الكتاب قد ضاع، فقال: ائتِ بكاتب، فأملى عليه تلك الأحاديث كلها الـ400 ما قدم منها ولا زاد حرفاً ولا نقص.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنا تكلمنا قبل الفاصل عن الزهري وكيف أن هشام بن عبد الملك اختبره ووجده حافظاً، وكان الزهري -هذا لم يأتِ من فراغ- مع ما أعطاه الله من سعة الحفظ وأكرمه به ووهبه إياه، كان الزهري يكرر المحفوظ؛ يعني كان إذا سمع حديثاً يكرره حتى يحفظه. يقول يعقوب بن عبد الرحمن: إن الزهري كان يبتغي العلم من عروة -يروي أو يأخذ العلم من عروة بن الزبير ومن غيره- فيأتي جارية له وهي نائمة فيوقظها يقول لها: حدثني فلان بكذا وحدثني فلان بكذا، فتقول: ما لي ولهذا؟ فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعت الآن فأردت أن أستذكر.
وأيضاً حصل هذا الذي حصل من اختبار لمروان بن الحكم لأبي هريرة رضي الله عنه، ومن اختبار هشام بن عبد الملك للزهري، حصل لغير هؤلاء من المحدثين، وهناك اختبارات كثيرة. واختبار المحدثين هذا أسلوب استعمله المحدثون، استعمله بعض النقاد لمعرفة ضبط الرواة وإتقانهم، مع أنه أسلوب مختلف في جوازه؛ يعني يحيى بن سعيد القطان الذي ذكرناه كثيراً -توفي سنة 198- كان يقول: كان لا يستحله، بينما شيخه شعبة بن الحجاج وهو إمام العلل الذي علم يحيى بن سعيد القطان كان يفعله ويختبر الشيوخ.
ومما حصل من ذلك أن حماد بن زيد -هذا من الاختبارات- أن حماد بن زيد كان يختبر شيوخه، فكان يقلب الأحاديث على ثابت البناني وهو تلميذ أنس بن مالك -توفي سنة 127- فيجعل أحاديث أنس بن مالك عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ويأخذ أحاديث عبد الرحمن بن أبي ليلى ويجعلها لأنس بن مالك، فيأبى عليه ثابت ويصلحها له. بخلاف أبان بن أبي عياش شيخه الآخر فإنه كان إذا قلب عليه أحاديثه انقلبت. ولذلك كان حماد بن سلمة يقول: قلبت الأحاديث على ثابت البناني فلم تنقلب، وقلبتها على أبان بن أبي عياش فانقلبت.
ومن تلك الاختبارات ما وقع للبخاري شيخ المحدثين مع أهل بغداد حين قدم عليهم. يقول أبو أحمد بن عدي الحافظ صاحب كتاب الكامل في ضعفاء الرجال: سمعت عدة مشايخ يحكون عن محمد بن إسماعيل أنه قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا له، وعمدوا إلى 100 حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أشخاص، إلى كل رجل عشرة -هي 100 حديث- وأمروهم بأن يحضروا مجلس الإمام البخاري ويتحفظوها ويلقونها عليه.
وجاؤوا فحضروا المجلس، وحضر أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم ومن البغداديين، فلما اطمان المجلس بأهله انتدب إليه رجل منهم من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث التي قلبوها، فقال البخاري: لا أعرفه. والحافظ لما يقول لا أعرفه هذه تعتبر عند الناس شيئاً كبيراً خصوصاً البخاري قد ذاع صيته عند الناس، فلما قال لا أعرفه قام فسأله عن الحديث الآخر فقال: لا أعرفه. فما زال يلقي عليه واحداً تلو الآخر وهو يقول: لا أعرفه. فكان الفقهاء والناس الذين الحضور من حضر ذلك المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويستغربون، ويقولون: هل فهم الرجل؟ -يعني الفقهاء من الناس الذين علموا الموضوع عرفوا أنه فهم-. وبعضهم شهد له بالعجز وقلة الفهم؛ يعني ظن أن البخاري قد عجز عن هذه الأحاديث.
وأنه لا يعرفها، ثم قام رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله الآخر فقال: لا أعرفه، فلم يزل يقول: لا أعرفه، حتى انتهى من هذا. ثم قام الثالث، ثم قام الرابع إلى أن أتم العشرة، وكل ذلك يقول البخاري لهم: لا أعرفه، لا يزيدهم على هذه الكلمة.
فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني فهو كذا وصوابه كذا، وحديثك الثالث فهو كذا، والرابع، على الترتيب الذي سمعه منهم إلى أن تم العشرة الأحاديث. فرد كل متن إلى إسناده، ورد كل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ما فعل بذلك الأول إلى أن انتهى من متونها كلها، فأقر له أهل بغداد بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني وهو يذكر هذه الرواية: سمعت شيخنا الحافظ العراقي غير مرة يقول: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب، لأن هذا ليس عجباً؛ لأن البخاري متسع الحفظ، وإنما العجب منه كيف حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة؟ أي كيف حفظ خطأ هؤلاء وحفظها على الترتيب. وقد أشار الحافظ العراقي في ألفيته إلى هذه الواقعة وهو يذكر نوع الحديث المقلوب، فيقول: ومنه قلب سند لمتن نحو امتحانهم إمام الفن في مئة لما أتى بغدادا فردها وجوّد الإسنادا
ومن الاختبارات التي وقعت أيضاً ما وقع للحافظ العقيلي صاحب كتاب الضعفاء الكبير، وهو توفي سنة 322. يقول مسلمة بن القاسم القرطبي: كان العقيلي جليل القدر عظيم الخطر، ما رأيت مثله، وكان كثير التصانيف، فكان من أتاه من المحدثين قال: اقرأ من كتابك، ولا يخرج أصله، أي كان يحفظه. قال: فتكلم في ذلك وقلنا: إما أن يكون من أحفظ الناس، وإما أن يكون من أكذب الناس. فاجتمعنا واتفقنا على أن نكتب له أحاديث من روايته ونزيد فيها وننقص منها، فأتينا لنمتحنه فقال: اقرءوا، فقرأتها عليه، فلما أتيت بالزيادة والنقص أخذ القلم وأصلحها من حفظه. فعند ذلك قال: انصرفنا وقد طابت نفوسنا وعلمنا أنه من أحفظ الناس.
وهذه الاختبارات كثيرة، وبعضها يكون بسبب كبر المحدث يظنون أنه قد ذهب عقله أو نحو ذلك فيختبرونه. الحافظ الحسن بن سفيان النسائي توفي سنة 303، يقول محمد بن داوود بن سليمان: كنا عند الحسن بن سفيان فدخل ابن خزيمة وأبو عمرو الحيري وأحمد بن علي الرازي وجماعة، وكتب الرازي في طبق -في ورقة- من الحديث فجاء به إليه وقال: اقرأ عليك، ثم أدخل في الإسناد إسناداً آخر، فلما قرأ عليه ردّه الحسن بن سفيان، ثم بعد قليل فعل مثل ذلك فردّه الحسن. فلما جاءت في الثالثة قال له الحسن: ما هذا يا هذا؟ قد احتملتكم مرتين وأنا ابن 90 سنة، فاتق الله في المشايخ فربما استجيبت فيك دعوة. فقال له ابن خزيمة: لا تؤذِ الشيخ، فردّ عليه ابن خزيمة: قال: إنما أردت أن تعلم أن أبا العباس يعرف حديثه.
ومن نوادر ما حصل من المحدثين ما حدث لأبي إسحاق الهجيمي توفي سنة 351، هذا الرجل حدث بعد أن تجاوز عمره 100 سنة، فقرأ عليه القارئ وأراد أن يختبره، قرأ عليه حديث عائشة، وفي ذلك الحديث قالت عائشة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبتِ كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ أي كيف حالك؟ فكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نَعْلِه وكان بلال يقول يرفع عقيرته فيقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجليلُ وهل أرِدَنْ يوماً مياه مِجَنَّةٍ ... وهل يَبْدُوَنَّ لي شامةٌ وطفيلُ وكان عامر بن فهيرة يقول: وجدت طعم الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه كالثور يحمي جلده بروقه بروقه معناها بقرنه، الثور له قرن. يقول: فلما بلغ القارئ هذا الموضع من هذا الحديث بدل الثور بالكلب، فقال: كالكلب يحمي جلده بروقه. الكلب ليس له قرن لكنه يريد أن يختبر الهجيمي. فقال الهجيمي: قل كالثور يا ثور، فإن الكلب لا روق له. ففرح الناس بصحة عقله، ورجل كبير بلغ المئة.
الأقوال والقصص في حفظ الحفاظ من الأئمة كثيرة جداً، ومن أولئك الحفاظ قتادة بن دعامة السدوسي، فقد كان لا يسمع شيئاً إلا ويحفظه، وقد قرأت عليه صحيفة جابر على كثرة أحاديث فحافظها من أول مرة. وقرأ البقرة فلم يخطئ فيها في حرف، ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني للبقرة، وهذه الصحيفة فيها أحاديث كثيرة لجابر بن عبد الله رضي الله عنه، منها حديثه في المناسك وهو حديث طويل جداً في أربع ورقات أو أكثر، وقد شرح هذا الحديث لطوله في المناسك جماعة من أهل العلم، وألف فيه الشيخ ناصر الدين الألباني كتاباً مجلداً، وكان يحفظ ذلك قتادة من أول ما سمعهم.
ومن أولئك الحفاظ أيضاً أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري رحمه الله عليه، كان يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني. وكان تلميذه عبد الرحمن المهدي وكذلك تلميذه يحيى القطان يقولان -وهما أعلم الناس بالحديث-: ما رأينا أحفظ من سفيان. وكان مهران الرازي يقول: كتبت عن سفيان الثوري أصنافه لأنه كان مؤلفاً يؤلف الكتب، فكتبت عن سفيان الثوري أصنافه فضاع مني كتاب الديات، فذكرت ذلك له فقال: إذا وجدتني خالياً فاذكر، حتى أمليه عليك. فحج فلما دخل مكة طاف بالبيت وسعى ثم اضطجع، فذكرته بذلك فجعل يملي علي الكتاب باباً إثر باب حتى أملى جميعه من حفظه.
وقد كان شعبة بن الحجاج يخاف من سفيان الثوري وإذا خالفه سفيان الثوري رجع. ومرة من المرات سفيان الثوري ذكر حديثاً فخالفه فيه أربعة من المحدثين، منهم شعبة ومنهم حماد بن سلمة ومنهم هشام الدستوائي، وهو يقول لطالبه: امضه امضه، أي لا عليه من مخالفة أولئك. يقول عبد الرحمن المهدي -وهو الذي كان معه- يقول: فكنت أحمل الخطأ على سفيان، حتى تبين لي بعد ذلك أن الصواب كان مع سفيان، وهذا لشدة حفظه رحمه الله.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوْعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري