دخولتسجيل الدخول

الحلقة 12

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع». صدق رسول الله ﷺ.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فسأتحدث في هذه الحلقة بإذن الله سبحانه وتعالى عن الرحلة في طلب الحديث، وعن بعض ما تحمله المحدثون من المشاق العظيمة في سبيل تحصيل حديث النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قبل الخوض في هذا الموضوع لا بد من كلمة عن الأوطان ومحبة الناس لها، وعن استعظام تركها؛ لكي نعرف ما تحمله المحدثون من المجاهدة في طلب الحديث.

الوطن لا يؤثر المرء عليه بلداً ولا يصبر عنه أبداً، فهو كما يقال عشه الذي فيه دَرَجَ ومنه خرج، وهو مجمع أسرته ومقطع سرته. إن محبة الأوطان أمر جبل الله سبحانه وتعالى عليه الناس، فما من أحد إلا ووطن أحب إليه من أي وطن. ولذلك نجد أعظم ما يمكن أن يُظلم الإنسان به إخراجه من وطنه، ولذلك قارن الله سبحانه وتعالى الإخراج من الوطن بالقتل وذلك لشدته وعظمته، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66].

ومما يُتعجب منه ما نراه من قناعة الناس بأوطانهم مهما كانت تلك الأوطان؛ فتجد بعضهم يسكن الصحاري والقفار الموحشة، وتجد بعضهم يسكن الجبال والأماكن الباردة، وتجد بعضهم يسكن البلدان الحارة المجدبة القاحلة، ومع ذلك كل شخص منهم راضٍ بما قسم الله له من ذلك. ولذلك يقول عبد الله بن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم. ومن طريف ما يُذكر في هذا الباب أن ميسون ابنة بحدل الكلبية زُفّت إلى معاوية من بادية كلب، ومعاوية كان في الشام وهو خليفة المسلمين، زُفّت إليه إلى قصور الشام وإلى بساتينها من تلك البادية، وشتان بين المكانين، ومع ذلك تشوقت إلى باديتها فقالت أبياتاً عجيبة تقول فيها: لبيتٌ تخفق الأرواح فيه .. أحب إليّ من قصرٍ منيفِ وكلبٌ ينبح الطُرّاق دوني .. أحب إليّ من هرٍّ أليفِ وبكرٌ يتبع الأظعان صَعبٌ .. أحب إليّ من بغلٍ زفوفِ وأكلُ كسيرةٍ في كسر بيتي .. أحب إليّ من أكل الرغيفِ ولبسُ عباءةٍ وتقرّ عيني .. أحب إليّ من لبس الشفوفِ خشونةُ عيشتي في البدو أشهى .. إلى نفسي من العيش الطريفِ فما أبغي سوى وطني بديلاً .. فحسبي ذاك من وطنٍ شريفِ

والآخر يقول: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى .. ما الحب إلا للحبيب الأولِ كم منزل في الأرض يألفه الفتى .. وحنينه أبداً لأول منزلِ وابن الرومي يقول مبيناً سبب حب الناس لأوطانهم: وحبب أوطان الرجال إليهم .. مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم .. عهود الصبا فيها فحنّوا لذلكا.

وأهل الحديث تحملوا في سبيل طلب الحديث المشاق الكثيرة، ومن أهمها الغربة عن الأوطان؛ فهم نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، جعلوا غذاءهم الكتابة، وجعلوا فراشهم الحصى، وجعلوا سهرهم سمر المعارضة والمذاكرة، وامتلأت قلوبهم بالرضا في جميع تلك الأحوال. فيجدون الشدائد مع وجود الأسانيد العالية يجدونها رخاءً، ويجدون الرخاء مع فقد ما طلبوه بؤساً؛ فلله درهم ولله در آباء أتت بهم، رحمة الله عليهم أجمعين. ذكرت فيما سبق أن جابر بن عبد الله الأنصاري رحل في حديث واحد وهو صحابي جليل من المدينة إلى الشام، وذلك لعبد الله بن أنيس كما ذكرت، وهكذا رحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر في مصر، وهؤلاء الصحابة ورحل منهم آخرون.

وأما من بعد الصحابة فالكلام فيهم طويل، يقول سعيد بن المسيب وهو من التابعين الأجلاء من تلاميذ أبي هريرة وهو زوج ابنة أبي هريرة: إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. وأبو عثمان النهدي القارئ المشهور من أئمة التابعين يقول: بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فحججت ذلك العام ولم أكن أريد الحج إلا للقاء أبي هريرة حتى أسأله عن هذا الحديث. فأتيته فقلت: يا أبا هريرة، بلغني عنك حديث فحججت العام ولم أرِد الحج إلا لقاءك، قال: فما هو؟ قلت: إن الله ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. فقال أبو هريرة: ليس هكذا، ما قلت هكذا، ولم يحفظ الذي حدثك. قال أبو عثمان: فظننت أن الحديث قد سقط، قال: إنما قلت إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ألفي ألف حسنة. قال: ثم قال: أوليس في كتاب الله عز وجل يقول سبحانه وتعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]؟ والكثير عند الله أكثر من ألف ألف وأكثر من ألفي ألف.

وهكذا ابن الديلمي يقول: بلغني حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فركبت إليه إلى الطائف لأجل أن أسأله عنه، والديلم كان من أهل فلسطين فركب إلى الطائف من فلسطين. قال: فدخلت عليه وهو في حديقة له فوجدته مختصراً وبيده رجل، كنا نتحدث بالشام أن ذلك الرجل من يشرب الخمر، قال: فقلت له -هو أتى يطلبه في حديث معين لكنه لما رأى الرجل الشريب معه سأله أراد أن ينصح ذلك الرجل-: يا أبا محمد، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في شارب الخمر شيئاً؟ قال: فاختل الرجل يده من يد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً». ثم قلت: ما حديث بلغني عنك تقوله إن صلاة في بيت المقدس كألف صلاة وأن القلم قد جف؟ فقال عبد الله رضي الله عنه: اللهم إني لا أحل لهم أن يقولوا إلا ما سمعوا، قال: ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن سليمان بن داود سأل الله ثلاثاً، سأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه، وسأله من أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن يغفر له». يعني هذا الذي قاله عبد الله، يقول الذي بلغك لم يحفظ الذي قال ألف صلاة، يقول إنما قال سليمان وسأله من أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن يغفر له.

وهكذا ممن رحل من التابعين أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وهو من أئمة التابعين، قال: أقمت في المدينة ثلاثاً ما لي بها حاجة إلا قدوم رجل بلغني عنه حديث، فبلغني أنه يقدم فأقمت حتى قدم فحدثني به ثم رجع. ومن طرائف ما وقع من الرحلة ما وقع لشعبة بن الحجاج وهو أمير المؤمنين في الحديث، يقول نصر بن حماد البجلي: سمعني شعبة وأنا أحدث عن إسرائيل عن أبي إسحاق، أبو إسحاق شيخ شعبة، فهو يقول: سمعني وأنا أحدث عن إسرائيل، هذا بن نصر حماد بن نصر يعتبر من تلاميذ شعبة، سمعني وأنا أحدث عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر قال: كنا نتناوب رعية الإبل، فتوضأ ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا أصحابه حوله فدنوت منه، فسمعته يقول: «من توضأ ثم دخل المسجد فصلى ركعتين غفر الله له ما تقدم من ذنبه». فقلت: بخ بخ، ذكر الحديث. قال حماد هذا فلطم مني شعبة فتنحى في ناحية يبكي، فقال له لما رآه يبكي، قال: ما له يبكي؟ فقال له ابن إدريس عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه. فقال شعبة: انظر ما يحدث، يعني يقول عن إسرائيل عن أبي إسحاق، أنا سألت أبا إسحاق: من حدثك بهذا الحديث؟ فقال: حدثني عبد الله بن عطاء عن عقبة، فقلت: سمع عبد الله بن عطاء من عقبة؟ وكان مسعر بن كدام جالساً في المجلس، فقال مسعر: عبد الله بن عطاء بمكة. قال: رحلت إليه بمكة -هم الآن في الكوفة رحل إلى مكة- قال: ولم أرِد الحج، أردت الحديث، فسألت عبد الله بن عطاء عن الحديث فقال: سعد بن إبراهيم حدثني.

سعد بن إبراهيم الزهري في مكة، في المدينة، فقال: مالك وأنس -وكان جالساً سعد بالمدينة لم يحج العام- قال: فرحلت إلى المدينة فسألت عنه سعداً، فقال: الحديث من عندكم، خرج زياد بن مخراق حدثني. فقلت: أي شيء هذا الحديث؟ بينما هو كوفي إذ صار مكياً، إذ صار مدنياً، إذ صار بصرياً! قال: فأتيت البصرة فسألت زياد بن مخراق عن الحديث فقال: ليس الحديث من بابتك، يعني أنت رجل متشدد لا تقبل من الأحاديث إلا الأحاديث القوية، هذا الحديث ليس من بابتك. فقلت: لا بد أن تخبرني، فقال: حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر، قال: فلما ذكر شهراً، شهر بن حوشب وفيه ضعف، قال: دمر علي الحديث. قال شعبة: والله لو صح لي هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليّ من أهلي ومالي. والحديث صح من طريق آخر في صحيح مسلم، ومن قال الدارقطني لما اطلع على هذا الفحص من شعبة وهذه الرحلة، يعني أكبر ذلك وقال: رواه شعبة ففحص عن إسناده وبين علته، وكان ابن عبد البر يقول رحمه الله عليه: هكذا يكون البحث والتفتيش، وهذا الأمر معروف عن شعبة رضي الله عنه، فشعبة ذهب إلى مكة وذهب إلى المدينة ثم رجع إلى البصرة ثم رجع إلى الكوفة كله لأجل حديث واحد. وهكذا كان سلفنا رضي الله عنهم.

نقف قليلاً هنا ثم نعود إليكم بعد قليل إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كنت ذكرت قبل الفاصل قصة شعبة ورحلته إلى مكة ثم إلى المدينة ثم إلى البصرة مرة أخرى ثم رجع إلى الكوفة لأجل حديث واحد، وقد وقع مثل ذلك لغيره من الأئمة. ومن هؤلاء الأئمة زيد بن الحباب توفي سنة 203 وهو من شيوخ الإمام أحمد، قال: حدثنا سفيان الثوري عن أسامة بن زيد عن موسى بن علي اللخمي عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». يقول زيد بن الحباب وهو من شيوخ الإمام أحمد يقول: فلما ذهبت لأقوم من مجلس سفيان الثوري قال لي رجل: أنا خلفت أسامة بن زيد حياً بالمدينة الذي هو شيخ سفيان الثوري، قال: فركبت راحلتي وأتيت المدينة فلقيت أسامة بن زيد فقلت: حديث حدثنيه سفيان الثوري عنك عن موسى بن علي عن أبيه، وذكر الحديث.

قال: نعم حدثني موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص، وذكر الحديث. قال زيد: فلما ذهبت لأقوم من مجلس أسامة قال رجل: أنا خلفت موسى بن علي حياً بمصر، وكان موسى بن علي أمير مصر في ذلك الوقت لأبي جعفر المنصور كان نائباً عن أبي جعفر المنصور في مصر، قال زيد: فركبت راحلتي وأتيت مصر فجلست بباب به فخرج، فلما خرج فإذا هو على شيخ راكب على فرس، فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: نعم، حديث حدثنيه سفيان الثوري عن أسامة بن زيد عنك عن أبيك عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا» ثم ذكر الحديث، وهذا الحديث صحيح مسلم. فهذه رحلة أيضاً أخذت من زيد بن الحباب حتى وصل إلى آخر من هو حي منهم، وكان بينه وبين هذا الرجل رجلان فعلا إسناده بدرجتين.

ومن ذلك أيضاً رحلة بعض الأئمة، منهم هناك رحلة عبد الله بن أبي سفيان الشعراني من العراق إلى الشام في حديث واحد، سمع حديثاً من رجل عن يحيى بن حسان، وإسناده عجيب، يحيى بن حسان يروي عن أربعة كلهم معاصرون وهم كان يروي عن عبد الرحمن بن مهدي عن شيخه سفيان الثوري، وسفيان يرويها عن تلميذه يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن سعيد القطان يرويها عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله، فذهب الشعراني، قالوا له إن يحيى بن حسان موجود في الشام في الثغور، فذهب إليه يقول فرددني مراراً ولم يحدثني الحديث، حتى بقيت إلى أن حدثني به، وهذه أيضاً من العجائب، طبعاً كون عبد الرحمن بن مهدي يروي عن شيخه سفيان، وسفيان يروي عن يحيى القطان، ويحيى القطان يروي عن سفيان بن عيينة هذا أمر عجيب لأن سفيان بن عيينة تأخر عن هؤلاء، مات سنة 198، لكن لمحبته لرواية بعضهم عن بعض أبقوا هذه الرواية كما هي. ومن الرحلات العجيبة أيضاً رحلة بقي بن مخلد للإمام أحمد، بقي بن مخلد وهو حافظ من حفاظ الأندلس توفي سنة 276، رحل من الأندلس على قدميه، لا يركب إلا البحر إذا جاء من الأندلس إلى أفريقيا سيركب السفن لكن في كل البر كان يمشي على قدميه، فجاء إلى الإمام أحمد رضي الله عنه، فلما اقترب من بغداد بلغه أن الإمام أحمد.

ممنوع من الحديث، فغمه ذلك غما شديدا. ثم جاء ووضع متاعه في فندق؛ الفندق كانت موجودة في ذلك العصر القديم، فاستأجره وجلس في ذلك البيت. وذهب إلى الجامع الكبير ووجد حلقة، فسأل عن صاحب الحلقة فقالوا: يحيى بن معين، فجلس يسمع، وإذا يحيى بن معين يكشف الرجال أو يتكلم عن الرجال فيقول: فلان ثقة، وفلان ضعيف، وهكذا. فسألته عن بعض الرجال الذين رويت عنهم، فسار يخبرني أن فلانا ثقة وأن فلانا ضعيف.

وقال: ثم سألته عن هشام بن عمار فأثنى عليه ثناء بالغا، أنه صاحب صلاة وثقة وفوق الثقة. قال وأنا قائم على رجلي والحاضرون يقولون: يكفي غيرك عنده سؤال، فقلت: سؤال واحد، فقال: ما هو؟ فقلت: أكشف لي أو أسألك عن أحمد بن حنبل. قال: فنظر إلي وقال: أتسألني عن إمام المسلمين أحمد بن حنبل؟ إمام ما يسأل عن مثله، وما أسأل أنا عن مثله! قال فعند ذلك ذهبت وسألت عن مكان الإمام أحمد فدلني عليه بعض الناس، فجئت إلى بيته وطرقت الباب فخرج إلي رضي الله عنه. فقلت له: إني طالب حديث وقد جئت من ديار بعيدة، فقال: والله ما أحد أولى بأن أحسن إليه من مثلك، ولكني ممنوع، أما بلغك أمري؟ قال: بلغني وأنا في الطريق بعد أن اقتربت من بغداد فغمّني ذلك.

فيقول بقي بن مخلد: فقلت للإمام أحمد يا أبا عبد الله، إني قد جئت من ديار بعيدة، إني جئت من شقة بعيدة. فقال: من أفريقيا؟ قلت: بلدي أبعد من ذلك، إني أركب البحر. فقال: أين؟ فقلت: الأندلس. قال: إنك لمن ديار بعيدة، ولكني ماذا أفعل؟ فقال: آتيك في هيئة السؤال؛ الذين يسألون الناس، ألبس شيئا من لباسهم وآتي بعصا وأقف عند الباب وأقول: لكم ما يقول السؤّال: الأجر يرحمكم الله، فتحدثني بأحاديث، ولو لم تحدثني إلا بحديث واحد لكان ذلك كافيا. فقال: نعم، لكن بشرط. ما هو الشرط؟ قال: ألا تحضر في الحلقات حتى لا يعرفه الناس، فقال: لك شرطك.

يقول: فكنت آخذ عصا بيدي وألف رأسي بخرقة مدنسة، وآتي بابه فأصيح: الأجر رحمكم الله، والسؤال هنالك في ذلك الوقت كان هكذا. قال: فيخرج إلي ويغلق الباب ويحدثني بالحديث والثلاثة وأكثر من ذلك. قال: فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له، الخليفة الذي كان قد منعهم، وولي بعده من كان على مذهب السنة فظهر أحمد وعلت إمامته، وصارت تضرب إليه أكباد الإبل. فكان يعرف لي حق صبري، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي، ويقص على أصحابه الحديث الذي كان بيني وبينه، فكان يناولني الحديث وكان يحدثني بالحديث ويقرأ علي وأقرأ عليه.

ثم اعتللت يوما من الأيام علة أشفيت منها أي كدت أهلك، قال: فقدني من مجلسه فسأل عني فأعلم بعلتي، فقام من فوره مقبلا إلي عائدا بمن معه من الناس، وأنا مضطجع في البيت في ذلك الفندق وكتبي عند رأسي. قال: فسمعت أهل الفندق، ارتج الفندق بكلام الناس، وإذا هم يقولون: ذاك هو، أبصاره إمام المسلمين مقبلا. قال: فسبق إلي صاحب الفندق مسرعا فقال لي: يا أبا عبد الرحمن، هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلا إليك عائدا لك.

قال: فجلس عند رأسي وقد امتلأ البيت من أصحابه، فلم يتسع حتى صارت فرقة منهم في الدار وقوفا، وأقلام بأيديهم يريدون أن يكتبوا ما يقول. قال: فما زادني على كلمات بعد أن سأل عن حاله ودعا له، فقال: أعلاك الله إلى العافية، ومسح عنك بيمينه الشافية. قال: فرأيت الأقلام تكتب لفظه. هكذا كان الأئمة يرحلون في طلب العلم، ويصيبهم من التعب ومن الجوع.

الجوع مر هذا بالإمام أبي حاتم الرازي؛ رحل مشى على قدميه أكثر من 7000 فرسخ وركب البحر، حتى إنهم نزلوا من البحر، يقول: جلسنا في البحر ثلاثة أشهر. ولما نزلوا من البحر كان معه ثلاثة أشخاص هو ثالثهم، مشوا مشوا حتى نفد ما عندهم من الزاد وأغمي على أحدهم، يقول: فجلسنا عنده ثم تركناه ولم يعد عندهم زاد. قال: فمشينا، قال: ثم أغمي علي وتركني صاحبي، ثم رأى أناسا فأشار إليهم فرجعوا إليه، فأعطوه ماء وأعطوني وأمدوه ببعض المتاع حتى أكملنا رحلتنا. وذكر مما ذكر أنهم وجدوا سلحفاة من جوعهم، قشروا عنها ما هو عليها وأخذوا يأكلون منها مما جاءهم من الجوع.

الأخبار في هذا كثيرة؛ بعض الأئمة رحلوا سنين طويلة، بقي بن مخلد جلس 14 سنة في إحدى الرحلات، ومرة جلس أكثر من ذلك أظن 20 سنة. عبد الرحمن بن القاسم تلميذ الإمام مالك المصري، إمام مصر في زمنه، رحل إلى مالك وجلس عنده 17 سنة، وكان زاهدا قائما الليل، وكان مالك يحبه. أحبه مرة من المرات في سنة من السنين بعد 17 سنة وهو عند مالك، جاء شاب ملثم وصار يسأل عن عبد الرحمن بن القاسم فدله علي، فلما اقترب مني قبلني على رأسي وأخذ يقبل عيني ويدي، قال: فشممت منه رائحة الولد، وكنت قد تركت زوجتي حاملا وخيرتها بين أن تبقى معي تنتظرني أو أن أطلقها فاختارت البقاء، فولدت ولدي، وجاءني ولدي وقد خط شاربه. بقي هناك في رحلة الطلب إلى أن جاءه ولده والتحق به في ذلك الطلب.

إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه، فرب مبلغ أو عى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.