قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، في هذه الحلقة وما يأتي بعدها إن شاء الله، سأتكلم عن بعض أعلام المحدثين من التابعين فمن بعدهم؛ سأتم لهم ترجمة تفصيلية وسألقي الكلام عليهم بحسب المدن أو الأمصار، أي بحسب البلدان التي يعيشون فيها.
اشتهر بالعلم في القرون الأولى بعض الأمصار العلمية، وذلك بسبب استيطان الصحابة فيها. ومن أهم تلك الأمصار أو من أهم تلك المدن العلمية أو المدارس الحديثية كما يسمونها، المدينة المنورة. وقد كانت البداية العلمية لهذه المدينة حين لقي النبي عليه الصلاة والسلام رهطاً من الخزرج في موسم الحج، فجلس إليهم وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فأجابوه، ثم انصرفوا إلى المدينة. وذكروا عند قومهم ما التقوا به في مكة المكرمة، ففشا أمر النبي صلى الله عليه وسلم في أهل المدينة، فأتى من العام المقبل 12 رجلاً من أهل المدينة المنورة وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام بيعة العقبة الأولى. ثم صار الرجل بعد الرجل يخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى أهله فيسلم بإسلامه جماعة من الناس. ثم بعث الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل رجلاً يعلمهم أمر دينهم، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم مصعب بن عمير رضي الله عنه. ثم جاء منهم في العام الآخر سبعون إلى الحج، فوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسموا وأخرجوا من كل فرقة منهم نقيباً، وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية. ثم بعد ذلك كانت الهجرة، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومن ثم كانت المدينة هي دولة الإسلام وكانت معقل الدين.
تأسست حينئذ المدرسة الحديثية الأولى بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبانتقال النبي إلى المدينة المنورة تأسست مدرسة المدينة ورست القواعد فيها، قواعد التحديث. وكان الحديث مفزع الصحابة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام؛ كانوا إذا اختلفوا لجؤوا إلى السنة، فأصبح التحديث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ شكله ويتبلور شيئاً فشيئاً، وترسخت القواعد في المدينة المنورة في عهد الصحابة الكرام لأن هذه المدينة كانت هي مجتمع الصحابة. ثم استمر الأمر على ذلك في عهد كبار التابعين وهلم جراً.
تميزت هذه المدينة العلمية وهذه المدرسة بمميزات جعلتها تختلف عن سائر المدن العلمية الأخرى؛ فإنها كانت معقل الإسلام كما ذكرت، ومنها انتشر النور في مشارق الأرض ومغاربها. وكان فيها أكثر الصحابة، وكان أكابر الصحابة يتوافر في هذه المدينة المباركة. ثم كان فيها أيضاً أكثر التابعين الذين عايشوا أغلب الصحابة فأخذوا عنهم وداخلهم، فكان أوفر وجود التابعين في هذه المدينة المنورة، وذلك بسبب كثرة الصحابة الذين اختلط التابعون بهم.
ومن أشهر التابعين في هذه المدينة المنورة الفقهاء السبعة. والفقهاء السبعة كانوا من تلاميذ أبي هريرة وبعضهم من تلاميذ علي ومن تلاميذ عثمان، وهم تسعة لكن المشهورين سبعة، واثنان اختلف فيهم؛ هل السابع فلان أو سابع فلان أو سابع فلان؟ وقد جمعهم العراقي في ثلاثة أبيات في ألفيته في الحديث فقال:
وفي الكبار الفقهاء السبعة، خارجة القاسم ثم عروة، ثم سليمان، عبيد الله، سعيد، والسابع ذو اشتباه، أما أبو سلمة أو سالم أو فأبو بكر خلاف قائم.
لو أردنا شرح هذه الأبيات: خارجة هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، كان من كبار العلماء، وأبوه زيد بن ثابت الأنصاري النجاري الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «وأفرضهم زيد بن ثابت». وهو الذي تولى جمع القرآن الكريم؛ جمع المصحف بأمر الخلفاء الراشدين في البداية أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وكان هذا الجمع الأخير. وجده لأمه هو سعد بن الربيع الأنصاري، أحد النقباء الاثني عشر الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية، وهو الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. وقصته مع عبد الرحمن بن عوف مشهورة؛ فإنه قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسم حتى أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم أو دلوني على السوق؟ إلى آخر الحديث المشهور، وهذا في صحيح البخاري. وفي مثل هذا الذي حصل من المؤاخاة يقول البدوي رحمه الله عليه في مدح الأنصار:
وشاطروا مالهم، ونزلوا عن الحلائل لهم، وآووا من سنة مخيراً بين اثنتين، ابن الربيع لابن عوف المكين، فتركهما لهم تعففاً، فعف ذاك وذاك أسرف.
عف ذاك يعني المهاجر، وذاك أسرف أي أكثر في العطاء لإكرام المهاجرين. سعد بن الربيع استشهد يوم أحد، وهو جد زيد بن ثابت، جد خارجة لأمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بعد انتهاء معركة أحد: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، فنادى في الجثث في الأموات فلم يجبه أحد، إلى أن قال: يا سعد، إن النبي صلى الله عليه وسلم بعثني أنظر له ما صنعت، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فأجابه بصوت ضعيف وقال: أنا في الأموات، يعني أنني سأموت، ما بقي على موته شيء. فابلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. ولذلك يقول البدوي رحمه الله عليه في منظومة المغازي:
وابن الربيع سعد الذي سألى نبينا عنه، فألفي على شفا الشهادة، فأرسل الرضا إلى النبي بالسلام والرضا.
هذا خارجة بن زيد حفيده أو سبطه، توفي رضي الله عنه، وهو أحد الفقهاء السبعة، توفي سنة 99 أو 100 بحسب اختلاف أهل العلم في تاريخ وفاته. ومن باب الفائدة والشيء بالشيء يذكر، هناك صحابي جليل قد يلتبس اسمه باسم خارجة، وهو خارجة بن حذافة العدوي من قبيلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يقال إنه يعدل ألف فارس. ولذلك عندما طلب عمرو بن العاص من عمر بن الخطاب أن يرسل له مدداً بعث إليه ثلاثة رجال وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وخارجة بن حذافة، وكتب إليه: لقد أمددتك بثلاثة آلاف فارس، يعني أن كل واحد من هؤلاء يعدل ألف فارس. وهذا خارجة بن حذافة الصحابي هو الذي طعنه الخارجي يظنه عمرو بن العاص، لأنه كان يصلي بالناس. فقبض الخارجي وسمع الناس يندبون خارجة فقال لهم: من خارجة؟ قالوا: الذي قتلته. فعند ذلك قال قولته المشهورة التي سارت بها الركبان: أردت عمراً وأراد الله خارجة. وقد ذكرت ذلك في منظومة النسب فقلت:
خارجة منهم، يعني من العدويين، خارجة منهم أبو حفص، أمد عمراً به بألف فارس يعد، وفيه قال قوله ذو الخارجي: أردت عمراً وأراد الله خارجة.
أما القاسم في قول العراقي: خارجة، القاسم ثم عروة، فهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من كبار الفقهاء من الفقهاء السبعة في المدينة. أخذ العلم عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتربى في حجر عائشة عمته وتفقه بها وأكثر الرواية عنها. وكان القاسم يقول: كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر إلى أن ماتت، وكنت ملازماً لها مع ترف، أي مع الهنات أو مع ضعفي. وكنت أجالس ابن عباس، وقد جلست مع أبي هريرة، وجلست مع ابن عمر، فأكثرت، فكان هناك ورع وعلم جم ووقوف عما لا علم له به؛ يقصد ابن عمر، يعني كان ابن عمر فيه من الورع ما يفوق أقرانه.
ويقول محمد بن إسحاق المطلبي بن يسار صاحب المغازي الذي توفي سنة 150، إمام السيرة: رأيت أعرابياً جاء إلى القاسم بن محمد وهو يصلي فقال: أيما أعلم؟ يسأل القاسم: أنت أم سالم؟ فقال: سبحان الله، كل سيخبرك بما علم. فقال: أيكما أعلم؟ قال: سبحان الله، فأعاد إليه، فقال: ذاك سالم، انطلق إليه. طبعاً القاسم أكبر من سالم قليلاً، سالم أصغر منه، انطلق إليه فسله. فقام عنه، فقال ابن إسحاق: كره أن يقول أنا أعلم فيكون في ذلك تزكية لنفسه، وكره أن يقول سالم أعلم مني فيكذب. وكان القاسم أعلم الرجلين. توفي القاسم رضي الله عنه في سنة 106 للهجرة.
أما سليمان في قول العراقي: ثم سليمان عبيد الله، فهو سليمان بن يسار الهلالي، أخو عطاء بن يسار، وأخو عبد الملك، وأخو عبد الله، وكلهم موالي لأمنا أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنهم. وهذا سليمان من كبار العلماء في المدينة، حدث عن جماعة من الصحابة منهم زيد بن ثابت، ومنهم ابن عباس، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وحدث عن أمهات المؤمنين عائشة وأم سلمة وميمونة. وكان رضي الله عنه من أوعية العلم بحيث أن بعضهم قد فضله على سعيد بن المسيب. وقال مالك: كان سليمان بن يسار من علماء الناس بعد سعيد بن المسيب، وكان كثيراً ما يوافق سعيداً وكان سعيد لا يجترئ عليه. توفي سليمان رحمه الله سنة 107.
نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كنا تكلمنا قبل الفاصل عن ثلاثة من الفقهاء السبعة وهم خارجة والقاسم وسليمان بن يسار.
أما عبيد الله في قول العراقي: ثم سليمان عبيد الله، فهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبو عبد الله الهذلي المدني، الأعمى الإمام الفقيه مفتي المدينة، وهو من الفقهاء السبعة، وهو أخو المحدث عون بن عبد الله، وجدهما عتبة أخو عبد الله بن مسعود، فابن مسعود عم أبيهما، عم أبي عبيد الله وعم عون. عبيد الله هذا الذي هو من الفقهاء السبعة حدث عن جماعة من الصحابة منهم عائشة، ومنهم أبو هريرة، وأبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس وجماعة، ولازم ابن عباس لزوماً طويلاً، أي جلس معه سنين طويلة رضي الله عنهم أجمعين.
قال الزهري: كان عبيد الله بن عبد الله بحراً من بحور العلم، ما جالست أحداً من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده. وقد كنت أختلف على عروة بن الزبير حتى ما كنت أسمع منه إلا شيئاً عاداً، ما خلا عبيد الله فإني لم آته إلا وجدت عنده علماً طريفاً، أي علماً جديداً. وكان ابن عبد البر يقول -حافظ المغرب-: لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا هذا فيما علمت فقيهاً أشعر منه، ولا شاعراً أفقه منه، أي كان فقيهاً وكان شاعراً. قال: ولا في الذين لا عمل لهم إلا الشعر وصناعته، أي لا يوجد فيهم، لا يكاد يوجد فيهم من يتقدم عليه. ومن شعره رضي الله عنه ما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كتب عبيد الله إلى عمر بن عبد العزيز يقول له:
بسم الذي أنزلت من عنده السور، والحمد لله، أما بعد يا عمر، إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر، فكن على حذر، قد ينفع الحذر. واصبر على القدر المحتوم وارض به، وإن أتاك بما لا تشتهي القدر، فما صفى لامرئ عيش يسر به، إلا سيتبع يوماً صفوه كدر.
ومن ملح شعره أيضاً فيما نسب إليه، وإن كنت أتحرى صحة هذه النسبة وإن كان الإسناد لا إشكال فيه، قوله في امرأة قدمت المدينة وكانت جميلة فرغب الناس في خطبتها فلم تجبهم، فقال له أبياتاً واستشهد في هذه الأبيات بالفقهاء السبعة وهو ممازح في ذلك، ذكر منهم ستة وهو السابع:
أحبك حباً لا يحبك مثله، قريب ولا في العاشقين بعيد. أحبك حباً لو علمت ببعضه، لجدت ولم يصعب عليك شديد. وحبك يا أم الصبي مدله، شهيد أبو بكر -فذاك شهيد- أبو بكر الفقيه الذي ذكرناه، يعلم وجدي قاسم بن محمد، وعروة ما ألقى بكم، وسعيد -سعيد بن المسيب-، ويعلم ما ألقى سليمان علمه، وخارجة يبدي بنا ويعيد، متى تسألي عما أقول فتخبر، فلله عندي طارف وتليد.
يعني اسأليهم يشهدون لي. فقال سعيد بن المسيب رضي الله عنه: أما أنت والله فلقد أمنت أن تسألنا، وأمنت أنها لن تسأل، ولو سألتنا ما طمعت أن نشهد بزور. توفي عبيد الله رضي الله عنه سنة 98 وقيل سنة 99 رضي الله عنه.
أما أبو سلمة في قول العراقي: والسابع ذو اشتباه، أما أبو سلمة أو سالم أو فأبو بكر خلاف.
قائم، السابع مختلف فيه؛ فهو إما أبو سلمة على قول بعض أهل العلم أو غيره ممن ذكرهم على قول آخرين. وأبو سلمة رضي الله عنه هو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبوه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو من كبار العلماء، ومن تلاميذ أبي هريرة ومن تلاميذ عائشة وغيرهما.
كان من تلاميذ ابن عباس، لكنه كان يعارض ابن عباس أحياناً، فكان ابن عباس لا ينبسط إليه، ولذلك لم يستفد منه كثيراً وتندم على ذلك رضي الله عنه؛ بخلاف عبيد الله بن عتبة بن مسعود، فكان ملازماً لابن عباس وكان يتلطف له، فاستفاد منه علماً كثيراً. توفي أبو سلمة رضي الله عنه سنة 94، وهكذا ابن المسيب توفي سنة 94.
أما أبو بكر في قول العراقي فهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي. الحارث بن هشام هو أخو أبي جهل، وأبوه عبد الرحمن بن الحارث يلقب بالشريد، وأمه فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو العامري، وتلقب بالشهيدة أيضاً. أمه وأبوه لهما قصة عجيبة جداً؛ وذلك أن جده الحارث بن هشام وهو صحابي جليل أسلم يوم الفتح، أجارته أم هانئ واستأمنت له النبي صلى الله عليه وسلم، فآمن وحسن إسلامه رضي الله عنه، أسلم هو وابن أخيه عكرمة بن أبي جهل وكذلك سهيل بن عمرو، أسلموا في الفتح.
ثم لما تمكن الإسلام من قلوبهم، قالوا في زمن عمر رضي الله عنه: إنه فاتنا إخواننا بسبق الإسلام والهجرة، فلنبدأ إلى الله. والله ما خرجت رغبة بنفسي عن أنفسكم، ولا اختيار بلد عن بلدكم، وقد خرج منه رجال من قريش ما كانوا من ذوي أنسابها ولا من بيوتها، ولو أن جبال مكة ذهباً أنفقنا في سبيل الله ما أدركنا يوماً من أيامهم، ولئن فاتونا في الدنيا بالسبق إلى الإسلام لنلتمس أن نلتحق في الآخرة. ولم يزل مجاهداً في الشام حتى استشهد هو وابن أخيه واستشهد أيضاً سهيل بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين، ولم يبقَ من هذه العائلة ولا من أهل سهيل إلا عبد الرحمن بن الحارث، فسمي الشريد، وتزوج فاختة، عسى الله أن ينشر منهما أمة مديدة، فأنجب أولاداً علماء منهم صاحبنا هذا الذي هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السبعة رضي الله عنهم أجمعين.
وقد ذكر البدوي أمه وأباه وأشار إلى قصتهما في منظومة عمود النسب، يقول في ذلك في أبيه: ومن هشام حارث المجيد، وحارث منه ابنه الشريد. ويقول في أمه: لابن لؤي عامر الحسل، ومنه لعمرو سهيل العدل. يعني من الحسل عامر بن الحسل، منه سهيل العدل الذي هو جده جد المرأة بنت عتبة، زوج الشريد، أمة مديدة، يعني نشأ منهما أمة مديدة. وقد كان أبو بكر بن عبد الرحمن رضي الله عنه مع علمه يسمى راهب قريش، وذلك لكثرة عبادته رضي الله عنه. توفي سنة 94 هو وابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ولذلك كانت هذه السنة 94 تسمى سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها.
أما سعيد بن المسيب من السبعة وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله الذين ذكرهم العراقي في ضمن هذه الأبيات التي ذكرتها، فستأتي تراجمهم مفصلة بإذن الله فيما بعد هذه الحلقة من حلقات هؤلاء العلماء التسعة؛ الستة المتفق عليهم والثلاثة المختلف فيهم. هؤلاء كانوا أشهر علماء التابعين من أهل المدينة المنورة، وهناك علماء آخرون. ولأجل كثرة الصحابة والتابعين في المدينة المنورة كانت أكثر الأحاديث مصدرها هذه المدينة، يقول الشافعي: أصول الأحكام نيف وخمسمائة حديث، كلها عند مالك إلا ثلاثين حديثاً، ومالك هو إمام دار الهجرة.
وأحاديث أهل المدينة أو المدنيين تتميز بالصحة والنقاء عن أحاديث الأمصار الأخرى، يقول ابن المبارك: وذلك لكونهم الصحابة أكثر فيهم والتابعون تعلموا من سمت الصحابة رضي الله عنهم، بينما الصحابة في غيرها من المدن أقل. يقول ابن المبارك: حديث أهل المدينة أصح وإسناده أقرب. وهكذا يقول الخطيب: إن طرقهم أصح الطرق، وإنما كانت أحاديثهم أصح من أحاديث غيرهم لأنه غلب عليهم انتقاد الرجال، كانوا أهل المدينة لا يحدثون أو لا يطلبون الحديث إلا من العلماء، كما أنه لا يتصدر عندهم إلا أهل العلم، وهذا قلل رواج الأحاديث الضعيفة، وكانوا لا يأخذون من كل أحد بل كانوا لا يأخذون إلا من المثبتين، ولذلك كانوا أبعد الناس عن الكذب وعن الغش وعن التدليس، وإنما كان فيهم في بعض رواتهم شيء من الضعف بسبب الوهم وسوء الحفظ، وكان مالك هو الحكم في هؤلاء الرجال، فكانوا إذا سئل عن رجل قال: وجدتموه في كتابي؟
كثير من العباد في المدينة الفضلاء لم يكن الحديث من صنعتهم فكان العلماء يتحاشون، بل قد كان كبار الصحابة كعمر وعلي وغيرهم من الصحابة الذين كانوا في المدينة ورث عنهم أهل المدينة التشدد في الحديث؛ لأن عمر كان ينهى الصحابة عن الإكثار من الحديث وكان يخوفهم في ذلك، ومن ثم سادت هذه الهيبة للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فسار حديثهم من أنقى الأحاديث. ولأجل نقاء هذا الحديث في أهل المدينة وكون الطعن فيهم إنما هو من جهة الحفظ، فقد كان نفس النقد عندهم إنما كان منصباً إلى نقد الرجال من جهة الحفظ ومن جهة التثبت، ولم يكن فيهم مسألة العلل واختلاف الرواة.
وقد كان مالك بن أنس رضي الله عنه الذي هو صاحب موطأ مالك كان أشهر الناس في نقد الرجال بالمدينة المنورة، حتى جعله غير واحد من العلماء حكماً بين الناس، وكان أهل المدينة أيضاً أكثر الناس تمسكاً بالسنة لكونهم أعلم الناس بها، فقد روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة. وكان مالك يقول: إن عمر بن عبد العزيز كان يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى وعما يعملون به عندهم. هذا يدلنا على أن أهل المدينة كانوا هم منبع العلم، وكان العلم فيهم والحديث فيهم كان فيه ثبوت أكثر من غيرهم من الأمصار الأخرى.
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. سعيد المري