دخولتسجيل الدخول

الحلقة 14

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع». صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم أيها المشاهدون الكرام في هذه الحلقة الجديدة، والتي سنتحدث فيها عن سعيد بن المسيب رحمه الله عليه. هذا الإمام سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، مفتي المدينة، كان عالماً وافر الحرمة، متين الديانة، قوالاً بالحق. أبوه المسيب بن حزن ممن بايع تحت الشجرة، وفي اسم أبيه ضبط؛ منهم من يقول: المسيب بالكسر، ومنهم من يقول: المسيب بالفتح، وجده حزن من الصحابة أيضاً رضي الله عنهم أجمعين.

سعيد بن المسيب يعتبر أعلم التابعين وأجلّهم عند أكثر العلماء، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك. كان التابعون الكبار إذا استصعب عليهم شيء يسألونه، بل كان الصحابة الكرام يسألونه. وقد قال غير واحد من التابعين ممن رأوا بعض الصحابة الكبار: ما رأينا أعلم من سعيد بن المسيب؛ ومن ذلك ميمون بن مهران. سعيد بن المسيب أحد الفقهاء السبعة كما تقدم ذكره أو الإشارة إليه، بل هو المقدم في هؤلاء الفقهاء. وهؤلاء الفقهاء ذكرهم كما ذكرت سابقاً العراقي في ألفيته بقوله:

وفي الكبار الفقهاء السبعة خذ القاسم ثم عروة ثم سليمان عبيد الله سعيد والسابع ذو اشتباه أما أبو سلمة أو سالم أو فأبو بكر خلاف قائم

سعيد بن المسيب سمع من جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، منهم عثمان وعلي وأبو هريرة وعائشة ومن بعدهم، وهو زوج بنت أبي هريرة رضي الله عنه، وهو أعلم الناس بحديث أبي هريرة. وكان رضي الله عنه يفتي والصحابة أحياء، بل شهد له ابن عمر بذلك فقال: والله هو والله أحد المفتين. وكان إماماً في العلم وإماماً في العمل، ثبت عنه أنه قال: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد. ثلاثون سنة وهو لا يؤذن المؤذن إلا ويكون قد سبق المؤذن إلى المسجد. ويقول ميمون بن مهران: بلغني أن سعيد بن المسيب، وميمون من الأئمة الكبار ممن لقي سعيد، بقي أربعين سنة لم يأتِ المسجد فيجد أهله قد استقبلوه خارجين؛ أي لم تفته الصلاة أبداً منذ أربعين سنة. وكان رضي الله عنه يكثر الحج، حج أربعين سنة، وكان يكثر أن يقول في مجلسه: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.

وكان طالباً للعلم، طلابه له لا يألو جهداً فيه، حتى إنه كان يقول: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد. والإمام الزهري وهو سيد التابعين وأحفظهم، ومن صغار التابعين ممن يروي عن أنس بن مالك، يذكر أنه كان يجالس عبد الله بن ثعلبة بن صعير، وهو حليف لبني زهرة من العلماء بالأنساب، قال: كنت أجالسه أتعلم منه الأنساب، فسأل الزهري هذا الرجل عن شيء من الفقه أو جاءه رجل من الخارج وسأله عن الفقه، فأشار عليه بسعيد بن المسيب. قال ابن شهاب: فجلست سعيداً سبع حجج -أي سبع سنوات- وأنا لا أظن أن أحداً عنده علم غيره؛ يظنه أعلم الناس. وهكذا كان مكحول يقول: طفت الأرض كلها فما وجدت أعلم من سعيد بن المسيب. وعلي بن المديني أيضاً يقول كلاماً مثل ذلك: لا أعلم في التابعين أحداً أوسع علماً من ابن المسيب، هو عندي أجل التابعين.

وكان سعيد بن المسيب رحمه الله شديد التوقير لحديث النبي صلى الله عليه وسلم. جاءه رجل مرة وهو مريض طريح الفراش فسأله عن الحديث، وكان مضطجعاً مريضاً، فاستوى جالساً ثم حدث ذلك الرجل. فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعنَ. فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع. وهذا الذي كرهه سعيد بن المسيب لم يكن شيئاً مما يرى به بأساً، لم يكن العلماء يرون به بأساً، وإنما كان يفعله سعيد بن المسيب وأمثاله من باب الأدب. ولعله لذلك وأمثاله بارك الله سبحانه وتعالى في علمه ورفعه بين الناس. وقد كان جماعة من السلف يقولون: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. هذا يقوله أهل العلم في تلك القرون الفاضلة، فكيف بهم لو رأوا أحوالنا هذه الأيام؟ نسأل الله سبحانه وتعالى العافية والسلامة.

ومن العجائب الدالة على علمه رضي الله عنه أن ميمون بن مهران كما ذكرت، وهو ممن لقيه وممن لقي الصحابة الكبار، كان يقول: أتيت المدينة فسألت عن أفقه أهلها فدفعت إلى سعيد بن المسيب؛ يعني الصحابة كانوا موجودين لما سأل، دفعوه الناس إلى سعيد بن المسيب. وكان سعيد قد ولد في زمن عمر، لكنه لم يأخذ عنه لصغره، فلما كبر اهتم بالسؤال عن شأن عمر وعن قضاياه وعن أحواله، حتى أصبح كأنه يراه، وكان يسمى راوية عمر بن الخطاب لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته، لدرجة أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن بعض شأن أبيه رضي الله عنهم أجمعين. ولما كان عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة، ما كان يقضي بقضية حتى يسأل سعيد بن المسيب، فأرسل إليه مرة إنساناً يسأله، فدعاه ذلك الإنسان -دعاه الرسول- إلى عمر، فلما جاء قال له عمر: أخطأ الرسول، إنما أرسلناه يسألك في مجلسك.

وعاصر سعيد بن المسيب كثيراً من الولاة، منهم الحجاج، كان الحجاج مع ظلمه وجبروته لا يعرض لسعيد بن المسيب. كنت سأقول سعيد بن جبير فتذكرت أن سعيد بن جبير قد قتله الحجاج، لكن سعيد بن المسيب لم يكن الحجاج يعرض له. فقيل له في ذلك: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك ولا يحركك ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، إلا أنه دخل ذات يوم مع أبيه المسجد فصلى صلاة لا يتم ركوعها ولا سجودها، فحذفته بالحصى. قال: وزعموا أن الحجاج يقول: ما زلت بعد ذلك أحسن الصلاة. فلعل كونه سبباً في إحسان الصلاة لم يكن الحجاج يثير سعيد بن المسيب.

وكان سعيد بن المسيب رحمه الله عليه مع مكانته وهيبته بين الناس إلا أنه كان مثل غيره من العلماء، لم يسلم من ظلم الولاة ولم يسلم من المحنة. ومما وقع له أن رجلاً استعمله عبد الله بن الزبير حين كان والياً على مكة وكان خليفة للمسلمين، استعمله على المدينة، واسمه جابر بن الأسود بن عوف الزهري، فدعا هذا الرجل الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد بن المسيب: لا، حتى يجتمع الناس. يعني إذا اجتمع الناس على ابن الزبير بايعت. فضربه هذا الرجل ستين سوطاً. فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه ويقول: ما لنا ولسعيد، دعه. وكان هذا الرجل جابر بن الأسود الزهري قد تزوج امرأة خامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، فلما ضرب سعيد بن المسيب رضي الله عنه، صاح به سعيد والسياط تأخذه، يقول له: والله ما ربعت على كتاب الله، وإنك تزوجت الخامسة قبل انقضاء عدة الرابعة، وما هي إلا ليالٍ فاصنع ما بدا لك فسوف يأتيك ما تكره. فما مكث إلا يسيراً حتى عزله ابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.

وله محنة أيضاً مع عبد الملك بن مروان حصلت له، كما حصل في عهد ابن الزبير أيضاً في عهد عبد الملك بن مروان حصلت له محنة أخرى، وذلك أن عبد الملك بعد وفاة أخيه عبد العزيز، عقد لابنيه الوليد وسليمان بالعهد من بعده، وكتب بالبيعة إلى البلدان، وكان عامله يومئذ على المدينة المنورة هشام بن إسماعيل المخزومي، فدعا الناس للبيعة، فبايعوا، وأبى سعيد بن المسيب وقال: لا أبايع الاثنين ما اختلف الليل والنهار. فقيل له: ادخل من هذا الباب واخرج من هذا الباب؛ يعني حتى يرى الناس أنك قد بايعت. فقال: لا والله لا أخدع أحداً. فضربه الوالي هشام بن إسماعيل ستين سوطاً، وطاف به في تبان من شعر؛ أي في سروال قصير من شعر. فعلم بذلك عبد الملك، فكتب إليه يلومه فيما صنع بسعيد بن المسيب، ويقول: إن سعيداً كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه، وإنا لنعلم ما عنده من خلاف. وهكذا قبيصة كان من وزراء عبد الملك بن مروان، دخل على عبد الملك بكتاب هشام أنه ضرب سعيداً وطاف به، فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين، يفتات عليك هشام بمثل هذا، والله لا يكون سعيد أبداً أمحل ولا ألحّ منه حين يضرب؛ يعني أنه سيتشدد أكثر، لو لم يبايع سعيد ما كان يكون منه شيء، وما هو ممن يخاف فتقه، يا أمير المؤمنين، اكتب إليه يعتذر. فقال عبد الملك: اكتب أنت إليه. فكتب إليه يعني قبيصة يقول له: إن أمير المؤمنين لم يرضَ. فقال سعيد بن المسيب حين وصله الكتاب: الله بيني وبين من ظلمني.

نقف هنا قليلاً ثم نعود إليكم بعد وقت قصير إن شاء الله.

ذكرنا قبل الفاصل المحنة التي وقعت لسعيد بن المسيب في عهد عبد الملك بن مروان، وقد حصل في هذه المحنة أمر عجيب من عجائب ما حدث له أثناء الضرب، أن قتادة بن دعامة السدوسي وهو أحد التابعين الكبار بالبصرة وتلميذ لأنس بن مالك، رحل من البصرة للقاء سعيد بن المسيب. فلما جاء إلى المدينة وكان يقوده قائد لأنه كان كفيف البصر، وجد سعيد بن المسيب قد ألبس تبان من شعر، وأقيم في الشمس يعذب ويضرب، فأمر من يقوده بأن يدنيه منه، فأدنى منه، فجعل يسأل سعيد بن المسيب بعض المسائل، يخاف أن يموت سعيد فيذهب العلم ولم يأخذ منه. وكان سعيد يجيبه وهو على ذلك الحال حسبة لله سبحانه وتعالى، والناس يتعجبون. وهذه الصورة في الحقيقة الناس لا يلامون في تعجبهم، ولا يدرى أي حال الرجلين أعجب؛ هذا الذي جاء إلى رجل يعذب ويضرب وليس له هم إلا أن يطلب العلم عنده ويسأله وهو على ذلك الحال، أم هذا الذي أقيم في الشمس يضرب ويعذب ثم لا يضجر من ذلك الشخص الذي يسأله، ولا يهتم أو ليس عنده إشكال في أن يجيبه! فهذه حالة عجيبة جداً، هذه الصورة في غاية الروعة وصورة باهرة جداً تقرب لنا ما حال هؤلاء السلف وما كانوا عليه من حب العلم والاحتساب في نشره رضي الله عنهم. فقتادة إنما حمله على ما عمله حب العلم وشغفه به، وخوف ذهاب سعيد بن المسيب أو ذهاب شيء من العلم وهو كان يقدر عليه، وسعيد بن المسيب أيضاً حمله على الإجابة على أسئلة قتادة تقدير العلم واستحضار أهميته وأهمية نشره للناس؛ فهو لا يدري لعله يختم له في ذلك الوقت، فيكون قد ختم له بهذا العمل الصالح، ولعله أن ينتفع الناس بهذه الكلمات التي ربما تكون آخر عمل يعمله أو آخر ما يقوله، وكأني به يقول: إن الله ساق لي هذا الرجل لكي يكون خاتمة عملي عملاً من أفضل الأعمال التي يتعدى نفعها وهو نشر العلم.

ثم إن ما خشي منه قتادة لما جاء وخشي أن يفوته سعيد، هذا الذي خاف منه وقع لأناس آخرين؛ حدث لجماعة من أهل العلم، من ذلك أن حماد بن سلمة رحل من البصرة إلى مكة المكرمة يريد لقاء عطاء بن أبي رباح، وهو عطاء بن أبي رباح لأهل مكة كسعيد بن المسيب لأهل المدينة. لما قدم حماد بن سلمة مكة، قدم في نهار رمضان، فسارت نفسه تنازعه: هل أذهب إلى عطاء أم أنتظر وأفطر؟ فانتظر وأفطر، ثم بعد الإفطار، وكان ابن أبي ليلى قد قدم لكنه لم ينتظر الإفطار وذهب إلى عطاء، فلما أفطر حماد بن سلمة ذهب إليه، فإذا هو قد توفي قبل الإفطار، فاغتم لذلك غماً شديداً. ومثل هذه الحادثة حدثت لعلي بن عاصم وهو من الحفاظ الكبار، وهذه الرواية يرويها الخضر بن أبان الهاشمي وفيه شيء من الضعف، يقول علي بن عاصم يذكر عن نفسه أنه خرج من واسط إلى الكوفة هو وهشيم بن بشير، وكلاهما من شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، وكان مرادهم أن يلتقوا بمنصور بن المعتمر شيخ الإمام الثوري، وهو إمام كبير. فلما خرجوا من واسط وساروا فراسخ، لقيهم أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، تلميذ الأعمش، فسأله علي بن عاصم: أين تريد؟ فقال: أسعى في دين علي. قال علي بن عاصم: فقلت ارجع معي إلى الكوفة، فإن عندي أربعة آلاف درهم أعطيك منها ألفين. فرجع علي بن عاصم وهو معه أبو معاوية إلى بيته وأعطاه تلك الدراهم، ثم خرج علي يريد اللحاق بصاحبه إلى منصور بن المعتمر، وكان هشيم قد استمر في طريقه حتى دخل الكوفة في الصباح، فذهب إلى منصور مباشرة وسمع منه أربعين حديثاً، بينما دخلها علي بن عاصم بالعشي، فلما دخل بالعشي أراد أن يأتي في هيئة حسنة، فدخل المغتسل الحمام.

فلما أصبح في الصباح مضى إلى باب منصور بن المعتمر، فإذا هو بجنازة تخرج من البيت، فسأل عنها فقالوا: هذه جنازة منصور بن المعتمر. فقعد علي بن عاصم يبكي؛ لأنه فاته هذا الشيخ الجليل، فرآه شيخ كان هناك فقال: يا فتى، ما يبكيك؟ قال: قدمت على أن أسمع من منصور وقد مات. فقال الشيخ: يا فتى، ألا أدلك على من شهد عرس أمه؟ -يقصد نفسه-. فقال: نعم. فقال الشيخ: اكتب، حدثني عكرمة عن ابن عباس.

قال علي: فجعلت أكتب عنه شهرًا كاملًا، ثم قلت له بعد شهر: من أنت رحمك الله؟ قال: سبحان الله، أنت تكتب عني منذ شهر لم تعرفني؟ أنا حسين بن عبد الرحمن، وما كان بيني وبين أن ألقى ابن عباس إلا بضعة دراهم، منعتني من الرحلة؛ لأنه لم يكن عنده مال ليرحل إلى ابن عباس، وكان حسين بالكوفة، وكان ابن عباس في البصرة في ذلك الوقت. فكان عكرمة هو الواسطة، كان عكرمة يسمع من ابن عباس ثم يجيء فيحدث حسينًا، فكان حسين يحدث علي بن عاصم. ونعم، علي بن عاصم فاته منصور لكنه لقي حسين بن عبد الرحمن رضي الله عنهم أجمعين.

كان سعيد بن المسيب رحمه الله مهيبًا، وكان منزويًا عن بني أمية ربما بسبب الفتنة التي حصلت له منهم، وقد حصلت له مع بعض خلفائهم مواقف يبدي فيها التصلب. من تلك المواقف أن الخليفة عبد الملك بن مروان قدم المدينة فامتنعت منه القائلة، فقال للحاجب: انظر هل في المسجد أحد من المحدثين؟ فخرج الرجل فإذا سعيد بن المسيب في حلقة، فقام حيث ينظر إليه سعيد بن المسيب وأشار إليه بأصبعه -تعال- وهو عليه هيئة الحرس، ثم رأى أن الرجل ما تحرك، فقال: لا أراه فطن لي، فجاء ودنا منه وغمزه: ألم ترني أشير إليك؟ قال: وما حاجتك؟ قال: أجب أمير المؤمنين. فقال: إلي أرسلك؟ قال: لا، ولكن قال: انظر هل تجد بعض الحداث هنا أو المحدثين، فلم أرَ أحدًا أهيب منك.

فقال: اذهب فأعلمه أني لست من حداثه. فخرج الحاجب وهو يقول: ما أرى هذا الشيخ إلا مجنونًا، وذهب فأخبر عبد الملك، فقال له عبد الملك: ذاك سعيد بن المسيب فدعه. وهكذا من المواقف التي حدثت له رضي الله عنه أن عبد الملك بن مروان حج مرة وجاء المدينة ووقف على باب المسجد، فأرسل مرسولًا إلى سعيد بن المسيب بأنه يريد أن يكلمه، فقال: لا حاجة لي فيه. يقول سعيد بن المسيب: فغضب، وكان عبد الملك قال للرسول: لا تحركه ولا تؤذيه. فرجع وقال: إنه قال كذا. قال: قل له فقط أريد أن أكلمه. فقال له: لا حاجة لي به، وإن كانت حاجته غير مقضية، وإن كان يريد بي خيرًا فهو لك، وإن كان يريد غير ذلك فلا أحل حبوته حتى يقضي الله ما هو قاضٍ. فعند ذلك قال عبد الملك بن مروان: أبا سعيد، إلا الصلابة، رحمه الله.

ومن عجائب ما حصل لسعيد تزويجه لابنته، فإنه زوج ابنته لأحد تلاميذه، وهو كثير بن أبي وداعة. كثير بن أبي وداعة هذا كان من طلاب سعيد بن المسيب، فتخلف فترة من الفترات وغاب عن مجلس سعيد، فلما جاء قال: ما غيبك؟ قال: توفيت امرأتي فجلست في شأنهم، ولم يكن لها أحد. فقال: ما ينبغي لمثلك أن يبقى بغير امرأة -عزبًا-. فقال: ومن يزوجني؟ ما عندي إلا ثلاثة دراهم. قال: أنا أزوجك. قال: أو تفعل؟ قال: نعم. ثم دعا بعض الناس وزوجه على ثلاثة دراهم، فرجع هذا الرجل وهو ما أحد أفرح منه، مع أن عبد الملك قد خطبها لولده فأبى سعيد رضي الله عنه، فهم يريدون أهل الصلاح وأهل الخير. وكان كثير بن أبي وداعة من الثقات الكبار.

فيقول كثير: فرجعت أبحث من أستدين منه لأجل الزواج، وكنت صائمًا، فصليت المغرب ورجعت إلى بيتي وأخذت إفطاري، وإفطاره كان خبزًا وزيتًا، فإذا الباب يطرق، فقلت: من؟ قال: سعيد. يقول: فتفكرت في كل سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه كان بين بيته وبين مسجده. قال: ففتحت الباب فإذا سعيد بن المسيب وإذا ابنته خلفه بطولها، فقال: هذه زوجتك، وأدخلها. في البداية قال له: رحمك الله، ألا دعوتني حتى أنا آتيك؟ قال: ما ينبغي لي حديث العرس إلا أن يؤتى، وهذه زوجتك.

فأدخل ابنته، فالبنت من الحياء أخذت الأرض وجلست، يقول: فما علمت ماذا أصنع؟ فكلمت الجيران فجاؤوا وأخبروا أمي، وجاء النساء وجلسوا يواسون، وجاءت أمه فقالت له: لا تقربها حتى أصلحها، فجلس وآنستها أو نحو هذا الكلام. فبعد ثلاث دخل بها، يقول: فوالله ما رأيت امرأة أجمل منها، ولا أعلم بكتاب الله منها، ولا أعلم بسنة رسول الله منها، ولا أعرف لحق زوج منها. ثم ذهب بعد شهر إلى حلقة سعيد بن المسيب، فلما حضر الحلقة قال: يقول ما كلمني ولا كلمته، بقينا في الحلقة. فبعد انتهاء الحلقة وبعد قيام الناس نظر إلي وقال: ما حال ذلك الإنسان؟ فقلت: على خير ما تحب، على ما يحب الصديق وعلى ما يكره العدو. هكذا كان فعل سعيد بن المسيب وتزويجه لابنته من أهل العلم ونظره إلى الآخرة رضي الله عنه، وهكذا كانوا حال هؤلاء الصلحاء.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقتدي بأمثالهم وممن يستفيد من سيرهم رضي الله عنهم. توفي سعيد بن المسيب في سنة أربع وتسعين للهجرة مع جماعة من الفقهاء، وكانت هذه السنة تسمى سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها. إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثًا فبلغه، فرب مبلغ أوى من سامع».