دخولتسجيل الدخول

ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها | أمهات المؤمنين 09

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأمهات المؤمنين، ومعنا اليوم آخر زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وهي ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها وأرضاها ورحمها.

تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في العام السابع من الهجرة بعد عمرة القضاء في شهر ذي القعدة، وبنى بها عليه الصلاة والسلام في سرف. وميمونة هي أخت أم المؤمنين زينب بنت خزيمة لأمها. ومن فضائلها رضي الله عنها وأرضاها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأخوات المؤمنات». فميمونة بنت الحارث، وأسماء أختها سلمى ولبابة، وكذلك أختهن لأمهن أسماء بنت عميس، فهؤلاء الأربع هن الأخوات المؤمنات، وميمونة رضي الله عنها وأرضاها فضلت بهذا الوصف مع أخواتها.

لما نتأمل في سيرة أم ميمونة وننظر فيها، نجد بأن السبب -والله أعلم- في اختيار هذه المرأة هو نفس الديانة، وكانت شديدة في ديانتها. فجاء عن أم ميمونة عائشة رضي الله عنها وأرضاها بأنها لما لقيت يزيد بن الأصم، وكان ابن أخت ميمونة، فقالت له: «ذهبت والله ميمونة، وجعل حبلك على غاربك»، ثم قالت: «أما والله إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم».

فكانت امرأة صالحة في نفسها، ولما دخل عليها أحد أبناء أختها ووجدت ريح شراب، قالت: «أما والله لئن لم تخرج ويقام عليك الحد، وإلا لا تدخل علي أبدًا»، فتمت إقامة الحد عليه. وكانت كذلك امرأة فقيهة، فروت عن النبي عليه الصلاة والسلام في صفة غسل النبي عليه الصلاة والسلام، هي التي روته، وإن كانت بقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام شاركنها في هذا، إلا أن بعض ألفاظ هذا الغسل لم يروها إلا أم ميمونة. وكذلك روت عنه في كتاب الصلاة في صفة السجود، وكذلك في كتاب الحيض، فهي كانت فقيهة رضي الله عنها وأرضاها.

وكذلك كانت لها وليدة فأعتقتها، فلما جاءت ليلتها قالت: «يا رسول الله، أما شعرت بأني أعتقت وليدتي؟»، قال: «وفعلتِ؟»، قالت: «نعم»، قال: «أما والله لو أهديتها لأخوالك كان أعظم لأجرك». فالقصد أنها كانت من الصالحات القانتات التائبات العابدات، وكان يقول الذهبي وجماعة من العلماء بأنها كانت من التقيات العابدات الورعات.

سيرتها تكشف عن أمرين اثنين: الأمر الأول قوتها في دينها وشدتها فيه، والأمر الثاني نفس الإيمان أو الأسرة الصالحة. فلما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأخوات المؤمنات»، هذا خص من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام في أم ميمونة، فضلت بأنها هي وأخواتها بلغوا هذه الدرجة وهذه المرتبة. فأختها مثلًا لبابة كان زوجها هو العباس، فهي أم عبد الله بن عباس، وكذلك ميمونة كانت خالة خالد بن الوليد. وأختها كذلك أسماء بنت عميس تزوجت جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها الصديق، ثم تزوجها علي بن أبي طالب؛ فامرأة يتزوجها هذا العدد وهذا النفر من الصالحين، هذا لا شك بأنه بها سر.

تزوجها جعفر، ثم تزوجها الصديق، ثم تزوجها علي، لماذا؟ ما هو السر وما هو السبب؟ فكذلك هنا أم ميمونة لما تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، كانت قد تزوجت قبل ذلك مرتين؛ المرة الأولى طلقها زوجها وكان من ثقيف، والمرة الثانية تزوجها أبو رهم العامري ومات عنها، ثم تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام امرأة بعد عشر نسوة؟ ما هو السر؟ ما هو السبب؟ لماذا هذه الزيادة؟

فهذا يدل على أن نفس البيت بيت صلاح، ومع ما فيها هي نفسها من الديانة وشدتها في هذه الديانة وقوتها فيها، فلا شك بأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكرمها بهذه الكرامة العظيمة حتى تكون أمًا للمؤمنين وزوج خير المرسلين، وتفوز في الدرجات العالية في الجنة. فهذا هو الذي يظهر من سيرة أم ميمونة رضي الله عنها وأرضاها.

وهذا ما يتعلق بزوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وأحري بالنساء وكذلك الرجال أن يتعرفوا على سيرة أمهات المؤمنين وعلى سير زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذا القسم، اختارها الله سبحانه وتعالى واصطفها حتى تكون عبرة ونبراسًا ومثالًا لكل من يأتي بعد ذلك من النساء؛ فلا بد أن يتم نشر سير أمهات المؤمنين، وكذلك نشر سير العشرة المبشرين بالجنة، حتى تملأ هذه القلوب، ولا تملأ القلوب إلا بنماذج شريفة، ونحن نملك أعظم النماذج على الإطلاق.

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الله في أصحابي»، والله اختار له الصحابة من بين جميع الناس، واطلع إلى قلوب البشر فوجد هذه القلوب هي أنقى القلوب، فاختار هذه القلوب وأصحاب هذه القلوب. وكذلك نظر في النساء والزوجات، فاختار هذه المجموعة مع كثرة النساء في ذلك العصر، لكن بالذات اختارها الله سبحانه وتعالى هذه المجموعة من النساء، وهذا فيه دلالة على عظم هذه الشريحة من البشر وأهمية التعرف على سير هذه النماذج المختارة من قبل الله سبحانه وتعالى. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.