دخولتسجيل الدخول

جويرية بنت الحارث رضي الله عنها | أمهات المؤمنين 08

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله جميعًا، وبياكم، وأسكننا طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأمهات المؤمنين، ومعنا اليوم سيرة وترجمة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب الخزاعية. أراد والدها الحارث بن أبي ضرار أن يغزو المدينة، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام للتأكد، فتأكد النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يريد غزو المدينة. وكان هذا في السنة الخامسة أو في السنة السادسة من الهجرة.

حث النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة رضي الله عنهم، وبلغ الكفار عند ماء المريسيع، فسميت هذه الغزوة بغزوة بني المصطلق نسبةً إلى نفس هذه القبيلة، أو غزوة المريسيع نسبةً إلى الماء الذي باغتهم النبي عليه الصلاة والسلام عنده. فلما هجم النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة رضي الله عنهم على هؤلاء الذين أرادوا غزو المدينة فرّوا، وتركوا خلفهم أهليهم، فأُسرت هذه القبيلة، ووقعت ابنة سيد هذه القبيلة، وهي أم المؤمنين جويرية، في سهم ثابت بن قيس.

فلما وقعت في سهمه وأرادت أن تفدي نفسها، أبت أن يقربها، ولا تكون سبية عنده، وأرادت أن تفدي نفسها، فقبل بذلك ولكن اشترط مبلغًا كبيرًا، مئة أوقية. فذهبت بعد ذلك هي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فلما رأتها أم المؤمنين عائشة قالت: كرهت مقامها، لماذا؟ لجمالها، وكذلك لأنها كانت امرأة مليحة، كانت امرأة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، وقالت كانت امرأة ملاحة تأخذها العين.

القصد أنها أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأرادت أن تفدي نفسها. فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أو خير من ذلك؟» قالت: وما ذاك يا رسول الله؟ (وسمته برسول الله). فقالت: أتؤمنين وتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك؟» فقالت: قد فعلت.

فسمع الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي فأعتقوهم، وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وتقول أم المؤمنين عائشة-: «فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها»، أعتق في سببها مئة أهل بيت من بني المصطلق.

فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام. وأم المؤمنين جويرية بنت الحارث لا يوجد في سيرتها الشيء الكبير، ولكن ما في سيرتها يكشف شيئًا من ملامح هذه المرأة العظيمة. الآن، والد هذه المرأة يريد ويهم بأن يغزو النبي عليه الصلاة والسلام، فتكون النتيجة أن تتزوج ابنته من النبي عليه الصلاة والسلام. شوفوا يا إخوان، حوادث القدر خاصة مع الأصفياء الأولياء لا تمر مرور الكرام. الآن هذا الأب يريد أن يغزو النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن الله يريد أن يزوج ابنته من النبي عليه الصلاة والسلام. كيف هذا الشيء؟ قطعًا الميزة ليست في الأب، إنما الميزة في نفس هذه البنت.

هذه المرأة كيف سيصل إليها النبي عليه الصلاة والسلام؟ بعيد جدًا؛ النبي في المدينة عليه الصلاة والسلام، وهم في ديارهم في ديار بني خزاعة، ومع ذلك الله يهيئ ويقدر بعض الأمور حتى تكون هذه المرأة أمًا للمؤمنين، وحتى تهتدي هذه القبيلة، حتى نوفل إذا جاء بعد ذلك وأسلم. هؤلاء الآن يريدون ويهمون بأن يفعلوا كذا وكذا، ولكن الله سبحانه وتعالى في علمه يريد شيئًا آخر، وفي حكمته يريد شيئًا آخر. ما السر الموجود في هذه المرأة حتى تحدث هذه الحادثة كلها، وتكون النتيجة النهائية أن يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام منها؟ هذا شيء عجيب.

هذا كله يعظم من الإيمان بالقدر، والإيمان بسم الله الحكيم، بسم الله العليم، بسم الله الخبير، ولكن كذلك يكشف لنا أثر القدر على الصالحين. كيف أن هذه المرأة تكون بهذه الطريقة؟ لماذا في جزيرة العرب لم يأخذ من الأنصار ولم يتزوج من الأنصاريات، ولكن تزوج هذه المرأة الخزاعية؟ سبحان الله العظيم. الذي يكشف هذا كله هو الذي وقع بعد ذلك لما أسلمت وانقادت وقبلت بالنبي عليه الصلاة والسلام زوجًا.

وكانت امرأة عابدة، حتى تذكر من عبادتها أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج من عندها يومًا وهي في مصلاها لصلاة الصبح، فذهب إلى المسجد عليه الصلاة والسلام وصلى، وجلس قعدته إلى شروق الشمس، ثم رجع إليها، وقيل رجع إليها بعد ما انتصف النهار، يعني قريب من وقت الظهر، وما زالت جالسة على سجادتها في مصلاها. فذكر لها النبي عليه الصلاة والسلام وقال لها: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته».

وكذلك مرة دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام وكانت صائمة وكان يوم الجمعة، فقال: «صمتِ أمس؟» قالت: لا. «تصومين غدًا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». إذًا كانت هي امرأة عابدة، وهذه العبادة هي التي تبلغ بالإنسان.

يأتي السؤال: هل هي لما كانت عند أبيها كانت عابدة؟ يعني هي لما كانت عند والديها، هل هي أصلًا كانت مسلمة؟ لا، لا يوجد في سياق الترجمة والقصة متى أسلمت، ولكن يبعد أنها تكون مسلمة في بيت أبيها، هذا يبعد، ولكن قد تكون أسلمت لما رأت النبي عليه الصلاة والسلام. فلما أسرت من قبل هؤلاء وهي ابنة ملك، ابنة سيد، وبنات السادة يختلفن عن سائر البنات، هذا طبيعي جدًا؛ بنات السادة يكون عندهن بعض الصفات التي لا تكاد توجد عند البقية. ولكن لما تكون هي بنت سيد ومع ذلك تكون بهذه الصفات، صفة الرحمة، لا يوجد بها الكبر ولا الطغيان، هذا هو الذي بلغ بها.

هذه المرأة بها صفاء، وهذا الصفاء مثل ما ذكرنا في قصة امرأة فرعون، كيف أنها كانت في قصر فرعون إلى آخره ومع ذلك ما طغت. هذه المرأة الذي يظهر من سيرتها أنها كانت بهذه الطريقة، نعم هي ابنة سيد قومها ولكنها لم تكن طاغية ولم تكن متكبرة ولم تكن متجبرة. لكن متى أسلمت؟ الذي يظهر أنها أسلمت بعد ما رأت المسلمين وليس قبل ذلك. طيب إذا كانت بعد ما رأت المسلمين، هي كيف أسلمت وانقادت مباشرة؟ هذا هو الصفاء، هذا هو الصفاء، والصافي من الناس ما يتأثر بما يتأثر به غيره.

بقية الناس، الصافي مباشرة ينقاد للحق. جاء في الحديث: «المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد» أي بالخير. فهذه المرأة بمجرد أن رأت المسلمات ورأت ما يفعل المسلمون وسمعت القرآن الكريم انقادت مباشرة، ولم ترجع إلى أن والدها كذا أو كذا أبداً، إنما هي انقادت للحق كما انقادت امرأة فرعون للحق لما سمعت أم موسى عليه السلام.

فلما أسلمت على النبي ﷺ، رأى النبي ﷺ بأن هذه المرأة تصلح، فأسلمت وتزوجها عليه الصلاة والسلام، لم يأخذها ملك يمين إنما تزوجها عليه الصلاة والسلام، وهي ابنة سيد قومها، وهذا كذلك فيه تأثير كبير على هذه القبيلة وهذه العشيرة. فلما يتزوج النبي ﷺ من ابنتهم يصعب أن يكونوا أعداءً له، وهذا هو الذي وقع؛ أسلموا.

وأصبحت بعد ذلك هي وعشيرتها عيبة نصح رسول الله ﷺ، فقيلة خزاعة هي التي دخلت مع النبي ﷺ في صلح الحديبية؛ بنو بكر دخلوا مع قريش وخزاعة دخلوا مع النبي ﷺ. القصد أنها كان بها هذا الصلاح الفطري، وهذا الصلاح الفطري لما تطرقه الدعوة تثمر هذه العبادة.

فانظروا الآن، بمجرد أن آمنت، تجلس هكذا من صلاة الفجر وقبل الفجر يخرج النبي ﷺ وهي جالسة في مصلاها على سجادتها، ويرجع إليها بعد ما يتعالى النهار وهي بهذه الطريقة تذكر الله سبحانه وتعالى وتصوم كذلك بهذه الصورة. هذا يدل على صلاح الإنسان، صلاح الباطن. فلما يجتمع صلاح الباطن مع الدين هنا يضيء هذا النور، ويكون إشعاع عظيم وليس ضعيفاً؛ نور على نور. لما يلتقي نور الفطرة مع نور الدين يصبح شخص من خيرة الخلق، من خيرة الناس.

فهذه المرأة هي بالأصل بهذه الصورة، هي بالأصل رحيمة، بالأصل طيبة، بالأصل لينة مع ما هي فيه من فتن ابنة السيد، ولكن هذا ما أثر بها، ومع ذلك لما أسلمت مباشرة أصبحت بهذه الطريقة.

القصد من ذلك أن والدها لما علم بأنها وقعت في السبي فذهب وجمع الفدية، جمع المال فجاء بمئة بعير. وفي الطريق لما اقترب من المدينة أعجب ببعيرين فلم يأتِ بهما، يعني جعلهما في وادٍ من الوديان القريبة من المدينة. فدخل على النبي ﷺ، فلما دخل عليه وسأله: ما الذي جاء بك؟ قال: أريد أن أفتدي ابنتي. فقال: بما؟ فقال: بمئة بعير. فقال: والبعيرين اللذين وضعتهما في كذا وكذا، وذكر له النبي ﷺ المكان، فتعجب وأسلم، قال: والله ما أعلم بذلك أحد يا رسول الله إلا أنا فقط. فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله»، وأسلم.

وأصبحت خزاعة في هذه الصورة وهذه الطريقة. فانظر كيف القدر يهيئ الأمور للنبي ﷺ، وكيف تساق هذه المرأة إلى النبي ﷺ حتى تصبح يوم القيامة من أعلى النساء درجة، في منزلة مع النبي ﷺ في درجته.

إذاً هذا هو الذي بلغ -والله أعلم بأم جويرية- الصلاح الذاتي مع العبادة العظيمة التي كانت تقوم بها، هذا هو الذي أوصلها مع بركتها على قومها، وهي أصبحت الآن سبب هداية أبيها وبقية قومها. فكانت بركتها عظيمة جداً عليهم لصلاحها ولعلم الله سبحانه وتعالى بأنها من النساء اللاتي يستحقون أن يتزوجهن النبي ﷺ، وأن يكون بهذه المرتبة العالية. فكما أن الله يختار للنبي ﷺ أصحابه كذلك يختار له زوجاته.

إذاً هذا بعض ما يتعلق بقصة أم جُويرية، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.