بعد ما استمعنا في هذه السلسلة المتعلقة بالصالحات في القرآن الكريم، النسوة اللاتي اختارهن الله سبحانه وتعالى حتى يكنّ مثالًا ونبراسًا للمؤمنين والمؤمنات عبر التاريخ، سيكون معنا بإذن الله اليوم حديث عن امرأة من خير نساء الدنيا، ومن الكاملات من النساء، وممن كنّ في أول الإسلام.
امرأة أحبها النبي ﷺ كما أحب عائشة رضي الله عنها وأرضاها، كان يقول عنها النبي ﷺ: «إني رزقت حبها». ويكفي هذه المرأة شرفًا أن الله سبحانه وتعالى اختارها لنبيه ﷺ. ولما نقول بأن الله اختار هذه المرأة لتكون خير زوجة لخير مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، هنا لا بد أن نقف وقفة طويلة مع هذا الاختيار، ولا نمر مرور الكرام أو المرور السريع على سيرة هذه المرأة العظيمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى تكون زوج أشرف مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى.
تكلمنا في هذه السلسلة، سلسلة الصالحات في القرآن الكريم، عن زوجة موسى عليه السلام، كيف أن الله سبحانه وتعالى أخرج موسى عليه السلام من مصر حتى يذهب إلى مدين ويتزوج هذه المرأة الصالحة التي أعانته بدعوته. تكلمنا عن مريم ابنة عمران، وكيف كان لها الأثر الكبير في كفالة ابنها عيسى عليه السلام. تكلمنا عن امرأة فرعون، وكيف أنها قامت بنصر موسى عليه السلام وكفلت ودافعت وآمنت بموسى عليه السلام. تكلمنا عن سارة زوجة إبراهيم عليه السلام، وتكلمنا عن هاجر زوجة إبراهيم عليه السلام، وتكلمنا عن ابنة لوط عليه السلام.
واليوم معنا قصة امرأة عظيمة جليلة القدر، شريفة منيفة، اختارها الله حتى تكون زوج خير نبي على الإطلاق، زوج خير مخلوق على الإطلاق. في مكة نساء كثيرات، وفي العالم في زمان النبي ﷺ كذلك نساء كثيرات، لماذا بالذات اختار الله سبحانه وتعالى هذه المرأة؟ ما هو السر في اختيار خديجة بنت خويلد؟ لماذا خديجة بالذات؟
هذه المرأة رضي الله عنها وأرضاها، كل من ترجم وذكر سيرة خديجة تكلم عن أمرين رئيسيين مركزيين في هذه المرأة الصالحة: الأمر الأول رجاحة العقل وصحة العقل، والأمر الثاني سلامة الفطرة ونقاء القلب. لذلك اختارها الله سبحانه وتعالى. هذه المرأة كانت تختار من قبل رجال مكة ولكنها كانت ترفض، لم تكن ترى بأن هؤلاء يصلحون أن يكونوا أهلاً.
قيل بأن في مكة شابًا من أوسط قريش نسبًا وهو محمد بن عبد الله ﷺ، فلقب بالصادق الأمين، فبعثت غلامها ميسرة معه في سفر. انظروا كيف اختبرت النبي ﷺ، اختبرته بالمال وكذلك بعثته واختبرته كذلك بالسفر، والإنسان يكشف في السفر وكذلك يكشف بالمال. فلما بعثت غلامها ميسرة مع النبي ﷺ إلى الشام حتى يتجر بهذا المال، وقبل بذلك النبي ﷺ وذهب، رأى ميسرة من النبي ﷺ في هذه المدة الطويلة من الأيام ما رأى، والإنسان كما ذكرت يكشف في مثل هذه المواطن. ثم رجع ميسرة وأخبر مولاته خديجة بما رآه من هذا المخلوق العظيم، هذا الرجل الشريف، هذا السيد، هذا الرجل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يجعل خاتم الأنبياء.
ما رأى ذكر لها قصة بحيرا، كيف أنه لما جلس تحت الشجرة ونازل بحيرا هذا الراهب، وقال هذه الشجرة لم يجلس تحتها إلا نبي. وقص عليه ما رأى مما لم تذكر كتب التاريخ والسير، لكن قطعًا هو رأى من حسن أخلاقه ما أبهره في التعامل معه خاصة في طيلة هذه المدة، لا يمكن لشخص أن يكشف أخلاقه. ثم انطلق إلى خديجة وأخبرها بما رأى، فأعجبت خديجة بنت خويلد، وكانت قد تزوجت قبله، فأرادت خديجة أن تتزوج من هذا المخلوق، هذا الإنسان، هذا الرجل الشريف، فأرسلت إليه.
قيل إنها ذهبت وقيل أرسلت إلى نفيسة صديقتها وعرضت عليه، فلما عرضت على النبي ﷺ قبل النبي ﷺ. وقيل كان عندها ولد وقيل كان لها ثلاثة من الأبناء، فقصد من ذلك أن النبي ﷺ قبل الزواج من هذه المرأة فتزوجها، من غير الخوض بتفاصيل المذكورة في كتب السير لأنها لا تفيدنا كثيرًا. فتزوجها النبي ﷺ، وبعد ما تزوجها النبي ﷺ مكث عندها خمس عشرة سنة حتى بُعث النبي ﷺ من سن الخامسة عشرة إلى أن كمل عليه ﷺ سن الأربعين، وزوجته خديجة وأرزق منها بمجموعة من الأبناء: أربع من البنات بالاتفاق، وثلاثة أو اثنان من الأولاد على الخلاف عند العلماء، والصواب بينهم اثنان: القاسم وعبد الله، وهما الطيب والطاهر.
ثم لما بُعث النبي ﷺ، وكان عليه الصلاة والسلام يتعبد يتحنث في غار حراء، يخلو فيه الليالي ذوات العدد، يجلس يتعبد الله سبحانه وتعالى بما يفتح الله عليه، نزل عليه جبريل ذات يوم وأخذه وغطاه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال: «اقرأ»، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ»، قال: «قلت ما أنا بقارئ»، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
فرجع النبي ﷺ يرجف فؤاده، وفي رواية بوادره، حتى دخل على خديجة. هنا الوقفة: لما رجع النبي ﷺ بهذه الصورة وهذه الهيبة، وهي قد خبرت النبي ﷺ وعاشت معه طيلة هذه المدة، والآن كمل عليه ﷺ سن الأربعين وهو سن الكمال والتمام، هو كامل عليه الصلاة والسلام لكن استوى، فلما استوى عليه ﷺ وبعث بهذا الوحي ورجع إليها، كيف تعاملت خديجة مع هذا الموقف الصعب؟ هل تعاملت معه كما تتعامل سوى غالبا؟
النبي ﷺ قال: «لقد خشيت على نفسي»، أي من الموت، وقيل المرض، وقيل غير ذلك. قالت: «كلا، كلا»، كلا حرف ردع وزجر، مستحيل لا يمكن. وفي رواية: «أبشر، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتصدق الحديث، وتعين على نوائب الحق». ثم بعد ذلك ماذا فعلت؟ انطلقت به إلى ورقة بن نوفل.
والله هذا حديث، الواحد لما يقف عندها هكذا ويتأمل ويجلس ويعيش الموقف كما هو، ليس مثل ما نحن الآن، بلغنا الإسلام واعتدنا أن نصحت العبارة واستقرت هذه الأمور. لا، في مطلع مطلع البعث، كيف لرجل في مكة يعيش وحول الكعبة ثلاثمئة وستون صنمًا ويأتي هذا الرجل بموقف مثل هذا الموقف؟ كيف هذه المرأة الصالحة استقبلت زوجها وهي قد بلغت الخمسة والخمسين من العمر على المشهور، وقيل بأنها تزوجت النبي ﷺ...
عمرها 33 كما رجع ابن القيم، يعني عمر 48. قالت: «كلا»، وفي رواية: «أبشر، والله لا يخزيك الله أبدًا». هو هنا الآن ماذا قالت؟ تقول: أنت تفعل كذا وكذا وكذا من هذه الأفعال الحسنة الجميلة، مستحيل أن تترك، مستحيل أن يكون هذا الشيطان.
ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل؛ انطلاقها إلى ورقة بالذات من بين جميع من في مكة، هذا يدل على صفاء النية والقلب عند هذه المرأة، صفاء الفطرة. هذه المرأة ما كانت ترى بأن أهل مكة على حق، ما كانت هذه المرأة تميل لهؤلاء الذين يعبثون إلى آخره. انطلقت، وهذا الرجل أصلًا فطرته وسمته موافق لسمت خديجة وفطرة خديجة.
إذا الحق ما يكون بعيدًا عن الفطرة، الحق لا يكون بعيدًا عن الفطرة النقية. والله عبر عن الإسلام بأنه الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، ما من مولود إلا يولد على الفطرة، هو الإسلام الفطرة، لكن لما يعرف اليهودية والنصرانية والمجوسية فيبدأ أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. هي امرأة على الفطرة، صافية نقية، فانطلقت إلى رجل على الفطرة، ما تأثر في المجتمع، ما تأثر بثقافة المجتمع الغالبة أبدًا؛ فطرتها النقية منعته من أن يعبد الأصنام، من أن يقع بما يقع به كفار مكة.
وهي فطرتها النقية جعلتها تختار النبي ﷺ، وجعلتها كذلك تختار ورقة بن نوفل. النبي ﷺ لم يسجد للأصنام في الجاهلية، فهي قد يكون بلغها من خلال الميسرة بأن هذا الرجل ليس على دين، أن هذا الرجل لا يفعل كما يفعل الكفار؛ لا من الأخلاق والتصرفات، ولا كذلك من سجود الأصنام والتعامل معها وتعظيم الأصنام.
فانطلقت إلى ورقة بن نوفل قالت: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك»، فقال ورقة: «يا ابن أخي، ماذا ترى؟». فأخبره النبي ﷺ بخبر ما رأى، فقال ورقة: «هذا الناموس، أي صاحب السر جبريل عليه السلام الذي نزل على موسى؛ ﴿يَا لَيْتَنِي فِيهَا جِذْعًا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ﴾ [طه: 97]». فقال عليه الصلاة والسلام: «أو مخرجهم؟». قال: «لم يأت أحد بمثلي ما جئت به، إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
وكان ورقة على دين النصرانية، وكان يكتب الكتاب بالعبرانية، وفي رواية بالعربية، فيكتب ما شاء الله أن يكتب، ولكنه بعد ما كبر أمين. فهنا فهم ورقة بأن هذا المخلوق، هذا الإنسان الذي أمامه، هو المقصود من بشارة عيسى عليه السلام. هنا اختيار ورقة بالذات دليل على رجاحة عقل خديجة، وكذلك قول خديجة رضي الله عنها وأرضاها بأنك تفعل كذا وكذا من هذه الأفعال الحسنة لا يمكن أن يخزيك الله سبحانه وتعالى.
إذن هذا الموقف الأول، سر تفضيل خديجة على غيرها من النساء: صفاء الفطرة وكمال العقل. يأتي الآن السؤال: هل كمال العقل هذا كسبي، يعني ممكن الشخص يكتسبه، ولا هو فطري من الله سبحانه وتعالى؟ هو شق فطري ولكن شق كسبي. تقولي هذا الكسبي كيف آخذه؟ الكسبي يؤخذ لما تنقى النفس، يعني لما لا تكون النفس مسيطرة على الإنسان.
هنا مثل ما ذكرنا في قصة آسية امرأة فرعون، كيف أن صفاءها كان قويًا، ما تأثرت بفتنة المال ولا فتنة السلطان ولا فتنة التعذيب. كذلك سارة، لما ذكرنا عن جمال سارة ما تعثرت بما طاها الجمال، بقيت امرأة صالحة مع زوجها إبراهيم عليه السلام، تهاجر معه ولقيت ما لقيت من البلايا العظيمة. كذلك خديجة؛ هذا أمر ممكن الإنسان، ممكن المرأة تصل إلى درجة معينة منه، طبعًا لا شك من هؤلاء هم النساء المختارات عبر التاريخ وهن القدوة، فلذلك المرأة ممكن تصل إلى مرحلة قريبة وتكون من نسل هذا القسم الشريف من النساء.
كما قال ابن القيم هنا عن خديجة، قال بأنها صديقة قامت مقام الصديقية وبلغت هذه المرتبة العالية المنزهة. إذن هنا صفاء العقل، صفاء الفطرة، وكذلك رجاحة العقل؛ ما كانت تجري خلف الكلام العام ولا خلف ما يقوله الناس، إنما كانت صافية العقل وصافية الفطرة. هذا السر الأول في تفضيل خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها.
كمال العقل كذلك الأخلاق. كيف اختار الرجل حسن الأخلاق بهذه الصورة؟ كان يخطبها الكثير من أهل مكة ولكنها ما كانت تقبل، لماذا ما تقبل؟ مع أن كثيرًا منهم يملك الأموال الكثيرة، والنبي ﷺ كان يتيمًا، ما كان يملك من المال الشيء الكبير، ومع ذلك ما التفتت إلى ما تلتفت إليه النساء عادة؛ أن هذا عنده مال، هذا يكون من نفس مستواي المعيشي، وعنده كذا وكذا. أبدًا ما التفتت إلى هذا، إنما تريد شخصًا صفته كذا وكذا، أخلاقه حسنة، شخص فيه دين فيه صلاح، ما تريد شخصًا يملك صفات أخرى التي تتأثر فيها الكثير من النساء عادة.
إذن صفاء القلب مع كمال العقل مع حسن الأخلاق، هذا هو سر اختيار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها. باختصار وإيجاز، هذه الأمور الثلاثة مكنت من خديجة تمكنًا كبيرًا. خديجة لم يعطها المال، عندها مال كثير لكن ما طغى المال. خديجة كانت امرأة جميلة، ما طغى الجمال. خديجة كانت امرأة نسيبة، هي ترجع إلى قصي بن كلاب أشرف أهل مكة، كذلك ما طاها هذا الأمر.
خديجة لم تكن من النساء التي تتأثر بالمغريات، وهذا قليل في البشر من النساء والرجال؛ الذي ما يتأثر هذا هو الصافي، هذا هو النقي، هذا هو الذي يختار، الذي لا يتأثر بالضغوطات التي تقع للماركات والبراندات إلى آخره، ما يتأثر، هو يريد فقط الدين، يريد الأخلاق، يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. هذا هو الذي يصطفى. هذا شيء ممكن الشخص يصل إليه مع التجريد، مع تجريد النفس وعدم فتح الباب لنفس الإنسان لكي تتعلق بهذه الأمور؛ الله يقول: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131].
أعلى مرتبة ممكن يصل إليها الرجل أو المرأة: النبوة والصديقية. النبوة انتهت، الآن المنافسة على الصديقية؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]. ويقول الله سبحانه وتعالى عن مريم ابنة عمران: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75].
"وأمه صديقة"، هذه أعلى مرتبة ممكن يصل إليها الإنسان. خديجة بنت خويلد وصلت إلى هذه المرتبة، يقول النبي ﷺ: «خير نسائها مريم»، وخير نسائها خديجة. خديجة خير نساء العالمين في زمانها، وخديجة وابنتها فاطمة هن خير نساء في هذه الأمة، مع عائشة بالاتفاق؛ أن عائشة وخديجة وفاطمة أفضل نساء الأمة، واختلف في أفضل نساء العالمين على الإطلاق، فقيل مريم وقيل فاطمة.
والمشهور بأنها مريم. القصد من ذلك أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها اختيرت من بين جميع النساء لهذه المواصفات الموجودة فيها، حتى لما بعث الله نبيه عليه الصلاة والسلام لم تتأثر التأثر السلبي، إنما ثبتت وثبتت النبي عليه الصلاة والسلام، فكان لها أجر عظيم في الفوز بإجلاء الهموم عن النبي عليه الصلاة والسلام.
لذلك لما بشرها جبريل عليه السلام ببيت في الجنة من قسط، أي من لؤلؤ، لا صخب فيه ولا نصب، مقابلة لما كانت تقوم به في الدنيا؛ كيف أنها ما كانت تزعج زوجها، ما كانت تؤذي زوجها. والعادة في البيوتات تحدث هذه المشكلات، لكن خديجة ما كانت كذلك، إنما كانت مع زوجها وكانت تبدد الهموم عنهم. الله يقول: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8]، يقول بعض علماء التفسير: أي بخديجة أغناه، فجزاء عدم إزعاج أو الإخلال في بيت النبوة من الله سبحانه وتعالى عليها ببيت في الجنة لا صخب فيه، وكذلك الجزاء عدم إتعاب النبي عليه الصلاة والسلام كان البيت في الجنة لا نصب فيه.
خديجة ثبتت مع النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات بعد ما قعد النبي عليه الصلاه والسلام، خديجة كانت معه وهي أول من آمن من الناس أجمعين، فكانت نصف الإسلام، ثم آمن بعد ذلك مولاه زيد، وكذلك من أول من آمن من رجال الصديق ومن الموالي كان زيد بن حارثة، ومن الغلمان كان علي بن أبي طالب، لكن هي أول من آمن على الإطلاق.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يعاني معاناة شديدة جدا من كفار مكة، وكان يبتلى ببلاءات عظيمة، بمجرد أن يرجع إلى بيته كانت خديجة تبدد هذه الهموم. هنا دور المرأة عظيم جدا، لذلك كل نبي كان محاطاً بامرأة أو أكثر من امرأة. هنا لما يأتي البعض يقول: ما هو دور المرأة؟ ودور المرأة ليس كدور كذا وكذا، وما هو الدور الطبيعي؟ هذا هو دور المرأة؛ المرأة الله سبحانه ذكر جميع صور المرأة في القرآن الكريم، وكذلك كلها موجودة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
المرأة لما تكون زوجة، لما تكون بنتاً، لما تكون أختاً، لما تكون أماً، كيف كان دور المرأة عظيماً مع من هو معها؟ كيف أن خديجة هنا كانت زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ولم تكن ثقيلة عليه، بل كانت بالعكس، هي لم تكن ثقيلة بل كانت معينة، إنما كانت من أعظم من أعان النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته، أعانته بالثبات.
فكان عليه الصلاة والسلام لما أنزل الله عليه المدثر، لما أنزل عليه المزمّل، رجع النبي عليه وسلم قال: «زملوني زملوني»، فأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1]. وجاء في مسند الإمام أحمد أن رجلاً رأى النبي عليه الصلاة والسلام يصلي وخلفه علي وزيد، وخلفهما امرأة، فقال العباس: ما هذا؟ فقال له: «هذا ابن أخي ويزعم أنه نبي، وهذا ابن أخي ويزعم أنه تابع له ومعهم زيد»، وكذلك خلفهم خديجة، قالوا: هذه زوجة ابن أخي فقط. في التصور في ذاك العصر لا يوجد الإسلام، هؤلاء هي المرأة الوحيدة التي كانت تصلي في عصرها.
القصد أن خديجة مَنَّ الله عليها بهذا البيت من لؤلؤ لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها كانت معيناً لزوجها عليه الصلاة والسلام، فكان يلقى بلاءات عظيمة، والبيت له أثر عظيم جداً على الداعية. وأكثر ما يكسر الدعاة هم أهل البيت؛ الداعية ما يكسره من الخارج، يتأذى، لكن يكسر من الداخل لما تكون الزوجة غير معينة للداعية، لما تكون البنت غير معينة، لما تكون الأم غير معينة، هنا نعم يكسر. ولكن لما تكون زوجة معينة له، هنا لا يكسر، والله سبحانه وتعالى كان يحوط بيوت أنبيائه، لذلك أمر إبراهيم عليه السلام ابن إسماعيل بن إبراهيم بغير بابه، هذه ما تصلح للداعية، بخلاف المرأة التي تصلح أن تكون زوجة للداعية.
القصد يا إخواني من هذا الكلام كله أن المرأة الصالحة لابد أن تكون بهذه الصورة والطريقة، وأن تعيش بهذه الصورة. هذه طريقة هي عانت ولاقت بلاءات عظيمة لما بعث النبي عليه الصلاه والسلام، وتزوج بعض أبناء أبي لهب من بنات النبي، من ابنتين من بنات النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد ما جهر النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته أمر أبو لهب أبناءه بأن يطلقوا بنات محمد عليه الصلاة والسلام، فرجعت بناتها مطلقات إلى بيته، وهذا أمر ثقيل على الأب وثقيل جداً على الأم، لكن هذا كله ما كان يؤثر في ترك الدعوة.
كانت خديجة ثابتة ومثبتة حتى جاء العام العاشر وماتت خديجة رضي الله عنها وأرضاها. ومن كرامتها أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتزوج عليها، ومن كرامتها أن الله جل جلاله يأمر جبريل بأن يقرئها السلام من ربها، يقول جبريل، ومن الله سبحانه وتعالى يسلم على امرأته، وجبريل عليه السلام كذلك ينزل من أجل امرأة.
لا شك أن هذا أمر عظيم جداً، هذا هو أجر الثبات، أجر الثبات والنصرة والبلاء، هذا كله يوصل الإنسان لهذه المقامات. لذلك مريم لما وصلت لهذه الدرجة، بلاء عظيم وقع عليها ونصره كبيرة قامت بها لابنها، النبي كذلك، امرأة فرعون كذلك، هاجر كذلك، ما تصل المرأة إلى هذه المقامات المنيفة العظيمة إلا بهذه الطريقة: تقابل هذا بالشكر، تقابلها بالرضا، تقابلها بالثبات، تقابلها بالصبر، وتفوز في مرتبة الصديقية. هذه ليست مرتبة سهلة، هي مرتبة عالية جداً وما يصل الإنسان إليها إلا لما يكون بهذه الصورة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبها محبة عظيمة جداً، حتى إنه كان يذكرها عليه الصلاة والسلام بعد وفاتها بسنوات، وكان من وفائه لخديجة أنه كان يتعاهد صديقات خديجة. ولما تأتي امرأة تقول: كانت تأتينا زمان خديجة، حتى إن أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها تقول: ما غرت على امرأة، ما غرت على خديجة من كثرة ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكرها، وكان يقول: «إني رزقت حبها».
لماذا؟ لأنها قامت بمقامات شريفة عظيمة، خاصة في بداية الدعوة كان الأمر ثقيلاً وشديداً، ومع ذلك كانت ثابتة صابرة محتسبة، وكم كان يأتيها من الكلام ومن البلاء، لكن مع ذلك لم تكن تبالي رضي الله عنها وأرضاها وأرحمها.
حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما وقعت بدر وأسر العاص بن وائل، والعاص بن أبي ربيعة لما أسر، وأراد النبي عليه الصلاة والسلام -ومال لرأي الصديق بفداء الأسرى- أرسلت ابنته زينب بعقد تفدي به زوجها، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في موقف شريف وموقف عظيم في نصر الإسلام وقهر الكفر، لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هذا العقد بكى.
عليه الصلاة والسلام وتأثر، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها عقدها». لماذا هذا العقد؟ عادته خديجة لابنتها في يوم زفافها، فتذكر النبي عليه الصلاة والسلام زوجته فبكى، بأبي هو نفسي عليه الصلاة والسلام.
القصد من هذه الكلمة أن المرأة في هذا العصر ممكن تصل إلى هذه المرتبة أو قريب منها. الوصول إلى التمام هذا خاص لهذا القسم الشريف العالي من الناس، سواء كان من الصحابة أو من الصحابيات، ولكن الشخص في زمانه ممكن يصل إلى مراتب قريبة من هذه المراتب ويكون تابعًا لهؤلاء؛ لما يفعل كما يفعلون، ويتشبه بمثل ما كانوا يقومون به، ويقوم بما قام به، ويثبت ويصبر ويضحي ويبذل، ويحافظ على عقله من التأثر وكذلك فطرته من التنجس، ويدعو الله سبحانه وتعالى ويثبت على دينه. هنا شخص ممكن يصل إلى مرتبة الصديقية، والإنسان يعيش فوق الأرض مؤقتًا.
واليوم المعركة على المرأة أكبر من المعركة على الرجل مثل ما ذكرنا في بعض المحاضرات؛ لما تم استهداف المرأة تم إخلال الأسرة، ولما تم إسقاط الأسرة تم إسقاط المجتمع. وتدين المجتمعات عادة ما يقاس بتدين النساء: هل هذا المجتمع متدين أو لا؟ كيف لباس المرأة؟ كيف تدين المرأة؟ هل المرأة ثابتة على ما جاء به الإسلام أو غير ذلك؟ إذا كانت ثابتة، فهذا المجتمع مجتمع طاهر ونقي وصالح وقابل للدعوة، لكن إذا لم تكن في هذه الصورة، فهذا المجتمع يكون صعب الإصلاح.
الغرب أو الشيطان الذي وجه الغرب هو وعى لهذا الأمر وأدرك هذا الشيء، فأصبحت المعركة كبيرة جدًا على المرأة. حتى لما تكون المرأة قد تكون متدينة، فإن الأمر المتعلق بالدين ربما هي ما تعي الواجب الشرعي عليها، وتريد أن تزاحم الرجل مثلاً بكثير من الواجبات عليه، مع أن الأوامر الشرعية موافقة للتركيب العضوي والنفسي للمرأة وللرجل. فإذا أرادت المرأة أن تقوم مثل ما يقوم به الرجل لابد أن تغير من تركيبتها، وكذلك العكس.
القصد أن الأوامر الشرعية الموجهة للمرأة تختلف عن الأوامر الشرعية الموجهة للرجل في التخصيص، ليس في الأصل؛ في الأصل هي متفقة في الصلاة والصيام إلى آخره، ولكن في التخصيص المرأة عليها دور ولها حقوق وعليها واجبات، وكذلك الرجل عليه دور وله حقوق وعليه كذلك واجبات.
باختصار، خديجة بنت خويلد اختيرت لهذه الصفات لصفاء الفطرة، لرجاحة العقل، لسلامة القصد، لحسن الطوية، لعدم التأثر بالمؤثرات؛ هذا سبب الاختيار. بعد ما تم اختيارها وجاء الدين، جاء الدين موافقة مباشرة، وافق ما في نفس خديجة وما في فطرة خديجة. وهذا القسم من البشر هو الذي يأخذ الدين ولا ينتظر آيات، إنما يكون الدين موافقًا لفطرته؛ نور على نور، نور الإيمان يلتقي مع نور الفطرة، وهذا القسم هو أكمل الأقسام على الإطلاق.
ثم بعد ما جاء الدين وآمنت وصدقت، لم يكن تصديقها تصديقًا عاديًا أو عامًا، إنما ثبتت وصبرت وصابرت، وأنفقت من مالها ونصرت الدعوة بنصر الداعي عليه الصلاة والسلام حتى أتاها الأجل وهي ثابتة صابرة مكتسبة، لم تتزحزح ولم تترك ولم تشك ولم تتردد. هذا ما يتعلق بسيرة أمي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وبارك الله فيكم.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري