الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحيّاكم الله جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً.
نبدأ إن شاء الله تعالى الليلة بالحديث عن أمهات المؤمنين، زوجات النبي عليه الصلاة والسلام. وكنا قد تكلمنا في درس ماضٍ عن سيرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، فسنبدأ إن شاء الله تعالى من بعد خديجة. اليوم إن شاء الله تعالى ستكون معنا قصة وسيرة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام التي بنى بها ودخل بها بعد خديجة، وهي سودة بنت زمعة.
الله سبحانه وتعالى اختار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، واختار كذلك للنبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فزوجات النبي عليه الصلاة والسلام اختارهن الله سبحانه وتعالى له كما اختار أصحابه الأجلاء؛ فكما أن الله اختار العشرة المبشرين بالجنة، وأهل بدر، وأهل أحد، وبيعة الرضوان، كذلك الله سبحانه وتعالى اختار النساء اللاتي يصلحن أن يكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم الله سبحانه وتعالى ميّز زوجات النبي عليه الصلاة والسلام بعدد من المميزات، وخصهن بعدد من الخصائص، وأمرهن كذلك سبحانه وتعالى بعدد من الأوامر. فالقصد أن الله سبحانه وتعالى اختار هؤلاء النسوة حتى يكن زوجات لأشرف وأعظم مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى.
لماذا اختار الله سبحانه وتعالى هذه الزوجات؟ ما السر في زوجات النبي عليه الصلاة والسلام حتى يكن في هذه المرتبة العالية المنيفة؟ وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يكون أعلى من الأنبياء؛ لأنهن يكن مع النبي عليه الصلاة والسلام في مرتبته، ليس معنى ذلك أنهن أفضل من الأنبياء، ولكن معنى ذلك أنهن يكن في مقام مع النبي عليه الصلاة والسلام فيه.
التفكر في هذا المعنى أتصور بأنه يجعل الإنسان يراجع نفسه مع أمهاته، وطريقة تعامله مع سير أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. أليس القصد الآن الحديث عن خصائص زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، إنما القصد المرور على سير وذكر بعض الفوائد التي ممكن نستنطقها ونستنبطها من خلال سير أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
معنا اليوم بإذن الله سودة بنت زمعة. كانت أحب النساء للنبي عليه الصلاة والسلام خديجة، ولم يتزوج النبي عليه الصلاة والسلام على خديجة أبداً. وكانت خديجة قريبة جداً من النبي عليه الصلاة والسلام لدرجة أن الله سبحانه وتعالى سلم على خديجة، وجبريل كذلك أقرأها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة رضي الله عنها وأرضاها. فكانت ناصرة مناصرة للنبي عليه الصلاة والسلام، وقامت بحمل أعباء كثيرة حتى ماتت رضي الله عنها وأرضاها في العام العاشر من البعثة.
ومات كذلك أبو طالب في نفس السنة، فسمي هذا العام بعام الحزن لتتابع الأحزان على النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يتزوج بعد خديجة عليه الصلاة والسلام حتى جاءت خولة بنت حكيم، وقالت: «يا رسول الله ألا تتزوج؟» فعرضت على النبي صلى الله عليه وسلم الزواج، وسألها النبي عليه الصلاة والسلام: «ممن؟» فذكرت بكر وثيب. قال: «من البكر؟» قالت: عائشة، فقال: «من الثيب؟» قالت: سودة بنت زمعة.
فلما ماتت خديجة وجد النبي عليه الصلاة والسلام أثراً، عاش النبي عليه الصلاة والسلام في لحظات صعبة غير البلاء الكبير الذي كان يقع عليه من الكفار؛ كان البيت خاوياً. وأن يعيش الرجل من غير زوجة هذا أمر صعب جداً، خاصة إذا كان متزوجاً، وأن يعيش بعد وفاة زوجته الصالحة المصلحة النادرة هذا أمر شاق جداً. هذا أمر شاق جداً على الإنسان، بمجرد وفاة الزوجة لما تكون صالحة يؤثر بالرجل تأثيراً عظيماً، لدرجة أن بعض كبار المفكرين الإسلاميين لما ماتت زوجته وهو كان من أعلم الناس بالإنسان، مات بعدها بمدة يسيرة جداً.
فالقصد أن الشخص إذا كانت له زوجة موافقة له ثم ماتت هذه الزوجة، فإن أثر الفقد يظهر عليه، فكيف إذا كانت الزوجة خديجة؟ لا شك أن هذه المساحة التي تركتها خديجة كانت مساحة كبيرة جداً وعظيمة، وهذا بعض البلاء الذي وقع على النبي عليه الصلاة والسلام.
فالقصد أن النبي عليه الصلاة والسلام مكث بعد موت خديجة، والآن عند النبي عليه الصلاة والسلام مجموعة من البنات أربع بنات، وهو الآن عنده دعوة عليه، ويصادم من الكفار، يعني كان بلاء عجيب متتابع متوالي متكاثر على النبي عليه الصلاة والسلام. فجاءت خولة بنت حكيم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعرضت عليه الزواج، وقالت: «يا رسول الله ألا تتزوج؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «من؟» فقالت: «إن شئت بكر وإن شئت ثيب». قال: «من البكر؟» قالت: عائشة، وعائشة كانت بنت ست سنين. قال: «ومن الثيب؟» قالت: سودة بنت زمعة.
سودة كانت ممن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأسلمت وكان زوجها السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة معه، ثم لما أشيع بأن أهل مكة آمنوا وأسلموا رجعت مع زوجها، ومات زوجها وبقيت هي. فجاءت خولة بنت حكيم إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأشارت عليه بالزواج منها، فقبل بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وأمرها بأن تذهب وتذكر ذلك لها.
فذهبت إلى عائشة إلى أمها أم رومان، وذهبت كذلك إلى سودة، فلما ذهبت إلى سودة وقالت لها: «أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك»، وذكرت لها بأنه يريد أن يخطبها، فقبلت بذلك. وخطبها النبي عليه الصلاة والسلام وعقد عليها بعدما عقد على عائشة، ولكنه دخل بها قبل الدخول على عائشة لأن عائشة كانت صغيرة، وعائشة قبل ذلك كانت مخطوبة لابن المطعم بن عدي.
فبعد ما عقد النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة كانت صغيرة، ولم يبنِ بها إلا في المدينة في شهر شوال. عقد على سودة، فلما عقد على سودة دخل بها بعد موت خديجة بسنتين وقيل بثلاث سنوات، أي قبيل الهجرة بمدة يسيرة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون بعد ما ماتت خديجة وأبو طالب هاجر إلى الطائف، ثم بعد ذلك رجع ودخل في جوار المطعم بن عدي، ثم بعد ذلك مكث النبي عليه الصلاة والسلام يثبت أصحابه ويدعو القبائل، ولم تكن لديه زوجة طيلة هاتين السنتين إلى ثلاث سنوات، ثم بعد ذلك تزوج بسودة بنت زمعة، وهاجرت كذلك إلى المدينة وبقيت في ذمة النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، الآن نريد أن نعرف لماذا سودة اختيرت، الذي يظهر لي والله أعلم أن سر...
اختيار سودة أمران اثنان. الأول هو صلاح سودة؛ فسودة ممن آمن في مكة، وإيمان المرأة في مكة أمر يثير العجب؛ لأن كانت هناك سطوة إعلامية للكفار وقوة للكفار، فأن تؤمن المرأة أمر عجيب. فإيمان زوجها السكران بن عمرو، وكذلك سودة مع زوجها، ثم بعد ذلك تهاجر إلى الحبشة.
الآن، خروج من مكة إلى الحبشة، لماذا هذه المرأة تهاجر؟ ما الذي يحمل المرأة أن تهاجر وتقطع هذه الفيافي وترحل إلى بلاد غير البلاد التي نشأت فيها إلا الحب لله سبحانه وتعالى والإيمان والتعظيم؟ تضحية عظيمة باهظة تقدمها المرأة، ولما تتساوى المرأة والرجل في التضحية يكون تقديم المرأة أعظم؛ لأنه أصعب.
فهاجرت إلى الحبشة ومكثت هناك، ثم بعد ذلك رجعت. هذه الخطوات التي كانت تقطعها من مكة إلى الحبشة ومن الحبشة إلى مكة، والثبات والصبر إلى آخره، هذا لا يذهب عند الله سبحانه وتعالى.
هذا الأمر الأول. الأمر الثاني، هناك سر في سودة، وهذا السر ذكرته أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ لما قالت رضي الله عنها عن سودة: «ما كنت أحب أن أكون في مسلخ امرأة مثل سودة بنت زمعة». لماذا؟ لأنها كانت كثيرة العبادة، كثيرة الصلاح، صاحبة ورع، صاحبة زهد. امرأة تختلف عن بقية النساء، فكانت امرأة صالحة، امرأة نقية، ورعة.
هناك فضل زائد، لما تقول أمي عائشة هذا الكلام، معناه هو أن هذه المرأة لم تكن كبقية النسوة، فيها صلاح زائد، وهذا الصلاح الزائد هو الذي يبلغ بالإنسان؛ لما يكون الكل في درجة معينة من الصلاح، هذا يزيد ويعطى أكثر مما يعطى غيره. فهذه المرأة لعل كان بينها وبين الله سبحانه وتعالى أسرار، وعبادة خاصة، وتعلق بالله سبحانه وتعالى عظيم مع بذل مثل ما ذكرنا في السبب الأول.
هذا هو الذي بلغ بها، فقدر الله أن يموت زوجها، وأن تكون هي من نصيب النبي عليه الصلاة والسلام، كما وقع لأم سلمة لما مات أبو سلمة رضي الله عنه وأرضاه. فمن الله سبحانه وتعالى عليها بأن يكون زوجها النبي عليه الصلاة والسلام، لما دعت الله سبحانه وتعالى بما علمها النبي عليه الصلاة والسلام.
القصد أن هذا هو الأمر الثاني الذي بلغ بسودة بنت زمعة. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليتزوج من كافرة في مكة، ولم يكن عدد من آمن من النساء إلا قليلاً، وكل امرأة ممن آمن لديها زوج إلا هذه المرأة. فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام بأنها آمنت وانقادت لدعوته وليس لديها زوج، هنا رق لها النبي عليه الصلاة والسلام ورحمها. فكان الظفر هنا بذات الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تُنكح المرأة لأربع... فاظفر بذات الدين تربت يداك».
فاختارها النبي عليه الصلاة والسلام لدينها وصلاحها وتقواها، ثم هاجرت بعد ذلك إلى المدينة ومكثت مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى كبرت وأسنت وضعفت. وتنازلت عن يومها لعائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ لمعرفتها بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة، فكان لعائشة ليلتان، وفيها كذلك نزلت آية الحجاب لما خرجت لبعض حاجتها ورآها عمر، قال: والله ما تخفين علينا يا سودة، فأنزل الله سبحانه وتعالى آية الحجاب فيها، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك كما في سورة الأحزاب.
فالقصد من ذلك أن سودة بنت زمعة فضلت على غيرها من النسوة بهذا المعنى الشريف العظيم المنيف. كانت امرأة صالحة تقية، فاختار الله سبحانه وتعالى لها النبي عليه الصلاة والسلام، واستمرت بهذا الصلاح والتقوى حتى كانت تعترضها البلاءات؛ فمن ضمن البلاءات أن تتنازل المرأة عن يومها، وهو أمر مستقيل وشاق، لكنها مع ذلك تنازلت لمعرفتها بحب النبي عليه الصلاة والسلام.
وهذا كذلك فيه دلالة على جواز هذا الأمر؛ فإذا أرادت المرأة أن تبقى في عصمة رجل ولا تريد أن يطلقها، لا حرج أن تتنازل عن يومها لمن يحبه من بقية نسائه، ويبقيها زوجها ولا يطلقها. القصد أنها فعلت هذا الشيء ولم تعاند ولم تشد في المصارعة أو المنافسة أو الغيرة، إنما تنازلت. لماذا هذا كله؟ تريد أن تبعث يوم القيامة مع أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، ويقال بأنها كذلك خشيت أن يطلقها النبي عليه الصلاة والسلام فأرادت أن تبعث يوم القيامة مع أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فتنازلت عن يومها.
القصد أن سودة كانت من هذا القسم من الناس، الصلاح والتقوى هو الذي يبرز هذا المعنى، هو الذي يظهر في سيرة سودة رضي الله عنها وأرضاها. والمعاني التي توجد في النساء هي نفس المعاني التي يفضل بها الرجال من حيث الأصل، فلم يكن في النساء عادة حديث أطول من مثل هذه المعاني؛ لأن التكاليف المتعلقة بالمرأة تكاليف منزلية بالأصل، تكاليف متعلقة بالمنزل وتربية أبناء وطاعة الزوج، وقبل ذلك طاعة الله سبحانه وتعالى.
فنفس الذي بلغ بحفصة وعائشة وخديجة وبقية النسوة هو هذا المعنى الشريف العالي المنيف، إلى أن النساء يتفاضلن كذلك بالعقل والحكمة والمعرفة، وكذلك طبيعة تحقيق العبادة، وهذا أمر يختلف عنه في الرجال. المعنى الموجود في سودة هو هذا؛ لذلك الشخص لا يبحث عن أمور أخرى ربما تكون متكلفة أو غير موجودة، الأمر كله يرجع إلى العبادة، الأمر كله يرجع إلى حسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، مع تثبيت هذا المعنى بالفعل وليس بالكلام.
إذن هذه المرأة هاجرت وخرجت في واقع صعب الرجال لا يهاجرون فيه، لكن هي هاجرت وذهبت ورجعت، ثم بقيت بعد ما مات زوجها، فأكرمها الله سبحانه وتعالى لمعرفتها بصحة إيمانها وصلاحها وتقواها، أن يتزوجها خير مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حتى تكون أماً للمؤمنين.
إذن هذا بعض ما يتعلق بسيرة سودة رضي الله عنها وأرضاها، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري