الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:
فأحييكم إخواني جميعاً، وإياكم، وسدد الله على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأمهات المؤمنين، ومعنا اليوم بإذن الله صحابية جليلة، وأم من أمهات المؤمنين، وابنة عظيم العظماء في الإسلام، وزوجة خير الأنام عليه الصلاة والسلام، ألا وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وعن أبيها.
تزوج النبي عليه الصلاة والسلام من حفصة ابنة عمر في السنة الثالثة من الهجرة، وكانت قبل ذلك قد تأيمت، أي مات زوجها وهو حذافة بن خنيس السهمي، مات بعد بدر وقيل بعد أحد، والأرجح أنه مات بعد بدر. وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك في السنة الثالثة من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.
ولزواجها من النبي عليه الصلاة والسلام قصة؛ لما مات زوجها، عرضها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووضعها على عثمان بن عفان. يقول عمر بأن حفصة لما تأيمت لقي عثمان، فقلت: هل لك في الزواج؟ قال: ممن؟ قلت: من حفصة بنت عمر. فقال: حتى أنظر في أمري. ثم بعد ذلك رجع عثمان، وبين عثمان رضي الله عنه وأرضاه بأنه لا يريد الزواج، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج.
ثم بعد ذلك عرض عمر بن الخطاب الزواج على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فلما عرض على الصديق لم يرد عليه الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قال: وكنت منه أوجد مني على عثمان. ثم بعد ذلك لم يلبث أن خطبها النبي عليه الصلاة والسلام لنفسه، فأنكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته. ثم أتاه أبو بكر وبين له بأن الذي منعه من الرد هو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها، وأنه كره أن يبدي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذًا القصد من ذلك أن حفصة بنت عمر رضي الله عنها وأرضاها تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما عرض والدها الزواج على الخليفة الثالث والخليفة الأول. وهنا وقفة؛ وهو أن الرجل الصالح لا بأس بأن يعرض ابنته، أو أن يختار الرجل الصالح المناسب لابنته. وهذا الأمر يكاد يندثر في هذا العصر، وأظن أن من أسباب هذا الشيء هو تكبر الناس أو طغيان الناس وتغيرهم؛ فالرجل يصعب عليه أن يعرض، وفي المقابل هذا الشاب إذا عرض عليه ممكن يستخس هذه البنت، وهذا أمر عجيب، وهذا أمر لا يكون عند الصالحين ولا عند أصحاب المروءات.
فعمر هنا لما عرض على عثمان هو يريد الخير لابنته، وكذلك يريد ذلك لعثمان، وكذلك لأبي بكر. فالقصد أن بحث الرجل الصالح لابنته لا شك بأنه من الأمور التي لا بأس بها والتي فعلها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وكفى بعمر قدوة ومثالاً وإماماً في هذا الأمر.
القصد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر حفصة. الآن لدي سؤال: لماذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام حفصة؟ الآن النبي عليه السلام تزوج عائشة، وعائشة كان يحبها النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك تزوج حفصة، ولم يتزوج على خديجة. الآن لما نعقد مقارنة؛ النبي عليه السلام كان يحب خديجة ويحب كذلك عائشة، لم يتزوج على خديجة وتزوج على عائشة، لماذا؟ لأسباب كثيرة لا أريد أن أخوض فيها الآن.
ولكن كما أكرم النبي عليه الصلاة والسلام الصديق بالزواج من ابنته، كذلك هو يريد أن يكرم الفاروق بالزواج من ابنته؛ فابنة الرجل الصالح مكسب ومغنم، خاصة إذا كان هذا الرجل مثل عمر، وقبل ذلك مثل أبي بكر. ويبعد أن تكون هذه البنت التي تخرج من هذه البيوت غير صالحة؛ لأن البنت تكون طوع أبيها وأمها في الأصل، وصعب جداً أن تكون البنت مخالفة للأب والأم، هذا نادر إلا في عصرنا هذا لوجود الاختراق في البيوت.
ولكن في الأزمنة السالفة، وما زالت كذلك في البيوت المحافظة، البنت تكون متربية تربية قوية إذا كانت في هذه البيوت، وهذا الأمر تجدونه ظاهراً جداً في المربين؛ لما تتزوج بنت شخص مربي تجد بنته متربية. وتجد في بعض النساء أنها منذ الصغر تربت على الصلاح وعلى التقوى وعلى العفاف من أبيها وأمها، فهذا البيت يعتبر مكسباً ومغنماً كبيراً جداً وعظيماً.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلم بأن هذه بنت عمر، وكذلك زوجة رجل كان من أهل بدر واستشهد، فكان النبي عليه السلام أراد أن يكرمها بالزواج لأنها زوجة بدري وتأيمت، وكذلك هي ابنة عمر الفاروق، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وكانت قريبة كذلك من النبي عليه الصلاة والسلام.
ولم يطلق النبي عليه الصلاة والسلام من نسائه إلا حفصة، طلقة واحدة، وهو هذا التطليق الذي وقع من النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة هو الذي كشف كرامة حفصة، هو الذي بين عظم قدر هذه المرأة. ولم ينزل جبريل إلا لثلاث من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، غير طبعاً تزويج زينب: الأولى خديجة، وفيها أن الله سبحانه وتعالى يقرئ خديجة السلام: ﴿أَقْرِئْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا﴾، والثانية عائشة، وجبريل يقرئ عائشة السلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذا جبريل يقرئك السلام»، قالت: «عليكم السلام وعلى جبريل».
الثالثة هي حفصة، ولكن ليس في إقراء السلام إنما في الأمر. والله أنا هذا الموقف لو ما كان في سيرة أمي حفصة إلا هذا الموقف لكفى. حتى مرة كنت أقص هذا الموقف على أحد كبار السن فبكى، وقال: يا الله هنيئاً لها، ويا حظها. وجئت أتيته بعد مدة فقال: والله ما نمت لما عرفت هذا الموقف.
قال جبريل ينزل، شيء عظيم جداً، تصور الآن الكرة الأرضية هذه كبيرة شاسعة واسعة وفيها أعداد مهولة من البشر، جبريل ينزل من أجل امرأة واحدة في بيت في المدينة. لماذا تنزل يا جبريل؟ بأمر من الله: ﴿مَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [طه: 22]. فجبريل ما ينزل إلا بأمر ربك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجبريل: ألا تزورنا؟ يشتاق إلى جبريل.
جبريل لا يملك أصلاً الأمر شيء، إنما هو ينزل بأمر الله سبحانه وتعالى، هؤلاء عباد مسخرة، لا يعصون الله ما أمرهم، يفعلون ما يؤمرون.
النبي عليه الصلاة والسلام مشغول، ومقام النبي عليه الصلاة والسلام مقام شغل كامل؛ في دعوة، وفي عمل، وفي جهاد، وفي صراع، وفي وعي، وأمر معروف ونهي عن منكر، صلاة وعبادة، وبين هذا كله ينزل جبريل حتى يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يراجع حفصة، وحفصة مخطئة رضي الله عنها وأرضاها.
هذا أمر ما تسع عباراته التعليق عليه. سبحان الله! ما هي منزلة هذه المرأة عند الله سبحانه وتعالى حتى يؤمر خير البشر عليه الصلاة والسلام بأن ليس فقط يراجعها، بل يقول جبريل إنها زوجتك في الجنة؟ يعني هذه المرأة لن تُطلق، هذه ستبقى في عصمتك، وهي كذلك تبشر في الجنة.
أنا ما راح أتكلم عن أمي حفصة إلا بهذا الموقف وبشيء يسير، لأن أصلاً حفصة أفشت سر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو هذا سبب تطليقها الرئيسي. النبي عليه الصلاة والسلام أسر إلى حفصة بشيء، وأسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً، فلما نبأت به هي أخبرت عائشة رضي الله عنها من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا غضب النبي عليه الصلاة والسلام: كيف تفشي سر النبي عليه الصلاة والسلام؟ فلما تم الإفشاء غضب وطلقها النبي عليه الصلاة والسلام وأدبها بالطلاق.
فلما طلقها، وكان قبل ذلك عمر بن الخطاب يوصي ابنته ويربيها، فهذه بنت رجل صالح، كان يقول: «يا حفصة سليني مالي ما شئت، ولا تكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم». هذه التربية، لما نكشف سيرة أمي حفصة وطريقة تعامل والدها معها، نعرف سبب اختيار النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذه البيوت التي يطمع الشخص فيها، فوالدها كان يقول لها هذا الشيء، قال: لا تكثري يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تغرنك جارتك التي أعجبها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
فقه عظيم عميق؛ النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل من عائشة ما لا يحتمل من غيرها لحبه لها، هذا فهم عمر، فقال لها: انتبهي، وإن تبين شيء اسأليني إياه، اسأليني ما شئت من مالي، لكن لا تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهي كانت ممتثلة لهذه الوصية وكانت سائرة عليها حتى جاء يوم من الأيام، وأسر لها النبي عليه الصلاة والسلام بسر، فأفشت هذا السر وقالت لعائشة: لا تخبري أحداً.
فعلم النبي عليه الصلاة والسلام، أظهر جبريل علم النبي عليه الصلاة والسلام، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وأظهر بعض الشيء وأعرض عن بعض، يعني بين بأنه يعرف جزءاً، وكتم الجزء الآخر وما بينه وبين ما أظهر. ثم كانت العقوبة في التربية في الطلاق، فطلقت. فلما طلقت دخل عليها خالها قدامة وعثمان أبناء مضعون، فلما دخل عليها وهي تبكي وتقول: والله ما طلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم من شبع.
ويروى بأن عمر بن الخطاب لما وصله بأن بنت حفصة طلقت جثا على ركبته، جاء عن طبقات ابن سعد بأنه جثا على ركبته وأخذ يحثو على رأسه التراب ويقول: والله لا يقوم لنا مقام بعد ما طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتي. فنزل جبريل عليه السلام وأمر النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الحال؛ الآن حفصة مطلقة وتبكي، وعمر الفاروق متأثر، فنزل جبريل عليه السلام وقال: «يا محمد، إن الله يأمرك أن تراجع حفصة».
إن الله يأمرك، هذه العقوبة ليست لحفصة، لا يوجد تعليق على هذا أكثر من هذا. القصد أن يراجعها النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له جبريل: لماذا تراجعها؟ قال: لأنها صوامة قوامة، وهي زوجتك في الجنة. هذه المرأة لن تتركها، ستبقى معك وستدخل معك الجنة وهي أم المؤمنين، ولماذا هذا كله؟ لأنها صوامة قوامة.
هذه العبادة العظيمة تورث مقاماً عظيماً عند الله، وهذا المقام العظيم يحتمل من صاحبه ما لا يحتمل من غيره. صاحب المقام العظيم والجاه العريض عند الله سبحانه وتعالى بالعبادات إذا وقع بخطأ يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره؛ لذلك ليس من الصواب أن الخطأ يبقى خطأ، ولكن الخطأ الذي عنده مائة ألف حسنة ليس مثل الخطأ الذي ليس عنده شيء، إذا أتى الحبيب بذنب واحد جاءت محاسنه مائة ألف شفيع.
فحفصة كانت كثيرة الصوم وكثيرة الصلاة، حتى ماتت وهي تفطر، يعني كانت تتابع الصوم، وماتت في سنة 41 بعد مبايعة الحسين لمعاوية. فاستمرت رضي الله عنها وأرضاها في العبادة، وكانت كثيرة الصلاة وكثيرة الصيام، هذه الكثرة أورثت حفصة عند الله سبحانه وتعالى المقام العظيم، فما وقعت في هذا الخطأ، الصلاة مع الصوم شفعت لها، والصلاة تشفع والصوم يشفع، فشفع لها عند رسول الله ﷺ، وردها النبي عليه الصلاة والسلام وبشرها. تقع في خطأ وتكون النتيجة بشرى بأنها في الجنة، وهذا شيء عجيب والله.
ثم بعد ذلك استمرت رضي الله عنها وأرضاها في العبادة والصلاة والتقوى والزهد والتعظيم لله سبحانه وتعالى وللنبي صلى الله عليه وسلم، ولم تقع في أذية النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أعظم حسناتها أنها حمت المصحف، فالمصحف كان عندها وكانت تجمع الآيات، وكان المصحف عند الصديق ثم عند عمر ثم عند حفصة، فلما أراد عثمان أن يجمع المصاحف على حرف واحد طلب من حفصة أن ترسل المصحف، فكان القرآن الكريم العظيم عند حفصة رضي الله عنها وأرضاها.
ولم تخرج مع عائشة في يوم الجمل، فلما حمل الزبير عائشة وكذلك حفصة على الخروج إلى العراق، أقسم عليها أخوها ابن عمر بعدم الخروج، فانقادت له ورجعت إلى المدينة ولم تخرج. فعائشة ندمت بعد ذلك وقالت لابن عمر: لماذا ما صنعت معي كما صنعت مع أختك؟ فقال: إني رأيت رجلاً غلبك على أمرك، أما هذه أختي فأنا أستطيع أن ألزمها، ولكن مع عائشة ما كان يستطيع، فرأيت رجلاً غلبك على أمرك هو الزبير رضي الله عنه وأرضاه. فرجعت ولم تصنع شيئاً، إنما كانت تسرد الصوم وتطيل العبادة، وبهذا بلغت ما بلغت، وهنا أثنى عليها في الحديث: «صوامة قوامة»، هذه لم تتركها حتى ماتت.
إنما كانت تتابع العبادة، وبهذا فضلت الصالحات في القرآن الكريم بكثرة العبادة. إلا أن قسماً من الصالحات تتعرض لبلاء كبير، وهذا البلاء يرفع كذلك، وهذا الذي وقع لعائشة وفضلت فيه.
لكن حفصة لم يقع عليها بلاء إلا تطليق النبي عليه الصلاة والسلام، هذا بلا شك عظيم، لكن لم يقع عليها بلاء مثل ما وقع لعائشة رضي الله عنها وأرضاها عندما كانت بهذه الصورة. وماتت رضي الله عنها وأرضاها كثيرة الصوم وكثيرة العبادة، وبهذا بلغت المرتبة التي بلغتها رضي الله عنها وأرضاها.
هذا ما يتعلق بسيرة أم حفصة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري