دخولتسجيل الدخول

زينب بنت خزيمة رضي الله عنها | أمهات المؤمنين 04

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا، وبياكم وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأمهات المؤمنين، ومعنا اليوم بإذن الله الزوجة الرابعة التي تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وأصبحت بذلك أمًا من أمهات المؤمنين، ألا وهي زينب بنت خزيمة الهلالية. تزوج النبي عليه الصلاة والسلام زينب في أواخر السنة الثالثة من الهجرة، وكانت قبل ذلك تحت عبد الله بن جحش، وقتل عبد الله بن جحش في معركة أحد، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في أوائل سنة رابعة بعد ما قضت عدتها.

العجيب أن زينب بنت خزيمة لم تبقَ عند النبي عليه الصلاة والسلام إلا شهرين أو ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك ماتت وصلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه. ولم يمت من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام في حياته إلا هي وأم خديجة، وبقي عند النبي عليه الصلاة والسلام وتوفي عن تسع، فمجموع من تزوجهم النبي عليه الصلاة والسلام أحد عشر، وماتت اثنتان في حياته، وتوفي عليه الصلاة والسلام عن تسع، ثم تزوج النبي عليه الصلاة والسلام ميمونة بنت الحارث، أخت زينب لأمها.

ما هي الميزة التي ميزت بها زينب؟ ولماذا تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام؟ زينب بنت خزيمة كانت مشهورة بالصدقة، وكانت كثيرة الصدقة، لذلك قيل عنها أو كانت تسمى بأم المساكين. ما هو السر الموجود بها حتى يأخذها النبي عليه الصلاة والسلام وتمكث عنده شهرين؟ هي لو ماتت قبل أن يتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام لما أتت يوم الجمعة الصحابيات، لكن لماذا أصبحت من أمهات المؤمنين؟

لا شك بأن هذا سر بينها وبين الله سبحانه وتعالى؛ إما كثرة دعاء، أو كثرة عمل، أو صدق مع الله سبحانه وتعالى، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يكرمها بأن يتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام حتى تصبح من أمهات المؤمنين. والأمر فقط هكذا، يتزوجها خير الأنام بها وتبقى عنده لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك تموت ويكرمها الله بأن يصلي عليها النبي عليه الصلاة والسلام وتأخذ الفضائل التي بأمهات المؤمنين، هذا لا يكون إلا بسر عظيم بينها وبين الله سبحانه وتعالى.

فلا شك أن هذه المرأة الصالحة كانت قبل ذلك تفعل أشياء وتعمل أعمالًا، وهذه الأعمال تنقسم إلى قسمين؛ قسم متعلق بنفس البذل الذي كانت تفعله، والوارد في سيرتها أنها كانت تطعم المساكين، وكانت تكثر من إطعام المساكين، وهذا يكشف طبع الإنسان، فالذي يطعم المساكين ويتقرب منهم ويحبهم هو إنسان رحيم. فالرحمة تكشف من خلال مثل هذه الأفعال: الإنفاق، والتقرب، والتأثر بالضعفاء والمساكين والفقراء والأيتام. هذه زينب كانت تلقب بأم المساكين، فهذا على وصف عالي فيها وعلى رحمة عظيمة، وهذا سر من الأسرار.

السر الآخر أنها كانت زوجة رجل صالح، فلعل النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يخلف هذا الرجل فيها خيرًا. فعدة أمور قد تكون اجتمعت في زينب رضي الله عنها وأرضاها حتى اختارها النبي عليه الصلاة والسلام. القسم الأول أو الأمر الأول المذكور هو البذل والعطاء، وهذا يكشف نفس الطبع، فالذي ينفق والذي يتقرب إلى المساكين هذا إنسان رحيم. والقرآن الكريم لو تلاحظون كثيرًا ما يتحدث عن هذا المعنى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 11-16].

كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ مِسْكِينٍ﴾ [الفجر: 17-18]. كانوا يخوضون مع الخائضين، وكانوا يمنعون المسكين ويدفعون اليتيم، والقرآن يأتي بعكس ذلك: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]. وهكذا، فالقرآن الكريم هذا المعنى يركز عليه كثيرًا لأسباب؛ أولًا: هذا الأمر ينقي نفس الإنسان، بحيث لا يكون قلبه متحجرًا. العلاج النبوي هو المسح على رأس اليتيم، وهذا المسح يجعل قلبك يرق، فعندما ينفق الشخص ماله ويعطي المساكين كما يحث القرآن، فإن هذا الفعل ينعكس على القلب فينقيه.

وغير المعنى الذي يتكلم عنه العلماء وهو عبارة عن حماية المجتمع والتكاتف والتكافل الاجتماعي، هناك معنى آخر وهو تصفية نفس الإنسان؛ فالذي ينفق ويعطي ويتعامل مع الناس بهذه الطريقة، تنعكس عليه النتيجة فتصفو نفسه وتنقى، فلا تكون نفسًا شحيحة. لذلك القرآن هنا يبين من طبع الكفار، وصف الكفار أنهم لا يعطون، ويأكلون الميراث، ويجمعون المال ولا يسألون عن حله وحرمته، بينما في المقابل المسلم ليس بهذه الطريقة، إنما يده مبذولة وماله مبذول للمساكين والفقراء؛ لأنه مسلم منقاد لأمر الله، وهذا ينعكس عليه بالصفاء والنقاء، وهذه علاقة الظاهر مع الباطن.

فهنا أم المساكين كانت بهذه الطريقة تنفق وتنفق وتنفق، فهي ما سميت أم المساكين إلا لكثرة إنفاقها، وكثرة الإنفاق تدل دلالة قطعية على صفاء القلب، بخلاف الإنفاق اليسير الذي قد يكون معه مغالبة ومجاهدة، وهذا أمر حسن، لكن كثرة الإنفاق والاعتياد عليه حتى يلقب الإنسان بهذا اللقب يدل على صفاء.

والنبي عليه الصلاة والسلام هو الداعية الأول، والداعية الكبير يحتاج زوجة تكون بهذا النقاء وهذا الصفاء، لا تكون زوجة ليست بهذه الطريقة. فالذي يريد أن يتزوج، إذا كان في موطن الدعوة، أو حتى إذا لم يكن في موطن الدعوة وكان يريد أن يرتاح في حياته، يختار امرأة بها هذا الوصف، طبعًا غير الأوصاف الأخرى المتعلقة بالتوافق الروحي إلى آخره، ولكن من الأوصاف التي قد يسأل عنها الإنسان هي أن يريد امرأة رحيمة، امرأة لينة. وهذه المرأة الأولى لم تكن من قريش، والنبي عليه الصلاة والسلام أثنى على نساء قريش وبين سبب الثناء عليهن وهو الرحمة بالابن ومراعاة الزوج، وهذه ميزة المرأة القرشية، أما هذه المرأة فكانت من بني هلال، وتزوجها لأن فيها هذا الوصف الذي يريده.

تزوجهم النبي ﷺ من قريش؛ فخديجة من قريش، وعائشة من قريش، وحفصة من قريش. أما زينب فليست من قريش، إنما هي من بني هلال.

لماذا تزوج زينب؟ لأن هذه المرأة عندها أعمال صالحة، وهذه الأعمال الصالحة تكشف طبيعة الإنسان؛ إذ هذه المرأة التي بها هذا الصلاح العالي تستحق أن تكون زوجة لأعظم داعية على الإطلاق. فهنا كشفٌ لمن تتزوج، وهذا البذل دل على هذا الأمر، فدعونا ننظر إلى هذا المعنى من أكثر من منظار.

المنظار الأول: أعمالها الصالحة هي التي جعلت النبي ﷺ يتزوجها، أحبها الله فاختار الله لنبيه هذه الزوجة، والله يختار لأوليائه. حياة الأولياء، وقبل ذلك وأعلى الأولياء هم الأنبياء، ليست حياتهم يختارونها. فرقوا بين حياة عامة البشر الذين يوكلهم الله إلى أنفسهم، وبين حياة الذين يختارهم الله؛ فحياة الذين يختارهم الله هو الذي يصنعها لهم، يختار زوجته، يختار مكان إقامته، يختار من يمشي معه، يختار أصحابه، يختار كل شيء. فالله اطلع على قلب النبي ﷺ فوجده خير قلوب العباد فاختارها، ثم اختار أصحابه.

اختيار الأصحاب من الله سبحانه وتعالى؛ أبو بكر الصديق الله اختاره، وعمر الله اختاره، وهكذا كذلك الزوجات، الله سبحانه وتعالى هو الذي يختار. والداعية إلى الله سبحانه وتعالى إذا كان متوكلاً على الله ومسلماً له، الله يختار له، هو لا يدري كيف يكون، لكن الله سبحانه يختار له وهو يبذل السبب.

عندما ننظر من هذا المنظار، أم المؤمنين زينب بنت خزيمة كانت تنفق وتعطي، ولعلها كانت تدعو، ولها عبادة بينها وبين الله سبحانه وتعالى يعلمها. وزوجها قُتل شهيداً، فهذا صبر، هذا بلاء، وموت الزوج بلاء وليس أمراً سهلاً، وصبرت، ولعل صبرها كان صبراً زائداً عن صبر البقية، وهذا مما يرفع من شأن العبد عند الله سبحانه وتعالى. فأراد الله أن يكرمها قبل أن تموت بأن تكون أم المؤمنين. ولا شك أن بينها وبين الله أسراراً، لكن نحن الآن نتكلم بناءً على ما نعرفه من الدين، وقد ذكر في سيرتها أنها كانت امرأة موفقة.

لو ننظر من منظور آخر، نفس اختيار الداعية؛ فعندما يريد الداعية أن يختار، هو يبحث عن صفات معينة ومحددة، وأهم وصف يريده قبل أن يذهب إلى الرؤية الشرعية هو أن يريد امرأة تكون معينة، لا يريد امرأة تعطل عن دعوته أو تمنعه عنها. والمرأة المعينة هي التي يجتمع فيها وصفان: الديانة، وسلامة النفس والطبع والنقاء. هذا النقاء إذا لم يكن قوياً، فممكن الديانة لا تمنع؛ أذكر أحد الدعاة زوجته داعية كذلك، امرأة صالحة، ولكنها طلبت الطلاق منه.

عندما سئلت هذه المرأة: لماذا طلبتِ الطلاق؟ وزوجك داعية وإنسان صالح، قالت: هذا من صلاحه، لكن المشكلة في الأمر الثاني؛ قالت: أنا لا أريد أن أعطله عن دعوته لكني لا أستطيع، هو لا يعطيني حقي، هو يكون مقصراً. والداعية إذا أراد أن يدعو، فهو حتى على نفسه ممكن يقصر، خاصة الذي يريد حياته كلها تكون في سبيل الله.

كيف يوازن الداعية؟ قد يقول: أنا مطلوب مني القيام بأشياء كثيرة، وهنا طبيعي أن زوجة الداعية لازم تتحمل. ونحن زوجات النبي ﷺ، وهو أعظم الدعاة على الإطلاق، الواحدة لها ليلة من تسع ليالٍ، كان النبي ﷺ يمر بزوجاته في العصر، لكن ليلة في كل تسع ليالٍ، هكذا الداعية الأعظم. فالداعية الذي يريد أن يخوض المعركة الدينية، زوجته لازم تعينه، وعندما تعينه تتنازل عن بعض حقها.

مثلما ذكرنا في قصة أسماء، كيف أن أسماء كانت مع الزبير، وكانت تذهب وتأتي وهو مشغول مع النبي ﷺ، يذهب ويجاهد ويقاتل، فالزوجة لازم تتحمل. أما الزوجة التي تصر على أن تأخذ حقها وافياً كاملاً دون تنازل، فهذا ليس لأن الرجل يمنعها، بل هي موازنة، فإذا كانت تطيب نفسها، فهي تصلح أن تكون زوجة داعية.

هذه المرأة صالحة، ولما قيل لها قالت: أنا لا أريد أن أشغله، أنا بين خيارين: خيار أن أطلب الطلاق، وخيار أن أعطله عن دعوته وآخذ حقي كاملاً، وأنا لا أريد أن أعطله، وفي نفس الوقت لا أستطيع أو لا أريد أن أتنازل عن حقي، فطلبت الطلاق وطلقها.

عندما يكون الداعية مشغولاً، وإذا أصرت الزوجة عليه: أنا أريد كذا، انظروا كيف وجه الله زوجات النبي ﷺ؛ لما أكثرن عليه في النفقة، ثم جاء التخيير، وهو أمر مخيف: ﴿لَا تُؤْذُوا النَّبِيَّ﴾، بل تنزل آيات مرعبة: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ ۖ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۙ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]. ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: 5]، هذا وصف زوجات النبي ﷺ، لكن هنّ لما تبن.

أي عائشة وحفصة رضي الله عنهما، كان الجزاء أن جبريل ينزل ويسلم على عائشة، ويقول النبي ﷺ: «راجع حفصة». الله لم يستبدل عائشة وحفصة بغيرهما لأنهما تبتا إلى الله. ولما خيرهما النبي ﷺ بدأ بعائشة بالتخيير: تريدين الله والرسول والدار الآخرة، أو أمتعك متاعاً حسناً في الدنيا وأطلقك وأسرحك سراحاً جميلاً؟ فلا الكل اختار النبي ﷺ، وإذا اخترتم النبي ﷺ فامتثلوا: ﴿لَا تُؤْذُوا النَّبِيَّ﴾. وهذا وإن كان خاصاً بالنبي ﷺ، إلا أنه لمن يكون حاله في الدعوة هكذا، لابد أن تكون زوجته قريبة من هذا المعنى.

أم المؤمنين زينب كانت امرأة صالحة وصلاحها ظاهر جداً، وهذه المرأة الرحيمة التي تنفق بهذه الطريقة لا تطلب؛ فلما تغلب صفة الرحمة على إنسان، سواء كان ذكراً أو أنثى، تراه لا يطلب، ومستحيل يستقصي، لذلك يقول الحسن البصري: «ما استقصى كريم قط»، يعني لا يأخذ حقه كاملاً، مستحيل.

لماذا؟ لأنه هو كريم، هو رحيم، فهو يقول خلاص أنا يكفيني هذا. كيف الآن لما شخص مع آخر حتى في التجارة، يعني لما يكون شخص فقير ومعسر يقول خلاص أعطني كذا وخلاص، ما يأخذ ماله كله. لماذا؟ خلاص يقول لك إنه لأنه هو رحيم وهو كريم.

فهنا إنفاق؛ أمي زينب كانت كاشفة للنبي عليه الصلاة والسلام بأن هذه المرأة تصلح أن تكون زوجة خير البشر عليه الصلاة والسلام لأن طبعها الرحمة، وهي من أنفقت في سبيل الله، وقتل زوجها في سبيل الله، ولعلها كانت كذلك في المدينة لا زوج لها.

فأراد النبي عليه الصلاة والسلام كذلك أن يرحم. نحن ننظر من جهتين: من جهة اختيار الله لها، ومن جهة نفس تقدير النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو خاضع أصلاً لاختيار الله، لكن كذلك يقدر، كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يقدر، فهذا هو الذي يظهر والله أعلم.

فهي مكثت شهرين أو ثلاثة، ثم بعد ذلك ماتت وأكرمها الله سبحانه وتعالى بأن صلى عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وتكون معه في الجنة في المقام العالي السامي؛ الذي لو ماتت قبل أن تتزوج النبي عليه الصلاة والسلام لن تصل إلى هذا المقام، لكن هذا كله كرم إلهي وعطاء رباني.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمها وأن يلحق بها نساء المؤمنات في هذا العصر بالاقتداء بأمهات المؤمنين، وامتثال دعوة أمهات المؤمنين وكذلك صلاح أمهات المؤمنين. هذا بعض ما يتعلق بسيرة أمي زينب والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.