الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فأحييكم الله إخواني جميعًا.
معنا اليوم بإذن الله سيرة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية، أم سلمة المخزومية رضي الله عنها وأرضاها. أم سلمة ممن آمن مع النبي عليه الصلاة والسلام قديمًا، وتزوجت من قريب لها، وهو أبو سلمة المخزومي. وكان قد آمن أبو سلمة، من أوائل من آمن، وأسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وهو أحد الثمانية الذين جاء بهم الصديق إلى النبي عليه الصلاة والسلام مسلمين. فأسلمت زوجته تبعًا له، وهاجرت معه إلى الحبشة في الهجرتين.
ثم بعد ذلك رجعوا إلى مكة. أبو سلمة المخزومي من بني مخزوم من أشراف العرب، وكانت أشد قبيلة على النبي عليه الصلاة والسلام من قبائل قريش، قبيلة بني مخزوم؛ لكون الذي يقود هذه القبيلة هو الوليد بن المغيرة، وكذلك ابن أخيه عمرو بن هشام، أبو جهل. فكان أبو سلمة يتعرض إلى بلاءات شتى من بني مخزوم. فلما اشتد عليه وعلى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام البلاء، دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الهجرة إلى الحبشة، وأخبرهم بأن بها ملكًا عادلًا لا يظلم عنده أحد.
فهاجر أبو سلمة وكذلك زوجته أم سلمة، وذهبا إلى الحبشة، ثم رجعا بعد ذلك لما بلغهم بأن قريش قد آمنت، فلما علموا بأن الخبر غير صحيح، رجعا مرة أخرى إلى الحبشة في هجرة الحبشة الثانية. ثم بعد ذلك وقعت الوقائع هناك، وحكت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها بعض ما جرى لهم في الحبشة في جوار النجاشي، والقصة الشهيرة وفيها انتصار النجاشي، ثم رجع قسم منهم إلى مكة، وكان ممن رجع أبو سلمة، فرجع أبو سلمة إلى مكة ومعه زوجته أم سلمة.
ثم بعد ذلك استمر البلاء على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وتعرضت أم سلمة وزوجها كذلك إلى بلاء شديد من بني مخزوم، حتى جاءت بيعة العقبة الأولى، فبايع الأنصار النبي عليه الصلاة والسلام على بيعة الإيمان، بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة، ثم بعد ذلك بايَعوا في السنة التي تليها بيعة القتال.
قبل بيعة القتال قرر أبو سلمة الهجرة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بعث مصعب بن عمير إلى المدينة، وأراد أبو سلمة الهجرة ولم يحتمل أن يبقى في مكة مع البلاء الكبير الذي كان يقع عليه من بني مخزوم، فأراد الهجرة فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام. فرحل دابته وحمل زوجته وكذلك ابنه سلمة، وكانت أم سلمة قد أنجبت منه أربعة أولاد، وأرادت أم سلمة أن تهاجر مع زوجها وابنها.
فلما أراد المسير، جاءت عصبة أم سلمة وأقاربها من أبناء المغيرة فقالوا: «أما أنت فغلبتنا على نفسك، أما هذه فلا تأخذها»، فأبوا أن يأخذ زوجته معه، فأخذوا الزوجة بالقوة. فلما علم بذلك رهط أبي سلمة جاءوا وأخذوا ابن أبي سلمة وقالوا: «أما إذا فرقتم بين صاحبنا وزوجته فلا والله لا تأخذون ابننا»، فتنازعوه حتى خلع كتفه وأخذوه.
فتم تفريق هذه العائلة في سبيل الله، وهذا البلاء والله من أشد البلاءات التي يمكن أن تقع على الإنسان في حياته. هم غرباء وهاجروا هجرتين ورجعوا بعد ذلك إلى مكة وعاشوا فيها غرباء بدينهم، ثم بعد ذلك لما أرادوا الخروج بدينهم كانت الهجرة بنفسها ثقيلة وشاقة وصعبة، ولكن مع ذلك من أجل الله سبحانه وتعالى كل شيء يهون ويرخص.
فلم يحتمل أبو سلمة البقاء فأراد أن يهاجر، فلما أراد أن يهاجر أخذوا زوجته منه بالقوة، والأعراف في ذلك الوقت كانت حاكمة بقوة، فلم يكن الناس يستطيعون على تغيير الأعراف، والأعراف كانت ثقيلة وشديدة. وكلهم بني مخزوم؛ أبو سلمة بني مخزوم وأم سلمة من بني مخزوم، ولكن أم سلمة كانت من رهط المغيرة، فرهطها إخوتها مع أبناء عمومتها الأقربين منعوها وهم أحق بها في ذلك العرف، أما الزوج ورهطه فكانوا بني أسد فأخذوا ابنهم.
فتم تفريق هذه الأسرة في سبيل الله. وتحكي أم سلمة هذا البلاء العظيم الذي وقع عليها بأنها كانت تخرج كل يوم إلى الأبطح، وتقول: «وأبكي»، تبكي من الصباح الباكر إلى أن تنتصف الشمس أو إلى المغيب ثم ترجع بعد ذلك، وتقول: «مكثت على هذا سنة أو قريبًا منها». حتى مر أحد أبناء عمومتها من بني المغيرة وقال: «ألا تتقون الله في هذه وترجعونها إلى زوجها؟»، فقبلوا بذلك، فانطلقت إلى رهط زوجها فأخذت ابنها وأعطوها.
ثم بعد ذلك رحلت الدابة وذهبت هي وحدها وابنها، وليس معهم إلا الله سبحانه وتعالى، فلقيها عثمان بن طلحة في الطريق فقال: «إلى أين يا بنت المغيرة؟»، قالت: «إلى زوجي»، فلما رآها قال: «ليس منك مترك»، ثم أخذ هو يسير بها وينتقل بها حتى وصل إلى ديار بني عمرو بن عوف، أول مدينة، إلى قباء، فقال: «زوجك في هذه البلدة»، ثم تركها ورجع قافلًا إلى مكة.
القصد أن هذه المرأة ابتليت ببلاء زاد عن بقية البلاءات؛ غير الهجرتين وغير الهجرة الثالثة إلى المدينة، هذا التفريق وهذا الضرب وهذا التعذيب، وهذا أشد من البلاء الحسي؛ البلاء المعنوي، يعني التفريق بين الحبيب وحبيبه، بين الزوجة وزوجها وبين الأم وابنها، هذا أعظم ما يمكن أن يقع للإنسان في الحياة.
يعقوب عليه السلام، وهو نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، لما تم أخذ يوسف منه وابتعد عنه ابيضت عيناه من الحزن، فهو كظيم. فمثل هذا النوع من البلاء أشد من الموت، أشد من القتل؛ فبعض البلاءات المعنوية التي تقع على الإنسان أصعب من الموت وأصعب كذلك من جميع البلاءات الحسية، فالتعذيب البدني أسهل بكثير من التعذيب النفسي، خاصة لما يكون بهذه الصورة بين أم وابنها وزوجة وزوجها.
القصد من ذلك أن هذه المرأة الصالحة انتقلت بعد ذلك إلى المدينة والتقت مع زوجها ومكثت معه. ثم هاجر بعد ذلك أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ثم هاجر النبي عليه الصلاة والسلام، فهم سبقوا النبي عليه الصلاة والسلام في الذهاب إلى المدينة. فلما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك بدأت المعارك والغزوات وشرع الجهاد، فكان زوجها يخوض المعارك وحضر بدرًا، ثم بعد ذلك حضر أحدًا وأصيب في أحد، ثم بعد ذلك بعثه النبي.
عليه الصلاة والسلام في سرية، فلما بعثه في سرية عليه الصلاة والسلام، رجع بعد ذلك إلى المدينة في مطلع السنة الرابعة من الهجرة، وجرح أحدٌ انفجر عليه، فلما انفجر عليه لم يمكث إلا عدة أيام ثم بعد ذلك مات. ورزقت أم سلمة من زوجها بأربعة أبناء.
وبعد ذلك، بعد ما قضت عدتها، خطبها النبي عليه الصلاة والسلام وأرسل إليها، وقيل أرسل إليها حاطب، وقيل أرسل إليها عمر بن الخطاب؛ لكون أم سلمة من بني مخزوم وهم أخوال عمر، وعمر أمه من بني مخزوم أخت أبي جهل أو ابنة عمة أبي جهل. فقالت أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها واعتذرت بعدة أمور؛ قالت إنها امرأة غيور، غيرتها شديدة زائدة عن غيرة النساء، وكذلك إن لها أبناء؛ إني مربية، وقالت ليس لي ولد، وقالت كذلك ليس من أوليائي أي من أقارب بني مخزوم أحد حاضر.
فاعتذرت بأربع أعذار، والحديث متنوع، والحديث فيها ثلاث، لكن مجموع الأعذار المذكورة في الحديث هي أربع. فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل لها، أو قبل أن يرسل لها ذهب إليها عمر، وغضب عليها عمر كعادته رضي الله عنه وأرضاه وقال: «ترغبين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فقالت: «ليس ذلك يا ابن الخطاب، إنما بي كذا وكذا وكذا».
وهذا يدل على عقلها؛ لماذا؟ لأنها خافت أن تؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، فالمرأة الغيور مؤذية، وجاء في الحديث أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. ولما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: ألا تتزوج نساء الأنصار؟ قال: «إن فيهم لغيرة شديدة». الغيرة طبيعية في المرأة، ولكن لما تكون شديدة هذه تكون مؤذية، وقد تأثم فيها خاصة لما تكون مع النبي عليه الصلاة والسلام، هذا قد يكون يوبق بحياة المرأة، فهي أم خائفة، تريد ولكن ماذا تصنع بهذه النفس التي تغلبها أحيانا؟ وهذا مع النبي عليه الصلاة والسلام وليس مع إنسان عادي أو إنسان آخر.
فهي من وفور عقلها قالت هذا الكلام، قالت: «أنا ليس لي ولد، وأنا مربية عندي أبناء سأنشغل مع أبنائي، وأنا امرأة غيور، وليس من أحد أوليائي شاهد حتى يزوجني». فرد النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أما الغيرة فسأدعو الله بأن يذهبها، وأما الأبناء فإلى الله وإلى رسوله، وأما الأولياء فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني». فقالت لابنها: «قم فزوج»، قم يا عمر فزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في سنة الرابعة من الهجرة.
أم سلمة من المذكور في سيرتها أنها كانت كثيرة العبادة، عظيمة العبادة، وكذلك وافرة العقل. الميزة العظيمة التي تفضلت بها على الأمة هي رأي يوم الحديبية، لما بايع النبي عليه الصلاة والسلام الكفار لعدم الدخول في مكة، وأمر بعد ذلك الصحابة رضي الله عنهم بأن يحلقوا ويتحللوا، ولم يستجب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ كانوا يظنون بأن الوحي سينزل وينسخ هذا الفعل، وهم مأمورون أننا لسنا نذهب إلى مكة ونطوف وقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
وكذلك ظاهر الصلح كان فيه شيء من الذل، خاصة في شرط أن الذي يأتي من المسلمين يقبله الكفار، والذي يأتي من الكفار إلى المسلمين لا يقبله المسلمون. هذا كان ثقيلاً، ثم جاء بعد ذلك أبو جندل فأخذ سهيل بن عمرو والده، فكانت الحاجة ثقيلة جداً على نفوس الصحابة الأعزة رضي الله عنهم وأرضاهم، فلما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام لم يستجيبوا، هذا أمر ثقيل.
فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على أم سلمة وهو مغضب، فلما دخل وهو مغضب وسألته لما؟ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أمرتهم بكذا وكذا ولم يفعلوا»، فقالت له: انظروا إلى وفور العقل سبحان الله العظيم. وهذا حتى الإمام الحرمين الجويني كان يقول بأن لم تؤشر امرأة برأي صائب هكذا عام إلا أم سلمة، طبعاً هذا ليس على إطلاقه لكن هو المقصود في الأمور العامة الظاهرة السياسية، ولا يعرف أن في امرأة هكذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام أشارت برأي مؤثر كثير عام على الأمة مثل رأي أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.
فلما قالت للنبي عليه الصلاة والسلام قالت: «اخرج، ثم أمر الحلاق فليحلقك، ولا تكلمهم»؛ أثرت عليهم بالفعل وليس بالقول. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ودعا بمن يحلقه فحلق شعره، فلما حلق شعره عليه الصلاة والسلام ورأى الصحابة ذلك قاموا وحلقوا رؤوسهم، فحمي الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم لأن مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى عظيمة، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك؛ فليحذر الذين يخالفون أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. فالذي يخالف أمر الله سبحانه وتعالى وأمر النبي عليه الصلاة والسلام لابد أن تصيبه فتنة في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة.
فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا خاف على الصحابة، والمخالفة ثقيلة. فلما قالت أم سلمة هذا الأمر هنا أنقذت الموقف، وبينت للصحابة بأن نفس الاجتهاد لم يكن صحيحاً، وكذلك أشارت على النبي عليه الصلاة والسلام بطريقة حل هذه المشكلة. فأحياناً بعض المشكلات ما تحل بالكلام، إنما تحل بالفعل؛ ليس من الصواب أن تبالغ في الكلام، ممكن تقول في البداية، لكن لما ترى بأن خلاص هذا الذي أمامك لن يستجيب، ممكن تفعل، فلما تفعل خلاص الآن ممكن هو يفعل.
وسبحان من فتح عليها في مثل هذا الرأي العظيم الذي تسبب بحفظ هذه المجموعة الشريفة من الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم. وأقسى من ذلك أن أم سلمة عاشت إلى رأس الستين، إلى سنة 61 أو 62 من الهجرة، وأدركت مقتل الحسين فوجمت، ثم بعد ذلك ماتت، وهي آخر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام موتاً. ويقول الذهبي إن عمرها قارب التسعين، وقيل غير ذلك؛ لأن بعضهم يقول بأن لما تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام كان عمرها 65، أي كانت أكبر من النبي عليه الصلاة والسلام، تأدباً نقول ولدت قبل النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أما سنك فأنا أكبر منك»، فهي ربما كان عمرها قريباً من الثلاثين لما تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام.
والسلام، أو أقل من ذلك، ممكن في السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين؛ لأنها عاشت بعد النبي ﷺ خمسين سنة، فإذا كانت بالـ 90، يعني عمرها كان 40، أو هكذا يكون 35، هكذا 36 تقريبًا، يكون عمرها لما تزوجها النبي ﷺ.
ومع ذلك تزوجها في هذا السن، يعني هي كبيرة ومُصيبة، لماذا تزوجها النبي ﷺ؟ ما السر الآن في أم سلمة حتى يقبلها النبي ﷺ ويتزوجها، ونساء كثر في المدينة والكل يرغب بالنبي ﷺ ويطمع به؟ وهي كذلك مُصيبة كما قالت، عندها أبناء وكبيرة في السن، والنبي ﷺ أصلًا متزوج.
لماذا؟ ما هي الحكمة من الزواج من أم سلمة؟ الحكمة من زواج أم سلمة أتصور أنها عدة أمور. الأول: أنها من بني مخزوم، وهؤلاء هم أشد أعداء النبي ﷺ، فلعل الزواج من بني مخزوم كان له أثر في تخفيف هذه الحدة مع بني مخزوم، لأن الناس كانوا يفخرون إذا أخذ منهم النبي ﷺ ويتشرفون ويقولون: نحن أخوال، أو نحن أصهار النبي ﷺ. هذا الأمر الأول.
والأمر الثاني: أن أم سلمة بها عدة أمور هي بذاتها، ليس فقط للنسب، إنما هي بذاتها بها عدة أمور؛ الأمر الأول: الديانة، فيذكر بأن ديانتها كانت عظيمة، ويدل على ذلك البلاء الذي وقع عليها. البلاء العظيم الذي وقع عليها، فلم تُصب امرأة من زوجات النبي ﷺ بمثل هذا البلاء إلا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وبلاء عائشة كان بالعرض، وهذا كذلك لا شك أنه أثقل.
لكن من زوجات النبي ﷺ لم يُصب، كلهن أصبن ببلاءات، ولكن أقصد قبل موت النبي ﷺ طبعًا، لأن موت النبي ﷺ أعظم بلاء يمر على الأمة، لكن هي أُصيبت ببلاء عظيم في التفرقة بين زوجها وابنها، ومكثت، وهذا والله شيء عجيب. هي لما مكثت سنة كاملة عند أهلها وزوجها بعيد عنها، ما زادت ولا ارتدت، إنما بقيت على دينها وعلى إسلامها وثبتت ثبات الجبال الرواسي وما تغيرت، وهذا أمر قليل بالناس عمومًا، سواء كان رجلًا أو امرأة.
كانت ثابتة على دينها وما تغيرت حتى لما مات زوجها. فلعل ديانتها هذه المميزة العالية جدًا مع وجود هذا البلاء الذي يصفيه عادةً ديانة الإنسان وينقيه، من الأسباب الرئيسية في زواج النبي ﷺ منها. فاجتماع العبادة الخاصة مع البلاء العظيم، هجرتين ثم هجرة ثالثة إلى المدينة ولوحدها مع ابنها، هذا كله رفع اسمها في النساء وجعلها من مصاف النساء العاليات.
وهكذا يختار الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ، فكما أن الله اختار له أصحابه، فمن ينظر في الصحابة نجد أن أبا بكر الصديق أكثر الناس بلاءً وأكثر الناس بذلاً فيكون هو رقم واحد، وعمر الثاني وهكذا. فكذلك لما نأتي وننظر في النساء نجد النساء كلهن قد آمنّ بالنبي ﷺ، لكن لماذا بالذات أم سلمة؟ مع أن أم سلمة مُصيبة وهي كبيرة نوعًا ما بالسن.
لأنها صاحبة ديانة عظيمة، هذه الديانة عظيمة ثقيلة، ومع ذلك لما تأتي للنبي ﷺ يصر الإصرار من قبل النبي ﷺ، هذا لا شك فيه شيء شريف وعالٍ جدًا وعظيم. هذه الديانة تصنع بأصحابها أن توصلهم، فالله سبحانه وتعالى يكرم من يحب من أوليائه في الدنيا قبل أن يكرمهم في الآخرة، في الدنيا يكرمهم بمثل هذه الكرامات العظيمة التي ما يستطيع شخص أن يقدر ثمن هذه الكرامة، وفي الآخرة يكون ما عند الله سبحانه وتعالى كذلك عظيم وكبير وجليل.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]. الدنيا والآخرة، سيعطيك في الدنيا ما يقر عينك به، وفي الآخرة كذلك ما يقر عينك به. وليس معنى هذا أن الشخص ما يبتلى، لا، لكن معنى هذا أن هذا الإنسان سينال شيء في الدنيا هو ما يستطيع أن يناله بذاته ولا بجهده ولا بكده، لكن الله سبحانه وتعالى يكرمه بكرامات يراها في حياته.
فمثلاً فهم القرآن الكريم هذه كرامة ما بعدها كرامة، هذا ما يأخذه الإنسان بعلمه ولا بعقله، إنما كرامة من الله سبحانه وتعالى. كذلك أن يقيم الله العبد في مقامات يحبها منه، وكذلك أن يوصله الله سبحانه وتعالى إلى منازل ودرجات ولا يستطيع أصلاً يصلها ولم يكن يفكر أصلاً وليس عنده طريق الوصول إليها.
فكيف إذا كانت المرأة هذه ستكون إحدى النساء المختارات حتى تكون زوجة للنبي ﷺ، مع عدم وجود بعض المعايير التي ممكن الناس يفكرون فيها في الزواج، لكن مع ذلك النبي ﷺ تزوجها وهي كبيرة في السن وعندها أبناء، هذا شيء كريم جدًا ويدل على ديانة عالية مع هذا البلاء الذي وقع وثبات وصبر. يكرم الله سبحانه وتعالى العباد بمثل هذه المقامات.
الأمر الآخر: وفرة العقل، ويدل على ذلك ما ذكرته قبل قليل من نفس الرأي التي أشارت به على النبي ﷺ، هذا يدل على فتح وعلى عقل وافر وعقل كبير وليس عقلًا عاديًا، والداعية يحتاج إلى مثل هذا النوع من النساء إذا وجدت، فلا شك أن هذه تكون مقدمة، فاجتماع العقل مع الديانة مع بقية الصفات هذه لا شك أنها مما ترفع من سهم المرأة في الزواج.
فلعل من أسبابه هي أن تشور على النبي ﷺ بهذا الرأي الذي يكون له ما بعده من أثر عظيم في حفظ الدين ونقل الإسلام من حال إلى حال. إذًا هذا بعض ما يتعلق بسيرة أم سلمة، وعاشت بعد ذلك واستمرت في عبادتها طويلة كما يذكر عنها، وأنها كانت كثيرة العبادة والصلاح والزهد حتى بعد ذلك لقيت الله سبحانه وتعالى بعد سن طويل في البذل والتضحية والثبات على الدين، رضي الله عنها وأرضاها ورحمها. هذا بعض ما يتعلق بسيرتها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري