الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛ فحيّاكم الله إخواني جميعاً، وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطانا جميعاً.
نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأمهات المؤمنين، ومعنا اليوم بإذن الله سيرة وقصة زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها. كان للنبي عليه الصلاة والسلام مولى اسمه زيد، وكان هذا المولى لا يدعى بزيد بن محمد، وكان التبني موجوداً عند العرب قبل الإسلام. وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوج زيداً، وهذا زيد من أول من آمن من الأربعة الأوائل الذين آمنوا: خديجة من النساء بنت خويلد، وأبو بكر الصديق من الرجال، وعلي من الصبيان، وزيد من الموالي، بل قيل إنه أول من آمن على الإطلاق.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه محبة عظيمة، لدرجة أنه كان ينادى بزيد بن محمد، وهو يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأسامة بن زيد هو ابن حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حبه هو وابن حبه. وهذا زيد هو الذي جعله النبي عليه الصلاة والسلام القائد الأول في مؤتة قبل جعفر وقبل عبد الله بن رواحة، وهذا أمر عجيب، لكن هذا يدل على ميزة هذا الرجل العالية العظيمة عند النبي عليه الصلاة والسلام، لدرجة أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار له زوجته.
وهذا الأمر قليل يصنعه الإنسان في حياته؛ بمعنى أنت لما تفكر في حالك، من الذي تسعى له السعي التام والكامل؟ عدد قليل من البشر. ممكن تسعى لأبنائك، حتى أبناء أخيك، ما تسعى لهم، إنما تساهم لما هم يبادرون. لكن الشخص الذي تسعى له سعي تام، سعي كلي، مستعد مثلاً أنك تبيع بيتك من أجله إذا سُجن؛ من هذا؟ كم شخص؟ الوالد إذا كان الوالدك أو والدتك، أو شخص يكون قريباً منك جداً، وهذا ما يكون لأعداد كبيرة. والنبي عليه الصلاة والسلام بنفسه سعى لزيد.
هذا زيد، انظروا من اختار له. والله سبحان الله أتفكر بهذا الأمر أقول: ما منزلة هذا الرجل عند النبي عليه الصلاة والسلام حتى يصنع معه هذا؟ لكن الله كان يدبر أمراً لو لم يكن يعرفه النبي عليه الصلاة والسلام. فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوج زيداً، اختار لزيد زينب بنت جحش، وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمها هي أميمة بنت عبد المطلب. فذهب إليها النبي عليه الصلاة والسلام وخطبها، فقبلت مباشرة وظنت بأن الذي يريد أن ينكحها هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليست لي، إنما لزيد».
فكأنها تأثرت؛ لأنها عربية وأخوالها بني هاشم وزيد مولى، وتعرفون أن النسب إلى اليوم أمر صعب على الناس وثقيل، فقالت: أترضاه لي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم». وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فقبلت بذلك وتزوجها زيد بن حارثة.
فلما تزوجها ومكث عندها مدة من الزمن، أقبل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام بأن يطلقها، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اتق الله، وأمسك عليك زوجك». وكان قد نزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام يخبره بأن حكم التبني قد انتهى ونسخ، ولا يجوز التبني: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]، و«زيد بن محمد» هذه تنتهي خلاص، إنما ينسب إلى أبيه زيد بن حارثة.
ثم لما أراد زيد أن يطلقها، ولم يكن هناك توافق بينهما، طلقها. فلما طلقها نزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله قد زوجك زينب: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]. لماذا؟ لكي لا يكون على المسلمين حرج في الزواج بـديانهم إذا قضوا منهن وطراً. فهنا الله سبحانه وتعالى أراد أن ينسخ هذا الحكم؛ ففي السابق الذي يتبنى شخصاً يرثه ويكون كأنه ابنه حقيقة، ولكن الله نسخ هذا الأمر.
وتزوج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب من غير شهود ولا ولي، إنما كان الشاهد الله والسفير هو جبريل. لذلك كانت زينب تفخر بعد ذلك على أمهات المؤمنين وتقول: «زوجكن أهاليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات».
فيأتيني السؤال الذي دائماً أذكره: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى زينب للنبي صلى الله عليه وسلم؟ الآن هذا زيد كان قد تزوج من زينب، هل فقط زواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب الحكمة منه نسخ هذا الحكم، حكم التبني؟ أو هناك كذلك أن هذه المرأة أصلاً صالحة أن تكون زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام؟ لا شك بأن هذه المرأة صالحة أن تكون زوجة للنبي عليه الصلاة والسلام. وذكرت لكم بأن الله يختار لأوليائه، فالله اختار للنبي عليه الصلاة والسلام هذه الزوجة.
فنكحها النبي عليه الصلاة والسلام وأمر النبي عليه الصلاة والسلام زيداً أن يذهب إليها ويخبرها بهذا. فلما ذهب إليها، طليقها، لم ينظر إليها، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لها والتفت وقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك». فقالت: «حتى أستأمر ربي»، قامت وصلت.
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: كانت صوامة قوامة، كثيرة الصدقة، واصلة للرحم. وتقول: هي التي كانت تساميني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وزوجات النبي عليه الصلاة والسلام كانوا على حزبين: حزب تقوده عائشة وحزب تقوده زينب. وكانت زينب هي التي تساميني، أي التي تنافسني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنزلة والمكانة والرفعة.
وكانت تثني عليها بهذا الثناء العجيب بأنها كانت صوامة قوامة، كانت صانعة؛ أي تعمل، تذبغ الجلود وتصنع وتبيع الذي تصنعه، تدبغ الجلود والحياكة إلى آخره، وتبيع حتى تتصدق، لذلك لقبت بأم المساكين. والميزة العظيمة الموجودة عندها هي الديانة، فصلاتها كانت كثيرة، لدرجة أنها كانت تصلي من الليل حتى إذا تعبت تعلقت، حتى أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقطع الحبال «ليصلي أحدكم نشاطه»، فكانت تصلي صلاة طويلة. وكانت كثيرة الصدقة لدرجة أنها كانت تعمل حتى تتصدق. الناس في هذا الباب ينقسمون لأقسام، حتى الذي ينفق منهم من ينفق بناءً على ما...
منهم من يعمل حتى ينفق، وهذا أعلى. فكان الصحابة إذا دعا النبي ﷺ لصدقة، كان بعضهم يذهب ويعمل في السوق حتى يأتي بالمد ويتصدق به، لا يريد أن يفوتوه، وهو ما عنده الآن مال، فيعمل حتى يتصدق.
زينب كانت كثيرة الصدقة وكانت تعمل، وكانت متبذلة كما تقول أمي عائشة. الذي وصف زينب هذا الوصف هي أمي عائشة في صحيح مسلم، فكانت متبذلة يعني كانت تترك التزين، ما كانت تهتم كثيراً بهذا، ومعنى متبذلة أنها كانت جميلة، كانت فائقة الجمال، فالقصد أن زينب كانت بهذه الصورة. وكانت تساميني، أي تنافسني عند النبي ﷺ في المحبة، فكان النبي ﷺ يحب زينب وكذلك يحب عائشة، وكانت عائشة مع زينب أكثر زوجات النبي ﷺ محبة عند النبي ﷺ.
فلما وقعت أمي عائشة وهذا الموقف الذي خُلد وسُطر، وذكرتُ أنا كتبت هذا الكلام قديماً؛ الشخص ما يرتقي في المقامات إلا في مثل هذه الحوادث، الشخص ما يظهر معدنه الأصلي وديانته الحقيقية إلا لما تقع عنده منازعة نفسية قوية، قبل ذلك ما يظهر. لذلك لما جاء رجل عند عمر وقال يثني على شخص، قال: «تجرت معه؟» يعني تعاملت معه بالدينار والدرهم؟ هذا يظهر الإنسان. قال: لا. قال: «سافرت معه؟ رأيت تقلباته؟ هو لما يعصب، لما يغضب؟» قال: لا. قال: «جاورت؟» قال: لا. قال: «إذاً أنت ما تعرفه، أنت رأيته يطأطئ رأسه بالصلاة وأثنيت عليه فقط».
فالقصد أن هنا تظهر المقامات، لما وقعت حادثة الإفك العظيمة الثقيلة جداً على نفس النبي ﷺ، وعلى نفس أمي عائشة، وعلى نفس كذلك الصديق. النبي ﷺ أخذ يستشير، استشار من؟ استشار عليًّا، واستشار زيدًا، واستشار الجارية، واستشار زينب. الآن هذه تعتبر المنافسة بين أم زينب وأم عائشة.
فسألها النبي ﷺ: «ما تقولين يا زينب؟» فقالت: «أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً». وتقول أمي عائشة: «فعصمها الله بالورع»، وفي رواية «بدينها». الدين كان عظيماً جداً، ففي هذه المواقف تظهر هذه الأديان العظيمة. لدرجة أن أختها حمنة في هذه الأمور المتعلقة بالغيرة كانت تدافع عنها لدرجة أنها وقعت في أمي عائشة وجُلدت بمن جُلد من الثلاثة. أما هي صاحبة نفس ما قالت: «أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً»، معاذ الله أن تقول كلمة مثل هذه من أجل أن تستر نفسها، بل حميت بدينها، تقول أمي عائشة: «عصمها الله بالورع» وفي رواية «بدينها».
وقال النبي ﷺ: «أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا». فتقول أمي عائشة: «كنا إذا اجتمعنا نمد أيدينا ننظر أينا أطول يدًا»، وكانت هي قصيرة لم تكن طويلة، فماتت بعد النبي ﷺ بتسع سنوات في سنة عشرين، هي أول زوجات النبي ﷺ وفاةً بعده. قالت: «فعلمنا بأن المراد بالطول هو طول اليد بالصدقة وليس في طول اليد الطول الحسي، إنما طول اليد بالصدقة».
وكانت هي أكثر زوجات النبي ﷺ صدقة، ففازت عند الله سبحانه وتعالى بهذه المقامات العظيمة، واختارها الله سبحانه وتعالى سيد البشر ﷺ لقوة هذه الديانة وعظمة هذه الديانة، فكانت صوامة قوامة كما تقول أمي عائشة، وكانت كثيرة الصدقة، فاجتمعت فيها كثرة الصدقة مع كثرة الصلاة مع كثرة الصيام مع الدين الذي يظهر عند المواقف التي يسقط فيها أكثر الناس لما يكون في موقف فيه منازعة نفسية ويقول كلمة، لكن هنا زينب رضي الله عنها وأرضاها لم تقل شيئاً، إنما ثبتت على دينها وقالت ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وكانت تفاخر أزواج النبي ﷺ باختيار الله سبحانه وتعالى لها وتزويج الله سبحانه وتعالى لها. إذاً هذا الأمر الذي تميزت به رضي الله عنها وأرضاها حتى شرفت بهذا المقام الشريف العالي المنيف، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري