بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اغتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا كرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم في يوم الهمة في موسمه الرابع، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون يوماً ميموناً مباركاً مليئاً بالعلم والنفع والهمة. فهو يوم الهمة. في مثل هذا اليوم أيها الكرام، كنا نعتاد أن نتزاحم على الأبواب، وأن نجلس ننتظر فتحها. كنا نجلس بالمئات، وتكون الأقدام مع الأقدام، ويكون الرجال يأتون بأبنائهم، والنساء يأتون ببناتهن، ويكون المجلس عامراً بالحضور الوجاهي.
ولكن مع ذلك ما زال المجلس باقياً بحمد الله، هي هكذا الدنيا ما بين مد وجزر. تبقى الدعوات تسير إلى الله سبحانه وتعالى، ويبقى طالب العلم يتلمس طريقه في التعلم مهما واجه من صعوبات، ومهما واجه من تعقيدات الحياة وأزماتها، يبقى المجلس قائماً. فلا ينفك عن طلب العلم، ولا ينفك عن أن يبحث عن سبل تعينه على استمراره في عملية التعلم والتحصيل؛ فإن هذا العلم لم يتوقف في يوم من الأيام. ولو أن طالب العلم كلما وجد عقبة في طريقه توقف وملّ وشعر بالفتور واليأس والإحباط، لما حصل هذا العلم إليكم.
فكم مرت على هذه الأمة من أزمات، وكم تلقفتها الفتن، وكم ضيق على أهل العلم، ولكن يبقى هذا العلم يُدرس على ما أتانا الله سبحانه وتعالى من السعة والوقت والجهد وسقف الممكن. دائماً أيها الكرام، استغل سقف الممكن في حياتك، لا تقل هلك الناس؛ فمن قال هلك الناس فهو أهلكهم -على الروايتين- ولكن قل الأمة فيها خير، ونستمر على طلب العلم وتحصيله ونستغل المساحات الموجودة. والله سبحانه وتعالى بإذن الله سيجعل لنا من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً.
كما أنني أراكم أمامي الآن، وكما تتابعونني عبر الشاشات، فإننا موقنون بأن فرج الله قريب، وأن هذا الدين ممكن له، وأن هذا العلم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى لا بد وأن يظهر، هذا وعد نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60].
الحمد لله أننا ما زلنا نستطيع أن نسمع كلام العلماء، ونستطيع أن نتحلق على موائدهم وعلى كتبهم. نعم قد تبعد المسافات قليلاً، لكن الهمم تبقى ملتقية وتبقى عالية، ويبقى الإنسان كما قلنا مستمتعاً منتفعاً؛ يفتح الكتاب ويسمع من المشايخ ويدون التعليقات. فإن هذه التكنولوجيا التي يسرت لنا في زمننا المعاصر هي نعمة من الله سبحانه لمن أحسن استعمالها. هم أرادوا أن يفتنوكم بها، ولكن هذه هي الأداة التي هم صنعوها ليفتنوا بها شباب الإسلام وليضلوك بها، وأنت يمكن أن توجهها بالاتجاه الآخر؛ فتجعلها منبراً لنشر الخير والعلم والدعوة والإصلاح عبر أصقاع العالم اليوم.
نحن هنا، ومن يتابعنا في هذا المجلس هم مئات، بل ربما آلاف يتابعونكم عبر العالم يسمعون وينتفعون ويدونون، ورب مبلغ أوعى من سامع. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في مجلسنا وفي همتنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل؛ فإن الإخلاص هو سبب البركات. الإنسان إذا أخلص لله عز وجل في نيته، وكان مستحضراً في حضوره لهذا المجلس أنه يقيم عبادة لله سبحانه وتعالى في زمن كثرت فيه التوافه والمشغلات، وانشغال الناس بما لا يصلح لهم في دينهم ولا في دنياهم، استعملك الله سبحانه وتعالى في هذا الزمن وفي هذا الوقت وفي هذا الظرف لتسمع كلام الأنبياء وكلام ورثة الأنبياء. والله إن شأنك عظيم بإذن الله إن اختارك الله عز وجل لهذا المقام، وفي مثل أيام اللهو وأيام الغفلة تكون متيقظاً منتبهاً؛ فالحمد لله على هذه النعمة.
احمدوا الله عز وجل، وقدروا نعمة الله عليكم، فإن الله عز وجل اصطفاكم من بين الكثيرين في أزمنة الفتن لتكونوا من أهل هذه المجالس، فالحمد لله. وأعينوا أنفسكم بالإخلاص واستحضار عظيم ثواب هذه المجالس، خاصة الإخوة الذين يتابعون عبر الشاشات؛ ابتعد عن الملهيات، ابتعد عن المشغلات، ابتعد عن الضوضاء، ابتعد عن الهاتف. أقول لك لا تبتعد عن الهاتف لكي ترى، بل أقصد ابتعد عن اللعب بالهاتف؛ لأن بعض الإخوة لما يكون بعيداً يبدأ أي شيء حوله يشغله، ينشغل بكأس الشاي وينشغل بكذا وينشغل بأي تافه وأي اتصال. حاول أن تتجرد في هذا اليوم تجرداً كلياً لهذا العلم الشريف. رزقني الله وإياكم القبول.
نبدأ مستعينين بالله. الرسالة الأولى، والرسالة الأولى رسالة لطيفة خفيفة مهمة مفيدة لأبي عبد الله المنبجي رحمه الله تعالى، وهو من مدينة منبج -وإن كنتم تسمعون بهذه المدينة كثيراً وهي جنوب حلب- فلذلك نُسب إليها. وهو من أسيادنا الحنابلة أيضاً، وتوفي رحمه الله تعالى عام 770 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو عاش في الحقبة التي بعد ابن تيمية وابن القيم رحمه الله تعالى عليه، لكنه استفاد من علومهم، وقد ستجدون كثيراً من النصوص التي يستقيها في هذا الكتاب من شيخ الإسلام وابن القيم ومن أئمة الحنابلة عموماً.
كتاب «تسلية أهل المصائب»، كتاب لكل إنسان يريد أن يتعلم فقه المصيبة. وما هي المصيبة الحقيقية؟ المصيبة في الدين، وكيف يتعامل مع مصائب الدنيا؟ وما هي الأدوات والآلات التي تعين الإنسان على أن يتناغم مع المصيبة -إذا صحت العبارة- أو يتقبلها، ولا تجعل المصيبة مهلكة مفزعة منفرة؟ فهناك أدوات ووسائل في الكتاب والسنة واستنبطها العلماء أيضاً تعين الإنسان على تجاوز المصائب.
ستجدونه في المقدمة يتكلم بالتحديد عن مصيبة فقد الأحبة، خاصة بعد الطاعون الذي حصل ومات فيه الآلاف سنة 765هـ، فهو رأى أنه لا بد أن يتكلم بسبب أن كثيراً من الناس أصبح عندهم أحزان وإشكالات بعد أن فقدوا أحبتهم، فأحب أن يصنف هذه الكتاب وهذه الرسالة لكل إنسان محزون بفقد إخوانه. وحقيقة الموضوع أعم من ذلك؛ نعم وإن كان موضوع الكتاب المصيبة بفقد الأحبة، لكن المادة الموجودة هي لكل مصيبة حقيقة؛ من ذكر المعينات على الصبر، ومن ذكر ما المطلوب من الإنسان فعلاً أن يفعله في لحظة المصيبة، والفرق بين الصبر والرضا، وما الذي يجعل الإنسان في مقام غير الصابر، وما هي الأمور التي تفشلك في هذا المقام، وما هي الأحاديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في ثواب الصابرين الثابتين المرابطين الذين لم تزحزحهم المصائب ولم ترنحهم ولم تبعدهم عن دينهم ولم تجعلهم يجزعون ويسيئون الظن بربهم سبحانه وتعالى.
كل هذه المادة اتركها نتصفحها ونعلق عليها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها.
بسم الله، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال الإمام أبو عبد الله الحنبلي رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. الحمد لله المنفرد بالبقاء والقهر، الواحد الأحد الفرد الصمد، ذي العزة والستر، الذي لا ند له فيبارى، ولا معارض له فيمارى، ولا شريك له فيدار. كتب الفناء على أهل هذه الدار، وجعل عقب الذين اتقوا الجنة، وعقب الكافرين النار. قدر مقادير الخلائق وأقسامها، وبعث أمراضها وأسقامها، وخلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وجعل للذين أحسنوا الدرجات، وللذين أساءوا الدركات، رحمه وعدلا.
أحمده على حلو القضاء ومره، وأعوذ به من سطواته ومكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها لم يزل عظيما عليا، جبارا قهارا قويا، جل عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والظهير، وتقدس عن التعطيل وتنزه عن التمثيل. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعباد، ونقمة على الكفرة من أهل البلاد، فدعا إلى الجنة، وأرشدهم إلى اتباع السنة، وجعل أعلاهم منزلة أعظمهم صبرا، فمن استرجع في مصيبته واحتسبها ذخرا كان له منزلة عالية وقدرا.
هذا ما نسميه نحن براعة الاستهلال؛ وهو أن يشير في مقدمة الكتاب إلى موضوع الكتاب. نحن ما زلنا في الديباجة وفي الشهادة بالله وشهادة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن دائما في أثناء الشهادة إذا أتى بكلمات تدل مثلا على موضوع الكتاب. نحن ما هو موضوع كتابنا؟ في القضاء والقدر والصبر، فلاحظ مثلا في شهادة أن لا إله إلا الله ماذا قال قبلها بالضبط: «أحمده على حلو القضاء ومره وأعوذ به من سطواته ومكره»، يعني إشارة إلى أن القضاء لا يأتي دوما بالجميل، بل يأتي أحيانا بأشياء متعبة. كذلك لما أتى إلى شهادة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وأرشدهم إلى اتباع السنة وجعل أعلاهم منزلة أعظمهم صبرا»، إشارة إلى قيمة الصبر. فهذا كله يسمى براعة الاستهلال، وهو أن المصنف في بداية كتابه وقبل أن يخبر عن مقصود كتابه يشير إلى فكرة الكتاب من خلال كلمات في الديباجة.
قال رحمه الله: «فمن استرجع في مصيبته واحتسبها ذخرا كان له منزلة عالية وقدرا، وكان مقتفيا هديا ومتبعا أثرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته الأخيار، وسلم تسليما كثيرا مستمرا متصلا متعاقبا ما تعاقب الليل والنهار».
قال: «أما بعد، فإن الله تعالى جعل الموت محتوما على جميع العباد، فهو نهاية المرء وغاية الاقتصاد». غاية الاقتصاد يعني غاية الاتجاه، أنت تقصد شيئا تتجه إليه، فغاية ما تقصده هو أنك ستموت، فأنت في هذه الدنيا تقصد وتسير وغايتك أنك تموت.
قال: «من دار الاعتداد قضى، فأسمّ الصحيح وعافى السقيم، وقسم عباده قسمين: طائع واثيم، وجعل مآلهم إلى دارين: دار النعيم ودار الجحيم». فهذا قدر سابق، أن الله سبحانه وتعالى قضى على فلان أنه يسقم وفلان أنه يمرض ثم يعافى، وقسم العباد إلى سعيد وتعيس، وإلى أهل جنة ونار، فكلنا صائر إلى ما كتب له وقدر له.
قال: «فلا مفر لأحد من الموت، ولا أمان»، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. فسوى فيه بين الحر والعبد، والصغير والكبير. سوى فيه أي في الموت، الكل سيموت؛ الحر والعبد، الصغير والكبير، الكل سيموت.
قال: «وكل ذلك بتقدير العليم الخبير، وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، إن ذلك على الله يسير». فالكيس من دان نفسه. والكيس الإنسان الذكي المتيقظ. قال: «من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»، دان نفسه يعني حاسبها قبل أن يأتي الموت.
قال: «والحازم من بادر بالعمل قبل حلول الفوت». هذا الشخص الحازم الذي يبادر الآن بالعمل قبل أن تحين المنية.
قال: «والمسلم من استسلم للقضاء والقدر، والمؤمن من تيقن بصبره الثواب على المصائب والضر». ولما كانت المصائب على اختلاف أنواعها، من موت وغيره من نوائب الزمان، خطبا مؤلما موجعا، وأمرا مهولا مزعجا، وردت الأحاديث والآثار بما لمن أصيب من المقامات المحتسب الصابر عليها ببشارة الجنات. لما أصيب من المقامات يعني وردت الأحاديث والآثار بما لمن أصيب بمصيبة من المقامات عند الله، لكن هذه المقامات إنما تنال إذا صبرت. فالمصائب هي سنة من سنن الحياة، هي هكذا الحياة جبلت على كدر وعلى مصائب، ولذلك كان لابد للشريعة أن تغطي هذا الموضوع بآيات وأحاديث تخبر فيها لما لمن أصيب فصبر من المقامات عند الله، والمحتسب الصابر ما له من البشرى في الجنات.
قال: «بعض السلف قال: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس». أي والله لولا مصائب الدنيا لوردنا يوم القيامة مفاليس بسبب كثرة ذنوبنا وخطايانا، لولا المصائب التي تنقينا أول بأول وتغسل لنا الذنوب لوردنا القيامة وليس عندنا حسنات.
قال: «وما أحسن ما قال الشاعر: المرء رهن مصائب ما تنقضي حتى يوسد جسمه في رمسه». رمسه يعني في قبره. «فمؤجل يلقى في غيره، ومعجل يلقى في نفسه». هذه هي نحن، ما بين مؤجل ومعجل؛ مؤجل يصاب بغيره، ومعجل يصاب في نفسه، هكذا الدنيا.
قال رحمه الله: «فأحببت أن أجمع كتابا مسليا لقلوب المحزونين، مفرجا لكرب الملذوعين، وسميته كتاب تسلية أهل المصائب». وكان سبب تأليف هذا الكتاب أنه وقع طاعون في سنة 750 في رجب، واشتد في آخر شوال وذي القعدة وذي الحجة، وخف في المحرم من سنة 756، ومات فيه.
قال: «ومات فيه الآلاف من الناس، وخلت بيوت كثيرة». يموت الرجل مع زوجته مع أبنائه، وكثير ممن تكلموا في التاريخ عن هذا الطاعون الذي وقع في هذه السنة وكيف كان يموت البيت بأكمله، كيف الكورونا، لكن الكورونا أخف من هذه.
قال: «ومات فيه من الصالحين والعباد خلق كثير، وسميته طاعون الأخيار لكثرة من مات فيه من أخيار الناس، ولكن كان أكثرهم في الأطفال». حتى كان جماعة من أصحابنا ممن لهم عدة من الأولاد، فلم يبق له ولا ولد.
قال: «وكنت قد جمعت كتابا في الطاعون وأحكامه في سنة 756، وهو كتاب حسن». وما نظر أبو عبد الله المنبجي له كتاب في الطاعون وفي أحكامه، وهو من أفضل ومن أحسن الكتب التي صنفت في هذا الموضوع، فهو حقيقة رجل منظم، أبو عبد الله المنبجي الحنبلي كتاباته فعلا.
قال: «ما نظر فيه أحد إلا استحسنه، وقل ما خرج عنه من الأحاديث والآثار والتواريخ، ولكن لم أذكر فيه ما أعده الله للمصابين فيه، فأفردت هذا الكتاب تسلية لمن أصيب بمصائب الدنيا، وما رأيت ولا سمعت أن أحداً لم يصب فيها بمصيبة». أي والله، قال: «ما رأيت أحداً لم يصب في الدنيا بمصيبة».
قال: «وبوبت هذا الكتاب اختصاراً»، يريد أن يقول: هذا الكتاب يحتاجه كل أحد، لأنني لم أرَ أحداً لم يصب، فلا يوجد شخص يقول هذا الكتاب ليس تخصصي، وكل واحد فيكم سيصاب في هذه الدنيا. قال: «وبوبت هذا الكتاب ثلاثين باباً، وها أنا أذكرها، أولاً وبالله أستعين وعليه أتوكل».
الباب الأول: في المصيبة وحقيقتها وما أعد الله لمسترجعها. الباب الثاني: في البكاء على المصيبة وما ذكر العلماء في ذلك. الباب الثالث: في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب. الباب الرابع: في من أصيب بفقد ثلاثة من الولد فأكثر. الباب الخامس: في من أصيب بفقد ولدين. الباب السادس: في من أصيب بفقد ولد واحد. الباب السابع: في ذكر السقط وثوابه وزيارة القبور. الباب الثامن: في تطييب خاطر الوالدين على الأولاد. الباب التاسع: في من مات له طفل رضيع أنه يكمل رضاعه في الجنة. الباب العاشر: في أنه يصلي على كل مولود ويدعى لوالديه.
الباب الحادي عشر: في استحباب اصطناع الطعام لأهل المصيبة. الباب الثاني عشر: في كراهة الذبح عند القبور وصنع الطعام من أهل الميت. الباب الثالث عشر: في الثناء الحسن على الميت وذكر محاسنه والسكوت عن مساويه. الباب الرابع عشر: في فرح العبد وتسليته لكونه من أمة محمد ﷺ. الباب الخامس عشر: في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم. الباب السادس عشر: في وجوب الصبر على المصيبة. الباب السابع عشر: فيما ورد من الصبر على المصيبة. الباب الثامن عشر: في أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة ولا في غيرها.
الباب التاسع عشر: في أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس. الباب العشرون: في الرضا بالمصيبة. الباب الحادي والعشرون: فيما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما. الباب الثاني والعشرون: هل المصائب مكفرات أو مثيبات؟ الباب الثالث والعشرون: في الصبر عن المصاب به بأفعال البر عنه. الباب الرابع والعشرون: في ذكر عمارة القبور. الباب الخامس والعشرون: في أن الله يثبت الذين آمنوا عند المسألة. الباب السادس والعشرون: في اجتماع الأرواح وهيئاتها وأين محلها.
الباب السابع والعشرون: في عدد الشهداء وفضلهم وأنهم أرفع درجات من الصالحين. الباب الثامن والعشرون: في ذكر الصراط ودرجات الناس في المرور عليه. الباب التاسع والعشرون: في ذكر التوحيد. الباب الثلاثون: في فضل الزهد في الدنيا والتسلية عنها والرغبة في الآخرة.
قال رحمه الله: «فهذه نهاية الأبواب، التي بعدها حسن الخطاب، وهي بضاعة أخيك المزجاة، وسلعته المرماء، تعرض عليك وتساق منك إليك، فلقارئه غنمه ولآخيه غرمه، وما أذكره من الترغيب والترهيب من الكتاب والسنة والآثار والتفسير وغير ذلك، بإسناد وغير إسناد غالباً خشية التطويل».
غالباً يذكرها بغير إسناد خشية التطويل، فيذكر عن أبي هريرة قال: «صلى الله عليه وسلم»، أو أحياناً يقول: «صلى الله عليه وسلم» دون أن يذكر الإسناد خشية أن يطيل الكتاب. قال: «ولكنه معزو إلى رواته من حفاظ الإسلام، مشيراً إلى التصحيح والتضعيف في بعض ما أمكن من الأحاديث».
وكان الاجتهاد في ذلك: «أني رأيت يا أخي أنك إذا مت سم أحبابك، وهجرك أصحابك، وأعرض عنك من أنفقت عمرك في محبته وأتعبت نفسك وبدنك في ملاطفته، فهذا لا يخفى عليك ولا على من أُدني فطنة، فإنك إذا أردت أن تعرف صدق هذه المقالة بوجه صحيح وكلام فصيح، فاذكر فعلك فيمن كان يحبك من أب وأم وأخ وصديق، ألست قد سليتهم؟».
يعني نسيتهم، خلص بعد ما يموت والدك ووالدتك، أنت تبكي يوماً، شهراً، شهرين، أو أخاً أو إنساناً عزيزاً، ثم بعد ذلك هناك نعمة هي نعمة النسيان، بها تجف الدموع وتعود أنت إلى الحياة الطبيعية. قال: «ألست قد سليتهم وتبدلت سواهم؟ فكذا أنت بعد موتك». فكذا أنت بعد موتك الناس ستبكي عليك يوماً، يومين، شهراً، شهرين، ثم الله يرحمه ويحسن إليه، وما عاد أحد يتذكرك إلا في المواسم.
قال: «فأردت جمع هذا الكتاب ليكون سبباً لسلو الشخص عن الدنيا، ومرغباً له في الآخرة، فهو بحمد الله فيه من الفوائد». إذاً نستطيع نقول فائدة أخرى ومقصد آخر من تصنيفه للكتاب، هو أنه أراد أن يجعل هذا الكتاب سبباً لتخفيف تعلقك بالدنيا، وتذكيرك أنك مهما أطلت البقاء فيها، في يوم من الأيام ستكون حبيس حفرة تحت الثرى، وينساك الأحبة، ولا تكون إلا مع عملك.
قال: «فهو بحمد الله فيه من الفوائد التي لا يظفر بها في كتاب سواه، فما كان فيه من صواب فمن الله ورسوله، وما كان فيه خطأ فمني ومن الشيطان، والله سبحانه المسؤول أن يوفقني لإتمامه بفضله وامتنانه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به مؤلفه وكاتبه وقارئه وسامعه، إنه سميع قريب، وهو حسبنا ونعم الوكيل».
قال رحمه الله: الباب الأول في المصيبة وحقيقتها وما أعد الله لمسترجعها. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نعم العدلان ونعم العلاوة».
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلق على الآية، لكن الآية كان ينبغي أن يؤتى بها من أولها، هي من عند: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. فالصابر الذي يقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ما هي مكافأته؟ «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة»، فأعطى جائزتين مقابل عملين: الصبر، وقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
جعل مقابل هذين العملين عدلهما ماذا؟ أن عليك صلوات من الله، وهو الثناء عليك في الملأ الأعلى، ورحمة، والعلاوة التي هي الزيادة، كأن يقول لك: أعطيتك حقك وزيادة. وما هي الزيادة؟ ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، فجعل "صلوات ورحمة" هديتين، هي عدل للصبر وقول "إنا لله وإنا إليه راجعون".
واعطاك، علاوة على ذلك، زيادة على ذلك، أن جعلك من المهتدين؛ هكذا عمر قرأ الآية. نعم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نعم العدلان ونعم العلاوة، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة». الآية ذكرها البخاري تعليقًا.
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]. قال علقمة وجماعة من المفسرين: هي المصائب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، والآية في هذا المعنى. ومن يؤمن بالله يعني ومن يؤمن بقضاء الله يهدي قلبه؛ كيف يتصرف في ساعة المصيبة؟
ولذلك قال علقمة وجماعة من المفسرين: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قال: هي المصائب تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله، خلص يعني أنت آمنت بالله وأن الله هو المقدر، وأن الله هو الذي سخر هذه المصيبة لك، فيعلمك الله ويهدي قلبك كيف يتصرف. والتصرف الذي تحتاجه القلوب عند المصائب ما هو؟ هو الرضا، فيعلمك الله ويوجه قلبك إلى الرضا والتسليم.
قال: والآيات في هذا الباب كثيرة. قال أهل اللغة: يقال مصيبة ومصابة ومصوبة، قالوا: وحقيقته الأمر المكروه يحل بالإنسان. وقال القرطبي: المصيبة كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه. قال: يقال إصابة وإصابة ومصابة ومصوبة، والمصيبة واحدة، المصائب والمصوبة بضم الصاد مثل المصيبة، وأجمعت العرب على همز المصائب؛ إذاً تقول مصيبة ومصوبة بضم الصاد.
قال: وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصل المصائب بالهمز صحيح مع أن هذا على خلاف الأصل؛ الأصل أن تكون مصايب وليس بالهمز، لكن العرب السمع مقدم على القياس، الأصل أن تكون مصايب لكن أجمعت العرب على همزها وهكذا نقل عنهم فكانت مصائب؛ لأن الذي يحول الياء في الجمع تحول إلى همزة إذا كانت زائدة في المفرد، تمامًا مثل قلادة وقلائد، فالألف هنا تحولت إلى همزة لأنها أصلاً زائدة، كما قال ابن مالك في الألفية: «والمدُّ زيدَ ثالثًا في الواحدِ .. همزًا يُرى في مثلِ كالقلائدِ»
لكن إذا كانت في المفرد أصلية فالأصل تبقى على صورتها في الجمع، فالآن صاب يصيب الياء أصلية فالأصل تبقى في الجمع مصايب، لكنهم عاملوها معاملة الزائد فقالوا مصائب. يعني هذه فقط قضية لغوية لمن يهتم بهذا.
قال: وأجمعت العرب على همز المصائب وأصلها الواو، وكأنهم شبهوا الأصل بالزائد، وكأنهم شبهوا الأصل الواو الأصلية بالزائد لأن القضية متعلقة بالألف والواو والياء؛ حروف العلة جميعًا. قال: ويجمع على مصاوب وهو الأصل وعلى مصائب. قال: والمصائب الإصابة، إذاً المصيبة تجمع على مصاوب ومصائب، لها جمعان.
قال: وقال الشاعر: سليمٌ إنَّ مصابَكم رجلاً .. أهدى السلامةَ لا أهدى السلامَ. نعم، أهدى السلامة، هذه مشكلة في النسخة؛ ستجدون بعض الأخطاء في التشكيل عند المحقق.
قال: وصاب السهم القرطاس يصيبه صيبًا؛ لغة في إصابة، يجوز أن تقول أصاب السهم القرطاس ويجوز أن تقول صاب السهم القرطاس. قال: والمصيبة النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت وتستعمل في الشر.
وروى عكرمة مرسلاً أن مصباح النبي ﷺ انطفأ ذات ليلة فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: «نعم، كل ما أذى فهو مصيبة». إذا نحن خلاصة ما نريد أن نقوله، بغض النظر عن القضية اللغوية، أن مفهوم المصيبة هو كل ما يؤذي المؤمن، واستشهد على هذا بالحديث المرسل عن عكرمة أن النبي ﷺ انطفأ مصباحه في ليلة من الليالي فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فقيل: مصيبة هي يا رسول الله؟ فقال: «كل ما أذى فهو مصيبة»، حتى ولو كان شيئًا يسيرًا.
فهذا يدل على أن المصيبة ليس من شرطها حتى تسمى مصيبة أن تكون أمرًا عظيمًا. هذه الفكرة التي أريد أن أوصلها؛ هل يجب أن تكون المصيبة شيئًا كبيرًا، أم يمكن أن ينقطع حذاؤك فتعتبرها مصيبة فتقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»؟ ولذلك يقول: المصيبة كل ما أذى الإنسان ولو كان يسيرًا، لكن بالتأكيد هناك صغار المصائب وهناك كبارها.
قال رحمه الله تعالى: وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر الله به من سيئاته». قال: والوصب المرض، والنصب التعب.
وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه، حتى الشوكة يشاكها». حتى الشوكة؛ إذا لاحظ جعل الشوكة هي جزء من المصائب، يعني أنت ماشي في الطريق تصيبك شوكة، لاحظ "ما من مصيبة تصيب"، وذكر حتى الشوكة، إذاً هذا يدل على أن المصيبة تشمل حتى أقل أذى يمكن أن يصيب الإنسان.
قال: وقال الإمام أحمد، حدثنا يونس، قال حدثنا ليث، يعرب بن سعيد، عن يزيد بن عبد الله، عن عمرو بن أبي عمر، عن المطلب، عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به، قال: «لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلا فعل الله ذلك به».
قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت في مصيبتي وقلت: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها»، وفي لفظ: «خيرًا منها»، ثم رجعت إلى نفسي وقلت: من أين خير لي من أبي سلمة؟ معقول ربنا يعوضني أحسن من أبي سلمة؟ أبو سلمة أول من هاجر وصاحب المواقف.
قالت: فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ﷺ -وعدة الوفاء أربعة أشهر وعشرة أيام- قالت: استأذن علي رسول الله ﷺ وأنا أدبغ أيها لي بالجلد، كانت تَدْبُغ جلدًا. قالت: فغسلت يدي من القرض، وأذنت له، فوضعت القرض -وهي المادة التي كانوا يستعملونها في الدباغ- فوضعت له وسادة من آدم حشوها ليف، فقعد. آدم كما قلنا هو الجلد، وحشوها ليف، وهذا كثير على شرحنا، الليف هي تبعت النخيل، الشعر الذي يكون على جذع النخلة كانوا يجمعونه ويصبح مثل الليف يحشون به الوسائد.
قالت: فقعد عليها فخطبني إلى نفسه، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي أن لا...
«تكون بك الرغبة ولكني امرأة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال».
فاعتذرت أم سلمة في البداية من الزواج بهذه العلل الثلاث: أنها عندها غيرة شديدة لا تحب أن يكون لها ضرة، وأنها كبيرة في السن، وأن لها أبناء من زوجها السابق. فماذا عالج النبي ﷺ أو كيف عالج النبي ﷺ الموضوع؟
قال ﷺ: «أما ما ذكرتِ من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنكِ، وأما ما ذكرتِ من السن فقد أصابني مثل ما أصابكِ، وأما ما ذكرتِ فكلنا تقدمنا في السن، وأما ما ذكرتِ من العيال فإنما عيالكِ عيالي». قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ، فقالت أم سلمة: «وأبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه».
إذاً فعلاً هي لما قالت: «وأبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه»، جاء من هو خير من أبي سلمة، وهو رسول الله ﷺ. وقد روي هذا الحديث بطرق في الصحاح والمسانيد وسياتي فيما بعد.
قال: وقد جعل الله كلمات الاسترجاع، وهي قول المصاب: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، ملجأ وملاذاً لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين من الشيطان؛ لئلا يتسلط على المصاب فيوسوس له بالأفكار الرديئة، فيهيج ما سكن، ويظهر ما كمن.
أخوف ما يخاف على المصاب الشيطان أن يتسلط عليك في لحظة المصيبة فيوسوس لك، فيهيج ما سكن، ويجعلك تتذكر الذكريات، ويهيج لك فقد الآباء والإخوة والأخوات؛ فبعض الناس يجزع ويفزع ويبدأ يقنط من رحمة الله ويعترض على الله. فكانت كلمة ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ بلسم الشفاء لكل مصاب.
قال: فإذا لجأ إلى هذه الكلمات الجامعات لمعاني الخير والبركة، فإن قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ توحيد وإقرار بالعبودية والملك. ولما تقول: «إنا لله»، أنت تقر بماذا؟ تقر بأنك وكل إخوانك وكل من مات وكل من سيموت ملك لله سبحانه، ففيها إقرار بالعبودية لله، وأن الله هو المالك لنا ولأجسادنا وأرواحنا.
وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار بأن الله يهلكنا ثم يبعثنا، فهو إيمان بالبعث بعد الموت. إذاً فهي إقرار بالعبودية في قسمها الأول، وإقرار بالدار الآخرة في قسمها الثاني. وقال: وهو إيمان أيضاً بأن له الحكم في الأولى، وله المرجع في الأخرى، فهو من اليقين أن الأمر كله لله، فلا ملجأ منه إلا إليه.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول: ما أمر الله به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها»، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها.
وروى مسلم أيضاً عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال: «قولي: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر له، وأعقبني منه عقبة حسنة». فقلت: «اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبة حسنة». فقلت: «فأعقبني الله من هو خير لي منه»، محمداً ﷺ. هكذا روي بالشك.
و"إذا حضرتم المريض أو الميت" هذا لفظ مسلم، وقد تقدم معنا هذا، فهذا ليس على التخيير، "أو" هنا ليست للتخيير بل هي للشك؛ يعني الراوي شك هل قال: "إذا حضرتم الميت" أم قال: "إذا حضرتم المريض"، فهذا شك وليس تخييراً، وفي النهاية الموضوع قريب إن شاء الله.
قال رحمه الله: وقد تقدم معنا هذا الحديث من طريق أخرى عن ابن سفيينة مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها». قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: «من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ؟»، قال: «ثم عزم الله لي»، فقلتها فتزوجت رسول الله ﷺ. يعني كأنها ترددت أن تقولها، ثم قال: "عزم الله لي" أي أعطاني الهمة فقلتها، فجاءها العوض.
وروى مسلم نحوه من حديث سعيد بن زيد الأنصاري، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن كثير، عن ابن سفيينة، فذكر نحوه. والمقصود أن هذا تنبيه على قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾؛ إما بالخلف كما أخلف الله تعالى لأم سلمة بدل زوجها أبي سلمة رسول الله ﷺ حين تبعت السنة وقالت: ما أمرت به ممتثلة طائعة، إن البر له والخير فيما قاله رسول الله.
فإذاً، فلما قال ربنا: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، بشرهم بماذا؟ أن الله يخلف عليهم مصائبهم، فيعوضهم خيراً مما ذهب. الذين يصبرون، بشرهم بأن الله يخلف لهم مما فقدوا خيراً في الدنيا وثواباً في الآخرة.
وقالت أم سلمة: "ما أمرت به ممتثلة طائعة، إن البر له والخير فيما قاله الله ورسوله، وإن الضلال والشقاء في مخالفة أمره ورسوله". فلما علمت رضي الله عنها أن كل خير في الوجود إما عام وإما خاص فهو من جهة الله ورسوله، وأن كل شر في العالم أو كل شر مختص بالعبد فسببه مخالفة الله ورسوله، فلما قالت هذه الكلمات حصل لها مرافقة الرسول ﷺ في الدنيا والآخرة.
وقد يحصل للعبد بكلمات الاسترجاع منزلة عالية وثواب جزيلاً، كما قال في حديث أبي موسى وسياتي ذكره، وفيه يقول الله تعالى لملائكته ماذا؟ قال عبدي، فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تبارك: «ابنِ لعبدي بيتاً في الجنة وسمه بيت الحمد». وقد تقدم أن الاسترجاع في المصيبة أن قائله ينال من ربه الرحمة؛ الإنسان إذا فقد ابناً له فحمد الله واسترجع، يبني له الله عز وجل بيتاً في الجنة.
قال رحمه الله: «وقد تقدم الاسترجاع في المصيبة، وإن قائلها عليه من الصلوات من ربه والرحمة وهو من المهتدين». وقول عمر: «نعم العدلان ونعم العلاوة»، وإنه أراد بالعدلين الصلوات والرحمة، وأراد بالعلاوة الهداية، والله أعلم، وقيل المراد استحقاق الثواب وتسهيل المصاب وتخفيف الحزن.
قال: «أولئك عليهم صلوات من ربهم»، فالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء. وقال أبو العالية: «صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة». وهناك خلاف في معنى الصلاة من الله؛ فالقول الأول -ذكره المنبجي- أن الصلاة من الله الرحمة، ثم ذكر قول أبي العالية وهي أن الصلاة من الله الثناء على عبده في الملأ الأعلى.
وسيرجح هنا المنبجي فيقول: «وظاهر الآية -والله أعلم- أن الصلاة من الله غير الرحمة؛ لأنه قال: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157]، إذاً الرحمة شيء والصلاة شيء آخر، والعطف يقتضي التغاير». فيكون المنبجي قد رجح قول أبي العالية، وأن الصلاة من الله على عبده هي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، قال: «فإن الله عطف الرحمة على الصلاة، فعلم التغاير»، يعني عرف أن الرحمة من الله غير الصلاة من الله.
فصل: قال في تسلية أهل المصائب بالعلاج الإلهي والنبوي. فالإلهي قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]. هذا هو العلاج الإلهي؛ الله عز وجل في القرآن وجهنا عند المصائب إلى أن نقول -وهذه المقالة تقود إلى أمرين-: أن نصبر، وهذا هو العلاج الإلهي، عليك أن تصبر وتتعلم الصبر، وأن تقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون» إيمانًا وتصديقًا بهذه الجملة، وليس مجرد قول اللسان.
أما العلاج النبوي، قال: «والنبوي قوله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: {إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها} إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها». وقد تقدم أمثال ذلك من الأحاديث.
وقد تضمنت هذه الكلمة «إنا لله وإنا إليه راجعون» علاجًا من الله ورسوله لأهل المصائب، فإنها من أبلغ علاج المصائب وأنفع للعبد في عاجله وآجله، فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.
الأصل الأول: أن يتحقق العبد أن نفسه وأهله وماله وولده ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله الله عند العبد عارية. وهذا الذي دل عليه «إنا لله»؛ كما قلنا قبل قليل إنك أنت وأهلك ومالك وولدك ملك لله على الحقيقة، وقد جعله الله عند العبد عارية، فأولادك هم عارية عندك، وديعة عندك، سيأخذها الله عز وجل متى ما شاء، ومالك وديعة عندك يأخذه الله متى ما شاء، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ عاريته من مستعير.
وأيضًا فإنه محفوف بعدمين: عدم قبله وعدم بعده، وملك العبد له متعة معارة في زمن يسير. وأي شيء أنت تملكه هو محفوف بعدمين؛ فهو قبل أن يوجد عدم، وفي نهايته بعد أن يوجد أيضًا سيعدم، فأي شيء موجود عندك محاط بعدمين: عدم سابق وعدم لاحق، ولا بد تمامًا.
وأيضًا فإنه ليس هو الذي أوجده من العدم، حتى يكون ملكه حقيقة؛ أنت لم توجد ابنك حتى تكون أنت المالك له حقيقة، الله هو الذي خلقه في رحم زوجتك. والمال لست أنت من أوجدته، الله هو الذي ساقه إليك، أنت بذلت السبب، تزوجت واشتغلت، لكن الذي أعطاك النتيجة حقًا هو الله سبحانه، هو الذي خلقها.
وقال: «ولا هو الذي يحفظه من الآفات بعد وجوده، ولا يبقى عليه وجوده»، فليس له فيه تأثير ولا ملك حقيقي، وأيضًا فإنه متصرف فيه بالأمر تصرف العبد المأمور المنهي لا تصرف المالك. ولهذا لا يباح له من التصرفات فيه إلا ما وافق أمر مالكه الحقيقي. أيضًا مما يؤكد أنك لا تملك الأشياء ملكًا حقيقيًا أنك مقيد في تصرفك بأولادك، ومقيد في تصرفك بأموالك بما يريده الله؛ فهل أنت تتصرف بأموالك وأولادك تصرف المالك ملكًا تامًا يفعل ما يشاء؟ كلا والله، بل أنت مقيد في تصرفاتك في أموالك وأولادك، فهذا يؤكد أنك لست مالكًا حقيقيًا وإنما أنت مستعمل فيها.
قال رحمه الله: الأصل الأول إذاً أن يتحقق الإنسان أن أهله وماله وولده ملك لله حقيقة وأنه معه عارية. والأصل الثاني «وإنا إليه راجعون»: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويأتي ربه يوم القيامة فردًا كما خلقه أول مرة، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن يأتيه بالحسنات والسيئات.
فإذا كانت هذه بداية العبد وما خول له فيه ونهايته وحاله فيه، فكيف يفرح العبد بولد أو مال أو غير ذلك من متاع الدنيا، أم كيف يأسى على مفقود؟ ففكره العبد؛ هو يستنكر الفرح الذي يؤدي إلى البطر، يعني كيف يفرح العبد بولد أو مال فرحًا يؤدي إلى البطر وإلى أن يظن أنه مالك حقيقي، وكيف يأسى عليه أيضًا إذا فقد أسيًا يؤدي إلى القنوط من رحمة الله، ففكره العبد في بدايته ونهايته.
هذه خلاصة، يقول لك: هذه الجملة «إنا لله وإنا إليه راجعون» هي تفتح لك باب التفكير؛ ففكرة العبد في بدايته ونهايته من أعظم علاج المصائب. أن تفكر في بدايتك أنك أتيت إلى الدنيا فردًا، وتفكر في نهايتك أنك ستأتي ربك يوم القيامة فردًا. تفكيرك في بدايتك أنك أتيت فردًا، وفي نهايتك أنك ستخرج فردًا، هذا من أعظم علاج المصائب، يَهون عليك؛ باختصار: أنا أتيت للدنيا وحدي وسأخرج وحدي، فإذا فقدت من الأحبة ما فقدت، وإذا فقدت من الأموال ما فقدت، فهذا لا يجعلني أيأس من رحمة الله ولا أجزع، بل أصبر وأتصبر وأتجمل، فهكذا هي الدنيا.
فهذه الأفكار لأنها -سبحان الله- علاج المصائب؛ أنا في اعتقادي هو كيف توجه فكرك عند المصيبة. لماذا فلان يجزع وفلان لا يجزع؟ هو كيف تفكر في لحظة نزول المصيبة؟ في إنسان يستطيع أنه يوجه عقله وقلبه لتفكير صحيح، وفي إنسان لا يفقد توازنه تمامًا فلا يحسن التفكير.
تجزع، والله يعافينا، ونحن إنسان يخشى على نفسه، لا يقول هذا الكلام وهو يظن أن أمورنا طيبة، لا؛ إنسان تخشى على نفسك أحياناً بعض المصائب بتكون أعلى من قدرتك على الاحتمال. فشكل عام، إذاً طريقة معالجة المصائب تتوقف -بعد توفيق الله- على كيف تفكر، فهذه الآيات وهذه الأحاديث وهذه الجمل: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، هي جاءت لتعطيك معاني معينة فكر فيها، في لحظة المصيبة بإذن الله بتهون عليك.
قال رحمه الله: «ومن علاجه أن يعلم علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه». هذا من العلاج النبوي والقرآني أيضاً، غير أن تصبر، وغير أن تقول «إنا لله وإنا إليه راجعون»، أن تؤمن بالقضاء والقدر، أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، إنها قضية منتهية، منها رفعت الأقلام وجفت الصحف.
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]. ومن تأمل هذه الآية الكريمة وجد فيها شفاءً، شفاءً لأدواء المصائب، وكل ما ذكرناه في هذا الفصل فهو في هذه الآية، فتدبر ذلك.
إن الله قال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾، بأمراض أو فقد الأحبة، ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، خلص مكتوبة. يعني ما أصابك لم يكن ليخطئك، طيب لماذا نؤمن بالقضاء والقدر؟ ويجب أن نستحضر أنها مكتوبة وانتهت، لأنك إذا استحضرت أنها مكتوبة ساعدك ذلك لكي لا تأسى على ما فاتك؛ إذا عرفت أن كل شيء مكتوب لن تأسى على ما فات، ولا تفرح بما أتاك، ولا يصيبك بطر بما أتاك لأنك تعلم أنه في يوم من الأيام سيذهب وينتقل، إما أنت تنتقل قبله أو هو ينتقل قبلك، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
قال: «ومن تسلية أهل المصائب أن ينظر المصاب في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ المبارك، فيجد أن الله تعالى أعطى لمن صبر ورضي ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي». إذن مما يسلي أهل المصائب أمرين؛ أولاً أن يعلم أن الله سبحانه سيعطيه من ثواب الصبر على المصيبة ما هو أعظم من فوات تلك المصيبة، يعني أنت مثلاً خسرت مالاً، خسرت عزيزاً على قلبك، ثواب الصبر على هذه المصيبة أعظم بمرات من نفس المصيبة التي حصلت، فتذكر هذا أيضاً.
وفكرة أخرى: أنه لو شاء الله لجعل المصيبة أعظم مما هي عليه؛ يعني أنت خسرت ألفاً، كان ممكن تخسر ألفين، خسرت ولداً، كان بإمكان حادث السير يجعلك تخسر كل أولادك، كان مشكلة مثلاً في عملية معينة أو خسارة عضو، ممكن كان تخسره كله؛ فدائماً تذكر أن المصيبة كان يمكن أن تكون أكبر.
قال: «ومن أنفع الأمور للمصاب أن يتأسى بأهل المصائب». أيضاً هذا طريق آخر للعلاج، أن تتأسى بأهل المصائب وأن تعلم أن في كل وادٍ مصاب، وفي كل بيت ألم؛ لأن الإنسان يتعزى بأهل جنسه، يعني لما يعرف أنه ليس الوحيد المبتلى في هذه الحياة، وهذا فلان فقد وهذا فلان كذا، بتهون عليك، أليس كذلك يا شيخ؟ نعم.
قال: «وليعلم أنه في كل قرية ومدينة، بل في كل بيت، من أصيب؛ فمنهم من أصيب مرة، ومنهم من أصيب مراراً، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت حتى نفس المصاب». لن تنقطع المصائب بل ستأتي على كل أهل البيت حتى تأتيك أنت وتطرق بابك.
قال: «حتى نفس المصاب فيصاب أسوة أمثاله ممن تقدمه، فإنه إن نظر يمينه فلا يرى إلا محنة، وإن نظر يساره فلا يرى إلا حسرة». هي هكذا الدنيا، واضح؟ نعم.
قال رحمه الله: وذكر أبو الفرج ابن الجوزي -بإسناده عن عبد الله بن زياد- قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب أن ذو القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها وبلغ أرض بابل، مرض مرضاً شديداً، فلما أشفق أن يموت، كتب إلى أمه: «يا أماه اصنعي طعاماً واجمعي من قدرتِ عليه، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة». يعني ذو القرنين فيما روي في الكتب -الله أعلم بصحة القصة- حضرته الوفاة، فما أراد أمه أن تفجع به، فأراد أن يسهل عليها تقبل المصيبة، فكتب لأمه رسالة: اصنعي طعاماً واجمعي عليه كل شخص، بس الشرط أنه الذي تريدين عزمه على هذه الوليمة يكون شخصاً لم يصب بمصيبة؛ «ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة»، واعلمي هل وجدت لشيء قراراً باقياً؟ وخيالاً دائماً؟ إني قد علمت يقيناً أن الذي أذهب إليه خير من مكاني.
قال: فلما وصل كتابه صنعت طعاماً وجمعت الناس وقالت: لا يأكل هذا من أصيب بمصيبة، فلم يأكلوه، فعلمت ما أرى. ما جاء أحد على الوليمة؛ عملت طعاماً وعملت وليمة ونادت: هناك وليمة في بيت أم ذي القرنين، لكن ما أحد يأتي إذا كان عنده مصيبة في حياته، فبقي الطعام كما هو، لم يأتِ أحد إلى المنزل؛ لماذا؟ لم تجد إنساناً ما عنده مصيبة. فقالت: من يبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت، عفا الله عليك، سلاماً حياً وميتاً. خلاص، فهمت رسالة ابنها.
قال: «فإذا علم المصاب أنه لو فتش العالم لم يرَ فيهم إلا مبتلى؛ إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، فسُرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل، إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرت يوماً ساءت دهراً، وإن متعت قليلاً منعت طويلاً، وما ملئت دار سروراً إلا ملأتها عبرة». يعني سروراً، إلا ملأتها عبرة، وما عبرة؟ عبرة يعني بكاء؛ فما ملئت دار سروراً إلا وبعد ذلك ستملأها أحزاناً.
قال: «وما حصل للشخص في يوم سرور إلا خبئت له في يوم شرور». قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لكل فرحة ترحى»، وما ملئ بيت فرحاً إلا ملئ حزناً. وقال ابن سيرين: «ما كان ضحك قط إلا كان بعده بكاء». هي الدنيا، لا حزن يدوم ولا سرور ولا بؤس.
عليك ولا رخاء، إذا ما كنت ذا قلب قنوع، فأنت ومالك الدنيا سواء.
فليعلم العبد أن ثواب الصبر والتسليم هو الصلاة والرحمة والهداية، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: 30-31]. وقد تقدم ذلك فيما ضمنه الله على الصبر والاسترجاع.
قال رحمه الله: فما ضمنه الله لك على صبرك واسترجاعك، من أنك تحصل صلاة ورحمة وهداية، هو أعظم من المصيبة. فما ضمنه الله لك من الصبر والاسترجاع أعظم من المصيبة التي حلت بك؛ فقل الحمد لله.
قال: فصل في أن مرارة الدنيا هي حلاوة في الآخرة. قال: ومن تسلية أهل المصائب أن ينظر العبد بعين بصيرته، فليعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة في الآخرة يقلبها الله تعالى، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة في الآخرة. فالالتذاذ بالدنيا سينقلب مرارة يوم القيامة، ومرارة الدنيا وصبرك على لائها ينقلب حلاوة يوم القيامة. هي هكذا الأمور، ينتقل المرء من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة؛ فأيهما تفضل؟ مرارة منقطعة تؤدي إلى حلاوة دائمة، أم حلاوة منقطعة تؤدي إلى مرارة دائمة؟
قال: فإن خفي عليك ذلك، فانظر إلى قول الصادق المصدوق ﷺ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». هذا يؤكد أن الجنة حفت بالمرارات، وحفت النار بالشهوات.
وكذلك قوله في الصحيح: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ».
وهذا المقام تتفاوت فيه عقول الناس وتظهر حقائق الرجال؛ فأكثر أهل زماننا يؤثر الحلاوة المنقطعة على الحلاوة الدائمة التي لا تزول، ولم يحتمل مرارة ساعة لحلاوة الأبد، ولا ذل ساعة لعز الأبد، ولا محنة ساعة لعافية الأبد. فإن الحاضر عنده شهادة والمنتظر غيب، وللأسف أكثر الناس يتعامل فقط مع الحاضر الذي يشاهده، وينسى الغائب الذي هو غيب بالنسبة له.
قال: والمنتظر غيب، والإيمان ضعيف، وسلطان الشهوة حاكم، فتولد من ذلك إيثار العاجلة ورفض الآخرة، وهذا حال النظر الواقع على ظواهر أكثر أهل زماننا في أوائل أمورهم ومبادئها، وما ذاك إلا لحبهم هذه الحياة الدنيا.
قال: وهب بن منبه، كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول: «بحق أقول لكم، إن أشدكم حبا للدنيا أشدكم جزعا على المصيبة». فإذا رأيت الشخص يجزع على المصيبة بشدة، فاعلم أن هذا بسبب تعلقه بالدنيا.
قال رحمه الله: وأما النظر الثاقب الذي يخرق حجب العاجلة ويمحو عواقب الغايات، فله شأن آخر؛ فادعُ نفسك إلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والفوز الأكبر، وما أعده الله لأهل البطالة والإضاعة من الخزي والخسران والعذاب الدائم، ثم اختر أي القسمين أليق بك، وكل يعمل على شاكلته، وكل أحد يذهب إلى ما يناسبه وما هو الأولى به. وهذا نصح أخيك فيما يحسن بك ويسليك.
إن الإنسان البصير الذي نظره ثاقب، لا يقف عند العاجلة وهي الدنيا، بل يخرق حجب العاجلة وينظر إلى العواقب والغايات والمالات والنهايات، فهذا الشخص له شأن آخر؛ لأنه ينظر إلى الآخرة ويرى العواقب والغايات.
قال رحمه الله: ومن تسلية أهل المصائب أن يستعينوا بالله، ويتكلوا عليه، ويتعزوا بعزاء الله تعالى، ويمتثلوا أمره في الاستعانة بالصبر والصلاة، ويعلموا أن الله مع الصابرين، ويطلبوا استنجاز ما وعد الله به عباده على الصبر.
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ألا أحدثكم بحديث لا يحدثكم به أحد غيري؟ كنا عند رسول الله ﷺ جلوسا، فضحك، فقال: أتدرون مما ضحكت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم».
قال: عجبت للمؤمن أن الله عز وجل لا يقضي له قضاء إلا كان خيرًا له. وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده، قال إبراهيم بن داود: قال بعض الحكماء: إن لله عبادًا يستقبلون المصائب بالبشر، قال: فقال أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم.
ثم قال وهب بن منبه: وجدت في داود يقول الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ هَلْ تَدْرِي مَنْ أَسْرَعُ النَّاسِ مَمَرًّا عَلَى الصِّرَاطِ؟﴾، قال: الذين يرضون بحكمي، وألسنتهم رطبة من ذكري.
قال رحمه الله: فالمؤمن الموفق -نسأل الله تعالى حسن التوفيق- من يتلقى المصيبة بالقبول، ويعلم أنها من عند الله لا من عند أحد من خلقه، ويجتهد في كتمانها ما أمكن. ويجتهد في كتمانها، وهي ستأتي معنا فكرة أنك لا تكن دائما إذا نزلت بك مصيبة تتحدث بها أمام الناس وعلى السوشال ميديا وعلى فيسبوك، وكأن العالم كله يجب أن يعرف مصيبتك، فهذا يعني ليس من أمارات الصبر.
كانوا يفضل السلف أن من أمارات الجلد أنك إذا أصبت بمصيبة تكتمها قدر المستطاع إلا من له حاجة في أن يعرفها. فلذلك كان أحدهم عميت إحدى عينيه فلم يعرف بها إلا عندما مات، عاش عمره وإحدى عينيه مفقودة، طبعا هو في الظاهر الناس لا تعرف أن إحدى عينيه لا ترى، لكن كتم هذه المصيبة. وقص على ذلك أناس كثيرون يكتمون مصائبهم.
قال عبد العزيز بن أبي رواد: ثلاثة من كنوز الجنة: كتمان المصيبة، وكتمان المرض، وكتمان الصدقة. المصيبة، شوف، من كنوز الجنة كتمان المصيبة؛ تتعود أنك لا تبح بمصيبتك. وكتمان المرض، وكتمان الصدقة. وقال بعض السلف: ثلاثة يمتحن بها عقول الرجال: كثرة المال، والمصيبة، والولاية؛ ربنا يجعلك واليًا على منطقة ولا شيء.
وقال عبد الله بن محمد الهروي: من جواهر البر كتمان المصيبة حتى يظن أنك لم تسقط. وقال عون بن عبد الله: الخير الذي لا شر معه: الشكر مع العافية، والصبر مع المصيبة.
قال رحمه الله: فصله، من أعظم المصائب المصيبة في الدين، هذه أعظم مصيبة أن تكون مصيبتك في دينك، لذلك دائما من الدعاء: اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا. فهي من أعظم مصائب الدنيا والآخرة، وهي نهاية الخسران الذي لا ربح معه، والحرمان الذي لا طمع معه.
وقد حكى ابن أبي الدنيا عن شريح أنه قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات، وأشكره إذا لم تكن أعظم مما هي، وإذا رزقني الصبر عليها، وإذا وفقني الاسترجاع لما أرجوه فيه من الثواب، وإذا لم يجعلها في ديني.
كيف يفكر شريح لما يصاب بمصيبة؟ كيف يفكر؟ يقول: أحمد الله على أربع شغلات: أولا أنها لم تكن أعظم مما هي عليه، يعني فقط ولد، ليس كل الأولاد مثلا، وأنه رزقني الصبر، ورزقني الاسترجاع، وأنها لم تكن في ديني.
قال: ومن أعظم المصائب في الدين موت النبي ﷺ، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم، لأن بموته ﷺ انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة. كثير من الناس لا يعرف عظم هذه المصيبة، أن الوحي ينقطع عن الأرض، خلاص جبريل ما عاد ينزل بالوحي على الأرض، هذه مصيبة عظيمة جدا لمن يعرف قيمة الوحي.
وقال: وانقطعت النبوات، وكان موته أول ظهور الشر والفساد بارتداد العرب عن الدين، فهو أول انقطاع عرى الدين ونقصانه، وفيها غاية التسلية عن كل مصيبة تصيب العبد، وإذا كانت فيك مصيبة فتذكر مصيبتك بفقد النبي ﷺ.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما فُضت أيدينا من التراب من قبر رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا»، رواه ابن ماجه. ووجدنا أنفسنا لسنا نحن الذين كنا، لأننا قبل النبي ﷺ شيء وبعد وفاته شيء آخر.
وقال: وإذا أردت أن تعلم أن المصيبة به ﷺ أعظم من كل مصيبة حدثت في الدين، فانظر إلى ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي». وهذا من رواية موسى بن عبيدة وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، لكن روى أبو عمر ابن عبد البر بإسناده من حديث عطاء بن أبي رباح مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب»، رواه الحافظ أبو نعيم من هذه الطريق أيضا، ومن طريق أخرى عن مكحول مرسلا نحوه.
ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه موافقا لهذا الحديث حيث يقول: اصبر لكل مصيبة وتجلدِ ... واعلم بأن الدهر غير مخلدِ أوما ترى أن المصائب جمة ... وترى المنية للعباد بمرصدِ من لم يصب مما ترى بمصيبة ... هذا سبيل لست عنه بأوحدِ فإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاجعل مصابك بالنبي محمدِ
اللهم صل وسلم عليه. وفي رواية: وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها، فاذكر مصيبتك بالنبي ﷺ فتنسى مصيبتك التي أنت فيها.
وقال: وإذا أردت أن تعلم تغير الأحوال بموت النبي ﷺ، فاذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]. «أفإن مات أو قتل»؛ «أفإن مات» شرط، أو قتل عطف عليه، والجواب «انقلبتم»، ودخلت ألف الاستفهام على حرف الشرط. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل؟ يقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلب على عقبيه، وقيل المعنى: فعلتم فعل المرتدين.
وروى ابن ماجه من حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: «كان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي لم يعد بصر أحدهم موضعا لم ينظر»، يعني يقول لك كيف الناس؟ مما يؤكد أن المصيبة بفقد النبي ﷺ عالية هي هذه القصة الغريبة، رواها ابن...
جاء في سننه أن الناس في زمن النبي ﷺ كانوا في أعلى درجات الإيمانيات، فكانوا إذا كانوا يصلون لا يعدو أحدهم بصره مكان سجوده، يعني ينظر إلى مكان السجود.
بعد ما مات النبي ﷺ وأصبحنا في زمن أبي بكر، قال: لم يعدو بصر أحدهم موضع قدميه. فتوفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر رضي الله عنه، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدو بصر أحدهم موضع القبلة. وصار الناس في زمن أبي بكر أيضًا، في زمن عمر، يعني عينيهم ممكن تطلع وتنزل في الصلاة، لكن لا يتجاوز أنه موضع القبلة، ما بيروح يمين وشمال في بصره أثناء الصلاة.
قال: فتوفي أبو بكر وكان عمر رضي الله عنه، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعدو بصر أحدهم موضع القبلة. فكان عثمان رضي الله عنه، فكانت الفتنة، فالتفت الناس في الصلاة يمينًا وشمالًا. أما في زمن عثمان رضي الله عنه لما حصلت الفتنة، ضعفوا في الدين وجاء الفساد، فأصبح الناس في الصلاة يلتفتون يمينًا وشمالًا؛ هذه إشارة إلى كيف دين الناس يعني تنازلي، أصبح ما عاد تصاعدي.
قال: وإسناده مقارب. والمقصود أن إسناده مقارب؛ لاحظ هنا تعليقات المنبجي، من جودة كلامه أنه لا يقبل أي حديث، فالرجل له دراية بالحديث فيعطيك الحديث ما درجته حتى من حيث الصحة والضعف، وإنه ممكن يستساغ ولا يستساغ روايته، فهنا وإسناده مقارب عن هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، فيه رجل مجهول طبعًا لكنه معقول.
قال: والمقصود أن المصائب تتفاوت، فأعظمها المصيبة في الدين -نعوذ بالله من ذلك- هي أعظم من كل مصيبة يصاب بها الإنسان. ويؤيد ذلك أنه قد جاء في بعض الآثار أن النبي ﷺ قال: «المسلوب من سلب دينه، والمحروم من حرم الأجر». ثم بعد مصيبة الدين المصيبة في الأنفس، ثم في المال؛ أما المال فيخلفه الله تعالى، وهو فداء الأنفس، والنفس فداء الدين، والدين لا فداء له.
أحسنت، فيقول: المصيبة في المال كأنها وقاية عن المصيبة في النفس، وأن تصاب في نفسك كأنه وقاية عن أن تصاب في دينك، لكن إذا أصبت في دينك، فالدين أعلى شيء؛ لذلك حتى في الضرورات والمقاصد الخمس، ليس أولًا أو أولًا حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ... وهكذا. فالدين إذا ذهب ما في شيء يتقيه، المال إذا ذهب بتقول والله عندي أهلي وديني، أهلك إذا ذهبوا بتقول الحمد لله عندي ديني، طب دينك إذا ذهب إيش ظل عندك؟
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
قال رحمه الله: فصل، ومن أعظم البشارات لمن أصيب بمصيبة فذكرها بعد مدة طويلة فجدد لها استرجاعًا وصبرًا، ما له عند الله من الأجر كلما ذكرها واسترجع.
قال الإمام أحمد في مسنده: "إذا من البشارات للصابرين أنك كلما تذكرت مصيبتك ولو تقادم عهدها، جدد فصبرت واسترجعت، جدد الله لك ثوابًا جديدًا". وكأن المصيبة الآن حصلت.
قال: حدثنا يزيد وعباد بن عباد، قال حدثنا إسنايدي عن الحسين بن علي عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها»، قال عباد: قدم عهدها فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدد الله له عند ذكر ذلك، فأعطاه مثل أجر يوم أصيب بها. رواه ابن ماجه من حديث فاطمة بنت الحسين، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: «من أصيب بمصيبة فليحدث مصيبته فليحدث استرجاعًا وإن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب».
لكن في إسناده ما قال سعيد بن جبير: "ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة"، يعني ما أعطي أحد من الأمم السابقة في ثواب المصائب ما أعطى الله أمة محمد ﷺ، يعني "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ولو أعطي أحد لأعطي نبي الله يعقوب عليه السلام؛ ألم تسمع إلى قوله في فقد يوسف: ﴿يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾. هذه الجملة "إنا لله وإنا إليه راجعون"، يقول سعيد بن جبير: إنها اختباها الله لهذه الأمة، بدليل أن يعقوب لما فقد ابنه ماذا قال؟ ﴿يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾. قال: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الرعد: 24]، ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ هَٰذِهِ ۖ الْجَنَّةِ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ وَعِندَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الرَّحْمَةِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [القصص: 83].
فصل، ومن تسليته ومن تسلية أهل المصائب أن ينظر المصاب ويفرق بين أعظم اللذتين والمتعتين؛ تمتّع الحياة الدنيا الفانية، وتمتّع الدار الآخرة الباقية، ودوامهما لذة، وتمتّع بما أصيب به ولذة تمتعه بثواب الله على قوله وفعله من استرجاع وصبر ونحوه. فإن ظهر له الرجحان فأثِر الراجح فليحمد الله على توفيقه له، وإن أثِر المرجوح من كل وجه فليعلم أن مصيبته في عقله وقلبه ودينه؛ فالذي يقدم الدنيا على الآخرة قدم المرجوحة على الراجح، فهذه مصيبة في عقله وقلبه ودينه.
قال: أعظم من مصيبته التي أصيب بها في دنياه، وأي نسبة بين تمتعه بمحبوبه في هذه الدار التي قال الله تعالى في حقها من أولها إلى آخرها: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77]، وأي شيء حصل له من القليل؛ فمن أثر جزءًا قليلاً من قليل ينفد، على جزء كثير من كثير لا ينفد، فقد اغتيل عقله. شوف العبارة: اغتيل عقله، يعني ما عنده عقل.
قال بعض الحكماء: "يحسب الجاهل الشيء الذي هو ليس شيئًا شيئًا، والشيء الذي هو الشيء حقيقة يحسبه الجاهل لا شيء، ومن لا يترك الشيء الذي هو لا شيء لن ينال الشيء الذي هو شيء". صحيح، ومن لا يعرف الشيء الذي هو الشيء حقيقة لا يترك الشيء الذي هو لا شيء، يريد الدنيا والآخرة، فإذاً هي قولها: شيء شيء. بدك تعرف الذي لا شيء حتى تتركه وتذهب إلى الذي هو شيء، يعني باختصار أن تترك ما لا قيمة له وتذهب إلى ما له قيمة، هي خلاصتها.
ومما يسلي المصاب أيضًا أن يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه هي من عند الله، وأنها بقضائه وقدره، وأنه سبحانه وتعالى لم يقدرها عليه ليهلكه بها ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه ليختبر صبره ورضاه، وشفاته إليه وابتهاله ودعاءه. هذا أيضًا مما يعين على المصائب؛ أن تعلم أن الله جعل الحياة الدنيا على...
المصائب ليمتحنك، وأنت إذا عرفت الهدف من المصيبة؛ هل الله قدر المصائب عبثًا؟ حاشاه سبحانه، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: 7]، ﴿وَنَبْلُوَكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]. قال: فإن وفق لذلك كان أمر الله قدرًا مقدورًا، وإن حُرم ذلك كان ذلك خسرانًا مبينًا.
قال أبو الفرج بن الجوزي: علاج المصائب بسبعة أشياء: الأول: أن يعلم بأن الدنيا دار ابتلاء والكرب، والكرب لا يرجى منه راحة. قال الشاعر: وما استغربت عيني فراقًا رأيته ... ولا علمتني غير ما القلب عالمه فالقلب يعلم ابتداء المصائب قبل أن تعلمها العيون.
الثاني: أن يعلم أن المصيبة ثابتة. الثالث: أن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة. الرابع: أن يعلم أن المصيبة ثابتة، يعني لا مفر منها ما دام الله مقدرها، فهذا يعينك على التسليم، وأن يقدر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة، يعني أنه كما قلنا كثيرًا يمكن أن تكون أكبر من كذا.
رابعًا: النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء؛ كما قلنا أن تتأسى بإخوانك الذين يصابون بمثل بلائك، هذا يعينك، فإن التأسّي... قالت الخنساء: «ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي، وما يبكون مثل أخي». ولكن أعزت النفس بالتأسّي، يعني بتعرفوا قبل أن تسلم لما قالت قصيدتها المشهورة في رثاء أخيها، فقالت إن أتأسى بالناس وهذا الذي يصبرني، وإن كان الناس لا يبكون على مثل أخي، أنا أخي أعلى، ولكن مش مشكلة أتأسى بهم.
وهذا المعنى قد حرمه الله عز وجل؛ شوف هي الفكرة، يقول هذا المعنى: التأسّي بأهل المصائب حرمه الله على أهل النار، يقول لك لو أن أهل النار كانوا يتأسون ببعضهم لخفت عنهم المصيبة قليلاً، فلذلك يروى أن أهل النار كل شخص يكون وحده في العذاب حتى لا يرى غيره فيتأسى بهم. يعني لو أبو جهل شاف هذول، سيقول: يلا بنتصبر مع بعضنا على عذاب جهنم، فازداد عذاب النار عليهم أن حُرموا حتى التأسّي.
قال: فإن المخلدين فيها كل واحد محبوس وحده، فهو يظن أنه لم يبق في النار سواه، وشوف أن يظن أنه كل الناس في الجنة، شوف العذاب حتى في الفكرة؛ النار عذابها مش فقط جسدي بل في عذاب معنوي نفسي، فأسأل الله العافية.
الخامس: النظر في حال من ابتلي أكثر من هذا البلاء فيهون عليه. السادس: رجاء الخلف إن كان من مضى يصح عنه الخلف، كالولد والزوجة؛ رجاء أن يخلفك الله في الدنيا إذا كان الشيء الذي فقدته يرجى منه الخلف، يعني الزوجة إذا ماتت تتزوج غيرها، والولد إذا مات ربنا يقويك إن شاء الله وتجيب غيره. يعني في أشياء إذا فقدت تقبل التعويض، بس في أشياء إذا فقدت لا تقبل التعويض، هذه ترجو ثوابها في الجنة إن شاء الله.
قيل لـلقمان: ماتت زوجتك؟ قال: أتجدد فراشي، يعني يتزوج واحدة جديدة. قال الشاعر: الوصل عزه إلا وصل غانية ... من وصلها خلف من وصلها خلف يعني هل الوصل عزه إلا وصل غانية؟ يعني امرأة جميلة في وصلها، من وصلها خلف، يعني هناك خلف من وصل هذه الغانية في وصل غانية أخرى. يعني هي الفكرة أن في أشياء تقبل التعويض.
السابع: طلب الأجر بالصبر في فضائله وثواب الصابرين وسرورهم في صبرهم، فإن ترقى إلى مقام الرضا فهو الغاية. انتهى كلامه، وقد تقدم معنى ذلك.
وما يلحق بعلاج هذه السبعة أشياء وأمور أخرى. الثامن، وهي من إضافات من يأتي على كلام ابن الجوزي: أن يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خير له، وأن تعلم أن تشديد البلاء يخص الأخيار، أن تعلم أن كلما ازداد البلاء بك فهذا من علامات الأخيار، وأن الله عز وجل جعل بلاء الأنبياء أعلى من بلاء غيرهم.
الحادي عشر: أن يعلم أنه مملوك وليس للمملوك في نفسه شيء. الثاني عشر: أن هذا الواقع وقع برضا المالك سبحانه وتعالى، فيجب على العبد أن يرضى بما رضي به السيد. الثالث عشر: معاتبة النفس عند الجزع، أن هذا الأمر لا بد منه، فما وجه الجزع مما لا بد منه؟ الرابع عشر: أنما هي ساعة، فكان لم تكن، يعني هذا البلاء ساعة وينتهي فكان لم تكن.
لذلك سبحان الله، كثير من الناس اللي تخرج من السجون، اللي يقعد له عشرة و١٥ سنة، أول ما يخرج ذهبت كل الـ١٥ سنة في السجن، يعني ذهب شقاؤها وابتلت العروق وما عاد يشعر بآلام الـ١٥ سنة، فكأنها ساعة. وهذا كثير ممن طال سجنه، اسألوهم تجدون فعلاً أن كل شيء يذهب بمجرد أن يخرج من الباب، أنت تظن أنه سيبقى طول عمره يتذكر، من نعمة الله على الإنسان أنه ينسى المصيبة.
وهذه المعاني قد تقدم، ويناسبها ويأتي ما هو تمم؛ قال: ينبغي للعبد ألا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها، وما استخبر العقل والنقل أخبره بأن الدنيا مارستان المصائب وليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر.
فكل ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب، وعمارتها وإن حسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخلُ من بلل، ومن دخل بين الصفين لم يخلُ من وجل. فالعجب كل العجب ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع! وأعجب منه من يطلب من المطبوع على الضر النفع. الدنيا جُبلت على كدر تطلب منها السعادة الدائمة وهو لا يصلح. قال بعض الأدباء: طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار.
قال أبو الفرج بن الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لما اعترت فيها الأمراض والأكدار، ولم يدق العيش فيها على الأنبياء والأخيار. فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ٣٠٠ عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون ويلقى من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا...
البراري في العيش، الضنك في العيش الضنك، ومحمد ﷺ عليهم أجمعين؛ يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو من أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه. وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره، ولو خلقت الدنيا للذهاب لم يكن حظ للمؤمن منها. وقد قال النبي ﷺ: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فإذا بان أنها دار ابتلاء وسجن ومحن، فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها.
فصل: ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في المصائب المختصة بذات الإنسان، قال: "رأيت جمهور الناس إذا طرقهم المرض أو غيره من المصائب اشتغلوا تارة بالجزع والشكوى، وتارة بالتداوي إلى أن يشتد عليهم، فيشغلهم اشتداده عن الالتفات إلى المصالح من وصية أو فعل خير أو تأهب للموت. فكم ممن له ذنوب لا يتوب منها، أو عنده ودائع لا يردها، أو عليه دين أو زكاة، أو في ذمته مظلمة لا يخطر له تداركها، وإنما حزنه على فراق الدنيا إذ لا هم له سواها، وربما أفاق وأوصى بجور". انتهى كلامه.
بعض الناس لما تنزل به المصائب وتشتد، يكون همه فقط كيف يرفع المصيبة، ولا ينتبه أن هذه المصيبة قد تكون فيها النهاية، ففكر بما هو أهم بالاستعداد للآخرة؛ برد المظالم، ورد الودائع، بالتأهب. لا تفكر فقط كيف تتعالج، فهذا جزء من التفكير، لكن لا يغلب عليك ذلك، لأنه فعلا ممكن تموت وتنتهي القضية.
قال: وسبب ذلك ضعف الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ عَمَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۚ ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾ [طه: 160]. الواحد منهم لا هم له إلا الدنيا ولا يتأسف إلا عليها، والعين المتطلعة إلى الآخرة ضعيفة جدا، وقد عم هذا أكثر الخلق في زماننا، نعوذ بالله من الخذلان.
فينبغي للمتيقظ ألا يتأسف على ما فات، وأن يتأهب في حال صحته قبل هجوم المرض؛ فربما ضاق الوقت عن عمل أو أداء واستدراك أو وصية. فإن لم تكن له وصية في صحته فليبادر في مرضه، وليحذر الجور في وصيته؛ فإنه من المحرمات أن يظلم في الوصية، فيحرم وارثا أو ما شابه ذلك، قال: "فإنه يمنع المستحق ويعطي من لا يستحق". فيحتاج أن يحارب نفسه وشيطانه.
فقد روى أبو داود أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت». ويعلم أيضا أن هذا الواقع من المصائب في نفسه وماله وولده وقع برضا مالكه وخالقه، فيجب على العبد أن يرضى بما يرضى به السيد، ويعاقب نفسه إذا جزعت، ويقول لها: أما علمت أن هذا لا بد منه؟ فما وجه الجزع؟ وإنما هي ساعة كان لم يكن ما كان. ومن تلمح العواقب هان عليه مرارة الدواء، والله تعالى الموفق.
قال بعض السلف: "رأيت جمهور الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجا يزيد على الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت، وهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم؟". قال الشاعر: على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وبشر وأحزان
ثم قال: لعمري إن أصل الانزعاج لا ينكر، إذا الإنسان نزلت فيه مصيبة فانزعج فهذا شيء طبيعي، فيقول: إن أصل الانزعاج لا ينكر؛ لأن الطبع مجبول على الأمن من حلول المنايا، وإنما الإفراط فيه والتكلف. يقول: إن أصل الانزعاج هو أنه إذا نزلت في الإنسان مصيبة فإنه ينزعج، وهذا لا إشكال فيه. وإنما الإفراط فيه والتكلف كمن يخرق ثيابه ويلطم وجهه ويعترض على القدر، وهذا الذي نحن مشكلتنا معه، وهذا الذي نعتبره جزعاً، فإن هذا لا يرد فاقته، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العقوبة.
فإن هذا لا يرد فاقته، لكنه يدل على خور الجازع ويوجب العقوبة. قال: "وليعلم أهل المصائب أنه لولا ألم محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا. فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظا لصحة عبوديته، واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة".
إذا من فوائد المصائب أنها تصحح العبودية، تعرف الإنسان العبودية؛ فربما تصيبها أمراض كالعجب والفتور والملل وأشياء، فتحتاج إلى شيء يرجع لك الصحة الإيمانية، فالبلايا من وظيفتها أن تعيد الصحة الإيمانية.
قال: "فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه". كما قيل: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، ويبتلي الله بعض القوم بالنعم. فلولا أنه سبحانه وتعالى يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء، لطغوا وبغوا وعاثوا في الأرض فسادا. فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر ونهي وصحة وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يسجرها، تمردت وسعت في الأرض فسادا، مع علمهم بما فعل بمن قبلهم.
فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟ ولكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد بعبده خيرا سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ منه الأدواء المهلكة؛ كالعجب والطغيان وما شابه، حتى إذا أذابه ونقاه وصفاه، أهّله لأشرف مراتب الدنيا وهي عبوديته، ورقا لأرفع ثواب الآخرة وهي رؤيته.
فصل: قد يحصل للعابد...
الجاهل بمصيبته من الجزع ما يسوء الناظر إليه، والسامع عنه. ومن الاعتراض على الأقدار، وما ذاك إلا لإدلاله بعبادته؛ أي لإدلاله بعبادته أنه كان يدل على الله بالعبادة، يمنّ على الله بالعبادة ويرى أن له فضلاً أنه: «أنا أتعبدك يا رب». فهذا العابد الجاهل الذي يمنّ على الله بالعبادة في ساعات البلاء، يفشل ويخذله الله.
قال: وما ذاك إلا لإدلاله بعبادته، فإنه قد شهد أن خلقاً كثيراً من أهل الدين والخير عند موت أحبابهم جرى منهم أمور ينكرها العقلاء من الناس؛ فمنهم من خرق ثيابه، ومنهم من لطم خده، ومنهم من اعترض على القضاء والقدر. قال: لا تظن أنك الآن، كونك طالب علم أو ملتزماً، أنك ستثبت عند المصيبة، ولا بد من سلب الستر.
قال ابن الجوزي: رأيت رجلاً كبيراً أعرفه قد قارب الثمانين، وهو من أهل الدين والمحافظين على الجماعة، فمات ولد لابنته، فقال: «ما ينبغي لأحد أن يدعو، فإنه ما يستجيب له». استغفر الله! مات ابن ابنته، فقال: خلص، أنا لا أنصحكم بالدعاء، ربنا ما يستجيب الدعاء، ما في فائدة من الدعاء، مع أنه من أهل المساجد.
ثم قال: «إن عاندنا فيما يترك لنا ولداً». يتكلم عن الله! يقول: إذا ربنا عاندنا، سيخلص على كل أولادنا. هذا كلام إنسان مصلي في المسجد! قال: فعلمت أن صلاته وفعله للخير عادة، فعرفت أنه هذا الرجل ما يصلي بخشوع، يصلي فقط عادة، بدليل أنه فشل في اختبار البلاء.
قال: إنه إنما يعبد الله على جرّ، ثم قال ابن الجوزي: حدثني خالي، عمه محمد بن عثمان، قال: كنت مشداً بقرية التل. هذه غريبة، خاله عمه! المهم، قال: كنت مشداً بقرية التل. قال: فسمعت عن شيخ قد جاوز الثمانين ولا يصلي، وقد كان قبل ذلك كثير الصلاة مع الجماعة وفعل الخير، ثم ترك ذلك. فدعوته، فدعوته تدل أنه كان مسؤولاً في القرية، وقلت: يا شيخ، لمَ لا تصلي؟ فقال: وكيف أصلي؟ وكان لي أولاد فماتوا، وكان لي غنم ففنيت، فأنا ما بقيت أصلي لله ركعة، ما بدي أصلي لربنا ولا ركعة بعد ما ماتوا أولادي وراحت غنماتي. شوف بعض الناس كيف يفكر!
قال: فضربته وطفت به البلد. قال: فضربته وحطيته على حمار وخليته يطوف البلد كلها، لإنزاله عقوبة. قال: فكان بعد ذلك يواظب على الجامع. ما ذكره بعد ما لفّيته على الحمار في البلد صار يمشي مستقيماً. فلا شيء أنفع من العلم، هذه فائدة إخواني؛ مجالس التعلم هذه، أحياناً قد تكثر من العبادة وتقول: أنا يا أخي ما بستفيد من العلم، خلاص خليني أعبد، لكن أحياناً قد تكثر من العبادة لكنك على جهل تعبد الله.
قال: لأن العالم لو حصل له هلع شديد في مصيبته، يعلم أنها ذلة منه، فيدري كيف يتنفس، وكيف يرجع ويصلح خطاه. والعابد الجاهل كلما غاص إلى أسفل يظن أنه صاعد إلى فوق. فإذا امتحن الشخص ينبغي له أن يتداوى بالأدوية الشرعية، فإنه يقال عند الامتحان: يُكرم الشخص أو يُهان.
وقد روى داود عن حسن بن جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال رسول الله ﷺ: «أخبرني جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». فنعوذ بالله من عدم الصبر عند المحنة، ونسأله الثبات في الأمر، فإنه -والعياذ بالله- يُخاف على الشخص من سوء الخاتمة إذا سخط بالقدر ونازع القضاء والقدر. فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
قال رحمه الله: فصل، ينبغي للمصاب بنفسه أو بولده أو بغيرهما أن يجعل في المرض مكان الأنين ذكر الله تعالى والاستغفار والتعبد، فإن السلف رحمهم الله تعالى كانوا يكرهون الشكوى إلى الخلق، وإن كان فيها راحة إلا أنها تدل على ضعف وخور. الشكوى إلى الناس فيها بث للهموم، لكن فيها نوعاً من الضعف، والأصل أن تنشغل بذكر الله.
قال: والصبر عنها دليل قوة وعز. قال: وهي إشاعة سر الله تعالى عند العبد، وهي تؤثر شماتة الأعداء وระمه الأصدقاء. قال الشاعر: لا تشكُ للناس شكواك، كأنك تشيع سر الله..
الله ابتلاك، هذا خلص بينك وبين الله، خله لا تشعه. قال: وهي تؤثر، يعني شكواك وإظهارك الشكوى يجعل الأعداء يشمتون بك. قال: «لا تشكُ إلى صديقٍ حالاً، تأتيك في السراء والضراء، فلرحمة المتوجعين مرارة في القلب مثل شماتة الأعداء». كذلك رحمة الأصدقاء؛ ترى الإنسان العزيز النفس يصعب عليه ذلك، العزيز النفس ما يرضى أن أصدقاءه ينظرون إليه نظرة الحزن والمسكين، الإنسان العزيز النفس ما يحب يشعر حتى أن أصدقاءه ينظرون إليه بالرحمة، أي التي يسمونها الشعور بالشفقة. كثير ناس يقولون لك: لا، أنا ما بدي أحد يشفق علي، شكراً، فعزة نفسه تأبى ذلك.
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده إلى إسماعيل بن عمر قال: دخلنا على ورقاء بن عمر بن عمار وهو في الموت، فجعل يهلل ويكبر ويذكر الله عز وجل، وجعل الناس يدخلون عليه ويسلمون عليه فيرد عليهم السلام. فلما كثروا عليه أقبل على ابنه فقال: «يا بني، اكفني، اكفني، اكفني رد السلام على هؤلاء، لا يشغلوني عن ذكر ربي عز وجل». شوف كيف هو منشغل تماماً، منهمك بالذكر.
وعن أبي محمد الحريري قال: حضرت عند الجنيد قبل وفاته بساعتين، فلم يزل تالياً وساجداً، فقلت له: يا أبا القاسم، قد بلغ ما أرى من الجهد، فقال: «يا أبا محمد، أحوج ما كنت إليه هذه الساعة»، فلم يزل كذلك حتى...
وهذا إخواني من حفظ الله في الرخاء، حفظه في الشدة. يعني واحد يقول: كيف أنا في ساعة الموت أكون بنفسية الجنيد، أنه جالس بذكر وتلاوة وإقبال، ومع أنه في ساعات الموت؟ هذا من حفظ الله في الرخاء؛ حفظه في الشدة.
بدك تعرف أن هذا الرجل في ساعة الرخاء كان معدًا لهذه الساعات. وحتى في القريب، شيخنا الله يرحمه الشيخ صلاح الخالدي، لما في ساعاته الأخيرة كان مشغولًا بتصنيف كتاب، كان مريضًا بالكورونا، وكان في لحظاته وبعد ساعتين أخذوه على المستشفى ومات. تخيل نحن واحد لما يصاب بالكورونا يجلس أسبوعًا بده حدا يحكي معه، الأسبوع الثاني نقاه، الأسبوع الثالث حتى يرجع يقرأ كتاب؛ ليه؟ لأنه في فرق بين إنسان عوّد نفسه على الأشياء النافعة فيعينه الله عليها في ساعة الشدة، وبين إنسان ما أعد نفسه لساعة الشدائد. فهذا أكيد في ساعات الموت وأمراض الموت تجده مفكرًا بالجزع، بالهلع، بالأبناء، بالمال، وكذا. فدائمًا هذه المقامات من أراد الوصول إليها فليجتهد في ساعة رخائه.
وقد روي في حديث أن إبليس لا يكون في حال أشد منه على ابن آدم عند الموت، يقول لأعوانه: «دونكموه، فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه». يعني هي آخر ساعة معكم، إبليس يقول لشبابه الحقوا؛ لأنه إذا مات على التوحيد دخل الجنة.
قال: واعلم رحمك الله أن الأعمال بخواتيمها، فإنه ربما أضله في اعتقاده، ربما حيل بينه وبين التوبة وغير ذلك مما هو محتاج إليه، وربما وقع منه الاعتراض على القضاء والقدر. فينبغي للمصاب بنفسه أو بغيره أن يعلم، أو يعلم لغيره، أنها صبر ساعة، فيتجلد ويحارب العدو بجهده وطاقته، فبصبره تحصل له الإعانة من الله.
ويعلم أيضًا أن الشدة في النزع عليه أو على غيره هي في الغالب من كرامة العبد على الله عز وجل؛ فإن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أشد مرارة الموت». وقول أبي عبيدة: «أخنق خنقك فوعزتك إنك تعلم أن قلبي يحبك». شوف سبحان الله كيف بعضهم تكون نفسيته عالية في ساعات الموت، يعني يقول لملك الموت: أخنق خنقك، يعني اعمل ما تريد، فإنك تعلم أني أحبك.
وقد روى الإمام أحمد عن الوليد بن مسلم بإسناد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «ما أحب أن يهون علي سكرات الموت، فإنه آخر ما يكفر عن المرء المسلم». يعني هي آخر ما يكفر الخطايا، فإنا بدي يشد علي ربي في ساعات الموت حتى تغسل ذنوبي وخطاياي.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد، حدثني معمر قال بإسناده عن إبراهيم النخعي قال: «كان يستحبون للمريض أن يجهد عند الموت». وبإسناده عن ابن عباس قال: «كانوا يستحبون للمريض أن يجهد»، يعني يتعب؛ أنك تتعب عند موتك، ها علامة إيجابية. وبإسناده عن ابن عباس قال: «آخر شدة يلقاها المؤمن عند الموت». وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «مات فلان ولم يعالج». قال الحافظ ابن ناصر: يعني ما تعب، كأن هذه مع علامات استفهام، كأنهم يقولون مات فلان بدون ما يتعب في ساعات الموت، إذاً هو ليس من الأولياء. يعني كأنك بالطبع ما تقدر تجزم، بس هي الفكرة أنه تعبك في ساعات موتك دليل، إن شاء الله، من دلالات صدقك. يعني أنه لم يعالج، لم يخش له في مرضه وعند موته ما يكون كفارة لذنوبه من سكرات الموت.
وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في النزع فقال: «كيف تجدك؟» قال: «أرجو الله وأخاف ذنبي»، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرضى، أو آمنه مما يخاف». فمن خاف الله وحفظه في صحته حفظه سبحانه في مرضه، ومن راقب الله كما قلنا في خطر، حرس الله في حركاته وسكناته؛ يعني من راقب الله في خطر، في الأمور التي لها قيمة.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك». تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وكما في قصة يونس عليه السلام لما تقدم له عمل صالح، قال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]. ولما لم يكن لفرعون عمل خير قط، لم يجد وقت الشدة متعلقًا، فقيل له الآن وقد عصيت قبله وكنت من المفسدين. فيونس في ساعة البلاء كان له رصيد في ساعة الرخاء، ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾، وأما فرعون في ساعة البلاء ما كان عنده رصيد في ساعة الرخاء، فقيل له الآن وقد عصيت قبله. فمن ضيع الله في صحته فإنه يضيع في مرضه، ومن حفظ الله في صحته حفظه الله في مرضه.
فليعلم المصاب أن الجزع لا يرد المصيبة بل يضاعفها، وهو في الحقيقة يزيد في مصيبته. بل يعلم المصاب أن الجزع يشمت عدوه ويسوء صديقه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه، وإذا صبر واحتسب أخزى شيطانه وأرضى ربه وسر صديقه وأساء عدوه، وحمل عن إخوانه وعزاهم قبل أن يعزوه. فهذا هو الثبات في الأمر الديني؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر». فهذا هو الكمال الأعظم؛ لا لطم الخدود، ولا شق الجيوب، ولا الدعاء بالويل والثبور، ولا التسخط على المقدور.
قال بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام. الجاهل ماذا يفعل بعد أيام؟ يصير خلاص: الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل، بعد شهر يتذكر. العاقل في أول يوم من أيام المصيبة يفعل ما يفعله العاقل بعد شهر منها؛ من التصبر والتجلد.
وقال: ومن لم يصبر صبر الكرام، سلى سلو البهائم. يريد بذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وألسن صبر الكرام هو الصبر الذي يكون باختيارك، وأما صبر البهائم فهو أنها بعد فترة، كما قلنا، جبرًا عنها بدها تنسى.
فمن لم يصبر صبر الكرام، سلى يعني نسي المصيبة، لكن كما تنساها البهائم بعد مرور شوط وفترة. وقال الأشعث بن قيس: «إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً، وإلا سلوتك ما تسلو البهائم»، غصباً عنك ستنسى في النهاية، فإن العمر يمضي.
قال: بل يعلم المصاب أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به، ويكفيه من ذلك بيت الحمد الذي يبنى له في الجنة على حمده لربه واسترجاعه على مصيبته؛ فلينظر أي المصيبتين أعظم: مصيبته العاجلة بفوات محبوبه، أو مصيبته بفوات بيت الحمد في الجنة الخلد؟
وفي الترمذي مرفوعاً: «يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض في الدنيا»، لما يرون من ثواب أهل البلاء. وليعلم المصاب الجازع، وإن بلغ به الجزع غايته ونهايته، فآل أمره إلى صبر الاضطرار، الذي هو صبر البهائم الذي حكينا عنه قبل قليل، قال: وهو غير محمود ولا مثاب عليه، فإنه استسلم للصبر وانقاد إليه على رغم أنفه.
قال يحيى بن معاذ: «يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟». فإذا علم الجازع على المصيبة أن الجزع لا يرد ما فات، وأنه يسر الشامت، فأي عقل لمن لم يتفكر في العاقبة، ويذكر ما له في مصيبة أصابت غيره أنها تصيبه في نفسه، وأنه أمر لا بد منه، فليستعد له؟
وكانت امرأة من العابدات بالبصرة تصاب بالمصائب فلا تجزع، فذكروا لها ذلك، فقالت: «ما أصاب بمصيبة فاذكر معها النار، إلا صارت هي عيني أصغر من الذباب». ومما يسلي العبد قول بعض الحكماء: «قد مات كل نبي، وقد مات كل لبيب وفقيه وعالم، فلا تجزع ولا يوحشنك طريق الخلائق فيها»، لا تجزع من طريق الموت، فهي طريق كل الخلائق ممن قبلك مروا فيها.
وقال بعض السلف وقد سأله رجل فقال: عذني. قال: «انظر من عندك إلى آدم، كل هذه القرون، هل ترى منهم عيناً تطرف؟». هل أنت ترى إنساناً منهم الآن؟ قال: «حسبك»، يكفي بهذه موعظة أنك في يوم من الأيام ستكون ذكرى من الذكريات، كما أن المنبر الذي يقص علينا هذا الكتاب هو اليوم ذكرى من الذكريات، فنحن أيها الكرام سنكون ذكرى، فالعاقل سيعجل ويشتغل؛ لأنه يعلم أن يا ابن آدم الحياة أيام تمضي، وأعمار تنقضي، والإنسان بنيان يهدم.
ومما يصلي أهل المصائب أن المصيبة إذا صبر واحتسب وركن إلى كريم رجاء يخلف الله تعالى عليه ويعوضه عن مصابه، فإن الله تعالى لا يخيبه بل يعوضه، فإنه من كل شيء عوض إلا الله تعالى، فما منه عوض، كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إذا ضيعته عوض.
فليعلم أن حظه من المصيبة ما يحدثه له؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، فاختر لنفسك خير الحظوظ أو شرها. فإن أحدثت له سخطاً وكفراً كنت في ديوان الهالكين، وإن أحدثت له جزعاً وتفريطاً في ترك واجب أو فعل محرم كنت في ديوان المفرطين، وإن أحدثت له شكاية وعدم صبر ورضا كنت في ديوان المغبونين، وإن أحدثت له اعتراضاً عليه وقدحاً في حكمته ومجادلة في الأقدار، فقد قرأت باب الزندقة وفتحت لك وولجته، فاحذر عذاب الله يحل بك، فإنه لمن خالفه بالمرصاد.
وإن أحدثت له صبراً وثباتاً لله كنت في ديوان الصابرين، وإن أحدثت له رضا بالله ورضا عن الله وفرحاً في قضائه كنت في ديوان الراضين، وإن أحدثت له حمداً وشكراً كنت في ديوان الشاكرين الحامدين، وإن أحدثت له محبة واشتياقاً إلى لقائه كنت في ديوان المحبين المخلصين.
وفي مسند الإمام أحمد والترمذي من حديث محمود بن لبيد، أن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، ومن جزع فله الجزع».
فانفع الأدواء للمصاب موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له، وإن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب، فمن ادعى محبة محبوب ثم سخط ما يحبه، وأحب ما يسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه وأسخط عليه محبوبه. والدليل على صدقك في محبة الله أن ترضى بما رضي به محبوبك لك، هذه علامة أنك محب صادق. قال أبو الدرداء: «إن الله إذا قضى قضاءً أحب أن يرضى به». وكان عمران بن حصين رضي الله عنه يقول في مرضه: «أحبه إلي».
وقال أبو العالية: «وهذا دواء المحبين وعلاجهم لأنفسهم»، ولا يمكن لكل أحد أن يتعالج به، لأن هذه المرتبة عالية، أن تصل لمرحلة أن تقول: أحب شيء إلي، حتى ولو كان فيه مرضي وهلاك ذريتي، هذه مرتبة الخواص. فانظر هذه الطبقات واختر، فالله يعطينا هناك علاجات كثيرة، اختر العلاج الذي يناسبك، وفق الله وإياك.
وصل نافع لمن نظر فيه، ووارد في من يفرح بالمصائب ويطلبها نظراً إلى ثوابها. قال: روى ابن أبي حاتم بإسناده في تفسيره عن خالد بن يزيد، عن عياض، عن عقبة، أنه مات له ابن يقال له يحيى، فلما نزل في قبره قال له رجل: والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه. فقال والده: «وما يمنعني أن أحتسبه، وكان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات». فهذا رجل صابر راضٍ محتسب، وما أحسن فهمه وحسن تعزيته لنفسه وثقته بما أعطاه الله من ثواب الصابرين.
وعن ثابت قال: مات عبد الله بن مطرف، فخرج أبوه لما قال عن ابنه: «هو من الباقيات الصالحات»، كان زينة في الدنيا والآن هو من الباقيات الصالحات، فأحسن تعزية نفسه لابنه.
فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا وقالوا: إن أبوه خرج بثياب كاملة كما كان يخرج يوميا، ما غير ثيابه وما ترك العطر، فغضب القوم قالوا: يموت ابنك عبد الله وتخرج في مثل هذا مدهنا مسرح شعرك مضبط أمورك! فقال: أفأستكين لها؟ يعني أذل للمصيبة؟ وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها خصالا، كل خصله منها أحب إلي من الدنيا كلها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156].
أفأستكين لها؟ بعد ذلك ثم قال ثابت: قال مطرف: «ما أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا وددت أنه أخذ مني في الدنيا». يعني ما من شيء سأعطاه في الآخرة، ولو كانت كاس ماء أو بريق ماء، إلا أتمنى أنه يؤخذ مقابله في الدنيا؛ يعني إذا حكوا لي هذا كوز الماء بعطيك إياه في الآخرة بس رح نأخذ منك شيء في الدنيا، أقول لهم خذه لأنها دنيا. ما من شيء أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا وددت أنه أخذ مني في الدنيا، رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد.
قال عن محمد بن خلف قال: كان لإبراهيم الحربي ابن، كان له 11 سنة، حفظ القرآن ولقنه من الفقه، جربا كبيرا، قال فمات، فجئت أعزيه فقال: كنت أشتهي موت ابني. هذا غريب، إبراهيم الحربي مات ابنه الذي علمه ورباه وعمره 11 سنة مات صغيرا ثقيلا، فماذا قال إبراهيم الحربي؟ طبعا أنت مش مطلوب منك تفكر بطريقته، لكن فقال: أنا أصلا كنت أتمنى أن يموت. فقالوا له: يعني في واحد يتمنى ابنه يموت؟ قال: إني أشتهي موته. فقالوا له: يا أبا إسحاق، أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا في صبي قد أنجب، يعني صار نجيب، ابنك حافظ القرآن ولقنته الحديث والفقه؟ قال: نعم، رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، حتى نعرف ليش هو حكى كده.
قال: وكان صبيانا بأيديهم قلال فيها ماء، كل واحد حامل له جرة فيها ماء يستقبلون الناس في ساحة المحشر فيسقونهم، وكان اليوم حارا شديدا، فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، فنظر إلي هذا الطفل وقال: أنت لست أبي. هذا كله في الرؤية في النوم. قلت: فما أنتم؟ طيب من أنتم؟ من آبائكم؟ قالوا: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباؤنا، فنستقبلهم الآن ونسقيهم الماء. قال: فلهذا تمنيت موته حتى يكون لي ابن صغير يوم القيامة يسقيني الماء. تمام، كما قلت لك أنت مش شرط تفكر بنفس طريقة، بس خذ التبرير تاعه.
وروى البيهقي بإسناده عن ابن شوذب أن رجلا كان له ابن لم يبلغ الحلم، قال فأرسل إلى قومه: إن لي حاجة، قالوا: نعم، وما هي؟ قال: إني أريد أن أدعو ابني هذا أن يقبضه الله تعالى وتؤمنون على دعائي. هذا مثل صاعدنا، تريدني أدعي أن ابني الآن ربنا يقبضه وأنتم تقولون آمين! فسألوه في ذلك، فأخبرهم أنه رأى في منامه كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة، فأصاب الناس عطش شديد، فإذا الولدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، فأبصرت ابن أخ لي فقلت: يا فلان اسقني، قال: يا عم أنا لا نسقي الآباء. فاحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطا لي، فدعا فآمنوا على دعائه، فلم يلبث الغلام يسيرا حتى مات.
يعني كما قلت هذا مش مطلوب، أحيانا بعض أهل التصوف والزهد فعلوا أشياء ليست هي الأمثل، ودائما علمنا النبي ﷺ: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»، هذا ليس مطلوبا، بس بده يفهمك أن بعض الناس وصلت فيه التفكير لهذه الدرجة. فأنت على الأقل لست مطلوبا تفعل كذا، بل ادع الله يحفظ ولدك وأن يكون قرة عينك في الدنيا والآخرة، لكن إذا حلت المصيبة فلا تقل الصبر مش ممكن، الصبر ممكن بدليل أنه في الناس وصلت لمراحل ليست عم تصبر، لا، هي عم تدعو أن تفقد أولادها من أجل الثواب في الآخرة، فإذا كان الصبر ليس شيئا مستحيلا، لكن الشيء يحتاج إلى تدريب.
نعم، قال وقد روى ابن عساكر بإسناده عن سهيل بن الحنظلية الأنصاري، وكان لا يولد له، فقال: «لأن يولد لي ولد ولو سقط فاحتسبه، أحب إلي من أن يكون لي الدنيا بأجمعها». وكان ابن الحنظلية مما بايع تحت الشجرة. احتسبه، يعني يولد لي ولد ويموت، أحب إليه من الدنيا، فهو كان يتمنى أن يأتيه ولد ويحتسب ميتا، وكان ابن الحنظلية ممن بايع تحت الشجرة.
وذكر ابن عساكر أيضا عن الليث بن سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أن ابنا لعياض بن عقبة حضرته الوفاة وكان عياض غائبا، فقالت أم الغلام: لو كان أبو وهب حاضرا لقرّت عينه، فلما حضرت وفاة عياض بن عقبة قال لأخيه أبي عبيد: يهنؤك الظفر، قد كنت أرجو أن تكون قبلي فاحتسبك. سبحان الله.
فقال أبو مسلم الخولاني رحمه الله: «لأن يولد لي مولود يحسن الله نباته، حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي، يقبضه الله تعالى مني، أحب إلي من أن تكون الدنيا وما فيها لي». شوف هؤلاء الناس كيف يفكرون.
وروي عن الإمام القفالي قال: كان في جوار رجل يابى التزويج، ما بده يتزوج، فلما كان في بعض الأيام استيقظ من نومه في الليل ونادى: زوجوني! زوجوني! فسئل عن ذلك، فقال: لعل الله يرزقني ولدا يقبضه قبل البلوغ. قيل: وكيف ذلك؟ قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت والخلق في الموقف وأنا معهم، وقد كظني هي نفس الفكرة السابقة، وأنه كوز ماء، وأنه قال: لا نسقي الآباء، فكان بده أن يكون له ابن يسقيه في ساعة القيامة أيضا.
قال أبو الحسن المدائري: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال: يا بني كيف تجدك؟ قال: تجدني في الحق. قال: يا بني، لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. فقال: يا أبا، أن تكون في ميزاني بأن تموت قبلي أحب إلي من أني أنا أموت قبلك وتصبر أنت علي، يعني أني أصبر على فقدك أحب إلي من أن أصبر على فقدك.
«أن أنت تصبر على فقدي؟» «نعم». «فقال: يا بني، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب ما أحب».
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن ثابت البناني، أن أصل بن أشيم كان في غزوة له ومعه ابن له، فقال له: «أي بني، تقدم فقاتل حتى أحتسبك»، فحمل مقدمًا يقاتل قبالة أبيه حتى مات، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمع النساء، ثم تقدم صلة فمات صلة رحمه الله فاجتمعت النساء، فقامت امرأته معاذه العذرية فقالت للنساء: «مرحبًا إن كنتن جئتن لتهنئني، مرحبًا بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن». وهذا يدل أن البيت كله بيتربى، كان الأب ولا زوجته ولا ابنه بيت إيمان.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء»، قلت: ثم من؟ قال: «الصالحون»، قال: «إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحتويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». رواه. إن كان أحدهم ليفرح بالبلاء، سبحان الله! بعض الناس من شدة حبه لله ورغبته في الجنة يفرح بالبلاء.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد وابن ماجه في سننه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا بتحريم الحرام، ولا بإضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك». فليس الزهد أن تحرم على نفسك كثيرًا من الأشياء لا تأكلها، أو أن تجمع المال وتجلس مقطوعًا في البيت؛ الزهد ما هو، إنما أن تكون بما في يد الله أوثق مما في يدك، حتى لو كانت معك الآلاف وأنت بما في يد الله أوثق مما في يدك، أنت زاهد.
وقال ابن الجوزي بإسناده: حدثنا أبو الأحوص قال: دخلنا على ابن مسعود رضي الله عنه وعنده بنون له ثلاثة غلمان كأنهم الدنانير، وهذه إشارة أنهم يلمعون، وجوههم مدورة مثل الدينار تضيء، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال: «كأنهم يغبطونني»، قلنا: أي والله كأنكم تغبطونني على هذه الذرية الجميلة، قلنا: أي والله لمثل هؤلاء يغبط المسلم. فرفع رأسه إلى سقف البيت وقد عشش فيه خطاف، فقال: «والذي نفسي بيده، لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم أحب إلي من أن يسقط عش هذا الخطاف وينكسر بيضه»، ثم قال: «ما أصبحت على حال فتمنيت أني على سواها». سبحان الله!
وروي عن هناد بن السري في الزهد عن كثير بن تميم الداري قال: كنت جالسًا مع سعيد بن جبير، فطلع عليه ابنه عبد الله بن سعيد، وكان به الفقه، فقال: إني لأعلم خير حالاته، فقالوا: ما هو؟ قال: «أن يموت فأحتسبه». وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سفيان قال: سمعت سفيان يقول: «ما في الأرض أحب إلي من سعيد، وما في الأرض أحد يموت أحب إلي»، فمات فرأيته يبكي. قال: كنت تتمنى موته؟ قال: أذكر قوله... وفي تاريخ الرقة للحرانية قال: حدثنا أحمد بن بديع قال: حدثنا أبي، قال: سمعته... فبكى.
وسمعت عمر بن ميمون بن مهران يقول: كنت مع أبي ونحن نطوف بالكعبة، فلقي أبي شيخًا فعانقه أبي، ومع الشيخ فتى قريب مني، فقال له أبي: من هذا؟ قال: ابني، قال: فكيف رضاك عنه؟ قال: ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه، إلا واحدة، قال: وما هي؟ قال: «كنت أحب أن يموت وأؤجر فيه». ثم فارقه أبيه، كأنه يقول: والله كنت أتمنى أن تموت يا أبي وربنا يؤجرني فيك! فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا مكحول.
والمقصود أن هذا المقام مقام عظيم شريف لمن يطلب المصيبة ويفرح بها نظرًا إلى ثوابها، وما يفعل ذلك أحد حتى يعلم من نفسه القوة والصبر والجلد والركون إلى دعوى النفس. وما أكثر من أخلف الوعد ونقض العهد! أنت لا تعمل مثل هؤلاء؛ لأن هؤلاء قوم وثقوا بهمتهم وعندهم دراية بمستوى الإيمانيات التي عندهم فصدرت منهم هذه الكلمات، أنت ليس مطلوبًا منك هذا المقام. وما أكثر من عاهد الله: لئن أتانا من فضله لنتصدقن، ولئن ابتلينا لنصبرن، فإذا جاء البلاء نقض عهده ولم يصبر.
فإن الغالب متى ما أظهرت الدعوى وكلت إليها وطولبت، أظهرت الدعوى أنك تدعي أنك تصبر، فتأتيك البلاء فنتأكد من ذلك، فخلك ساكتًا أحسن، وإذا طولبت بتصحيح دعواك تقصر عند الحقيقة وتميل عن تقويم الطريقة. كان سحنون رحمه الله يقول: «قد رضيت ما تقضيه فابتلني بما شئت». هذا مثال على أحد الأئمة، أظنه سحنون أحد فقهاء المالكية، قال: «قد رضيت يا ربي ما تقضيه فابتلني بما شئت»، فابتلاه الله بحصر البول، فما صبر، فكان يدور على الصبيان في الكتاتيب ويقول: «ادعوا لعمكم الكذاب»، لأنه كان يقول: يا رب ابتلينا بما شئت أنا سأصبر، فابتلاه الله بحصر البول فجزع ولم يتحمل، فكان يطوف على الصبيان ويقول لهم: ادعوا لعمكم الكذاب! كان يقول يا رب ابتلينا وسأصبر، فها هو لم يصبر.
لذلك لا تتمنوا لقاء العدو، فالطريقة الكاملة هي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية». ولذلك هذا الذي يعجبني في كلام المنبجي؛ لأن بعض القصاص والوعاظ يجمع كلامًا لكنه لا يعلق، لأن المنبجي يعلمك أن هذا الكلام لا أقوله لك لكي تصبح مثلهم، بل لتسأل الله العافية.
تفهم أنه صبرك على البلاء مش مستحيل، لأنه في ناس كانت تتمناه وترجوه وتكون سعيدة به.
قال: «واعلم أن النية في طلب الولد وفقدِه، وقصد بقائه، إذا صحت النية حصل الثواب الجزيل على النيتين جميعًا؛ على نية طلبك للولد، وعلى نية فقدك له». قال: «لأن الأعمال بالنيات»، فإنه ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «ما من أهل ولا ملد ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: إنا لله وإنا إليه راجعون، إلا عبد الله بن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس». وقال: «وأيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم».
إذًا أنت مثاب على حبك لفقده وعلى حبك لبقائه. فهنا عمر بن الخطاب كان يحب أن يفقد كل أولاده لكي يثاب عليهم، ولكنه ما كان يحب أن يفقد عبد الله بن عمر؛ لأنه رأى أنه من صالح الناس بقاؤه لأنه فقيه وينفع الناس.
قال: «وأيد ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». وفي حديث أنس مرفوعًا: «سبع يجري أجرهن للعبد وهو في قبره بعد موته»، فذكر منها: «أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته».
وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنه، إنه قد سماه النبي ﷺ الرجل الصالح أو العبد الصالح، ولا شك أن العبد إذا حصل له أجر مستمر بعد موته هو أولى من حصول أجر في حياته ثم ينقطع بالموت. أيهما أفضل: أن يكون ابنك صالحًا ويعيش بعدك ويعلم الناس ويستغفر لك، ولا ابن يموت قبلك وأنت بس تحتسبه؟ لا، بالتأكيد أن يكون ابنك صالحًا ويعيش وينفع الناس ويستغفر لك ويدعو لك، هذا شيء أدوم من أنه مجرد أن يموت ابنك وأنت تحتسبه.
قال: «فإن العبد أحوج الناس بعد موته إلى الحسنات، وبموته قد انقطع عمله إلا ما أخبر به الصادق المصدوق في هذا الحديث المتقدم، فطلب الولد وبقاؤه أنفع للعبد فيما فهمت». إذًا فطلب الولد وبقاؤه أنفع مما فعله بعض السلف من طلب الولد ودعاء موته ليحتسب الثواب. فهمت ماذا يقول لك المنبجي؟ يقول: "الأعلى فقهًا أن تطلب الولد وتطلب بقاءه إذا كان صالحًا خيرًا".
قال: «ولكن أولئك لما خالط قلوبهم قوة الإيمان والتصديق بالقضاء والقدر والرضا به برزوا بالقول». أراد أن يعتذر، فالعلماء الذين طلبوا الولد ليفقدوه، قال: هؤلاء من العلماء خالطت قلوبهم قوة إيمان وتصديق ورضا بالقضاء والقدر، فبرزوا بالقول الذي قيل عنهم وإنهم تمنوا الولد ليفقدوه، وقل من يصبر على تحمل البلوى عند الحقيقة. فالمؤمن يقول لك: جزاك الله خيرًا، لا تفعل كما فعلوا، فليس هذا من موطن الاقتداء بهم.
الباب الثاني: قال في البكاء على المصيبة وما ذكر العلماء في ذلك. البكاء أصله: بكى، يقول الجوهري: البكاء يمد ويقصر، فإذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإن قصرت أردت الدموع وخروجها. والبعض فرق بين البكاء والبكى؛ فقالوا: البكاء هو الصوت الذي يكون مع البكاء، وأما البكى بدون همزة فهي الدموع وخروجها.
قال: «وبكيت الرجل وبكيته إذا بكيت عليه». قال الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
وهذا من جهة اللغة، وهو رقة ورحمة في قلوب عباد الله. فالبكاء على الميت في مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة جوازه قبل الموت وبعده، واختاره في مذهب الحنابلة والحنفية. البكاء على الميت جائز قبل أن يموت وبعد أن يموت.
قال: «واختاره أبو إسحاق الشيرازي، وكرهه الشافعي وكثير من أصحابه بعد الموت، ورخصوا فيه قبل خروج الروح». أما عند الشافعية فهو مكروه بعد الموت، خلص أنه بعد الموت عندهم لازم تصبر وما تبكي، ورخص ومباح قبل أن يموت وهو محتضر. وسيُذكر المنبجي الأدلة على أنه مباح بعد الموت وقبل الموت، والنبي ﷺ بكى وذرفت عيناه على موت كثير من أصحابه بعد موتهم، فالصواب قول الجمهور والله أعلم.
قال: «واحتج بحديث جابر بن عتيك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ...». الشافعية بماذا احتجوا على أن البكاء بعد الموت مكروه؟ بحديث جابر بن عتيك. قال: «جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح به»؛ أي أغمي عليه، «فصاح به رسول الله ﷺ فلم يجبه، فاسترجعوا وقالوا: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاحت النسوة وبكين، فجعل بن عتيك يسكتن، فقال رسول الله ﷺ: «دعهن، فإذا وجب فلا تبكين»؛ لأنه ليس قد مات بعد، كان مغمى عليه، فقال: «دعهن الآن يبكين، فإذا وجب»؛ أي إذا مات، «فلا تبكين».
فهم الشافعية من هذا الحديث كراهة البكاء بعد الموت وجوازه في ساعة الاحتضار. قالوا: وما وجوب يا رسول الله؟ قال: الموت. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه». هذا أيضًا دليل آخر للشافعية، حديث أن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه، وسيأتي توجيه هذا الحديث بعد قليل. قالوا: هذا إنما هو بعد الموت، وأما قبله فلا يسمى ميتًا.
وعن ابن عمر أيضًا أن رسول الله ﷺ لما قدم من أحد سمع نساء من بني عبد الأشهل يبكين على هلكاهن، فقال رسول الله ﷺ: «لكن حمزة لا بواكي له»، فجئنا نساء من الأنصار فبكينا على حمزة عنده، فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «ويحهن! إنهن هاهنا يبكين، ما أثقلهن! مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم». رواه الإمام أحمد وابن ماجه. هذا صريح في نسخ الإباحة المتقدمة. الشافعية قالوا: قوله ﷺ: «لا يبكين على هالك بعد اليوم»؛ هذه الجملة تنسخ كل الأحاديث التي فيها جواز أو إباحة البكاء على الميت بعد موته، هكذا يفكر الشافعية.
والفرق بين ما قبل الموت وبعده أن قبل الموت يرجى، فيكون البكاء عليه حذرًا، فإذا مات انقطع الرجاء وأبرم القضاء فلا ينفع البكاء. يعني البكاء قبل الموت يكون لرجاء بقائه.
لكن بعد الموت خلص انتهى، فالبكاء لن يجلب شيئًا، فالأصل أنك تكف عن البكاء هكذا قالوا. احتج الحنابلة والجمهور بماذا؟ قال: احتج أصحابنا ومن قال بقولهم؛ فمن جوز البكاء قبل الموت وبعده: قال جابر بن عبد الله: «أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، فجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي ﷺ: «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه».
شاهد على جواز البكاء بعد الموت، جابر بكى على أبيه بعد الموت وكذلك عمته أيضًا. وعن ابن عمر: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه فوجده في غشية فقال: «قد قضى»، قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: «ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا» وأشار إلى لسانه. رواه البخاري.
ولهذا، إنك تتسخط بلسانك، أما مجرد دموع العين إذا بكيت سواء قبل الموت أو بعده لا يعذب الله بها ولا يؤثمك عليها. قال: رواه البخاري، وهذا لفظه، وهو مسلم، وعنده: وجده في غشية -يعني أغمي عليه- فقال: «قد قضى»، قالوا: لا يا رسول الله.
وهذا من رواية أسامة بن زيد، قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيًا وابنًا لها في سكرات الموت، فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن إن لله عز وجل ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب. فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وانطلقت معهم فرفع إليه صبي ونفسه تقع قاعه في شنه، يعني نفسه تتحرك هكذا كأنها في قربة، وهذا دلالة أنه في سكرات الموت، ففاضت عيناه فبكى النبي ﷺ. قال له سعد بن عبادة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». رواه البخاري.
وعن أنس قال: شهدت النبي ﷺ والنبي ﷺ جالس على القبر، وهذا بعد موتها، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل منكم من رجل لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا، فأنزل في قبرها. لم يقارف يعني لم يجامع زوجته الليلة، وهذا هو المستحب ألا ينزل في دفن الميت رجل قد جامع.
وعن أنس أيضًا قال رسول الله ﷺ: «قريب عهد بالدنيا». وعن أنس أيضًا قال رسول الله ﷺ: «ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم»، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا النبي ﷺ أيضًا تذرفان، وفي لفظ: فأخذه فوضعه في حجره وقال: «يا بني، لا أملك لك من الله شيئًا». فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله أتبكي ومع أنك تنهى عن البكاء؟ قال: «يا ابن عوف، إنها رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم»، ثم أتبعهما بأخرى وقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإني لفرقك يا إبراهيم لمحزون». رواه البخاري ومسلم.
وفي الحديث دليل على البكاء قبل الموت. وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتدرفان». هذا بكاء بعد الموت وهو يرثيهم الآن، فهذه الأحاديث تدل على جواز البكاء قبل الموت وبعده وأنه مباح.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بصوته، فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: «مهلًا يا عمر، ثم إياكن ونعيق الشيطان»، ثم قال: «إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز وجل ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان». رواه البخاري.
لذلك الصواب أن كل حديث ينهى فيه عن البكاء المراد فيه البكاء على الصورة المنهي عنها الذي فيه عويل وصراخ وما شابه ذلك، وأما البكاء الذي هو مجرد دمع العين فلا إشكال فيه.
وعن عائشة رضي الله عنها أن سعد بن معاذ لما مات أحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قالت: فوضيت نفسي بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي. رواه الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي ﷺ: «دعه يا عمر، فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب». وعن أسماء بنت يزيد قالت: لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم، بكى رسول الله ﷺ، فقال أبو بكر أو عمر: أنت أحق من عظم الله حقه، فقال رسول الله ﷺ: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
بعض الصحابة وهذا أكثرهم كان يرى أو يظن أن هناك تعارضًا بين كمال النبوة وبين البكاء على الأموات، فلذلك كثير كان يسألون: يا رسول الله كيف تبكي وأنت رسول الله؟ كانوا يظنون البعض أن هذا نوع من الاعتراض على القدر، فكانوا يعلمهم أنه بالعكس، من الكمال أن تبكي عند فقد الأحبة، ومن الكمال أن تكون لك دموع لأنها تدل على أنك إنسان في قلبك رحمة وليس إنسانًا جلدًا.
وإنما عدم الكمال هو الجزع والصراخ والعويل. قال: ولا نقول ما يسخط الرب، لولا أنه وعد صادق وموعد جامع، وأن الآخرة تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل مما وجدنا، ﴿وَإِنِّي لَكَ لَمَحْزُونٌ﴾ [يوسف: 84]. رواه ابن ماجه.
قال وفي لفظ: «أتبكي؟» أو «أما نهيتنا عن البكاء؟» قال: «ليس عن البكاء نهيت، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين». فجَعَ من البكاء نهيت إنما عن صوتين أحمقين؛ صوت عند نغمة لهو ولعب ورنة شيطان، وهي أصوات المعازف، وصوت عند مصيبة وهو لطم الوجوه وشق الجيوب ورنة شيطان. وهذه الدمعات اليسيرات التي ما فيها هذه الرنات هي رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم. ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْلَا أَنَّهُ عَهْدٌ مِنَّا وَأَنَّ الْآخِرَةَ حَقٌّ لَّا يَسْتَنقِذُوهُ وَإِنَّ الْآخِرَةَ تَابِعَةٌ لِّلْأُولَى لَحَزِنَّا عَلَيْكَ حُزْنًا أَشَدَّ مِمَّا حَزِنْتَ﴾ [إبراهيم: 5].
أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ماتت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بصوته، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثم قال: «مهلاً يا عمر»، ثم قال: «أَبْكِيَا وَإِيَّاكُنَّ نَعِيقَ الشَّيْطَانِ». وبالتالي أجاز لهن البكاء: ابكين، ولكن احذروا من نعيق الشيطان الذي هو الصراخ والعويل.
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: ماتت رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «الحقي بسلفنا الخير». الحقيقي يعني هو يخاطبها خطابًا وجدانيًا؛ الحقي بسلفنا الخير، عثمان بن مظعون؛ لأنه عثمان مات قبلها، وكلاهما مات في أول الهجرة، سواء عثمان بن مظعون هو أول من مات من المهاجرين في المدينة، ثم بعد ذلك ماتت رقية في غزوة بدر، ولذلك عثمان تخلف عنها. وبكت النساء فجعل عمر يضربن بصوته -وتعرف عمر شديد في هذه القضايا- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «دعهن يبكين وإياك ونعيق الشيطان»، ثم قال: «مهما يكن من القلب والعين، عين يعني الحزن الذي في القلب والحزن الذي في العين فمن الله والرحمة، ومهما كان من اليد من الضرب واللسان وهو الشكوى على الله فهذا من الشيطان».
وقعد النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر، وفاطمة إلى جنبه تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها. لما دفنوا رقية، فقد ثبت في حديث موت زينب وحديث رقية بنتي النبي صلى الله عليه وسلم البكاء بعد الموت. وقد جاء في الآثار جمًّا أنه صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل عثمان بن مظعون حتى سالت دموعه على وجهه بعد موته. وتقدمت قصة جعفر وعبد الله بن رواحة لما دعاهما النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وكذلك صح عن أبي بكر أنه قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته عليه الصلاة والسلام وبكى أبو بكر وأبكى، وكذلك بكى علي على النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه الأحاديث كلها دالة على جواز البكاء قبل الموت وبعده من غير كراهة. وما ذكره أصحاب الشافعي ومن قال بقوله من الكراهة بعد الموت مستدلين بما تقدم من أحاديث النهي، فكلها محموله على نوع معين من البكاء، وهو البكاء الذي فيه صراخ وعويل، الذي معه ندب ونياحة. ويؤيد ذلك ما يأتي ذكره من قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، وسنعرف كيف يخرج هذا الحديث، وفي لفظ: «يعذب بما نيح عليه»، والنياحة أعلى من مجرد البكاء.
وأما من ادعى النسخ في حديث حمزة لما قال: «فلا تبكين باكية بعد اليوم»، فلا يصح؛ لأن معنى حديث حمزة السابق: «لا تبكين باكية بعد اليوم»، المراد: لا تبكوا على شهداء أحد فقط، وليس المراد لا تبكوا على ميت على وجه العموم. ويدل على ذلك أن نصوص الإباحة أكثرها متأخرة عن غزوة أحد؛ مثل حديث مؤتة هذا كان بعد أحد، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم على القادة الثلاثة. ومنها حديث أبي هريرة -لأن إسلامه وصحبته كانت في السنة السابعة- ومنها البكاء على جعفر وأصحابه وكان استشهادهم في السنة الثامنة، وكذلك البكاء على زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الثامنة أيضًا، والبكاء على قبر أمه صلى الله عليه وسلم كان عام الفتح.
وأما قولهم: إنما جاز قبل الموت حزنًا في خلاف ما بعد الموت، فجوابه أن الباكي قبل الموت يبكي حزنًا، وحزنه بعد الموت أشد. وهذا منطق المسألة؛ قضية أنه لا تبكي بعد الموت لأنه القضية فرغ منها، فهذا تعليل عليل في اعتقادي؛ لأن الإنسان أيضًا بعد الموت هناك لوعة وهناك حزن على فقد الأحبة. قبل الموت ربما يرتجي، وبعده قد فقدت الرجوى، فبكى لفراقه لا عودة بعده في الدنيا. أن تبكي بعد الموت أحرى من أن تبكي قبل الموت؛ لأنه قبل الموت لا يزال في مجال، أما بعد الموت فقد ذهب. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العين تدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
قال البخاري: قال عمر: «دعهن يبكين على أبي سلمان ما لم يكن نقعًا ولا لقلقة»، والنقع هو إثارة التراب على الرأس كما تفعل بعض الجاهليات، واللقلقة هي الصوت والنياحة أيضًا. وكنا مع النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر فاستدرت فاستقبلته، فإذا هو يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل دموعه الثرى، ثم قال: «إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا». طبعًا يمكن أن يعارض بهذا الحديث أنه بكى لما رأى القبور وليس على ميت، فهذا الحديث فيه نظر من حيث الاستدلال به هنا؛ لأن البكاء في هذا على الموت وعلى المقبرة من خشية الله وليس على ميت.
قال: فصل، وقد ذكر بعض العلماء أن البكاء الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله وأباحه أو أمر به للاستحباب هو البكاء الذي هو دمع العين ورقة القلب ورحمته.
البكاء هو دمع العين. مر معنا في بداية الفصل التفريق الجوهري بين البكاء والبكا، فماذا قلنا؟ إن البكا هو الدموع فقط.
فهنا يقول: روي عن النبي ﷺ ذكر بعض العلماء أن البكاء الذي روي عن النبي ﷺ هو البكا بالقصر الذي هو دمع العين ورقة القلب، وأما الذي نهى عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث فهو البكاء بالمد الذي فيه كما قلنا صوت. البعض يقول النبي عليه الصلاة والسلام فعل البكا ولم يفعل البكاء، وقد فرقنا بينهما، ويشهد لهذا ما كان من العين والقلب من الله، وما كان من الشيطان، ونهى عن رنة الشيطان، وهي رفع الصوت عند المصيبة، وهذا هو البكاء بالمد.
فيقول المنبجي تعليقاً على هذا الرأي: «وهذا وإن كان حسناً لكن يعكر عليه ما حكيناه عن الجوهري أن البكاء يمد ويقصر». والجوهر إذا رجعتم للنص السابق في أول الباب صفحة 49، قال الجوهري: «البكاء يمد ويقصر»، فهو ابتداءً فيه لغتان؛ فهناك من يرى أن البكاء والبكا بنفس المعنى، وهناك من يرى أن البكاء بالمد له معنى والبكا له معنى آخر، فيأتي من يقول: البكاء يمد ويقصر فهو لغتان فلا فرق فيه بين المد والقصر.
وظاهر كلامي أن الجوهري حكى وجهين: الوجه الأول أن البكاء والبكا بنفس المعنى وهما لغتان، والقول الثاني أن البكاء هو الصوت والبكا هي الدموع. فالمنبجي يقول: اعتماد التفريق أن النبي عليه الصلاة والسلام أباح البكا ونهى عن البكاء، يريد تثبيت الفرق اللغوي بين البكاء والبكا، وإلا فالظاهر أنهما لغتان لنفس الدلالة.
ثم قال: «فصل: وليحذر العبد كل الحذر أن يتكلم في حال مصيبته وبكائه بشيء يحبط به أجره ويسخط به ربه فيما يشبه التظلم؛ فإن الله تعالى عادل لا يجور، وعالم لا يضل ولا يجهل، وحكيم أفعاله كلها حكم ومصالح، ما يفعل شيئاً إلا لحكمة، فإنه سبحانه له ما أعطى وله ما أخذ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، وهو الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء، له الخلق والأمر». بل إنما يتكلم بكلام يرضي به ربه ويكثر به أجره ويرفع الله به قدره.
وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده قال: حدثني يونس بن محمد المكي قال: زرع رجل من أهل الطائف زرعاً، فلما بلغ أصابته آفة فاحترق، فدخلنا عليه لنسليه عنه فبكى وقال: «والله ما أبكي عليه، ولكن سمعت الله تعالى يقول: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صَلًى أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [الكهف: 45]، فأخاف أن أكون من أهل هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني».
قال أبو العرب: لما أمر عبيد الله بن زياد بالبلجاء أن يمثلوا بها، جاؤوا ليمثلوا بهذه من أنصار علي بن أبي طالب، وعبيد الله بن زياد زعيم العراق للأمويين أراد أن يقطعها تقطيعاً، تعرفون أن الأمويين كانوا أشداء على أنصار علي رضي الله عنه. جاؤوا ومعهم الحديد والحبال، فقالت: «إليكم، أتكلم بكلام يحفظه عني من سمع؟»، قال: فحمدت الله وأثنت عليه، ثم قالت: «هذا آخر يومي من الدنيا وهو غير مأسوف عليه، وأرجو أن يكون أول أيامي من الآخرة وهو اليوم المرغوب فيه. والله إن علمي بفنائها هو الذي زهدني في البقاء فيها وسهل علي بلاؤها، فما أحب تعجيل ما أخر الله ولا تأخير ما عجل الله، والحمد لله على السراء والضراء وعلى العافية وعلى البلاء، كنت أؤمل في الله ما هو أكثر من هذا».
ثم إنهم قطعوا يديها ورجليها، فجعل الدم لا يرقأ ولسه ما ماتت، فقالت: «حياة كريمة وميتة طيبة لأنني نلت ما أملت يا نفس من جزيل ثواب الله، فقد نلت سروراً دائماً لا يضرك معه كدر». وهي حين قطع يديها ورجليها لم تتكلم، فقيل لها ذلك، فقالت: «شغلني هول المطلع»، أي التفكير في الآخرة عن ألم حديدهم هذا.
ثم أتوا بالنار حتى كوا بها يداها ورجلاها، فلما رأت النار صرخت، فقيل لها: لقطع يديك ورجليك لم تنطقي ولما رأيت النار صرختِ؟ فقالت: «والله ليس من ناركم صرخت، ولا على دنياكم أسفت، ولكنني ذكرت بها النار الكبرى». فكان الذي رأيتم من ذلك فأمر بها فسملوا عينيها ووضعوا مسامير محماة في عينيها، فقالت: «اللهم قد طال في الدنيا حزني فأقر في الآخرة عيني». اللهم إنهم في جهة وهي في جهة ثانية، هم نازلون فيها عذاباً وتقطيعاً وهي في إيمانيات وروحانيات، ثم قالت: «لئن كنت على بصيرة من أمري، إن هذا لقليل في جنبي ما أطلب من ثواب»، فما تكلمت بغيرها حتى ماتت، رحمها الله تعالى.
وكانت البلجاء من شيعة علي رضي الله عنه، وكان قد بلغ الحسن بن علي أن عبيد الله بن زياد يتتبع شيعة علي ليقتلهم، وكان في نوع من الفتك غير المقبول شرعاً ولا أخلاقياً ولا قيماً، لكن هكذا الملك دائماً يفتن العقول، فقالت: «اللهم اقتله وأمتْه حتف أنفه».
وليحذر العبد أيضاً أن يدعو على نفسه، فإن النبي ﷺ قال لما مات أبو سلمة: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون». فاعذر أن تدعو على نفسك عند المصيبة فإن الملائكة تؤمن.
وليعلم أيضاً أن البكاء يضر الحي والميت؛ فإن الحي يخاف على عينيه كما قال الله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]، والميت لا يستريح منه ولا يستريح به، أي الميت يتألم كما سيأتي معنا في قبره لما يرى من بكاء أهله عليه، فلا يستفيد منه أحد. وقد ذكر الحافظ أبو شجاع في رواية الديلمي بإسناده عن علي بن الحسين.
قال بينما داود الطائي جالس مع أصحابه يوما إذ غفى وهو معهم، داود الطائي هذا أحد الزهاد. قال إذ غفى وهو معهم ثم انتبه فقال: أتدرون ما رأيت في نومتي هذه؟ دخلت الجنة فرأيت فيها صبيانًا يلهون بالتفاح، يناول بعضهم بعضًا، وصبي ناحية عنه وصبي ناحية عنهم جالس حزين يرى الانكسار عليه. فقلت: ما بال ذلك الصبي لا يلهو معكم كما تلهون؟ قالوا: ذاك حديث عهد بالدنيا، وأمه تكثر البكاء عليه، فانكساره لكثرة بكائه وأمه عليه.
قال: فقلت: أين منزلهم؟ قالوا: في قبيلة آل فلان. قال: فقلت: من أبواه؟ قالوا: فلان وفلانة. قلت: فما اسمه؟ قالوا: فلان. فقال داود لأصحابه فانطلقوا، فأتوا القبيلة فسألوا عن أبويه، فلقيهما أو لقي أحدهما فقال لهما ما رأى في منامه، فجعلت الأم على نفسها ألا تبكي عليه أبدًا.
قال رحمه الله: وفصل هذا كأنه في استئناس أن الأموات لا يكونون مسرورين إذا وجدوكم يا أيها الأحياء تبكون عليهم. وقال: والبكاء والأسف على من فرط في جنب الله، أو من خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا وهو داخل تحت المشيئة، وعنده من الندامة كأمثال الجبال، ومن الحسرات كعدد الرمال. فإن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، كما أن العافية لا يعرف مقدارها إلا المبتلى، فكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى؛ لأنهم قد ظهرت لهم الأمور وانكشفت لهم الحقائق، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة، إذ ليس ينفق هناك إلا عمل، ولا يروج هناك إلا عمل زكي، ولا يرتفع هناك إلا عبد تقي.
فالمقصر يود لو أنه رُدَّ ليستدرك ما فات، وينظر فيما فرط، والمهمل للعمل بالجملة يكون تمنيه الرجوع أكثر وحرصه على العودة أشد. فالواجب اغتنام الصحة والفراغ، والفراغ المغبون فيه أكثر من كثير من الناس. وإنما يحصل للشخص الحزن والبكاء على من أصيب به لذهوله عما بين يديه من سكرات الموت وغصصه، والانفراد في القبر وحيدًا ذليلًا مستوحشًا، ثم مساءلة منكر ونكير عليهما السلام، وطول مكثه تحت التراب إما منعّمًا وإما معذبًا، ثم من بعد ذلك خروجه من قبره.
هو كان يريد أن يقول في هذا الفصل باختصار: ما في فائدة أن تبكي على الأموات، ابكِ على نفسك، ابكِ على ما فرطت في جنب الله، ابكِ على تقصيرك، ابكِ على ما أنت مقبل عليه من القبر وظلمته ومن منكر ونكير وفتنتهما. هذا ما ينبغي أن يبكي عليه الإنسان، أما الميت الذي مات فبكاؤك لن ينفع شيئًا له.
قال: ثم حسابه بين يدي الله، ووزن أعماله، وتطاير الصحف، والمحاسبة على ما ثقل في الميزان، وأنه وجد ما عمل محصىً محررًا في كتاب ﴿يَغْدِرُ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]، وأنه بين رجاء وخوف، إما لذات اليمين أو لذات الشمال. فلو استشعر المصاب هذه المصائب العظيمة التي بين يديه وهو غافل عنها غير مستعد لها، لشغلته عن مصابه بفقد أحبابه، ولرجع إلى الصبر والرضا بما قدره وأمضاه سبحانه. فإن قدر على نفع ميته به وإلا فلا، إذ لا تنفع الأموات إلا الدعاء والصدقة وإهداء ثواب الأعمال، وإلا فلا تؤذه بما ينهى الشارع عنه من الندب والنياحة ولطم الخدود وشق الجيوب وغير ذلك من الأفعال والأقوال المكروهة التي ذمها السلف والخلف.
قال: والحزن لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، لكن المصيبة من مقامات العبودية، هذه بحثها ابن القيم بتفصيل في مدارج السالكين. قال: الحزن ليس من مقامات العبودية، ليس شيئًا يُمدح عليه الإنسان، بدليل أن الجنة نُفي عنها الحزن، لو كان الحزن مطلوبًا لما دعا أهل الجنة بذهابه. ماذا قالوا في سورة فاطر؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]. لو كان مطلوبًا لما دعوا بذهابه.
قال: لا في المصيبة ولا في غيرها، بل قد نهى الله عنه في كتابه وإن تعلق بأمر الدين، لكن منه محمود ومذموم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]، وقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾، لاحظ نهاهم عن الحزن. وقوله تعالى في حق نبيه محمد ﷺ وأبي بكر إذ يقول لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، ونحو ذلك من الآيات كثير في القرآن. وما ذاك إلا لأن الحزن لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة، فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، ولكن لا يأثم به صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم كما تقدم ذكره من قول أو فعل.
كما قال النبي ﷺ: «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يؤاخذ بهذا»، وأشار بيده إلى لسانه. فدل على أنه لا يأثم إلا إذا اقترن به ما يجلب الإثم، ويؤيده أيضًا قوله ﷺ: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب».
قال مالك بن دينار: القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب، كما أن البيت إذا لم يُسكن خرب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني علي بن مسلم، حدثنا بشار، حدثنا جعفر، حدثنا إبراهيم بن عيسى قال: ما رأيت أطول حزنًا من الحسن، ولما رأيته حسبته حديث عهد بمصيبة. ثم ذكر بسنده عن مالك قال: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]. فكل هذه الأدلة تدل على أنه لا يأثم به صاحبه.
فالبكاء والحزن على الميت على وجه الرحمة والرقة حسن ولا ينافي الرضا والصبر، بخلاف البكاء عليه والحزن لفوت حظ لحظي منه، فإذا اقترن بالحزن ما لا يثاب صاحبه عليه ويُحمد عليه فيكون محمودًا من تلك الجهة لا من جهة الحزن. فالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عمومًا، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتواصيه بإخوانه ومصاب المسلمين، يثاب ليس على الحزن بذاته، لأنه ليس من مقامات العبودية المطلوبة، وإنما على أنك تشعر بإخوانك في غزة في السودان في مناطق الصراع، فأنت لا تثاب على الحزن بذاته، وإنما تثاب على ما الذي هيج هذا الحزن؛ شعورك بإخوانك، فتثاب على هذه المشاعر.
لكن الحزن إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه، فإنه يكون مذمومًا.
ومن الصبر والجهاد وجلب المنافع ودفع المضار، هنا نهي عنه، فيصبح الحزن منهيًا عنه. فالحزن إذا كانت آثاره إيجابية، يدفعك إلى الخير، يدفعك إلى الإصلاح، كأن تحزن على معصيتك أو تحزن على تقصيرك، فهذا حزن إيجابي إذا دفعك إلى الخير والإصلاح. أما الحزن الذي يؤدي إلى نتائج سلبية، فهذا منهي عنه، وكان حسب صاحبه من الإثم.
أما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله به ورسوله، فكان مذمومًا عليه من تلك الجهة، وإن كان محمودًا من جهة أخرى؛ فإنه إن كان المحزون عليه لا يمكن استدراكه، فلم ينفع الحزن، فالعاقل يدفع عن نفسه، ولا يضم إلى مصيبته أخرى، وليعلم أنه سيسلو بعد حين، والله أعلم.
نصلي إن شاء الله، نعطي مساحة للإخوة يتابعونا عبر البث المباشر للصلاة، ونحن هنا نصلي إن شاء الله، ثم نعود إلى المجلس. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.
قال الإمام أبو عبد الله الحنبلي رحمه الله تعالى: الباب الثالث في تحريم الندب والنياحة وشق الثياب. قال: الندب اسم للبكاء على الميت وتعداده وتعداد محاسنه. ومعنى ندب الميت أن تبكي مع تعداد المحاسن والجبلاء والسند. ومن كان هذا تفعله بعض النساء قديمًا.
قال: والاسم الندبة بالضم، وقيل تعداد شمائل الميت، فيقال: وكريماه وجبلاه ولهفاه. والنوح، قال القاضي عياض: هو اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات. وذكر في المغني أنه تعداد محاسن الميت بلفظ الندب، إلا أن يكون بلفظ الواو، وربما زاد فيه الألف والهاء مثل قولهم: ورجلاه وجبلاه، إلا أن يكون بلففظ الواو، وربما زيد فيه الواو في آخره الألف والهاء وسنداه وغوثاه، بتزيد في آخره أيضًا الألف، مثل قولهم: ما رجلاه وجبلاه وانقطاع ظهراه ونحوه. وقال غيره من أهل اللغة: النياحة اسم اجتماع النساء للبكاء على الميت متقابلات، كما ذكر القاضي عياض. والتناوح التقابل، ثم استعمل في صفة بكائهن بصوت ورنة.
ونُدبه. قال: واعلم رحمك الله أن المطلوب في المصيبة السكون، والصبر، والرضا بقضاء الله تعالى، والحمد، والاسترجاع، والصدقة عن المصاب به، والدعاء له. وأما الندب والنياحة وشق الجيوب ورطم الخدود وقول المنكر، فكل هذا ينافي ما ذكر. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على تحريم الندب والنياحة؛ قال في رواية حنبل: «النياحة معصية». وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: إن النوح حرام. وقال أبو عمر بن عبد البر: «أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء».
وقال أبو الخطاب رحمه الله في الهداية: «ويكره الندب والنياحة وخمش الوجوه وشق الجيوب والتخ والتحفي». وقال: وهذا قول ضعيف مصادم لما ورد من السنة. فالقول بالكراهة فقط ضعيف، والصواب التحريم. قال أبو الخطاب: «ويكره الندب»، والندب لا يكره فقط، بل هو حرام.
قال: وذكر الشيخ في المغني: «قال ونقل حرب عن أحمد كلامًا فيه احتمال إباحة النوح والندب»، قال: واختاره الخلال وصاحبه؛ لأن واثلة بن الأسقع وأبا وائل كانا يسمعان النوح ويبكيان. قال: ثم قال: وظاهر الأخبار القول بإباحة الندب، وهذا أبعد وأبعد، والصواب الذي دلت عليه النصوص أنه حرام، وظاهر الأخبار تدل على التحريم. انتهى كلامه.
واستنادهم في ذلك لآثار مروية عن بعض الصحابة والسلف، لا ترد ما ورد في الصحاح والمسانيد من تحريم ذلك. قالوا: روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل أنهما كانا يسمعان النوح ويبكيان. وقد ورد في الصحيح من حديث أم عطية قالت: «لما أنزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ...﴾ [المرأة: 12] إلى قوله: ﴿...وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، كان منه النياحة فنهانا عنها، فبايع النساء على عدم النياحة. فقَبضت امرأة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني، فإنما أريد أن أجزيها».
النساء في الجاهلية كان عندهن نظام المعاوضة؛ أنت تسعدينني، فإذا مات زوجكِ، جئتُ أنا لأسعدكِ، كأنها قضية مبادرة منافع. ففي واحدة لم ترضَ أن تبايع، قالت: يا رسول الله، أنا لا أقدر أن أبايع الآن على عدم النياحة؛ لأنه عليَّ دين لوحدة، أني إذا مات زوجها أذهب لأسعدها. قال: فما قال لها شيئًا، فذهبت، ثم رجعت فبايعت، وفي لفظ صحيح قالت عطية: «يا رسول الله، إلا لفلانة، فإنهم أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي أن أسعدهم»، فقال: «إلا لفلانة».
وهذه كانت الحقيقة، استثناء خاص؛ الصحيح أن هذا كان من خصوصية تلك المرأة، كأبي بردة حين أذل له النبي ﷺ بذبح عنزة مع أنها لم تبلغ السن، وهذا خاص بهذا الصحابي. قال: وهذا خاص بهذه الصحابية فقط.
والجواب عن ذلك أن المرأة التي سكت عنها ذلك خاص بها لوجهين: أحدهما أنها حديثة عهد بالإسلام فربما كان فيه تنفير لها عنه، والثاني أنه قال لغيرها لما سألت عن ذلك: «لا إسعاد في الإسلام»، لأن غيرها من النساء جاء أيضًا يطالب بالإسعاد، فقال: «لا إسعاد». والإسعاد كما قلنا من عادات الجاهلية بين النساء. فإطلاقها لها وحجرها على غيرها يدل على الخصوص، وعلى الرواية الأولى أن امرأة قبضت يدها ولم تبايع إلا بعد الإسعاد، فلا إشكال. وقد حكى بعض المبايعات القصة ولم يستثنوا أحدًا، فما ورد في سنن أبي داود من حديث أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: «كان مما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا ألا نعصيه فيه، ألا نخمش وجهًا، ولا ندعو ويلا، ولا نشق جيبًا، ولا ننتف شعرًا».
إذن، بعض من حكى حديث البيعة لم يستثنِ هذه المرأة، وبعض من حكى استثنى هذه المرأة، فعُموم الأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يجزم على النساء بعدم النوح، وهذا يدل على التحريم.
فصل: في ما ورد من تحريم ذلك وما ورد من الوعيد عليه. قال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من ضرب الخدود وشق...»
وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فأقبل التصريح برنة فلم يستطع أن يرد على شيء. فلما أفاق قال: «إني بريء ممن برئ منه محمد ﷺ، وإن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة».
الصالقة هي التي ترفع صوتها بالبكاء، والحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة. رواه البخاري ومسلم عن الحكم بن موسى، إلا أن البخاري لم يذكر فيه أنه حدث به، بل قال: قال الحكم بن موسى، فهو عنده معلق.
وعن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة ألا ننوح، فما وفّت منا امرأة غير خمس نسوة. يعني أغلب النساء لم يوفين بهذه البيعة وسقطنا في النوح إلا خمس نسوة، فعلا وفين بها ولم ينحن: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي صبرها، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى. يعني خمس نساء نجحن في البيعة الكاملة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعن ألا ينحن. فقلنا: يا رسول الله، إن نساءنا كنّ يُسعدننا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال: «لا إسعاد في الإسلام». رواه الإمام أحمد.
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، إذا لم تتب قبل يوم القيامة، وعليها سربال من قطران ودرع من جرب».
القطران هو النحاس المذاب، والدرع هو مثل الدشداشة أو الثوب يكون من جرب.
وفي حديث جابر في قصة إبراهيم ابن النبي ﷺ، وقد تقدم، وفيه أنه نهى عن البكاء، قال: «ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوش ورنة شيطان». رواه الترمذي.
وكذلك تقدمت قصة قتل زيد بن حارثة وأصحابه من حديث عائشة قالت: لما جاء رسول الله ﷺ قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله ﷺ يُعرف في وجهه الحزن. قالت عائشة: وأنا أنظر إلى من صار الباب شق الباب، فأتى رجل فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر يذكرن بكاءهن، فأمره أن يذهب فينهاهن، فذهب فأتاه فذكر أنهن لم ينتهين، فأمره الثانية أن ينهاهن، فذهب ثم أتاه فقال: والله لقد غلبننا يا رسول الله.
قال فزعمت أن رسول الله ﷺ قال: «اذهب فحثوا في أفواههن التراب». قالت عائشة: فقلت: ارغم الله أنفك! عائشة عصبت على هذا الصحابي؛ يعني جعفر ميت ونساء جعفر يبكين، وهذا الصحابي رايح جاي على النبي ﷺ: يا رسول الله نساء جعفر يبكين عليه، قال: خلص، روح، انههن. رجع الصحابي: يا رسول الله مش راضيات يتركوا! طبعًا النبي ﷺ موجوع، وهذا الصحابي رايح جاي، وعائشة لما رأت كيف النبي ﷺ تعب من هذا الصحابي قالت: ارغم الله أنفك! والله ما تفعل من أمر رسول الله ﷺ، يعني أنت لن تستطيع أن تحثوا التراب في أفواههن، وغلبت النبي ﷺ، رايح جاي أنه يبكين، ما يبكين، خلص خله. قال: «وما تركت النبي ﷺ من العناء». رواه البخاري ومسلم.
وعن عبيد بن عمير عن أم سلمة قالت: لما مات أبو سلمة قلت: غريب وفي أرض غريبة، ألا أبكينه بكاء يتحدث عنه؟ فكنت قد تهيأت للبكاء عليه، إذا أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني، فاستقبلها رسول الله ﷺ، وقال: «أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتاً أخرجه الله منه؟» مرتين، فكففت عن البكاء فلم أبكِ. انفرد به مسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «النياحة على الميت من الجاهلية، فإن نائحة إذا لم تتب قبل أن تموت، فإنها تبعث يوم القيامة وعليها سرابيل من قطران»، ثم يعلى عليها بدرع من لهب من لهب النار. رواه ابن ماجه. يعني هي تلبس زي سراويل من النحاس المذاب والعياذ بالله، هذا محمى بالنار، وكذلك درع من لهب النار.
وعن أبي أمامة أن النبي ﷺ لعن القامئة وجهها، والشاقة جيبها، يعني ثوبها من هنا، هذا يسمى الجيب، والدعوة بالويل والثبور. رواه ابن ماجه، والثبور هو الهلاك، وعن قوله: ﴿دَعُوا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكًا. وعن أبي سعيد الخدري: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة، يعني حتى الذي يستمع للنائحة والجالس معها دون أن ينكر عليها أثمه.
فصل فيما ورد من عذاب الميت: قال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب في قبره بما نيح عليه»، وفي رواية: «يعذب بما نيح عليه وليذكر في قبره». رواه البخاري ومسلم. وقال عن المغيرة بن شعبة قال: بعث النبي ﷺ يقول: «إنه من ينح عليه يعذب بما نح عليه». رواه البخاري ومسلم.
وعن أسيد بن أبي أسيد عن موسى بن أبي موسى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وعضدا ضداها، ونصراه كسباها، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضها، أنت نصيرها، أنت كاسبها». فقال: فقلت سبحان الله! يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15]. فقال: أحدثك عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ وتقول هذا؟ أبو موسى رسول الله ﷺ.
وقيل اعترض على الحديث: أنه كيف الميت يعذب بشيء ليس من كسبه ببكائه ونواحه عليه، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. وسياتي اعتراض أيضًا عائشة على...
ابن عمر في هذا الحديث، كيف يعذب الميت بشيء لم يفعله هو، وإنما فعله أهله الأحياء؟ فقال له رجل: أتظن أن أبا موسى كذب على رسول الله؟ والله ما كذب أبو موسى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ستأتي معنا المعارضة.
بسم الله. أكلم شيخ، قال رحمه الله تعالى: قوله «اللزّ»؛ قال: اللز هو الدفع بجميع اليد في الصدر. قال رحمه الله تعالى: فصل، وليعلم أن البكاء المجرد ليس فيه منفعة للميت البتة، وإنما ينفعه عمله، كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله». وفي الصحيح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». قال: فلا منفعة للميت بالبكاء والانزعاج.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: أما بعد، فإني رأيت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجًا يزيد على الحد، كأنهم علموا أن الدنيا إذا وضعت على ذا وضعت. وهل ينتظر الصحيح إلا السقم، والكبير إلا الهرم، والموجود سوى العدم؟ كما قيل: إذ على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة، وميت وميت، ومولود وبشر وأحزانه.
قال: وما أحسن ما روي عن بعض السلف أن رجلًا جاءه وهو يأكل طعامًا، فقال له: مات أخوك، أعظم الله أجرك فيه. فقال: اقعد وكل. فقال: علمت ذلك! فقال: أما أعلمك؟ وما سبقني أحد وقد علمت ذلك. قال: طب، من أعلمك أنه أخوك مات وما سبقني أحد؟ أنا أول واحد خبرتك، أعلمني الله. قال سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: 35]، يعني كأنه يقول سيموت سيموت.
ثم قال: والعمر أن أصل الانزعاج لا ينكر، إذًا الطبع مجبور على الجزع من حلول المنايا، وإنما ينكر الإفراط فيه والتكلف. الجملة التي مرت معنا قبل قليل هي نفسها: «وإنما ينكر الإفراط فيه والتكلف»، أنا هذا الذي أعتقده، كمن يخرق ثيابه ويلبس الثياب المرذولة عند موت قريبه، ويلطم وجهه ويعترض على القدر، وهذا ومثله وأكثر منه لا يرد فائقًا، لكنه يدل على خور الجاسع ويوجب العقوبة مع ما يفوته من الأجر والثواب.
قال بعض الحكماء: إذا كان الصبر محمودًا عند المصائب، ومرغوبًا فيه عند حلول النوائب، فالجزع مذموم بكل مقال وصاحبه ملوم في كل حال، فتعجل المحمود عند العقلاء أحسن، وتجنب المذموم من الخصال أزين.
فصل: وفي بعض ما تقدم من أحاديث النهي عن هذه كفاية لمن تدبرها. وكيف لا تكون هذه الخصال القبيحة منهيًّا عنها وهي مشتملة على التسخط على الرب عز وجل، والفعال لما يشاء، الحاكم بما يريد، المتصرف في عبيده بما يختار من موت وغرق وحرق وغير ذلك مما قضاه وقدره وأمضاه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. بل فعل النوح، وشق الثياب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، ونبش الشعر ونتفه، والتحفي، وتسويد الوجه والبدن، والدعاء بالويل والثبور، بأن يمشي حافيًا، والدعاء بالويل والثبور، وبغير ذلك من الأقوال والأفعال المنكرة التي ورد الشرع بالنهي عنها وذم فاعلها.
إن فاعلها شرع في الدين ما لم يأذن به الله ولا رسوله، وهو منافٍ للرضا والصبر، ويضر بالنفس والبدن، ولا يرد من قضاء الله وقدره شيئًا. وقد بلغني عن أناس أعرفهم أصيبوا بمصيبة، أزعجوا أنفسهم لأجل مصابهم ببعض ما ذكر، فأورثهم ذلك مرضًا وحمًى.
فإذا استسلم المصاب وانقاد، ووكل الأمر لمن بيده الخلق والأمر، وعلم أن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسل، فاتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وفيما نهاه عنه، وكان مما جاء به تحريم هذه الأفعال والأقوال المنكرة التي تقدم ذكرها، بل العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. فإذا سمع المصاب ذلك فأطاع وانقاد، حصلت له السعادة الأبدية باتباعه الرسول صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
والذي ينبغي أولًا لمن غلب على الظن أنه يصاب بالموت في مرضه، أن يعامل بأحسن المعاملات بما ينفعه في قبره ويوم معاده، فيذكره الآخرة ويأمره بالوصية والتوبة، ويلقنه الشهادة أن لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه. ويكون قبل ذلك قد نهي عن لطم الخدود وشق الثياب وتمزيقها ونتف الشعر ورفع الصوت بالندب والنياحة وغير ذلك من قول وفعل منكر. ويكون مع ذلك في هذه الحالة رجاؤه بالله أكثر من خوفه، وهو كثير الحمد والاسترجاع والرضا عن الله عز وجل.
وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناد عن محمد بن أم سلمة قال: بلغني أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني ولا تكثر علي. قال: «لا تتهم الله»، تكثر علي؟ أريد وصية مختصرة. قال: «لا تتهم الله عز وجل في شيء قضاه لك».
وروى بإسناده قال: قال لعائشة رضي الله عنها: ما كان أكثر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته إذا خلا؟ قالت: كان أكثر كلامه إذا خلا في بيته ما يقضى من أمر يكن. فهذا كل ما قضاه الله يكن، هذا معناه. فهذا رسول الله، رسول رب العالمين، يقول هذه المقالة وهو أعرف الخلق وأعلمهم بالله.
فإذا وطن العبد نفسه على أن ما يقضى من أمر يكن لا محالة، فإن إتعاب النفس والبدن فيما لا يجدي شيئًا ليس من حصافة العقل. ويعلم أن الدنيا موضوعة على الكدر، فالبناء إلى نكد والجمع إلى تفريق، ومن رام بقاء ما لا يبقى، كمن رام وجود ما لا يوجد، فلا ينبغي أن يطلب من الدنيا ما لم توضع له.
قالوا: أما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، وإن الميت يعذب بالنياحة عليه»، وقد تقدمت هذه الأحاديث، فاختلف السلف والخلف في ذلك. فقالت طائفة: الله يتصرف في خلقه بما يشاء، وأفعال الله لا تُعلل. وقال: لا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب إليه، أن الله تعالى خلق الجميع. والله تعالى لا يؤلم الأطفال؟ هذه ليست صحيحة، لازم تكون بالإثبات، والله تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل.
عملوا الآن حديث الميت يعذب ببكاء أهله عليه، البعض قبله، ولكن كيف فُصل الموضوع؟ قالوا: الله له أن يعذب ما شاء بما شاء، وليس لنا أن نعترض، فهو المالك للعبيد، فيمكن أن يعذب الميت بشيء لا دخل للميت فيه، فأفعال الله لا تُعلل.
ما رأيكم في هذا التوجيه؟ لو أحد قال لك هذا الحديث، فليس هناك مشكلة؛ الله يفعل ما يشاء في عباده، فلا إشكال أن يعذب الميت ببكاء أهله عليه مع أنه ما له دخل، كما أنه يؤلم الأطفال مع أنهم لم يذنبوا. فالأطفال هل أذنب الطفل؟ ومع ذلك يؤلمون، فلا إشكال في ذلك، نقول نعم، الله يفعل ما شاء وله أن يفعل ما يشاء بعباده.
لكنه هو الذي يعلمنا أن أفعاله لحكم، ووضع قواعد في العقاب والثواب؛ فنحن نعلم أن الله يفعل ما يشاء، لكن قولك إنه سيعذب الميت فقط لأنه يريد أن يعذبه، والله مالك لعبيده، بهذا التصور هذا كلام قاصر، فالله لا يفعل شيئاً بدون حكمه، هكذا فقط لأنه يريد أن يفعل. ممتاز، فهذا توجيه لبعضه، وهذا عادة ما يكون توجيهاً بنفي العلل ونفي الحكم، فلذلك نحن لا نقبل التوجيه بهذه الطريقة.
قال: وقالت طائفة أخرى: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15]. وقال ثم بأحاديث لم نذكرها بعد وهي مما استدلت به عائشة رضي الله عنها. الطائفة الثانية رفضت هذه الأحاديث ولم تقبلها، واستدلوا بأن عائشة لم تقبلها، وأن عائشة قالت: كيف يقول هذا الحديث ابن عمر والنبي ﷺ يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾؟ فعائشة نفس الرد لهذه الأحاديث.
قال: ومنها نأتي على أصحاب القول الثالث بعد قليل. قال: ومنها عن عروة قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر رضي الله عنهما يرفع ذلك للنبي ﷺ: «أن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله»، فقال الذهل: إنما قال النبي ﷺ لعائشة... قال الذهل يعني أخطأ ابن عمر. إنما قال النبي ﷺ: «إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وأن أهله ليكونون عليه»، وليس لفظ الحديث: «إنه يعذب ببكاء أهله»، فعائشة تقول إن ابن عمر أخطأ في لفظ الحديث.
وذلك مثل قول النبي ﷺ: «قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بعض المشركين، فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول»، وقد ذهل، إنما قال: «إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق»، ثم قرأ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصَّمَّ ۙ بِالْقُبُورِ﴾ [النمل: 80]. قال: «يقول تبوأوا مقاعدكم من النار»، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه وهكذا سياقه بطوله.
الحافظ الضياء قال عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة: توفيت بنت عثمان بن مكة وجئنا لنشهدها، وحضر ابن عمر وابن عباس، وكنت جالساً بينهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لابن عباس: ألا تنتهي عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه»، فقال ابن عباس: قد كان، قال عمر قد كان، عمر يقول بعض ذلك.
ثم حدث قال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب حتى أتى ظل سمرة، قال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب، فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته فقال: ادعه لي، فرجعت إلى صهيب فقلت له: ارتحل، الحق أمير المؤمنين. فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: «وا أخاه، وصاحبه»، فقال عمر: يا صهيب، أتبكي علي وقد قال رسول الله ﷺ: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه»؟
قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، ولكن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه». الشيخ، خطأ رواية عمر للحديث؛ إن عمر روى الحديث أن الميت يعذب ببكاء أهله، فعائشة قالت: عمر لم يتقن الحديث، وإنما الحديث أن الله ليزيد الكافر بالتحديد عذاباً ببكاء أهله عليه. وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فمن أجل ذلك عائشة التبس عليها هذا الحديث ورأت أن فيه خطأ، وأن الصواب الرواية التي ترويها رضي الله عنها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك: وإنه هو أضحك وأبكى. قال ابن أبي مليكة: والله ما قال ابن عمر شيئاً، رواه البخاري، وهذا لفظ ابن عمر سكت لما قال له ابن عباس إن عائشة اعترضت وبينت أن الحديث ليس كما تقولون، والله هو الذي يضحك ويبكي. تمام، يعني هذا فعل الله، فكيف نمنعه؟
قال: وفي صحيح البخاري ومسلم أن عائشة رضي الله عنها ذكر لها أن عمر وابنه عبد الله يقولان إن الميت ليعذب ببكاء الحي، قالت: «إنكم لتحدثون عن غير كذابين ولا متهمين، ولكن السمع يخطئ». إذاً عائشة تقول إن عمر وابن عمر ليسوا كذابين أو يروون الأحاديث هكذا، لكن سبحان الله سمعوا خطأ ولم يتقنوا الحديث، هذه وجهة نظر سيدتنا عائشة.
قال في لفظ: «قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، هو عبد الله بن عمر، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكي عليها فقال: «إنهم لا يبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها»».
لاحظ أن المروي حتى عن عائشة روايات عديدة، حتى عائشة روي عنها في اعتراضها عليهم روايات عديدة، فمنها مثلاً أنها قالت: لا، إن الحديث: «إنهم ليبكون عليها» أي على اليهودية، وأنها لتعذب في قبرها بسبب خطيئتها، مش بسبب بكاء أهلها عليها.
قال: وقال طائفة أخرى في قوله: «إن الميت ليعذب بنوح أهله»، محمول على من أوصى به، أو كانت من عاداتهم ذلك ولم ينهاهم. هذا تخريج؛ ألا الأصل صحة ما روى ابن عمر حتى نتيقن خلاف ذلك؟ هل ما رواه ابن عمر يمكن أن يحمل على وجه صحيح؟ وأن الميت فعلاً يعذب ببكاء أهله؟ قالوا: نعم، إذا هو أوصاهم بأن يبكوا عليه فإنه سيعذب ببكائهم، أو إذا كان يعلم أن من عادة زوجته وبناته شدة البكاء ولم ينهاهم.
قبل موته يعذب بتقصيره في تربيتهم، وهذا وجه مقبول. قال: محمول على من أوصى به، أو كانت من عادتهم ذلك ولم ينهاهم، يعني يوصي قبل موته ألا يحدثوا قولاً ولا فعلاً منكراً، وهذا كان مشهوراً عند العربي وهو كثير في أشعارهم، كقول طرفة: إذا مت فنعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجمع كما قال في معلقته: فقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعراً وقوله: هو المرء الذي لا حليفه ... أضاع ولا خان الصديق ولا غدر
كان مثل العربي يوصون نساءهم أنه بعد ما أموت اطلعي واحكي قدام الناس كيت وكيت. وقال طائفة أخرى: وهو محمول على من سنته وسنة قومه البكاء والنوح، وقد اشتهر أن هذا معروف منهم، فإذا لم ينهاهم دخل في الوعيد؛ لأن ترك نهيه عن البكاء دليل على رضائه به منهم. هذا لا يخرج عن القول الرابع، والقول الثالث قريب من الرابع، أنه عارف أن عادته قوم البكاء وهو ما نهاهم.
قال: وهذا قول عبد الله بن المبارك، وهذا القول والذي قبله هو قول واحد، وقد حكى الرابع والثالث أنه قول واحد كما قال المنبجي. وقد حكى بعض أهل العلم أن هذين القولين متباينان، ولم يظهر لي ذلك، بل هو صحيح. وقال أبو البركات ابن تيمية رحمه الله: «هذا القول هو أصح الأقوال كلها وأرجحها»، وهو الجد ابن تيمية وليس ابن تيمية العابد المشهور. وأرجحها لأنه إذا غلب على ظنه فعل فعلهم ولم يوصهم بتركه فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه. فأما إذا أوصاهم بتركه فخالفوه، فالله أكرم أن يعذبه بذلك؛ أما إذا أنت وصيت زوجتك ألا تبكي فبكت، أنت لا تحاسب.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: «وقد حصل بهذا القول إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد، وإنكار عائشة رضي الله عنها لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه». ابن القيم يقول إن إنكار عائشة لهذا الحديث لا يعول عليه ما دام له معنى صحيح؛ فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، وهي ممكن شافت مشهداً وابن عمر شاف مشهداً آخر، فليس شرطاً أن يكون ابن عمر ذهله، عائشة سمعت حديثاً وابن عمر سمع نصاً آخر.
قال: «ويشهدون ما تغيب عنه»، وهو احتمال السهو والغلط بعيد جداً، خصوصاً في حق خمسة من أكابر الصحابة، وخصوصاً الذي روى الحديث ابن عمر وعمر والمغيرة، وهناك أيضاً اثنان آخران. وقد تقدم ما ذكره عن أكثر من خمسة من الصحابة، وقوله في اليهود لا يمنع أن يكون قد قال ما قال، وقوله إن الميتة كانت يهودية وأنها لتعذب في قبرها، هذا لا يمنع أن يكون في مقام آخر قال الحديث بعمومه عن هؤلاء الصحابة في أوقات أخرى.
ثم هي محجوجة برواية عنه أنه قال: «إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه»، فإذا لم يمتنع زيادة الكافر عذاباً بفعل غيره مع كونه مخالفاً لظاهر الآية، لم يمتنع ذلك في حق المسلم. المسلم إن الله سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، والله تعالى أعلم.
هذا كلام جميل لابن القيم؛ أحد الروايات عن عائشة التي اعترضت فيها أنها قالت: «يا ابن عمر ليس كما قلت، وإنما الحديث أن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه». فيقول له ابن القيم: هذه مشكلة أيضاً، حتى الكافر الله لا يظلمه، فإذا دخل نار جهنم كيف يظلمه الله فيزيده عذاباً بشيء لم يفعل؟ هل المسلم لا نظلمه ولكن الكافر نظلمه؟ لا، ليست هذه قاعدة العدل، فالله سبحانه حتى الكافر لا يزيده عذاباً بشيء هو ليس له دخل فيه، فكذلك المسلم. فأنت لما تروي حديثاً أن الله ليزيد الكافر، ترى أنها محجوجة بذلك، ويقول ابن القيم في سياق مناقشته لسيدتنا عائشة: «الرواية التي رويتها أنتِ ستحتج بها، أنتِ محجوجة بها من جهتي»، لأنها أيضاً فيها مشكلة مع الآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فيمكن أن تواجه حديث ابن عمر بالرواية التي نقلت عنها رضي الله عن الجميع.
قال رحمه الله تعالى: «فصل، واعلم رحمك الله أن هذه الأحاديث لا تحتاج إلى شيء من هذه التعسفات، وليس فيها بحمد الله إشكال، ولا مخالفة لظاهر القرآن، ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه أو بنوحهم».
هذا الوجه الذي تكلم فيه المنبجي هو تفسير آخر للحديث وفي منطقية الحديث، ما هو أن الميت لا يعاقب ببكاء أهله، ولا أن الميت ليعذب؛ هل كل عذاب هو عقوبة؟ أقول لك لا، الحزن نوع من العذاب، لكن ليس شرطاً أن يكون عقوبة، فيمكن أنك فعلاً لم توصِ أهلك ألا ينوحوا ولا تعلم أنهم ينوحون، لكن لما ينوحوا أنت تعذب في قبرك، بمعنى ماذا؟ ليس تعاقب، أنت تعذب أي تحزن في قبرك لما تعلم أن زوجتك وبناتك الآن يبكون، وهذه ليست عقوبة، هذا حزن، وفي أيديهم أن يرفعوه عنك بالتوقف عن البكاء. فلا داعي لكل هذا التعسف، وهذا وجه جميل أيضاً.
قال: «لم يقل إن الميت ليعاقب ببكاء أهله عليه أو بنوح أهله عليه، وإنما قال إنه ليعذب بذلك، ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه، والعذاب هو الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب». إذاً فالعذاب أعم من العقاب، ليس كل عذاب هو عقاب. قال: «والأعم لا يستلزم الأخص، فقد قال النبي ﷺ: «السفر قطعة من العذاب»»، يعني هل السفر قطعة من العقاب؟ لا، السفر ليس عقاباً لكن سمي عذاباً.
قال: «وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، ويحصر للميت الألم في قبره بمجاورة أهل البدع والفسق والعصيان». حتى الميت إذا دفن في مقبرة فيها الكفار وأهل الفسق والمعاصي ترى يعذب بمعنى ماذا؟ يتألم من مجاورتهم. قال: «ويتاذى بذلك كما يتاذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره». قال: «ونص الإمام أحمد على أن الموتى يتاذون بفعل المعصية عندهم، فإذا بكى أهل الميت عليه بكاء المحرم من لطم الخدود وتمزيق الثياب وخمش الوجوه وتسويدها وقطع الشعر ونتفه ودعوة بدعوة الجاهلية»، وكل هذا موجود في غالب جهال أهل زماننا.
إذا وجدت هذه الأفعال والأقوال على هذا الوجه، حصل للميت الألم في قبره بذلك، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذا معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
هل هذا المعنى من أفكار المنبجي، أم أخذه من شيخ الإسلام ابن تيمية؟ نعم، قال رحمه الله: «فصل: وقد يستحوذ الشيطان على المريض، فيوسوس له بأنك ستفارق المحبوبات، وتخرج من الدنيا إلى مكان فظيع موحش، وتلقى بين أطباق الثرى، وكيف تلقى بين أطباق الثرى؟ وكيف يؤلمك؟ فربما أسخطه على ربه، وكرهه لقاء الله عز وجل، وربما أنطقه بكلام يتضمن نوع اعتراض وتسخط، ثم يوسوس لأقاربه بأنه لا بد أن يفوتكم من بره وإحسانه ما يزيد عن الوصف، أو أنه كان قد نشأ من منشأ حسن، أو قد بدأ يترقى إلى المناصب العالية، فيهيج هؤلاء على البكاء المحرم، وفعل ما لا يجوز فعله، ويهيج المريض على الحزن على فراق الدنيا».
إذن الشيطان يأتي في ساعات الاحتضار، فيجعل الإنسان المحتضر يبدأ يخاف ويفزع؛ أنه الآن سيحملونه ويضعونه في حفرة بين أطباق الثرى ويهيلون عليه التراب، فيجعل الإنسان يجزع. وكذلك يأتي إلى أهله ويقولون: «والله الشاب الذي كان منوراً ما شاء الله، كان ممكن يصير دكتور، كنا سنزوجه، وهكذا، سيصيب بسرطان ولا شيء والآن سيموت»، وتهيج الأحزان؛ هذا عمل الشيطان في ساعات الاحتضار.
قال: «فينبغي لكلا الطائفتين أن يتداويا بالأدوية الشرعية». لكلا الطائفتين: الميت الذي يحتضر وأهله الذين حوله. قال: «وقد تقدم في الباب الأول ما فيه كفاية من الأدوية الإلهية، فلا حاجة إلى تكرارها، ولكن يجاب عن هذا بجوابين: أحدهما أن الأغلب فيمن يفارقه أنه يؤثر فراقه، خصوصاً إن كان شيخاً كبيراً، أو أنه شاب أو كهل يحجر على من ذكرته من قرابة أو ولد ونحوه، أو له خلق شديد، وأخص منه إذا كان ذا مال».
يقول إن الأغلب فيمن يفارقه أنهم يؤثرون فراقه؛ يجب أن تكون عارفاً أن الأغلب أن الناس الذين حولك يؤثرون فراقك. لماذا؟ لأنه عادة من يموت ممن في السبعينات والثمانينات أولاده يتمنون موته، أما أنه يغلبهم بالمستشفيات والعناية المركزة وكذا، فهو في الظاهر يعاني، ولكن في الباطن يقول: «يا رب خذ وداعتك». أو أن هذا الحاج ما شاء الله عنده ورثة وأموال، والأولاد مثلاً وضعهم المادي محدود أو غير محدود ولكنهم طامعون، فينتظرون موته ليأخذوا ورثته. أو أنك تكون إنساناً صعب الأخلاق، صعب الممارسة، فأقاربك ومن حولك أو الزوجة تتمنى موت زوجها لكي تخلص منه؛ لأن لسانه صعب وحاد، فأنت لا تأخذ بحالك أن الناس كلها تنتظر بقاءك.
يقول: «خصوصاً إن كان شيخاً كبيراً، أو أنه شاب أو كهل يحجر على من ذكرته من قرابة أو ولد ونحوه»، يعني ممكن تكون شاباً ولكنك تحجب الميراث عن غيرك، فينتظرون موتك حتى لا تحجبهم في الميراث. «أو له خلق شديد، وأخص منه إن كان ذا مال»، ينتظر موتك حتى يؤخذ مالك. وقد رأيت في زماننا من كان من أصحاب الأموال وهو محسن لأهله وأقاربه، فمرض فأوصى بوصايا لأقاربه لمن ليس بوارث في الحال، فلما مات خلف مالاً جزيلاً، فاشتغل الوارث وغير خير الوارث من أوصياءه بالمال عن الحزن عليه. الرجل مات وهم مشتغلون بكيفية تقسيم الورثة، بتشوفهم اليوم بعض الناس على باب المقبرة يختلفون على تقسيم الورثة، نسأل الله العافية؛ مات الرجل ونسوا الحزن واشتغل الناس بالأموال، فأخذوا في الخصام عليه وتفرقة أمواله، وهو محسن إليهم في حياته، وما أخذوه فهو سريع الذهاب، وأما بره إليهم لو بقي لحصل لهم أضعاف ذلك؛ ترى الرجل لو ظل على قيد الحياة ربما أحسن إليكم أكثر وأكثر، لكن سبحان الله حب الناس للدنيا. فلا ينبغي للعبد أن يحزن لفراق من لا يحزن لفراقه؛ هذا كلام لك وأنت تحتضر، أيها الإنسان المحتضر: لا تحزن على فراق أهل الدنيا فإنهم ليسوا حريصين جداً عليك، فلا تكن أنت حريصاً عليهم أكثر من اللازم.
أيضاً، ذكر أبو القاسم بن عساكر أنشدني محمد بن الأشعث في ذم الحزن من حيث هو: قلمُ القضاءِ جرى بكلِّ مكوِّنٍ ... يا صاحبَ الأحزانِ ماذا يحزنُ؟ إن كان سخطُكَ ليس يجلبُ راحةً ... فرضاكَ بالبلوى أحقُّ وأحسنُ والثاني: الرجاء لملاقاة من هو أحب إليه منه. وما "قلم القضاء" هي القلم بمعنى رفعت الأقلام. يقول: قلم القضاء جرى بكل مكون، رفعت الأقلام وجفت الصحف؛ إن كان سخطك لا يجلب راحة، فرضاك بالبلاء أحق وأحسن. والفائدة الثانية التي نذكرها هي الرجاء لملاقاة من هو أحب إليه؛ يعني أنت لما تموت وتحتضر، حاول أن تتذكر أنك ستلاقي النبي ﷺ وتلاقي الصحابة وتلاقي التابعين، ففارقت أحبابك لكنك ستذهب إلى من هم أحب، إن كنت طبعاً محباً لهؤلاء الركب.
قال: «وما من مؤمن يموت فيؤثر الرجوع إلى الدنيا ولو أنها جميعها له إلا الشهيد، فإنه يحب الرجوع ليقاتل مرة أخرى لما يرى من عظم أجر الشهادة كما سيأتي ذكره». وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: «ما من نفس مؤمنة مسلمة يقبضها ربها عز وجل تحب أن تعود إليكم، وإن لها دنيا وما فيها، غير الشهيد»، غير الشهيد يحب أن يعود إلى الدنيا من أجل أن يقتل مرة أخرى لينال فضل الشهادة.
فصل فيما ذكر في النعي. النعي هو كما قال: إعلام الناس بموت الشخص. هل النعي منهي عنه أم يجوز في بعض الأحايين؟ النعي هو أن تعلم الناس، تكتب منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الجريدة تنعى فلاناً الفلاني من العائلة الفلانية. هل النعي منهي عنه؟ قال: «وهو إعلام الناس بموت الشخص على ما يفعله أهل زماننا بالكبير أو بالمشهور، ويرسلون منادياً يعلم الناس به». قال العلامة ابن القيم في "الهدي" -وكان من هديه ﷺ كما في كتاب زاد المعاد في هديه خير العباد لما يقال في الهدي- «ترك النعي للميت، بل كان ينهى عنه ويقول: هو من عمل الجاهلية». انتهى كلامه. قال الحافظ ضياء الدين رحمه الله في "أحكامه" باب كراهية النعي، وساق في الباب ثلاثة أحاديث؛ مشهور أن النبي ﷺ نهى عن النعي. قال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إياكم...»
والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية. قال عبد الله: «الأذان بالميت النعي، ما هو إلا الأذان بالميت، يعني أن يؤذن في الناس مات فلان، هذا اسمه نعي». رواه الترمذي قال حديث غريب عن حذيفة: «إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً، إني أخاف أن يكون نعياً، فإني سمعت النبي ﷺ ينهى عن النعي». روى الإمام أحمد وغيره، وعن ابن مسعود عن حذيفة: «إذا مات له ميت قال: لا تؤذنوا به أحداً، إني أخاف».
يعني لا تعلم أحداً، خلص اللي عرف عرف، يجي يصلي وندفنه، ما في داعي أنه نعلن في الجرائد، والدفن في المقبرة الفلانية عند كذا. هذا مذهب بعض السلف، أن النعي منهي عنه تماماً بكل وجوهه. وسياتي الآن استثناء ورأي آخر، أن النعي المنهي عنه هو صورة معينة وليس كافة أشكاله.
قال سعيد بن منصور: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال أخبرنا ابن عون، قال قلت لإبراهيم: أكان النعي يكره؟ قال: نعم. قال إبراهيم: «إذا توفي رجل يركب الرجل دابته ثم صاح في الناس: انعي فلان». وبسن عون قال: سمعت بالكوفة أن شريحاً كان لا يؤذن بجنازة أحد، فذكرت ذلك لمحمد بن سيرين، فقال: «إن شريحاً كان مكياً، ما أعلم به بأساً أن يؤذن الرجل صديقه، ويؤذن الرجل جمعة».
يعني شريح كان مكياً، على طريقة أهل مكة، وأهل مكة كانوا ينهون عن النعي. لكن ابن سيرين من أهل الكوفة، ومن أهل العراق، وأهل الكوفة والعراق كانوا يرون أنه النعي إذا كان مجرد إخبار فما في مشكلة. فلاحظ إذاً الاختلاف بين مدرسة مكة ومدرسة العراق في هل النعي منهي عنه أو لا. فيقول ابن سيرين: «لا أرى به بأساً إذا كان فقط هو أن تعلم الناس أنه والله صديقك مات، تعال صلِّ عليه، أيش المشكلة في ذلك؟».
قال وذكر بإسناده، قال حدثنا حماد عن إبراهيم أنه قال: «لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه، إنما يكره أن يطاف في المجالس فيقال: انعي فلاناً، فعل الجاهلية». إذاً إبراهيم يرى أن النعي المنهي عنه هو النعي المبالغ فيه الذي يؤدي إلى ذكر المحاسن والمناقب والتفخيم: مات أمير الزمان وصاحب المناقب والرجل الهمام. النعي المبالغ فيه وذكر المحاسن هذا المنهي عنه، أما مجرد أن يخبر أن فلاناً مات، فأهل العراق كانوا لا يرون به بأساً.
وقد روى الترمذي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: وا جباه، وا سيداه، أو نحو ذلك، إلا وكل الله به ملكان يلهزانه»، هكذا قال الترمذي، حديث حسن. والمقصود أن هذه الأحاديث دالة على النهي وأنه من فعل الجاهلية، لكن الأحاديث التي ذكرناها منها ما يدل على أن النعي إعلام الناس بأن فلاناً قد مات، ومنها ما يدل على أن النعي هو تعداد صفات الميت، فالظاهر أن كلاهما نعي والله أعلم.
يقول المنبجي: الظاهر أن كلا الصورتين من النعي، سواء ذكرت المحاسن أو لم تذكرها، فمن يريد أن يحتاط يترك كل الأشكال. وقال: وما يفعله الناس اليوم في زماننا من إعلام الناس بالميت والمناداة له، فهو من البدع المنهي عنها كما ورد في الحديث؛ فإنه مفضٍ إلى تأخير الميت لأجل اجتماع الناس له تأخيراً زائداً عن الحد، ويتركون السنة التي من شأنها الإسراع بالجنازة كما ثبت في سنن أبي داود.
إذاً لُحظ آخر في النهي عن النعي أنه قد يؤدي إلى تأخير الجنازة، أننا نريد أن ننادي في الناس لحتى يجتمعوا، خلص الميت في أسرع وقت، أسرعوا بالجنازة. فالنعي قد يؤدي إلى ذلك، فلذلك نهي عنه. كما ورد في سنن أبي داود أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعود فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فأذنوا به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة المسلم أن تحبس بين ظهراني أهله». هذا يدل على استحبابية التعجيل في الدفن.
وإن كان المراد النعي الذي هو تعداد صفات الميت، فقال الذي ينبغي أن يقال: لا بأس بالكلمات اليسيرة إذا كانت صدقاً، لا على وجه النوح والتسخط، فلا يحرم ولا ينافي الصبر ولا يكون من النهي عنه. بل قد نص الإمام أحمد رحمه الله أن الكلمات اليسيرة من الصدق لا تنافي الصبر الواجب. ويؤيد ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: «وا كرب أبتاه»، فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم». فلما مات قالت: «يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه». فلما دفن رسول الله ﷺ قالت فاطمة: «أطابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله ﷺ؟».
وعن أنس أيضاً أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ثم وضع يده على صدغيه، وقال: «ونبيه وخليله وصفيه»، على أن ذكر الصفات المحدودة، وهذا ما فيه إشكال، وإنما الإشكال هي المبالغة. فهؤلاء الصحابة مدحوا النبي ﷺ عند موته بما هو فيه. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ نعى النجاشي؛ شوف هذا، نعى النجاشي، إذاً في نوع من النعي لا إشكال فيه، كيف يفعله النبي ﷺ؟ والنعي هنا هو الإخبار بالموت.
والذي يظهر والله أعلم أن النعي إذا كان به الإخبار بالموت من أجل أن يجتمع الناس للصلاة فلا إشكال فيه، وإنما إذا كان فيه المبالغة في ذكر المحاسن أو أدى إلى تأخير الدفن فهنا يصبح النعي منهياً عنه. قال: وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات، رواه البخاري ومسلم، وفي لفظ لهما فقال: «استغفروا لأخيكم». وقد تقدم قول النبي ﷺ: «وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون»، وهذا ونحوه من الأقاويل التي تقدمت ليس فيها تسخط على ربي تبارك وتعالى بما قضى وقدر، ولا ينافي الصبر الواجب، ولا يأثم به قائله، والله أعلم.
قال رحمه الله: الباب الرابع في من أصيب بفقد ثلاثة من الولد فأكثر. قال البخاري: باب فضل من مات له ولد فاحتسب، وقول الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
حدثنا بإسناده، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة».
والحنث هو أصله الإثم، والإنسان إذا بلغ صلح لأن يأثم، فأصبح قولك «لم يبلغوا الحنث» دلالة على أنهم لم يبلغوا الاحتلام. قال: «إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته». ورواه مسلم من وجه آخر عن أنس قال: «لم يبلغوا الحنث»، أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث، أي الإثم.
وروى البخاري من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحله القسم».
«تحله القسم» الذي هو «إن منكم إلا واردها»، قال العلماء: «تحله القسم» ما ينحل به القسم، وهو اليمين، وجاء مفسرًا في الحديث أن المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُم مَّا يَسْلُكُهَا﴾ [النساء: 43]، وبهذا أقسم الله أن كل المؤمنين والكافرين سيمرون على جهنم؛ أما الكفار فيدخلونها، وأما المؤمنون فيمرون فوقها، فهذا «تحله القسم»، يعني أن كلنا سنمر على جهنم تحليلاً لقسم الله سبحانه وتعالى لما أقسم: ﴿وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71].
وبهذا قال أبو عبيد وجمهور العلماء، والقسم مقدر: «إي والله إن منكم إلا واردها». وقيل المراد قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: 68]. وقال ابن قتيبة: معناه تقليل مدة ورودها.
وقيل في «تحله القسم» في كلام العرب: وقيل تقديره «وتحل ولا تحله القسم»، أي لا تحله أصلًا ولا قدرًا يسيرًا. والمراد بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا﴾ المرور على الصراط وهو على جهنم، وقيل الوقوف عندها، أعاذنا الله وإياكم منها.
وروى مسلم أيضًا هذا الحديث، وقيل في تفسير آخر: الاستثناء هنا استثناء لتأكيد عدم الوقوف، وليس لتأكيد أنه سيدخلها أو سيمر عليها مرور الصراط، يعني هذا تفسير آخر أن المراد بـ «إلا تحله القسم» أي لا تحله أصلًا ولا قدرًا يسيرًا.
وروى مسلم أيضًا هذا الحديث عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمر الناقد، عن سفيان بن زهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان بن عيينة، أبيه. ورواه أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به.
قال: ورواه أيضًا، قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيمسه النار إلا تحله القسم». رواه الترمذي من حديث مالك، وقال: «حديث حسن»، وقال: «حسن صحيح».
وفي الباب عن معاذ، وعمر، وكعب بن مالك، وعتبة بن عبيد، وأم سليم، وعائشة، وأنس، وأبي ذر، وابن مسعود، وأبي ثعلبة الأشجعي، وقال ابن عباس، وعتبة بن عامر، وأبي سعيد، وقرة بن إياس.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، قال: بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته». وقف رحمة الله بهؤلاء الأبناء الذين ماتوا.
قال: يقال لهم: «ادخلوا الجنة»، قال: يقولون: «حتى يجيء أبوانا»، قال: ثلاث مرات، فيقولون مثل ذلك، فيقال لهم: «ادخلوا الجنة، أنتم وآباؤكم».
وروى البخاري من حديث ذكوان عن أبي سعيد، أن نساءً قلنا للنبي صلى الله عليه وسلم: «اجعل لنا منك يومًا»، فوعظهن، وقال: «أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كن لها حجابًا من النار»، قالت امرأة: «واثنتان؟»، قال: «واثنتان».
وقال شريك عن ابن الأصبهاني، حدثنا أبو صالح، قال: بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم يبلغوا الحنث». وقد روى الحديث محمد بن سيرين، وأبو رزين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. وأخرج مسلم حديث أبي سعيد من حديث شعبة به، وعنده: «فقالت امرأة: واثنتين؟، واثنتين واثنتين يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: واثنتين واثنتين». وهذا الذي علقه البخاري عن شريك عن ابن الأصبهاني، وقد رواه هو ومسلم من حديث غندر، عن شعبة، عن ابن الأصبهاني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، وقال فيه: «لم يبلغوا الحنث».
وقال عثمان بن إبراهيم المؤذن: حدثنا عفان، عن ابن سيرين، قال: بإسناد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله وأبوهما الجنة»، قال: يكونون على باب من أبواب الجنة، فيقال: «ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم».
رواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن عمر، عن عوف بن مالك الأعرابي. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نسوة من الأنصار، لا يموت لأحدكن ثلاثة من الولد فلم يبلغوا الحنث إلا دخلت الجنة»، فقالت امرأة منهن: «واثنتين يا رسول الله؟»، قال: «واثنتين».
وروى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب النساء فقال: «ما من كن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلها الله الجنة»، فقالت إحداهن: «وأحداهن؟»، فقال: «وأحداهن». فقالت إحداهن: «وأحداهن؟»، فقال: «وأحداهن»، يعني امرأة جليلة منهن، فقالت امرأة: «يا رسول الله، وصاحبة الاثنتين؟»، فقال: «وصاحبة الاثنتين في الجنة».
وروى أحمد أيضًا من حديث أم سليم بنت ملحان، وهي أم أنس بن مالك، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته»، قالت: «وثلاثة؟»، قالت: «يا رسول الله، واثنتان؟»، قال: «واثنتان». وروى المثنى عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن أم بشر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من هلك له ثلاثة من الولد فصبر واحتسب أدخل الجنة»، فقلت: «يا رسول الله، واثنتان؟»، قال: «واثنتان».
في صحيح البخاري من حديث طلق بن معاوية، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتت امرأة بصبي لها فقالت: يا نبي الله ادعُ الله؛ فلقد دفنت ثلاثة. فقال: «دفنت ثلاثة؟» قالت: نعم. قال: «لقد احتظرتِ بحظار شديد من النار»، يعني بينك وبين النار حاجز كبير.
قال البخاري في تاريخه: قال علي بن هاشم: حدثني بإسناده، عن قبيصة بن مرمري، قال: كنت عند النبي ﷺ جالساً، إذا أتت امرأة فقالت: يا رسول الله ادعُ الله لي فإنه ليس يعيش لي ولد، قال: يعني كلما ولد لي ولد مات. فقال: «وكم مات؟» قالت: ثلاثة. قال: «لقد احتظرتِ بحظار شديد من النار» أيضاً.
قال سعيد بن منصور: بإسناده، عن زهير بن أبي علقمة، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ في ابن لها مات، وكان القوم يعنفونها، فقالت: يا رسول الله، قد مات لي بنون منذ دخلت في الإسلام سوى هذا. فقال: «لقد احتظرتِ من النار حظاراً شديداً». قال جماعة من الحفاظ: إسناده إسناد صحيح، لكن لا صحابة لزهير هذا، فيكون مرسلاً.
أما قوله ﷺ: «لقد احتظرتِ بحظار شديد من النار» أي امتنعت بمانع وثيق، وأصله الحظر المنع، وأصله الحظار بكسر الحاء، فهو فتحها ما يجعل حول البستان وغيره من القضبان وغير حظيرة، ونحن نسميها أيضاً حظيرة، والمانع.
وهذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة من العلماء إجماع المسلمين على ذلك. قال الماوردي: وأما أولاد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فالإجماع محقق في الأطفال على أنهم في الجنة، وأما أطفال من سواهم من المسلمين، فالجمهور من العلماء على القطع لهم بالجنة. ويقول الماوردي: أجمعوا على أن أولاد الأنبياء أطفال الأنبياء في الجنة، وأما أطفال المسلمين من غير الأنبياء فالجمهور أيضاً أنهم في الجنة، يعني كان الإجماع فقط في أطفال الأنبياء، وأما أطفال باقي المسلمين فالجمهور أيضاً، لكن لا إجماع في المسألة.
وقال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]. وتوقف بعض المتكلمين، وأشاروا أنه لا يقطع لهم كالمكلفين، وهو خطأ. بعض أهل الكلام توقف وقالوا: لا نقطع لهم بجنة ولا نار، وهو خطأ، ولكن هؤلاء استندوا إلى حديث عن عائشة قد يُفهم منه ذلك، وهو أنه توفي صبي من الأنصار فقالت عائشة: «طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدرك». فقال ﷺ أو غير ذاك يا عائشة: «إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم».
هذا قد يُفهم منه ماذا؟ أنه نحن نتوقف في أطفال المسلمين؛ لأن النبي ﷺ أنكر على عائشة لما قالت عن الطفل إنه عصفور من عصافير الجنة، فقال: «أوغير ذاك يا عائشة؟» يعني كيف عرفتِ يا عائشة؟ فبعضهم فهم من هذا أننا نتوقف في أطفال المسلمين ولا نقول إنهم في الجنة ولا في النار. لكن الصحيح سيأتي الآن الجواب في الحديث الآخر الذي قتله الخضر؛ فقد طبع كافراً مع أنه مات لأبوين مسلمين، وقتله الخضر وهو لم يبلغ، فإذا طبع كافراً! إذن هؤلاء الأطفال الذين يموتون لأبوين مسلمين، هناك نصوص تشير بالتوقف فيهم أنك لا تعرف على ماذا طبع.
لكن سيأتي السؤال: هل سيعذبهم الله على ما طبعهم عليه قبل التكليف؟ يعني هل سيعذبهم الله على أنه لو كبر سيكون كافراً، فمات صغيراً ويعذب في النار لأنه لو كبر سيكون كافراً؟ نقول: الله يفعل ما يشاء، لكن الله علمنا أن اسمه الحكيم، وأنه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة. فهل من حكمته أن يُخلد في النار طفل لأنه علم أنه إذا كبر سيكون كافراً؟
أجاب العلماء ذلك بأن النبي ﷺ إنما نهى عائشة رضي الله عنها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله: «أعطه، إني لأراه مؤمناً» أو مسلماً. هذا هو الجواب، أن الصحيح أن النبي ﷺ لم يخطئ عائشة في أصل القصة، يعني ليس لأن أطفال المسلمين ليسوا في الجنة ومتوقف فيهم، وإنما أراد أن يعلم عائشة التروي في إصدار الأحكام حتى ولو كان كلامها صحيحاً، وأن الإنسان يتعلم؛ هل يا عائشة أنتِ علمتِ هذه المسألة بدليل مني، أم أنتِ اجتهدتِ فيها؟ فقد تكون عائشة قالت هذا قبل أن يعلمه بدليل قاطع، فلذلك النبي ﷺ نبه على أن أحكام الكفر والإيمان والجنه والنار مسائل تُبنى على التروي، وإن كانت الأحاديث تدل عموماً في النهاية على صحة ما ذهبت إليه عائشة.
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: فيحتمل أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، هذا احتمال؛ قال إنه ممكن أن النبي ﷺ أصلاً أمر عائشة أن تتوقف لأنه لم يكن يعلم ذلك حتى أعلمه الله بأن أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم ذلك في قوله: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة»، وغير ذلك، أصبح يجزم للصحابة بأن أطفال المسلمين في الجنة. وقد تقدم عدة من الأحاديث تدل على ذلك، وما سيأتي أتم من ذلك.
وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شاء». رواه ابن واجب من حديث جرير بن عثمان الحمصي. وروي أيضاً من حديث بعض الصحابة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «يقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة، فيقولون: يا ربنا، حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، فيقول تعالى: ما لي أراكم منبطئين؟».
هناك مشكلة في اللفظ، فيقول: «يا رب آباؤنا...». المحبط أو المنبطئ؟ قال: المنبطئ هو المستبطئ للشيء.
للأطفال عموماً ما لي أراكم تتباطؤون عن دخول الجنة، فإذا محبنيطئين -ما فيش إشكال، محبنيطئين أي متثاقلين مستبطئين- ادخلوا الجنة، فيقولون: يا رب وآباؤنا؟ فيقول: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم.
وروى الإمام أحمد أيضاً بإسناده عن ابن سيرين، بين امرأة كانت تأتي يقال لها ماوية، كانت ترزا في ولدها، فلقيت عبد الله بن معمر القرشي ومعه رجل من أصحاب النبي ﷺ، فحدث ذلك الرجل أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: ادعُ الله أن يبقيه لي، فقد مات لي قبله ثلاثة. فقال: منذ أسلمتِ؟ قالت: نعم. قال: «جنة حصينة». أظنها جنه، يعني درع حصينة، هي قريبة من العبارة السابقة؛ لقد احتضرت بحظار لأن الجنة هي الدرع، فكان من مات له الأولاد الثلاث فهؤلاء جنة يحمونه من دخول نار جهنم.
وأيضاً بإسناده الذي فيه ابن لهيعة، وهذا عن النبي ﷺ أنه قال: «من أذكل ثلاثة من صلبه -يعني أولاد مباشرين- فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة». وروي أيضاً في حديث صعصعة بن معاوية قال: أتينا أبا ذر، قلت: ما لي عمل؟ قال: لي عمل. قلت: حدثني. قال: نعم، قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلمين يموت بينهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث إلا غفر لهما». رواه النسائي عن إسماعيل بن مسعود عن بشر بن فضل عن يوسف بن عبيدة عن الحسن عن صعصعة.
ومن ثم طريقة أخرى عن أبي ذر، قال: حدثنا عبد الملك بن عمر قال عن صعصعة بن معاوية قال: لقيت أبا ذر بالربذ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله ابتدره حجابه الجنة». وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا حنثاً إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
سأعود على الحديث السابق الذي وقفنا عنده، أنا أظن أن اللفظة مشكلة بشكل خاطئ، هذا الذي وقفنا عنده "محبنيطئين"، إذا لاحظتم في الحاشية هي "محبنطئ" لكن في الأعلى هي مشكلة بهذه الطريقة؛ الكاف مفتوحة والحاء مفتوحة، وهذا عامل إشكال، إذا بدنا نعدل "محبنيطئين" أنه الحاء مفتوحة والباء ساكنة في النسخة، وهي بالعكس الحاء ساكنة والباء مفتوحة.
فصل في ذكر من مات له أربعة من الولد. قال عبد الله عن الحارث بن قيس قال ﷺ: «ما من مسلم يموت بينهما أربعة أولاد إلا أدخلهم الله الجنة»، قالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: «وثلاثة»، قالوا: يا رسول الله واثنان؟ قال: «واثنان»، «وإن من أمتي لمن يعظم للنار حتى يكون أحدها أحد زواياها، وإن من أمتي لمن يدخل بشفاعته الجنة أكثر من مضر»، ومضر هي نصف العرب الشماليين.
وروى أبو داود عن ابن أبي هند قال عن الحارث بن قيس قال: كنا عند أبي بردة ليلة، فحدث ليلته عن النبي ﷺ يقول: «ما من مسلمين يموت لهما أربعة أفراط إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته»، قالوا: يا رسول الله وثلاثة؟ قال: «وثلاثة»، قالوا: واثنان؟ قال: «واثنان»، وذكر تمام الحديث.
وروى النسائي من حديث عبد الله بن حارث، والفرط هو طفلك الذي يسبقك، الأفراط هم طفلك الذي يموت صغيراً. قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من احتسب ثلاثة من صلبه دخل الجنة». وروى الهيثم بن جميل قال بإسناده عن أنس قال: توفي للزبير ولد، فجاء النبي ﷺ فقال: يا رسول الله سخِّ أنفسنا عن أولادنا، يعني رطب أنفسنا عند موت الأولاد، فقال: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاب من النار».
وعن الزبير بن العوام عن النبي ﷺ قال: «من مات له ثلاثة من الأولاد لم يبلغوا الحنث كان له حجاب من النار». كان هذا ينبغي أن يذكره في الباب السابق لأننا في باب الأربعة الآن، لكن كله يمشي.
أيضاً قوله ﷺ: «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، «ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نور يوم القيامة»، «ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو -أصاب السهم أو أخطأ- كان له كعدل رقبة»، «ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار»، «ومن أنفق زوجين في سبيل الله» -يعني شيئين في سبيل الله- «فإن له جنة»، ثمانية أبواب يذكر الله من أي باب شاء منها.
وقال عبد الرزاق بإسناده عن عائشة، فجاء عن عائشة رضي الله عنها، يقال حدثتني حبيبة بنت سهيل ويقال ابنة أبي سفيان أنها كانت عند عائشة فجاء النبي ﷺ فقال: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
وأيضاً جاء في حديث عن حبيبة أنها كانت في بيت النبي ﷺ فجاء عليه الصلاة والسلام فجلس فقال: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أطفال لم يبلغوا الحنث إلا جيء بهم يوم القيامة حتى يوقفوا على باب الجنة، فيقال ادخلوا الجنة، فيقولون: حتى يدخل آباؤنا؟»، قال ابن سيرين: فلا أدري أي الثانية أو الثالثة، يقال لهم: «ادخلوا أنتم وآباؤكم»، فقالت عائشة: سمعت؟ قالت: نعم.
وأيضاً بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي أزرق عن أبيه عن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن أزرق عن أبيه عن محمد بن وهب أن النبي ﷺ قال لامرأة: «هل لك من فرط؟»، والفرط كما قلنا هو الطفل الذي يسبقك ويموت قبلك، فقال: «الثلاثة»، فقال: «جنة حصينة».
قال رحمه الله تعالى: وروى عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة قال إن عبد الرحمن بن أبي العاص قال: قال النبي ﷺ: «لقد أجن بجنة حصينة من النار رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام»، سلف يعني قدم بين يديه ثلاثة أولاد من صلبه في الإسلام. قال عن أم ذر قالت: لما حضرت أبا ذر...
بكت، فقال: «أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يموت بين امرأتين مسلمتين ولدان أو ثلاثة فيصبران ويحتسبان، فيريان النار أبداً». وقد مات لنا ثلاثة من الولد.
رواه الحافظ أبو موسى المديني، وقال مالك في الموطأ بإسناده عن أبي النضر السلمي أن رسول الله ﷺ قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار». فقالت امرأة منهم: يا رسول الله، أو اثنان؟ قال: «مرة المحقق جنة ومرة جنة».
قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا رواه القعبي، قال رحمه الله تعالى: قلت كذا، قال ابن عبد البر: وليس بمجهول كما قال، فإن مسلماً رحمه الله قال في كتابه الكافي والأسماء: أبو النضر عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن عرباض بن سارية، روى عنه عامر بن خثيم فهو تابعي.
وقال إسماعيل بن يحيى التيمي إن موسى الجهني قال بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: «من قدم ثلاثة من ولده صابر محتسباً حجبوه بإذن الله من النار». روى البخاري في تاريخه عن حديث حبيبة خادمة عائشة، أنها كانت في بيت عائشة دخل النبي ﷺ فقال: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أطفال إلا أدخلهم الله الجنة».
وأيضاً خرج علينا النبي ﷺ فقال: «إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي حوشته ملائكة العذاب تريد أن تأخذه فجاءه ولدُه فاستنقذه، ورأيت رجلاً من أمتي خف ميزانه، فجاء أفراطه، أولاده الصغار الذين ماتوا قبله، فثقلوا ميزانه». وهو حديث مقتطع من حديث طويل يأتي عن أنس بن مالك قال ﷺ: «من دفن من صلبه ثلاثة من الولد كنت أنا وهو في الجنة كهاتين». رواه بسنده الحافظ ابن عساكر.
قلت: هذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها واتفاق معانيها غالبه، وسياتي بعد ذلك ما هو مثلها وما هو أتم وأبين إن شاء الله. كلها تدل على أنها وقعت من النبي ﷺ في مجالس متعددة، ويدل على اهتمامه واعتنائه ورحمته وشفقته بأمته، إذ كل حديث من هذه الأحاديث فيه تسلية للأمة عن أولادها، بل تدل بفحوى الخطاب على أن الشارع ﷺ أراد تسلية الوالدين عن أولادهما بما أعد الله لهما من الثواب الجزيل على المصيبة والصبر. إن هذا من مقاصد الشارع بتكرار هذه الأحاديث وتنويعها أن يسلي الآباء وأن يخفف عنهم الألم عند فقد الأبناء، فإن اتفق مع ذلك الرضا بها وكتمانها عن الخلق وطلبها وتلقيها بالقبول، كان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
قال رحمه الله تعالى: الباب الخامس: المصيبة بفقد ولدين، أخذنا فقد الثلاثة، أخذنا فقد الأربعة. طيب، من فقد ولدين؟ قال مسلم في صحيحه عن أبي حسان، وهو خالد بن علام، قال: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثني عن رسول الله ﷺ بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا؟ قال: «نعم، صغارهم دعاميص الجنة، فيلقى أحدهم أباه -أو أبويه- فيأخذ بثوبه -أو بيده كما أخذ صيه مع الدعميصية- فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة».
الدعميصية هي دويبة صغيرة. أما قوله ﷺ: «صغارهم دعاميص الجنة»، وهو بالدال والعين والصاد المهملات، واحدها دعموص، بضم الدال، أي صغار أهل الجنة. وإذا التقى البحراني عم الدعموص نفى أن يسبح أو يغوص. وقال: وأصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارق، هذا الصغير في الجنة لا يفارقها، ويقال لها أيضاً بص صنيفة. وأما قوله: «فلا يتناه»، قال: ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة، يتناهى وينتهي بمعنى واحد، أي لا يتركه والله تعالى، والله أعلم.
وقال أبو يعلى الموصلي رحمه الله تعالى عن أبي بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الأنصار ويعودهم ويسألهم، فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فأتاها فأمرها رسول الله ﷺ بتقوى الله عز وجل والصبر. قالت: يا رسول الله إني امرأة رقوب لا ألد، ولم يكن لي ولد غيره. فقال رسول الله ﷺ: «أتدرين من الرقوب؟».
الرقوب عند العرب هي المرأة التي لا تلد، أو كلما ولدت ولداً لا يعيش، فالنبي ﷺ عكس لهم المفهوم فقال: «الرقوب التي يبقى ولدها». فالرقوب هي التي يعيش ولدها، لأنها انقطعت عن الثواب؛ ثواب موت الأطفال. أما التي دائماً يموت ولدها وهو صغير، فهذه لها خير عظيم وثواب كبير متصل أنها تصبر على موت أطفالها.
ثم قال: «ما من امرئ مسلم ولا امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة من الولد إلا أدخله الله عز وجل الجنة». فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، واثنان؟ قال: «واثنان». ورواه البزار بإسناده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه، فقلت: يا رسول الله كيف لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟ فقال: «إنما الرقوب التي يعيش ولدها». فقال عمر رضي الله عنه وهو على يمين رسول الله ﷺ: وثنان على شرط مسلم.
قال الإمام أحمد: قال بإسناده إن أبا ذر رضي الله عنه حضره الموت وهو بالربذة، فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: أبكي أنه لا يد لي بنعشك وليس عندي ثوب يسع لك.
ما عندي قدرة أني أدفنك، وبتعرفوا مين جاء دفنه؟ ابن مسعود رضي الله عنه مع وفد العراق، وجداه على قارعة الطريق، واقف امرأته وطفله عنده. قال: «ليس عندي ثوب يسع لك كفنا»، فقال: «لا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ ذات يوم، وهو في نفر، يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهد عصبه من المؤمنين».
وكل من كان في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية في جماعة وقرية، ولم يبقوا منهم غيري، فإني شكلي رأيت أصحابي. قال: «وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقب الطريق، فإنك سوف ترين». ما أقول، فإني والله ما كذبت، ولا كذبت. قالت: «وإن ذلك وقد انقطع الحاج»، وقال: «ارقب الطريق».
فبينما هي كذلك، إذ هي بقوم تجذب مروالحهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها، فقالوا: «مالك؟»، قالت: «امرأة من المسلمين، امرئ من المسلمين تكفنوه وتؤجرون فيه»، قالوا: «من هو؟»، قالت: «أبو ذر». ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ووضعوا أسياطهم في نحورهم يبتدرونه، فقال: «أبشروا، أنتم النفر الذين قال رسول الله ﷺ».
وفيكم ما قال: «أبشروا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرئ مسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسبا وصبرًا، فيريان النار أبدًا». ثم قال: «قد أصبحت اليوم وحيث ترون، ولو أن ثوبًا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم، لا يكفنني رجل منكم كان أميرًا أو عريفًا أو بريدًا».
فكل القوم كان قد نال من ذلك شيئًا، إلا فتى من الأنصار كان مع القوم، قال: «أنا صاحبك»، قال: «إني ما اشتغلت في السلطة أبدًا ولا في سلكها»، قال: «ثوبان من في عيبتي، من غزل أمي، هذين اللذين عليّ»، قالت: «أنت صاحبي فكفني». تفرد به أحمد.
قال أحمد بإسناده عن أبي ثعلبة الأشجعي قال: قلت: «يا رسول الله، مات لي ولدان في الإسلام»، فقال: «من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم». فلما كان بعد ذلك لقي أبو ذر أبا هريرة فقال: «أنت الذي قال لرسول الله ﷺ في الوالدين ما قال؟»، قال: «نعم»، قال: «إن ما قال لي أحب إلي مما علقت عليه حمص وفلسطين».
وروى الإمام أحمد أيضًا في مسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ خطب النساء فقال لهن: «ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا أدخلها الله عز وجل الجنة»، فقالت امرأة: «وأصاب الاثنين يا رسول الله؟»، قال: «وصاحبة الاثنين في الجنة».
قال أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: «يا رسول الله، اذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يومًا نأتي فيه تعلمنا مما علمكم الله»، قال: اجتمعنا في يوم كذا وكذا، فاجتمعنا فأتين رسول الله ﷺ يعلمهن مما علمه الله، ثم قال: «ما من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار»، فقالت امرأة: «واثنين؟ واثنين؟ واثنين؟»، فقال رسول الله ﷺ: «واثنين واثنين واثنين». رواه البخاري ومسلم، ولفظ لمسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أوجب الثلاثة»، قال معاذ: «وذو الاثنين يا رسول الله؟»، قال: «ذو الاثنين». رواه الإمام أحمد، أوجبوا يعني أوجبوا الجنة لأهلهم.
وعن ذكوان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النساء قلن: «يا غلب علينا الرجال يا رسول الله، فاجعل لنا يومًا نأتي»، فوعدهن ميعادًا فأمرهن وعظهن، وقال: «ما منكن امرأة يموت لها ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار»، فقالت امرأة: «فإذا مات لي اثنان؟»، فقال ﷺ: «واثنين». هذا لفظ البخاري، وقد تقدم لفظ مسلم، ورواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة وابن مسعود أيضًا في من أصيب بفقد ولد.
وقال الإمام أحمد بإسناده عن أبي سنان قال: دفنت ابنًا لي، فإني لأفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة فأخرجني فقال: «ألا أبشرك؟»، قلت: «بلى»، قال: «حدثني الضحاك بن عبد الرحمن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ، قال الله عز وجل: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدي، قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده»، قال: «فما قال: حمدك واسترجع؟»، قال: «ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد».
هكذا كان الصحابة وأهل العلم والناس الأخيار يوصون بعضهم بعضًا في البلاء بتذكار هذه الأحاديث دائمًا. لما تشوف أخوك مصاب بفقد أحبابه وأبنائه، جيد أن تكون عندك هذه الأحاديث التي تحكيها أمامه، شوف أبو طلحة كيف أخذ بيد أبي سنان قال: «بدي أبشرك»، بشعره ترى النبي ﷺ قال كذا وكذا. هذه فائدة هذه المجالس، أن يكون لك مستودع من الأحاديث تفيد بها إخوانك في ساعة البلاء.
أيضًا حديث: «إذا مات ولد العبد، قال الله عز وجل لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم، قال: فماذا قال؟ قال: فماذا قال؟ قال: ابنوا له بيتًا في الجنة». أيضًا رواه البيهقي موقوفًا على أبي موسى، يعني من كلام أبي موسى وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ: «إذا قبض الله ولدًا لرجل، والله أعلم بما قال العبد، وإنما يسأل الملائكة ليظهر ثوابه وليس لأنه كان جاهلًا سبحانه: أقضتم ولد عبده؟ قالوا: نعم».
وقال أحمد بإسناده عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا الحنث إلا كانوا لهما حصنًا حصينًا من النار»، فقال أبو ذر: «ومضى الاثنان يا رسول الله؟»، قالوا: «اثنان»، فقال ابن أبي بن كعب أبو المنذر وسيد القراء: «ومضى لي واحد يا رسول الله؟»، فقال رسول الله ﷺ...
قال صلى الله عليه وسلم: «وذلك في الصدمة الأولى؛ أنه يكون صبرك من الصدمة الأولى، مش صبر الجزع». كما قال الإمام أحمد في مسنده بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون فيكم الرقوق؟» قلنا: الذي لا ولد له. قال: «لا»، ولم يقدم من ولده شيئاً.
أيضاً في نقص في النص؛ هو الذي لم يقدم من ولده شيئاً كما حكينا، اللي هو العكس، الرقوق هو الذي لم يقدم من ولده شيئاً، فكل أولاده على قيد الحياة الذين يعيش أولاده. ورواه البيهقي ولفظه أن امرأة قالت: أنا رقوب لا يعيش لي ولد، فقال: «إنما الرقوق التي يعيش ولدها، أما تحبين أن ترينه على باب الجنة وهو يدعوك إليها؟» قالت: بلى. قال: «فإنه كذلك».
وقال الإمام أحمد قال بإسناده عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رجلاً كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وأحن له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتحبه؟» فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحببه. ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما فعل ابن فلان؟» قالوا: يا رسول الله مات. فمات ابنه، ابتلاه الله في ابنه، سبحان الله، هنا بيجيك البلاء في الجهة التي أنت متعلق فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه: «أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟» فقال رجل: يا رسول الله أخاصة لنا أو لكلنا؟ قال: «بل لكلكم».
وفي رواية أخرى عن خالد بن ميسرة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس إليه نفر من أصحابه، ومنهم رجل له ابنه، ومنهم رجل له ابن صغير يأتي من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك الصبي فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة، حزن حزناً شديداً فما عاد يحضر الحلقة، ففقد النبي صلى الله عليه وسلم الرجل فقال: «ما لي لا أرى فلاناً؟» فقالوا: يا رسول الله هلك ابنه الذي رأيته. فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ابنه وعزاه عليه، ثم قال: «يا فلان، أي ما كان أحب إليك أن تتمتع به عمرك، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟» قال: يا رسول الله بل يسبقني إلى باب الجنة يفتحه لي أحب. قال: «فذلك لك».
فرواه النسائي، وقال: رواه الإمام أحمد والبيهقي، وزاد فقال الرجل: يا رسول الله أخاصة لنا أم لنا جميعاً؟ قال: «بل لكلكم». ورواه البيهقي من طريق أخرى، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله، أجعلني الله فداك، ألهذا خاص أم لمن هلك له طفل من المسلمين؟ قال: «بل لمن هلك له طفل من المسلمين كان ذلك له».
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بإسناده عن حذيفة بن كريب أن غلاماً منهم توفي فوجد عليه أبوه وجداً أشد الوجد، فقال حوشب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أخبرك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ابني في مثل ابنك. إن رجلاً من الصحابة كان له ابن قد دب أو أدرك، وكان يأتي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم توفي، فوجد عليه أبوه قرابة ستة أيام لا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي لا أرى فلاناً؟» فقالوا: يا رسول الله إن ابنه توفي فوجد عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فلان، أتحب لو أن ابنك عندك الآن، كان نشط صبيان نشاطاً، أتحب أن ابنك عندك الآن أجر الغلمان جرياً، تحب أن ابنك عن كهل أو يقال لك مقابل ذلك يموت لكن يقال لك ادخل الجنة؟» ثواب ما أخذ منك، أكيد الإنسان العاقل يقول لك لا، يعني ادخل الجنة هذا مضمون.
وروى الطبراني في معجمه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأنصار كان له ابن يروح إذا راح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عنه فقال: «أتحبه؟» فقال: نعم. فقال: يا نبي الله نعم. قال: «أحبك الله كما أحببته». فقال: إن الله أشد لي حباً منك له. شايف هنا في الرواية، الله يحبني أكثر مما أنت تحب ولدك، يعني لا تقل أحبك كما أحبه. فلم يلبث أن مات ابنه ذاك، فراح إلى نبي الله وقد أقبل بثه، فقال له نبي الله: «أجزعت؟» قال: نعم. قال: «أوما ترضى أن يكون ابنك مع ابن إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟» فقال: بلى يا رسول الله. هذا حديث غريب.
وروى أبو يعلى المصري في مسنده من حديث ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فأتاها فأمرها صلى الله عليه وسلم بتقوى الله. قالت: يا رسول الله امرأة رقوب لا، ولم يكن لي ولد غيره. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الرقوب التي يبقى ولدها»، ثم قال: «ما من امرئ من مسلم ولا امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة من الولد إلا أدخلهم الله عز وجل الجنة». فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، واثنان؟ قال: «واثنان». ورواه البزار في مسنده ولفظه: فقلت يا رسول الله كيف لا أجزع وإن كانت رقوب لا يعيش ولدها؟ فقال: «إنما الرقوق التي يعيش ولدها»، وذكر تمام الحديث. ورواه أحمد من حديث معاذ بن جبل وفيه: واثنان، قال: واثنان، وقال: وواحد، قال: وواحد.
وقد تقدم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: ﴿مَا لِعَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنَ الْمَالِ﴾.
والولد فصبر إلا أن أدخله الجنة. وروى أيضًا من حديث المنهال بن خليفة عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلًا من أهل الأساطين معروفًا بذلك ففقده النبي ﷺ فقال: «ما فعل فلان؟»، فقال ابنه شكوى وهو يمرضه، فأرسل إليه رسول الله ﷺ يسأله عن ابنه، فوجده قد مضى.
وجاء الرجل مع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «ما حبسك عنا؟»، قال: إني كنت أمرضه حتى مضى. فقال رسول الله ﷺ: «أتحبه؟»، قال: نعم. قال: «أجزعت عليه؟»، قال: نعم، شديدة. قال: «فما يضرك أن يكون باركًا على باب من أبواب الجنة؟»، يقول: يا أبا أنذا فاتني؟ قال: بلى يا نبي. فقال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله، فمن أصابه منا مصيبة كان ذلك له؟ قال: «نعم إذا صبر واحتسب».
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الأمراض والكفارات، قال بإسناده عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده، وكانت لجده صحبة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سبقت للعبد من الله عز وجل منزلة لم يبلغها بعلمه بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل».
وروى أيضًا بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا أَوْجَبْتُ لِعَبْدِي مُصِيبَةً فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذَلِكَ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ أَنْصِبَ لَهُ مِيزَانًا أَوْ أَنْشُرَ لَهُ دِيوَانًا﴾. قال: فصل.
قال ابن أبي الدنيا: هذا الحديث في سنده ضعف. قال ابن أبي الدنيا: قال بإسناده سمعت أبا خليفة العبدي قال: مات ابن لي صغير فوجدت عليه وجدًا شديدًا وارتفع عني النوم، فوالله ما عدت أستطيع أن أنام. والله إني لذات ليلة في بيتي على سريري وليس في البيت أحد غيري، وإني لمفكر في ابني إذ نادى منادٍ من ناحية البيت: السلام عليكم ورحمة الله يا أبا خليفة، فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله، ورعبت رعبًا شديدًا، فتعوذت ثم قرأت آيات من آخر سورة آل عمران حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلْأَبْرَارِ﴾.
قال: يا أبا خليفة! قلت: لبيك. قال: ماذا تريد؟ قال: أتريد أن تُخص بالحياة في ولدك دون الناس؟ أنت أكرم على الله أم محمد ﷺ وقد مات ابنه إبراهيم؟ وقد مات عليه الصلاة والسلام كل أبنائه إلا فاطمة في حياته. وتدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب. ماذا تريد؟ تكون أحسن من النبي عليه الصلاة والسلام؟ أتريد أن يرتفع الموت عن ولدك وقد كُتب على جميع الخلق؟ أم ماذا تريد؟ تريد أن تسخط الله في تدبير خلقه؟ والله لولا الموت ما وسعتكم الأرض، لكانت الأرض هائمة فيها ناس كثير، ولولا التأسي ما انتفع المخلوقون بعيش.
ثم قال لك: تتأسى بمن مضى قبلك، لما ترى من مضى قبلك وكيف خلص، أن الناس ماتت، فيكون لك أسوة فيهم. تتأسى أن أناسًا قبلك غادروا، وإلا لولا هذا الاقتداء والنظر في أحوال السابقين لما طاب لنا عيش، وكنا إذا فقدنا أحد أبنائنا أو أقاربنا جزعنا جزعًا شديدًا. ثم قال: من أنت؟ رحمك الله. قال: امرؤ من جيرانك من الجن، حتى الجن ينفعونك أحيانًا.
قال الحافظ أبو نعيم: قال حدثنا محمد بن كاسة، قال: لما مات ذر بن عمرو بن ذر، وكان موته فجأة، أتاه أهل بيته يبكونه، فقال: ما لكم؟ وأنا والله ما ظلمناه ولا قهرناه، ولا ذهب لنا بحق ولا أخطأ بنا ولا أريد غيرنا، وما لنا على الله معتب. فلما وضعه أبوه في قبره قال: رحمك الله يا بني، لقد كنت بي بارًا، ولقد كنت عليَّ حذقًا، وما بي إليك من مائل، حنونًا عطوفًا عليك، وما بي إليك من وحشة، ولا إلى أحد بعدك من فاقة، ولا ذهبت لنا بعز ولا أبقيت لنا من ذل، وقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك يا ذر، لولا هول المطلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه، فليت شعري يا ذر ماذا قيل لك وماذا قلت؟ ثم قال: اللهم وعدتني الثواب بالصبر على ذر، اللهم فاعفُ عن ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر صلة مني، فلا تعره قبيحًا وتجاوز عنه فإنك أرحم به مني، اللهم إني قد وهبت إساءته إلي، فَهَبْ له إساءته إليك، فإنك أجود مني وأكرم.
فلما ذهب لينصرف قال: انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك. ورواه من وجه قال: إن ذرًا لما انصرف، أراد أن ينصرف عن القبر فقال لابنه: انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا عندك ما نفعناك، خلص أنت عند رب العالمين.
ورواه من وجه أن ذرًا لما مات قال أصحابه: الآن يضيع الشيخ، يفلس ويجزع ويهلع. فسمعهم الشيخ وهم يقولون إنه الآن سيجزع، فبقي متعجبًا ثم التفت إليهم وقال: أضيع؟ والله حي لا يموت! ثم سكت حتى دفن ولده، فلما وُوري في التراب وقف على قبره ليسمعهم، الذين حكوا الآن سيجزع الشيخ، قال: رحمك الله يا ذر، ما علينا بعدك من خصاصة.
وما بنا إلى أحد مع الله حاجة، وما يسرني أن أكون المقدمة قبلك، خلص انتهى، ولولا هول المطلع لتمنيت أن أكون مكانك، لولا خوف القيامة لتمنيت أن أكون الآن أنا مكانك. ثم رفع رأسه وقال: «اللهم قد وهبت حقي فيما بيني وبينه، اللهم فهب حقك فيما بينك وبينه». له زي ما حكينا، ربنا سامحه ويدعو أن الله يسامحه.
وساق نوحاً من القصة الأولى، فبقي القوم متعجبين مما جاء منهم؛ إن هم كانوا متوقعين أن الشيخ سيجزع، ومما ظهر من الشيخ من الرضا والتسليم.
وعن الحسن، عن الحسن البصري، أن رجلاً جزع على ولده وشكى ذلك إلى الحسن البصري، فقال له الحسن: «كان ابنك يغيب عنك؟ كان ابنك أحياناً بيروح بيلعب وبيغيب عنك؟» قال: نعم. قالت: «غيبته أكثر من حضوره؟» قال: نعم، كان يغيب في الحارة ومع الأولاد وبيروح ويرجع آخر الليل، يعني أنا ما كنت أشوفه إلا ساعة ساعتين. فقال: «فانزله إذاً غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبة خير لك، فهي نفع أعظم من هذه الغيبة، هذه إلى القبر، هذه أخير الغيبات؛ لأنك استودته عند الله سبحانه وتعالى ولا تخيب ودائعه». قال: «يا أبا سعيد، هونت عليّ وأجزي عليّ ابني، جزاك الله خيراً». خلاص، كما قلت لك، الصبر على المصيبة هو فكرة أنت تحتاج أن تستحضرها تهون عليك.
وعن سلمة، قال: لما مات ابن عمر بن عبد العزيز كشف أبوه عن وجهه وقال: «رحمك الله يا بني، فقد سررت بك يوم بشرت بك، ولقد عمرت مسروراً بك، وما أتت علي ساعة وأنا فيها أسر من ساعتي هذه». أما والله إن كنت لتدعو أباك إلى الجنة، وقال: «نعم»، يعني أنه صحيح كنت مسروراً بك لما ولدت وعشت معنا وأنا مسرور بك، لكن هذه الساعة، ساعة موتك، أنا مسرور بها أتم السرور لأنك ستأخذني إلى الجنة بصبري على موتك.
وقال أبو الفرج بن الجوزي، أبو الوفاء بن عقيل -وطبعاً أبو الوفاء بن عقيل كان له أولاد نجباء وماتوا، مات له ولدان وكانوا فقهاء- قال: مات ولدي عقيل، وكان قد تفقه وناظر، مات ابن عقيل وعمره ثمان وعشرون سنة تقريباً، فتعزيت بقصة عمرو بن ود الذي قتله علي بن أبي طالب، فقالت أمه ترثيه: «لو كان قاتل عمر غير قاتله ما زلت أبكي عليه دائماً الأبدي، لكن قاتله من لا يقاد به». كان يدعى أبوه بيضة البلد. وكأنها تقول لعمرو بن ود: لو قتلك غير علي -رضي الله عنه- لفزعت وجزعت، لكن يكفيك شرف أنه الذي قتلك علي بن أبي طالب، الذي أبوه أبو طالب بيضة البلد وتاج البلد، فخلص هذا يهون علي.
والنفس الشيء، كأن ابن عقيل يقول: الذي يهون عليّ موت ابن عقيل هو أن الذي أخذه هو الله، الذي هو أرحم الراحمين، فهذا يهون عليّ. قال: «فأسلاها وأعزاها جلاله القاتل، فنظرت إلى أن قاتل ولدي الحكيم المالك، فنظرت إلى أن قاتل ولدي الأدب العقيل». بيحكي من الذي قتل ولدي وتوفاه؟ هو الحكيم سبحانه المالك، فهان القتل والمقتول لجلالة القاتل وعظمته سبحانه وتعالى.
لو هذه الأحاديث والآثار أكثر ورودها في الولد الذي لم يبلغ الحنث، ولكن الولد الصالح البالغ أشد مصيبة على والديه، أكثر حزناً وجزعاً منهما على الولد الصغير، خصوصاً إذا كان قد برز في العلم أو له بر وإحسان إلى والديه وأقاربه وأصحابه، أو له صفات جميلة وأفعال حميدة، وأين يقع الولد الصغير موقع الكبير في النفع لوالديه ولغيرهما إذا كان متصفاً بما ذكر؟ فهل يستريب عاقل أن الحزن عليه أشد؟ فكذلك أجره وثوابه أعظم وأكثر.
جميع الأحاديث التي مرت معنا: من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث، من مات ولا فاقول لك، أيهما أشد ألماً: أن يموت ابنك ولم يبلغ الحنث، ولا أن يموت بعد ما صار عمره في العشرين وصار رجلاً وصار من أهل الخير وباراً بك؟ أكيد ذاك. لماذا لم يذكر ثوابه أحياناً؟ في بعض الثواب لا يذكر لأن الله ادخره لأصحابه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكان في هذا تنبيه على هذا. إذا كان الصغار ثوابهم أنهم جن من النار، فما بالك بموت أبنائك الكبار؟
قال: فإن قيل البالغ قد جرى عليه القلم وهو من المكلفين، في نهايته يخلص نفسه يعتقها أو يوبقها، قيل: الجزاء على الكبير إنما يحصل على الصبر على المصيبة والاسترجاع والحمد لله، بل هو داخل في قول النبي ﷺ: «ادخل الجنة ثواب ما قد أخذ منك».
وروى ابن منده من حديث ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة، النسائي يقول لك إنه البعض يقول لك إن هناك فرقاً بين الكبير والصغير، لأن الصغير مات ولم يبلغ الحنث فينفع والده؛ لأنه ليس عليه آثار فيشفع لوالديه، أما الكبير، ابنك الكبير لو مات فهذا دوبه يخلص حاله لأنه مكلف، يخلص نفسه فيعتقها أو يوبقها، فما لك مصلحة فيه كبيرة كما لو كان ابنك الصغير الذي يشفع لك. فقيل: يعني الجزاء على الكبير إنما يحصل على الصبر على فقده، وليس على قضية أنه سيشفع لك ابتداءً أو لا.
قال عن حسان بن كريب، أن غلاماً منهم توفي بحمص فوجد عليه أبوه، فقال له: «أحوشب، شو قصتكم على الحمص؟ كثير ناس بتوت عنكم». قال: ألا أخبرك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول في مثل ابنك، إن رجلاً من الصحابة كان له ابن قد أدرك، وكان يأتي مع النبي ﷺ مع أبيه إلى رسول الله ﷺ ثم توفي، فوجد عليه قريباً من ستة أيام. وهذا الحديث ذكر فيه أنه أدرك، وذكر فيه دخول الجنة: «ثواب ما أخذ منه»، وقد تقدم رواية الإمام أحمد، لكن لم يذكر فيه روايته أنه أدرك.
وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر بإسناده، قال عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات له ابن أو ولد، سلم أو لم يسلم، رضي أو لم يرضى، لم يكن له ثواب دون الجنة».
قال وفي لفظ آخر: «من مات وله من مات له ابن، صبر أو لم يصبر، احتسب أو لم يحتسب، لم يكن له ثواب إلا الجنة». وقد روى ابن عساكر هذا الحديث بعدة طرق، وإن كان قد تكلم في بعضها أو في أكثرها.
قال ففيها بشارة عظيمة لأكثر الناس في زماننا هذا؛ لأن بموت الولد في غالب أهل زماننا يحصل لوالديه جزع وعدم تصبر، وما ذاك إلا لقلة الزواج الشرعي، فإن الوعد والوعيد يحصل للعبد به تسلية عظيمة. فنسأل الله تعالى ألا يمتحننا، وإن امتحننا أن يثبتنا.
وقال أبو القاسم العساكري عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في صفة بالمدينة، فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه، فرد ملك الموت عنه».
«ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله عز وجل فطرد الشياطين عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم».
«ورأيت رجلا من أمتي يلتهب عطشا، كلما دنى من حوض منع منه، فطرد رمضان فأسقاه وأرواه. ورأيت النبيين حلقا حلقا، كلما دنا إليه حلقه طرد، فجاءه غسل من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ﷺ. ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة، على يمينه ظلمة وعلى شماله ظلمة، فوقه ظلمة وهو متحير، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور».
«ورأيت رجلا من أمتي يتقي بيديه ووجهه وهج النار وشررها، فجاءته فصارت سترا بينه وبين النار وظلا على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءت صلة لرحمه فقالت: يا معشر المؤمنين، إنه كان وصولا للرحم فكلموه، فكلمه المؤمنون وصافحوه وصاروا فيه. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته زباني جهنم، فجاءه أمره بالمعروف ونيه عن المنكر فاستنقذه من أيديهم وأدخله في ملاك الرحمة».
«ورأيت رجلا من أمتي جافيا على ركبتيه وبين الله عز وجل حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل. ورأيت رجلا من أمتي هوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فوضعها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءته أفراطه، أي أطفاله الصغار الذين ماتوا، فثقل ميزانه».
وهذا موطن الشاهد: «ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءته أفراطه فثقل ميزانه». من أجل هذه النقطة؛ أنه كيف أن أطفالك الصغار يساعدونك إذا خف ميزانك.
«ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فأسقطه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي قد هوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله عز وجل فاستنقذته من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكن رعدته ومضى».
«ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط ويحبو أحيانا ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته عليّ فأنقذته وأقامته على قدميه. ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله فتحت له أبواب الجنة وأدخلته الجنة، فجاءته صدقته فصارت سترا بينه وبين النار».
هذا الحديث قد ذكر جماعة من الحفاظ أن لوائحه الصحة ظاهرة عليه، وأن القلب يركن إلى متنه، وبكل حال في هذا الحديث بشارة عظيمة للأمة عامة، وفيه تطيب خاطر الوالدين على الأطفال خاصة، سواء كان الطفل قد ولد قبل الإسلام أو بعده؛ فإنه ﷺ قال: «رأيت رجلا من أمتي خف ميزانه فجاءته أفراطه فثقل ميزانه».
وأيد ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة». قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]. فالوالدان اللذان يتوفيان على ما فطرهم الله عليه من التوحيد هم من السعداء الذين يدخلون الجنة بلا عمل عملوه ولا خير قدموه، بل برحمة الله لهم ومنته عليهم، والأعظم من هذا أنهم يشفعون في آبائهم.
ولهذا يكونون في البرزخ في كفالة أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، كما ثبت في الصحيح من حديث سمرة بن جندب في المنام الطويل أن النبي ﷺ جاءه جبريل وميكائيل، فانطلقا به فأرياه عجائب، وفيه: «والصبيان حوله». وفي لفظ البخاري: «والولدان حوله».
«فكل مولود يولد على الفطرة»، فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فطرة الله" التي أضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذنب، فإضافة الفطرة إلى الله هي إضافة تشريف واختصاص، فلا بد أن تكون فطرة محمودة لأنها إضافة تشريف؛ فأخي موجهك للدين عنفه فطرة الله، ولهذا نُصب على المصدر، أي على المفعول المطلق، فدل على أن إقامة الوجه للدين حنيفاً.
هو فطرة الله التي فطر الناس، والوجه هو نفسه فطرة الله، فـ "فطرة الله" مفعول مطلق معنوي. كقوله: "قم وقوفا"، فـ "وقوفا" يجوز إعرابها مفعول مطلق معنوي لـ "قم" لأنها متقاربة في المعنى، فالمصدر معناه المفعول المطلق الذي على المصدر.
ولهذا نصب على المصدر الذي دل عليه، وكلمة "الذي" سقطت من النسخة. قال كما في نظائره مثل قوله تعالى: ﴿كِتَابُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾، فهو عندهم مصدر منصوب بفعل مضمر لازم إضمارُه دل عليه الفعل المتقدم، كأنه قال: كتب الله عليكم هي كتابته، أو سن الله لكم سنته. كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ ذَٰلِكَ﴾ [الفتح: 10].
قال رحمه الله تعالى: وقد تكلمنا على الأطفال وأشبعنا الكلام فيهم من كتاب مفرام كشفه فليطلبه، لكن لا يليق تطويله ليس بمصدر بأكثر من هذا، فهذا تنبيه أن الأطفال إنهم يردون على الفطرة، وقد ذكرنا في الفطر نحو عشرين قولا في المصنف المشار إليه في هذا الموضوع.
فصل: في التأسّي ببعض ما كان يفعله الصحابة والتابعون عند ورود المصائب. قال: فقد ثبت في صحيح الباري عن أنس قال: اشتكى ابن أبي طلحة فمات، وأبوه أبو طلحة خارج، فلما رآه خرج من المنزل. قال: فمات وأبوه أبو طلحة خارجا، فلما رأت امرأته أنه قد مات -حديث شرحناه في رياض الصالحين- هيأت امرأته شيئا وجعلت ابنها في جانب البيت.
فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: هدأت، قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح. وظن أبو طلحة أنها صادقة، أنها هدأت نفسه، أي قصدها أنه مات لكنها عرضت له. فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبره بما كان منها. فقال رسول الله ﷺ: «لعل الله أن يبارك لهما في ليلتيهما»، لأنه ما جامع فيها، هل عرصتم الليلة؟ كما جاء في بعض الروايات أنها جعلته يجامعها ثم أخبرته أن ابنه مات.
أم سليم عظيمة في صبرها، حتى يكون الرجل مستعدا لاستقبال الخبر، هذا مثال على صبر أم سليم. وفي لفظ أنها قالت لأهلها لما مات ولدها: "لا يكلم أبا طلحة أحد قبلي". فلما دخل سأل عن الصبي، فقالت: إنه قد هدأ مما كان، وقدمت له طعاما فأكل، ثم تصنعت له حتى وقعها، ثم قالت: يا أبا طلحة، أرأيت قوما أودعوا وديعة ثم طلبوها منهم، فما أحب أن يؤدوها إليهم؟ قال: بلى. قالت: فاحتسب ابنك.
فغضب لما صنعت به، فلما كان الصباح ذهب إلى رسول الله ﷺ يشكوها إليه، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما». فجاءت بغلام حنكه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله، وهو الذي كان من سلالته، وهو الذي كان رسول الله ﷺ يداعبه ويقول له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» أي ما فعل عصفورك.
فهذه امرأة قد تصبرت ورضيت وتثبتت واحتسبت، فأخذ الله لها خيرا من الذي أصيبت به. فإذا نظر من أصيب بمصيبة إلى امرأة قد فعلت عند المصيبة أمرا لا يكون إلا عند السرور والأفراح، فليتأسَّ الشخص وليتعلم أوصاف السابقين الأولين، ويعلم أن الرجال أولى بهذا الصنيع والصبر من النساء.
ولم تُصب امرأة في الوجود بما أصيبت به فاطمة رضي الله عنها، التي هي سيدة نساء أهل الجنة، فإنها أصيبت بموت أبيها رسول الله ﷺ، ولم تقل في هذه الحال العظيمة إلا قولا صدقا محفوظا عنها، فإنها قالت: "يا أبتِ، من ربه ما أدناه! يا أبتِ، إلى جبريل انعاه! يا أبتِ، أجاب ربا دعاه! يا أبتِ، جنة الفردوس مأواه!".
فالذي ينبغي لنا التأسّي بسادات المسلمين من الرجال والنساء. مات رجل من السلف فولد، فعزاه سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وآخرون وهو في حزن شديد، حتى جاءه الفضيل بن عياض فقال: "يا هذا، أرأيت لو كنت في سجن وأُفرج عن ابنك قبلك، أما كنت تفرح؟" قال: بلى. قال: "فإن ابنك خرج من سجن الدنيا قبلك". فقال: "فسُري عن الرجل"، قال: "وتعزيت". قال: "جزاك الله خيرا".
وقال مالك: إنه بلغه عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما يزال المؤمن يصاب في ولده وخاصته حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة». وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري. والمقصود أن من سمع بهذا الحديث وكان قد أصيب بمصيبة حصل له تسلية.
ومن التأسّي من أصيب في نفسه فصبر وعزى نفسه وتكلم بما حفظ عنه، لما حضرت معاوية الوفاة قال: "اقعدوني" فأقعدوه، فجعل يذكر الله ويسبحه، ثم قال: "الآن تذكر ربك يا معاوية بعد الانحطام والانهزام؟ الآن؟ ألا كان ذلك وغصن الشباب ريان؟". وبكى حتى على بكائه، وهو يتكلم مع نفسه، معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يتكلم مع نفسه: الآن جاءت تستغفر بعد ما أفنيت حياتك في الحكم والملك؟
ثم أنشد: هو الموت لا منجا من الموت، والذي أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع.
ثم قال: «اللهم يا رب ارحم الشيخ العاصي والقلب القاسي، اللهم أقل العثرة واغفر الذلة، واغفر لي من غير سواك».
ثم قال لابنه: «يا بني، إذا وافاني أجلي، فأحضر إلي المنديل الذي في الخزانة، فإن فيها ثوبًا من أثواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقراضه من شعره وأظفاره، فاجعل الثوب في مما يلي جسدي، واجعل أكفاني فوقه، واجعل القراضة في فمي وأنفي وعيني، فإن نفعني شيء بهذا؛ فهذا الذي سينفعني إن شاء الله، بركة النبي عليه الصلاة والسلام تكون علي وعلى جسده، فإذا وضعتموني في قبري فخلوا، يا أرحم الراحمين، فخلوا».
قال: ولما حضرت أبا هريرة رضي الله عنه الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: «يبكيني بعد السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، والعقبة الكؤود». والعقبة الكؤود هي المهبط منها إما إلى الجنة وإما إلى النار.
ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قال: «اجلسوني»، فأجلسوه، فقال: «اللهم إني الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فاعصيت، فإن غفرت فقد مننت، وإن عاقبت فما ظلمت، لا إله إلا أنت».
وقال سليمان التميمي: دخلت على بعض أصحابنا وهو في النزع، فرأيت من جزعه ما ساءني، فقلت له: هذا الجزع كله لماذا؟ وقد كنت بحمد الله على حال صالحة. قال: «ومالي لا أجزع؟ ومن أحق مني بالجزع؟ والله لو أتتني المغفرة من الله عز وجل لأهمني الحياء منه مما أفضيت به إليه». يعني لو ربنا غفر لي سأظل مستحيًا من الذنوب التي فعلتها تقصيرًا في حقه حتى لو غفر لي. سبحان الله!
قال: ولما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جعل يقول: «والله لو وجدت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها، ولم أحكم المسلمين».
قال: وذكر محمد الطائي الهمذاني في «إرشاد السائرين إلى منازل المتقين» ذكر بإسناده إلى المثني قال: دخلت على الشافعي رحمه الله في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت؟ قال: «أصبحت من الدنيا راحلًا، والإخوان مفارقًا، ولسوء فعلي ملاقيًا، وبكأس المنية شاربًا، وعلى الله عز وجل واردًا. فوالله ما أدري أروحي تسير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها». ثم بكى وأنشد:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي .. جعلت رجائي نحو عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته .. بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو من الذنب لم تزل .. تجود وتعفو منه وتكرما فلولاك لم يقو إبليس عالم .. وكيف وقد أغوى ضعيفك آدم؟
فما زلت في خطا في تشكيلها.
وقال بعض الصالحين لخادمه وقد حضرته الوفاة: «يا غلام، شد كتافي وعفر فخذي في التراب». ففعل الغلام بذلك، ثم قال: «دن الرحيل»، ثم قال: «اللهم لا براءة لي من ذنب، ولا عذر أعتذر به، ولا قوة فانتصر بها، أنت لي، أنت لي»، ثم صاح صيحة فمات، فسمعوا صوتًا يقول: «اشتكى العبد لمولاه، فقبله سبحانه».
قال رحمه الله تعالى: فصل، ومن المطالب العالية والبشارات الهائلة لمن أصيب بمصيبة، وقد تقدم غالبها، ثم نذكر من لم يقدم من ولده شيئًا. قال الإمام أحمد قال بإسناده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس؛ بخ بخ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والولد الصالح يموت للرجل فيحتسبه».
قال: وقد روي هذا الحديث بعدة طرق عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الحشحاش قال العنبري، وهو صاحب بنحو من هذا لكن بلفظ: «بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان»، ورواه ابن سعد في الطبقات من حديث سلام الأسود: «الولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه عند الله أيضًا».
قال أبو القاسم بن عساكر قال بإسناده عن هانئ بن حثيم، عن عبد الله بن عباس قال: توفي ابن لصفية، ابنه عبد المطلب، فبكت عليه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبكين يا عمه؟ من توفي له ولد في الإسلام كان له بيت في الجنة»، فسكتت.
قال رحمه الله: وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى عَبْدًا مُؤْمِنًا عِنْدِي جَزَاءً إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّةَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ﴾.
قال: وقال الترمذي في جامعه قال بإسناده قال: سمعت جدي أبا سماكة بن الوليد يحدث أنه سمع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان له فرطان من أمتي قدم ولدين، أدخله الله بهما الجنة». فقالت عائشة رضي الله عنها: «فمن كان له فرط من أمته؟». قال: «ومن كان له فرط يا موفقة؟». قالت: «يا موفقة! لأنه أنت استبقت في ذلك». قالت: «فمن لم يكن له فرط من أمته؟». قال: «فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي».
قال الترمذي: فبالتالي لو شخص ليس عنده أولاد، ربنا لم يرزقه أولاد أو عنده أولاد لكن ماتوا، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرط لنا جميعًا، هو الذي سبقنا، اعتبروه فرطًا لمن لم يكن له ولد، قدمه.
قال: وقد روينا في جزء ابن عرفة مرفوعًا: «الموت كفارة لكل مسلم». والمقصود أن من لم يصب في أولاده أو لم يكن له أولاد فالنبي صلى الله عليه وسلم فرطه، لكن أهل المصائب أيضًا يشاركونهم في النبي صلى الله عليه وسلم، فيحصل لهم أجر من جهتين. وقد يحصل للشخص أجر من جهات عديدة؛ فالذين أصيبوا في أولادهم لهم أجر في أولادهم وفي فقدهم، والنبي عليه الصلاة والسلام، والذين لم يصابوا في أولادهم فأجرهم من جهة واحدة. وقد يحصل للشخص أجر من جهات عديدة من موت وحريق ونهب وغير ذلك مما يكفر الله به السيئات ويرفع به الدرجات.
الباب السابع: في ذكر السقط وثوابه وزيارة القبور. قال الإمام أحمد قال حدثنا عفان قال بإسناده عن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده...».
أخوان هذه الآيات وهذه الأحاديث تعطيك نعمة الإسلام. يعني اليوم الإنسان الغربي أو الكافر لما يموت له ولد، ما القيم والمعاني التي تصبره؟ وهذا هو السؤال، لذلك تجدهم يسعرون فيهم الأمراض النفسية والاكتئابات، ليش اليوم العلوم النفسية والطب النفسي يتطور لكثرة الأمراض النفسية عند الغرب؟ ثم انتقل إلى العالم.
الإسلامي وصرنا نحن نحذو حذو الغرب في تطوير الأمراض النفسية والأدوية النفسية. من أسباب انتشار الأمراض النفسية أنه ما في معاني تصبر عند البلاء، فما أسرع الاكتئاب والحزن والصدمات والانتحار وما شابه ذلك؛ أنه لا يمتلك أي معنى يجعله يصبر عند فقد الأحبة. أما هذا الكتاب يعطيك هذه المعاني التي من أجلها تصبر. شوف كيف مثلا، قوله: «أعطني شيئًا صبرني»، بعطيك كلمة: "تعزيت"، انتهت. "سخّرت قلبي قليلاً"، صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ يُبني لك بيتٌ في الجنة». تجد أن هذه المعاني تبعد عنك هي الاكتئابات والأمراض والزلازل التي تحصل في قلوب غير المؤمنين بالله وبالآخرة.
قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمّه بسُرّتِه إلى الجنة» إذا احتسبته. ورواه ابن ماجه أيضًا والدارمي من حديث يحيى بن عبيد الله التيمي. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السقط ليراغم ربه عز وجل إذا أدخل أبويه النار». السرر هي الذي يكون مربوطًا في السرة، وهو الحبل السري؛ يعني يجر أمه بالحبل السري لأنه أصلاً مات وهو في رحمها فكان بالحبل السري، راح يجر أمه للجنة. قال: «إن السقط ليراغم ربه عز وجل إذا أدخل أبويه النار»، فيقال: أيها السقط المراغم ربه، أدخل أبويك الجنة. يعني ينازع ربه، يقول: يا رب يا رب، ما بدي أبوي يدخل الجنة أو النار، عفواً أدخله الجنة.
وروى ابن ماجه أيضًا بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لسقطٌ أقدمه بين يدي أحبُّ إلي من فارسٍ أخلفه خلفي». وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نودي في أطفال المسلمين أن يخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم، ثم ينادى أن يمضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: يا ربنا ووالدانا معنا؟ فينادى فيهم المرة الثانية: انمضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: يا ربنا ووالدانا معنا؟ فيبتسم الرب جل وعلا في المرة الرابعة فيقول: ووالداكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم فيدخلونهم الجنة». لهم أعرف بأبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم والذين في بيوتكم. وروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: من أولادكم -الذين بدون الواو- لهم أعرف بأبائهم؛ من أولادكم الذين الآن عايشين معكم في بيوتكم. ممكن يقول: كيف هذا الطفل الذي عمره سنة أو سنتين بده يعرف أنه هذا أبوه؟ هو ما كان متعقله أصلاً. قال لهم: اعرفوا بأبائهم منكم أنتم الآن، من أولادكم الذين بيشوفوكم الآن وبيتعاملوا معكم.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده قال: حدثنا داوود بن أبي هند قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكان الناس يدعون إلى الحساب. قال: فقربت إلى الميزان، فوضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينما أنا كذلك مغموم، إذ أتيت بشيء كالمنديل أو كالخرقة البيضاء، فوضعت مع حسناتي فرجحت على السيئات. فقيل: تدري ما هذه؟ قلت: لا. قال: سقطٌ كان لك، طفل صغير مات سقط. قلت: فإنه قد مات لي صبيّة، ابنة لي. فقيل لي: تلك ليست لك؛ لأنك كنت تتمنى موتها. قلت: فإنه وقد ماتت لي صبيّة ابنة لي. قال: هذيك ليست لك؛ لأنك كنت تتمنى موتها. بتعرف بعض الناس عنده جاهلية، إذا عرف مثلاً تجيه بنت بظل محزون، فإذا ماتت يقول لك: "أجا الفرج"، هذه التي تحكي "أجا الفرج" إذا ماتت ما حسبنا لك؛ لأنك كنت تريدها أن تموت خوفاً من العار، أما التي حسبناها لك فهي التي كنت تتمنى بقاءها.
وروى يزيد بن أبي مريم عن أبيه عن سهل بن الحنظلية الأنصاري، كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان لا يولد له، أنه قال: «لأن يولد لي ولو سقط فأحتسبه أحب إلي من الدنيا جميعاً».
فصل في زيارة القبور: زيارتها مستحبة، وهي تذكر الآخرة وتفرح الموتى بما يحصل لهم من الأحياء من قراءة واستغفار ودعاء وصدقة ونحو ذلك. فزيارة القبور هي للأحياء وللأموات؛ فالحي يتذكر الآخرة والموت، الذي ما ذكر في قليل من متاع الآخرة إلا كثرة، ولا في كثير من متاع الدنيا إلا قلّة. دائماً الموت يقلل الدنيا ويكثر الآخرة، ويقرأ على نفسه آيات الصبر وقصر الأمل، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. وفي صحيح البخاري، وفي حديث ابن عمر، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمقبض أبي، وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». فإذا تذكر ذلك حصل له الخشوع والإقلاع وتذكر من سلف من الأهل والأقارب.
هذا في الزيارة النافعة، لا كما يفعل في زماننا، هذا من البدع في الزيارة؛ يوم الخميس ويوم السبت، فتتزين النساء ويتبهرجن ويجلسن على القبور. وقد نهى في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تجلسوا على القبور». لكن اختلف العلماء في الجلوس؛ فأكثر العلماء على أن الجلوس المنهي عنه هو التغوط، وقال مالك: لا، الجلوس المنهي عنه هو التغوط، هذا معنى أنك لا تجلس على القبور؛ لا تتغوطوا عليها. والله أعلم. وإن ابن عمر كان يجلس على القبور، لكن البعض قال كان يجلس لحاجة، ولذلك في مذهب الحنابلة يكره الجلوس على القبر ولا يحرم إلا إذا كان هناك حاجة أو ضغط أو ما شابه ذلك في القبور. وإن عثمان بن حكيم قال: أخذت ابن زيد بيدي فجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت أنه قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليها، أي تغوط عليها، كما فسر ذلك مالك في الموطأ. والمقصود أن النساء يخرجن إلى المقابر وتحضر الشبان وتحضر شباب الفسقة فيجلسون.
على سكك المقابر، ويخون سكة طريق المقابر حتى ينظروا إلى النساء المتجملات، هذه ما عادت تذكره للآخرة، هذه صار اختلاط. قال: وتحضر الشباب الفسقة فيجلسون على سكك المقابر ويختلطون بهم في الغالب، وربما تصعد السوقة بملاذ المآكل وغيرها للبيع والشراء، ربما تحدث بما لا يليق؛ فهؤلاء قبحهم الله تعالى وأبعدهم عن بابه وختم على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم لأنهم يشاهدون منازل الآخرة عن المقابر وهم معرضون عما يراد به.
كحال كثير من الناس، تجد يثب القبر وهو يدخن ويتكلم عن صفقات البيع والشراء، وينظر في الجوال لمعصية وهو ذاهب، تتعجب. قال: وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الموتى يتأذون بفعل المعصية عندهم، وفي زماننا هذا تفعل المعاصي في الترب، فيحصل إلى الموتى الأذى بذلك. قال: كما نص أحمد على ذلك؛ لأنهم رحمهم الله تعالى قد تيقنوا شؤم عاقبة الذنب وعاينوا عين اليقين، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
نص الإمام أحمد على أن الزيارة للقبور يوم الجمعة قبل طلوع الشمس، فإن الأموات يرون زائرهم. وقال الغزالي في إحياء علوم الدين: الزيارة تكون يوم الجمعة ويوم النبت قبل طلوع الشمس، ويستحب الإكثار من ذكر الموت كما ثبت في الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر الموت؛ فإنه يهدم اللذات».
ويستحب للشخص إذا دخل المقابر أن يسلم على أهل المقابر، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد».
وفي صحيح مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، نسأل الله لنا ولكم العافية. وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم المؤمنين».
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر»، ورواه الترمذي وهذا لفظه وقال: حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم».
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فامسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأَسقِيَةِ كلِّها ولا تشربوا مُسْكِرًا». وللإمام أحمد والنسائي: «نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا يقل هُجْراء».
وهذا يدل على أن ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن زيارة القبور، والسبب في ذلك أنه أراد أن يحسم مادة الشرك، فنهاهم لما كانوا ما زالوا قريب عهد بجاهلية حتى تحسم مادة تعظيم القبور، فلما قوي إسلامهم وصلب دينهم أذن لهم، للرجال خصوصًا، بزيارة القبور بشرط ألا يقولوا هُجْراء.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». وفي لفظ له قال: زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».
وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة». ورواها ابن ماجه من حديث ابن مسعود وفيه: «فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة». ورواه أحمد أيضًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا وفيه: «فزوروها فإن فيها عبرة».
وفيه دليل لمن جوز زيارة القبور للنساء؛ الحديث جاء عامًا، فعمومه يدخل فيه النساء إذا أردت أن تنظر إلى العموم. وللعلماء ثلاثة أقوال في زيارة النساء للقبور: الأول تحريمها لحديث «لعن الله زوارات القبور»، الثاني كراهة الزيارة وهذا ما عليه مذهبنا، الثالث يباح لهن لما تقدم من الأحاديث العامة: «فزوروها فإنها تذكر الآخرة». فالنساء يدخلن في خطاب الرجال على الصحيح عند الأصوليين، فقوله «فزوروا» هي الواو وإن كانت تخاطب الرجال، لكن النساء يدخلن تبعًا كما مر معنا في بلغة الوصول، فكلمة "لا" هذه النافية في غير مكانها.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعني؟ قلنا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عندي، وضع رداءه وخلع ثوبه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه ورويدًا وارتعل، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا، وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت بإزاره.
فكرت النبي صلى الله عليه وسلم، هذه عن زوجة ثانية، لبست حجابها وجلبابها وراحت. ثم انطلقت في أثره حتى أتى البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف، فانحرفت فأسرعت فهرولت، فأحضرت فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فقال: «مالك يا عائشة، حشيا رابية؟»؛ يعني نفسك صوته طالع يا عائشة ما كانت تركض. قلت: شيء. قال: «يخبرنا اللطيف الخبير».
قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، فقال: «أنت السواد الذي رأيته أمامي؟» قلت: نعم. فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: «أظننت أن يخيف الله عليك ورسوله؟ أنا أغشك». قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله. قال: «فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفيته منك فأخفيتُه منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك».
«وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخفيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن توقظك لما أردت أن أخرج حتى لا تستوحشي». نعم، فقال: «إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون».
من يقول لي هو لماذا أتى بهذا الحديث؟ ولماذا هو يريد أن يستدل بهذا الحديث على ماذا؟ الاستدلال على زيارة المرأة للقبور. كيف؟ أين وجه الشاهد؟ وجه الشاهد أنه هي الموطن الأخير. لما قالت: كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ هل قال لها: أوعك تزورين القبور؟ لا، لم يقل لها لا أنتِ ما لك دخل في الموضوع، بل قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين. إذا هو لم ينكر عليها أنها تزور القبور.
لكن سيبقى هناك إشكال؛ أنه هذا الدعاء يقال سواء دخلت المقبرة أو مررت عليها، ومرور النساء بجانب المقابر لا إشكال فيه، فهي أصلاً راحت. لا، هي ما ذهبت للقبور، هي ذهبت تبحث أين هو. فالمرأة لو راحت المقبرة تدور على زوجها، لا أظن أنه أصلاً في إشكال عند أحد؛ لأنها راحت تدور، لم تذهب لتزور القبور. ومع ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام لم يعرف أنها كانت مراقبة وليست زائرة للقبور، فلا ينظر في هذا، وإنما ينظر في قولها: «كيف أقول يا رسول الله؟» فقال: «قولي السلام على أهل الديار».
طبعاً هنا كما قلت، من سيأخذ الحديث بعمومه أنه علمها كيف تقول سواء في الظاهر دخلت القبور أو مرت بها، فمن هذا الجانب استدل المنبجي على أن المرأة يمكن أن تزور القبور. والذي يظهر لي أننا نقرر المذهب أنه يكره للمرأة زيارة القبور، لكن في المرة والمرتين؛ يعني لو مرة أو مرتين في غير الأعياد والمواسم التي يفعلها بعض الناس، أعتقد فيه استثناء. يعني لو فعلت مرة أو مرتين لتذكر الآخرة، أو مثلاً لوالدها مات مرة فذهبت زارته مرة وانتهت، مثل هذا ورد عن بعض السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلنه، أما أن تصبح عادة لهن زيارة القبور فهذا على أصل الكراهة، والله أعلم.
قال: الباب الثامن في تطيب خاطر الوالدين على الأولاد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]. قال: وقد ذكر البغوي في تفسيره بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه». ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
قال: ففي هذه الآية والحديث دليل على تطيب خاطر الوالدين على أطفالهم، وهذا الذي ينبغي أن يطيبوا؛ أن يطيبوا أنفسهم ويقروا أعينهم، فإنهم وإن كانوا كباراً فهم من أهل التوحيد والإسلام، وإن كانوا صغاراً فهم ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لأنهم ماتوا على الفطرة السليمة، وهم من السعداء الذين يدخلون الجنة بلا عمل عملوه ولا خير قدموه، بل برحمة الله ومنته عليهم. ولهذا يكونون في برزخهم في كفالة أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، كما في دعاء الميت إذا كان صغيراً: «واجعل في كفالة إبراهيم».
وكما ثبت في الصحيح البخاري من حديث سمرة بن جندب، وقد تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المنام قال فيه: «فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة». فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين». وفي رواية البخاري أيضاً: «والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله أولاد الناس». وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد على الفطرة، فآباه يهودان أو ينصران أو يمجسان كما تنبت البهيمة بهيمة جمعاء». هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: 30]. الحديث رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري.
قال أبو بكر القطيعي: حدثنا بشر بن موسى قال بإسناده عن عون عن حسناء قالت: تحدثتني عمتي، قالت: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال النبي ﷺ: «الشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة». وكذلك رواه بندار عن غندر عن عوف فذكر مثله.
وقال الفراء في كتاب معان القرآن عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: 38-39]، قال علي رضي الله عنه: هم الولدان. وقال الفراء: البعض فسر ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ بأن كل نفس بما كسبت رهينة، أي مسؤولة عما كسبت، إلا أصحاب اليمين؛ فالبعض قال: من هي النفس التي ليست مسؤولة عن عملها؟ هي النفس التي لا تكليف عليها، وهؤلاء هم الأطفال، ففسر البعض أصحاب اليمين بناءً على هذا، وهو تفسير علي بن أبي طالب بأن أصحاب اليمين في هذا السياق هم الولدان الذين ماتوا قبل الحنث. قال الفراء: وهو شبيه بالصواب لأن الولدان لم يكتسبوا شيئاً حتى يرتهنوا به.
وفي قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 43-46]، الكبار يعرفون ما الذي سلكهم في سقر؟ فالذين سيسألون المجرمين ما الذي سلككم في سقر هم الصغار الذين لا يعرفون لماذا دخلوا النار، أما أنت فتعرف لماذا الكفار دخلوا النار. فهذا أيضاً مما يقوي هذا التفسير بأنهم الولدان لأنهم لم يعرفوا الذنوب، فلهذا يسألون الكفار: ما سلككم في سقر.
ولكن روى العقيلي بإسناده عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾، أنهم أطفال المسلمين بالتحديد، فظاهر هذه الرواية التخصيص بهذه الأمة وليس عموم الأطفال، قال: أطفال المسلمين، وليس أطفال المشركين. وهذا قول. وقال البغوي في التفسير: ﴿أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ اختلوا فيها، فعن علي أنهم أطفال المسلمين، وهذا يوافق ما رواه العقيلي عنه ولم يحكِ عنه خلافه. ثم قال: وعن ابن عباس أن أصحاب اليمين هنا هم الملائكة. وقال مقاتل: أصحاب اليمين هم الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، وهؤلاء بالتالي كل مسلم. وعنه أيضاً هم الذين أعطوا كتابهم بإيمانهم. وعنه أيضاً هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. وقال الحسن: أصحاب اليمين هم المسلمون المخلصون. وحكى القرطبي في تفسيره في هذه الآية.
أقوال كثيرة أيضًا، ولم يذكر أنهم أطفال المسلمين ولا المشركين، إلا أنه ذكر في آخر كلامه عن الفراء أنه قال: هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب. يعني لم يخصص الطبري -عفواً، القرطبي- لا بأطفال المسلمين ولا بأطفال المشركين، بل نقل عموم كلام الفراء أنهم الولدان على وجه العموم. وقد حكمتُ قول الفراء قريبًا أنه أسنده إلى علي، لكن حكى القرطبي في غير هذا الموضع أن الأطفال إن ماتوا صغارًا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال سواء كانوا أطفال المسلمين أو أطفال المشركين؛ لأن الله لما أخرج ذرية آدم من صلبه في سورة الأنعام أقروا له بالربوبية، فحتى أطفال المشركين هم أقروا بالربوبية لله لما كانوا في هيئة الذر لما أخرجهم الله من صلب آدم.
طبعًا في نقاش كثير حول هذه القضية، لا أريد أن أستفيض فيه. وإذا أخذ ربكم من بني آدم ذريتهم، ثم أعادهم في صلب أبيهم آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيًا أو سعيدًا بناءً على الكتاب الأول، يعني القدر السابق؛ فما معنى الفطرة التي نشأ عليها كل مولود من بني آدم، ذكرًا أو أنثى؟
قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»، وقد قدمنا في ذلك كلامًا مختصرًا، ولكن نبين معنى الفطرة لغةً وإعرابًا.
قال أبو البقاء في إعرابه: «فطرة الله» أي: ألزموا واتبعوا دين الله التي خلق الناس عليها. وبعد كلام أبي البقاء العكبري -طبعًا هي العكبري- أظن ابن رجب في تلك الطبقات قال: هي بالفتح، قال إعراب «فطرة الله» في الآية: مفعول به لفعل محذوف تقديره "الزموا"، يعني فطرة الله مفعول به لفعل محذوف تقديره الزموا فطرة الله، والمراد بالفطرة الدين.
وقال ابن جرير الطبري: «فطرة الله» ليست مفعولًا به، بل هي مصدر، مفعول مطلق، الإعراب الذي ذكرناه قبل قليل أنها مفعول مطلق معنوي؛ لأن المعنى: «فأقم وجهك فطرة الله»، فـ «فطرة الله» هي بنفس معنى «أقم وجهك» متقاربة، لأن معنى ذلك أن الله فطر الناس على ذلك. وقال النحاس: سميت الفطرة دينًا لأن الناس يخلقون له، ومعنى «فطرة الله التي فطر الناس عليها» بناءً على قول النحاس أن «عليها» بمعنى «لها»، فطر الناس لها، أي فطر الناس من أجل الدين لأن الناس يخلقون للدين، فمن هنا جعلت الفطرة بمعنى الدين على قول النحاس، وقريب منه قول الزجاج.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فطرة الله» أضافها إليه على الوجه الممدوح، ولهذا نصبت على المصدر الذي دل عليه الفعل، وكان ابن تيمية يختار رأي ابن جرير الطبري أنها منصوبة على المفعول المطلق، على المصدر الذي دل عليه الفعل عند سيبويه، وقد تقدم كلامه رحمه الله قريبًا.
وقال أبو هريرة -وعند عبد البر-: الفطرة في كلام العرب البداءة. ابن عبد البر يقول: الفطرة ليست هي الدين، الفطرة في كلام العرب هو ما فطر عليه الشيء بمعنى ما ابتدئ عليه، فهي البداءة؛ ما فطر، تقول: فطرت هذا البئر، يعني ابتدأتها، واسم الله الفاطر فهي بمعنى البدء.
قال رحمه الله: فصل، وقد اختلف بعض العلماء والمفسرين في المعنى المراد بالفطرة على أقوال. ما معنى أن الله خلقنا على الفطرة؟ ما معنى الفطرة الآن؟ سيعطيك أقوالًا؛ لأن المسألة ليست متفقًا عليها حقيقة، هناك خلاف بين العلماء في معنى أن الله خلقنا على الفطرة.
القول الأول: أن المراد بالفطرة الإسلام، قال: إن الله خلقنا مسلمين. قال أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد. ولما ذكر ابن عبد البر النزاع في هذه المسألة في التمهيد قال: «وقال آخرون: الفطرة هاهنا الإسلام»، وهو المعروف عند عامة السلف وأهل تأويله، ثم قال: «أما قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فقد أجمعوا على أنهم قالوا: أدين الإسلام»، وليس كما قال، ليس فيها إجماع، فإن القرطبي وغيره من المفسرين ذكروا في الآية أقوالًا كثيرة.
قال القرطبي في معنى الفطرة: «أقوال متعددة، منها دين الإسلام»، وهو المعروف عند عامة السلف، ومعنى هذا أن الطفل خلق سليمًا من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله أولًا على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا فهم في الجنة، سواء كانوا أولاد المسلمين أو الكفار. وقال في تفسيره: «وقد اختلف أهل التأويل والأخبار في الفطرة، فقيل: على ملة إبراهيم»، ثم ذكر قريبًا مما ذكره القرطبي.
وقد احتج من نصر هذا القول بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما من مولود يولد إلا على الفطرة»، واستدل أبو هريرة بالآية في تمام الحديث، وبحديث عياض بن حمار المجاعي مرفوعًا: «خلقت عبادي حنفاء مستقيمين على الإسلام، فاشتالتهم الشياطين»، وفي بعض ألفاظه: «حنفاء مسلمين». وفي صحيح مسلم: «عشر من الفطرة»، وهذه العشر هي أمور من الإسلام، وذكر سنن الفطرة، وحديث عمار بن ياسر: «خمس من سنن الإسلام»، وفي لفظ: «عشر من سنن الإسلام»، فأحيانًا يعبر بالفطرة وأحيانًا بسنن الإسلام، فبالتالي هذا الاتجاه الأول أن الفطرة بمعنى الإسلام، وأن الله خلق كل إنسان على الإسلام، وهذا ما يحتج به من يرى أن أطفال المشركين في الجنة إذا ماتوا قبل الحنث؛ لأنهم خلقوا على الفطرة، يعني على الإسلام، فهم مسلمون بالأصالة والتغيير يحصل بعد البلوغ.
القول الثاني: البداءة التي بدأ الله بها، أي أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة. وقد تقدم حكاية هذا القول أنه حكاه أبو عمر ابن عبد البر، وهذا الذي يميل إليه ابن عبد البر؛ أن المراد بالفطرة أن الله خلق الإنسان ورقة بيضاء، وأن هذه الورقة إما أن يذهب بها إلى السعادة وإما أن يذهب بها إلى الشقاء. فبالتالي ابن عبد البر يرى أن الإنسان خلق على الفطرة بمعنى ورقة بيضاء يُقبل أن يوضع فيها، فإما توضع فيها الخير وإما توضع فيها الشر، لكن هذا أيضًا ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: لا، يعني ظاهر الأحاديث لا يميل إليه.
الرأي الثالث: ليس المراد بالفطرة عموم الناس، وإنما المراد بقوله «فطر الناس» المؤمنون؛ إذ لو فطر الجميع على الإسلام.
لما كفر أحد وقد ثبت أنه خلق أقوامًا للنار، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ [الأعراف: 179]. هذا الرأي يرى أن الفطرة بمعنى الإسلام، لكن المعنى أن الله كل مولود يولد على الفطرة، وهذا لمن سيكون مسلمًا فقط، لكن برضه هذا فيه تعسف ولا النص يدل عليه. كل مولود يولد على الفطرة، فكيف نقول الفطرة هنا بمعنى الإسلام ولكن ليس المراد بكل الناس؟ كل الناس وإنما المراد من سيولد منهم على الدين ويبقى على الدين، برضه هذا القول ليس فيه صواب والله أعلم.
الرأي الرابع أن المراد بالفطرة الخلقة التي خلق الله عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ربه، وهذا أعدى للأقوال والله أعلم. أن المراد أن يولد على الفطرة، يعني يولد بهيئة لو تركت من التأثيرات الخارجية سيستدل على ربه، ولا بد، لأنه لا نقول إن الإنسان خلق مسلمًا، لأن أنت لما يطلع الابن من بطن أمه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]، فأنت بتطلع ورقة بيضاء، لكن فيك قابلية التوحيد إذا لم تقع عليك مؤثرات خارجية. وهذا الرأي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وقرره بالأدلة؛ أن كل مولود يولد على الفطرة، يعني يولد قابلًا للتوحيد مائلًا إليه بشرط أن تقع عليه مؤثرات تحريفه عن ذلك.
قال: فكأنه قال كل مولود يولد على خلقه يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة، يريد خلقه مخالفة لخلق البهائم. واحتج من قال بهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 22]. وقد تقدم أن هذا الكلام له موضع آخر في كتاب مفرد على الكلام في أطفال المشركين، والمقصود أن الولدان يتوفون على ما فطرهم الله عليه من التوحيد والإسلام، فهم من فُهم من سعداء الآخرة الذين استحقوا دخول الجنة بلا عمل عملوه ولا خير قدموه، بل برحمة الله عليهم. ورأي لا يمنع أن ندخل أطفال المشركين الجنة، لأنه في النهاية هم ولدوا قابلين للتوحيد ولم يبلغوا الحنث حتى نؤثمهم.
الباب التاسع: في من مات له طفل رضيع أنه يكمل رضاعته في الجنة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأسناده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ على ابن إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهرًا، يعني عاش سنة ونصف تقريبًا، أو سنة وثلاثة أشهر أربعة أشهر. إبراهيم رضي الله عنه، أن له في الجنة من يتم رضاعه، هكذا قال النبي ﷺ: «له مرضع في الجنة»، وهو صحيح، رواه أبو يعلى المصري وجابر الجعفي، وجابر الجعفي فيه ضعف.
وقال البخاري بأسناده عن عدي بن ثابت، أنه سمع البراء أنه قال: ما توفي إبراهيم -يعني ابن النبي ﷺ- إلا قال رسول الله ﷺ: «إن له مرضعًا في الجنة»، انفرد به البخاري، وإنما كان كذلك لأنه مات وهو مرضع، يعني ما زال في سن الرضاع، ابن ست عشرة سنة، وقيل أكثر من ذلك وقيل أقل، فالله تعالى أعلم بالصواب.
قال رحمه الله تعالى: وفي بعض الروايات: «إن ابني مات في الثدي»، يعني في زمن الرضاع، «وإن له مرضعًا في الجنة». فإن كان هو، هل هذا خاص بإبراهيم أم هو عام لكل من مات في الرضاع؟ فهنا يقول ابن بجيء: فإن كان هذا خاصًا به عليه السلام فلا كلام، والأصل عدم الاختصاص إلا أن يكون هناك دليل، ويرى أن ابن بجيء لا دليل على الخصوصية، فالأصل أن هذا عام في كل رضيع.
قال: والأصل عدم الاختصاص إلى أن يقوم دليل عليه ولم نجده، وإن كان عامًا في حق أولاد المؤمنين كما ذكر في بعض الآثار ولا يحضرني الآن، ولكن متنه أن في الجنة شجرة تحمل الثدي يرتضع منها الولدان، فهي بشارة عظيمة للمؤمنين في ولدانهم وفي تطيب خاطر الوالدين.
قال فصل: شجرة في الجنة يكون لها كالثدي ترضع أطفال المسلمين، والله أعلم. وقد روى المعافى بن حسين في كتاب أنس المنقطعين له في الأطفال الرضع، أن النبي ﷺ يجيء أطفال المسلمين يوم القيامة عند عرض الخلائق للحساب، فيقول الله عز وجل لجبريل: «اذهب بهؤلاء إلى الجنة»، فيقفون على أبواب الجنة، ويصرخون عن آبائهم وأمهاتهم، فيقال: آبائكم وأمهاتكم ليسوا بأمثالكم، لهم ذنوب وسيئات يطالبون بها، فيصيحون صيحة واحدة عظيمة باكين، فيقول الله سبحانه وتعالى -وهو أعلم-: «يا جبريل ما هذه الصيحة؟»، فيقول: إلهي أنت أعلم بهم، هؤلاء أطفال المسلمين يقولون: لا ندخل الجنة حتى يدخل آباؤنا، فيقول الله عز وجل: «يا جبريل تخلل الجمع وخذ آباءهم وأمهاتهم واجعلهم معهم في الجنة». تخلل الجمع يعني ادخل بين الناس وجب لهم آباءهم وأمهاتهم.
الباب العاشر: في أنه يصلى على كل مولود ويدعى لوالديه. قال: وهذا باب عظيم لأن فيه بشارة عظيمة لكل من أصيب في أولاده، أو واحد منهم، لأنه أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي عليهم وأن ندعو لوالديهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وجمهور العلماء على أنه يصلى على الطفل الصغير وإن كان سقطًا قد نفخ فيه الروح، وذهب بعض السلف إلى أنه لا يصلى على الصغير ما لم يستهل، وسنذكر ما يدفع هذا القول ويضاعف القول الأول، أنه يصلى على السقط إذا بلغ أربعة أشهر.
قال البخاري بأسناده: قال ابن شهاب: يصلى على كل مولود يتوفى وإن كان لغيا، يعني لو كان ابن زنا. من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام، يدعى أبواه، وإن كانت أمه على غير دين الإسلام، فالمسلم إذا تزوج نصرانية، نحن بنصلي على الولد باعتبار أنه لأبيه. إذا استهل صارخًا صلي عليه، ولا يصلى على من لم يستهل من أجل أنه سقط. وأبو هريرة كان يحدث عن رسول الله ﷺ قال: «ما من مولود...»
«ألا يولد على الفطرة». روى أبو داود عن ابن شهاب الزهري، وهو الذي يرى أن السقط لا يصلى عليه، وهذا هو الشاهد. ابن شهاب الزهري يرى أنه لا يصلى على ما لم يستهل من أجل أنه سقط، فمذهب ابن شهاب الزهري أن السقط لا يصلى عليه، لكن هذا رأي ضعيف؛ لأن أبا هريرة كان يحدث عن النبي ﷺ: «ما مولود إلا ولد على الفطرة».
وروى أبو داود عن عائشة أنها قالت مات إبراهيم. وبماذا استدل ابن شهاب الزهري؟ استدل بحديث عائشة أن إبراهيم ابن النبي ﷺ مات، فجاء في بعض الروايات فلم يصلِّ عليه النبي ﷺ، مع أن هذا ليس سقطًا بل عاش وكان رضيعًا، ولكن في إسناده محمد بن إسحاق والكلام عليه معروف. وهو يعتقد من قال من السلف بعدم الصلاة على الأطفال عمومًا، ليس فقط السقط؛ لأن السقط الذي خرج من بطن أمه ميت، والبعض يقول لا يصلى على كل من لم يبلغ الحنث، وهذا كما قلنا قول فيه ضعف.
قال: وقد روى أبو داود أيضًا ضد هذه الرواية من حديث البهي، قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ صلى عليه رسول الله ﷺ في المقاعد. هذا مرسل، والبهي اسمه عبد الله بن يسار مولى مصعب بن زبير، وهو من التابعين ويعد من الكوفيين.
كأنه أصبح عندنا ثلاثة أقوال: القول الأول أنه يصلى على السقط وعلى الطفل حتى ولو لم يبلغ. القول الثاني قول ابن شهاب الزهري أنه لا يصلى على السقط لكن يصلى على الطفل، واستدل بحديث. والقول الثالث قول بعضهم أنه لا يصلى على السقط ولا على الطفل حتى يبلغ.
فهمتم؟ الآن صارت لك فعليًا ثلاثة أقوال، والصواب أنه يصلى على الطفل ويصلى على السقط الذي نفخ فيه الروح لأربعة أشهر، وقد رواه أبو داود من حديث: «لما مات إبراهيم...». وبالعكس، الرواية الأخرى أن النبي ﷺ صلى عليه في المقاعد مرسل، والبهي هو عبد الله بن يسار مولى مصعب بن الزبير يلقب بالبهي.
قال: وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي ﷺ صلى على ابنه إبراهيم أيضًا. في الحديث قال ابن عازب إنه صلى على ابنه إبراهيم. وقال الإمام أحمد رضي الله عنه بإسناده عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: «الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي أمامها قريبًا منها عن يمينها أو عن يسارها، والسقط يصلى عليه».
السقط يصلى عليه، هذه الرواية رواها أبو داود والنسائي أنه قال: السقط يصلى عليه، وكذلك رواه ابن ماجه وفيه: «والطفل يصلى عليه ولكن تدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة». فذكر ابن ماجه بدل السقط "الطفل"، وهناك فرق؛ لأن السقط هو من خرج مجهضًا، لكن الطفل تدل على من ولد ولم يبلغ الحنث، ففي فرق في الرواية يؤثر في الحكم.
وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: صلى ﷺ: «صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم»، وهذا كلام في الأطفال وليس في السقط. وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «الطفل لا يصلى عليه ولا يورث ولا يرث حتى يستهل»، وهذا يدل على أنه لا يصلى على السقط لأنه قال حتى يستهل، أي يخرج صارخًا.
وهذا قد يفهم منه أنه لا يصلى، لكن رواه الترمذي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، وهذا حديث مضطرب الناس فيه، فروي مرفوعًا وروي موقوفًا وهو أصح من المرفوع. قال الحافظ الضياء المقدسي: إسماعيل بن مسلم المكي قد تكلم فيه غير واحد، فكأن المنبجي يريد أن يضعف هذا الحديث؛ حديث أن الطفل لا يصلى عليه حتى يخرج صارخًا.
وروى ابن ماجه عن جابر قال ﷺ: «إذا استهل الصبي صلي عليه وورث»، والاستهلال هو رفع الصوت حين خروجه من الأحشاء بالبكاء، وهو أيضًا من رواية الربيع بن يزيد وهذا ضعيف، فهذا الحديث أيضًا الذي يخص الصلاة بمن خرج مستهلًا ضعيف.
قال الحافظ الضياء المقدسي: وقيل يصلى على الطفل إذا نفخ فيه الروح استهل أو لم يستهل، وهو السقط. قلت: والمنبجي وهو ظاهر مذهب أحمد أنه يصلى على السقط إذا نفخ فيه الروح، وهذا يكون عند الحنابلة إذا استكمل أربعة أشهر.
قال الشيخ مجد الدين بن تيمية: «وإن أسقط دون أربعة أشهر فلا يصلى عليه لأنه ليس بميت»، ليه؟ لأنه عبارة عن قطعة لحم؛ فالطفل عند الحنابلة إذا أجهضته أمه في الشهر أو الشهرين هي مجرد قطعة لحم، قالوا لم ينفخ فيها الروح فلا يصلى عليه في هذه الحالة.
ابن تيمية شيخ الإسلام ماذا يقول؟ الصلاة على السقط ما لم ينفخ فيه الروح مبنية على ماذا؟ على بعثه، وللعلماء فيه قولان: فإن قلنا إنه يبعث صلي عليه وإلا لم يصلى عليه والله أعلم. انتهى كلامه، لكن أظن أنه بالله تأكد لي من النص هنا: الصلاة على السقط ما لم ينفخ فيه الروح، يعني هل ابن تيمية يذكر الخلاف في السقط الذي لم تنفخ فيه الروح أم في السقط الذي نفخت فيه الروح؟ الخلاف في بعثه، أنا أظن أن الخلاف في السقط الذي نفخت فيه الروح هل يبعث يوم القيامة ولا لا يبعث، فبسبب هذا الخلاف صار خلاف هل يصلى عليه ولا لا يصلى عليه، وليس الخلاف في السقط الذي لم تنفخ فيه الروح، وإن كانت تحتاج لتحري أكثر.
المهم قال أحمد بن عبد الله: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل: متى يجب أن يصلى على السقط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر؛ لأنه قد نفخ فيه الروح. ولكن حديث المغيرة بن شعبة المتقدم الذي رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححاه: «والسقط يصلى عليه»، وفي رواية ابن ماجه: «والطفل يصلى عليه»، قالوا: ما الفرق بين أن يكون له أربعة أشهر أو أقل أو أكثر؟ ولكن لم أعلم أن أحدًا ذهب إلى الصلاة على السقط مطلقًا إلا سعيد بن المسيب، وهو ظاهر للحديث، ولكن قيل إن أحدًا لم يذهب إلى الصلاة على السقط مطلقًا حتى لو كان أقل من أربعة أشهر، يقولون لم يذهب إلى ذلك أحد إلا سعيد بن المسيب، أحد كبار التابعين، هو الذي أخذ بعموم الحديث: «والسقط يصلى عليه»، ما قال فوق الأربعة أشهر أو أقل من أربعة أشهر.
ابن تيمية: أن السقط الذي لم يبلغ الأربعة أشهر، هل يبعث أو لا يبعث؟ ممكن يكون له وجه في هذا المقام.
وقيل إن السقط ليس بميت لأنه لم ينفخ فيه الروح، وأيد ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الصادق المصدوق- أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون في مثل ذلك علقة، ثم يكون في مثل ذلك مضغة في مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح». الحديث، فإذا نفخ فيه الروح وجبت الصلاة عليه وبعث يوم القيامة.
فلذلك ينبغي أن يقال: إن السقط الذي دون أربعة أشهر ليس بميت لأنه لم تنفخ فيه الروح، ويؤيد هذا حديث أن أحدكم يجمع خلقه أربعين يوما، ثم أربعين، ثم أربعين، ثم ينفخ فيه الروح؛ فالروح إنما تنفخ على الفهم المشهور وهو أربعة أشهر، لكن هناك فهمًا آخر للحديث أنا دائمًا أقوله، وهو أن الحديث يجب أن يُعاد النظر في فهمه بما يتلاءم مع العلوم الحديثة، في جهة أنه يمكن في العلوم الحديثة أن النطفة والعلقة والمضغة تتشكل خلال أول أربعين يومًا، ليس بعد الأربعة أشهر. وهناك حديث حذيفة بن أسيد أن بعد أربعين يومًا يرسل إليه الملك.
فقضية الأربعة أشهر بحد ذاتها هي فُهمت فهمًا من حديث ابن مسعود، فإذا قلنا إن حديث ابن مسعود لا يدل على أربعة أشهر، وهذا فهم بعض العلماء المتقدمين بناء على علمهم بالأجنة، فيمكن نقول: لا، هو الأصل أن السقط بعد الأربعين يُصلى عليه، والاحتياط هو نفخ الروح فيه بعد الأربع، وما قبل الأربعين خلال الأربعين يومًا الأولى فقط هو المتيقن أنه لم يحصل فيه نفخ الروح، والله أعلم.
وقد اختلف الناس في هذه الآثار؛ فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث عائشة وغيره من الأحاديث كما قال الإمام أحمد وغيره، وهذه المراسيل مع حديث البراء يشد بعضها بعضًا، ومن هذه المراسيل التي تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على إبراهيم، وحديث البراء بن عازب الذي يدل على أنه صلى على إبراهيم يشد بعضها بعضًا، ويضاعف حديث عائشة أنه لم يصلِّ عليه، ومنهم من ضاعف بالعكس حديث البراء لأجل جابر الجعفي، وضعف كل هذه المراسيل، وقال حديث عائشة إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على إبراهيم، والذي فيه ابن إسحاق أصح منها.
قال أبو يعلى الموصلي بإسناده عن أنس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم فكبر عليه أربعة». وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي بإسناده عن أم سيرين قالت: «حضرت موت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صحَّت أنا وأختي عيطنا، فلما مات نهانا عن الصياح»، وهذا يؤيد قول الشافعي.
قال: «وغسله الفضل بن العباس ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان إنسانًا، ثم حُمل، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفة القبر، والعباس وإلى جنبه، وترك في حفرته الفضل وأسامة بن زيد وأنا أبكي»، الذين نزلوا في الحفرة الفضل بن العباس وأسامة بن زيد هم الذين دفنوا إبراهيم وأنا أبكي عند قبره ما ينهاني أحد، وخسفت الشمس ذلك اليوم، فقال الناس: خسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تخسف لموت أحد، ولا لحياته».
ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجة في اللبن فأمر بها أن تُسد، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما إنها لا تضر ولا تنفع، ولكن تقر عين الحي، وإن العبد إذا عمل عملًا أحب الله أن يتقنه». أراد أنه لما وضعوا اللبن على إبراهيم رأى أنه في لبنتين غير ملتصقتين فأمر بسدها، وأصلحوها، وقال أنا أعرف أنه بالنسبة لإبراهيم لن يضره كون اللبنة ملتصقة ولا غير ملتصقة، لكنها لقرة عين أبيه، ففي أشياء هي تحسينية للآباء وإن كنا نعلم في النهاية، لذلك: «أحسنوا كفن أخيكم، أحسنوا دفنه»، هذا فقط ليقر عين الحي لا الميت، أحسنت كفنه أم لا، أحسنت قبره أم لا، هو ليس شاعرًا أو غير مهتم كثيرًا بهذه المواضيع.
قال: ومات يوم الثلاثاء لعشر ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة عشر، وهكذا؛ روى الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الرحمن بن حسان بن ثابت عن أبيه، ثم قال: هذا حديث غريب، ثم ساقه من طرق أخرى من حديث زبير بن بكر، قال: حدثني محمد بن طلحة عن إسحاق عن إبراهيم عن عبد الله بن حارثة عن عبد الرحمن بن حسان فذكره، وفيه مدرج يوم وفاته وشهر وسنته، وظاهر والله أعلم أنه من كلام الواقدي، وإن كل هذا من إضافات الواقدي، ومعروف أن ما يتفرد به الواقدي يُنظر فيه كما قال ابن تيمية رحمه الله: «إنما نقبل منه ما عددته المراسيل الأخرى والقصص الأخرى». ولكن قيل إن في بعض طريق هذا الحديث أنه صُلي عليه، ولكن لمرة في هذين الطريقين، فالله أعلم بذلك.
المهم، حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية وقال: «لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي»، فهذا يدل على أنه صلى على صبيان النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الحديث رجاله ثقات. أيضًا روى أبو داود مرسلًا عن عطاء بن أبي رباح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلة، وهذا يخالف المشهور، والمشهور أنه عاش كما قلنا ستة عشر شهرًا، فهذه رواية غريبة قليلاً. قال البيهقي بعد أن ذكر مرسل البيهقي وقد تقدم ذكره، وذكر مرسل عطاء هذا وغيرها من أحاديث الصلاة على الأطفال: «فهذه الآثار وإن كانت مراسيل فبعضها يشد بعضًا، وقد أثبتوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم».
على ابنه إبراهيم، وذلك أولى من رواية من روى أنه لم يصلِّ. يعني حديث عائشة التي روت أنه لم يصلِّ على إبراهيم، وقد روي متصلاً أنه صلى عليه ﷺ من حديث البراء بن عازب، وقد تقدم، لكنه حديث لا يثبت من جهة الرواية؛ لأنه من رواية الجعد ولا يحتج بحديثه.
وقال الخطابي وغيره: اختلف السبب الذي لأجله لم يصلِّ، فقال بعضهم: ترك الصلاة على ابنه إبراهيم لأنه قد استغنى ببنوه رسول الله ﷺ عن الصلاة عليه التي هي شفاعة له، كما استغنى الشهيد بشهادته عن أن يصلي أحد. والبعض قال: حتى لو قلنا إن النبي ﷺ لم يصلِّ على إبراهيم فهذا من خواصه، ولا يدل على أن غيره من الأطفال لا يصلى عليهم، فيكون لم يصلِّ على إبراهيم اكتفاءً بأنه ولده ﷺ.
وقال غيره: إنه لم يصلِّ عليه لأنه يوم مات إبراهيم كسفت الشمس، فاستغل بصلاة الكسوف عن الصلاة على ابنه. لكن كلام الخطابي كله بناء على صحة حديث عائشة أنه لم يصلِّ عليه، لكن أنتم تلاحظون أنه في خلاف شديد.
رجعنا إلى كلام الخطابي؛ فإنه ذكر مرسل عطاء وقال: هذا أولى الأمرين، وهو أنه صلى عليه، وإن كان حديث عائشة أحسن اتصالاً لكن حديث عطاء وغيره أجود من حيث ما يوافقه من الأحاديث الأخرى من أنه كان يصلي على الأموات. وقد اعتّل من لم ير الصلاة على الأطفال بترك الصلاة عليه ﷺ على ابنه واشتغاله بنفل صلاة الكسوف.
والجواب والله أعلم أن صلاة الكسوف كانت واجبة في حقه، لأنه لو لم يصلِّها لم نعلمها نحن، وأيضاً لو لم يقع ذلك لم نعلم كيفية صلاة الكسوف؛ فصلاته صلاة الكسوف على هذه الصفة دليل على أن الله أوحى إليه أن يشرعها لنا على هذه الصفة، ويجب أن يبين كل ما أنزل الله إليه من ربه.
كأنهم يعللون أنه لم يصلِّ على إبراهيم لانشغاله بتعليم الأمة كيفية صلاة الكسوف، وهي وإن كانت سنة صلاة الكسوف لكن كان واجباً عليه أن يعلم الأمة كيفية هذه الصلاة. لكن أعود فأقول: هذا كله مبني على أنه لم يصلِّ على ابنه، ولكن ترون أن كثير من العلماء يختارون الرواية الأخرى أنه صلى على إبراهيم.
نختفي الآن، نعطيكم استراحة صلاة العصر وأكل وجبة الغداء لمن عنده وجبة غداء، خفيفة ربع ساعة يا جماعة، ورانا مشوار طويل. صلوا اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. نبدأ الجلسة الثالثة لهذا اليوم، استعينوا بالله.
الباب الحادي عشر: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال الإمام أبو عبد الله الحنبلي: الباب الحادي عشر في استحباب اصطناع الطعام لأهل الميت، لأهل المصيبة.
قال: وهذا الفعل من محاسن الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ؛ أن أهل الميت لا يتكلفون طبخ طعام لأحد من الناس، بل أمر ﷺ الناس أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت ويحملوه إليهم. هذا من أعظم مكارم الأخلاق وشيم أهل الفضل، وهو إعانة لهم وجبر لقلوبهم؛ لأنهم في شغل بمصابهم عن إصلاح طعام لأنفسهم، فكيف لهم الاهتمام بأمر الطعام؟
فإذا صنع الناس لهم الطعام المعروف وحملوه إليهم حصلت الراحة لأهل الميت من وجهين: قال أحدهما: شغلهم بمصابهم، ثم بتجهيز الميت، وغسله، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله ومواراته في حفرته، ثم من بعد ذلك إذا تفرغوا من هذه الأمور وحصل لهم سكون ودعة، فإن هذه كفاية لهم عن شغلهم بالناس.
والثاني: عدم الخسارة، فإن عدمها فيه تسلية للميت. فإن في زماننا هذا ما يتوارى الميت في حفرته حتى يخسر عليه دراهم كثيرة؛ فلان يشتم عليه خسارات، وأهل الميت يدفعون حق الكفن والقبر، اليوم تدفع 200 أو 300 دينار إجراءات دفن، فما بالك أن بعد ذلك مطلوب منهم يشتروا طعاماً لأهل العزاء، هذه أيضاً 400 إلى 800 أو 1000 دينار، فلا نجمع عليه خسارتين، يكفي أنه خسر تكاليف التكفين وما شابه ذلك.
قال رحمه الله تعالى: وقد وردت السنة بصنع الطعام لأهل الميت، سواء فقد ميتهم في السفر، وسواء حصلت عليهم خسارة أو لم تحصل، فقد حصلت البشارة لمن صنع لهم طعاماً وحمله إليهم أنه اتبع سنة رسول الله ﷺ وامتثل أمره.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: جاء نعي جعفر رضي الله عنه حين قُتل، فقال النبي ﷺ: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم». رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه. وعن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر رضي الله عنه رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: «إن لآل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاماً». رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وهذا لفظه. ويروى عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: «ما زالت السنة فينا حتى تركها من تركها». سبحان الله!
الباب الثاني عشر: في كراهة الذبح عند القبور وصنع الطعام من أهل الميت. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا عقر في الإسلام». رواه الإمام أحمد في حديث طويل، وأبو داوود، والترمذي -وقال حديث حسن صحيح غريب-، ورواه ابن حبان.
كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شيئاً، أما العقر فلا عقر في الإسلام، يعني في الإسلام لا يوجد شيء اسمه الذبح عند القبر. قال: أما العقر عند القبور هو الذبح عندها، وهذا الفعل من فعل الجهل، وهو فعل محرم على هذه الأمة.
قال الخطابي: هو ما كان عليه أهل الجاهلية من عقر الإبل على قبور الموتى، كانوا إذا مات الشريف الجواد عقروا عند قبره، وكانوا يقولون إن صاحب القبر كان يعقرها للأضياف أي أيام حياته، فيكافأ عليه بمثل صنيعه. انتهى كلامه. كان أيام حياته يطعم الناس، نحن نذبح عند قبره!
وقال قوم كانوا يعقرون الإبل عند القبور لتطعمها السباع والطير عند قبر الميت، فيدعى مطعماً حياً وميتاً، حتى يقال إنه أطعم وهو حي وأطعم وهو ميت، أي أن الطيور أكلت عند قبره.
وقال: وقيل بل كان مذهبهم أن صدى الميت يصيبهم، يصيبهم من ذلك الطعام؛ فجالس لما تتحلل، تصبح كثيراً تأكل من هذا الطعام، صدى القيح الذي يخرج منك. غريب هذا! فجاء الإسلام بعد ذلك كله.
وقال: وأما هذه البدعة الخبيثة فهي موجودة، وهي موجودة قريب منها في غالب القرى، وهو أن الشخص إذا توفي في بلده فإن أهل القرى التي حوله لا يأتون لأجل العزاء، فيذبحون لهم من مال الميت المنتقل إلى ورثته من أيتام وصغار وغيرهم، وقد يذبحون البقرة أو نحوها من بهيمة الأنعام، لا يكون للأيتام غيرها على ما شاهدت وبلغني، فنسأل الله أن يقيض لولاة أمور المسلمين من يبطلها.
قال: بعض الناس مثلاً يقول لك: والله إنا جايين ضيوف من برا عمان، فلازم أهل الميت يصنعوا لنا طعاماً ووليمة، حتى لو كان من برا عمان. إذا كان الورثة أيتاماً، لا يجوز أن يُعبث بأموال التركة ويُصنع منها طعام للضيوف، لا من جوا عمان ولا من برا عمان. أما إذا كانوا بالغين وهم بإرادتهم، جاءهم ضيوفهم بره وحبوا أن يعملوا، فهذا يخفف فيه. أخطر شيء أن تعبث بأموال الأيتام.
قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو هشام، إسناده عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا إسعاد ولا عقر في الإسلام». قد تقدم الكلام على العقر في الإسلام، وقوله «لا إسعاد» فهو من إسعاد النساء في المناحات، وهو أن تقوم المرأة في المأتم وتقوم معها أخرى، فيقال: قد أسعدتها فهي مسعدة.
وقال: وروى في حديث آخر أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن فلاناً وفلانة أسعدتني، فأأسعدها؟ فقال: «لا». ونهى عن النياحة بالإسعاد، وقال إنها مأخوذة من وضع الرجل يده على ساعد صاحبه إذا تماشيا في حاجة. وقال: وأما صنع أهل الميت الإسعاف، فإما مأخوذ من السعادة، وإما مأخوذة من الساعد؛ لأنها تضع يدها كأنها على ساعد صاحبتها.
وقال: وأما صنع أهل الميت طعاماً للناس فمكروه؛ لأن فيه زيادة على مصيبتهم، وشغلاً لهم إلى شغلهم، وتشبيهاً بصنع أهل الجاهلية، فإنهم يتكلفون طبخ الطعام كما يفعله أهل البر في زماننا هذا، وقد تقدم. فهذا من النياحة التي نهى عنها رسول الله ﷺ؛ لما ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام بعد دفنه من النياحة». رواه ابن ماجه.
فالنياحة يدخل فيها الاجتماع عند أهل الميت، وأن يصنعوا للناس طعاماً، هذه الجلسة في بيت أهل الميت ويكون أهل الميت هم من صنعوا طعاماً، هذه تعتبر من أشكال النياحة.
ورواه سعيد بن منصور في سننه ولفظه: أن جريراً وفد على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال: هل يناح على ميتكم؟ قال: لا. قال: فهل تجتمعون عند أهل الميت وتصنعون الطعام؟ قال: نعم. قال: ذاك النوح.
قال الشيخ موفق الدين رحمه الله في المغني: «وإن دعت الحاجة إلى ذلك جاز، فإنهم ربما جاءهم أن يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكنهم إلا أن يضيفوه». انتهى كلامه.
إذن كما قلت، ابن قدامة استثنى هذه الحالة؛ أن يأتيك ضيوف من برا عمان ويريدون المبيت عندك يومين، الآن أدبياً وأخلاقياً هؤلاء الضيوف يجب أن تكرمهم، لكن كما قلنا ينتبه أن لا تمد الأيدي إلى أموال الأيتام. وإذا دعت الحاجة إلى صنع الطعام من أهل الميت لمن يفد من القرى ونحو ذلك، فهذا بشرط أن لا يكون من مال الأيتام، خصوصاً إذا لم يكن لليتيم سوى ذلك الحيوان. أما وفود أهل البديه على أهل الميت في قريتهم فالضيافة على أهل القرية، إما واجبه وإما مستحبة، وليست على أيتام الميت، والله تعالى أعلم. إذا أجاك الضيوف برا عمان فالضيافة ليست على أهل الميت، بل على أهل عمان أو على أهل قريتك وحيك، هم الأصل يقومون بهذه الضيافة وأنت مشغول بأمر ميتك.
الباب الثالث عشر: في الثناء الحسن على الميت. قال: وذكر محاسنه والسكوت عن مساويه. واعلم أن من أطلق الله لسانه في الخير والثناء الحسن والذكر الصالح وغير ذلك من الأقوال الصالحة، غلب على الظن أنه من أهل الخير، وغير مستنكر.
إذا أحب عبد أن يلقي على ألسنة المسلمين ثناءً حسناً عليه وفي قلوبهم محبة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]. وثبت أن النبي ﷺ ثبت له الثناء الحسن كما جاء في بعض التفاسير.
وقال: وثبت أن النبي ﷺ قال: «إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». وذكر في البغضاء مثل ذلك، رواه البخاري ومسلم.
قال: وقد شاهدنا في عصرنا هذا، وبلغنا عن عصر غيرنا، أن أقواماً من العلماء وأهل الحديث والتجار والسوقة كثر الثناء عليهم، وصرفت قلوب الناس إليهم، وحصلت الحفلة العظيمة في جنائزهم من كثرة المشيعين لها، وحضرها الآلاف من الناس، وربما كثر الخلق في تشييع هؤلاء من الجن والملائكة، وربما سُمعت ضجة عظيمة من جهة السماء في حال حضور الناس في الجنازة.
ولقد أخبرني شيخنا العلامة شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد المقدسي، الخطيب بالجامع المظفري -تغمده الله تعالى برحمته- قال لي: سمعت هذه الضجة من السماء مراراً لبعض الأموات كهيئة البشائر. ثم قال: وحدثني بها جماعة من أصحابنا أنهم سمعوا ذلك من جهة الملائكة في بعض جنائز المتهمين بالصلاح، والله تعالى أعلم بذلك. والمتهمون هنا ليس اتهاماً سيئاً، بل هو اتهام جيد إيجابي.
قال: حدثنا أحمد بن زهن، قال حدثنا محمد بن يزيد، قال الرفاعي، قال: مات عمرو بن قيس.
الملائكة في ناحية فارس، فاجتمع لجنازته من الخلق ما لا يحصى كثرة، فلما دفن نظروا فلم يروا أحدا، دلالة على أن الذين حضروا كانوا من الملائكة والجن والعالم الأبرار، مع أنه مات في منطقة لا يوجد فيها أحد.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت»، ومر بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت». فقال عمر رضي الله عنه: فداك أبي وأمي يا رسول الله، مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقلت وجبت، ومر بجنازة فأثنوا عليها شرا فقلت وجبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض»، وفي لفظ: «أنتم شهداء الله في الأرض»، ثلاثة، وفي لفظ: «وجبت، وجبت، وجبت». رواه البخاري ومسلم. قال: وفي رواية للبخاري: فقيل يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: «شهادة القوم المؤمنين شهداء الله في الأرض».
قال: ولما مات الإمام أحمد بن حنبل، قال الهيثم بن الخلف: دفنا أحمد بن حنبل يوم الجمعة بعد العصر سنة 241، وما رأيت جمعا قط. قال أبو صالح القنطري: شهدت 40 عاما ما رأيت جمعا قط مثل هذا. ثم قال عبد الوهاب الوراق: ما بلغنا أن جمعا في جاهلية ولا إسلام مثل الجمع في جنازة أحمد، حتى بلغنا أن الموضع حزر على الصحيح، فإذا هو نحو من 100 ألف، يعني مليون، وأما النساء فهو من 60 ألف امرأة، وكلهم يشهدون له بالصلاح والولاية، ويرجون بالصلاة عليه البركة، ويثنون عليه بأنواع الخير. وحديث المتكلمين ماذا كانوا يقولون: "بيننا وبينكم الجنائز"؛ إن الجنائز سبحان الله كيف يصرف الله قلوب أهل السنة لحضور جنائز الصالحين.
قال رحمه الله تعالى: فصل، في الصحيح قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرايت رجلا يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن»، وفي رواية: «ويحبه الناس عليه». قال العلماء: معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل للبشرى المؤخرة إلى الآخرة؛ لقوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهذه البشرى المعجلة دليل على رضى الله تعالى عنه ومحبته له ومحبته للخلق.
قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم رجلا يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان»، وفي لفظ: «فاشهدوا له بالخير». قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18]. قال: رواه الترمذي وقال حديث حسن. وقال: وشهادة الناس له بعد الموت بالخير هي الشهادة التي كان يشهدون له بها في حال الحياة، والله أعلم.
قال: فصل، في الكف عن ذكر مساوئ الأموات. قال: عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا». رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءكم».
وعن أبي رافع، اسمه أسلم، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة». رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. قال ابن سماك: هذا الحديث فيه نظر. لكن هنا الطبراني يقول في الكبير: ورجاله رجال الصحيح، يعني الطبراني صححه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إذا هو يقبل التحسين.
قال ابن سماك: إنما سيئت بين لحييك تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور؛ يعني بعض الناس يؤذي الناس وهم أحياء بلسانه، ثم يؤذيهم وهم أموات، يقول له: أنت آذيت أهل الدور في دورهم، حتى من كثر ما أنت تحب الستم الشتم والسب وصل شتمك وسبك لأهل القبور. قال: أما أهل القبور فما ترى لهم وقد جر البلاء على وجوههم، وأنت ها هنا تنبشهم، ويحك! ما عندك من نبشهم إلا أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم.
إنه لينبغي لك أن تترك القول في أخيك لخلال ثلاث: أما الأولى، فلعلك تذكره بأمر هو فيك. ثانيا، لعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؛ ألم تسمع شيء ربنا عافاك منه؟ من شكرك على نعمة معافاة الله لك ألا تذكر هذا في أخيك، فهمت؟ هذه فكرة جميلة؛ لأنه إذا ربنا عافاك من خلق ذميم ووجدته في أخيك، فمن حسن الشكر ألا تذكر هذا العيب في أخيك، ألم تسمع إذ يقال: ارحم أخاك، واحمد الذي عافاك؟
وفي أبي داود والترمذي في الجنائز، من حديث معاوية بن هشام، عن عمران بن أوس المكي، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: «اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم». وقد روى أبو داود مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أخى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يفعله».
وقال: وأما من جهة الأموات، فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه».
قال: الباب الرابع عشر، في فرح العبد وتسليته لكونه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: رحمه الله، اعلم أن الله تعالى لنا من النعم ما لا يحصيها إلا الله تعالى، الذي هدانا للإسلام وجعلنا من أمة خير الأنام؛ فإن كل نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فُضل بشيء، فنبينا فُضل به وزاد عليه، وهو أول من تنشق عنه.
الأرض، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل».
فَيَحْطِمُ الناسَ؛ فتقول الملائكة: مثل السيل بالرفع، يأتي مثل السيل فيحطم الناس، فتقول الملائكة: لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع سائر الأنبياء. ومعنى قوله: «لَلَّذِي مَعَهُ» بفتح اللام، هذه لام القسم، أي: والله للذي مع محمد ﷺ من الناس أكثر مما جاء من الناس مع سائر الأنبياء.
وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، ثمانون منها من أمة محمد ﷺ، وأربعون من سائر الأمم».
وعن الطفيل بن أبي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم».
وعن أنس بن مالك قال: قال صلى الله عليه وسلم: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا من غير حساب».
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم، فلم يخرج حتى ظننا أنه لا يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت، فلما رفع قال: «إن ربي عز وجل استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟» قلت: ما شئت يا رب، هم خلقك وعبادك. فاستشارني ثانية فقلت له: كذلك، ثم استشارني ثالثة فقلت له: كذلك. فقال: «إني لم أخزك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة زمرًا من أمتي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا، ليس عليهم حساب».
«ثم أرسل إلي ربي عز وجل: ادعُ تُجب، وسل تُعطَ، فقلت: يا رسول الله، أتعطيني سؤلي؟ قال: ما أرسل إليك إلا ليعطيك، وقد أعطاني ربي غير فخر؛ أنه غفر لي من ذنبي ما تقدم وما تأخر، وشرح صدري، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر؛ نهر في الجنة يسيل من حوضي، وأعطاني العزة والنصرة والرعب، وأعطاني أني أول الأنبياء دخولًا إلى الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فما وجدت شكرًا إلا هذه السجدة». رواها أبو بكر الشافعي.
وقوله: «ألا تجوع أمتي»، أي كلها؛ فإن جاعت في أرض شبعت في أخرى. وكذلك «لا تغلب»، أي كلها؛ وإلا فقد يحصل شيء من الغلب في بعض المناطق، فإن غلبت في موضع، الأمة كلها، لكن قد تحصل بعض الانكسارات. هذا الباب عقده ليبين أن يفرح الإنسان بأنه من أمة محمد ﷺ، وأن احتمالية دخول الجنة عالية؛ لأننا ثمانون صفًا ممن يدخل الجنة، وفينا من الكرام والخصائص وشفاعة النبي ﷺ ما لا يوجد في غيرنا من الأمم، فاحمدوا الله.
الباب الخامس عشر: في استحباب التعزية لأهل المصيبة والدعاء لميتهم. يقال: الرجل عزا إذا صبر ما نابه. والتعزية: التصبر، وعزيته: أمرته بالصبر. والعزاء بالمد اسم أقيم مقام التعزية، ذكره النووي، وقال الأزهري: أصل التعزية التصبر إذا صبر على ما نابه. وقال غيره: التعزية التسلية، وهو أن يقال له: تعزى بأعزاء الله، قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. ومعنى قوله: تعزى بأعزاء الله، أي تصبر بالعزية التي عزاك الله بها كما في الكتاب، أو يقال لك: أسوة في فلان فقد مضى فحسن صبره، وأصل العزاء الصبر، والله أعلم.
وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة». رواه ابن ماجه وصححه الشيخ، وقال: رواته كلهم ثقات.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عز مصابًا فله مثل أجره». رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث علي بن عاصم، وذكر أنه روي موقوفًا، وعلي بن عاصم ضعيف.
وعن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن عزَّ كُسي بردًا في الجنة». قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بالقوي. والمقصود من التعزية تسلية أهل المصيبة، وقضاء حقوقهم، والتقرب إليهم بقضائها قبيل الدفن وبعده؛ لشغلهم بمصابهم.
ويستحب تعزية أهل الميت، وهي مسألة متفق عليها، ولم أعلم أن أحدًا خالف فيها إلا سفيان الثوري رحمه الله، قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن لأنها خاتمة أمره. والمعروف المستقر عند أهل العلم استحباب التعزية قبل الدفن وبعده، لما تقدم من الأحاديث قريبًا، مثل عموم قوله ﷺ: «من عز مصابًا فله مثل أجره»، و«من عز كسي بردًا في الجنة»، فكل هذه عمومات تدل على استحباب التعزية مطلقًا، سواء بعد الدفن أو قبل الدفن. وكان اعتراض الثوري على التعزية بعد الدفن فقط؛ يعني هو يرى أن التعزية ينبغي أن تكون قبل أن يدفن الميت، فإذا دفن انتهى وقت التعزية.
فصل: ويستحب تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم وصغارهم، ويخص خيارهم والمنظور إليهم؛ ليستن به غيرهم، وذاك لضعفهم من تحمل المصيبة لحاجتهم إليها. ولا يعزي الرجل الأجنبي الشاب النساء؛ خافت الفتنة، إلا إذا كانت المرأة برزة، يعني امرأة في الأربعينات لو كانت أجنبية وبطبيعتها أنها تتعامل مع الرجال ويتعامل الرجال معها، فمثل هذا تساهلوا فيه، فالمرأة البرزة ينبغي أن تكون.
أولًا متقدمة في السن؛ لأن هذا مفهوم البرزة عندهم، فنحن نجد واحدة في سن الخامسة عشر تكون برزة، والبرزة في الفقه تكون امرأة بدأت في سن الكهولة، أي في الثلاثين أو الأربعين، ليست في سن الشباب العاتق، وتكون معتادة أن تخرج وتدخل وتتعامل، فمثل هذه في مسألة أن تعزيها نعم.
وثبت أن عائشة رضي الله عنها نهيت عن الضحك في المصيبة؛ لأن فيه إشاماتًا بالمسلم وكسرًا لقلبه، أن تكون تضحك في مجلس عزاء، أو تضحك والناس ذاهبة بالجنازة إلى القبر، أنت تكسر قلب أهل الميت، يعني نحن في أي شيء وأنت في أي شيء كما يقولون. ولهذا رأى الإمام أحمد رجلًا يضحك في جنازة فهجره؛ لأنه رأى هذا من سوء الأدب وضعًا في الدين، وقال: «أي موعظة تعظ؟»، هذا واضح أن قلبه قاسي لدرجة أن مشهد الجنازة لم يحدث له حزنًا.
فصل: قال: وما يفعله أهل زماننا من الجلوس عند القبر يوم الدفن للتعزية، وكذلك في اليوم الثاني والثالث. قال أبو الخطاب: يكره الجلوس للتعزية، وقال ابن عقيل: يكره الاجتماع بعد خروج الروح؛ لأن فيه تهيجًا للحزن، وقال الإمام أحمد رحمه الله: يكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعزَّ قبل الدفن.
المعروف عند السلف أن التعزية تكون قبل الدفن، وإذا جاء ودفن وأنت ما كنت سلمت عليه قبل ما يدفن، فتعزيه عند القبر. يرحم ميتكم، تعرف الناس عندنا في الأعراف تصف على باب المقبرة وتسلم عليهم، العزاء هنا انتهى خلاص الآن.
قضية الجلوس وفتح بيت لأجر وثلاثة أيام، هذه تحتاج إلى إشارة سريعة. قال: يكره التعزية عند القبر إلا لمن لم يعزَّ، فيعزي إذا دفن الميت، أي قبل أن يدفن. وقال أحمد: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت لم تأخذ، الآن لما تعزي شخص ممكن أن تأخذ بيده وتواسي إليه وتصبره، وممكن تعزيه بدون أن تأخذ بيده من بعيد، تقول: الله يرحم ميتكم.
قال: وإذا رأى الرجل قد شق ثوبه على المصيبة عزاه ولم يترك حقًا لباطل. انظر إلى هذه الفائدة الجميلة، قال: وإذا رأى رجلًا قد شق ثوبه؛ يعني إذا رأيت أهل الميت شقوا ثيابهم ولطموا الخدود ويفعلون معاصي، هل هذا يمنعني من تعزيتهم؟ قال: لا، لا تترك حقًا لباطل، فحتى لو ظهرت منهم معاصٍ أثناء الجزع والفزع، لا يقل: والله ما بعزيهم، لا يستحقون، لا أفعل الحق، بل تنهى عن الباطل.
قال رحمه الله تعالى: وإن نهاه فحسن، يعني نهاه عن خطئه. قلت: إن كان الاجتماع فيه موعظة للمعزي بالصبر والرضا، وحصل له من الهيئة الاجتماعية تسلية بتذاكرهم آيات الصبر وأحاديث الصبر في الرضا، فلا بأس بالاجتماع على هذه الصفة.
إذاً المنبج يرى أن الجلوس بعد الدفن في بيت الميت مع إخوانه وأصدقائه يذكرونه بآيات الصبر ويحثونه على الخير، وليس أن يصبح بيت العزاء عبارة عن مأتم وقراءة قرآن وذكر جماعي وأكلات طالعة وزوار، لا، هذا المنبج يقول إنه خطأ، لكن إذا كان جلسة في بيته يذكر فيها الله ويصبر فيها، لأنه أحيانًا بعض الناس يحتاج لوقفة إخوانه معه، فمثل هذا الجلوس لا إشكال فيه.
قال رحمه الله: في التعزية سنة سنها رسول الله ﷺ، لكن على غير الصفة التي تفعل في زماننا من الجلوس على الهيئة المعروفة اليوم؛ لقراءة القرآن تارة عند القبر في الغالب، وتارة في بيت الميت، وتارة في المجامع الكبار، فهذه بدعة محدثة مكروهة. أما إذا كان الاجتماع: والله بدنا نعمل ختمة في بيت فلان، والختمة الأربعينية، وتوزيع مصحف على أهل الميت وعلى أهل العزاء، وكل واحد كذا، فهذا كله بدعة.
قال: كرهه السلف كما تقدم، لكن فيه تسلية لهم وإشغال لهم عن الحزن والله أعلم. قال رحمه الله: فصل، أما قول أصحابنا وغيره من الفقهاء، ففي غالب كتبهم يذكرون أنه لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبًا يعرف به، وبعض أصحابنا المقدسة يرخي عذبة من غير عادة، قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حال التعزية.
بعض الناس يقول: لا بأس أن يجعل أهل الميت على رأسهم ريشة أو علامة يعرفون بها عند المقبرة حتى يعرف أنه هذا أبو الميت مثلاً فيؤتى ليعزوه، عرفت؟ لكن حقيقة هذا ليس من فعل السلف، أن أهل الميت أو أبوه أو ابنه يضع ريشة على رأسه ولا يضع عذبة ولا يضع له ذنبة مميزة له عن سائر الناس ليعرف أنه خلاص يقف على الباب ويسلم الناس عليه.
قال رحمه الله: وأنكر هذا الفعل شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: لا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، ولا نقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، ثم هناك آثار صريحة تأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى تقوي هذا القول. وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك لبس ما عادته، والله أعلم، أن يترك أهل الميت لبس ما عادتهم، لا تُحدث للميت لباسًا خاصًا.
قال: فصل، وقد ذكر شيخ الموفق الدين وغيره من أصحابنا في غالب الكتب أن التعزية تجوز قبل الدفن وبعده. يقول في تعزية المسلم بالمسلم: «أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك ورحم ميتك»، وفي تعزيته بكافر: «أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك»، لكن لا يقول: غفر لميتك؛ لأن الميت كافر، لا نقول: غفر لميتك.
قال: وتوقف أحمد رحمه الله عن تعزية أهل الذمة، وهي تخرج على رواية عيادتهم. نحن عندنا: هل يجوز تعزية الكفار؟ هناك روايتان في المذهب عندنا؛ المعتمد أنه لا يجوز تعزيتهم، والرواية الثانية أنه يجوز تعزيتهم، وهذا مخرج على مسألة عيادتهم، هل يجوز عيادة مرضاهم؟ فالمذهب المعتمد عندنا لا يعاد مرضاهم، ورواية أخرى أنه يعود مرضاهم. ولعل الرواية الثانية دليلها جواز التعزية وجواز العيادة خاصة، كما قال شيخ الإسلام: إذا رأى فيها مصلحة في تأليف قلوبهم على الدين.
قال: وهي تخرج على عيادة في أمراضهم، وفيها روايتان: إحداهما يعودهم؛ لأنه روي أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي ﷺ، فتاه النبي ﷺ يعوده، فقعـد عند رأسه فقال: «أسلم»، فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال: «أطع أبا القاسم»، فأسلم، فقام النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»، رواه البخاري، ولكن الحكمة في العيادة منتفية في...
تعزيته وهو رجاء إسلامه والله تعالى أعلم. والرواية الثانية لا تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدأوهم بالسلام»، وقال بجواز تعزيتهم عن المسلم. طبعًا هذا في نص مفقود هنا، لذلك يقفز عنه؛ يقال له: «أحسن الله عزاءك وغفر لميتك»، وعن كافر: «أخف الله عليك ولا نقص عددك». ويقصد زيادة عددهم لتكثر الجزية.
هل يجوز تعزية كافر بابنه المسلم؟ يقول: نعم، فتقول له: «أحسن الله عزاءك وغفر لميتك»، ما في مشكلة أنه ابنه مسلم، الميت مسلم بس أبوه اللي بتعزيه هو الكافر. وإذا كان كما قلنا عن كافر، يعني كافر بدك تعزيه عن ابنه الكافر تقول: «أخفف الله عليك ولا نقص عددك»، ويقصد أن يزيد عددهم لتكثر الجزية.
وقال أبو عبد الله بن بطان: لا بأس أن يقول في تعزية الكافر: «أعطاك الله على مصيبتك أفضل ما أعطي أحد من أهل ملتك»، برضه هي من تعزيتك للكافر تقول له ذلك. وقد روى أيضًا المرزباني بإسناده عن الحسن نحوه من مقال ابن بطة، ولكن لفظه: «أجزاك الله على مصيبتك بأعظم مما جازى به أحدًا من أهل ملتك».
وروى أبو موسى المديني بإسناده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعوتم لأحد من اليهود أو النصارى فقولوا: أكثر مالك وولدك». قال: ولمَ؟ لأنها تبقى دنيا، يعني أي دنيا مش مشكلة لو دعوت بها له، إن كان الحديث فيه ضعف.
قال: فصل، ولم يرد في التعزية شيء محدود، إلا أنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم عزى رجلًا فقال: «رحمك الله وأجر». هل التعزية لازم تكون بصيغة معينة ولا فيه سعة؟ الموضوع فيه سعة. قال: عز أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد -وهذا أحد تلاميذه- فقال: «فقد أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك»، مثل هذا يجوز تقوله.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، سمع قائلًا يقول: «إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من...». رواه الشافعي في مسنده.
وقال: وروى الحاكم في مستدركه، وقال صحيح الإسناد، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، وانظروا إليه في البلاء فانظروا إليه، فإنما المصاب من لم يُجبر». وانصرف فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ قال أبو بكر وعلي: نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر عليه السلام. وهذا الحديث ضعيف يا إخواني؛ قضية أن الخضر جاء وعزى وقال هذا الكلام، هذا حديث رواه الحاكم لكنه ليس بصحيح.
وروى الحاكم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءتهم الملائكة يسمعون حسها ولا يرون أشخاصها، فقالت الملائكة: «السلام عليكم ورحمة الله، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل فائت، بالله فثقوا وهي فرج، فإنما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله». وحسنه هو الحاكم، لكن أيضًا هذا حديث ضعيف؛ قضية أن الملائكة جاءت أو أن الخضر جاء وقت التعزية، كل هذه أحاديث ضعيفة. طبعًا أحاديث ضعيفة النصوص فيها، لا يمكن تكون الملائكة حاضرة لكن لا يوجد نص بهذا المفهوم، وسياتي كلام السلف رحمه الله في التعازي بألفاظ مختلفة، فتارة لهم تعازٍ مطولة وتارة وجيزة، لكنها تكون بليغة كما سأذكره قريبًا.
قال: فصل، ومن بلغه وفاة أحد من المؤمنين فليحسن الاسترجاع والتثبت. فقد روى الطبراني بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن للموت فزعًا، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه في المحسنين، واجعل كتابه في عليين، وأخلف عقبه في الآخرين، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده».
وفي حديث أبي سلمة لما مات شق بصره فأغمضه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «إن الروح إذا قبض تتبعه البصر»، شق بصره يعني لما مات ارتفع بصره إلى السماء، وأنتم تعرفون أن ميت تتبع روحه البصر. فصاح الناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره ونور له فيه». هذه من ألفاظ التعزية.
وروي عن علي بن أبي طالب لما بلغ وفاة أبي بكر قال: «رضينا عن الله قضاءه، وسلمنا له أمره، وإنا لله وإنا إليه راجعون». وقال سعيد بن منصور في سننه أيضًا بإسناده عن أنس بن مالك: أن رجلًا كان يجيء بصبي له معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الغلام مات فاحتبس أبوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «فقد مات صبيه الذي رأيت معه؟»، فقال: «أفلا أذنتموني؟»، قوموا إلى أخينا نعزيه. فلما دخل عليه إذا رجل حزين وبه كآبة، فعزاه فقال: يا رسول الله كنت أرجوه لكبر سني وضعفي، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما يصرك أن يكون يوم القيامة بإذائك يقال له ادخل الجنة، فيقول ربي وأبواي؟» ولا يزال يشفع حتى يشفع الله فيكم ويدخلكم جميعًا الجنة.
قال رحمه الله تعالى: فصل، فيما نقل إلينا من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف؛ يعني هي ألفاظ كيف بعض السلف كانوا يعزوا بعضهم البعض رسائل أو كتابات كانت بينهم. مثلا هنا سيبدأ بحديث الطبراني وإن كان فيه ضعف. قال: فقد روى الطبراني في كتاب الدعاء.
بإسناده عن محمود بن لبيد، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه مات ابن له، فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله، إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا من مواهب الله الهنية، وعواريه المستودعة، نتمتع به في غبطة وسرور، ويقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، وإن احتسبته بالصبر ولا يحبط جزعك أجرك، فتندم على ما فاتك من ثواب مصيبتك، فإنك لو اطلعت على ثواب مصيبتك لعرفت أن المصيبة قد قصرت عن الثواب».
وهذه الزيادة في بعض طرقه: «وما هو نازل بك». فالمصيبة قصرت عن ثوابها، فالثواب أعلى منها. وما هو نازل بك؛ فكان قد حصل هذا من اختصارات العرب: "ما هو نازل"، فكان قد حصل. انتهى.
جفت الأقلام أو رفعت الأقلام ودفت الصحف. رواها الحاكم في المستدرك وقال: غريب حسن، ورواها الحافظ أبو بكر بن مردويه في كتاب الأدعية، وعنده: «فليذهب أسفك ما هو نازل بك». ولفظ الحاكم: «فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا وأولادنا من مواهب الله الهنية، فليذهب أسفك بما هو نازل بك». قال: من مواهب الله الهنية وعواريه المستودعة، نتمتع به إلى أجل معدود، ويقبضه لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وباقي الحديث كما ساقه الطبراني. وقال: إن هذا موضوع كله من رأسه والحديث ضعيف جدا.
قال رحمه الله تعالى: ورأيت في جزء لا أعرف مؤلفه، وليس له، قال زيد بن أسلم: مات ابن لداوود عليه السلام، فجُزي عليه فَعُزِيَ فيه، فقيل له: ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إليه من ملء الأرض ذهبا، فقيل له: فإن لك من الأجر على قدر ذلك؟ قال: لك في الأجر ملء الأرض ذهبا.
وقال في الإسرائيليات: إن سليمان بن داوود عليهما السلام مات له ولد فجزع عليه حتى عُرف ذلك في مصابه، فتحاكم إليه ملكان في صورة رجلين، فقال أحدهما: إن هذا بذر بدراً في طريق الناس فمررت فأفسدته، فقال سليمان للآخر: لما بذرت في الطريق؟ قال: أما علمت أنه لابد للناس من ممر؟ فقال: ولم تحزن أنت على ابنك وهذا طريق الناس إلى الآخرة؟ كان نفس الفكرة؛ قال: تحزن أنت، وهذا هو طريق الناس إلى الآخرة كما أن البذر هكذا.
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه أن ابن لي قد قبض، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
وقال وهب بن منبه: قرأت في بعض كتب الله تعالى يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ جَعَلْنَا الْمَوْتَ، لَكَانَ النَّاسُ فِي حَيَاةِ السَّدْفِ﴾. الذي يدفع الناس أن يدفنوا موتاهم ويستعجل خشية أن ينتن عندهم، فمن حكمة الله أنه جعل الميت ينتن حتى الناس تستعجل في الدفن، وإلا لخبأ الناس موتاهم عندهم وحنطوهم في البيت. وكذلك، ولولا أن الله جعل الطعام يفسد لاختبأه الملوك عندهم، ولولا أنني آتي بالعزاء بعد المصيبة ما عُمرت الدنيا، يعني لولا أن الله رزق الإنسان نعمة النسيان لما عُمّر أحد؛ لأن كل الناس تتذكر مصائبهم فتبقى الحياة نكداً، فلولا أن من حكمة الله رزق الإنسان النسيان بعد المصائب لما عاش في الدنيا أحد على هناء.
قال رحمه الله تعالى: وقال الحسن البصري رحمه الله: «ما من جزعتين أحب إلى الله من جزعة مصيبة موجعة محرقة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر، وجزعة غيظ ردها صاحبها بحلم».
وقد روي عن شمر أنه كان إذا عزى مصاباً قال: «اصبر لما حكم ربك». وقال ابن أبي الدنيا حدثني عبد الله بن محمد بن إسماعيل التيمي: أن رجلاً عزى رجلاً في ابنه، فقال: «إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها أعظم مصيبتين عليك والسلام». وعزى ابن السماك رجلاً فقال: «عليك بالمصيبة فلا تضيع الأجر، فيجتمع عليك مصيبتان». وعزى ابن السماك رجلاً فقال: «عليك بالصبر، فبه يعمل من احتسب وإليه يصير من جزع».
وقال عمرو بن دينار: قال عبيد: الصبر هو في النهاية الكل سيذهب إليه، لكن في واحد يذهب إليه محتسباً، وفي واحد سيذهب إليه جازعاً، فخذه محتسباً. وقال عمرو بن دينار: قلت لعبيد بن عمير: أظن ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، لكن الجزع القول السيء والظن السيء.
وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على أبي، فأطوف بالبيت متقنعاً، أي مغطياً وجهه، فكشف القناع عن رأسه وقال: «الاستتار من الجزع». ليش تستتر؟ يعني ليش مغطي رأسك؟ بتعرف بعض الشباب لما يدخل في كآبة نفسية بتلاقيه ماشي هيك وحاطه على حاله، بتقول له هذا نوع من الجزع، سيبك من الأوضاع النفسية التي تعملها.
وقال: وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمه الله أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له: «يا أخي عز نفسك بما تعز به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أمضى المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمع مع اكتساب وزر؟ فتناول حظك يا أخي إذا قرى منك قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبراً واحرز لك بالصبر أجراً». ثم أنشده:
إني معزيك لا أني على ثقة ... من الخلود ولكن سنه الدين فلا المعزى بباق بعد ميته ... ولا المعزي ولو عاش إلى حيني
قال: ومات ابن للشافعي رحمه الله، فجاؤوا يعزونه فأنشد:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزية مال له فراق حبيب
دخل بعض الأعراب على بعض ملوك العباس وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه فيه فقال:
اصبر نكن بك صابرين ... فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس وخير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك
ذكر أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا بإسناده أن شخصاً من الحكماء أنشده: «إذا دام ذا الدهر لم يحزن على أحد ممن يموت، ولم يفرح بمولود».
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسين، الدنيا تدوم؛ لم يفرح بولادة المولودين ولا بحزن الفاقدين، فمن سنة الدهر أن يفرح بالمولود ويحزن بالمفقود.
وذكر عن عبد الله قال: حدثنا محمد بن مسلمة القاسمي، قال: وكان قد قارب المئة، وعظ عابداً جباراً، فأمر به فقطعت يداه ورجلاه وحمل إلى متعبده، فجاء إخوانه يعزونه، فقال: «لا تعزوني، ولكن هنئوني بما ساق الله إلي»، ثم قال: «إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، انظر إلى العجائب! إلهي، أنت تتودد بنعمتك إلى من يؤذيك، فكيف لا تتودد إلى من يؤذى فيك؟».
وذكر عن سليمان بن حبيب قال: لما مات عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز دخل عليه شام فأعزاه، فقال عمر: «وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبة في شيء من الأمور تخالف محبة الله عز وجل، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إلي».
وفي رواية أخرى قال: لما مات ابنه عبد الملك وأخوه سهل ومزاحم مولى عمر بن عبد العزيز في أيام متتابعة، دخل عليه الربيع بن سبورة فقال: «أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله ما رأيت مثل ابنك، ولا مثل أخيك، ولا مثل مولاك قط». فطأطأ رأسه، فقال له رجل معه على الوسادة: لقد هيج عليه. قال: ثم رفع رأسه فقال: «كيف قلت؟»، قال: «بعدت عليه، أنت ذبحته؟»، قال: «ذكرته أنه ابنه، أحسن واحد»، فقال: «كيف قلت للأمير؟»، قال: «أعد»، فأعاد عليه ما قال، فقال: «لا، والذي قضى عليه بالموت، ما أحب أن شيئاً من ذلك لم يكن»، أي أنا راضٍ، ما أحب أن شيئاً من الوفاة لم يكن، فهذه دلالة الرضا.
وقام عمر بن عبد العزيز على قبر ابنه عبد الملك فقال: «رحمك الله يا بني، قد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أحب -مع أني كنت سعيداً بك وأنت على قيد الحياة- لكن الآن وبعد أن مت، ما أحب أني دعوتك لتعيش فأجبتني»، أي أنا راضٍ في كلامه.
وقالوا: لما توفيت اليعقوت بنت المهدي، بنت الأمير الخليفة المهدي، جزع على ابنته جزعاً لم يسمع بمثله، فجلس للناس يعزونه وأمر ألا يحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي واجتهدوا في البلاغة، فأجمعوا أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية شبيب بن شبه، فإنه قال: «أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً، وأعقبك خيراً، ولا أجهد بلائك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده».
وفي رواية قال: «يا أمير المؤمنين، الله خير لك منها، وأنا أسأل الله أن يحزنك ولا يفطنك».
وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن القاسم قال: هلكت امرأة لي، فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إن كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة وكان بها معجبة ولها محبة، فماتت، فوجد عليها وجداً شديداً وتأسف عليها تأسفاً شديداً، حتى خلى في بيت وأغلق على نفسه واحتجب، وإنما الشيخ قرر يحتجب لا يريد أن يرى الناس حزناً على امرأته.
قال: إن امرأة سمعت به، فجاءت فقالت: «إن لي حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزينا إلا مشافهة»، فذهب الناس ولزمت بابه وقالت: «ما لي منه بد»، فقال له قائل: «ها هنا امرأة أرادت أن تستفتيك»، قال: «إذنوا لها»، فدخلت فقالت: «إني استعرت من جارة لي حلياً وكنت ألبسه وأعيره، فلبث عندي زماناً ثم أنهم أرسلوا إلي فأرده إليهم»، فقال لها الشيخ: «نعم، لازم ترد العارية»، قالت: «إنه مكث عندي زماناً»، قال: «فذاك أحق، لازم ترده»، قالت: «أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟». فأبصر الشيخ ما هو فيه، ونفعه الله بقولها، أحياناً بعض النساء قد ينتفع بقولهن بعض الرجال.
وعزى يونس بن عبيد ولداً له مات، فقال: «إن أباك كان أصلاً، وإن ابنك كان فرعاً، وإن امرأً ذهب أصله وفرعه لحري أن يقل بقاؤه».
وعزى صالح من مات ولده فقال: «إن كانت مصيبتك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن كانت لم تحدث لك عظة في نفسك فمصيبتك بنفسك أعظم من مصيبتك بابنك».
وعزى رجل رجلاً فقال: «يا أخي، العاقل يصنع في أول يوم ما لا يفعله الجاهل بعد عام».
وعزى رجلاً رجلاً فقال: «عليك بتقوى الله والصبر، فإنه يأخذ المحتسب إليه، ويرجع الجازع إليه». الصبر هو الذي يأخذ الإنسان بالاحتساب، وإليه يرجع الجازع جبراً عنه اضطراراً.
وعزى رجلاً رجلاً فقال: «إنما كان لك في الآخرة -إن كان لك في الآخرة أجراً- خير ممن كان لك في الدنيا سروراً»، يعني هذا الميت يكون لك أجر في الآخرة أحسن من أن يكون لك فقط علاقة معه في الدنيا للذة.
وعن الوجير، من لم يتعزى عند مصيبته بالأجر والاحتساب فإنه سيصبر، لكن كما قال بعض السلف: «وقد عزي مصاباً: إن صبرت فهي مصيبة واحدة، وإن لم تصبر فهي مصيبتان».
وذكر ابن أبي الدنيا بإسناد عن المور المهران عز رجلاً، عمر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك، فقال عمر: «الأمر الذي نزل بعبد الملك أمر كنا نعرفه، فلما وقع لم ننكر»، يعني نحن متوقعين أنه...
أي إنسان ممكن يموت في أي لحظة، هذا معنى كنا نعرفه. وروى ابن أبي الدنيا بإسناد: مات ابن رجل فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان الرجل حسن العزاء. فقال رجل من القوم: هذا والله الرضا! فقال عمر: أو الصبر؟ قال سليمان: الصبر مرتبة دون الرضا؛ فالرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضياً بما كان، أي بما يشاء الله، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة فيصبر.
فكان الرضا أن تكون قبل المصيبة راضياً بما ينزله الله بك، وأما الصبر فإنه أنت قبل المصيبة ما بدك إياها تصير، فإذا وقعت تجشمت الصبر. فهناك فرق بين إنسان أي شيء ربنا بيسويه هو راضي فيه فعلاً، فهو مع ما يريده مولاه، فهذا راضٍ. الصابر أقل مرتبة؛ الصابر لا هو ما بده هذا الشيء يصير، لكن إذا صار ولا محالة لا يجد مجالاً إلا أن يتحمل، فيكون الصبر أقل من الرضا بهذا المعنى.
وذكر الحافظ ابن عساكر أن إبراهيم بن خالد قال: كتب محمد بن إدريس الشافعي إلى رجل من إخوانه من قريش يعزيه بابن أصيب به: «اعلم يا أخي أن كل مصيبة لا يجبر صاحبها ثوابها فهي المصيبة العظيمة، فكيف رضيت بأخيك فتنة ولم ترضَ به نعمة؟ وكيف رضيت بمفارقة ولم ترضَ به خارقة؟ وكيف رضيت عليه بالتعريض من الفساد ولم ترضَ به على اليقين من الصلاح؟ بل كيف لك بمقت منعم ولم تعرف له نعمة، ولم تعرف منه له نعمة؛ يريك ما تحب ويرى منك ما يكره؟ ارجع إلى الله عز وجل، وتعزَّ برسوله ﷺ، وتمسك في دينك، والسلام».
وذكر أيضاً بإسناده قال: كتب رجل إلى أخ له يعزيه بابنه: «أما بعد، فإن الله تعالى وهب لك موهبة جعل عليك رزقه ومؤنته وأنت تخشى فتنته، فاشتد ذلك من أزواجكم وأولادكم فتنة. فاشتد لذلك فرحتك، فلما قبض موهبته وكفاك مؤنته، اشتد لذلك حزنك. أقسم بالله إن كنت تقياً لهنئت على ما عزيت عليه، ولعزيت على ما هنئت عليه. فإذا أتاك كتابي هذا فاصبر نفسك عن الأمر الذي لا صبر لك على عقبه، واصبر نفسك عن الأمر الذي لا غنى بك عن ثوابه. واعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها، فذلك الحزن الدائم، والسلام».
قال عن عبد الله بن صالح العجلي: كتب ابن سماك إلى رجل يعزيه على مولود اللوام: «أما بعد، فإن استطعت أن يكون شكرك حين قبضه الله عز وجل منك أكثر منه حين وهبه لك فافعل؛ فقد أحرز لك هبته حين قبضه، ولو بقي لم تسلم من فتنته. أرأيت حزنك على فراقه وتلهفك على ذهابه؟ أترضى الدار لنفسك فترضىها لابنك؟ وأما هو فقد خلص من الكدر وبقيت أنت معلقاً بالخطر. والمصيبة إن جزعت فهي واحدة، وإن صبرت فمصيبتان؛ إن لم تصبر فلا تجمع الأمرين على نفسك، والسلام».
وكتب رجل إلى بعض إخوانه يعزيه بابنه: «أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة، فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته». وقال موسى بن المهدي لإبراهيم بن مسلم يعزيه بابنه: «أسرك وهو بلية وفتنة وأحزنك، وهو صلاة ورحمة». ابنك وهو في الدنيا عايش هو بلية وفتنة، إذا مات صار صلاة ورحمة في حال صبرت.
قد روي أن ابن عمر دفن ابناً له فضحك عند قبره، فقيل له: تضحك عند القبر؟ فقال: أردت أن أرغم الشيطان. لكن أعود فأقول: هذا أيضاً يحتاج إلى إسناد صحيح عن ابن عمر، بل النبي ﷺ كان يبكي عند قبر ابنته، فكيف نقول إن الإنسان يضحك عند القبر؟ يعني هذا ليس مقاماً يُطلب، لكن يريد أن يريك أن بعض الناس قد يتجلد ويصبر.
قال الحافظ ابن عساكر: ومات لي ولد لم يحترم، وكان ولداً حسناً لمُحترم، قال الحافظ: فحمدت الله ولم أظهر لموته جزعاً ولا قلقاً، ولم أحالف لذهابه ولا أرقه، تركت الهلع والرقزنة في مجلس التحديث، بقي يدرس في المجالس ويعلم الناس، ولم يترك التعليم بسبب وفاته، ولم أمتنع لأجله من الانبساط والمزح والحديث مع الناس، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله وإعانته وحسن عصمته من الجزع وصيانته.
فله الحمد إذ لم يحبط أجري فيه بجزعي، ولم يذهب صبري عنه بهلعي؛ لأن المحروم من حُرم عظيم الثواب، والملوم من جزع لأليم مصاب. وأعجب من تصبري لما عزى بعض إخوتي فحضني على الصبر، وقال لي: مررت بك يوم ثانٍ وأنت تحدث الجماعة وتتكلم، فتعجبت من انشراح صدرك للتحديث وإعطاء درس في تلك الساعة! فقلت له: إن الجزع لا يرد فائتاً ولا ذاهباً، والحزن لا يرجع هالكا ولا عاطباً، والبكاء لا يجدي صرفاً لمسلم ولا نفعاً؛ لا يصرف عنه البلاء. وإذا كان الأمر بهذه الصفة والحال عند أهل المعرفة، فالصبر أحمى لأولي النهى.
الباب السادس عشر في وجوب الصبر على المصيبة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]. والآيات التي فيها الأمر بالصبر كثيرة جداً ومعروفة.
قال الإمام أحمد: ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في القرآن في تسعين موضعاً. واعلم أن حقيقة الصبر عند أرباب التصوف خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها. فالصبر قوة، والنفس تحتاج أن تمتلكها حتى يصلح شأنك.
قال سعيد بن جبير: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصابه منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه». وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يُرى منه إلا الصبر. وقد تقدم حديث أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وإرسال بنت رسول الله ﷺ إلى...
«إن لأ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند القبر فقال: «اتق الله واصبري»، فقالت: «إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي»، ولم تعرف أنه النبي ﷺ، فقيل لها إنه النبي ﷺ، فأتت الباب، وفي الحديث المشهور قال لها: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وفي رواية: كانت تبكي على صبي فقال: «إنما الصبر عند أول صدمة».
وهذا يشبه قوله ﷺ: «ليس الشديد بالصراع، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ فإن مفاجأة المصيبة بغتة لها روعة بالتأكيد، تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسرت حدتها وضعفت قوتها، فهان عليه استدامة الصبر. كذلك الغضب، إذا كتمت غضبك من البداية تهدأ شيئًا فشيئًا فيزول، لكن إذا غضبت في البداية صعب عليك أن تثبت بعد ذلك.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله عز وجل: ﴿مَا لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجَنَّةُ﴾ [البقرة: 261 - context based]. رواه البخاري.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطعن، فأخبرها أنه كان عذابًا أن يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين؛ فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد. رواه البخاري ورواه الإمام أحمد من حديث عائشة أيضًا به لفظه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصبر على المصائب واجب لاتفاق أمة الدين، وإنما اختلفوا في وجوب الرضا»، وانتهى كلامه. فالصبر واجب من حيث الجملة، ولكنه يتأكد بحسب الأوقات؛ فهو في زمن الطاعون أكد منه في غيره، فإذا صبر على الإقامة في البلد الذي وقع فيه الطاعون، وصبر عند موت أولاده وأقاربه وأصحابه، وصبر أيضًا عند مصيبته بنفسه، وعلم يقينًا أن الآجال لا تقديم فيها ولا تأخير، وأن الله تعالى كتب الآجال في بطون الأمهات كما ثبت في الصحاح؛ كتب رزقه وأجله، وشقي هو أو سعيد، فلا زيادة ولا نقص إلا في صلة الأرحام، ففيه خلاف معروف بين أهل العلم.
فإذا صبر واحتسب لم يكن له ثواب دون الجنة، وإذا جزع ولم يصبر أثم وأتعب نفسه، ولم يرد من قضاء الله شيئًا. ولقد ضمن الوافي الصادق الناطق في محكم كتابه حيث قال عن الصابرين إنهم يوفون أجورهم بغير حساب، وأخبر أنهم معه بهدايته ونصره، العزيز وفتحه المبين؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. فذهب الصابرون بهذه المعية التي هي خير الدنيا والآخرة، وشارك بعض الأنبياء في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46].
وأخبر تعالى أن الصبر خير لأهله خبرًا مؤكدًا؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]. وأخبر أن الصبر مع التقوى لا يضر معه كيد الأعداء أبدًا؛ فقال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120].
قال رحمه الله تعالى: الباب السابع عشر فيما ورد في الصبر على المصيبة. قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43]. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31].
وهذا باب متسع جدًا في الآيات والأحاديث، وإنما نذكر منه ما يقضي الساهي وينبه الغافل. وقد تقدم حديث أم سلمة من غير وجه من رواية الإمام أحمد ومسلم وغيرهما، حديث أم سلمة: «اللهم أجرني في مصيبتي». ومن الأحاديث أيضًا الحديث المشهور عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري قال ﷺ: «الطهور شطر الإيمان»، وورد فيه: «والصبر ضياء»، وهذا موطن الشاهد.
وأيضًا حديث أبي الدرداء من طريق أنه أم سلمة قالت للنبي ﷺ: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك احتسب مصيبتي، فأجرني بها، وأخلف لي خيرًا منها». فلما احتضر أبو سلمة قالت: «اللهم اخلفني في مصيبتي في أهلي خيرًا مني»، فلما قبضت قالت أم سلمة: «إنا لله وإنا إليه راجعون، إن الله يحتسب مصيبتي فأجرني فيها». فانظر رحمك الله إلى ما آلت إليه حين احتسبت وصبرت ورضيت وركنت واتبعت السنة.
وقد قدم هذا الكلام، عن أبي سعيد الخدري أن ناسًا من الأنصار سألوا النبي ﷺ فأعطاهم، ثم سألهم فأعطاهم، حتى نفد ما عنده من المال، ثم قال لهم حين انقضى كل شيء: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله».
وحديث أيضًا إلى آخره، حديث صحيح؛ عن أبي هريرة قال ﷺ: «عجب لامرئ المؤمن إن أمره كله له خير»، وموطن الشاهد فيه: «وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». وحديث: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضت منهما الجنة»، يريد عينيه. وحديث المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي، فقال: «إن شئت صبرت ولك الجنة»، وأنت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، ثم قالت: إني أتكشف -يعني تنكشف عورتي عندما أصرع- فادع الله أن يستر عورتي ألا أتكشف، فدعا لها.
وحديث أبي هريرة: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة إلا كفر الله بها من خطاياه». رواه البخاري ومسلم. والهم على المستقبل، والحزن على الماضي، والنصب هو التعب، والوصب المرض. وحديث موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «لا يصيب العبد نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»، وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].
ورواية عمرو بن العاص قال ﷺ: «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم». كل هذا يحث على الصبر. وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرًا يصب منه»، وقوله «يصب» بفتح الصاد وكسرها، والصحيح أن النبي ﷺ قسم ماذا؟ فقال لبعض الناس: «هذا»، فقال بعض الناس: «هذه»، فَقَصَبَهُ، ما أريد بها وجه الله، فأخبر بذلك النبي ﷺ. فقال رحمه الله: أخي موسى فقد أوجب أكثر من هذا فصبر. وحديث عبد... أظن أن المنبجي أخذ هذه الأحاديث وجمعها من عند النووي في باب الصبر، يعني تجد أنه هو اختار نفس...
الأحاديث التي ذكرها النووي تمامًا في باب الصبر. قال عبد الرزاق بإسناده في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 153]، عن سعيد بن جبير قال: «لم يُعطَ أحد غير هذه الأمة الصبر»، ألا تسمعون إلى قول يعقوب: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؟ فهنا طبعًا هو يقصد ما أعطي الصبر، التي هي قولك: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وهذه مرت معنا. ليس معنى أنه لم يُعطَ أحد غير هذه الأمة الصبر؛ لأن يعقوب صبر ويوسف صبر، وأصلاً في قصة يوسف أنه «من يتقِ ويصبر»، لكن المراد قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، هذا من الكلمات التي اختص بها هذه الأمة.
اقرأ: قال وروى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثني عيينة بن عبد الرحمن، أن ابن عباس رضي الله عنهما نُعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تناحى عن طريق فإناخ، ثم صلى ركعتين فأطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45].
وقال هشيم: حدثنا خالد بن صفوان، قال: حدثني زيد بن علي، أن ابن عباس كان في مسير له، فنُعي إليه ابن عمه، فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع وقال: «فعلنا كما أمرنا الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾». وقال أبو الفرج الجوزي: رُوي عن أم كلثوم -وكانت من المهاجرات- أنه لما غشي على زوجها عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه خرجت إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة. وذهبت المرأة إلى المسجد لتصلي وتذكر الله، تستعين على مصيبتها في فقد زوجها.
وحكى سعيد بن منصور عن الحجاج عن ابن جريج في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: «إنهما معونتان على رحمة الله». وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكا شديدًا، قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم»، فقيل له: ذلك إن لك أجرين؟ قال: «أجل، كذلك؛ ما من مسلم يصيبه أذى شوكة، فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، وحطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها». رواه البخاري ومسلم. ومغث الحمى يعني هذا، حتى الكلام النبوي مأخوذ بالحرف، هذا كله مأخوذ بالحرف من رياض الصالحين، ومغث الحمى يعني هي آثار الحمى، وقيل هي الحمى نفسها.
قال: وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد برده له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه! والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وفي الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». قال: فله السخط. قال الترمذي: حديث حسن.
وعن أنس رضي الله عنه قال: كان ابن الأعرج ابن أبي طلحة رضي الله عنه يشتكي مع زوجته أم سليم، ذكرناها بإسناديها وسيذكرها كما هي. اذهب إلى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تنصب الموازين يوم القيامة، يؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب ولا يوضع لهم ميزان؛ لأن الله سيعطيهم أجرهم بغير حساب، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب»، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل. رواه ابن منجويه في تفسيره.
وروى مالك بن أنس في الموطأ من حديث عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين، فقال: انظر ماذا يقول لعواده، فإن هو إذا جاؤوه حمد الله وأثنى عليه، رفع ذلك إلى الله -وهو أعلم- فيقول: لعبدي، لعبدي، إن أنا أوفيتُه إن توفيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدله لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته».
قال: فصل في كلام السلف في الصبر. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعات، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب له 300 درجة، ومن صبر على الطاعة كتبت له 600 درجة، ومن صبر عن المعصية كتبت له 900 درجة».
وقال ميمون بن مهران: «الصبر صبران؛ فصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية». وقال الجنيد وقد سئل عن الصبر: «لا تعصِ ربك سبحانه»، فقال: «هو تجرع المرارة من غير تعبس». وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 24]، ثم قال: «اصبروا»، قال: «صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه». انتهى كلامه، فكأنه رحمه الله جعل الصبر على المعصية داخلًا في قسم المأمور به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن مالك بن مغول عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: «إني فعال لما أريد». قال أحمد: وحدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: «وجدنا خير عيشنا بالصبر»، وفي رواية: «أفضل عيشنا أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا».
وقال علي بن أبي طالب: «ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد»، ثم رفع صوته فقال: «ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له». وقال الحسن: «الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده». وقال عمر بن عبد العزيز: «ما أنعم الله على عبده نعمة...».
فانتزعها منه فعوضها مكانه، فعوضه الله خيرا ممن نزعه منه. قال بعض العارفين في رقعة يخرجها كل وقت فينظر فيها، وفيها مكتوب: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا». وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: «في غير جزع». وقال عمر: «فصبر جميل هو الذي لا جزع فيه». وقال: «فصبر جميل الرضا بالمصيبة والتسليم». وقال حسان: «فصبر جميل أي لا شكوى فيه». وقال همام: «﴿وَأَبْيَضَتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيرا». وقال الحسن البصري: «الصبور نعم». وقال الضحاك: «كظيم الحزن». وقال عبد الله بن المبارك: «نعم».
إن سعيد بن جبير قال: «الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه واحتسابه عند الله». وقال يونس بن زيد: «سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه»، يعني أن المصيبة ما تكركبك، هذا يعني أنك في قمة الصبر.
وقال قيس بن الحجاج في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾: «أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو». وذكر أبو الفرج: «لا يعرف من هو؛ لأن الإنسان إذا أصيب مصيبة فتكركب خلصنا بنعرف، متكركب مبين عليه، لكن إذا لم يعرف من هو معناته أنه ثابت، ما حدا عرف أنه عنده مصيبة».
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في عيون الحكايات: «قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فآنسونا بكم، فقالت: يا هؤلاء، ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مِحشاً فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني». ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، فقالت: «أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني».
فانتظرت ابنها فجاءت بعير عليها رجل، قالت: «البعير بعير ابني بس الراكب مش ابني». فوقف الراكب عليها فقال: «يا أم عقيل، أعظم الله أجرك في عقيل». فقالت: «ويحك! مات ابني؟» قال: «نعم». قالت: «وما سبب موته؟» قال: «ازدحمت عليه الإبل فأرمت به في البئر»، الظاهر كان يسقي فأرمته الإبل في البئر. فقالت: «أنزل، فقد قضيت ذمام القوم، أنزل ضيف الجماعة». ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها.
فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: «يا هؤلاء، هل فيكم من أحد يحسن من كتاب الله شيئاً؟» فقلت: «نعم». قالت: «اقرأ علي من كتاب الله آية أتعزى بها». فقرأت عليه قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إلى آخر الآيات. قالت: «الله! إنها لفي كتاب الله هكذا؟» قلت: «الله إنها لفي كتاب الله هكذا». فقالت: «السلام عليكم»، ثم صفت قدميها وصفت ركعات، ثم قالت: «إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيل»، تقول ذلك ثلاثاً: «اللهم إني فعلت ما أمرتني فأنجز لي ما وعدتني».
الباب الثامن عشر: قال في أن الشخص لا يستغني عن الصبر لا في المصيبة ولا في غيرها. قال: «اعلم رحمك الله أن الشخص البالغ العاقل المسلم ما دام في دار التكليف والأقلام جارية عليه، لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال؛ فإنه بين أمر يجب عليه امتثاله وصبر لا بد له منه قولاً وفعلاً، وبين نهي يجب عليه اجتنابه وتركه وصبر لا بد له منه، وبين قضاء وقد يجب عليه الصبر فيه، وبين نعمة عليه شكر المنعم عليها والصبر عليها، وإذا كانت هذه الأحوال لا تفارقه فالصبر لازم له إلى الممات».
فالصبر هو مضمون حياة الإنسان، لا ينفك عنك سواء عندك مصيبة أو ما عندك مصيبة؛ لأنه هناك صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر حتى على النعمة، أن تصبر على شكر الله عليها. فإذا قيل: النعم يجب الصبر عليها؟ قيل: نعم؛ لأنها من الابتلاء. فإما أن الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه فجعله ابتلاءً، وقال تعالى: ﴿لِنَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: 7]، إخباركم في الآية. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي أكرمن، فيقول: ﴿كَلَّا﴾؛ أي ليس الأمر كذلك، ليس الابتلاء هو فقط بالضراء، بل ابتليت بالسراء وابتليت بالضراء. وليس إعطائي لك دليلاً على كرامتك عندي، كما أن ليس منعي دليلاً على مهانتك عندي، كلا، وإنما الله يبتلي عبده بالغنى والفقر؛ فينظر من هو المجاهد الشاكر الصابر على ما ابتلاه به، كما يبتلي عباده بالمصائب والأسقام تطهيراً لهم من الذنوب والآثام.
ويحتاج العبد إلى الصبر في ثلاثة أحوال: أحدها: قبل الشروع في العبادات؛ بتصحيح النية والإخلاص، وعقد العزم على توفية المأمور به وتجنب دواعي الرياء والسمعة. والحالة الثانية: الصبر حال العمل؛ فلازم الصبر عند دواعي التقصير والتفريط؛ عليك أن تصبر إذا قبل العمل تصبر على إخلاصك وتجريد قلبك، ثم عليك أن تصبر في العمل ألا يصيبك تقصير وملل وفتور، تصبر على مجالس العلم، تصبر على يوم الهمة، تصبر على أشياء كثيرة، ويلازم استصحاب ذكر النية أثناء العمل وحضور القلب بين يدي المعبود، فهذا صبر أثناء العمل. والحالة الثالثة: الصبر بعد فراغ العمل؛ فيحذر من الإتيان بما يبطله، كما قال سبحانه: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]، فالصبر على محافظتها بعد الفراغ أنفع ما للعبد، فأنت مأمور بالصبر قبل العمل وأثناء العمل وبعد العمل.
هذا معنى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، سبحان الله! العبارات القوية الرشيقة، تجد ابن تيمية حاضراً فيها، كل كلام تجده والله في عمق.
وقال ابن القيم: «وكل ما يلقى العبد في هذه الدار لا يخلو من نوعين: أحدهما موافق هواه ومراده، والثاني يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما». أنت تحتاج إلى أن تصبر على الأمور التي توافق هواك، كما تحتاج أن تصبر على الأمور التي تخالف هواك، فأنت في الدنيا بين أمور.
تحصل أنت بدك إياها تحصل، وبين أمور تحصل أنت ما بدك إياها تحصل وعليك الصبر عليها. قال: أما النوع الذي يحصل وهو موافق لغرضك، كالصحة والسلامة والجاه والمال، وهو أحوج إلى الصبر فيها، هذا يحتاج إلى صبر أكثر؛ فالصبر في السراء أصعب من الصبر في الضراء.
صحيح، لماذا؟ قال: أحدها أن لا يركن إليها ولا يغتر بها، ولا يحمله عليها البطر والاشر والفرح المذموم الذي لا يحب الله أهله. الثاني أن لا ينهمك في نيلها ولا يبالغ في استقصائها، فإنها تنقلب إلى أضدادها؛ فمن يبالغ في الأكل والشرب والجماع انقلب ذلك ضده، صار ثميناً، الإنسان فقط يفكر في الشهوات فيُحرم في النهاية من الأكل والشرب والجماع. الثالث أن يصبر على أداء حق الله تعالى وإياها يضيع فيُسلبها.
قال: الرابع أن يصبر عن صرفها في الحرام، فلا يملّك نفسه من كل ما تريده منها، فإنها توقعه في الحرام، فإذا احترز أوقعت في المكروه. ولا يصبر على السراء إلا الصديقون.
لا يصبر على السراء إلا الصديقون؛ ليه؟ شوف السراء لأن أنت لك فيها خيار، أما المصيبة فأنت مجبر عليها، فإما راح تصبر عليها الآن باختيارك، أو راح تصبر عليها كما قلنا لاحقاً كما تسل البهائم، أما السراء فمشكلتها أن الأمر بده اختيار وإرادة؛ لأن الأمر في يدك أن تفعل.
قال بعض السلف: «البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديق».
قال: أما النوع الثاني، فإما الطاعة، فالعبد يحتاج إلى الصبر عليها لأن النفس بطبعها تنفر عن كثير من العبادات، إلا من وفقه الله لتوافق هواؤه كالصيام والزكاة. وقال: وتبين ذلك بالصلاة؛ طبع النفس فيها الكسل، قال: الكسل، والراحة تريد أن تتحرك وتصلي، والزكاة النفس تريد فيها الشح والبخل، والصوم النفس تريد فيه الأكل والشرب، وعلى هذا فقس؛ فالعبادات على خلاف الهواء، فبدك تصبر على أدائها حتى تصبح هي هواك، فهو محتاج من الصبر في جميع ذلك.
ونذكر قول عبد الرحمن بن عوف: «ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر». وقال: وإنما كان الصبر على السراء شديد المشقة على النفس، لأنه مقرون بالقدرة على ما تشتهيه النفس وتميل إليه؛ لأن الجائع عند عدم الطعام أقدر منه على الصبر عند حضوره، وكذلك الشهوة عند غير المتمكن منها أسهل من الشهوة عند حضورها، وكذلك العطشان شديد العطش عند عدم الماء أقدر منه على الصبر عند وجوده.
قال رحمه الله: فقد قدّر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين في كتابه العزيز من فتنة المال، ومن فتنة الأزواج، ومن فتنة الأولاد، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 9]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14].
وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمجادلة، بل عداوة المحبة الصادة عن الهجرة والجهاد وتعليم العلم وغير ذلك من أعمال البر، كما ذكره العلامة ابن القيم. فالمقصود أنه من صبر في السراء عن المعصية فقد أمن فتنة المال، فإنه قادر على فعل المعصية وبذل المال، فلهذا كان له الثواب الجزيل والفضل العظيم. وكذلك من صبر على تربية الأولاد وأداء حق بعض الزوجات كان له الدرجات العليا، فليس كل زوجة وولد منهم أذى؛ لذلك قال ابن تيمية: «إن من أزواجكم» إن من التبعيض، يعني من بعضهم وليس كلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم»، فإن «من» هنا للتبعيض باتفاق الناس. والمعنى أن من الأزواج والأولاد عدوا، ليس المراد أن كل زوج وولد عدو، فإن هذا ليس هو مقتضى اللفظ وهو باطل في نفسه؛ فبعض الزوجات صالحات تساعد زوجها والأولاد كذلك. فإنه سبحانه وتعالى قد قال عن عباد الرحمن إنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74]. لو كان كل الزوجات أعداء لما دعا الإنسان: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، فأنت تريد الأزواج والذريات الذين ليسوا بأعداء.
قال: فسألوا الله أن يهب لهم من أزواجهم وأولادهم قرة أعين، فلو كان كل زوج وولد عدواً لم يكن فيهم قرة أعين؛ فإن العدو لا يكون قرة عين بل سخنة عين. وأيضاً فإنه من المعلوم أن إسماعيل وإسحاق بني إبراهيم ويحيى بن زكريا وأمثالهم ليسوا أعداء؛ هؤلاء أولاد الأنبياء وكانوا أنبياء أيضاً.
وقول من قال إن «من» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ هذه زائدة، هو قول خطأ من وجوه. يقول ابن تيمية: السبب الأول أن مذهب سيبويه أن «من» لا تُزاد في سياق الإثبات، وإنما «من» تُزاد في سياق النكرة كما هو معلوم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾، و﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾، و﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، دائماً لا بد تكون مسبوقة بنفي. فإنه لو لم تأتِ «من» في سياق النفي، فإن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ظاهراً وليس نصاً؛ فإنه يجوز أن يقول: «ما رأيت رجلاً»، فتكون نكرة في سياق النفي، فظاهرها العموم لكن بعد ذلك ينقض العموم فيقول: «ولا رجلين»، فنعرف إذاً أنه لم يقصد العموم بل قصد الفرد.
فإذا أُدخلت «من» فقلت: «ما رأيت من رجل»، هذا نص أنك أردت العموم، فلا يجوز بعد ذلك أن تقول: «ما رأيت من رجل بل رجلين»، مع أن النكرة في سياق النفي هي الأصل فيها للعموم، لكن قد يكون نصاً في العموم وقد يكون ظاهراً. فإذا كانت ظاهرة في العموم احتملت أن يُغرض بها العموم، وإنما يُراد بها نفي الواحد فقط من الجنس، بخلاف إذا كانت النكرة في سياق النفي نصاً في العموم فلا يمكن أن يُراد بها نفي الواحد. وهذا الموضع إثبات لما قال إن «من أزواجكم وأولادكم» جملة مثبتة مش منفية، فمن هنا لا تكون زائدة.
الثاني: أن من جوّز زيادتها في الإثبات كالأخفش، لا يجوزه إلا إذا كان في الكلام ما يدل على أنها زائدة؛ وإلا فلو قال قائل مثلاً: «إن من هؤلاء القوم مسلمين»، وأراد بعد ذلك أن جميعهم مسلمون، فهذا لا يجوز.
بالاتفاق، فلا بد من وجود قرينة لتدل على الزيادة. الثالث: أنه إذا قيل إن هناك زيادة في الآية كان معنى الآية باطلاً، وكان معناه كما قلنا أن كل الأزواج والأولاد فتنة، وهذا ليس بصحيح. الرابع: الزيادة على خلاف الأصل، فلا يجوز أن نقول إن هناك حرفاً أو كلمة زائدة دون أن نأتي بدليل، لأنه على خلاف الأصل. وهذه فائدة عادة ذكرتها على سبيل التنبيه لوقوعي أنا كثيراً فيها.
والمقصود أن العبد لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال، ويكفي من فضل الصبر أن الله وصف نفسه به، كما في حديث أبي موسى أن الله سبحانه وتعالى قال: «ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله؛ أنهم يدعون له ولداً، وإنه ليعافيهم ويرزقهم». قال القرطبي: وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم، ومعنى وصفه بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها.
طبعاً أنا لا أوافق القرطبي؛ لأن القرطبي هنا على طريقة الأشاعرة الذين يفسرون الحلم بماذا؟ ليس أنه وصف يقوم بذات، بل إنه إرادة تأخير العقوبة. والصواب أن الحلم وصف يقوم بذات الله على ما يليق بجلاله، كما أن الصبر وصف آخر يقوم بذات الله على ما يليق بجلاله. فكلام القرطبي هنا أن معنى حلم الله هو تأخير العقوبة، لا أن معنى الحلم هو أثر وثمرة من آثار الحلم، فتفسير الحلم به هذا على طريقة الأشاعرة.
وتأوله أهل السنة تأويلاً. قال: «وإنما ورد في الحديث وتأوله أهل السنة تأويل الحلم»، قاله ابن فورك، وابن فورك من متقدمي الأشاعرة، وهو صاحب كتاب «التأويلات» وصاحب كتاب «تأويل أسماء الله وصفاته»، فهو رجل على طريقة الأشاعرة. فالقرطبي أخذ منه معنى الصبر أن الصبر بمعنى الحلم، والحلم هو تأخير العقوبة. نقول: تأخير العقوبة هو أثر من آثار الحلم وليس هو معنى الحلم، فالحلم صفة تقوم بالله سبحانه.
وذكر عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 153]، قلت: وقد جاء من أسمائه الحسنى الصبور، الآن في خلاف حقيقة: هل الصبور اسم من أسماء الله الحسنى، أنه صفة من الصفات؟ نعم، لكن هل هو اسم من الأسماء الحسنى؟ ما في آية في القرآن تقول إن الله مثلاً من الصبور، يعني الآية: «عليم حكيم» موجود، لكن في آية في القرآن أن الله صبور أو الصبور مش موجود، وإنما ورد الصبور في السنة في الحديث السابق: «ليس أحد أصبر على أذى من الله»، فدل هذا على أن من صفات الله الصبر.
فلذلك وقع خلاف: هل نقول إن من أسماء الله الحسنى الصبور؟ نعم، ابن القيم والحليم والبيهيقي وغيرهم قالوا إن من أسماء الله الصبور، والبعض نفى ذلك باعتبار أنه لا يوجد مباشرة قول في آية أو حديث يقول إن الله الصبور. الآن الحليم موجود، لكن الصبور مش موجود، فلذلك وقع خلاف في عدة من الأسماء، وإن كان قد ذكر في الأسماء في حديث الترمذي في رواية من عدد 99 اسماً، لكنها رواية ضعيفة، يعني حتى عدّ 99 اسماً أيضاً ضعيف، فإشكال. ولذلك كان البعض يقول: لا تسمي «عبد الصبور» من باب الاحتياط، والأخذ بما أنه غير متيقن أنه من الأسماء الحسنى، في نزاع لكنه صفة.
والأصل في الأسماء التغاير. فلو كان الصبور بمعنى الحليم، هذا كلام المنبجي، جاء في أسمائه الحليم، وقد جاء في أسمائه الصبور، فالمنبجي مع ابن القيم يرى أن من أسماء الله الصبور، فيقول: من أسماء الله الصبور ومن أسماء الله الحليم، فلا يمكن أن نقول كما قال القرطبي إن الصبور والحليم بنفس المعنى؛ لابد أن الصبر شيء والحلم شيء آخر، والله تعالى أعلم.
قال رحمه الله: الباب التاسع عشر، قال: إن الصبر أشقى الأشياء على النفوس. قال: وهذا الباب ينقسم فيه الصبر إلى قسمين: أحدهما بحسب قوة الداعي إلى الفعل، والثاني بسهولته على العبد. فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشقى؛ أي فعلٌ هناك داعٍ لك أن تفعله وكان ميسراً لك، فصبرك على تركه من أصعب الأشياء. مثل شهوة النساء، إذا كان عندك داعٍ تفعله، ويسرت لك البنت، فأن تمنع نفسك فهذا يحتاج إلى جهد، بخلاف الشيء الذي ليس عندك داعٍ له، أو ليس ميسراً لك، فهذا الصبر عليه سهل.
قال: وإن فقد أحدهما، يعني قوة الداعي وسهولته، وإن وجد أحدهما وفقد الآخر سهل الصبر من وجه دون آخر. فمن لا داعي له إلى قتل النفس والسرقة وشرب الخمر وأكل الحشيشة وأنواع الفواحش، ولا هو سهل عليه، فصبره عنه أيسر شيء وأسهله. ومن اشتد عليه داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله، فصبر عنه هو أشقى شيء عليه.
ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم، وصبر الشاب عن الفاحشة، وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات، منزلتهم عند الله منزلة عظيمة، عالية، منيعة، لا يصل إليها إلا من صبر مثل صبرهم. وكذلك من صبر على موت أولاده وأبويه وأقاربه وأصحابه ونحوهم، وهو مع ذلك صابر محتسب، يأمر أهله بالصبر، وينههم عن لطم الخدود وشق الجيوب، وعن كلام ما لا يجوز لهم شرعاً، فهذا له من الثواب الجزيل والأجر العظيم ما لا يعلمه إلا الله.
فالعبد إذا ذاق لذة المعصية ثم تاب وصبر عنها، كانت توبته توبة صادقة. قال: ولقد بلغني عمن أعرفه أنه تاب عن الخمر، وحلف بالطلاق لا يشربها، ثم إنه خالع زوجته ليشربها، فبعض الناس حلف أنه والله ما يشرب خمراً، وحلف بالطلاق، لكن من شدة شهوة الخمر عنده خلع زوجته لكي يستطيع شربها لأنه حلف عليها.
ولقد رأيت جماعة ممن حلف بالطلاق بالثلاث على الطلاق بالثلاث لا يلعب الشطرنج، وتاب منه، ومع ذلك يعلم أن أكثر العلماء قالوا بتحريمه، وأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وأنه يحصل عليه من الحلف الكاذب والفحش وإضاعة الوقت ما هو معروف، ومع ذلك لما اشتاق للشطرنج خلع زوجته ولعب به. ومنهم من لعب ووقع عليه الطلاق الثلاث بعد التوبة والحلف. فالصبر المستمر مع القدرة من غير خوف على جاهه أو ماله أو عرضه، هو الصبر عن المعاصي، والمواظبة على ما أمر الله تعالى به هو الصبر على الطاعات، فإذا فعل.
ذلك ابتغاء وجه الله، أي ثوابه، أن يوفى أجره بغير حساب.
قال رحمه الله: وروى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: «عجب ربك من شاب ليس له صبوة». وفي الصحيح من حديث أبي هريرة، الشاب هو مظنة الشهوة، فيعجب الله من شاب عاش شبابه مستقيمًا، ما عنده حركات ولفات ودورات.
قال من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله، في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه».
كل هذه الصفات تقوم على الصبر؛ فالإمام العادل يحتاج إلى صبر، والشاب الذي نشأ في الطاعة يحتاج إلى صبر، والمرأة التي تدعوه تحتاج إلى صبر، والرجل الذي يخفي صدقته يحتاج إلى صبر، وكذلك الرجلان المتحابان يحتاجان إلى صبر؛ لأن النفس تحب الشهوات وتحب الإظهار والرياء واللعب، فإن يكون شاب قلبه معلق في المساجد، وشاب نشأ في طاعة الله، وشاب دعته امرأة فتركها، وشاب يخفي صدقته، وشاب إمام عادل؛ كل هؤلاء لماذا في ظل الله؟ لأنهم استطاعوا أن يفعلوا أمورًا مع أن الداعي موجود والأمر ميسر لهم.
كذلك رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، هذا يحتاج إلى صبر؛ لأنك لست في داعٍ كأن تكون أمام أحد، بل أنت وحدك، فيحتاج إلى صبر استحضار عظمة الله وإجلاله. ولذلك استحق هؤلاء السبعة أن يظلهم الله في ظله لكمال صبرهم ومشقته على نفوسهم؛ فصبر الإمام على العدل مع قدرته على الظلم، وصبر الشاب على العبادة ومخالفة الهوى، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعية، وصبر المتحابين مع كثرة الخصومة بين الإخوان؛ حتى إنك تصبر على أخيك مع أنه قد يصير بينك وبينه تشات، فالصبر على الأخوة في الله يحتاج إلى صبر.
«واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم»؛ ليس هكذا، بل ربنا قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾، والباكي من خشية الله على كتمان ذلك، ذكر الله خالياً، فليس من الناس من تجده يصور حاله وهو يبكي، بل هذه الأمور كلها لأنها شاقة على النفس، والصبر عليها بتوفيق الله وأفضله وإحسانه.
ولهذا قال رحمه الله: ولما كان الداعي في حق بعض الناس ضعيفًا ولم يصبروا مع تمكنهم من الصبر، كانت عقوبتهم عند الله أشد من عقوبة غيرهم؛ كشيخ الزاني، والملك الكذاب، والفقير المحتال. وإنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم لسهولة التصبر عن هذه؛ فلما يكون الداعي ضعيفًا وتسقط مع ذلك في الحرام تكون عقوبتك أشد. فأيهما أشد عقابًا: الشاب الزاني أم الشيخ الزاني؟ الشيخ الزاني؛ لأن الداعي عندك ضعيف، فالأصل أن الصبر عليك أسهل، فلماذا زنيت؟ كذلك الإمام إذا كذب، لماذا تكذب وأنت الإمام والسلطان؟ فدافع الكذب يجب أن يكون ضعيفًا عندك. وكذلك الفقير المحتال.
إنما كانوا أشد عقوبة من غيرهم لسهولة التصبر عن هذه المحرمات عليهم ولضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها دليلاً على تمردهم على الله تعالى وعتوهم عليه. ولهذا إذا كان الصبر على معاصي اللسان والفرج من أشق الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما؛ فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان لسرعة حركته وسهولة إطلاقه.
وثبت أن النبي ﷺ قال: «وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم»، فيجب لجامه بلجام الشرع. ولهذا قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»؛ فإن اللسان رحب الميدان في الخير والشر، فمن أطلقه ولم يبطه بالشرع سلك به الشيطان في المهالك وكبه في النار. وعند مالك، الكمال هو إمساكه مطلقًا عن فضول الكلام إلا في خير وما لا بد منه، فإن اللسان لا تؤمن غائلته وخطره عظيم.
ولسهولة حركته وسرعة إطلاقه، قد بلي أكثر الناس في زماننا بآفاته التي هي فاكهتهم وسرور مجالسهم؛ كالغيبة، والنميمة، والكذب، والمراء، والجدال، والخوض في الباطل، والخصومات، وفضول الكلام، وتحريف الزيادة والنقصان، وتزكية النفس تفريحًا أو تعريضًا، وحكاية كلام الناس، والطعن على من يبغضه، وتزكية من يحبه، وهتك المستورات؛ كل ذلك من آفات اللسان، فيتفق قوة الداعي وسرعة حركة اللسان فيضعف الصبر عند ذلك. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «أمسك عليك لسانك».
فإذا صارت هذه الآفات التي ذكرناها للسان عادة وسجية، فإنه يشق على العبد الصبر عنها إلا من عصمه الله؛ فآفات اللسان مهلكة، ولا حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع، نسأل الله السلامة. والذي ينظر في وسائل التواصل الاجتماعي يعرف فعلاً ما معنى أن اللسان صعب أن تضبطه؛ فالكل يتكلم. لذلك جاءت كثيراً من المتفقهات ومن غيرهن ممن ينتسب إلى الورع، يتورعن من الاستناد إلى مخدة من حرير أو القعود على بسط حرير، أو أن يشربن من قدح زجاج مموه بالذهب، أو الجلوس لحظة في فرح وغيره مما فيه خلاف، لكنهن لا يتورعن من إطلاق ألسنتهن في الكبائر من الذنوب كالغيبة والنميمة للمخالفين وللمشايخ الآخرين، وإسقاطهم والدخول في أعراضهم. وكذلك إذا وقع الكلام في تفسير كلام الله أو في مسند النبي ﷺ، حيث أطلق اللسان في الكلام في الكتاب والسنة بغير علم مع العلم بأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
ثم أيضًا هناك من يتورع عن الحبة من الحرام، بل عن الفلس المحرم وعن القطرة من الخمر، ويتحرز من مثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يتورع عن ارتكاب الفرج المحرم، سواء كان صبيًا أو امرأة؛ كما يُحكى أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد جماعها قال لها: يا فلانة غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام! وهو قاعد يريد أن يزني بها.
والمقصود أن الصبر عن الأشياء التي اعتاد الإنسان ورودها، والتي اعتادها الإنسان وورد في الشرع ذمها، من أشق الأشياء على النفس إلا من وفقه الله لذلك. ومن علامة الصبر وعدم مشقته على النفس عند ورود المصائب...
وكف الكف عن تمزيق الثياب ولطم الخدود، وحبس اللسان عن الاعتراض على المقادير. وأظن من علامة الصبر عدم مشقته على النفس. هذه الواو زائدة، وصحيح أن من علامة الصبر عدم مشقته على النفس عند ورود المصائب، وكف الكف عن تمزيق الثياب ولطم الخدود، وحبس اللسان عن الاعتراض إلى آخر ما ذكره من هذه الأمور.
حتى إن السلف كرهوا الأنين؛ قال الحكم: "الأنين أن تئن عند الوجع". وقال الحكم: "العاقل يفعل أول ما يفعل بعد خمسة أيام". وقال عليه الصلاة والسلام للأشج بن عبد القيس: «إنك إن صبرت إيماناً واحتساباً، وإلا سلوتك كما تسلو البهائم».
قال رحمه الله تعالى: الباب العشرون في الرضا بالمصيبة. قال: اعلم رحمك الله أن الرضا بالمصائب أشق على النفوس من الصبر، وقد تقدم أن الصبر من أشق الأشياء على النفوس، وفي جامع الترمذي أن الرضا أصعب من الصبر. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».
قال: وقد تنازع العلماء والمشايخ من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم في الرضا بالقضاء؛ هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين: فعلى الأول يكون من أعمال المقتصدين؛ إذ إذا قلنا إنه واجب فيكون الرضا من أعمال المقتصدين، لأن هناك المقتصدين وهناك السابقين. فإذا كان الرضا واجبًا فيكون من أعمال المقتصدين، وإذا كان الرضا مستحبًا فهو من أعمال السابقين.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن العبد قد يصبر على المصيبة ولكن لا يرضى بها، فالرضا أعلى من مقام الصبر، لكن الصبر اتفقوا على وجوبه، وأما الرضا فاختلفوا في وجوبه، والصواب أنه مستحب. والشكر أعلى من مقام الرضا؛ أن تشكر الله على المصيبة. فإنه يشهد المصيبة نعمة، وهذا الذي يشكر الله على المصيبة هو يرى المصيبة نعمة فيشكر المبلي عليها.
قال عمر بن عبد العزيز: «أما الرضا فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل الله في الصبر معولاً حسناً»، فليس كل الناس يستطيع الرضا. وقال الشافعي: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، وسراج العابدين. وأبو موسى الأشعري يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الصبر رضا»، فهذا الحديث فيه بشارة عظيمة لأهل المصائب، إذا سمي الصبر رضا، والمراد أنه جزء من أجزاء الرضا وليس المراد أنه موازن للرضا.
وبإسناده أيضًا إلى أبي مسلم، قال أبو مسلم: دخلت على أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، وكان عندهم في عز كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبر، فقال أبو الدرداء: "أجل، فهكذا فقولوا، فإن الله إذا قضى بقضاء أحب أن يرضى به".
ذكر ابن أبي الدنيا في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، قال علقمة بن أبي وقاص: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله، ويسلم لها ويرضى. وحدثنا الحسين، قال حدثنا عبد الله، قال حدثنا علي بن الحسن العامري، قال حدثنا أبوه بدر، قال حدثنا عمر بن ذر، قال: بلغنا أن أبا الدرداء كانت تقول: إن الراضين بقضاء الله الذين ما قضى الله لهم رضوا به، لهم في الجنة منازل يغبطهم بها الشهداء يوم القيامة.
وبهذا الإسناد عن سليمان بن المغيرة، قال: كان فيما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «إنك لن تلقاني بعمل هو أرضى لي عنك إلا الطول من الرضا بقضائي، ولن تلقاني بعمل هو أعظم لوزرك ولا أشد لسخطى عليك من البطر، فإياك والبطر».
وقال الشافعي: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "أرجو أن أكون رزقت من الرضا طرفاً، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً". وقال ابن زيد: نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى عدي بن حاتم كئيباً، فقال: "يا عدي، ما لي أراك كئيباً حزيناً؟"، قال: "وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقع عيني؟"، فقال: "يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر، ومن لم يرضَ بقضاء الله حبط عمله".
ذكره أبو الدنيا، قال أبو عبد الله البراثي: "من وهب الله له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات". فإن قيل: غالب الناس لا يصبرون ولا يرضون، فكيف يتصور الرضا بالمكروه؟ ويقال: إن نفور الطبع عن المصائب لا ينافي رضا القلب بالمقدور؛ فإننا نرضى القضاء وإن كرهنا المقتضى.
هذه قاعدة مهمة: ما المراد بالرضا؟ المراد أن ترضى بالقضاء، أي أن ترضى بالمقضي، لا أن ترضى بالقضاء. يعني واحد مات ابنه، ما معناه أن يرضى عن الله؟ هل معنى الرضا أن تكون راضي بالموت لابنك ولا راضي بقضاء الله الموت لابنك؟ ترى في فرق دقيق. فيقول: "فإنا نرضى بالقضاء وإن كرهنا المقتضى"؛ أي أنك ترضى أنه ربنا قضى عليك هكذا، وليس المراد أنك ترضى أن ابنك يموت.
أنا أقول: أنا راضٍ عنك يا رب أنك قضيت علي بموت ابني هكذا، لكن لست راضياً -أي محباً- أن ابني نفسه يموت، فهذا خلاف الطبع أصلاً. فأنا أطالبك أن ترضى عن قضاء الله وهو فعله، وليس المراد أن ترضى بنفس المرض؛ أي لا أقول أريد المرض الذي أنا فيه.
قيل لبعض الصالحين: قتل ولدك في سبيل الله فبكى، فقيل له: أتبكي وقد استشهد؟ قال: "إنما أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف".
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: «اللهم لو أعلم أن أرضى لك أن أوقد ناراً عظيمة فأقع فيها لفعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك أن ألقي نفسي في الماء فأغرق لفعلت». وعن مصعب بن مهان عن سفيان الثوري قال في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: 34]، قال: المطمئنين راضين بقضائه، المستسلمين له.
وقد أضرب الناس من السلف والخلف في الرضا، وبسطوا القول فيه واعتنوا به، وهذا يدل على علو منزلته. قال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول في قوله تعالى: ﴿فَلَا حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [التغابن: 14]، قال: الرضا والقناعة. وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم: «ذل ساء الرحمن تبارك وتعالى يوم...»
الخائفون، الراضون، المتواضعون، الشاكرون، الذاكرون. وبإسناد إلى محمد بن كعب رفعه أنه قال: «أي رب، أي خلقك أعظم ذنبا؟» قال: «الذي يتهمني»، قال: «يا رب، وهل يتهمك أحد؟» قال: «نعم، الذي يستجيرني ولا يرضى بقضائي»، يعني يدعوني ثم لا يرضى بما أقضي له بعد الدعاء.
قال مالك بن أنس: بلغني أن أبا الدرداء دخل على رجل وهو يموت وهو يحمد الله، فقال أبو الدرداء: «أصبت؛ الله تعالى إذا قضى أمرا أحب أن يرضى به». وروى ابن أبي الدنيا بإسناد عن ابن عوين قال: «ارضَ بقضاء الله على ما كان من عسر ويسر، فإن ذلك أقل لغمك وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء».
كيف تستقضي الله في أمرك؟ تطلب من الله أن يقضي لك حوائجك ثم تسخط إذا رأيت قضاءه مخالفا لهواك؛ تدعو الله أن يعطيك وتطلب من الله الخير، فإذا أعطاك على ما يعلم هو من الخير لك اعترضت عليه، ولعل ما هويت لو وفق لك لكان فيه هلاك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلة علمك بالغيب. وكيف تستقضي الله إذا كنت كذلك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا.
وروى ابن أبي الدنيا، حدثنا بأسناده، حدثنا المروزي قال: حفص بن حميد، كنا عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته، فسألته: ما الرضا يا عبد الله؟ قال: «الرضا أن لا يتمنى خلاف حاله»، خلص؛ يعني لا تتمنى شيئا خلاف الذي حصل. فجاء أبو بكر بن عياش فعز ابن المبارك، وهو أحد أئمة الكوفة، فقال حفص: «ولم أعرف ما عرفت أبا بكر»، فقال عبد الله بن المبارك: «اسأله عما كنت سألتني عنه، اسأل ابن عياش ما هو الرضا؟» فسالته فقال: «من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض»، إذا ما تكلمت بغير الرضا، حتى لو ظللت ساكتا، يعني مش ضروري تتكلم، أهم شيء أنك ما تكلمت بغير الرضا، فأنت حصلت منزلة الراضين.
قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض عن الرضا فقال: «ذاك للخواص»، مرتبة الخواص. ثم قال الديلمي العابد: قلت للفضيل بن عياض مرة أخرى: «من الراضي عن الله؟» فقال: «الذي لا يحب أن يكون على غير منزلة التي جعل فيها»، وهذا قريب مما قال ابن المبارك.
وقال أبو عبد الله البراثي: «لم يرد الآخرة، أرفع درجات من الراضين عن الله على كل حال»، يعني لم يرد الآخرة أناس أرفع درجات من هؤلاء الراضين عن الله، فهم من أرفع الدرجات. وقال سيار: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: «إني أحب أن أحبه إلي أحب إلى الله عز وجل».
وقال عمرو بن أسلم العابد: سمعت أبا معاوية الأسود يقول في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: «الرضا والقناعة». وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده قول بشر المختين: «مطمئنين راضين بقضاء الله».
وروى ابن نبه: وجدت في داوود: «يا داوود، هل تدري أي الفقراء أفضل؟ الذين يرضون بحلمي وبقسمي ويحمدوني على ما أنعمت عليهم. هل تدري يا داوود أي المؤمنين أعظم عندي منزلة؟ الذين هو بما أعطي أشد فرحا وبما حُبس أشد صبرا».
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن زياد بن أبي حسان أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن عمر ابنه عبد الملك؛ استوى قائما وحاط به الناس، وقال: «والله يا بني، لقد كنت بارا بأبيك، والله ما زلت منذ وهبك الله لي مسرورا بك، ولا والله ما كنت قط أشد سرورا ولا أرجى لحظي من الله فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيرك إليه»؛ وهو القبر. فرحمك الله وغفر لك ذنبك ورزقك بأحسن عملك، ورحم كل شافع يشفع لك بغير شاهد، بخير شاهد وغائب. رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره والحمد لله.
ثم انصرف وسفيان قال: قال عمر بن عبد العزيز لابنه في لحظات الموت: «كيف تجدك؟» قال: «في الموت»، قال: «لأن تكون في ميزاني بأن تموت قبلي أحب إلي من أن أكون في ميزانك». انظر ماذا يقول الابن! «لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب»، يعني إذا كان هذا يرضيك أنا بموت قبلك وخلاص، أنا راض أيضا.
روى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن الحسن البصري: حدثني الأحوص، دخلت على ابن مسعود وعنده بنون له ثلاثة كأنهم دنانير وحسناء، فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال لنا: «كأنكم تغبطون نبيا». أي والله لبت لهؤلاء يغبط المسلم.
وبإسناد عن علي بن أبي طالب أنه قال يوم مات أبو بكر الصديق: «رضينا عن الله قضاء وسلمنا له». ومر معنا وقد تقدم سنة النبي ﷺ لأهل المصيبة وما نهى عنه، ومن مّا سنه: الخشوع والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعل ذلك ويقول: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب»، وكذلك الحمد والاسترجاع. ومن سنته الرضا عن الله في المصيبة وغيرها، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين وحزن القلب.
وأشد الناس حرصا على رضا مولاهم الأنبياء؛ فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «إن معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفه»، فقلت: سبحان الله! قال: «فاعجبتم؟»، قال: «إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»، قلنا: سبحان الله! قال: «فاعجبتم؟ إن كان النبي من الأنبياء ليتدرع بالعباءة من الحاجة لا يجد غيرها»، دلالة شدة الفقر، قلنا: سبحان الله! قال: «فاعجبتم أن كانوا لا يفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء؟».
ولهذا كان أرضاهم وأرضى الخلق عن الله نبينا محمد ﷺ في قضائه وقدره، وأعظمهم له حمدا، ولم يكن يمكنني إحصار ما وقع له في ذلك لكثرته وشهرته. ومع ذلك بكى يوم مات ابنه إبراهيم عليه السلام؛ رأفة ورحمة منه للولد، ورقة عليه، وقلبه ﷺ ممتلئ بالرضا عن الله تعالى وشكره له، واللسان مشتغل بحمده وذكره. ولما ضاق هذا المشهد والجمع بين الأمرين، يعني رحمة الولد والرقة عليه والرضا عن الله تعالى، على أن بعض العارفين من السلف مات ولده جعل يضحك، فقيل له: تضحك في مثل هذه الحال؟ فقال: «إن الله تعالى قضى بقضاء فأحببت أن أترضى بقضائه». إن بعض الناس حتى من الصوفية ومن غيرهم لم...
يفهموا كيف يجمع بين مشهد رضا النبي ﷺ عن الله وقضائه وبين مشهد بكائه، حتى بعض الصحابة أشكل عليهم كيف يبكي النبي ﷺ وهو في قمة الرضا عن الله. فلذلك البعض قال بده يشد على نفسه عند القبر، فصار يضحك؛ ليش بتضحك عند القبر وقد مات ابنه؟ قال: بدي أراغ الشيطان، لا هذا ليس مطلوبا، ليس هذا هو المقام الصحيح.
فأشكل هذا على جماعة من العلماء وأرباب الأحوال والتصوف، فقالوا: كيف يبكي النبي ﷺ يوم مات ولده وهو أرضى الخلق عن الله؟ ويبلغ الرضا بهذا العارف إلى أن يضحك يوم مات ولده! بصير يقول لك لازم أضحك أنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: شوف الإنسان العاقل، هدي النبي ﷺ أكمل من هدي هذا العارف الذي يريد أن يضحك في يوم موت أحبائه، فإنه ﷺ أعطى العبودية حقها، فاتسع قلبه للرضا عن الله مع رحمة الولد والرق عليه فدمع، فحمد الله ورضي عنه في قضائه وبكى ودمع رحمة ورقة، فحملته الرحمة على البكاء، وعبوديته لله ومحبته على الرضا.
وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع باطنه لشهودهما والقيام بهما، فشغلته عبودية الرضا عن عبودية الرحمة والرقة. والله تعالى أعلم.
وقلت: ومما يؤيد ما ذكره الشيخ رحمه الله قصة نبي الله يعقوب عليه السلام، إذ حكى الله تعالى عنه أنه ابيضت عيناه من الحزن، وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 86]. إذا هو بكى يعقوب، لكنه في نفس الوقت قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، إذا يعقوب استطاع أن يجمع بين الصبر الجميل وبين أنه ذهبت عيناه من الحزن، فهذا لا ينافي هذا.
فمشهد يعقوب أوسع من مشهد هذا العارف، بل نبي الله يعقوب أبلغ من هذا العارف؛ إن يعقوب كان له عدة من الولد ومع هذا فهذه الرقة والرحمة التي عنده مع الرضا الكامل، واستعمل الرضا والتفويض في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، واستعمل الرقة والرحمة عندما ابيضت عيناه من الحزن. فطريقه يعقوب عليه السلام أفضل من طريقة هذا العارف؛ مع كثرة أولاد يعقوب وهذه رحمته ورق، أما أنه يعقوب له أولاد غير يوسف، صحيح، يمكن أنه يستعيض بهم عن يوسف ومع ذلك بكى ليوسف، هذا مقام الأنبياء ومقام اتباع الأنبياء.
وأما هذا العارف على ما قيل لم يكن له ولد سواه. وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده عن ثابت البناني، أن صلة بن أشم قال: كان في مغزا له ومعه ابنه، فقال له: «أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك»، فجاء فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم أبوه فقتل. فاجتمعت النساء عند أمه معاذة العدوية، فقالت: «مرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فرجعن».
وذكر ابن الجوزي قال: أبو جحيف، أنا متجهون إلى همذان ومعنا رجل من قبيلة الأزد، فجعل يبكي، فقلت: اجزع! قال: لا، ولكن تركت ابني في الرحل، فلو دت أن كان معي فدخلنا الجنة جميعاً. يعني كأنه ذهب إلى همذان للجهاد، فبكى أن ابنه لم يذهب إلى الجهاد معه.
فصل، نختم هذا الفصل ثم نذهب نصلي الباب. قال رحمه الله: الرضا من أعمال القلوب، ولكن وإن كان من أعمال القلوب فكماله هو الحمد، حتى إن بعضهم فسر الحمد بالرضا، ولهذا جاء في الكتاب والسنة حمد الله على كل حال، وذلك يتضمن الرضا بقضائه. وفي الحديث: «أول من يُدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء». وفي الحديث المرفوع: «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه أمر يسؤه قال: الحمد لله على كل حال».
وقد تقدم في مسند الإمام أحمد من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «إذا قبض الله ولد العبد يقول الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، أسترجع، فيبني الله له بيتا في الجنة». قال: محمد نبينا ﷺ هو صاحب لواء الحمد، وأمته هم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء.
والرضا والحمد على الرضا له مشهدان. أراد أن يبين أن الرضا كماله في الحمد؛ الرضا عن الله كماله يحصل بالحمد والثناء عليه، والحمد على الرضا له مشهدان: أن تحمد الله أيها العبد، لماذا تحمد الله عند الرضا؟ أولاً: لأن أحدها علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه، أي للثناء والحمد؛ أحسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء، وهو العليم الحكيم.
والثاني: أن يعلم أن اختيار الله لعبده المؤمن خير من اختياره لنفسه، فيحمد الله على أنه اختار له الخير، كما قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً، وليس ذلك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له». فأخبر ﷺ أن كل قضاء يقضيه الله للمؤمن الذي يصبر على البلاء ويشكر على الرخاء فهو خير له، كما قال تعالى في ذلك: ﴿لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَصْبِرُونَ﴾ [الجاثية: 11]. فمن لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء فلا يلزم أن يكون القضاء خيراً له.
ولهذا أجيب من أورد على هذا بما أجيب به: أن المؤمن قد يقضى عليه بالمعاصي. كان البعض يقول: كيف أحمد الله على قضائه مع أنه قد يقضي عليّ بالمعاصي والذنوب؟ مش أنت بتحمد الله على قضائه؟ طب الله قد يقضي عليك بالمعاصي هل تحمد الله أن قضى عليك بالمعصية؟ فأجيب: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما يفعله؛ إن حمد الله على قضائه إنما على ما ينزل بك من المصائب، وليس ما تحمده على ما يقضيه لك من المعاصي، كما في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، لأن ما يقضيه لك من المعاصي إنما هو بسببك أنت، بسبب نفسك وسيئاتك، فهي نوع من العقوبة لك: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 155].
والثاني: أن هذا في حق المؤمن الصابر الشاكر، والذنوب تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه.
وقد ترتفع درجته بالتوبة عما كان عليه قبل المعصية، فيحمد الله على أن قضى له معصية جعلته بالتوبة يرتفع فوق ما كان عليه. فأنت لا تحمد الله أن قضى لك بالمعصية، أنت لا تثني على أنه يا رب الحمد لله، إنما تحمد الله أن قدر لك سببا ينتقل بك إلى مقام أعلى، وإن كان هذا السبب من خلال ذلتك ومعصيتك.
قال بعض السلف: «كان داود بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة»، فلما قضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: «إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة». فأنت تحمد الله أن قدر لك قضاء ساقك به إلى ما هو خير، وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينيه ويعجب بها، ويعمل بالسيئة فتكون نصب عينيه فيستغفر الله ويتوب إليه منها.
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «الأعمال بالخواتيم». والمؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع بعشرة أسباب: أحدها: أن يتوب توبة نصوحا فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. الثاني: أن يستغفر الله فيغفر الله تعالى له. الثالث: أن يعمل حسنات يمحوها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. الرابع: أن يدعو له إخوانه المؤمنون ويشفعون له حيا وميتا. الخامس: أن يهدي له إخوانه المؤمنون من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به. السادس: أن يشفع فيه نبينا محمد ﷺ. السابع: أن يبتليه الله في الدنيا بمصائب في نفسه وماله وأولاده وأقاربه ومن يحب ونحو ذلك. الثامن: أن يبتليه في البرزخ بالفتنة والضغطة، وهي عصرة القبر، يكفر بها عنه. التاسع: أن يبتليه الله في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه. العاشر: أن يرحمه أرحم الراحمين.
فمن أخطأت هذه العشرة فلا يلومن إلا نفسه، كما قال تعالى في الأحاديث القدسية: «إنما هي أعمالكم أعصيها لكم ثم أوفيها»، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ذكره شيخ الإسلام وابن تيمية، والمقصود أن المؤمن إذا كان يعلم أن القضاء خير له فيرضى عن الله بما قسم له، كان قد رضي بما هو خير له. وفي الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «إن الله يقضي بالقضاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».
نكمل إن شاء الله، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: الباب الحادي والعشرون فيما يقدح في الصبر والرضا وينافيهما.
قد تقدم أن الصبر اعتراض العبد لله بما أصابه منه واحتسابه عند الله، وأنه حبس النفس عما لا يحسن فعله ولا يجمل، وحبس اللسان عما لا يحسن قوله. فإذا كان معنى هذه المقالة أن الصبر حبس اللسان عن الشكوى إلى غير الله، والقلب عن التسخط، والجوارح عن لطم الخدود وخمش الوجوه وشق الثياب ونحو ذلك، وأن العبد يرضى عن الله فيما يفعله به مما يحب وقوعه ومما يكره وقوعه، فإذا وقع من العبد عكس ما ذكرته كان متلبسا بالنقائص والرذائل.
فمن شكى ما به إلى مخلوق مثله، كان قد شكى ربه إلى بعض مخلوقاته، فمثله كمثل من شكى من يرحمه ويلطف به ويعافيه، وبيده ضره ونفعه، إلى من لا يرحمه وليس بيده نفع ولا ضر؛ فهذا من عدم المعرفة، وفيه شك في الإيمان، وهذا من عدم معرفة الضار النافع الذي بيده أزمة الأمور.
قال شقيق البلخي: «من شكى إلى الخلق، فمن أول ما يقدح في الصبر والرضا أن تشكو الله إلى الخلق، هذا من أول القوادح في الصبر والرضا، أن تشكو الله إلى الناس، تقول ربي فعل في كذا وكذا». وقال: «من شكى مصيبة نزلت به إلى غير الله لم يجد في قلبه لطاعة الله حلاوة أبدا».
وأما إخبار المخلوق في حاله لا على وجه الشكوى، فإن كان للاستعانة بأن يشده أو يعاونه أو يوصله إلى زوال ضره بما ينفعه مما هو أخبر منه به، كالحجام يحجمه ويقلع ضرسه، أو رجل صالح يدعو له، فهذه الأمور على هذا الوجه لم تتقدح في الصبر. أما إذا تكلمت مع الطبيب تشكو له مرضك حتى يساعدك، فهذا ليس من الشكوى المذمومة؛ لأن هذا كإخبار المريض للطبيب بحاله، وإخبار المبتلى في جسده ببلائه لمن يرجو أن يكون فرجه على يده، وكذلك إخبار المظلوم لمن ينتصر له، أو إخبار المبتلى في دينه للشيخ عن مشاكله الأخلاقية والسلوكية مسترشدا للهداية ليبين له طريق الهداية إن وفق لها، فهذا كله لا يقدح.
وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا دخل على المريض سأله عن حاله ويقول: «كيف تجدك؟»، وهو استخبار منه واستعلام بحاله. وأما الأنين، ففيه في الصبر روايتان عن الإمام أحمد. قال القاضي أبو الحسين: أصح روايتين الكراهة، لما روي عن طاووس أنه كان يكره الأنين في المرض، وهذا المعتمد عند الحنابلة أن الأنين للمريض مكروه، قالوا: إلا لحاجة. وقال مجاهد: «يكتب على ابن آدم مما سطر به حتى أنينه في مرضه». وقال جماعة من العلماء: الأنين شكوى بلسان الحال فينافي الصبر، لذلك كرهوه؛ لأنه شكوى ليس بلسان المقال وإنما بلسان الحال.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قال لأبي في مرضه الذي توفي فيه: أخرج لي كتاب عبد الله بن إدريس، فأخرجت الكتاب، قال: أخرج أحاديث ليث بن أبي سليم، فأخرجت أحاديث ليث بن سليم، فقال: اقرأ علي أحاديث الليث، قلت: لطلحة إن طاووس كان يكره الأنين في المرض فما سمع له أنين حتى مات، فما سمعت أبي أنينا في مرضه ذلك إلا أن توفي. إذا فـأحمد اتبع طاووس، طاووس كان يكره الأنين فأحمد بن حنبل كان يكره الأنين.
والرواية الثانية أنه لا يكره ولا يقدح في الصبر، بل قد يقدح في الرضا. الرواية الثانية في المذهب أن الأنين ليس مكروها، ولكنها رواية أخرى ليست معتمدة. قال بكر بن محمد عن أبيه: سئل الإمام أحمد عن المريض يشكو من شدة ما يجد من الوجع فقال...
هل يعرف فيه شيئًا عن النبي ﷺ؟ قال: نعم، حديث عائشة لما شكت فقالت: «ورأساه». قال: هذا استدل به من رأى جواز الأنين، طبعًا وجعل يستحسنه. وقال المروزي: دخلت على ابن المحمل وهو مريض فسألته فتغرغرت عينه، وجعل يخبرني ما مر به في ليلته من العلة، يعني من شدة الألم.
قال العلامة ابن القيم: اعلم أن الأنين على قسمين: أنين شكوى فيكره، وأنين استراحة وتفريج فلا يكره، إذا كان في الأنين يكون هدفك منه أنه ترويح عن نفسك، مش أنك تشكو. فيرى ابن القيم أن هذا لا بأس به بما لا ينافي الصبر والرضا أيضًا.
ما يفعله أكثر الناس في زمننا عند المصيبة من شق ثيابهم، ولطم خدودهم، وخمش وجوههم، ونتف شعورهم، والتصفيق بإحدى اليدين على الأخرى، ورفع أصواتهم عند المصيبة. ولقد حضرت عند شخص حين فُرق الدنيا وهو من الجند، فحين خرجت روحه وأتوا بجعبة نشاب فكسروها بمجموعها واحدة بعد واحدة، عليه، يعني كسروا عليه الأسهم. وأتوا أيضًا بعده الحرب فرموها عليه، وأنا مع ذلك أعظهم، أقول لهم: هذا حرام، نهى الله ورسوله عن ذلك، وهذا فيه إضاعة مال. فقال بعضهم: لي لم يصب كما أصابنا؟ فخرجت عنهم، ثم إنهم بعد ذلك ندموا على ما فعلوا من إتلاف ما أتلفوه.
ولهذا قال النبي ﷺ: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»، لأن في تلك الحالة هيجان الحزن، واستغراق الذهن، وذهول العقل بما دهمه، وتمكن الشيطان منه. فإن الشيطان -لعنه الله- دائمًا يتمكن من بني آدم عند ذهول عقلهم، كما وقع في قصة هاروت وماروت، وهي مشهورة حين دعتهما المرأة إلى قتل الولد، أو سجود للصنم، أو شرب القدح من الخمر مرارًا، وأنهما شربا القدح من المسكر، فلما شربا سكرا فأتيا كل ما أمرتهما به، وكذلك فطبعًا من الإسرائيليات.
وكذلك ذهول العقل عند العشق، وعند الولاية، وعند كثرة المال، وعند المصيبة، فكل هذه الأمور العارضة للعبد في الغالب يحصل له بها ذهول العقل، فيتمكن الشيطان به منها. نسأل الله العافية ودوام العافية والثبات في الأمر والعزيمة على الرشد، فإن النبي ﷺ كان يسأل الله في دعائه: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر»، والدعاء المشهور، وكان يقول: «اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك».
فالثبات في الأمور مطلوب شرعًا، كما أن العبد نهي عن الأمور المذمومة من اللجاج والطيش والعجلة والحدة وافتقاد الحزن، وغير ذلك من الأمور المذمومة التي لا أحصيها عددًا. ويحا لمن يقدم على الله تعالى مع هذه الأمور المذمومة التي نهي شرعًا عنها، غير تائب منها، معتمدًا على صومه وصلاته وحجه وعبادته، وهو مع ذلك فرح مستبشر كأنه قد جاز الصراط وأعطي البراءة، وجاءه البشير من الله تعالى بالفوز والخلاص، وأحن لمن يغدر بأعماله الظاهرة وباطنه مثل مزابل. نسأل الله تعالى حسن التوفيق.
فصل: قال، وأما البكاء والحزن من غير صوت ولا كلام محرم فهو لا ينافي الصبر والرضا، وقد تقدم لنا قريبًا من ذلك، قال تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنُهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84]. قال قتادة: كظيم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، وقوله تعالى عنه في أول السورة: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]. وقد جاء في أثر مرفوع إلى النبي ﷺ: «من بث لم يصبر»، لكن يعقوب عليه السلام ابيضت عينه من البكاء ولم ينافِ حزنه وبكاؤه صبره، فإنه عليه السلام ما شكى بثه وحزنه إلى مخلوق، وإنما شکاها إلى الله.
وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «ما كان من العين ومن القلب فمن الله والرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان».
قال خالد بن أبي عثمان: مات ابن لي فرآني سعيد بن جبير مقنعًا نفسي مغطيًا نفسي، فقال: لاياك والتقنع، فإنه من الاستكانة، وإذا بتذكروا نفس الفكرة. وقال بكر المزني: كان يقال من الاستكانة الجلوس في البيت بعد المصيبة، إنه خلص، امشي خلي حياتك تستمر، لا تجلس في البيت. وقال عبيد بن عبيد: ليس الجزع أن تدمع العين ويحزن القلب، لكن الجزع القول السيئ والظن السيئ.
ومات ابن لبعض قضاة البصر، فاجتمع إليه العلماء والفقهاء، وتذكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فادمعوا أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه قبل المصيبة فهذا شكل من الجزع. وقال ابن عبد العزيز: مات ابن نفيس، فقلت لأمي: اتقي الله واحتسبي عند الله واصبري، فقالت: مصيبتي به أعظم من أن أفسدها بالجزع، يعني مش رح أضيعها.
وقال عبد الله بن مبارك رحمه الله: أتى رجل يزيد بن يزيد وهو يصلي وابنه في الموت، فقال: ابنك يقضي وأنت تصلي؟ قال: إن الرجل إذا كان له عمل يعمله فتركه يومًا واحدًا كان ذلك خللاً في عمله. وقال ثابت: أصيب عبد الله بن مطرف بمصيبة فرأيته أحسن شيء شارة وأطيبه.
فصل: قال، ولا بد أن يعلم المصاب أن الذي ابتلاه بمصابته أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه لم يرسل بلاءً ليهلكه به، ولا ليعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرعه وابتهاله، وليراه طريحًا على بابه، لا إذا بجنابه مكسور القلب بين يديه، رافعًا قصص الشكوى إليه. هذا هو الهدف من البلاء، أن يراك الله مضطرحًا على بابه شاكيًا إليه.
قال عبد القادر الجيلاني رحمه الله لابنه: يا بني، إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك. يا بني، القدر سبع كأنه حيوان بده يفترسك، والسبع لا يأكل الميتة. والمقصود أن المصيبة كير العبد الذي يسبك به، حاصله فإما أن يخرج ذهبًا أحمر، وإما أن يخرج خبثًا كله، كما قيل: سبكناه ونحسبه لجينا، فأبدى الكير عن خبث الحديد. فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم.
إذا علم العبد ما معنى أن السبع لا يأكل الميتة؟ السبع بيجي على الإنسان الحي صح؟ فإنت القدر ليش هجم عليك؟ لأنك إنسان حي جاي، يعني السبع ما بيروح على الميتات شو بده فيها؟ إنما بيروح على الإنسان الحي مشان يفترسه. كذلك القدر لأنك حي جاءتك المصيبة، ولو أنك ميت لما تم بك، فالمنافق جاء في الحديث أنه لا يبالي، بل يبقى عائلًا حتى يشتت.
ادخاله كير كير الدنيا ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل. فالعبد إذا امتحنه الله بمصيبة فصبر عند صدمته الأولى، كما ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: مر النبي ﷺ بامرأة عند قبر وهي تبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه. فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت باب النبي ﷺ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك يا رسول الله. قال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». رواه البخاري، ولفظ مسلم: أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: وما تبالي بمصيبتي! فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه ولم تجد عند بابه بوابين، وذكر تمام الحديث.
فصل: ومما يقدح في الصبر والرضا وينافهما إظهار المصيبة والتحدث بها وإشاعتها، سواء كان كلامًا بين الأصحاب أو غيرهم، إلا أن يقول لأصحابه أو لأقاربه مات فلان، يعني والده أو ولده ونحو ذلك، وما يريد به إظهار المصيبة، وإنما يريد إعلامًا لأجل الصلاة عليه وتشييعه ونحو ذلك مما هو من فروض الكفايات، ويحصل لهم بذلك من الأجر. وقد تقدم أن الإعلام بالميت هل هو نعي أم لا؟ والمقصود أن كتمان المصيبة رأس الصبر.
قال الحسن بن ميسرة في مسنده، قال بإسناده عن عبد الله رضي الله عنه: «من البر كتمان المصائب والأمراض»، وذكر أنه من بثّ، فهذا لم يصبر. وعن أنس رضي الله عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: «من كنوز البر كتمان المصائب»، وما صبر من بثّ.
ولما نزل في إحدى عيني عطاء الماء، مكث لا يعلم به أهله حتى جاء ابنه يومًا من قبل عينه التي أصيب بها فلم يشعر به، فعلم أن شيخًا قد أصيب. هذا من القصص التي ذكرتها لكم بداية اليوم؛ أن بعض الناس ابتلي في عينه عشرين سنة وأهله لا يعرفون لشدة كتمانه للمصيبة. ودخل رجل على داود الطائي في فراشه فرآه يزحف، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال له: لا تعلم بهذا أحدًا، وقد أقعد قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد. وشكى الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، فكرر ذلك عليه، فقال: ما تكرر عليّ؛ لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة فما شكتها إلى أحد.
ومن المنافاة للصبر والرضا الهلع عند ورود المصيبة وهو الجزع، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21]. قال الجوهري: الهلع أفحش الجزع، وقد هلع بالكسر فهو هَلِع وهَلُوع. وفي الحديث: «شر ما في العبد شحٌّ هَلُوعٌ، وجبنٌ خالعٌ».
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: في هذا الحديث أمران، أمر لفظي وأمر معنوي. فأما اللفظي، فإنه وصف الشح بكونه خالعًا والهلع صاحبه، وأكثر ما يسمى هلوعًا، ولا يقال هالع له؛ فإنه لا يتعدى، والهالع ليس هو الشح بل صاحب الشح، أنت الإنسان الذي فيك الشح. وهذا من البلاغة، فأكثر ما يسمى صاحب الشح هلوعًا، ولا يقال هالع له؛ لأنه لا يتعدى. وفيه وجهان: أحدهما أنه على النسب كقولهم ليل نائم وشر قائم، وهذا كله عند سيبويه على النسب، وإنما المراد ليل ذو نوم وشر ذو قيام.
والقول الثاني أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج؛ يعني أن الأصل شحٌّ هَلُوعٌ به صاحبه، ولكن لما كان الجبن يوصف بأنه خالع لأن الجبن هو الذي يخلع، والشح لا يوصف بأنه هالع لأن صاحبه هو الذي يهلع، فمن باب الازدواج والتجانس في الكلام وُصف الشح بأنه هالع الهالع صاحبه حتى يكون الكلام متناسقًا لفظيًا مع «جبن خالع»، فهذا من باب التجانس اللفظي، وإلا فالشح على وجه الحقيقة الهالع صاحبه وليس هو، وهذا البعض يجعله من قبيل الإسناد المجازي أيضًا كما يدرس في علم البلاغة.
وأما الجهة المعنوية في هذا الحديث، فإن الشح والجبن أرذل صفتين في العبد، ولا سيما إذا كان شحه هلعًا، يعني كأنه متردٍ في الهلع، كثير الهلع، وجبنه خالعًا أي قد خلع قلبه من مكانه، فلا سماحة ولا شجاعة كما يقال، لا يطرد ولا يثرد، يعني ما في منه فائدة هذا الإنسان.
انتهى كلامه. وروى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن جابر أن الرجل أتى النبي ﷺ فقال: ما يحبط الأجر في المصيبة؟ قال: «تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الأولى، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط». وذكر بإسناد أيضًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: «إن القوم ليصابون بالمصيبة فيجزعون ويهلعون، فما يكون لهم من أجرها شيء، فيمر بهم الرجل من المسلمين فيسترجع، فيكتب الله عز وجل له أجر ما أعطاه من تلك المصيبة».
وقال ابن أبي الدنيا بإسناده قال عن شيخ من آل الميمونة بن مهران: أن الحجاج أصيب بإذن الله فاشتد جزعه عليه، فدخل فغير ثيابه ومس شيئًا من طيب وجلس وأذن للناس فلم يتكلموا، فقال: حسبي ثواب الله من كل نكبة، وحسبي بقاء الله من كل هالك.
فصل: والله تبارك وتعالى يبتلي عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه وصبره ورضاه بما قضى عليه، فهو سبحانه وتعالى يرى عباده إذا نزل بهم ما يختبرهم به من المصائب وغيرها، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيثيب كل عبد على قصده ونيته. وقدّم الله تعالى من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَأَرْسِلُوا إِلَيْهِمْ طُغْيَانَهُمْ﴾ [الأعراف: 55]، والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه ولا يشكو إليه حاله، فإنه إذا كان سادات الخلق وهم الأنبياء المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين...
قد أثنى الله تعالى عليهم حين شكوا ما بهم إليه، فقال تعالى عن بعضهم: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. وأثنى على أيوب بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، وعلى يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، وعلى موسى بقوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
العبد أضعف من أن يتجلد على ربه أمام الله؛ لا تتجلد أمام الله، ابكِ أمام الله، اطرح أمام الله، ادعُ، لا تتجلد بينك وبين الله، فإن العبد أضعف من أن يتجلد على ربه. وقد شكى إلي خاتم الأنبياء ﷺ، فقال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي...» إلى آخر الحديث المشهور في دعاء الطائف.
فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ولا الرضا، بل إعراض العبد عن الشكوى إلى غيره من جهله بخالقه وعدم رضاه وصبره بما ابتلاه الله به. والله يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه. قيل لبعضهم: كيف تشتكي إلى من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء؟ فقال: أتُشكو إليه ما ليس يخفى عليه؟ فقلت: ربي يرضى ذل العبيد لديه.
كيف تشكو إلى الله فتقول: يا رب أصابني مرض، مع أن الله لا يخفى عليه شيء وهو عارف أنه أصابك مرض؟ أنا لا أشكو لأعلمه، أنا أشكو لأنتظر عطفه، وأنتظر رحمته ولطفه.
ذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسن قال: قال رجل لا أمتحن أهل البلاء، قال فدخلت على رجل بصوص وقد أكلت الأكلة قد أكلت أطرافه، مرضت له كل الأطراف والأعضاء، نسأل الله العافية. فقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله وكل عرق وكل عضو يآلم على حذته من الوجع، وإن ذلك لبعين الله، أحبه إلى الله عز وجل، ووددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الآثام، وأنه لم يبق مني إلا لساني حتى يكون له ذاكراً. فقال له رجل: متى بدأت هذه العلة؟ قال: أما كفاك الخلق كلهم عبيد الله وعياله؟ فإذا نزلت بالعباد علة فالشاكي إلى الله ليس يشكي الله إلى العباد، هذه لا تسألني متى بدأت العلة، خلاص كفاك، جاوبتك، ما ضلك تحز وتسألني عن تفاصيل متى صارت معك وتعطيني التاريخ المرضي.
الباب الثاني: هل المصائب مكفرات أم مثيبات؟ وهل المصائب وظيفتها أن تكفر فقط الذنوب، أم أيضاً أنها هي بذاتها تثاب عليها بذاتها؟ وقد اختلف العلماء في هذا الباب اختلافاً كثيراً وتبينوا فيه تبيناً شديداً؛ فذهب بعض العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة، وذهبت طائفة أخرى من العلماء إلى أنه لا يثاب على المصائب مطلقاً، وإنما يثاب على الصبر عليها.
إذاً شفتوا الخلاف وين؟ هل المصيبة نفسها بمجرد أن تصاب مصيبة معناتها تثاب، ولا الثواب هو على الصبر عليها، وأما ذات المصيبة نفسها فهي فقط كفارة وليس في ذاتها ثواب؟ وقد قطع به ابن عبد السلام في قواعده العز بن عبد السلام صاحب الكتاب الثالث أننا نصاب.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء إلى أن إطلاق القول بالثواب وإطلاقه بعدم الثواب كلاهما يرد عليه ما يدفعه، وأن ثم فرقاً مؤثراً نذكره فيما بعد إن شاء الله. وقد احتجت كل طائفة بظواهر مرجحة لما ذهبت إليه.
احتجت طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120]. جعل العمل الصالح جعل الظمأ والنصب والمخمصة تثاب عليها وهي أشكال من البلاء، ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». هنا ذكر تكفير الخطايا في هذا الحديث ولم يذكر إعطاء ثواب. والوصب هو الوجع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [السجدة: 19] أي لازم ثابت، والنصب التعب.
وروى الحاكم في المستدرك أن النبي ﷺ قال: «المصاب من حُرم الثواب»، وروى ابن ماجه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعته، ولكن الزهد في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك». ورواه الإمام أحمد موقوفاً عن ابن مسلم الخولاني.
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من ولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»، رواه أحمد والنسائي: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من لم يبلغوا الحنث إلا غفر لهما»، وغير ذلك من أحاديث. نلاحظ أنه في أحاديث تعطي ثواباً على المصائب، وفي أحاديث تعطي تكفير خطايا.
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم عند قوله ﷺ: «ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا كتبت له بها»، إذاً جعل المصيبة فيها ثواب، قال: «محيت عنه بها خطيئة»، وفي رواية: «إلا رفعه الله بها درجة»، أو «حط عنه بها خطيئة»، وفي بعض النسخ: «وحط عنه بها خطيئة بغير ألف»، وفي رواية: «إلا كتب له حسنة أو حطت عنه بها خطيئة بغير ألف».
قالوا: وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور، وفيه تكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ووصائب الدنيا وهمومها وإن قلت مشقتها.
وفيه رفع الدرجات بهذه الأمور وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء. إذا النووي ذكر أن المصائب كما تكفر الخطايا أيضا هي نفسها ترفع الدرجات، وإن لم تكن من كسبك؛ لأن النقاش هل يثاب الإنسان على شيء ليس من كسبه؟ يعني المصيبة أنت إيش عملت فيها حتى تثاب؟ المعروف أن الإنسان يثاب على شيء هو عمله، أنا شكتني شوكة ليش أثاب؟ هذا هو النقاش، ليش أثاب على نفس المصيبة؟ إن أثبت أني أثاب على الصبر عليها، هنا أنا أثاب على شيء عملته، لكن هي نفسها؛ أنا اليوم أصابني زكام، يلا خذ حسنة، مع أنه هذا مش من فعلي، فهنا صار في نقاش بين العلماء.
قال: وحكى القاضي عياض أن رأي النووي أن المصائب نفسها فيها ثواب، وهذه كرم من الله وعطاء أن يثيبك على نفس المصائب، وهذا لا بأس فيه، لكن سيأتي ابن تيمية له تفصيل جميل في هذه المسألة بعد قليل. وقال: وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أنها تكفر خطايا فقط، ولم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة برفع الدرجات وزيادة الحسنات، انتهى كلامه. ويؤخذ على ذلك قول النووي، يقول القاضي عياض تخطأ في هذا ولم تبلغه الأحاديث، أن لا كما أنها تكفر الخطايا فإنها ترفع الدرجات.
ويدعم ذلك قول عائشة: «ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ»، وقوله: «إني لأوعك مثل رجلين منكم، وإنك لتوعك، وإنك لتوعك وعكا شديدا». وقوله ﷺ: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل». فقال جماعة من العلماء: الحكمة في كون الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب، أنهم يحتسبون بلائهم عند الله، والأنبياء معصومون من الخطايا، فما فائدة البلاء بالنسبة للأنبياء إذا كان الأنبياء معصومون من الخطايا؟ إذا رفع الدرجات، إذا البلاء فيه درجات، هكذا الفكرة. قال: فتعين ثوابهم والله أعلم.
وفي حديث المرأة التي كانت تُصرع دليل على أنها تُصرع يثاب عليها، قال لها: «تصبرين ولك الجنة». بس هناك ممكن يقال هو علق الجنة على الصبر، فالثواب كان على صبرها على الصرع وليس على نفس الصرع، هنا يصير النقاش. قال: يثاب عليه أكمل الثواب. وفي صحيح مسلم قالت امرأة: يا رسول الله، دفنت ثلاثة من ولدي، قال: «احتضرت حذارا من النار». قال بعض السلف: فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ قال: «المصاب من حُرم الثواب». لكن هذا يمكن أن يحمل على من حُرم الثواب على صبره. المهم وتقدم في أثناء الكتاب أحاديث تشهد لهذا القول.
احتجت الطائفة الأخرى ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها، وإنما الثواب إنما هو على الصبر الذي يحصل عندك وليس على نفس المصيبة، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. قال العز بن عبد السلام في قواعده: الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل فعله الله بالعبد. فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، فجعل الثواب معلقا على أن تقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وليس مجانا، فما حصل لهم من الصلاة والرحمة والهداية إلا بقولهم: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وإلا لم يحصل لهم هذا الثواب. فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر من الثواب.
وكذلك حديث أبي بن كعب الأشعري، قال ﷺ: «يقول الله لملك الموت: يا ملك الموت، قبضت عبدي، فكيف وجدت عبدي؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنِ له بيتا في الجنة». فبناء البيت في الجنة كان على أنه حمد واسترجع وصدر منه فعل طيب. قال القاضي: وتسمية البيت كافية. وقال القاضي عياض: وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الوجع لا يكتب به أجر، وإنما تكفر به الخطايا.
ابن تيمية ماذا يقول؟ اقرأ: أما ما يحدثه الله من المصائب فتارة بغير فعل الخلائق كالأمراض ونحوها، وتارة بفعلهم. وفصّل خطابا بأن المصائب تولدت عن عمل صالح كما تتولد عن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، فهذا يثاب عليه. هناك مصائب تولدت عن أعمال صالحة أنت فعلتها، مثلا أنت طالع في الطريق تعمل أشياء خيره، لنقل أنت طالع إلى المسجد، أثناء طلوعك إلى المسجد تعمل الحسنة، صار معك حادث سير، تثاب عليه لأن حادث السير تولد عن ماذا؟ عن عمل صالح، أنت رايح تقبل بالمعروف وتنهي عن المنكر، صار معك أشياء مؤلمة، فأنت إن شاء الله تثاب على هذه المصيبة لأنها تولدت من عمل صالح.
إن الإنسان يثيبه الله على عمله وعلى ما يتولد عن عمله إذا أقدم على احتماله، فإن المجاهد قد أقدم على الجهاد وهو يعلم أنه يؤذى في الله عز وجل، وقد يلحقه ضرر في جهاده فتموت فرسه أو يؤخذ ماله أو يضرب أو يشتم نحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكُمْ عَلَى الْمُضَafِّينَ سَبِيلٌ وَلَٰكِن عَلَىٰ النَّفْسِ يَتَوَسَّطُونَ ۗ وَمَا يُصِيبُهُم مِّن نَّصَبٍ وَلَا ضَمَأٍ وَلَا مَخْمَصَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 129]. وهنا صار فهم الآية الصحيح: لا يصيبهم ضما ولا نصب ولا مخمصة؛ لأن الضما والنصب والمخمصة هو نتيجة تولدت من ذهابهم إلى غزوة تبوك، فحصلوا الثواب على المصيبة عندئذ، ألا كتب لهم عمل صالح؟
فأخبر تعالى أنه يكتب لهم عمل صالح بما يصيبهم من التعب والجوع والعطش ونحو ذلك الذي حصل لهم بسبب الجهاد في سبيل الله عز وجل. فهذه الأمور يغفر الله بها خطاياه ويؤجر على هذه المصائب لأنها حصلت بسبب جهده، فهي مما تولد عن عمله، وما تولد عن عمله صالح فيثاب عليه. وأما الجوع والعطش والتعب الذي يحصل بدون ذلك، فلا يثاب إلا على الصبر عليه؛ أما الجوع والعطش الذي ليس بسبب عمل صالح، يعني المصائب التي تأتي فجأة بدون أي سابقة عمل صالح منك، أو بسبب عمل صالح، فهذه لا تذهب إلا إذا صبرت عليها، فإنه ليس من عمله ولا متولدا عن عمل صالح، لكن هو من المصائب التي يكفر الله بها خطاياه. وأما المصيبة بالولد، فالولد تولد...
هل هي من النوع الأول ولا من النوع الثاني؟ إيش رأيكم؟ إذا هو بهربيع الصلاة جيل صالح، الولد الصالح نتج من خلال إيش؟ الزواج، فزواجك وطلبك للعفة وعمل صالح، ولد ولدا ثم ابتليت بالولد، فأنت ابتليت ببلية أنت تسببت بها بعمل صالح، فهو من النوع الأول؛ فلذلك لم يعلق الأمر لك على الصبر، بل نفس فقد الولد يثاب عليه.
قال: فالولد تولد عن جماعة الذي صنع به نفسه، به عن الزنا وقصد به النسل وتكثير الأمة وغض البصر عن المحارم، فإذا حصل له ذلك ثم مات الولد فقد أثيب عليه من هذه الجهة، ومن جهة كفر الله به خطاياه لأنه تولد عن عمله، وأما الأمراض والأسقام ففيه تكفر الخطايا التي ليست بسبب، فهذه فقط تكفير خطايا، إلا إذا صبرت عليها فتثاب عليها. وقد روى أبو عبيدة لما عادوه وقالوا له أجر، قال: «ليس لي من الأجر مثل هذه، ولكن المرض حطه، يحط الله بها الخطايا».
فهذا الذي ذكرته هو الفرق بين المصائب التي يثاب عليها والمصائب التي لا يثاب عليها، فإن بعض الناس يظن أنه يثاب على كل مصيبة، ومن العلماء من يطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها وإنما يثاب على الصبر عليها، فالتفصيل إذاً جيد في هذا المقام.
ثم قال بعد ذلك بكلام كثير، فمن فعل فعلاً صالحاً باختياره فأوذِيَ واحتسب ذلك الأذى، كان ذلك الأذى من عمله الصالح الذي يثاب عليه. الصائم إذا احتسب جوعه وعطشه، وقد قال النبي ﷺ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، فالخلوف تولد عن صومه بغير اختياره ولكن تولد عن عمل صالح. وكذلك القائم بالليل إذا احتسب تعابه وسهره، فإن الأذى الذي يحصل باختيارك في طاعة الله أنت جلبته على نفسك باختيارك طاعة الله، فليس هو كمن أوذي بغير اختياره، فإن ذلك أذاه مصيبة محضة ليست نتيجة طاعة، لكن هي حق له على الظالم.
وقال الشيخ رحمه الله في قول النبي ﷺ: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له»، هي حق له على الظالم الذي أنزل به هذه مصيبة، يعني أنت فجأة كنت قاعد في البيت لا أمرت بالمعروف ولا نهيت عن المنكر لقيتهم أجوا على الباب وزموك، هذه مصيبة حلت فيك، هي مش نتيجة عمل صالح، فهذه مصيبة متى تثاب عليها؟ إذا صبرت، أما إذا كانت نتيجة عمل صالح فشيء آخر.
وقال الشيخ رحمه الله في قوله: «لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له»، أي وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. قال: إن أصابت شيئاً رأسك أصابته ضر، وصبر، وهي نفسها تكفر خطاياه ويؤجر على الصبر عليها، ففيها له مغفرة من جهة ما يكفره من الخطايا، وله فيها رحمة من جهة ما يؤجر على الصبر على هذا النوع، ولا سيما إذا اقترنت بها توبة وإنابة إلى الله وتوكل عليه وتوحيد وإخلاص الدين، فإنها تكون من أعظم النعم، ومصيبة تقبل بها على الله خير لك من نعمة تنسيك ذكر الله.
وقال بعض السلف: «يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها قرع باب سيدك». وفي الحديث إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه، يقول الله عز وجل: «كيف أرحمه من شيء أنا أصلاً أنزلته به لأرحمه به؟»، يعني نفس المرض هو أصلاً رحمة، يعني واحد بيجي لمريض يقول يا رب يرحمه، يعني إيش قصدك يرحمه؟ يشيل عنه المرض؟ فكأنه في الأثر: كيف أرحمه من شيء أنا أصلاً أنزلته به لأرحمه به؟ وهو المرض لأكفر به الخطايا. يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك، البلاء يذكرك بالله، والعافية تذكرك بنفسك.
فالبلاء خير لك من هذه الجهة، والمقصود من كلام الشيخ رحمه الله أن كل ما تولد عن عمله الصالح من المصائب أثيب عليه، بخلاف المصائب التي لم تتولد عن عمله فإنها مكفرات لا مثيبات، إلا إذا صبر فإنه يثاب على الصبر كما قلنا.
قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله: وكثير من الناس لا يعرفون النعمة إلا ما يلتذ به في الدنيا، كثير من الناس ما بيعرف النعم إلا اللذائذ، ولا يعرف أن البلاء نعمة. من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. فمن الناس من يرى النعمة في بدنه فقط بالأكل والشرب والنكاح، ومن يرى النعمة برئاسة وجه ونفاذ الأمر والنهي وقهر الأعداء ويكون له سلطة، ومنهم من يرى النعمة في جمع الأموال والقناطير المقنطرة، وهؤلاء من جنس الكفار يرون هذه نعماً.
وأعلى من هؤلاء من يرى النعمة في الإيمان والعمل الصالح، لكن لا يرى الأمر بذلك والجهاد عليه نعمة، بل يرى فيه من المضار ما يوجب الترك. والذين يرون هذه النعمة، منهم من لا يراه نعمة إلا مع سلامته والغنيمة، فإن جرح أو قتل بعض أولاده في سبيل الله أو أخذ ماله عد ذلك ليس نعمة بل عد ذلك مصيبة. حجة هؤلاء كلهم أن النعمة ما يتنعم به العبد هكذا ينظرون، وهذه الأمور تؤلم النفس، فإذاً لا تكون من النعم بل من المصائب، ولا ريب بالتأكيد أنها من المصائب باعتبار ما يحصل فيها من الألم، ولهذا أمر بالصبر عليها، لكن لا منافي باعتبار ونعمة باعتبار.
فباعتبار ما يحصل به من الأذى هي مصيبة، وباعتبار ما يحصل به من الرحمة والثواب وتكفير الخطايا إذاً هي نعمة. وهذا لأنه إذا قيل له هذا يكفر به الخطايا ويؤجر عليها ويؤجر على الصبر عليها، هذه كانت نعمة من هذه الجهة، وهذا بمنزلة شرب المريض للدواء الكريه، هو مصيبة باعتبار مرارته، وهو نعمة باعتبار إزالته للمرض الذي هو أشد ضرراً فيه، وهو أدنى الشرين إذا أزال أعظمهما.
ومن استعمل نعمة الله في المعاصي كانت شراً في حقه لأنها جرته إلى العذاب الذي هو أعظم من تلك اللذة، كمن أكل عسلاً فيه سم، فإن ضرر السم أعظم من حلاوة العسل، والله أعلم. انتهى كلام ابن تيمية.
الباب الثالث: في الصبر عن المصاب به وأفعال البر عنه.
وهذا الباب مما يطيب قلوب أهل المصائب على مصائبهم؛ فإنهم إذا بدلوا الحزن والبكاء ولطم الخدود وشق الثياب والنياحة، بالصدقة والدعاء والاستغفار وafعل البر عنه. هو يريد أن يقول إنه إذا أصيبت بشخص فكان فقدت الأحبة، وهذا موطن الشاهد، فذلك من أن تبكي عليه وتشق ثيابك عليه وتلطم عليه، أهدِ له أعمال البر: صُم عنه، واهدِ الثواب له، تصدق واهدِ الثواب له، اقرأ القرآن واهدِ هذا الذي ينفع الميت، أليس كذلك؟
قال: ونحو ذلك من أفعال القرب، وعلموا وصولها إلى الموتى، وأنه يحصل لهم بذلك إما تكفير سيئات أو رفع درجات أو كلاهما، حصل لهم سرور بذلك والفرح الزائد. وهذا باب منعقد على إهداء القرب إلى الموتى والأحياء، فنذكر اختلاف العلماء في وصول ثواب ذلك إليهم.
فمن أنواع القرب: قرب لم يختلف العلماء في وصول ثوابها إلى الموتى، وثم قرب اختلف العلماء في وصول ثوابها اختلافاً كثيراً، فنذكر ما يسره الله تعالى في ذلك، فإن ذكر الاختلاف والوسط سبيل ذلك الكتب المطولة. في عبادات اتفق العلماء على أن ثوابها يصل إلى الموتى، وفي عبادات اختلفوا هل يصل ثوابها إلى الموتى أو لا، ثم المسألة الثانية: هل يجوز إهداء ثواب الأعمال إلى الأحياء أيضاً؟ سيشير إلى هذه المسائل إشارة سريعة.
فصل في ذكر اختلاف الناس في وصول ثواب إهداء القرب إلى الموتى. أما الدعاء والاستغفار والصدقة وقضاء الدين وأداء الواجبات، فلا أعلم خلافاً في وصولها، حكاها غير واحد من العلماء. ومن العلماء من يشترط في الوصول إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10]. فبعض العلماء يقول العبادات التي يمكن إهداء ثوابها هي العبادات التي تقبل النيابة، كالصدقة وقضاء الديون. أما العبادات التي لا تقبل النيابة كالصلاة مثلاً، فقالوا: هذه لا يصح أن تصلي ركعتين وتهدي ثوابها للميت، هذا رأي لبعضهم.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. ودعاء النبي ﷺ: «واستغفر لذنبك وللمؤمنين»، إذاً الاستغفار تدخله النيابة، أنا ممكن أستغفر لأخوي. فالدعاء والاستغفار والصدقة كلها تدخلها النيابة. كأبي سلمة حين مات أبو سلمة، ودعاء النبي ﷺ الميت الذي صلى عليه، وشرع الله له ذلك، وشرعه لكل من صلى على ميت بقوله: «اللهم اغفر لحينا وميتنا». إذاً أنت تستغفر لغيرك، إذاً الاستغفار تدخله النيابة، كقولك: «اللهم اغفر له وارحمه».
وأما وصول العبادات المالية المحضة كالعتق والصدقة، فجمهور العلماء من أهل السنة والجماعة على وصول ثوابها أيضاً إلى الموتى كما يصل إليهم الدعاء والاستغفار. وأما الخلاف فقد وقع في الأعمال البدنية المحضة كالصوم والصلاة وقراءة القرآن، فهل يصل ثوابها إلى الميت؟ يعني هل يصل إهداء الثواب إلى الميت؟ فالصحيح من مذهب أصحابنا الحنابلة الوصول، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي لما يأتي من الأحاديث بعد ذلك.
في الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، قال: قد تقدم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10]. وقال تعالى: ﴿فَدَعَوْا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، هذا يدل على أن الدعاء يصل إلى الأموات. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وقال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمِنْ حَوْلِهِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 7]. إذاً وصلنا استغفارهم، فلو لم ينفعهم ذلك، لو كان استغفار الملائكة لنا لا ينفعنا لم يخبر الله تعالى به ترغيباً.
وأما الأحاديث، منها ما رواه الإمام أحمد من حديث الحسن بن سعد بن عبادة أن أمه ماتت فقالت: يا رسول الله، ماتت أمي، أتصدق عنها؟ قال: «نعم». قال: قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء». قال الحسن: فتلك سقاية سعد بالمدينة. ورواه النسائي، فسعد بن عبادة عمل لها بئراً في المدينة عن روحها، هداء ثواب لها.
ومنها عن عقل بن يسار قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا ياسين على موتاكم». رواه أبو داود وابن ماجه، ورواه الإمام أحمد ولفظه: «ياسين قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك وتعالى ودار الآخرة إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم». حديث فيه ضعف طبعاً، لكنه مشهور الضعف، لكن فيه فكرة إهداء الثواب، قراءة القرآن. وفيه دليل على أن وصول القراءة إلى الميت، فإنه ﷺ أمرنا أن نقرأها على موتانا، وأمره في هذا المكان أمر إرشادي لا يجوز أن يُعرض عن فائدة، ولا فائدة لعبد بعد موته أعظم من الثواب؛ فإنا نعلم يقيناً أن الميت من أحوج الناس إلى ما يقربه من رحمة الله ويبعده من عذاب الله، وقد امتنع عليه بعد موته بفعل نفسه، فما بقي يحصل له ذلك إلا بفعل غيره، والحصول هو الثواب المترتب على القراءة، والله أعلم.
فإن قيل: قد فسر جماعة من العلماء أن المراد بقراءة ياسين عند الاحتضار للمسلم الذي سيموت، البعض يقول قراءة ياسين تكون قبل أن يموت وليس بعد أن يموت وهو محتضر، فلا يصح استدلالكم بالحديث، وقد ذهب إلى هذا جماعة من العلماء حتى الشيخ مجد الدين بن تيمية الحراني، بوب عليه في كتاب المنتقى.
قيل: هذا خلاف الحقيقة، فإنه إذا حُمل على من سيموت يكون مجازاً. الآن الحديث: «اقرؤوا ياسين على موتاكم»، صحيح الميت يطلق على المحتضر، لكن إطلاق الميت على المحتضر مجاز، وإطلاق الميت على من فارقت روحه البدن هو الحقيقة. ومعلوم أن حمل اللفظ على حقيقته أولى من حمله على مجاز، فالأصل إذاً أن هذه قراءة ياسين على ميت مات وانتهى. فإن سُلّم أنه أريد به المحتضر فرضاً، فهو حجة على المخالف المانع من وصول ثواب القراءة إلى الميت؛ ليه؟ بالعكس، هذا يلزمك، لأنه إذا كنت ترى أن قراءة ياسين على المحتضر تنفعه وهو حي، فمن باب أولى أن تنفعه وهو ميت. لأنه الذي يمنع وصول ثواب القراءة إلى الميت هو أصلاً في مذهبه لا يجوز إهداء الثواب إلى الأحياء، فمن باب أولى. فإذا أنت جوزت إهداء الثواب ومساعدة القرآن للأحياء، فإلزامك أن ترى جواز إهداء الثواب إلى الميت.
يقول: فإن المخالف يرى أن الحي لا ينتفع بعمل الغير، فإذا كان أشد من قوله في الميت، فسيكون العكس. فإن قيل: إنما يحصل له... هو يقول لك إن الحي لماذا يقرأ عليه ياسين؟ مش لأنه سيصل عليه الثواب، هذا ممكن يعترض فيه، وإنما أنا أقرأ ياسين على المحتضر من أجل يصير عنده راحة وسرور، أنا ما بقول إنه إهداء ثواب للمحتضر.
هذه دعوة تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه، بل نقول: أي راحة وسرور أعظم من ثواب يحصل للميت برفع درجاته أو يُحط عنه سيئاته؟ صراحة لها وجهة نظر؛ لأنه القرآن فعلاً بيعمل راحة، هو يقول هذه دعوة تفتقر إلى دليل، هي رأي لا تفتقر إلى دليل؛ لأن القرآن هو فعلاً بالنسبة للإنسان الذي ينتظر، ليس دائماً يقول لك شغل لي قرآناً، هو فعلاً يحدث راحة، وهذا شيء مجرب فلا يحتاج إلى دليل.
فلذلك، لا أرى أن إجابة المنبج قوية، بل نقول: أي راحة وسرور من ثواب يحصله الميت، يرفع درجاته ويحط عنه سيئاته. وقد أفرَد لهذا الكلام في كتابه الذي قد أسميته «الدر المنتخب في إهداء القرب»، ومن رام كشف ذلك فليطلب من عالِم حاسٍّ، من يأتي متخصص في كتبه بمسائل الأموات؛ ألف كتاباً في الطاعون، وألف كتاباً في التسليع المصائب، وألف كتاباً في إطفاء ألم أولاد المسلمين، وألف كتاباً في إهداء الثواب للأموات؛ كل حياته تحوم حول هذه الملفات، رحمه الله عليه وجزاه خيراً. فمن رام كشف ذلك فليطلبه من محله.
ومما روي عن عبد الله بن عمر أن العاص بن وائل نذر أن ينحر في الجاهلية مئة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته، هذا ابنه بعد ما مات أبوهم، هشام بن العاص نحر حصته خمسين، فابنه الثاني وهو عمرو بن العاص الصحابي الجليل سأل النبي ﷺ عن ذلك، هل أنحر الحصة المسؤول عنها الخمسين الأخرى؟ فقال: «أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت عنه وتصدقت عنه نفعه ذلك». فصمت عنه وتصدقت عنه، فهذا يدل على وصول الثواب إلى الأموات، رواه الإمام أحمد، وهو دليل على وصول أفعال الخير إلى الأموات.
ومنها حديث أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي ﷺ أن أباه مات ولم يوصِ، أفان ينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم». هذا أيضاً يؤكد وصول الثواب إلى الأموات. وحديث «إن أمِّي افترت نفسها»، يعني ماتت وأراها لو تكلمت وأوصت لتصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم»، هذا يؤكد نفس الفكرة. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «ما على أحدكم إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها عن والديه إذا كانا مسلمين، فيكون لوالديه أجرها وله مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء».
وروى ابن المنذر بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها اعتقت عن أخيها عبد الرحمن عبداً بعد موته، اعتقت عن أخيها مثلاً وأهدت الثواب للاعتاق لأخيها. وروى الدارقطني غيره عن عطاء بن أبي رباح مرسلاً أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أبي مات أفأعتق عنه؟ قال: «نعم». وروى الدارقطني أيضاً عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يعتقان عن أبيهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد موته.
وعن ابن أسيد مالك بن ربيعة السعدي قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ هو رجل من بني سليمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما». رواه أبو داود وهذا لفظه، وابن ماجه.
ومن الأدلة المستحسنة قوله ﷺ في الأضحية لما ضحى بكبشين، فلما ذبح أحدهما قال: «بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وآل محمد»، ولما ذبح الثاني قال: «اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي». وليس هذا إهداء ثواب للمأموات فقط، بل حتى للأحياء؛ لما ذبح الكبش الثاني قال: «اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي»، فهذا طبعاً لمن لم يضح من أمتي، وهذا للأحياء، فإذا كان الأحياء يصلهم الثواب فالأموات من باب أولى؛ لأن الحي لا يزال معه مجال ليعمل، ومع ذلك يصل إليه الثواب، فالميت الذي انتهى مجال العمل، الأصل أولى أن يصل إليه الثواب من هذا الوجه.
وفي رواية ابن ماجه أن رسول الله ﷺ لما ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موسومين، فذبح أحدهما عن محمد وآل محمد ﷺ وذبح الآخر عن أمته وعمن شهد له بالبلاغ، ففيه دليل على أن النفع قد نال الأحياء والأموات من أمته بأضحيته ﷺ، وإلا لم يكن في ذلك فائدة؛ فإنه ﷺ ما ينطق عن الهوى. وقال للذي قضى الدين عن الميت: «الآن بردت عليه جلّته»، وحديث ابن عباس هذا يدل على أنه استفاد من هذا القضاء للدين.
أما حديث ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما لا يعذبان وما يعجل جلد»، لا أعتقد أنه مناسب في هذا المقام؛ لأنك تتكلم عن رفع حق عنه وليس عن إهداء ثواب له، وفي فرق بين البابين حقيقة. قال: «أما أحدهما فكان لا يستنزه عن البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم دعا بجريدة رطبة فشقاها نصفين، ثم غرس على كل قبر واحدة، فقال: «إنه لا يخفف عنهما ما لم يبس».
شوف استدلال لطيف، قال: إذا كانت الجريدة الرطبة تخفف عن الميت في قبره مع أنها مجرد جريدة، مجرد ورقة نخل رطبة، أليست الأعمال الصالحة التي تُهدى أولى أن تخفف عنه في قبره إذا كانت الجريدة الرطبة تخفف عنه في قبره؟ قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محملاً على أن الأشياء ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها فإنها تسبح الله عز وجل حتى تجف رطوبتها أو تحول خضرتها أو تقطع من أصلها. فإذا خفف عن الميت بوضعه ﷺ جريدة على قبره؛ لكون الجريدة تسبح الله، فبطريق الأولى والأحرى أن تخفف القرب عن الميت على اختلاف أسبابها، وإن أعظم القرب كلام الله، كلام رب العالمين الذي نزل به روح الأمين على قلب أشرف المرسلين. وقد أوصى بريدة رضي الله عنه أن يجعل جريدة على قبره، ذكره البخاري.
فإن اعترض علينا بقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39] فكيف يقبل ثواب الأعمال؟ قيل: أما احتجاج بعض من خالف من أصحاب الشافعي ومالك بهذه الآية على أن الميت لا ينتفع بثواب من سعى...
قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
ولأن نفع العبادة لا يتعدى فاعلها، فهذا قول الشافعية والمالكية؛ أن الأصل أن العبادات خاصة المحض، مثل الصلاة، هذه لا ينتفع بها إلا صاحبها ولا ينتقل نفعها إلى الميت، «ليس للإنسان إلا ما سعى». فيقال لهم: قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة أن الميت يصلى عليه ويدعى له ويستغفر له، وهذا من سعي غيره. وكذلك ما وافقوا عليه وسلموه من أنه ينتفع بالصدقة وبالعتق، وهو من سعي غيره؛ فما كان جوابهم عن مورد الإجماع، فهو جواب الباقين عن محل النزاع.
إذا كنتم الشافعية تجيزون إهداء الصدقة، فإذا أجزتم إهداء الصدقة للميت، فما كان جوابكم عن وصول ثواب الصدقة هو جوابنا عن وصول ثواب الصلاة والصيام؛ فلماذا أجزتم الصدقة ومنعتم وصول الثواب في الصلاة والصيام؟
وللناس في ذلك أجوبة متعددة سبيلها الكتب المطولة، ولكن تحقيق ذلك أن يقال: إن الله تعالى لم يقل إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعي نفسه، وإنما قال: ﴿وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، وهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك. قالت: «ليس للإنسان إلا ما سعى»، يعني أنت لا تملك إلا سعيك، لكنها لم تنفِ انتفاعك من سعي غيرك. الآية ماذا قالت؟ أنت لا تملك إلا سعيك، فلا تملك سعياً، لكنها لم تنفِ أن تنتفع من سعي غيرك، هي ما قالت: أنت لن تنتفع من سعي غيرك، قالت: أنت لا تملك إلا سعيك.
وإنما سعي غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ويملك النفع؛ فسعي غيرك هو ملك لغيرك، لكن هو أحب أن يهدي لك ثوابه، جزاه الله خيراً نفعني فقط. ويملك النفع نفسه بمال غيره.
وقد روي عن ابن عباس أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21]، فإلحاق الأبناء بالآباء هذا كان بدون سعي منهم. ولكن لا يصح ذلك، ولا يصح هذا؛ لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تُنسخ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اللفظ المنقول عن ابن عباس، ابن عباس يقول إنه «ليس للإنسان إلا ما سعى» هي آية منسوخة، والنسخ الذي ذكره ابن عباس هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ فإلحاق الأبناء بالآباء هذا كان بدون سعي منهم، فاعتبر ابن عباس -إن صح عنه- هذه الآية ناسخة لآية ﴿وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؛ فالأبناء يلحقون بالآباء مع أنهم لم يسعوا سعي الآباء.
ولا يصح هذا؛ قال: لأنه لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار كما ندرس في أصول الفقه، النسخ لا يدخل في الأخبار، النسخ يدخل في الأوامر والنواهي، النسخ يدخل في الأوامر والنواهي لا يدخل في الخبر؛ فهنا ليس هناك نسخ، ولكن هناك محاولة، ولا بد أن نفهم الآيات بشكل صحيح وننزل كل خبر منزلة الصحيح.
فابن تيمية ماذا يقول؟ اللفظ المنقول عن ابن عباس هو من تفسير علي بن طلحة الوابلي عنه، وقد قيل إنه لم يسمعه من ابن عباس؛ أولاً ما نُسب إلى ابن عباس أنه قال إن الآية منسوخة، هو من كلام علي بن طلحة عنه، وهذه رواية عنه أصلاً فيها مشكلة.
وقال عكرمة: هي خاصة بقوم إبراهيم وموسى دون هذه الأمة، وشرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وسعي لغيرهم. قال الشيخ: البعض يقول إن ﴿وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ هذه كانت في صحف إبراهيم، أي في سورة النجم: ﴿إِنْ كَانَ فِي صُحُفِ الْأَوَّلِينَ﴾، فتقول إن هذه خاصة بصحف السابقين، وأما أمة محمد ﷺ فلا، الناس يذهبون على سعيهم وسعي غيرهم. شوف كيف الأفكار؛ إن كان هذا الكلام مرجوحاً.
قال الشيخ: وهذا ضعيف؛ لأن الله إنما ذكر هذا ليخبر به هذه الأمة، وليعلموا أن هذا حكم شامل، ولو كان هذا مخصوصاً بأمة موسى وإبراهيم لم يقم به حجة، فما في فائدة من ذكر الآية هنا. على أن من أُرسل إليه النبي ﷺ وجمع المسلمين، فمن أين لهم أن تلك الأمة لم تكن بها حجة على من أُرسل إليه النبي؟ ولو كان هذا مخصوصاً بأمة موسى وإبراهيم لم يقم به حجة على من أُرسل إليه النبي ﷺ.
وأيضاً فمن أين لهم أن تلك الأمة لم تكن تنفعهم الصدقة عنهم؟ هل فعلاً أمة إبراهيم وموسى وعيسى لم يجز عندهم إهداء ثواب الصدقات أيضاً؟ من أين لكم هذا النفي؟ وقد بين النبي ﷺ أننا إذا قلنا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، هذه الدعوة أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض حتى من الأمم السابقة، فحتى الأمم السابقة ينتفعون بدعائنا، إذاً يصل إليهم ثواب الأعمال.
شوف كيف ابن تيمية لما يناقش بعمق؛ الأمم السابقة يصل إليهم وليس هو من سعيهم، وإبراهيم قد دعا لأولاده بنص القرآن فاستُجيب له وانتفعنا بذلك وليس ذلك من سعيهم. والربيع بن أنس يقول: المراد بالإنسان في ﴿وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ هو الكافر بالتحديد، وهذا ليس بشيء؛ يريد أن يقول الإنسان الكافر ليس له إلا سعيه وأما المؤمن فله سعيه وسعي غيره، بس برضه هذا الكلام مش دقيق لأن سياق الآية عام؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، وهذا «يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى» يتناول المؤمن، فلو عُكس العكس لكان أولى أن يقول هذه الآية تختص بالمسلم ولا تختص بالكافر، مع أن حكم العدل لا فرق فيه بين مؤمن وكافر.
قال الحسن بن الفضل: «ليس للإنسان إلا ما سعى» من طريق العدل، وأما من طريق الفضل فيمكن أن يزيد الله ما يشاء، هذه طريقة أخرى في التفكير. فماذا يقول ابن تيمية؟ قول الحسن بن الفضل، يعني لسه أمثل من غيره ومعناه صحيح لكن ليس هو معنى الآية، لكنه لم يفسر لفظ الآية؛ ليه؟ قال: فإن قوله سبحانه «ليس للإنسان» نفي عام، فليس له إلا ذلك، أي سعيك، وهذا هو العدل، ثم إن الله قد ينفعه ويرحمه بغير سعيه من جهة فضله وإحسانه وإن كان ذلك ليس له.
ثم قال الشيخ: ابن تيمية قال: قال ابن الزاوني إنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون...
سعيه في تحصيل الشيء نفسه، وتارة يكون في تحصيل ليس الشيء بل في تحصيل سبب الشيء؛ مثلا مثل سعيك في تحصيل صِلة، مثل أولاد من خلال الزواج، فأنت سعيت في تحصيل السبب، وإن كانت النتيجة نفسها قد تُعطى وقد لا تُعطى. أو يسعى في تحصيل صديق صالح، وتارة يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكتسب بالتالي محبتهم بسبب سعيه في ذلك.
وهذا قريب من الفكرة التي ذكرناها قبل قليل؛ أن إذا تولدت مصيبة عن سبب أنت بذلته، فإنك تثاب عليها، صحيح؟ فكذلك هنا، إذا أنت يا أيها الميت قبل أن تموت عملت أسبابًا أدت إلى نتائج، هي النتائج أنت ما عملتها، بس الأسباب التي بنيتها أدت إليها؛ فما المانع أن تحصل ثواب تلك النتائج بصورة مستمرة؟ فأنت إذا اكتسبت صديقًا صالحًا، أنا سعيت أني اكتسب أصدقاء صالحين واكتسبتهم، بعدين متّ، فصار أصدقائي الصالحون يهدون لي ثواب وقربات وكذا، أليس هذا له علاقة بسعيي من وجه من الوجوه لأنني تسببت باكتسابهم؟ فأصبح ما يفعله هو أصدقاؤك الصالحون، حقيقة لا نستطيع أن نقول إنه ليس من سعيك أبدًا، بل لك سعي في هذا ولو من بعيد.
هذا توسيع لدلالة ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، فيكتسب محبتهم بسبب سعيه في ذلك. قال الشيخ: وكلام ابن الزاجوني أمثل من غيره أيضًا، وقد استحسنه ورجحه أبو البركات ابن تيمية، لكن ابن تيمية برضه يقول لك وهو ضعيف: فإنه قد ينتفع بعمل غيره أيضًا، من لم يحصل حتى السبب قد تنتفع بعمل غيرك وأنت حتى لم تبذل السبب. وبسط القول على هذا وعَلّله بأمور.
وذكر عن ابن الزاجوني قول آخر، وهو أن "اللام" هنا بمعنى "على"، وأنه المراد، وأنه ليس عليه؛ أي لا يأثم إلا على ما سعى، فقلب الآية رأسًا على عقب؛ أن الآية ما تتكلم عن الثواب وإنما أصبحت تتكلم عن العقاب: لا تأثم إلا على ما سعيت. قال الشيخ: وهذا من أرذل الأقوال، فإنه قلب الآية أصلاً على العقاب، فإنه ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: 39-41]، وكلمة "الأوفى" تدل على الثواب مش على العقاب، صحيح؟ الجزاء الأوفى فافترى السعي الصالح لم يدخل في هذا. وبسط ابن تيمية القول على هذا وبين فساده، وقد ذكرنا هذه الأقوال ورتبناها مبسوطة في كتاب هداية القرب.
ومما يستأنس به في وصول الثواب إلى الأموات أنه يستحب أن يدفن الأموات عند الصالحين وبجوارهم حتى ينال من بركة الميت الصالح جنبه. ونص أحمد على أن الميت يتأذى في المقابل بالمنكر عنده، وقد روى ابن عباس أنه قال: «جنب الميت جار السوء»، وإن تدفن الجنب رجل فاسق. وقالت عائشة: «الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته من الجيران السوء»، لكن هذين الأثرين كان فيهما ضعف. فإنه إذا كان الميت يتأذى بالمنكر، فما المانع أن ينتفع بالخير بالأولى؟
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه». والله تعالى أحكم وأعدل من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ولكنه في نفس الوقت يحجب عنه ثواب الطاعة؛ يعني إذا أهلك بكوا أنت تتعذب في قبرك وتشقى ببكاء أهلك عليك بغض النظر عن التفسير. طيب، إذا أهلك يعملوا شيء صح، ليش ما أنتفع وأنتفع؟ فهمتم؟ فالله عدل؛ هل يوصل لك العذاب بسبب بكاء أهلك، ولا يوصل لك الخير عندما يفعلون لك الخير والإحسان؟
فصل: تستحب القراءة عند القبر؛ لأنه قد صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا دفن أن يقرأ عنده بالفاتحة والبقرة وخاتمتها. والمشهور عن الإمام أحمد أن القراءة في المقبرة وعند القبر لا تُكره، اختاره أبو بكر عبد العزيز والقاضي وجماعة من أصحابنا، ذكره بعض أصحابنا وعليه عمل الناس في زماننا هذا. أنا أخالف المنبجي بقضية الاستحباب، والمذهب عند أصحابنا الإباحة؛ فالمذهب عندنا يباح القراءة عند القبر ولا تستحب، وذكر تستحب لكن المذهب في المعتمد الإباحة وليس الاستحباب.
قال في المستوعب: «ولا تُكره القراءة على القبر»، كأحمد رحمه الله يكرهها ثم رجع، قيل أحمد في البداية كان يكره القراءة عند القبر ثم رجع عن ذلك، وقال يُقرأ على القبر بعد أن نهى عن ذلك سابقًا. الآن بعض أصحاب أحمد، خاصة ابن تيمية بالتحديد، ممن يتمسكون بالرواية الأولى ويكرهون القراءة عند القبر ويشددون في هذا، ويجعل المسألة على روايتين: رواية بالكراهة ورواية بالإباحة، ثم قال بعد ذلك: «فإن أُهدي إليه الثواب نفعه». انتهى كلامه.
وهذا مذهب الحنفية أيضًا، أنه يستحب أو يباح القراءة عند القبر، لكن اختلف أصحابه هل تستحب أم تباح كما قلنا. وروي عن الإمام أحمد أن القراءة لا تُكره حال الدفن دون غيره، وروي عنه رواية أخرى أن الكراهة المباحة هي فقط عند الدفن، دون ما بعد ذلك. فكان أحمد في رواية أن الكراهة المباحة هي فقط عند الدفن، وروي عنه الكراهة مطلقًا، اختار الرواية: الكراهة مطلقًا عبد الوهاب الوراق وأبو حفص العكبري.
وقال شيخ الإسلام: الكراهة نقلها جماعة عن الإمام أحمد وهي قول جمهور السلف وعليها قدماء أصحابه كالمروزي وغيره. وقال ابن عقيل وابن المنذر من أصحابنا تعليلًا لرواية الكراهة؛ لماذا يكره القراءة عند القبر؟ قال بأنها مدفن النجاسات، لأنه مكان، كيف أنت تكره القراءة في الحمام؟ في المذهب كذلك تكره القراءة عند القبور لأنها مكان فيه قيح وصديد ونجاسات. لكن الحقيقة يرى أن الموضوع لا يتعلق بالنجاسات، الموضوع متعلق بماذا؟ ألا تعظم القبور بالقراءة عندها ويصبح هناك ذريعة لتعظيمها؟ يعني هذا البعد الذي يتكلم فيه ابن تيمية. وقد ذكر بعض أصحابنا عن الخلال أنه قال: المذهب رواية واحدة أن القراءة عند القبر لا تُكره، وهذا الخلال، لكن القراءة على القبر ليست من فعل النبي ﷺ ولا فعل أصحابه، والله أعلم.
فصل: يُستحب الإمام أحمد على أنه يستحب الدعاء للميت عقب دفنه، ثم قال أحمد: قد فعل علي بن أبي طالب والحنف بن قيس. ويروى عن عثمان بن عفان أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل». رواه أبو داود، وروى الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقف على...
القبر بعدما يسوى عليه تراب، فيقول: «اللهم نزل بك صاحبنا، وخلف الدنيا خلف ظهره، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، ولا تفتنه في قبره بما لا طاقة له به». ويروى أن عليًا رضي الله عنه كان يقول إذا سوي على الميت تراب عند شفير القبر بعدما يدفن: «اللهم عبدك وولد عبدك، نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم أوسع له مدخله، واغفر له ذنبه، فإنا لا نعلم إلا خيرًا وأنت أعلم به». رواه حرب الكرماني في مسائله.
وقال أنس رضي الله عنه: إذا سوي على الميت قبره قام عليه فقال: «اللهم عبدك نزل بك، فآنس به وارحمه، اللهم جافِ الأرض عن جنبيه، وافتح أبواب السماء لروحه، وتقبل منه بقبول حسن، اللهم إن كان محسناً فزد له في الإحسان، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه». روى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما.
وذهب الشافعي أيضًا إلى استحباب الدعاء عقيب الدفن، وقال أكثر المفسرين في قوله عز وجل في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُقِمْ عَلَىٰ قَبْرِهِمْ﴾ معناه: بالدعاء والاستغفار بعد الفراغ من دفنه. وكذلك ذكر جماعة المفسرين لما هم النبي ﷺ بالاستغفار لعم أبي طالب لما مات، ولما هم بعض الصحابة بالاستغفار لأبويه. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ﴾ [التوبة: 113]. فلو لم يكن ذلك نافعًا للمؤمنين كما تقدم، لم يكن لذلك معنى.
بل إن هذا الاستدلال كالاستدلال بقوله: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]؛ حيث استدلوا بالحجب عن الرؤية على أن أهل الإيمان يرونه. فهنا نفس الشيء، لما نهى عن القيام على قبر المنافقين، دل على أن الدعاء على قبر المؤمنين ينفعهم، وهذا بالعكس. بل لما نهى عنه للمشركين، دل على وقوع انتفاع المؤمنين بالدعاء عند قبورهم.
وقال محمد بن حبيب التماري: كنت مع أحمد بن حنبل في جنازة، فأخذ بيدي وقمنا ناحية، فلما فرغ الناس من دفنه جئنا إلى القبر، فجلس ووضع يده على القبر قال: «اللهم إنك قلت في كتابك: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾» إلى آخر السورة، «اللهم وإنا نشهد أن هذا فلان ابن فلان ما كذب بك، ولقد كان يؤمن بك وبرسولك، اللهم فاقبل شهادتنا له»، ودعا له أحمد ثم انصرف.
هل يصح إهداء ثواب نوافل العبادات للأحياء؟ نعم، وهذه مسألة لا تكاد تظفر بها في كتاب مشهور لغرابتها. فذكر ابن تميم في كتابه وصول الثواب إلى الميت فقال: وفي الحي وجهان. وذكر لي بعض فقهاء الحنفية أن وصول القرب إلى الحي مذهبهم، ودليل على الوصول قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، وأيضًا في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ فدل هذا على أن الاستغفار للأحياء ينفعهم.
وأيضًا فإن رسول الله ﷺ والمسلمون ما زالوا يدعون بعضهم لبعض عمومًا وخصوصًا، للأحياء وأمواتهم من غير نكير، ولأنه مشروع في دعاء الميت إلى يوم القيامة في قوله: «اللهم اغفر لحينا وميتنا». وقال القاضي أبو يعلى: ليس يعرف عن الإمام أحمد رواية في الفرق بين الحي والميت، بل ظاهر قوله يعمهما، وقد دل عليه الكتاب والسنة في الدعاء والاستغفار للتساوي، فلا فرق.
فالكتاب والسنة لما دلّا على التساوي في الدعاء والاستغفار للأحياء والأموات، دل هذا على انتفاء الفرق بين الأحياء والأموات بإهداء الثواب إليهم. قال شمس الدين بن عبد القوي صاحب كتاب "أجمع البحرين" من أصحابنا: «هذا ليس له نكير، فهو إجماع ولا شبهة لمن قال بعدم الجواز». يعني هي نقل الإجماع بهذه الطريقة، وأنا ما أقتنع فيه، أي لا يوجد إجماع على جواز إهداء الثواب إلى الأحياء، لكنه قول له أدلته عند أصحابنا.
وقال ابن عقيل في "المفردات": إن القراءة ونحوها لا تصل إلى الحي؛ لأنه يفتح مفسدة عظيمة. وهذا كلام صحيح من وجهة نظر معينة عند ابن عقيل؛ فإن الأغنياء هنا ماذا سيفعلون؟ سيتكلون عن الأعمال ببذل الأموال، يستأجرون واحدًا يقول: "ظل من اليوم للصبح اقرأ وأهدِ لي الثواب"، ويصل الأمر إلى أن يستأجروا من يصلي أو يصوم أو يقرأ القرآن، فيفوتهم أسباب الثواب بالاتكال على الثواب، وتخرج أعمال الطاعات عن بابها إلى المعاوضات.
لكن يمكن أن نقول إن هذا إنما يكون بغير الأجرة؛ لأنه لا تصح الأجرة على الطاعات، بل هي جعالة، ولكن ينبغي أن تحرر المسألة على أنها خرجت عن طيب نفس منه وليس على سبيل الاستئجار والعمل. يعني ما ورد أن العمل يصبح بزنس وشركات أعمال؛ فلو قال قائل: "نحن نلتزم بذلك لوجود ما يرد في الكتاب والسنة"، ونحن نقول ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. لو قال قائل: "لا مشكلة، خلي الأغنياء يستأجروا ناس يصوموا لهم ويدعوا لهم في النوافل"، فيقول له: "يا أخي ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ذهب أهل الدثور بالأجور".
وفي ذكر عمارة القبور، قد اشتغل بعض أهل زماننا ممن أصيب بموت أقاربه ببناء قبورهم وتبليطها وتشييدها، وبناء التربة المحتوية على القبر وتحسينها وتزويقها، ويزرعونها أنواع الرياحين، ويصعدون إليها في الغالب كل يوم خميس بالأهل والأقارب وملاذ الأطعمة وأنواعها، ويظنون أن ذلك قربة وطاعة إلى الله عز وجل، وربما يقولون في هذه الأمور تسلية لنا عن الموتى. وما علموا أن هذه الأمور من البدع المكروهة المنهي عنها، وأن من البدع تعظيم القبور وتبليطها وتشييدها وبناء القباب عليها، كل هذا من البدع المكروهة عند السلف والعلماء، وهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ.
وقد روى أبو داود والترمذي من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى أن يُصص القبر، وأن يُبنى عليه. وروى الترمذي: أن يُكتب عليه، وأن يُوطأ. وحسن لذلك أن تُبنى على القبر أرخام وتوضع عليه مزرعة من الورود والأزهار وتظل تسقيها وتأتي إليها؛ هذا كله منه. ولفظ أبي داود: «وأن يقعد عليه». وقد بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لا يدع تمثالًا إلا طمسه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سواه. قال: وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟».
«اذهب فلا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، ورواه أبو داود والترمذي. فسنة تسوية هذه القبور المشرفة المحجرة، المطينة، المجصصة. وكذلك نهى رسول الله ﷺ أن يكتب عليها، ونهى عن اتخاذها مساجد وإيقاد سرج عليها، واشتد نهيه ﷺ حتى لعن فعل ذلك، ونهى عن الصلاة إلى القبور، حتى نهى أمته أن يتخذوا قبره مزيدًا أو عيدا.
وكان رسول الله ﷺ يعظ الناس عند القبر، كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانَا رسول الله ﷺ فجلس وجلسنا حوله معه مخسرة، فنكس وجعل ينكت بمخسارته وقال: «ما منكم من أحد إلا قد كُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة»، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نذكر على كتابنا؟ قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا، وكل ما يسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسيسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيسر لعمل أهل الشقاوة».
ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-10].
وفي صحيح أيضًا أنه كان يقف عند الدفن ويقول: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». فليعلم أن عمارة الأحياء والأموات ليست من خارج، فإن النبي ﷺ قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». فعمارة القلب هي العمارة النافعة. والميت في قبره كذلك ليست بزخرفة القبر ولا التربة ولا تزويقها، وإنما العمارة بالصدقة عن ساكنها، وافعل القرب عنه، واستخدم هذا.
إذا أردت أن تزين الميت، زينه بإهداء الثواب له، هذا هو التزيين الصحيح؛ أن تزين ميتك، لا أن تزين قبره بالورود وتزينه بالبلاط والسيراميك. زين ميتك بأن تهدي الثواب له، واعمر قبره بالدعاء، هذا العمران الذي ينفعه.
أما علم أن القبر الذي يزخرفه ظاهره، فإن باطنه مظلم ضيق، وقد طرح فيه من هو من أحب أقاربه إليه، فريدًا وحيدًا مستوحشًا، من غير وسدة ولا تمهيد. قال: وقد باشر الثرى وواجه البلا ... وترك دنياه بالورى ونبذ منها ما كان بيده بالعرا ... مع حبيب تركه وقرين أسلمه
فكل ما ذكرته لك يا أخي يفطم النفوس عن الشهوات، وتعلم أن عمارة البواطن أولى من عمارة الظواهر، والله هي العمارة النافعة في يوم القارعة، يوم القيامة.
فإذا بحثت عن الحقيقة ونظرت بعين البصيرة، علمت أنك عن قريب صائر إلى ما صار إليه، وقادم على ما قدم عليه. فإن العبد بينما هو يمرح في أمنيته، غافلاً عن يوم مصرعه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وطمست أعلامه وآثاره، فخرج من قصره المشيد، وبيته الحميد المزخرف النضيد، إلى حفرة من الأرض كحفرة أخيه أو ولده أو غيرهما، مضمة ضيقة الجوانب، مملوءة من الرعب والفزع، فإما هي روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، إذ أعاذنا الله منها.
قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ الموعظة؟ قال: النظر في مقابر الأموات. فإذا كانت القبور النظر إليها موعظة، وهي أول منازل الآخرة وعبرة لأهل الدنيا، فلا ينبغي التزين ولا التسرف، ولا ما يفعله بعض الأغنياء من الأمراء والتجار وغيرهم من ضرب الخيام وغيرها من الترب، ووضع البسط والفروش تحت ذلك وينامون عليها، وإخوانهم تحت ذلك على تراب في حفرة ضيقة مظلمة! فأي موعظة تعظها هؤلاء بموتاهم؟ بل هذه غفلة، نسأل الله تعالى السلامة منها.
وكان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فيقال له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه». وقال رسول الله ﷺ: «ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفضع منه».
وروى الترمذي أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ وصلى، فرأى ناسًا كأنهم يكتئبون، فقال: «أما إنكم لو أكثرتم ذكر الموت لشغلكم عما ترى». فالموت، فأكثروا من ذكر الموت، فإنه لم يأتِ على القبر يوم إلا تكلم فيه، فيقول: أنا بيت الغربة، وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود.
فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر: «مرحبًا وأهلا، أما إنك لأحب من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم صرت عندي وصرت إلي، فسترى صنيعي بك»، فتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة.
وإذا دفن العبد الفاجر -أو الكافر- قال له القبر: «لا مرحبًا ولا أهلا، أما إنك لأبغض من يمشي على ظهري إلي، فإذا وليتك اليوم صرت مسؤولًا عنك وصرت إلي، فسترى صنيعي بك»، فيلتئم عليه حتى يختلف أضلاعه. وقال رسول الله ﷺ بأصابعه فأدخل بعضها في بعض وقال هكذا: «تختلف أضلاعه». وقال: «ويقيد الله له سبعين تنينًا، لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أمدت شيئًا ما بقيت الدنيا، فينهشه ويخدشنه حتى يفضي به إلى الحساب». قال ﷺ: «إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار».
وروى الحاكم في المستدرك من حديث الحجاج بن الأصبغ قال: قال ﷺ: «يقول القبر للميت إذا وضع فيه: ويحك يا ابن آدم! ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الوحدة، وبيت الدود؟ ما غرك بي يا ابن آدم؟». فإن كان مصلحًا أجاب عنه مجيب القبر، فيقول: أرأيت إن كان يأمر بالمعروف؟ القبر مجيب، يعني كان هناك ملك يدافع عنك وينهى عن المنكر، فيقول القبر: إني أعيد عليه خضراء وسناء، ويعود جسمه نورًا، وتصعد روحه إلى رب العالمين.
وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته، الحفرة نفسها تكلمك فتقول: أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلم، وبيت الغربة، هذا ما أعددت لك يا ابن آدم، فماذا أعددت لي؟ وقال أبو الدرداء: لأخبركم بيوم فقري، ما هو يوم فقر؟
قال: «يوم أدخل قبري»، وكان جعفر الصادق يأتي القبور ليلاً ويقول: «يا أهل القبور، مالي إذا دعوتكم لا تجيبون؟»، ثم يقول: «حيل والله بينهم وبين الجواب»، وكأني أكون مثلهم وأدخل في جملتهم عما قريب، ثم يستقبل القبلة حتى طلوع الفجر.
وقال عمر بن عبد العزيز لبعض جلسائه: «يا فلان، لقد أرقت البارحة تفكراً في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره فقط لاستوحشت منه بعد طول الأنس، ولرأيت بيتاً تجول الهوام فيه ويجري فيه الصديد وتخرقه الديدان، ومع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك كله بعد حسن الهيئة في الدنيا وطيب الريح ونقاء الثوب»، ثم شهق شهقة فخر مغشياً عليه.
وقال بعض الحكماء: «أربعة أبحر: الموت بحر فيه الحياة والنفس، والشهوات بحر، والقبر بحر الندامات، وعفو الله بحر الخطيئات»، فنسأل الله العظيم أن يجعل القبر خير بيت نعمره ونسكنه، آمين.
واعلم أنه لو دخل شخص إلى المقابر المزخرفة ليميز السعيد من الشقي، ما علم هذا من هذا، وما يعلمه إلا علام الغيوب. بل قد يكون قبر من القبور قد درست أعلامه وقد بقي ممشى للدواء وصاحبه في أعلى الجنان، وقد يكون قبراً مزخرفاً وقد عُليت عليه القباب والبشخانات والحرير وصاحبه في نار جهنم.
بل نقول لو دخل الشيخ المقابر لم يميز قبر ذكر من أنثى، ولا شيخ من شاب، ولا حرة من عبد. فإذا كان هذا التمييز الذي يمكن للشخص العاقل أن يميز بين هؤلاء في الحياة الدنيا قد أُبِه علينا، فما هي إلا عبارة عن جماجم وعظام، تُعرف هي جمجمة ذكر ولا أنثى، ولا جمجمة صغير، كلها جماجم.
ومما روي أن الإسكندر المقدوني مر بمدينة قد ملكها عدة ملوك وبادوا، فقال الإسكندر: «أبقي من نسل أولئك الملوك أحد؟»، فقيل له: «ما بقي منهم إلا رجل واحد يأوي المقابر»، فدعا به، فلما أحضره قال له: «ما حملك على لزوم المقابر؟»، قال: «أردت أن أميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدت الكل سواء».
قال له الإسكندر: «هل لك أن تتبعني فأجيز لك بشرف آبائك إن كانت لك همة عظيمة؟»، أي أعطيك رواتب وأرفع منزلتك، فاستحسن الإسكندر عقل هذا الرجل فقال له: «إن لي همة عظيمة، بشرط إن كانت بغيتي عندك تبعتك»، قال: «وما بغيتك؟»، قال: «حياة، حياة تعطيني حياة لا موت فيها، ويرد شباباً ليس معه هرم، وغنى ليس معه فقر، وسكوناً ليس معه حزن».
فقال الإسكندر: «أليست ليس ذلك عندي ولا بيدي؟»، فقال: «أي خير أرجوه عندك إن لم يكن عندك هذه الأشياء؟ فامضِ لشأنك ودعني أطلب ذلك ممن يملكه وهو عنده»، ثم عاد الرجل إلى مكانه ولم يلتفت إلى الإسكندر.
وكان عطاء السليمي رحمه الله إذا جن الليل وخرج إلى المقبرة يقول: «يا أهل القبور، متم فما واوا موتاه، وعينتم أعمالكم فواعلاه»، ثم يقول: «غداً يكون عطاء في القبور»، فلا يزال ذلك دأبه حتى يصبح.
وقال سفيان الثوري: «من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من الجنة، وإن غفل عن ذكره وجده حفرة من النار». ومر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذكر القبر في الدنيا فأعانه ذلك على أن يجعل قبره روضة، ومن غفل عن القبر في الدنيا وتذكره تفاجأ بقبره أنه روضة أو حفرة.
ومر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمقابر فوقف عليها قليلاً فقال: «السلام عليكم أهل ديار المحلة والمآل المغفرة، أنتم لنا سلف ونحلكم تبع وبكم عن مقيل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز عنا وعنهم». طوب لمن ذكر المعاد وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى. ثم قال: «يا أهل القبور، أما الزوجات فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟»، ثم التفت إلى أصحابه فقال: «أما إنهم لو تكلموا لقالوا وجدنا خير ذات التقوى».
ويروى أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فرآه قد تغير من كثرة العبادة، فجعل يتعجب من تغير لونه واستحالة صفته، فقال له: «يا عمر يا ابن...»، فقال له عمر: «يا ابن أخي، وما يعجبك مني؟ فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث وقد خرجت الحدقتان فسألتا على الخدين، وتقطعت الشفتان، وتقلصت عن الأسنان، وخرج الصديد والدود من المنخرين والفم، وانتفخ البطن فعلى الصدر، لو رأيت إذ ذاك مني فهو أعجب مما رأيته الآن».
واعلم رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَنْ عَلِمَ مَصِيرَهُ إِلَى هَذِهِ الْحُفْرَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُحْجَةِ، لَمْ يُبَالِغْ فِي تَحْسِينِ ظَاهِرِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِمَا يَؤُولُ صَاحِبُهَا إِلَيْهِ مَعَ تَرَافَةِ جِسْمِهِ وَحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَلَبَنِهِ، فَإِنَّهُ عَنْ قَرِيبٍ سَيُطْرَحُ فِي حُفْرَةٍ تَتَقَطَّعُ فِيهَا أَوْصَالُهُ وَتَتَغَيَّرُ فِيهَا أَحْوَالُهُ، ثُمَّ يَنْتِنُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَفِرُّ مِنْ رَائِحَتِهِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ﴾.
إذا اطلع العبد بعين بصيرته وبصره إلى قبور المترفين من أهل الدنيا، رأى كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا أبداً في لذاتهم وطيب عيشهم، هم والله صرعى قد حلت بهم المولات، واستحكم فيهم البلاء، وأصابت الهوام أجسادهم، فأطبهم وأنعَمهم من كان قد أمن من عذاب الله؛ هذا أحسن واحد فيهم، راحت الملك، وذهبت الأموال، والسيارات، والقصور.
قال ثابت البناني: «دخلت المقابر، فلما أردت الخروج منها إذا أنا بصوت يقول: يا ثابت، لا يغرنك صمت أهلها، فكم من نفس معذبة فيها، والعياذ بالله».
وفي باب ذلك: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. قال أكثر المفسرين: هي كلمة التوحيد، وهي قول "لا إله إلا الله" في الحياة الدنيا قبل الموت، وفي الآخرة عند القبر. وذهب بعض المفسرين إلى أن "في الحياة الدنيا" في القبر عند السؤال، و"في الآخرة" عند البعث.
وصح عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾». وفي لفظ نزلت في عذاب...
القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبي محمد ﷺ، وذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27]. رواه البخاري ومسلم، ورواه أحمد مطولا وأهل السنن والمسانيد، ورواه الإمام أبو داود في سننه بأتم من هذا، من حديث البراء.
من حديث البراء أيضا ولفظه: قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يلحَد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه وقال: «أستعيذ بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا، وذكر صفة قبض الروح وعروجها إلى السماء، ثم عودتها إليه، إلى أن قال: «وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين».
حين يقال له: يا هذا، من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي يبعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فينادي منادي من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، قال: ويفسح له مد بصره.
أما الكافر فذكر موته وقال: تعود روحه إلى جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقول له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقال له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي منادي من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، وقال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه. ثم يقبض له أعمى وأبكم معه، يرزحه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبلا لصار ترابا، فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابا، ثم تعاد فيه الروح.
فقد اشتمل هذا الحديث على فوائد، منها أولا: التثبيت لأهل الإسلام والإيمان الذين آمنوا بالله وما جاء من عند الله وصدقوا به وآمنوا برسوله واتبعوه. ومنها: الإيمان بعذاب القبر وإعادة الروح إلى الجسد؛ لأنه قال: «فتعاد إليه روحه»، وغير ذلك من الأمور التي لا تحضرني كما سأذكرها مفصلة بعد إن شاء الله.
وعن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرعا نعالهم إذا انصرفوا، يأتيه ملكان فيقيدانه فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله بمقعد من الجنة». قال نبي الله ﷺ: «فيراهما جميعا»، أي مقعد من النار ومقعد من الجنه.
قال قتادة: وذكر لها أنه يفسح له في قبره سبعين ذراعا، ويملا عليه قدرا إلى يوم يبعثون. أما المنافق أو الكافر فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال له: لا دريت ولا دريت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يديه إلا الثقلين. رواه البخاري ومسلم.
وقد روي مثل هذا، حديث البراء وحديث أنس في قبض الروح والمسألة ونعيم صاحب القبر، من حديث أبي هريرة، وحذفه اليمان. وروى الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إن الميت إذا وضع في قبره إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان في الخيرات والصدقة والإحسان عند رجليه. فيأتياه من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، يعني لن اسمح لك أن تدخلي، ثم يأتي عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل شماله فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصلاة والصدقة والمعروف والإحسان: ما قبلي مدخل. فيقول: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أضاءت الغروب. فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقال: إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، رايتك هذا الرجل كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد به عليه؟ فيقول: محمد ﷺ، أشهد أنه رسول الله ﷺ جاء بالحق. فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك تموت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله. ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعده الله لك فيها، فيزداد غبطة مسرورا، ثم يفسح في قبره سبعون ذراعا، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدله، فيجعل نسمة في النسيم الطيب، وهي طير يعلق من شجر الجنة». فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27].
وذكر في الكافر ضد ذلك، إلى أن قال: يضيق عليه قبره إلى أن تختلف أضلاعه، فتلك المعيشة الضنك، التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]، يعني هذا جعل المعيشة الضنكة في القبر.
وروى مسلم في صحيحه أيضا من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فيصعدانها»، فذكر ريح طيبها وذكر المسك، قال: فيقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه. قال: «وإن الكافر إذا خرجت روحه»، وذكر نتنها وذكر اللعن، فيقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فرأيت رسول الله ﷺ يطيف ريحته كانت عليه إلى أنفه هكذا. وفي رواية أخرى فيقول: «عبدك فلان»، يعني مؤمن، فيقول: «ارجعوه فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى».
قال: إنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، وفي لفظ: فيأتيه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير، ففي الترمذي فيقولان، وفي غيره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ. فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمنين، فذلك حين يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾.
الذين آمنوا بالقول الثابت. فيقول له: صدقت، ثم يأتيه آتٍ حسن الوجه، طيب الريح، حسن الثياب، فيقول: أبشر بكرامة من الله ونعيم مقيم. فيقول: ومن أنت؟ فيبشره الله بخير من أنت، فيقول: أنا عملك الصالح، وكنت في طاعة الله سريعًا وفي معصيته بطيئًا، فجزاك الله خيرًا.
ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار، فيقول: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك به هذا. فإذا رأى ما في الجنة قال: ربي عجل قيام ساعتي كي ما أرجع إلى أهلي ومالي. فيقال له: اسكن، وفي لفظ: فيقال له نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله بمضجعه.
وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد، فتنزع روحه كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وينزع من العروق، فيلعنه كل ملك من السماء والأرض. وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج بروحه من قبلهم. فإذا عرج بروحه قالوا: ربي فلان عبدك، قال: ارجعوه، فإني عهدت إليهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فإنه لا يسمع خفقًا من أصحابه إذا ولوا عنه.
فيأتيه آتٍ فيقول: ما دينك؟ فيقول: لا أدري، فيقول: لا دريت ولا تليت. فيأتيه آتٍ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بهوان من الله وعذاب مقيم. فيقول: ومن أنت؟ فيبشره الله بالشر، من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت في طاعة الله بطيئًا وفي معصيته سريعًا، فجزاك الله شرًا.
ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. ثم يفتح له باب من النار ويمهد له من فرش النار.
روى الإمام أحمد، وروى أحمد وابن منده بإسناد حسن من حديث البراء أيضًا بأتمه مما تقدم من حديث أبي هريرة والبراء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنات، فتنا القبر فجلسنا، كان على أكتافنا فلق الصخر، وعلى رؤوسنا طير، فقال: «ارمِ قليلاً»، سكت، فلما رفع رأسه قال: «إن المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع في الدنيا وحضره ملك الموت، فجلس عند رأسه ونزلت عليه ملائكة معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة، فجلسوا منه مدى بصره».
ثم يقول ملك الموت: «أخرجي أيتها النفس الطيبة»، وفي رواية: «أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان». قال: فتخرج نفسه كما تسيل القطرة من السقاء. فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض إلا الثقلين. فيأخذها ملك الموت ولم يدعها في طرفة عين حتى يأخذها، فيجعلوها في ذلك الكفن، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.
فيصعدون بها إلى السماء، فيفتح له السماء ويشيعه مقربوها إلى السماء الثانية، وفي لفظ: فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ يقولون: فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا. فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، إلى العرش. فإذا انتهى إلى العرش قال الله عز وجل: «اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض»، وهي لفظ: «فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى».
فتعاد روحه إلى جسده، فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشفارهما، فيجلسانه ثم يقال له: يا هذا من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقول: صدقت. ثم يقال له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقول: إن صدقت. ثم يقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ، فيقول: إنك صدقت. ثم يفسع في قبره مد بصره، ويأتي رجل حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول: جزاك الله خيرًا، وفي لفظ: «أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد». فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: ربي أقم الساعة، أرجع إلى أهلي ومالي. ثم يفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى مقعده ومنزله فيها حتى تقوم الساعة.
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال الموت، نزل عليه من السماء ملائكة معهم كفن من نار، وفي لفظ: ملائكة سود الوجوه معهم المسوح. فيجلسون منه مدى بصره، وجاء ملك الموت فجلس عند رأسه فيقول: «أخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى غضب الله وسخطه». فتتفرغ روحه في جسده كراهية أن تخرج لما ترى وتعاين، فذكر خروجها كما تقدم، ونتن ريحها ووضعها، ولعن الملائكة لها، وغلق أبواب السماء دونها.
ثم قرأ ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾، فيقول الله عز وجل: «اكتبوا كتاب عبده في سجين في الأرض السفلى»، فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشفارهما، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، ثم يقولان: يا هذا من ربك؟ فيقول: لا أدري، فينادي من جانب القبر: لا دريت! فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها ما بين الخافقين لمات. ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه.
وروى أبو داوود أيضًا بطوله هذه الرواية، وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه، والنسائي وابن ماجه أوله، ورواه أبو عوانة يعقوب بن إسحاق. وأما ابن منده فرواه في كتاب الإيمان بطوله، قال: وهذا إسناد متصل مشهور.
البراءة، وقال غيره لم يسمع من البراء والله أعلم. وفي صحيح البخاري ومسلم، عن مالك بن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار»، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة. رواه، ورواه الإمام أحمد أيضًا في مسنده.
وليعلم أن النار والخضرة التي ورد ذكرهما في القبر كما تقدم ليست من نار الدنيا ولا الخضرة زرع الدنيا، وإنما هي من نار الآخرة ومن خضرها، قال: وهما أبلغ أشد من نار الدنيا وخضرها؛ فإن من قضى بعذابه فإنه يحمى عليه ذلك التراب وتلك الحجارة التي فوقه وتحته أو اللبن، حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا. ولو مس أهل الدنيا لم يحسوا بذلك ولم يروا إلا تراباً وحجارة ولبناً عادية، لكنها تكون محمأة على المدفون.
وقد يدفن شخصان، أحدهما إلى جنب صاحبه، هذا في حفرة من حفر النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، سبحان الله! لا حر هذا يصل إلى هذا، ولا نعيم هذا يصل إلى هذا، وقدرة الرب أوسع وأبلغ وأعجب من ذلك. وكل ذلك حتى يحصل للمؤمنين اجتهاد وخوف من الله ومراقبته في السر والعلانية، فينتج من ذلك مضاعفة الأجر العظيم والثواب الجزيل؛ لأن ما ذكرناه من الإيمان بالغيب، ويعلم المؤمن أن أمامه أهوال وعقبات.
وإن كان مما غاب، فقد يطلع الله بعض خلقه على من يشاء من عجائب قدرته؛ كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع». يعني لولا أن يصبح عندكم خوف من القبر فتصبح أمواتكم، لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر؛ لأنه بلاش تبطلوا وتخافوا تدفنوا موتاكم. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال: «ما يعذبان!».
قال العلامة ابن القيم في كتاب الروح: حدثنا صاحبنا أبو عبد الله بن الوزير الحراني أنه خرج من داره بعد العصر في منطقة أمد إلى بستان، فلما كان قبل الغروب توسط القبور، فإذا بقبر منها يخرج منه جمر نار مثل كور الزجاج والميت في وسطه. قال: فجعلت أمسح عيني وأقول: أنا نائم أم يقظان؟ هو يتعجب، يعني يقول: أنا نائم أم يقظان؟ معقول في قبر زي كذا! ثم التفت فإذا بسير المدينة، قلت: والله ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل من شدة الفزع. ثم دخلت البلد فسألت عن صاحب ذلك القبر، فقالوا: رجل مكاس، توفي رجل كان يأخذ الضرائب من الناس بغير وجه حق، فإذا به توفي في ذلك اليوم. انتهى ما ذكره.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، أو وكتاب المنامات من هذا النوع شيئاً كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين في الخير والشر، فمن رام المطالعة فليطلب ذلك في موضعه. ومما ذكر مرفوعاً أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مررت ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض فيضرب رجل بمِع حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة».
فصل في البرزخ: قال الله تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100]. فالبرزخ اسم لما بين الدنيا والآخرة، وهذه الآية دالة عليه. وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وعذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه. فجعل الله سبحانه وتعالى الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فجعل لكل دار أحكاماً تختص بها.
وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها؛ ولهذا جعل الله تعالى الأحكام الشرعية على ما يظهر من حركات الإنسان والجوارح، وإن كان في النفس خلاف ما ظهر منها. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها؛ فكما تبعث الأرواح والأبدان في أحكام الدنيا في نعيمها وعذابها، تبعت الأبدان والأرواح في نعيم وعذاب البرزخ.
فالأرواح في البرزخ هي المباشرة للنعيم والعذاب، ثم يسري إلى أبدانها كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان. كما أنه في الدنيا كانت الأبدان هي محط النعيم والعذاب ويسري النعيم إلى الأرواح؛ فالأبدان في الدنيا ظاهرة والأرواح خفية، وفي البرزخ الأرواح هي الظاهرة والأبدان هي الخفية. وإذا أردت أن تعلم ذلك فخذ في نوم الشخص في الدنيا؛ فإنه ينعم في حال نومه أو يعذب، تلاقي يحلم حلماً جميلاً أو حلماً سيئاً، فيجري على روحه أصلاً ذلك النعيم والبدن تبع له، وهذا في النوم، وقد يقع التأثير على البدن أثناء النوم حتى يشاهد، والله أعلم.
وقد أخبرني الشيخ نصير المقدسي، وكان من صلحاء أهل مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي، قال لي: ثلاث ليالٍ أرى في النوم كأن أناساً يستعملونني بالفاعل، ويقول بالفاعل -وهذه كلمة دمشقية تعني في الأعمال الشاقة- وأخاف منهم خوفاً شديداً، فأعمل، ثم أصبح في هذا اليوم... يعني يقول لك كنت نائماً وأنا نائم شو بعلم أنه في واحد عم يشغلي طورية وحراثة وتعب، وفعلاً لما أصحى من النوم ألاقي يدي عليها طفح جلدي، من كثر العمل عليها طلافيح من شدة العمل، فاستغرب، فنظر إلى يدي فإذا بكفيه شلافيط كبار، يعني زي ما قلنا حبات مجموعة مي. قال: فكان ينزل الفجر على المسجد يقرأ الناس، فامتنع من النزول في هذه الأيام الثلاث من شدة ما أيديه منتفخة من حلم رآه في نومه. فقلت: فأرشدته إلى أن يذكر الله عند نومه، لعله لذكر معين لعله أن يصرف عنه ما يجد. ربما قص علي منامات لبعض الناس أنه...
كان يرى أنه يأكل أو يشرب فيستيقظ في الليل وهو يجد أثر الطعام والشراب فيه، وأعجم من ذلك أنك ترى النائم يقوم في حال نومه -بتعرف هيك زي الأفلام- ويصير يبطش ويضرب في الهواء أو يدافع عن نفسه، وربما صرخ بأعلى صوته كأنه يقظ، مع أنه لا شعور له بشيء من ذلك لأن الروح استعانت بالبدن، فالبدن تابع للحلم؛ لو دخلت الروح في البدن مباشرة لاستيقظ.
فإذا كان هذا النوم وهو شيء نراه، فما بالك في القبر؟ يعني كيف يتعجب من حال القبر! واعلم وينبغي للعبد إذا تفكر بصرته وعلم إلى هذه الحفرة، وما أعد له فيها، أن يجتهد في العبادة ويكثر من الأعمال الصالحات، ويعلم أن عمله يعرض على أقاربه من الأموات كما ورد من الخبر.
من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً فاستبشروا، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا». رواه الإمام أحمد في مسنده. وروى ابن أبي شيبة بإسناد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تفضحوا موتاكم بسيئة أعمالكم، فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور».
وكان أبو الدرداء يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملاً وآخذ به عند عبد الله بن رواحة». فنعوذ بالله من الافتضاح بين الأقارب الصلحاء، أهل طاعة الله تعالى، ثم نعوذ بالله من الافتضاح غداً بين يدي أحكم الحاكمين على رؤوس الخلائق.
بل نسأل الله تعالى التوفيق لمن يحبه ويرضاه. قال مجاهد: "إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده لتقر بذلك عينه". نعم، حتى لو أنت في القبر إذا ابنك الصالح عمل معروفاً أو عملاً خيراً، تصلك البشارة وأنت في قبرك: "إنه والله ابنك فلان تخرج من معهد علمي شرعي، ابنك فلان حفظ القرآن، ابنك فلان كذا".
وأما تلقين الصغار، فقد قال الإمام أبو عمر: "أما تلقين الطفل الرضيع فما له مستند يعتمد عليه، والله أعلم". وقال رحمه الله: "الصواب أنه لا يلقن صغير، سواء كان رضيعاً أو أكبر منه ما لم يبلغ إذ يصير مكلفاً، والله أعلم".
وقال العلامة في المغني: "التلقين بعد الدفن". إنما هنا ربما يتكلم عن التلقين بعد الدفن، إذا كان يتكلم عن التلقين بعد الدفن، هو أن يوقف عند قبره ويقول: يا فلان قل لا إله إلا الله ثلاثاً، يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد ﷺ. هذا اسمه التلقين بعد الدفن، طبعاً البعض يكرهه ويعتبره بدعة، ولكن مذهبنا لا إشكال فيه، ويرى أن هناك أحاديث وإن كانت ضعيفة لكنها تفيد الأعمال إن شاء الله.
وقال: "ولا أعلم فيه للأئمة قولاً سوى ما رواه الأثر". وقال: "قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف رجل ويقول يا فلان يا فلان ابن فلانة...". الحث المشهور، قال: "ما رأيت أحداً يفعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذلك ثم قال بعد كلام".
وقال القاضي أبو الخطاب: "يستحب ذلك"، ورواية فيه عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب، فليقم أحدكم عند رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة الثانية فيستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، أرشدنا يرحمك الله».
ولكن لا تسمعون، فيقول: "اذكر ما أذكر؛ ما خرجت عليه من الدنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ بيد صاحبه، كل واحد منهما يقول: انطلق، فما يقعدنا عند هذا وأخذنا حجته، ويكون الله حجيجه دونهما".
فقال: "أرجو يا رسول الله فإن لم يعرف اسم أمه؟" قال: «يا فلان ابن فلانة، فلينسبه إلى حواء؛ يا فلان ابن حواء». ما هو يا فلان ابن فلانة، إذا كنت تعرف اسم أمه، طيب ما تعرفش اسم أمه خلص، تنسبه إلى حواء وهي أم الجميع.
قال: "فصل ومن غرائب ما ذكره أبو محمد بن حزم في كتابه في المحلى، قال: وأما من ظن أن الميت..."، لكن هنا غريب؛ لماذا لا ينسب إلى أبيه؟ يعني في هذا المقام مش الأصل ينسب إلى أبيه، ولماذا هنا يا فلان ابن فلانة؟ هل هي ربما من باب الضعف في أحواله؟ الله أعلم تحتاج إلى نظر.
قال: "وأما من ظن أن الميت يحيا في قبره يوم القيامة فخطأ، لأن الآيات التي ذكرناها تمنع من ذلك". وقد كان قد ذكر قبل ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11]، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28].
وأما من ظن أن الميت يحيا في قبره قبل يوم القيامة، أظنها تحتاج إلى نظر، لأن مسألة... انظر النسخة التي أخرى، ممكن حتى أقول قبل، يعني عبارة زي كذا، هو يحيى في قبره يوم القيامة، في هيك شوية مش مشكلة الليل طويل.
ثم قال: "ولو كان الميت يحيى في قبره لكان تعالى أماتنا ثلاثاً، وهذا باطل وخلاف القرآن". وإلا فهذا رأي ابن حزم؛ ابن حزم يرى أن الميت لا تعاد روحه إلى جسده في القبر، لأن إعادة روحه إلى جسده في القبر هي حياة. ويقول ابن حزم: الله عز وجل يقول: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، فإذا كان سيحيا في القبر بإعادة روحه إلى جسده صار كم حياة له؟ حياته في الدنيا، وحياته في القبر، وحياته يوم القيامة، والقرآن يقول: ﴿أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾. فمن هنا ابن حزم يرى أن الميت لا تعاد روحه إلى بدنه في القبر، هذا وجهه، وهذا غير صحيح؛ الذي ذكره يخالف النص لأنه مر معنا النص قبل قليل، فتعاد روحه في جسده.
البراء بن عازب لما يسأله منكر ونكير، فكلام ابن حزم ليس بدقيق هنا. في كلمة «قبل» لازم تكون موجودة إذا في النسخة.
قال: «ألا من أحياه الله آية من الأنبياء»، فصح بنص القرآن أن أرواح سائر من ذكرنا لا ترجع إلى أجسادها إلا إلى أجل مسمى يوم القيامة، وأخبر يوم بدر إذ خاطب الموتى أنهم قد سمعوا قوله قبل أن يكون لهم قبور، ولم ينكر على الصحابة قولهم: «يا رسول الله، كيف تسمعهم؟» قال: «واعلموا أنهم سامعون».
مع ذلك، فصح أن الخطاب وإسماع لأرواحهم فقط بلا شك، وإنما الجسد، أما الجسد فلا، كلام ابن حزم. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [الروم: 52]، فنفس عن من في القبور وهي أجساد، ولم يأتِ خبر صحيح عن رسول الله ﷺ في ذلك.
صحيح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسادهم عند المسألة، هنا أخطأ ابن حزم لما قال: «ولم يرد عن رسول الله ﷺ خبر صحيح أن أرواح الموتى ترد إلى أجسامهم عند المسألة»، والحديث -حديث البراء بن عازب- هو في صحيح البخاري ومسلم، فهنا أخطأ ابن حزم خطأ واضحًا في هذا الكلام.
قال: «ولو صح ذلك عنه لقلنا به، وإنما هذه رواية شاذة عن منهال بن عمرو وحده وليس بالقوي، تركه شعبة وغيره، وقال جماعة من الحفاظ ما جازت للمنهال شهادة، الإسلام شهادة قط»، انتهى كلامه.
فهذا مضمون ما ذكره، ومن اطلع على ما قدمته من الأحاديث وآمن بها وصدقها فليحمد الله تعالى على التوفيق لذلك؛ فإنه لو لم تكن هذه الأحاديث لكان إجماع الناس من أمة محمد ﷺ على إعادة الروح في الجسد لأجل المسألة، كيف وقد صح عن النبي ﷺ؟ بل قد كفانا الرسول ﷺ أمر هذه المسألة وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه.
هناك مشكلة في النص، أكمل هذا النص: «حيث صرح بإعادة الروح إليه»، من يأتي برد على ابن حزم يقول: «كيف تحكي أنه لا يعاد الروح للجسد والنبي ﷺ حسب المسألة، ونص في حديث البراء بن عازب -وهو حديث متفق على صحته- فإعادة روحه إلى الجسد»، قال: «حيث صرح بإعادة الروح إليه إلى الجسد». فهذه كلمة فيها مشكلة هنا أظن.
فجواب ابن حزم مردود بالنصوص الصريحة، دعك من كلام ابن حزم، قضية أن الروح لا تعاد إلى الجسد في القبر هذا كلام غير صحيح، وقوله ﷺ: «فتعاد روحه في جسده». بل لو قيل إن هذا إجماع الأمة، وأنهم تلقوه بالقبول، وأنهم مجمعون على من رد ذلك وأنكره أنه مخطئ -أمثالك يا ابن حزم- لكان هذا الكلام أحرى أن يكون صوابًا، وأن تصديق ذلك من الإيمان بالبعث، يعني لازم تصدق بأن الروح تعاد إلى الجسد.
النص تقريبًا سطر محذوف من عندنا، هو الكلام: «حيث صرح بإعادة الروح إليه، وما كان يليق بأبي محمد بن حزم أن يجازف هذه المجازفة وأن يقول القول بهذا خطأ». هذا معناه أن ابن المنبجي بشكل صريح يخطئ ابن حزم، ويعتبر أن هذه من شذوذات ابن حزم رحمه الله عليه.
قال: «فجوابه مردود بالنصوص الصريحة المتقدم ذكرها، وهو قوله ﷺ: فتعاد روحه في جسده». ولكن إن أراد ابن حزم أن الميت لا يحيا في قبره الحياة المعهودة في الدنيا، التي يقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه ويحتاج معها إلى طعام وشراب ولباس، فهذا من باب الاعتذار لابن حزم، فهذا صحيح يشهد العقل بصحته، وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة.
قال: «وإن أراد به حياة أخرى غير هذه الحياة، بل تعاد الروح إليه غير الإعادة المألوفة في الدنيا لأجل المسألة والامتحان كما وردت بذلك النصوص الصحيحة». فهذا حق، ونفيه هو لذلك خطأ، بل نفيه باطل قادح فيمن نفى؛ يعني نفيك لعودة الروح إلى الجسد في القبر للامتحان هذا يقضح فيك، بل لأنك خالفت الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها.
بل ورد في سن أبي داود مرفوعًا عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام». وهذه فقط في مسألة رد السلام، فهذه إعادة الروح إلى الجسد أيضًا، وفي حديث آخر إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا فقط لأجل رد السلام، وهذا الحديث حسنه كثير من أهل العلم.
إنه إذا مررت بقبر أخيك فسلمت عليه الله يرد إليه روحه إلى بدنه ليرد عليك السلام، بل سلم على الميت في الليل والنهار مرارًا تعاد إليه روحه مرارًا، ولا يلزم من ذلك أنه سيعيش في القبر الحياة المعروفة في الدنيا.
وقول ابن حزم إن الحديث لا يصح لتفرد المنهال بن عمرو، فهذه مجازفة من ابن حزم؛ فإن المنهال الأسدي يروي عن ابن عُبَيْش، قال يحيى بن معين: «هو ثقة»، ونهاية ما قيل فيه قال أحمد: «تركه شعبة». هذا مضمون ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي في «المنتظم» في الكلام عن الرجال، ولم يذكر أن أحدًا رد شهادة المنهال بن عمرو كما زعم ابن حزم، والحديث الصحيح لا شك فيه وقد رواه عن البراء بن عازب جماعة غير المنهال، منهم عدي بن ثابت ومحمد بن عقبة ومجاهد.
قال العلامة ابن القيم: «الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام، أول تعلق تعلقها بك في بطن الأم وأنت في بطن...»
ثانياً: تعلقها بك بعد خروجك إلى وجه الارتداد؛ إذا تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه.
رابعاً: تعلقها به أي بالجسد في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارق فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه، بل تعاد إليه وقت المسألة، وقت ما يجيء يسألك منكر ونكير، وترد إليه أيضاً وقت سلام المسلم عليه كما مر معنا في الحديث السابق، وهذا الرد إعادته خاصة لا توجب إعادة البدن قبل القيامة، وإنها حياة كاملة.
خامساً: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل التعلقات ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق البته؛ لأنه تعلق أبدي سرمدي لا ينتهي، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً، والله أعلم.
هذا كلام ابن القيم، فهذا العلامة ابن القيم قد كفانا مؤنة الرد على ابن حزم بلا تكلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «حديث الصحيحة المتواترة تدل على عودة الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح هذا قول طائفة من الناس». وفي ناس بالعكس عكس ابن حزم تماماً، راحوا على الجهة الأخرى قالوا: السؤال للبدن والروح ليس لها علاقة بذلك، وقالوا: وسؤال البدن بلا روح قول طائفة من الناس، وأنكره الجمهور، وقابلهم آخرون كأمثال ابن حزم فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا ما قاله ابن مسرة وابن حزم وكلاهما غلط. والأحاديث الصحيحة أن سؤال منكر ونكير يكون عند عودة الروح إلى الجسد.
أين محل الأرواح؟ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. وقال الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: 72]. وقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: 93]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح». وأما قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: 17]. ويقوم الروح والملائكة صفا يوم يقوم الروح.
هل هو جبريل أو ملك آخر فيه خلاف للمفسرين؟ من هو الروح؟ هل هو جبريل ولا ملك آخر؟ والمشهور أنه جبريل.
أما كلام العلماء في هذا فقد أفاض الناس فيه شيئاً كثيراً، لكن على غير هذا الترتيب، فنذكر نبذة يسيرة جامعة لكلام غالب العلماء في مستقر الأرواح بعد الموت إلى أن تقوم الساعة: هل هي في السماء أم في الأرض؟ وهل هي في الجنة أم في النار؟ وهل تنعم في أجسادها وتعذب، أم توضع في أجساد غير أجسادها، أم تكون مجردة، أو تعدم بالكلية فلا يبقى لها وجود أصلاً؟ فقد نقلوا عن العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً متبايناً، وذهب كل طائفة إلى قول نصرته ورجحته على غيره.
﴿وَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 213]. وهذه المسألة إنما تعرف من جهة الشرع بالسمع، هذه مسألة ليست عقلية اجتهادية، أين مقر الأرواح؟ هذه مسألة شرعية خبرية.
فمن العلماء من ذهب إلى أن أرواح المؤمنين والشهداء في الجنة، كلهم المؤمنين بشرط ألا يحبسهم عن الجنة ذنب عظيم كمظالم العباد والديون، فإذا كانوا خالين من ذلك تلقاهم ربهم بالعفو والرحمة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. ومن ذهب إلى هذا القول أبو هريرة وعبد الله بن عمر وجماعة من السلف. وقال أحمد في رواية ابن عبد الله: «إن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار».
ذهبت طائفة إلى أن أرواح المسلمين تكون في الجنة على أبواب الجنة، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. وقال ابن منده وقال طائفة من أصحابه والتابعين: أرواح المؤمنين عند الله فقط، ولم يزيدوا أين هي عند الله، ما دخلوا في التفصيل. ثم قال: وقد روي عن جماعة من الصحابة أن أرواح المؤمنين بالجابية في الشام، أن أرواح المؤمنين في الجابية وأن أرواح الكفار في اليمن في بئر برهوت.
وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. هذا رأي آخر تفصيل لابن عبد البر، أن أرواح الشهداء بالتحديد في الجنة في حواضِر طير خضر، وأما أرواح عامة المؤمنين فهي على جانب قبورهم في الدنيا. وذكر ابن المبارك أيضاً قولاً آخر، أن أرواح المؤمنين كلهم في الجنة يأكلون من ثمارها، وهذا هو القول الأول أصلاً. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة تذهب حيث شاءت، وهذا يدل على أن المسألة من المسائل الظنية؛ مسألة أين الأرواح حقيقة ليست مسألة قطعية، وإنما فيها مجال باجتهاد في النص، ليس اجتهاداً عقلياً لأنه لا يوجد نص صريح قاطع في هذه المسألة.
وقال صفوان بن عمر: سألت عامر بن عبد الله: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ قال: إن الأرض التي يقول الله فيها: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، قال: هي الأرض التي تشتم فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث، قال: هي الأرض التي يرثها الله المؤمنين في الدنيا، والله أعلم أين هي. وقال كعب الأحبار: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة. وعن أبي هريرة: «أرواح الأبرار في عليين وأرواح الفجار في سجين». فأين عليين وأين سجين؟ برضه هذه من الأشياء التي فيها خلاف.
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن أرواح المؤمنين في بئر زمزم، ولم أطلع على دليل يدل على هذا، ثم قال أرباب هذا القول، وأرواح الكفار في بئر برهوت في اليمن. وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين تذهب حيث شاءت، يعني ليس لها مكان معين، معها مساحة، تكون في أفنية قبورهم، تطلع للسماء السابعة، تدخل الجنة، ليس لها مكان معين.
وذهبت طائفة، وكما قال مالك وقد تقدم، أن أرواح الكفار في سجين. وذهب جماعة من العلماء إلى أن أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، ومنهم من ذهب من أهل السنة والجماعة إلى أن أرواح المؤمنين والكفار في القبور، وتتعذب في القبر إلى يوم القيامة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، وأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ولهذا نهى عن الجلوس على القبر وأمر بالسلام عليهم؛ لأن أرواح المؤمنين عند أفنية قبورهم، فنُهي عن الجلوس على القبر كأنك تجلس على روح مؤمن. هذه مثلاً يمكن ينظر إليها إذا مات أحدهم: «عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار»، يقال: هذا مقعدك.
وذهب ثمرة من العلماء إلى أن محل الأرواح مستقرها في السماء الدنيا كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أنه امرأة، أُسري به في السماء الدنيا، آدم عليه السلام، وعن يمينه أرواح أهل السعادة، وعن شماله أرواح أهل الشقاء، لكن برضه هذا احتمال ظني أن هذا هو المراد.
ومن هذا الباب ما ثبت في البخاري من حديث سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا إلى أن قال فيه: «فأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يود على الفطرة»، قيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين أيضًا يكونون حوله»، وفي رواية له وللشيخ: «في أصل الشجرة إبراهيم والصبيان حوله أولاد الناس». فهذا الحديث ليس هو عامًا في جميع الأرواح، وإنما هو خاص بأرواح الصغار فقط أنها تكون حول إبراهيم عليه السلام، وما رأيت أحدًا ذهب إلى التفرقة بين أرواح الصغار والكبار لهذا الحديث، ولا أعلم أحدًا قال به.
وبالتالي يرى المنبجي أن هذه المسألة مشكلة، لذلك لم يجزم فيها برأي؛ المنبجي ذكر الأقوال دون أن يرجح، لأن المسألة من المسائل فعلاً الترجيح فيها صعب. وفي الإشارة إلى الدليل، وقد أشرنا إلى بعضه فيما تقدم، ولو ذكرنا كل قول وحجج كل قول لطال الكتاب وخرج عن موضوعه، وأصلًا كتاب طال، فما بالك لو ذكرنا عِلة كل قول؟ ولكن نذكر ما يسره الله تعالى من الأحاديث.
منها ما ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود، كما وقع في نسخ معتمدة، وقع في بعض النسخ "عبد الله بن" فقط دون كلمة "ابن مسعود"، فمن الحفاظ من يقول إن عبد الله ليس هو ابن مسعود هنا بل هو عبد الله بن عمرو، ومنهم من يقول بل هو ابن مسعود، والله أعلم بالصواب. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشهداء بالتحديد: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى القناديل».
وفي حديث قتادة لفظ غريب: «أن أرواح المؤمنين في صورة طير بيض»، وإن كان المشهور أن أرواح الشهداء. قال القاضي عياض: في هذا الحديث ذكر أرواح الشهداء، وفي حديث مالك: «إنما نسمة المؤمن»، لم يذكر الشهداء، ذكر عمومًا، والنسمة تطلق على ذات الإنسان جسمًا وروحًا، وتطلق على الروح مفردة، وهو المراد بها في هذا الحديث، النسمة هي الروح فقط في هذا الحديث. وفي الحديث دلالة على أن المراد بها الروح قطعًا، فإنه قال: "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم القيامة". ولكن تارة في هذا الحديث ذكر نسمة المؤمن، وفي لفظ آخر أرواح الشهداء، فبالتالي حصل تردد بين العلماء، منهم من رجح هذه اللفظة، ومنهم من رجح هذه اللفظة.
وقد ورد في حديث ابن عمر أن غير الشهداء إنما يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشي وهو في القبر، ورد النظر كما ورد النظر في قوله تعالى في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46]. قال القاضي عياض في موضع آخر: وقيل المراد جميع أرواح المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلون الآن بدليل عموم الحديث، بخلاف المؤمنين الذين سيرحلون ليعذبوا في النار ثم يخرجون، فهؤلاء لا تكون أرواحهم في الجنة، هذا مقتضى كلامه.
وقد ورد بلفظ آخر في صحيح مسلم: «أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها»، ليس فيه ذكر أجواف طير، وإنما في حواصل طير. وهذه أخبار منه صلى الله عليه وسلم، أي عن الشهداء المؤمنين بالتحديد.
ابن منده عن إسماعيل بن طلحة عن عبد الله: "أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام -الذي هو الصحابي الجليل عبد الله- فسمع جابر، فسمعت قراءة من قبل ما سمعت أحسن منها، فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ذاك عبد الله بن حرام، ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة؟ فإن كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك، حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانهم التي كانت في الجنة".
وأخبر سبحانه عن أرواح قوم فرعون أنها تُعرض على النار غدواً وعشياً قبل يوم القيامة، وليس للعقول في هذا المجال أنه سبحانه يتصرف فيها كيف شاء، وغير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائرًا، أو يجعل في جوف طائر، أو في حواصل طائر، أو في قناديل معلقة بالعرش.
قال العلامة ابن القيم: "وهذه حياة أرواحهم رزقها، والأبدان قد تمزقت. وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحياة بأن أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم طلعت، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا. يفعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يسألوا قالوا: نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا. إن الله لن يتركهم حتى يسألوا شيئًا، قالوا: نريد أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا حتى نختلف في ذلك مرة أخرى".
قال: وصح عنه صلى الله عليه وسلم الحديث من غير وجه، وفي بعض الألفاظ "تعلق من ثمر الجنة وتعلق"، قال: "وتعلق" بضم اللام، تأكل العلقة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تجد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم وماكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال له فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله على رسوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]". رواه الإمام أحمد، ولا أعلم أحدًا ذهب إلى أن هذا النعيم المذكور مختص بالذين قتلوا في أحد، والله أعلم.
فصل: ذهب ابن حزم وجماعة إلى أن مستقر الأرواح حيث كانت قبل خلق أجسادها. قال ابن حزم: "غريب أن الأرواح مستقرها الآن قبل خلق الأجساد"، يعني أين كانت الأرواح قبل خلق الأجساد؟ هو الآن مكانها بعد موت الأجساد. هنا سيُطرح سؤال بعد قليل: هل الأرواح خلقت قبل الأجساد؟ وهذا غلط؛ الأرواح وُجدت بعد الجسد، بدليل حديث ابن مسعود: "أن أحدكم يُجمع خلقه ثم بعد ذلك يُنفخ فيه الروح". فقول ابن حزم مبني على أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد، وكانت موجودة ثم لما يفنى الجسد تعود الروح إلى مكانها الذي كانت عليه قبل أن ترتبط بالجسد، لكن هذا قول مشكل حقيقة.
قال ابن حزم: «وهذا الذي أخبر الله تعالى به نبيه ﷺ لا يتعده، هو البرهان واضح»، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: 172]. لكن هذا لا يدل على أن الأرواح كانت مخلوقة، هو استدلاله بالآيات هنا غير دقيق.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ففهم ابن حزم "خلقناكم" يعني خلقنا أرواحكم، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، ففهم ابن حزم أيضًا أن كل الأرواح كانت مخلوقة قبل بدء خلق الأجساد، لكن كل هذا الفهم غير صحيح. فصح أن الأرواح خلقها الله جملة كلها، ثم بدأ خلق آدم وما بعده والأرواح وكذلك.
أخبر النبي ﷺ أن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها يرى ابن حزم ما تعارف منها تخلق الأبدان، يعني له استنباطات غريبة. وأخذ الله شهادته بالربوبية وهي مخلوقة مصورة عاقلة قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب وماء، ثم أُخِّرت حيث شاء وهو البرزخ.
ثم أُخِّرت، ولا كلمة قد تكون أخرى، ثم لا يزال يبعث منها الجملة بعد الجملة فينفخها في الأجساد المتولدة من المني، يعني كأن الأرواح محبوسة في مكان، كل ما خُلق جسد تجيه الروح الخاصة به، إلى أن قال ابن حزم: «إن صح أن الأرواح أجساد كاملة لأعراضها من التعارف والتناكر، وأنها عارفة مميزة، فإذا توفاها الله رجعت إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول الله ﷺ ليلة أُسري به عند السماء الدنيا؛ أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاء عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر».
وين منقطع العناصر؟ برضه بالنسبة لنا كلام شوي غير مفهوم. وتعجل أرواح الأنبياء والشهداء إلى الجنة، هذا رأي ابن حزم أنه هؤلاء الوحيدون تدخل أرواحهم الجنة. ثم قال: «وقد ذكر محمد بن نصر المروزي هذا الذي ذكرنا بعينه، ثم قال: على هذا أجمع أهل العلم، وهذا غريب»، وذكر الأدلة على ذلك ولم يذكر خلافًا، وقد تقدم ذكر الخلاف على ذلك.
وما ذكره ابن حزم ينبني على أصل، وهو: هل الأرواح فعلاً خلقت قبل الأجساد أو الأجساد خلقت قبل الأرواح؟ فهذه الناس فيها على قولين حكاهما ابن تيمية؛ أحدهما ما حكاه واختاره ابن حزم، وهو ما ذكره محمد بن نصر المروزي، وقد تقدم وذكرنا ما استدل به أن الأرواح خلقت قبل الأجساد. والقول الثاني، وعليه عامة السلف والخلف، أن الأجساد خلقها الله متقدمة على الأرواح، ثم خلقت الأرواح، والأدلة متظاهرة من وجوه عديدة ليس هذا محل ذكرها.
فخلق أبي البشر آدم الذي هو أصل الناس هكذا، فإن الله أرسل جبريل فقبض قبضة من الأرض، ثم خمرها حتى صارت طينًا، ثم صلصال كالفخار كما قال في القرآن، ثم نفخ فيه الروح بعد ذلك. وهذه قصة مشهورة قد وردت من عدة طرق تدل على أن الله نفخ الروح في آدم بعد أن خلق جسده. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه...» الحديث.
ومن الممتنع أن تكون الروح حية عالمة ناطقة عارفة بربها وهي بين ملا من الأرواح تنتقل إلى هذا البدن، ولا تشعر بحالها الأول، وإن كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما كانت عليه، مع أنها التبست بالبدن أمور عاقها عن كثير من أحوالها، فلن تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى.
ما معنى هذا الكلام؟ يقول: الروح بعد أن تفارق البدن بعد الموت، هل هذه الروح تبقى متذكرة لما كانت عليه في الدنيا؟ نعم، ويبقى الإنسان متأسفًا على ما فات. طيب الروح هذه لماذا -إذا كان كلامك صح يا ابن حزم وأن الروح مخلوقة قبل البدن- ليش ولا واحد فينا متذكر وين كنا قبل ما تأتي أبداننا؟
إذا كانت الروح بعد أن تفنى الأبدان تتذكر، فماذا يحدث؟ فحري بهذه الروح قبل أن تترطق بالمعاصي والذنوب أن تتذكر ماذا كان في زمن آدم، وين كنا جنب سيدنا آدم؟ عن يمينه وعن شماله؟ فهذا كله إذاً مجرد تحليل من ابن حزم لكنه غير صحيح. واستدلاله بقوله: «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها اختلف وما تناكر منها اختلف».
فمن العلماء كابن حزم ومحمد بن نصر المروزي يقول: الأرواح مجموعة أو مجتمعة وأنواع مختلفة، فهي خلقت مجتمعة ثم فرقت في أجسادها، فمن وافقه نسيمه ألفه ومن باعده نافره وخالفه. وقال الخطابي وغيره: «وما خلقه الله عليه من السعادة والشقاوة في المبتدأ، فالأرواح قسمان متقابلان، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفوا واختلفوا بحسب ما خلقت عليه، فيمين الأخيار إلى صحبة الأخيار، ويمين الأشرار إلى صحبة الأشرار» انتهى كلامه.
ومن هذا الباب: «ما احتج آدم وموسى»، قال الحسن: معناه التقت أرواحهما في السماء فوقع الحجاج بينهما. قال القاضي عياض: «ويحتمل أنه على ظاهره، وأنه لا...». كيف احتج آدم وموسى؟ مش صار حجاج بينهم؟ يعني التقت أرواح آدم مع روح موسى فوقع الحجاج بينهما؟ قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وأنه اجتمع لا روحًا وبدنًا، بس هذا أظنه شوي بعيد. وقد ثبت في حديث الإسراء أن النبي ﷺ اجتمع بالأنبياء صلوات الله وسلام عليه أجمعين في السماوات وفي بيت المقدس وصلى بهم، فقال: «فلا يبعد أن الله أحياهم». وقال: «ويحتمل أن قصة موسى جرت في حياة موسى وأنه سأل أن يريه آدم فحاجّه»، والله أعلم.
فصل: وهل كل الأرواح مخلوقة محدثة كائنة بعد أن لم تكن، أم هي قديمة؟ هناك قول فاسد رذل يقول إن الأرواح قديمة، يقول بقدم الأرواح؛ مش في ناس بتحكي بقدم العالم وفي ناس بتحكي بقدم الأرواح؟ وهؤلاء بعض الروافض يقولون بقدم الأرواح باعتبار أن الروح هي جزء من ذات الله. كيف النصارى بيحكوا أن المسيح نفخ الله فيه روح أن هذه روح من ذات الله؟ النا بعض أهل الفساد يعتقدون أن الروح البشرية هي جزء من ذات الله، فإذا كان الله قديمًا فالروح جزء منه فهي قديمة، لكن هذا قول فاسد.
قال: وهل الأرواح مخلوقة محدثة كائنة بعد أن لم تكن، أم هي قديمة وهي من أمر الله تعالى؟ ولا يكون أمر الله مخلوقًا ولا محدثًا، لأن بعض الناس يقول لك الروح من أمر الله، وأمر الله لا يكون مخلوقًا ولا محدثًا، وقد أخبر أنه نفخ في آدم من روحه، فهذه الإضافة إليه.
هل تدل إضافة الروح إلى الله على أن الروح قديمة وأنها من الله أم لا، وما حقيقة هذه الإضافة؟
قال ابن القيم: نعم، وهذه المسألة زل فيها عالم، وظل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين. فاجتمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على أن الروح محدثة، مخلوقة، مصنوعة، مبرودة، مدبرة. هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أن للعالم حادثًا، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق، وأن كل ما سواه مخلوق له.
فمن قصّر فهمه في الكتاب والسنة، زعم أنها قديمة غير مخلوقة. قال: واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق، وبأنها أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وحياته وقدرته، فهي صفة من صفات الله. قد وقف في ذلك آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.
وقال حذيفة بن اليمان لما سئل عن الأرواح هل هي مخلوقة أم لا؟ فقال: إن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح وحل من النفس. فقال بعضهم: الأرواح كلها مخلوقة، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر، واستدل بقول النبي ﷺ: «الأرواح جنود مجندة»، فما عرفنا تلف الحديث، والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة. وقال بعضهم: الأرواح من أمر الله، أخفى الله حقيقتها وعلمها عن الخلق، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. وقال بعضهم: الأرواح نور من نور الله تعالى وحياة من حياته، واحتج بقول النبي ﷺ: «إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره». انتهى كلامه.
وقال محمد بن نصر المروزي: تأول الصنف من الزنادقة ومن الروافض في روح آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى، وما تأوله قوم من أن الروح انفصلت من ذات الله فصارت في المؤمن. فقال: قال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض إن روح آدم غير مخلوقة، بل هي قديمة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص: 72]، وقال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾. ثم قال بعد كلام طويل: ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها.
وقال شيخ الإسلام: روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمة أهل السنة. وقد حكي إجماع العلماء على أنها مخلوقة، وقد حكى الإجماع على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر وأبي محمد بن قتيبة، وذكر كلامًا طويلًا وبحثًا كثيرًا.
قال: فصل مهم نافع: من استدل بإضافة الروح إلى الله تعالى بقوله ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: أحدهما صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى موصوفها، صفات له غير مخلوقة، وكذلك وجهه ويده سبحانه وتعالى. والثاني إضافة أعيان منفصلة عنه كبيت الله، وناقة الله، وعبد الله، ورسول الله، وروح الله؛ فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه ومصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميز به المضاف إليه عن غيره، كبيت الله وإن كانت البيوت كلها ملكًا لله، وكذلك ناقة الله وإن كانت النوق كلها ملكه وخلقه، ولكن هذه الإضافة إلى ألوهيته تقتضي محبته لها وتشريفها، بخلاف الإضافة العامة إلى الربوبية حيث تقتضي خلقه وإيجاده.
إذًا، إذا أضيفت الأشياء إلى الله في القرآن، إذا كان الشيء المضاف إلى الله وصفًا وليس ذاتًا، فأضافته إلى الله على أنه صفة من صفاته؛ كعلم الله وحياة الله. أما إذا كان الشيء المضاف إلى الله ذاتًا كالبيت الحرام والكعبة، فأضافته، فهذه إضافة تشريف وتخصيص. قال: فالعامة تقتضي الخلق والإيجاد، والخاصة تقتضي الاختيار، والله يخلق ما يشاء ويختار. وإضافة الروح إليه من هذه الإضافة الخاصة، لا من العامة ولا من باب إضافة الصفات، فتأمل هذا الموضع فإنه ينفعك من التخلص من البدع، فقد ضل فيه خلق كثير، نسأل الله العصمة.
فصل: هل الأرواح تموت أم أن الموت للأبدان خاصة؟ فقد اضطربت مقالات الناس في هذا الباب. فقال طائفة: تموت وتذوق الموت لأنها نفس، ﴿وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقالوا قد دل القرآن عليه بقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]، وقوله: ﴿وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وقالوا إذا كانت الملائكة تموت، فنفوس البشرية أولى بالموت. وقالوا في حق أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾، فالموتة الأولى هذه المشهودة فهي للبدن، والأخرى للروح.
وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان. وقالوا قد دل على هذا الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، فهذا مع القطع بأن أرواحهم قد فارقت أجسادهم وذاقت الموت.
قال العلامة ابن القيم: الصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها. فإن قيل: ما تعريف الموت؟ قال: هو مفارقة الروح للبدن، هذا هو الموت. فإذا قلت هل الإنسان يموت؟ نعم، لكن ما معنى أنه يموت؟ أن الروح تفارق البدن، الموت ليس معناه فناء الروح، الموت معناه مفارقة الروح للبدن. فإذا أريد بموت الروح هذا القدر فهي ذائقة. فإذا قصدت بأن الروح تموت أنها تفارق البدن، صح، تموت. وإن أردت أن الروح تعدم وتضمحل وتصير لا شيء، فهي لا تموت بهذا المعنى، بل هي باقية إلى يوم القيامة، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو عذاب كما صرح به في النصوص حتى يردها الله في أجسادها، ثم ساق بعد ذلك النصوص الواردة في هذا المحل. انتهى كلامه.
فصل: وهل عذاب القبر على الروح والبدن، أو على الروح دون البدن، أو على البدن دون الروح؟ وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟ قال شيخ الإسلام بعد أن سئل عن هذه المسألة فأجاب: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة. تتنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتتنعم وتعذب متصلة بالبدن والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحالة. ولما تتصل الروح بالبدن يكون العذاب عليهما معًا، ولما تنفصل يعذب الروح وحده، أما أن يعذب البدن وحده دون الروح فهذا لا دليل عليه، كما تكون الروح منفردة عن البدن منعمة ومعذبة. وهل يكون العذاب والنعيم على البدن دون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل السنة.
مسألة فيها خلاف، هل يمكن أن ينعم ويعذب البدن وحده؟ وفي المسألة أقوال شاذة أخرى ليست من أقوال أهل السنة والحديث. أظن هنا في سقط، بالله شوف يا شيخ سليمان.
قول من يقول إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين. ويقوله كثير من أهل الكلام كالمعتزلة وغيرهم الذين ينكرون معاد الأبدان، ولكن يقولون لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور؛ لكن هؤلاء ينكرون عذاب الأبدان في البرزخ فقط، ويقولون إن الأرواح هي المنعمة والمعذبة في البرزخ.
إذن الذين يقولون إن العذاب في البرزخ أو النعيم على الروح فقط صنفان: صنف من الفلاسفة الكفار الذين ينكرون بعث الأبدان، فهؤلاء يرون أن الأرواح هي التي تعذب وتنعم ليس فقط في البرزخ، بل إلى أبد الآباد؛ لأنهم لا يرون أنه أصلاً هناك بعث للأبدان. ولكن بعض أهل الكلام وافق هؤلاء في أن عذاب القبر ونعيمه هو فقط للأرواح، لكنهم وافقوهم أنها للأرواح في الحياة البرزخية فقط، أما إذا جاء معاد الأبدان، فهنا يصبح العذاب والنعيم على الروح والبدن معاً.
وهذا القول بالتالي قال طوائف من المسلمين من أهل الكلام وأهل الحديث. ما هو اختيار ابن حزم؟ ابن حزم يرى أن الروح لا تعود إلى البدن أبداً، بالتالي هو يرى أن نعيم القبر وعذاب القبر هو فقط للروح، هذا اختيار ابن حزم وابن مسرة. فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقر بعذاب القبر ويقر بيوم القيامة، لكنه قول خاطئ بالتأكيد يثبت معاد الأبدان. لكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال: أحدها أنه على الروح فقط، والثاني أنه عليها وعلى البدن بواسطتها، والثالث أنه على البدن فقط. وقد يضم إلى ذلك قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الفساد قول منكر عذاب الأبدان مطلقاً، وهذا برضه فيه مشكلة، النص هذا فيه مشكلة.
قال: وقول من ينكر عذاب البرزخ مطلقاً، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك لكن ينكرون معاد الأبدان، فهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان. قال: وكل القولين خطأ وضلال. اقرأ بالله يا شيخ، اقرأ النص، ما في شيء واضح، هذا الكلام مش مفهوم صراحة، حاول تقرأها من النص.
القول الثالث الشاذ: قول من يقول إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، وهذا قول طائفة من المعتزلة الذين ينكرون عذاب القبر، ليس فيه نعيم ولا عذاب حتى تقوم الساعة الكبرى، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوه ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، وهذا قول بعض المعتزلة للتدقيق وليس قول جميعهم. فجميع هؤلاء طوائف ضلال في أمر البرزخ، لكنهم خير من الفلاسفة؛ فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى، بخلاف الفلاسفة مثل ابن سينا وغيرهم، فهؤلاء لا يقرون حقيقة بيوم القيامة الأكبر.
أما الحديث الدالة على نعيم القبر وعذابه فهي كثيرة جداً، بل لو قيل إنها بلغت التواتر في المبالغة لم يبعد ذلك. فمنها ما تقدم من أحاديث مسألة منكر ونكير وفيها كفاية، ومنها ما لم أحيط به ولم أطلع عليه، ومنها ما اطلعت عليه واختصرته للتطويل، ومنها ما أذكره للتنبيه. فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ دل على القبر.
ومنها حديث: «إنما يعذبان في قبريهما»، هذا يثبت عذاب القبر. وحديث أيضاً: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلو لا أن تدافنوا...»، أيضاً يثبت عذاب القبر. وحديث: «تعوذوا بالله من عذاب القبر»، هذا كله يدل عليه. وحديث: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، فقال: «تعوذوا بالله من فتنة الدجال».
وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا فرغتكم من التشهد الأخير فليتعوذ من أربع؛ منها من عذاب القبر». وفي الصحيحين عن أبي أيوب: خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس، وأيبغت غربت، فسمع صوتاً يقول: «يهود تعذب في قبورها».
وفي صحيح البخاري من رواية مسلم عن عائشة: فدخلت علي عجوز من يهود المدينة فقالت: إن أهل القبور يعذبون، قالت: فكذبتها ولم أكن لأصدقها، فخرجت ودخل علي النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن عجوز من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: «صدقت، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها»، قالت: فما رأيته بعد في صلاته إلا يتعوذ من عذاب القبر.
قال بعض أهل العلم: ولهذا السبب يذهب الناس بالخيل إذا مَغَرَتْ إلى قبور اليهود والنصارى؛ كانوا يذهبون بالخيول إذا صار عندها مشاكل صحية، يذهبون بها إلى قبور اليهود والنصارى ليش؟ حتى تسهل، لأنها لما تسمع عذاب القبر تبع اليهود والنصارى يصبح عندها إسهال، فتتخلص بما في بطنها من الأذى والتلبك المعوي، فإذا سمعت عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعا وحرارة، فتذهب وتذهب بالمغلي.
والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، وقد تقدم في أحاديث المسألة ما هو أبلغ من ذلك، في قوله: «فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه»، وهذا صريح في أن البدن أيضاً يعذب في القبر.
وروى النسائي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهدته سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه»؛ به سعد بن معاذ. وفي حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ للقبر: «ضغطة»، لو نجا منها أحد لنجا من سعد بن معاذ. والضغطة هي شكل من أشكال عذاب القبر. ولو كان يبتلى به الجميع، فقد شاهد جنازته سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط إلا في يوم وفاته، وفي لفظ: «من الدنيا وما فيها سعد خير من الدنيا وما فيها»، ومع ذلك يضغط في قبره. قال المروزي: قال أحمد: «عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال».
قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: «هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناده جيد، أقرنا به، إلا إذا لم نقر بما جاء عن النبي ﷺ ودفعناه ورددناه، فقد رددنا على الله أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: 7]».
قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: «حق، يعذبون في القبور». قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: «نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير، وإن العبد يسأل في قبره، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]، والمراد في الآخرة على بعض التفاسير ما يكون في القبر».
وقال أحمد بن القاسم: قلت يا أبا عبد الله، نقر بمنكر ونكير وبما يروى من عذاب القبر؟ فقال: «سبحان الله، نعم، نقر بذلك ونقول به».
قال ابن القيم: «وما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق العذاب ناله نصيب منه، قبر أو لم يقبر». يعني ليس بالضرورة أن تعذب عذاب القبر في قبر، فما في داعي أن تكون في قبر. عذاب القبر يضاف إلى القبر باعتبار أن أغلب الناس يكونون في القبور، لكن لو شخص تحلل بالأسيد قبل ما يدخل القبر، فهل له عذاب قبر؟ نعم، لأنه اسمه عذاب القبر باعتبار أن أكثر الناس يكونون في قبور، لكن حتى لو لم تُدفن في قبر فهناك عذاب قبر، فكل من مات وهو مستحق العذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر. فلو أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونُثر في الهواء، أو صُلب، أو غرق في البحر، ووصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى القبور.
انتهى كلام ابن القيم: «ينبغي أن يعلم أن البلى يختص هذا البدن المشاهد، إن الذي يبلى هو البدن فقط، فإن هذا البدن ليس بشيء إنما هو آلة، والنظر إلى ما يؤذي الروح وينفعها».
وقد روى ابن الجوزي بإسناده قال: دخل عبد الله بن عمر المسجد وقد قُتل عبد الله بن الزبير لما رمى الحجاج، فمال عبد الله بن عمر ليعزي سيدتنا أسماء بنت أبي بكر بموت ابنها عبد الله، فقال لها: «اصبري، فإن هذه الجثث -لأنه كان عبد الله صُلب على مكة- هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأرواح عند الله». شوف، إذا الصحابة يفهمون أن الأبدان إذا تحللت ليست بشيء إذا فارقتها الأرواح.
ثم قال: وروينا عن ابن الزبير أنه قال لأمه أسماء قبل قتله: «يا أمه، إن قُتلت فإنما أنا لحم لا يضر ما صنع بي»، يريد أن يخفف عنها. وروي عن خالد بن معدان لما قُتل هشام بن العاص في معركة أجنادين التي صارت بين أهل الصحابة الكرام وعبيد الروم في فلسطين، وقع هشام بن العاص على ثلمة، يقول: على ثلمة في قلعة أو ثلمة، أي في طريق فسد الطريق على الجيش الإسلامي، فاستشهد فسبحان الله، استشهد فسد طريقًا وثلما، لا بد أن يدخل منها الجيش ولم يكن ثم طريق إلا طريق الذي سدها جسده.
فلما انتهى المسلمون إلى هذه الثلمة يريدون قطعها هابوا أن يطؤوا بالخيل على جسد هشام بن العاص، فقالوا: كيف نمر وجسده موجود؟ فقال لهم عمرو بن العاص: «يا أيها الناس، إن الله قد استشهده ورفع روحه، وإنما هي جثة، فوطئوها بالخيل». فوطئها عمرو بن العاص بخيله، ثم تَبِعَه الناس. وإذا ثبت هذا، فإن الله إذا أتلف هذا البدن الترابي وأبلاه بالتعرض للآفات، فإنه سيعيده بدنًا لا يبلى في حياة لا تنفذ أبدًا، وتبدل صعوبات التكليف بحسن الجزاء، ويعطيه أجورًا باقية عن أعمال منقطعة، كما لا يبقى لمرارات الشعث والتكليف في أيام الإحرام طعم عند أيام التشريق.
الباب السابع: في عدد الشهداء وفضلهم، وأنهم أرفع درجات من الصالحين. قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: 69]. قال قتادة: قال بعض أصحاب رسول الله ﷺ: «كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجة الأعلى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟» فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾، أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالسهم. فأعلى درجات بني آدم هم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، وهذا ترتيب لا شك فيه، إن الله تعالى رتبهم في الذكر، قدم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل في المراتب والمنازل.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من نفس تموت لها عند الله خير من أن يسرها أن ترجع إلى الدنيا ولو أن لها الدنيا وما فيها إلا الشهيد». وهذا من صلائح الأدلة في عظم فضل الشهادة.
وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه». رواه مسلم في صحيحه. وفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: «من طلب الشهادة صادقًا أعطيها ولو لم تصب». ورواه الترمذي وصححه من حديث معاذ مرفوعًا ولفظه: «من سأل القتل في سبيله صادقًا من قلبه، أعطاه الله أجر الشهيد»، ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما تعدون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيلي فهو شهيد. قال: «إن شهداء...». هذا الباب في عدد الشهداء، يعني هل الشهداء هم فقط من يموتون في المعركة؟ لا، الشهداء أكثر ممن يموت في المعركة. فما هو عدد الشهداء؟ قال: «من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد».
ومن مات في سبيل الله -يعني راح للمعركة بس ما قتل، مات قدراً- برضه هذا شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن -والبعض يقول بطاعون في البطن أو شيء أو مرض في البطن أو استسقاء وسياتي الخلاف في ذلك- فهو شهيد، والغريق شهيد، وصاحب الهدم الذي بينهدم عليه بيته شهيد.
وعن جابر بن عتيك قال: قال النبي ﷺ: «الشهداء سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغريق شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب ذات الجنب -وذات الجنب هو التهاب رئوي يموت منه الناس- شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والحريق شهيد، والمرأة تموت بجمع -أي في النفاس يعني في الطلق- شهيدة». رواه أحمد وابن ماجه، وبعضه قوله بجمع أي التي تموت حاملاً أو نفساء، كذا ذكره غير واحد. وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث صفوان قال: «الطاعون شهيد، والغرق شهادة، والمبطون الموت بالبطن شهادة، والنفساء أيضا».
ومن حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «خمس من قُبض على شيء منهن فهو شهيد: المقتول في سبيل الله شهيد، والغريق في سبيل الله شهيد، والمبطون في سبيل الله شهيد، والحريق في سبيل الله شهيد». هذه نحتاج أن ننظر في معناها.
قال: وروى مالك في الموطأ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قصة أن النبي ﷺ قال: «ما تعدون الشهادة فيكم؟» قالوا: القتل في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ: «أشهدت سبع سوى القتل في سبيل الله»، ثم ذكر نحو ما تقدم في السنن من حديث جابر بن عتيك. وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الشهداء خمس: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله».
قال العلامة إسماعيل تيميهمي الأصبهاني مفسراً لهذا الحديث: «المطعون الذي أصابه الطاعون، والمبطون الذي أصابه علة في البطن، المطعون ليس الذي طُعن بالسكين، المطعون الذي أصابه الطاعون»، هذا هو الأشهر. وقال غيره من العلماء في تفسير علة البطن ثلاثة أقوال:
أحدها أنه الذي يموت بالاستسقاء. والثاني الذي يموت بالمغص الشديد، وهو الذي يسميه البعض "القولونج" الذي نحن نسميه اليوم القولون العصبي، وكانوا يسمونه القولونج، هكذا تعب بطني شديد جداً وارتباك يؤدي بك إلى الموت، وهو مرض معروف باسمه لديهم. والثالث المبطون هو الذي يموت بالإسهال الشديد. انتهى كلامه.
والقول الثالث هو الراجح، يقول المنبجي إنه الإسهال، وبعضهم يحكي أصلاً غير الإسهال، والله أعلم أن الشهادة تعم الثلاثة: الاستسقاء والقولون والإسهال، وهو أبلغ في الكرم وسعة الفضل، دائماً إذا في حديث فيه احتمالية كبيرة وسعة، أحاديث الثواب العلماء يحبون توسيعها. وأيد هذا الاحتمال ما رواه ابن حبان من حديث: «من قُتل من قتله بطنه لم يعذب في قبره»، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد». رواه البخاري.
وروى أبو داود والترمذي والنسائي -واللفظ له- من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد». وروى النسائي مفرداً من حديث سويد بن مقرن رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل دون مظلمته وهو يدافع عن حقه الشخصي فهو شهيد».
وروى الإمام أحمد من حديث ابنيه عن خالد بن أبي زيد عن سعيد بن أبي هلال بأسناده عن ابن مسعود حدثه عن رسول الله ﷺ أنه ذكر عنده الشهداء وقال: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفراش»، رب قتيل! أكثر الشهداء في الأمة أناس لا يموتون في المعارك، يموتون على فراشهم: يا مطعون بالطاعون، يا مبطون بمرض البطن، وعلى هذا قال: «ورب قتيل بين الصفين»، الله أعلم بنيته، يعني لا يحسب له أجر الشهيد لأنه مرائي.
قال: وتفضل شيخ، من الذي يقصد الذي يحدث في الجيش، الجهاد؟ والله بدها نظر، لا أريد أن أقول شيئاً حتى أتأكد منه، لا أستطيع أن أقول.
قال: وروينا في خبر ابن عرفة مرفوعاً: «الموت كفارة لكل مسلم». وفصل؛ ومما ينبغي أن يعلم أن العبد إذا نظر أو سمع على ما تقدم من هذا الباب من تنوع الشهادة وذكر تعدادها، حصل له تسلية بموت محبوبه، فإنه في الغالب لا بد أن يكون ناله نصيب منها. إذا عرفت أن الشهداء كثر انبسط، لأن إخوانك وأحبابك الذين يموتون في العادة يموتون بواحدة من هذه الشغلات: يا حرق، يا غرق، يا مبطون، يا مطعون، فإِن شاء الله أن كثيراً من أحبابك يكونون شهداء، طبعاً شهداء بالمعنى العام.
قال: مع أني لم أحيط بكل ما ورد عن النبي ﷺ في تسمية الشهداء، وخير مرفوعاً: «موت الغريب شهادة»، يعني البعض جعل حتى موت الغريب عن بلده، إذا مات الإنسان في بلد غريب يعتبر شهادة.
قال: وقد استقصينا في عد الشهداء في كتاب أحكام الطاعون، ويكفي في البشارة ما تقدم قريباً، رواية الإمام أحمد مرفوعاً: «إن أكثر شهداء أمتي أصحاب الفراش»، وتقدم ما أعد الله للشهداء من حين الموت وما لهم عند الموت، وأن أرواحهم في حواصل طير خضر تأكل وتشرب في الجنة وتسرح حيث شاءت، وكل هذا في دار البرزخ، فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة بأجسادهم انتقلوا من نعيم إلى نعيم أعلى من ذلك.
وأكثر، قال أبو بكر القطيعي: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا ابن... قال بأسناده عن عوف بن خنساء، عن خنساء قالت: حدثتني عمتي قالت: قلت له يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة». وكذلك رواه عن غندر عن عوف ذكر مثله. فتقال العبد إلى الله، وما عند الله هو خير لعباده من هذه الدنيا التي خلقهم فيها.
فينظر كيف يعملون ويبتليهم بالمحن والمصائب والشهادات، حتى يعلم الصابر منهم والجازع؛ ليجازي كل شخص بحسبه، فمنهم من يجازيه بالجنة ومنهم من يجازيه بالنيران، وكل ذلك عدل منه سبحانه وتعالى، لا يظلم مثقال ذرة، بل إن أدخل عبد الجنة فبرحمته وفضله، وإن أدخله النار فبعدله وسلطانه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. فله الحمد دائما على كل حال.
فصل: الشهادة المطلوبة هي شهادة المعركة على ما تقدم، وهي أعلى أنواع الشهادة، وهي التي يطلبها الإنسان وهي الواردة أصلاً في الأحاديث، وكذلك شهادة الطاعون، فإنه قد ورد فيه أحاديث وآثار في تمنّي الطاعون. من سأل الله الشهادة بالصدق، أي شهادة المعارك، هل يمكن أن ندخل فيها شهادة الطاعون؟ ممكن باعتبار أنه ورد في تمنّي الشهادة به، كما وقع في قصة المغيرة بن شعبة، حيث قال أبو موسى الأشعري: «أما أنا فلا أقول هذا، ولكن أقول كما قال العبد الصالح أبو بكر: اللهم طعنا وطاعونا في مرضاتك». فكان الطاعون يصل إلى مرتبة أن تطلب الموت بالطاعون كمرتبة أن تطلب الموت في المعركة.
وقال أبو عبيدة، وهو خطيب: «يا أيها الناس، إن هذا الوجع -أي الطاعون- رحمة بكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له من حظه»، فطعن أبو عبيدة، أي أصابه الطاعون، فمات. وطاعونAmwas، وثبت في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: «اللهم اجعل فينا أمتي بالطعن والطاعون». وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي لا تحضرني، وقد قررت ذلك في كتابنا المعروف «أحكام الطاعون»، ولكن لم يكن عندي حين ألفت هذا الكتاب.
فإن قيل: الشهادة مطلوبة، شهادة المعركة وكذلك شهادة الطاعون كما تقدم، لماذا لم يذكر كل الأحاديث في كتابه القديم أحكام الطاعون؟ ما كان عنده، وهذا يدل على أنه لم يكن حافظاً الأحاديث، وإنما كان يجمعها من كتب السنة، وهذا حال أكثر العلماء؛ أنهم ما كانوا يحفظون الأحاديث، وإنما يأخذونها ويستظهرونها من الكتب.
فإن قيل: الشهادة مطلوبة، شهادة المعركة وكذلك شهادة الطاعون كما تقدم، وقد ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ استعاذ من بعض ما عُدَّ شهادة، ففي مسند الإمام أحمد مرفوعاً استعاذ من سبع موتات: من موت الفجأة، ومن لدغ الحية، ومن السبع، ومن الغرق، ومن الحرق، ومن أن يخر على شيء أو يخر عليه شيء، ومن الفلداة من الزحف. إذاً هذا مع أن الموت بالغرق هو شهادة، ومع ذلك ثبت أن النبي ﷺ استعاذ منه، صحيح؛ مما يدل على أنه ليس كل موت يعتبر شهادة يُطلب، هناك موت شهادة يُطلب وهو موت المعركة، لكن هناك موت شهادة لا يُطلب، مثل موت الغرق، فكان يستعيذ من موت الغرق ومن الحرق وما شابه ذلك.
وفي المسند أيضاً مرفوع: «اللهم إني أعوذ بك من أن أموت هَمًّا أو غَمًّا، أو أن أموت غرقًا، أو أن يتخبطني الشيطان عند موتي». ورواه النسائي ولفظه: «اللهم إني أعوذ بك من الهدم والتردي، والهم والغم، والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مبارًا، وأعوذ بك أن أموت ملتدغًا» وغير ذلك من الحديث.
يقال: لم يقل أحد من العلماء إن كل شهادة مطلوبة، بل من وقع له أو لمحبوبه أو لغيره شيء مما عده النبي ﷺ شهادة فهو شهيد، والشهداء ثلاثة أقسام: أحدهم شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في المعركة مخلصًا، وهو الشهيد في أحكام الدنيا وفي أحكام الآخرة. والثاني شهيد في الدنيا فقط، فهو المقتول في المعركة مرائياً، من قتل في المعركة مرائياً هو شهيد في أحكام الدنيا، فنحن لن نغسله ولن نصلي عليه، وإن كنا لا نعرف أنه عند الله لم يأخذ أجر الشهداء. والثالث شهيد في الآخرة فقط، وهو من أثبت له شرع الشهادة ممن لم يقتل في المعركة، ومات بالطعن أو الطاعون أو الغرق، فهذا شهيد في أحكام الآخرة، لكن في أحكام الدنيا من غُسل ومن صُلي عليه.
قال: ولم يُجرِ عليه أحكامها في الدنيا كالغريق والحريق ومن به ذات الجنب ونحو ذلك كما تقدم. فإن قيل: لِمَ سمي الشهيد شهيدًا؟ قيل: قد اختلف العلماء في ذلك على أقوال، أحدها: لأنه حي، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. الثاني: أن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة. الثالث: أن الملائكة تشهده. الرابع: للقيام بشهادة الحق حتى قتل. الخامس: لأنه يشهد ما أعد الله له من الكرامة بالقتل. السادس: لأنه شهد لله بالوجود والإلهية بالفعل، لما شهد غيره بالقول أنه بذل روحه من أجل لا إله إلا الله وليس فقط لسانه. السابع: لسقوطه بالأرض، وهي الشاهد له أن الأرض ستشهد له يوم القيامة. التاسع: من أجل شهادة دمه، لأن الدم سيشهد له لأنه شهد له بالإيمان. لا بد شيء متعلق بمشتقة الشهادة، فهذه عشرة أقوال من أماكن متفرقة جمعت إليك رخيصة الأثمان.
فهذه الأقوال في المخلص الذي قصد بجهاده وجه الله والدار الآخرة، فإنه سبحانه إذا علم قصد العبد وإخلاصه أعانه وأغاثه، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. وقد قال ابن الجوزي في جزء الثبات عند الممات في هذا المعنى عن علي بن الموفق قال: سمعت حاتم الأصم يقول: لقينا الترك في معركة وكان بيننا دولة، فرماني تركي بسهم فقلبني عن فرسي، فنزلته عن دابتي، أو فنزل عفواً عن دابته، فقعد على صدري وأخذ بلحيتي وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني، فهو حق سيدي، ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه، إنما كان قلبي عند سيدي، انظر ماذا ينزل به القضاء منه، يعني انظر إلى الله هل سيقضي علي بالذبح أو لا؟ فقلت: سيدي قضيت علي أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين، إنما أنا لك وملكك. فبينما أنا كذلك وهو قاعد على صدري بده يذبح، إذ رماه بعض المسلمين بسهم، فما أخطأ حلق ذلك التركي فسقط عني، فقمت إليه وأخذت السكينة من يده فذبحته هو بها. فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند مليكم حتى تروا من الله العجائب ما لا ترون.
من الأباء والأمهات من لطف الله ورحمته، يعني في ذكر الصراط ودرجات الناس في المرور عليه. أما الصلاة فهو جسر منصوب عن جهنم وهو أحد...
أدق من الشعرة، ثبتنا الله وإياكم على المرور عليه.
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون، تزلف لهم الجنة، تزلف لهم الجنة أي تقرب لهم، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابن إبراهيم خليل. فيأتون إبراهيم، فيقول إبراهيم عليه السلام: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلاً، من وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليماً. فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى الذي كلمه الله وروحه، فيقول عيسى عليه السلام: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم، فيقوم ويؤذن له، وترسل الأمانة والرحمة، فتقيمه بجنب الصراط، يميناً وشمالاً، فيمر أولكم كالبرق».
قالت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: «ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال الرجال، كالرجال الذين يركضون تجري بهم أعمالهم كل على حسب عمله، ونبيكم صلى الله عليه وسلم قام على الصراط يقول: ربي سلم، ربي سلم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً».
قال: وفي حافتي الصراط كلاليب هي الخط معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش، ناج، بعض الناس يخدش بس بتمشي أموره، ومكدوس في النار، بعض الكلاليب تنزل بعض الناس من الصراط في النار والعياذ بالله. والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفاً.
وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر صلاة مرور الناس عليه، فقال: «يمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكجواد الخير الركاب». فمنهم ناج، ومخدوش، مرسل، ومكدوس في نار جهنم؛ يعني إما واحد ينجو بدون ما يصاب بشيء، أو مخدوش بس بيمشي حاله، أو إنسان مكدوس في نار جهنم.
وعن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم ذكر حديث الشفاعة: «ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم، سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان»، وهذه شوكة شجرة معروفة في البادية، ثم قال: «وإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم». نسأل الله السلامة.
قد سمعت رحمك الله، فانظر إلى هذا الطريق الحرج، والمسلك الشاق، والقنطرة المضطربة، والعقبة الكؤود التي لا تثبت عليها الأقدام، ولا تجوزها الأوهام، ولا يثبت عليه إلا من ثبته الله بالقول الثابت، ولا تثبت عليها وثبتت قدماه يوم تزول الأقدام. ولعل من عنده تساد وعدم توفيق يسمع الصراط فيظن أن طريقه يشبه طرق الدنيا التي هي صعبة المسلك وعرة، ذات صعود ونزول.
هيهات، ما علم والله أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة، وعلى يمينه وشماله كلالب وخطاطيف، فإذا كُلفت المرور عليه وهو بهذه المثابة. وأعظم من ذلك أن جهنم تحتك، وقد أرعب قلبك من هول منظرها، وملأت أذنيك زفيرها، فهل تستطيع المرور أو النهوض أو الزحف؟ فإنه إذا اضطرب بك الصراط والتهب السعير من تحتك التهاباً، ولم تجد إلا إلى النجاة سبيلاً، ولا إلى الخلاص مقيلاً، فلا ينفعك في تلك الحال إلا سعي صالح مشكور، أو توبة نصوح من ذنب مغفور. فتخير الآن أي الأعمال أنجلك، وأي الطرق معينة لك على سعيك لما ينفعك.
وقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن نباتة قال: وجدت في داود: «يا داود، هل تدري من أسرع الناس ممراً على الصراط؟ الذين يرضون بحكمتك، وألسنتهم رطبة بذكيري».
الباب قبل الأخير، التاسع والعشرون، في ذكر التوحيد، واسعة رحمه الله. قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفر الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى». وقد تقدم في حديث أبي هريرة أن لكل أحد منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره كما ورد في الصحيح. قال: هذا فكاك من النار، وهذه بشارة عظيمة للمسلمين أجمعين، حتى قال الشافعي وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: هذا أرجح حديث المسلمين لما فيه من التصحيح.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعاً: «أن يقال: أخرجوا من عرفتم من النار»، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، فيقولون: ربنا ما بقي فينا أحد.
وكيف يضعها على اليهود والنصارى مع أننا قبل قليل ذكرنا أن عدل الله كامل وأنه لا يعذب الكافر بشيء لم يفعله؟ كيف يضعها على اليهود والنصارى مع أنهم ما لهم علاقة فيها؟ أي ذنوبك أنت؟
نعم، ممكن أنهم قد ظلموا هؤلاء المسلمين، فالذي يظهر أن اليهود تسببوا في هذه الأمور، تسببوا في أن هذا المؤمن يصبح يشوف الحرام؛ يعملوا لك برامج، وتسببوا بهذه المعاصي فإنها تلقى عليهم. هي أنت فعلتها، بس هم يعملوا لك برامج ويطلعوا لك النساء عاريات، وأنت تلطخت بشيء من ذلك، فمن حق هذه الذنوب أن يحملوها وأن تلقى عليهم، وأن يعفى عن هذا المؤمن. أما أن يكونوا ليس لهم علاقة بها من أي شكل من الأشكال، فيحتاج إلى نظر في قضية العدل التي ذكرناها قبل قليل.
وهذه بشارات، حتى قال الشافعي: هذا أرجح حديث المسلمين في فداء كل مسلم. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد مرفوعاً: «أن يقال: أخرجوا من عرفتم من النار»، فيخرجون خلقاً كثيراً، وقد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه.
فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به؟ فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، إلى أن يقال: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا.
وأبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40]. فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نور الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في سنبلة.
والحمم هي الفحمة، عبارة عن فحم. قال: فيخرجون كأن في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين! فيقول: عندي أفضل من هذا. فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ قال: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا.
وفي حديث أنس بن مالك ذكر فيه شفاعة مرة بعد مرة، وأنه ﷺ قال: «في الآخرة أقول: رب، أي رب لي فيمن قال لا إله إلا الله». فيقول الله عز وجل: «بعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله». وفي رواية مسلم: «ليس ذلك لك أو إليك»، الحديث.
فصل: وقد أخبر تعالى في رحمته، ومعنى «ليس ذلك لك» أي أن تخرج من قال لا إله إلا الله فقط، هذا سيكون بفضل الله ومنته، وليس هذا لك. وقد أخبر تعالى أن رحمته وسعت كل شيء، وأنه كتب على نفسه الرحمة، وقال: «سبقت رحمتي غضبي»، وغلبت رحمتي غضبي. فالجنة دار رحمته، والنار دار غضبه.
فثبت أن الجنة ينشئ لها خلقًا في الآخرة، ويدخلها أيضًا من دخل النار أولًا، ويدخلها الأولاد بعمل الآباء. فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرًا قط، وثبت أن النار لا يعذب أحد فيها بغير ذنب، فرحمته واسعة؛ يمكن أن ينشئ الله أناسًا يدخلهم الجنة بدون ما يعملوا شيئًا، هذه رحمته، أما عذابه فلأنه يقوم على عدله، فلا يعذب أحد إلا وقد استحق العذاب.
حتى إن جماعة من المفسرين ذكروا قصة فرعون، وقال جبريل: «يا محمد ﷺ، لو رأيتني وأنا أدس الطين في فرعون أثناء موته، وخفت أن يقول فرعون كلمة يرحمه الله بها». فهذا جبريل من أعظم رسل الملائكة، قد علم سعة رحمة الله ففعل ذلك مخافة إدراك رحمة الله لهذا المجرم، مع أن فرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]، ومع ذلك لو تاب يتوب الله عليه.
ومما ينبغي أن يعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة والسلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال؛ فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون الذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب بتوبة نصوح صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يعدث معصية بعد توبته، ومن نشأ في عبادة الله ولم يقارف معصية أصلًا، فكل هؤلاء يدخلون الجنة ولا يدخلون النار، لكنهم يريدونها على الخلاف المعروف في الورود فوق الصراط.
والصحيح إن شاء الله، على ما ذكره جماعة، أن المراد بالورود هو الورود على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم، أجارنا الله من حرها وبردها، آمين. وأما من مات من أهل المعاصي أو له معصية كبيرة ولم يتب منها، فهو داخل تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه بمقدار ذنبه أو القدر الذي يريده سبحانه ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه مطلقًا.
فلا يخرج أحد في النار مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، وهذا من أحسن ما يتسلى به من مات له قريب أو صاحب من أهل المعاصي ومات وما يعلم هل تاب من المعاصي أو لا، فاعلم أنه لن يخلد ما دام مات على التوحيد. يقول أبو زكريا النووي رحمه الله: «وقد ظهرت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به على هذه القاعدة، وتواطأت بذلك نصوص تحصل العلم القطعية بذلك»، انتهى كلامه.
ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة». قال القاضي عياض: اختلف الناس من عصى الله من أهل الشهادتين؛ فقالت المرجئة: لا تضره المعصية أبدًا مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره المعصية ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، أي في الدنيا، بل يسمى فاسقًا منزلًا منزلة بين المنزلتين، وقال جماعة من العلماء: بل هو مؤمن وإن لم يُغفر له، وإن عُذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة.
قال: وهذا الحديث يحج على الخوارج والمعتزلة في خروج أهل الكبائر؛ لأنهم لا يعتقدون خلود أهل الكبائر، والصحيح أنهم لا يخلدون. وأما المرجئة، فإن احتجوا بظاهره وبأن من قال لا إله إلا الله دخل الجنة مهما فعل من المعاصي، قلنا نحمله على أنه غفر له وخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، ويكون معنى قوله دخل الجنة أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب.
يعني حديث «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» الحديث السابق آخر حديث، وهذا مرجئة يستدل فيه على أنك إذا قلت لا إله إلا الله شو ما عملت رح تدخل الجنة ولن تدخل النار؛ بنقول لا، الحديث ما قال إنك لن تدخل النار، الحديث قال إنك ستدخل الجنة، ممكن تدخلها مباشرة، ممكن تدخلها بعد النار، هذا أمر الله.
ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيح أن أبا الأسود الديلمي حدثه أبو ذر قال: أتيت النبي ﷺ وهو نائم على قميص أبيض، ثم أتيت فإذا هو نائم، ثم أتيت وقد استيقظت إليه فقلت: ما؟ فقال ﷺ: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة». قلت: وإن أُنْزِفَ سِرَاقُهُ؟ قال: «وإن أُنْزِفَ سِرَاقُهُ»، قلت: وإن أُنْزِفَ سِرَاقُهُ؟ قال: «وإن أُنْزِفَ سِرَاقُهُ»، ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر». فخرج أبو ذر وهو يقول: «وعلى رغم أنف أبي ذر»، وفيه رد على الخوارج وعلى المعتزلة الذين يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار.
وفي رواية البخاري أن النبي ﷺ قال: «أتاني جبريل، فقال: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق»، وهو من حديث أبي ذر. وفي الصحيح من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات لا يشرك بالله شيئاً دخل النار»، وفي لفظ: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة»، وفي رواية: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي لفظ: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله دخل الجنة».
وفي حديث معاذ أن النبي ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وعنه مرفوع: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة»، وفي رواية: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار»، وزاد في صحيح البخاري ومسلم: «الصامت على ما كان من عمل».
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ ردف معاذ بن جبل على الرحل، قال: «يا معاذ»، لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: «يا معاذ، لبيك وسعديك»، قال: «ما من عبد شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، أولاً أخبر بها الناس ويستبشروا؟» قال: «إذاً يتكل»، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً، أي مخافة الإثم من كتمان العلم.
وفي لفظ مسلم من حديث عبادة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار». وعن أبي هريرة، قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه»، رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من أمتي من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً». كل هذه الأحاديث ليبين ما مدى سعة رحمته كما بوب، وفي لفظ: «حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله».
وقد ورد في ذلك عدة أحاديث، وغالب هذه الأحاديث رواها مسلم في صحيحه في باب واحد، وهو باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت. لكن قال سعيد بن المسيب عند سماع هذه الأحاديث: إن هذا قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وهذا القول عن سعيد بن المسيب رحمه الله ليس بشيء؛ وقال بعض العلماء: هو خطأ؛ لأن راوي أحدها هو أبو هريرة، ومتاخر الإسلام أسلم عام خيبر سنة ٧ هـ، وكانت أحكام الشريعة مستقرة كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، فعلم ضعف هذا القول، والله تعالى أعلم.
وقال بعض العلماء: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري. وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري، وقد تقدم في أول الباب حمله على ظاهرها، وإن مذهب السلف والخلف من الفقهاء وأهل الحديث على أن من مات موحداً دخل الجنة وإن كان من أهل المعاصي، وأنه داخل تحت المشيئة، والله تعالى أعلم.
لكن كلام المنبجي أيضاً يحتاج إلى نظر؛ من مات ولم يقم بجنس العمل الواجب، هل يدخل الجنة؟ ظاهر كلام المنبجي أن من مات وقال لا إله إلا الله ولم يقم بجنس الأعمال الواجبة، لم يصلِّ ولم يزكِّ ولم يصم ولم يحج، ولم يفعل أي عمل واجب من خصائص الإسلام -أما صلة الرحم وبر الوالدين فهذه ليست من خصائص الإسلام، يفعلها الكفار- إذا لم يقم بجنس العمل الواجب.
فلذلك سعيد بن المسيب قال إن هذا الحديث متقدم، وهذا الحديث كان قبل نزول الفرائض، ولذلك قال الحسن البصري إن هذا الحديث مجمل ويحتاج إلى تفصيل؛ لأن هؤلاء العلماء يرون أن هذا الحديث يمكن أن يستفيد منه المرجئة في قضية أنه: خلص بالإقرار بـ "لا إله إلا الله" وسيدخل الجنة حتى ولم يركع ركعة ولم يقم بأي عمل من خصائص الإسلام، لكن هذا مشكل.
والأصل -كما قال سعيد والحسن البصري وغيرهم- أن هذا إما أن يقال إنه كان في بداية الإسلام، وقول إن أبا هريرة أسلم متأخراً وهو راوي الحديث، ونقول له: قد يكون أبو هريرة لم يسمع الحديث مباشرة، وقد يكون هذا مرسل صحابي. ثانياً: قضية أن هذا الحديث يحمل على أنه يدخل الجنة، لكن لا يعني هذا مباشرة، بل يمكن أن يدخل النار قليلاً ثم يخرج.
لكن قضية تارك جنس العمل أنه كافر، هذه قضية أكبر من ذلك؛ لأنه ربما قضية أنه يغفر له تقتضي أنه مات مسلماً، لكن قضية أن تارك جنس العمل الواجب لا يعتبر مسلماً، وأن هناك تنازلاً بين الباطن والظاهر، هذه مسألة كبيرة. فما جزم به المنبجي يحتاج إلى نظر.
وكلام سعيد بن المسيب والحسن البصري لما قال بعض العلماء: هو خطأ، وقال بعض العلماء: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة وأدى حقوقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري، يذهب إليه كثير من العلماء المحققين؛ أن هذا من قال لا إله إلا الله وأدى حقها وفريضتها، وليس من قال لا إله إلا الله فحسب؛ لأن لا إله إلا الله لها شروط: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة.
وعن أبي جعفر قال: لما حضر أبا زرعة الموت، وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم والممد بن شاذان وجماعة من العلماء، أن يلقنوه الشهادة، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نذكر الحديث. فقال محمد بن مسلم: حدثنا بأسناده، وقال أبو حاتم: هابوا أن يلقنوه الشهادة، إن هذا أبو زرعة، وهو أحد كبار المحدثين، نحن نريد أن نأتي ونقول له: احكِ لا إله إلا الله؟ فقال بعضهم لبعض: تعالوا نتذاكر الحديث! ما الحديث الذي الإنسان عند الموت به يحتاج؟ يريدون أن يجعلوا أنفسهم يتذاكرون الحديث حتى يذكروا أبا زرعة، هابوا لجلالة قدره أن يذكروه بالحديث، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نتذاكر الحديث.
محمد مسلم حدثنا الضحاك عن... ولم يجاوز، وقال أبو حاتم حدثنا أبو نضار عن أبي عاصم عن صالح ولم يجاوز، والباقون سكوت. فقال أبو زرعة: حدثنا أبو نضار عن أبي عاصم عبد الحميد بن جعفر عن أبي عريب عن كعب بن مرثد الحضرمي عن معاذ.
طلع هو حافظ الحديث أكثر منهم، أبو زرعة؛ هم كأنهم ناسون كيف سند الحديث، فأبو زرعة وهو يحتضر ذكرهم بسند الحديث كاملاً إلى قوله: "ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، ثم توفي. صحيح أن يكون هم لم يجاوزوا تقصداً منهم، والله هذا الكلام صحيح.
وعن عبيد بن عياش قال: لما ماتت النوار امرأة الفرزدق، شاهدها الحسن البصري، فلما سوي عليها التراب وثب الفرزدق لينصرف، فقال الحسن: «يا أبا سعيد، أما تسمع ما يقول الناس؟». قال: «وما يقول الناس؟». قال: «يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس»، ويعنونني. فقال: «شر الناس بيحكوا عني!».
فقال الحسن: «ما أنا بخيرهم، ولا أنت بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟». قال: «يا سعيد، ماذا أعددت لهذا اليوم؟ للقبر؟». فقال: «يا أبا سعيد، أعددت له شهادة أن لا إله إلا الله». فبكى الحسن البصري، ثم التزم الفرزدق وعبطه وقال: «لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي».
الباب الختامي: قال في فصل الزهد في الدنيا والتسلية عنها والرغبة في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تَظْلِمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77]. فالاستمتاع بالدنيا قليل، ومتعتك بها قليل من قليل، وثواب الآخرة خير وأفضل لمن اتقى المعاصي وأقبل على الطاعات.
ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الباب من أنفع الأبواب لمن تدبره؛ فإن الدنيا دار قلعة وزوال، ومنزل نقلة وارتحال، ومحل نائبة وامتحان. قال: ومتاع الدنيا غرور وافتتان، فلا ييأس على ما فات منها، ولا يفرح على ما وجد منها، ولا يجزى على ولد أو نفس تموت، ولا يحزن على أمر يفوت.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، وخذ من حياتك لموتك». رواه البخاري.
قال جماعة من العلماء في تفسير هذا الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطناً، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تغتر بها، فإنها غرارة خداعة، ولا تتعلق إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ولا تشتغل فيها إلا بما يشتغل به الغريب الذي يريد الذهاب إلى أهله، وبالله فاستعن.
وعن سهل بن سعد السعدي قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس»، فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس». رواه ابن ماجد وغيره بإسناد جيد ولواحق الصحة ظاهرة عليه.
وعنه أيضاً رفعه إلى النبي ﷺ قال: «لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء». رواه الترمذي وقال: حديث صحيح. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم».
يا عالم يعلم الناس، يا إنسان يطلب العلم، كحالكم، أسأل الله أن يجعلكم من أهل العلم. وروى الترمذي عن كعب بن عياض قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الدنيا ملعونة». كل كلام الدنيا فارغ، الآن تخرجون من المجلس نرجع للدنيا والطحن والأكل والشرب والفيس والسوشال، كل هذا من فراغ الدنيا، فلا يستعجل الإنسان أن يتخلص من مجالس العلم، فإن الدنيا ملعونة إلا أن تذكر الله، أو أن تعلم الناس الخير، أو أن تتعلم الخير؛ هذه قصة الحياة الدنيا لمن يريد أن يفلح.
سمعت النبي ﷺ يقول: «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى الترمذي وحسن وصححه عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: «ليس لابن آدم حق في شيء سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجِلة في الخبز والماء». يعني اكتفِ بهذا، يكفيك هذا في الدنيا. قال ابن فارس: مجمله وعاء شيء جلفه. قال الترمذي: سمعت أبا داود يقول: سمعت نظر بن شميل يقول: الجلفة الخبز ليس معه إدام، وقال غيره: غليظ الخبز، وقال الهروي: والمراد به هنا وعاء الخبز. والله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن الشخير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1]، قال: يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم زهرة الدنيا وزينتها». وفي صحيح مسلم عنه أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء».
وفي مسلم أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ربي. ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط».
وفي مسلم أيضاً من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجثة ميت فتناوله وأخذ بأذنه وقال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» قالوا: ما نحب.
«إن لنا بشيء وما نصنع به»، قال: «أتحبون أنه لكم؟»، قالوا: «والله لو كان حيا كان عيبا»، «إنه أسك، فكيف وهو ميت؟»، فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».
وعنه، عن عبادة بن الصامت، قاله مرفعا إلى النبي ﷺ قال: «يُجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال: ميزوا ما كان منها لله عز وجل، وألقوا سائرها في النار». رواه ابن أبي الدنيا.
وروي أيضا عن عبادة بن الصامت، عن هشام بن عوف، عن الحسن مرسلا أن النبي ﷺ قال: «حب الدنيا رأس كل خطيئة، واعلم أنه من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فخذوا ما يبقى على ما يفنى».
وعن الحسن مرسلا أن النبي ﷺ قيل له: «يا رسول الله، من خيرنا؟»، قال: «أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة». وقال رسول الله ﷺ: «من زهد في الدنيا أسكن الله الحكمة قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصر عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سلما مسلما إلى دار سلام». رواه ابن أبي الدنيا.
فصل: ومن العجب كل العجب أن العبد يصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور، فمن أحبه الله وحماه عن الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه عن الماء. وقد ورد في الحديث مرفوعا أن الله لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا، وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها.
وروى ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا قال: مالك بن دينار قالوا لعلي رضي الله عنه: «يا أبا الحسن، صف لنا الدنيا»، قال: «أطيل أم أقصر؟»، قالوا: «بل أقصر»، قال: «وصف قليل؛ حلالها حساب، وحرامها النار». وعنه أيضا قالوا: «يا أمير المؤمنين، الحلال منها رح تتحاسب عليه، والحرام منها رح يوديك على جهنم»، قال: نعم.
وقالوا: «يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا»، قال: «وما أصف لكم؟ من دار من صح فيها أمن، ومن سقم فيها ندم، ومن افتخر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن، وفي حلالها الحساب، وفي حرامها النار».
وروي عن يونس بن عبيد قال: «ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم فرأى في منامه ما يكره وما يحب، فبينه وكذلك إذا انتبه». وقال الحسن بن علي: «الدنيا ظل زائل». وقال أبو سليمان الداراني: «إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الآخرة؛ لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة».
وقال الأوزاعي: سمعت بلال بن سعيد يقول: «والله لكفى به ذنبا أن الله عز وجل يزهد في الدنيا ونحن نرغب فيها، فزاهدكم راغب، ومجتهدكم مخسر، وعالمكم جاهل».
فصل: واعلم أن شرور الدنيا كأحلام نوم أو كظل زائل، إن أضحكت قليلا أبكت كثيرا، وإن سارت يوما أو أيام ساءت أشهرا أو أعواما، وإن متعت قليلا منعت طويلا، وما حصلت لعبد فيها سرورا إلا قبضت له أضعاف ذلك شرورا.
قال ابن مسعود: «لكل فرحة طرحة»، وقال ابن سيرين: «ما من ضحك إلا يكون بعده بكاء». وقالت هند بنت النعمان: «لقد رأيتنا ونحن من أعز الناس وأشده ملكا، ثم لم تغب شمس حتى رأيتنا ونحن أذل الناس، وإن حق على الله أن لا يملا دارا عبرة إلا ملأها عبرة».
وسئلت امرأة أن تحدثه عن أمرها فقالت: «أصبحنا ذات الصباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا وما في العرب أحد إلا يرحمنا»، كانوا ملوك ثم أصبحوا مطهدين. وبكت أختها هند بنت النعمان يوما وهي في عزها، فقيل: «ما يبكيك؟»، فذكرت أنها قالت: «رأيت كثرة أهلي وسرورهم، وقلب امتلات دار سرور إلا امتلات حزنا».
قال إسحاق بن طلحة: دخلت عليها يوما فقلت لها: «كيف رأيت عبرات الملوك؟»، فقالت: «ما نحن فيه اليوم خير مما كنا فيه بالأمس، إنا نجد في الكتب أنه ليس من أهل بيت يعيشون في عبرة إلا سيعقبون بعدها عبرة، وإن الدهر لم يظهر لقوم بيوم يحبونه إلا بطن لهم بيوم يكرهونه». ثم قالت: «فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا، إذا نحن فيهم سوقة، أفلا الدنيا لا يدوم نعيمها، تقلبوا تارات بنا وصرفت».
وفي الحديث مرفوعا: «ما مثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها». رواه ابن أبي الدنيا.
وروى أيضا قال عيسى عليه السلام: «ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها يأمنها وتغره وتثق بها وتخذله، ويل للمغترين، كيف أرقتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبون وجاءهم ما يوعدون، ويل لمن الدنيا همته والخطايا عمله، كيف يفتضح غدا بذمه؟».
وبالدنيا بإسناده عن وهب بن منبه قال: عيسى عليه السلام بحق أقول لكم، كما ينظر المريض إلى طيب الطعام ولا يلتذ من شدة الوجع، كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب إذا لم ترق بذكر الموت ودأب العبادة تقسو وتغلظ.
وهذا كلام جميل، وثبت في الصحيح مرفوعا: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا». ولماذا «قوتا»؟ لأن النبي ﷺ كان يريد القوت ولا يريد الزيادة في الطعام والشراب حتى يعود نفسه الجد والاجتهاد. فقال أهل اللغة: القوت ما يسد الرمق، وفيه دلالة على فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصاد عن القوت منها والدعاء بذلك، والله أعلم.
فإن الدخول في الدنيا والميل إليها على خطر عظيم، كما تقدم في الصحيح مرفوعا: «إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا». قال العلماء: فيه التحذير من الاقتار بالدنيا والنظر إليها والمفاخرة بها، فإن أقبلت على الشخص من وجه حل يخاف عليه الفتنة والاشتغال بها عن كمال الإقبال، فإن وفق لإعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل وصرفه في وجوه البر كان من الفائزين، وإلا كان من الهالكين.
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد الفهري أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بعد أن يرفع هل حصل شيء؟» هكذا الدنيا. وقال معاوية: سمعت على هذا من رسول الله ﷺ يقول: «إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله».
علي بن أبي طالب: «من زهد في الدنيا أهانت عليه المصائب، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات». وقال البصري: «والذي نفسي بيده، لقد أدركت أقوامًا الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه». ثم علامة الشقاء: قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على الدنيا.
وقال الفضيل: «علامة السعادة اليقين في القلب، والورع في الدين، والزهد في الدنيا، والحياء، والعلم». وقال الفضيل أيضًا: «لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالًا -مش بالحرام، بالحلال- لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت أتجنبها كما يتجنب أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه». تخيل تعرض عليك الدنيا حلالًا، وينحكى لك أنك ما رح تتحاسب عليها يوم القيامة، قال: «ما بدي إياها»، خلص هو يريد الآخرة، يريد رضا الله عز وجل.
السؤال دقيق، ليش يقول لك الشيخ؟ وقال أبو هاشم الزاهد: «خلق الله الداء والدواء، فالدنيا هي الداء، والدواء تركها».
حضر بعض الرؤساء صلاة الجمعة وبهم مرض، صارت تسعة، وبه مرض لا يحتمل معه تطويل الخطبة، فصعد الخطيب المنبر فقال: «الحمد لله رب العالمين، والصلوات على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد، فإن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا لمقركم من ممركم، ولا تهتكوا أسراركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم».
فما أبلغ هذه الخطبة وأفصحها وأوجزها! فعمر الدنيا والله قصير، وأغنى غني فيها فقير، وكأني بك في عرصة الموت وقد استنشقت ريح الغربة قبل الرحيل، ورأيت أثر اليتم في الولد قبل الفراق، فتيقظ إذًا من رقدة الغفلة، وانتبه من السكرة، وأقلع حب الدنيا من قلبك، فإن العبد إذا أغمض عينه وتولى تمنى الإقالة. فقيل: ما تمنى الإقالة؟ يعني الرجوع، قال: إذا أغمض عينه وتولى، يعني إذا مات يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: 99]، تمنى الإقالة؛ الرجوع إلى الدنيا، ذهب.
وقال أبو عمران الجوني: مر سليمان بن داود عليهما السلام في موكبه، وطير تظله، والجن والإنس عن يمينه وشماله، فقال عابد من بني إسرائيل: «والله يا ابن داود، لقد آتاك الله ملكًا عظيمًا»، فسمع سليمان كلمته فقال: «تسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود، وما أعطي ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى».
من بذل وسعه في تفكر تام علم أن هذه دار رحلة، فجمع للسفر رحلة، ويعلم أن مبدأ السفر من ظهور الآباء إلى بطون الأمهات، ثم إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى الحشر، ثم إلى دار الإقامة الأبدية. فدار الإقامة هي دار السلام من جميع الآفات، وهي دار الخلود، والعدو سبانا أخرجنا إلى دار الدنيا، فنهد في فكاك أسرنا، ثم في حث السير إلى الوصول إلى دار مولانا أو إلى دارنا الأولى، وفي مثل هذا قيل: فحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبيا فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ لأن الشيطان هو الذي أخرج أبونا آدم من الجنة، وليعلم أن مقدار السير في الدنيا يسير، ويقطع بالأنفاس، يعني بالنفس محسوبة عليك، ويسير بالإنسان سير السفينة لا يحس بسيرها وهو جالس فيها، العمر يمشي وأنت مش منتبه.
كما قيل: إنما هذه الحياة متاع ... فالغوي الشقي من يصطفيها ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
المستقبل ما بتعرفه، والماضي انتهى. ولا بد في سفره من زاد، ولا زاد إلى الآخرة إلا التقوى، فلا بد من تعب الشخص والتصبر على مرارة التقوى، لئلا يقول وقت السير: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، وقت الرحيل فيقال: ﴿كَلَّا﴾. فلينتبه الغافل من كسر مسيره، فإن الله تعالى يريه في قطع مسافة سيره آيات يرسلها تخويفًا لعباده لئلا يميلوا عن طريقهم المستقيم ونهجهم القويم، فمن مالت به راحلته عن طريق الاستقامة فرأى ما يخاف منه، فليُرجع إلى الله بالرجوع إليه عما ارتكبه من السبل، فيتوب من معصيته ويبكي من قسوته.
فإذا انتبه من رقدة كسله، علم أن الدنيا دار غرور، طُبعت على كدر، كما روى ابن أبي الدنيا: أشهدنا الحسن بن السكن ... حياتك بالهم مقرونة فما تقطع العيش إلا بهم ... لذا ذات دنياك مسمومة فما تأكل الشهد العسل ... إلا بسم أمر بدا نقصه توقع زوالا
إذا قيل تم الشيء، أعلى شيء بتوصله، بداية النزول هي. وكما قيل في المعنى: حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا بدار قراري يرى الإنسان فيها مخبرًا ... حتى يرى خبرًا من الأخبار أنت اليوم الناس بتخبرك أنه فلان مات، وغدًا ستكون أنت الخبر، أنت اليوم مخبر وغدًا ستكون أنت الخبر، طُبعت على كدر وأنت تريدها صفوًا من الأقذاء والأقدار.
وقال بعض السلف: احذروا دار الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت، سحرها كبير، فإنهما يفرقان بين المرء وزوجه، والدنيا تفرق بينك وبين الله. هاروت وماروت يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه، لكن الدنيا تعلمك أن تبتعد عن الله. وقال ابن أبي الدنيا في هذا الأثر مرفوعًا: «اتقوا السحارة، فإنها تسحر قلوب العلماء»، ويقصد بالسحارة الدنيا، أنها شديدة السحر.
وذكرنا بالدنيا بإسناده الحسن البصري أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فإن الدنيا دار ضَعن، أي دار سفر، ليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم إليها عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى منها فقرها، لها في كل حين القتيل، وتذل من أعزها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه، فكن كالمداوي جراحًا يحتمل حِممًا قليلة مخافة ما يكره طويلًا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء. فاحذر هذه الدار الغرارة الحيال الخداعة، التي زينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بأمالها، خدعت وتشرفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها وارهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر على الأول مزدجر، ولا العارف بالله عز وجل حين أخبر عنها مدكر لها، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد، فشغل فيها لبه حتى زالت عنها قدمه، فعظمت ندامته وكثرت حسرته، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أزهد ما تكون فيها».
احذر ما تقول لها، يعني أكثر حاجة بتكون فيها مسرور هي أن تكون حذراً من الدنيا؛ فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور، أشخصه إلى مكروه، أي خرج إلى شيء يكرهه، قد وصلت الرحلة، أو قد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن، لا يرجع منها ما ولى فادبر، ولا يدري ما هو آت، فينتظر أمانيها كاذبة وأمالها باطنة، وصفها كدر وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر.
ولقد عرضت على نبيك محمد ﷺ بمفاتيحها وخزائنها، فأبى أن يقبلها؛ كره أن يحب ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه، فزواها عن الصالحين اختباراً؛ فالصالحون تجدهم يبتلون فيها، فزواها أي قلل أخذهم منها، وبسطها لأعدائه اغتراراً. جاءت الرواية أنه تبارك وتعالى قال لموسى: «إذا رأيت الغني مقبلاً فقل: هذا ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقير مقبلاً فقل: مرحباً بشعار الصالحين».
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد ﷺ. هذا نهاية تعليقنا على هذا الكتاب، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الله يعطيكم العافية، حقيقة الإخوة -الله يكرمهم- الظاهر ما قدّروا حجم الكتاب أنه يحتاج لقراءة أطول، لكن إن شاء الله الكتب الأخرى سنجيز فيها كما وعدنا، فإنني أدرك أن البعض حضر اليوم بشرط الإجازة، فسنجيز لكن الإجازة موقوفة؛ تجاز لكن لا تدرس الكتابين الآخرين، "الحكيم للترمذي" أو "رعاية العقوق" إلا حتى تتعلمها، وإن شاء الله يكون لنا ملتقى آخر ولقاء آخر نستفيد منه من كلام الحكيم الترمذي ومن كلام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى عليه.
لكن الجيد أن الكتاب كان مفهوم اللغة، وهذا بالنسبة لي مكسب، أن يكون الكتاب مفهوماً وسهلاً من حيث تعاطيه لأمور مهمة، ويكون فيه موعظة وترقيق للقلوب والنفوس، وتذكير بقضايا مهمة لا بد للإنسان أن يقف عليها في رحلته إلى الله سبحانه وتعالى. فكان يوماً نافعاً في هذه الساعات العشر التي جلسناها، وقفنا فيها على أحاديث وآثار وقصص وأحوال وأبواب وأمور يحسن بالإنسان أن يتيقظ لها قبل فوات الأوان.
فجزا الله الإمام المنبجي الحنبلي خير الجزاء على ما استفدنا من علومه، والكتاب فعلياً لو أردت أن تفرغه بالصفحات بدون هذا يخرج بالراحة 600 صفحة، وهذا في اعتقادي مع طول الوقت؛ أنا أقيس على أيام الهمم السابقة، كنا ننجز 600 صفحة بقراءة أبطأ قليلاً من هذه القراءة، فواضح أن الكتاب مزحوم حتى في طباعته. فالحمد لله أولاً وآخراً، وجزاكم الله خيراً، والحمد لله الذي أتم علينا هذه النعمة.
ومن يدعو لنا في ختام هذا المجلس؟ تدعو لنا بما يظهر لك، يا رب تخدم مجلسنا اليوم بالدعاء، فإن الدعاء إن شاء الله تفتح له الأبواب في مجالس العلم وفي ختام الأيام والكتب والمصنفات.
بسم الله. اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا وعن المسلمين، آمين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها، دقها وجلها، صغيرها وكبيرها، ما علمنا منها وما لم نعلم. اللهم إنا قد اجتمعنا لتعلم دينك، اللهم فاجعل هذا المجلس شفاعة لنا عندك يا رب العالمين، آمين. اللهم فقهنا في دينك، واجعلنا من أولئك وأحبابك يا ربنا يا رب العالمين. اللهم انفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وزدنا فقهاً. اللهم علمنا علماً يعرفنا عليك ويقربنا منك يا ربنا يا رب العالمين.
اللهم لا تجعل ما تعلمناه حجة علينا، واجعل ما تعلمناه حجة لنا يا رب العالمين، آمين. اللهم ثقل موازيننا، اللهم ثقل موازيننا، اللهم ثقل موازيننا واغفر لنا كل ذنوبنا يا رب العالمين. اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، آمين.
اللهم يا ربنا نسألك في هذه اللحظات المباركة في هذه الليلة المباركة أن تفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها. اللهم فرج عن أهل غزة، اللهم فرج عن أهل السودان، اللهم فرج عن كل مسلم مستضعف يا رب العالمين. اللهم اكتب لنا سهماً في نصرتهم يا الله. اللهم أرنا عز الإسلام والمسلمين، اللهم أرنا عز الإسلام والمسلمين، اللهم أرنا عز الإسلام والمسلمين يا ربنا يا رب العالمين.
اللهم اغفر لشيخنا وارحمه، وبارك في علمه وانفع به يا رب العالمين. اللهم اجعله مباركاً أينما حل وارتحل، وانفع به البلاد والعباد يا ربنا يا رب العالمين. اللهم يا ربنا صل على محمد في الأولين، وصل على سيدنا محمد في الآخرين، وصل عليه في كل وقت وفي كل حين. اللهم تقبل منا هذا العمل، اللهم تقبل منا هذا المجلس، وتقبل يا ربنا من كل من بذل لقيامه يا الله، آمين.
أعلم بجنك أنت، أنت أعلم بالأخفياء الأتقياء، فيا ربنا تقبل منا جميعاً. اللهم تقبل منا وإن كان في عملنا قصور، اللهم تقبل منا وإن كان في عملنا قصور، واجبر يا ربنا سوء فعلنا، واجبر يا ربنا قلة عملنا، فأنت يا ربنا على ما تشاء قدير. أنت يا ربنا الغني الكريم ونحن عبادك الفقراء إليك.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين. جزاكم الله خيراً وبارك فيكم، تقبل الله السعي والجهود، ونلتقي إن شاء الله في مجالس علمية أخرى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل