دخولتسجيل الدخول

لقاءات أين الطريق | اللقاء الثاني

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

من المميز عند أهل الجاهلية؟ لماذا اختار الله سبحانه وتعالى العرب؟ ما السر في العرب حتى يختارهم الله سبحانه وتعالى ويجعلهم حملة الرسالة؟ السر مذكور في قول النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه الإمام أحمد موصولاً عن أبي هريرة ورواه مالك مرسلاً عن عطاء بن يسار وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

إذاً العرب كانت تتصف بأخلاق معينة ومحددة وكانوا يتميزون بهذه الصفات، وأخص أوصاف العرب الشجاعة والكرم؛ الشجاعة والكرم. فمن كان أشجع هو أعلى من غيره، ومن كان كذلك أكرم هو أعلى من غيره. فمن اتصف بشجاعة وكرم والوفاء ونصرة الملهوف والمظلوم إلى آخره وعدم إخفار الجوار؛ هؤلاء هم المعادن الذهبية.

ثم تأتي بعد ذلك المعادن الفضية وكانوا يتفاوتون في صحة هذه المعادن. طيب، ما علاقة هذا المعدن بفهم الإسلام؟ أقول لك: الإسلام ليس عبارة عن كلمات هكذا تطير في الهواء، هو ليس بهذه الطريقة. الإيمان ليس كلام هكذا عبارة عن كلام عام نقوله، إنما الإيمان يلتحم بالإنسان فيصنع أبا بكر الصديق.

فيصنع الإيمان أبا بكر الصديق، يصنع عمر الفاروق. ولما نأتي وننظر في صفات خيار هذه الأمة نجد بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر». إذاً الصديق كان رحيماً، ودخل هذا الإيمان في جوف الصديق، فتفاعل معدن الصديق مع هذا الإيمان فأثمر أبا بكر الصديق الصحابي، صديق هذه الأمة.

وعمر كان من طبعه الشدة، وأشدهم في أمر الله عمر. جاء الإيمان والتحم في معدن عمر الفاروق وصف عمر الفاروق فأصبح عمر هو عمر، ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. لذلك اختار النبي عليه الصلاة والسلام رجلين في مكة لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يختار لدعوته؛ خص رجلين: عمرو بن هشام وعمر بن الخطاب.

هذا الاختيار يختلف عن الدعوة العامة، يعني هنا الاختيار من أجل الإسلام. هذه الدعوة شق منها رباني ومصدر هذه الدعوة، وشق ثاني متعلق بدعوة البشر لابد فيه من بذل الأسباب، هذه الدعوة تخاطب الإنسان لا تخاطب الملائكة. فلما نقول بأنها تخاطب الإنسان؛ إذاً لابد أن ننظر إلى قدرة هذا الإنسان، وننظر إلى وصف هذا الإنسان، وننظر إلى خلق هذا الإنسان حتى نعرف من نتحدث معه تفصيلاً ومن لا نتحدث معه تفصيلاً.

لما جاء الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله، إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، لم يحرص النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين له تفصيل ما يعلمه معاذ. فقال: ولكني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حولها ندندن»، ولم يبين له ما بينه لمعاذ بن جبل لماذا؟ لقدرة معاذ على تحمل العلم التفصيلي، إذاً لابد من الانتقاء، وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل.

عثمان بن عفان ما الذي بلغ حتى يصبح عثمان عثمان؟ الإيمان، ولكن هذا الإيمان التحم بخلق أصلي عند عثمان وهو الحياء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وأصدقهم حياءً عثمان»، وقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة». اجتمع هذا الإيمان العظيم والتحم مع هذا المعدن الأصلي الذي هو مميز بالأصل بوصف الحياء الخلق العظيم الذي يكف الإنسان عن الذนوب والمعاصي ويمنع الإنسان من الوقوع فيما يقع به الرجل الجريء غير المؤمن.

القصد من ذلك أن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كانت دعوة مبنية على التقدير مبنية على الاجتهاد، ولكن هذا التقدير وهذا الاجتهاد هو خاضع للإيمان. توكل على الله، هذه الدعوة محمية بالله سبحانه وتعالى وليست بالبشر. عندنا دائرتان: دائرة متعلقة ببذل الأسباب، الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ودائرة أخرى متعلقة بالقدر، قدر الله غالب على تخطيط الداعية، على تقدير الداعية.

هل يجب على الداعية أن يخطط وأن يدبر وأن يجتهد في إيصال الدعوة؟ نعم. هل هذا الاجتهاد من الداعية سيوصل الدعوة إلى النهاية؟ لا. تقول: إذاً ماذا؟ أقول لك: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. ولكن كذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56].

حكمة بالغة، فما تغني النذر؟ ما الذي تنفع النذر؟ إذا أراد الله سبحانه وتعالى ألا يهدي إنسان لن يهتدي. أبو طالب دعاه النبي عليه الصلاة والسلام واجتهد في دعوته ومع ذلك ما اهتدى. هذا هو الجامع، هناك شق متعلق ببذل السبب وهذا البذل لابد أن يكون صحيح، موافق لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام وموافق لطبيعة الأشياء، يعني شخص شديد التعامل غير التعامل مع الشخص الحليم.

انظروا في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وتعجبوا وأعجبوا وعظموا هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع الصحابة، هل كان يتعامل معهم تعامل واحد؟ أبداً. كيف كان يتعامل مع عثمان؟ عثمان لما كان يدخل عليه كان يعدل من جلسته، دخل أبو Bكر ما عدل جلسته، دخل عمر ما عدل، لكن لما دخل عثمان؟ لماذا؟ لأنه حي، فتعامل معه بناءً على خلقه.

عمر بن الخطاب من طبعه شدة، والشديد إذا أكثرت عليه من الشدة أفسدته. هل كان عمر يشد؟ هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يشد على عمر؟ ما كان يشد عليه إلا قليلاً، إنما عامة التربية لعمر كانت تربية مبنية على ماذا؟ على اللين والرحمة والأخذ بيده، وليس الشدة عليه. بينما معاذ بن جبل لما صلى بقومه وقرأ سورة البقرة، ماذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ شد عليه شدة قوية، وقال: «أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟» قالها ثلاثاً، لماذا ما استعمل معه اللين؟ هذه هي التربية.

القصد من ذلك أن الدعوة لها خطة، لها طريقة، هذه الخطة وهذه الطريقة هي مبنية على طبائع الأشياء، مبنية على طبيعة الإنسان. بعض البشر به الصفات التي بمجرد أن تذكر له الحق يستجيب له، وأضرب لكم مثال آسية امرأة فرعون، ألا تعجبون؟ كيف هذه المرأة التي هي كانت في موطن السيدة الأولى وزوجة أعظم طاغية، كيف تؤمن؟

كيف هذه المرأة تؤمن؟ ما الذي جعل آسية تؤمن بدعوة موسى عليه السلام؟ مع أنها هي السيدة الأولى والمرأة بالأصل خاضعة لزوجها وهي زوجة فرعون، يعني لو آمنت ما الذي سيصنعه فرعون؟ الذي صنعه معها فرعون. طيب، ما الذي حملها على هذا كله؟ معدن هذه المرأة، هذه المرأة كانت امرأة رحيمة، بدليل أن موسى عليه السلام لما أرادت أمه أن تبحث له عن مرضعة؛ بحث حتى ألقته في اليم فأخذته امرأة فرعون، ماذا قالت؟ ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: 9]. هذه قرة عين تكشف معدن آسية، المعدن الطيب، المعدن الذهبي، بمجرد أن جاء موسى عليه السلام بدعوته آمنت بدعوة موسى ولم تبالي ببلاء فرعون.

هذا القسم هو أصفى الأقسام على الإطلاق، الناس في استجابتهم للدعوات ينقسمون إلى أربعة أقسام رئيسية، القسم الأول هو هذا، المعدن الذهبي، أي الذي يستجيب للحق فقط لأنه حق، ما يتأثر بأي ضغط نفسي ولا مؤثر اجتماعي، ما تأثر بثقافة الناس، بثقافة المجتمعات، بالثقافة السائدة، إنما مباشرة ينقاد للحق، لماذا؟ لأنه حق.

﴿إِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193]، مباشرة فآمنا، لماذا آمنوا؟ لأن هذا الحق وافق شيئاً في نفوسهم. طيب، ما هو هذا الشيء الذي في نفوسهم؟ الصدق، المحبة في إصابة الخير، وطيب المعدن، المعادن الذهبية تختلف عن المعادن الأخرى، لذلك الشخص ينبغي أن يسعى جاهدًا للتخلق بهذه الأخلاق، للتخلق، لماذا؟ لأن هذا سيكون أقرب للحق.

وهذا كذلك لما يهدى إلى الحق، أو لما يطلب العلم، ولما يدعو إلى الله، سيكون أقدر على تنفيذ الحق وأقدر على فهم الحق، وسيصيب بإذن الله المراتب العالية، لماذا؟ لأنه هنا إلتحم الإيمان مع المعدن الذهبي: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». هنا عندنا فقه، وعندنا الخيار في الجاهلية، وعندنا الناس معادن؛ الناس معادن: ذهب، فضة، إلى آخره.

وعندنا خياركم في الجاهلية، من الذي كان يفضل في الجاهلية؟ هو الرجل الكريم، الرجل الشهم، الرجل الوفي، أو هكذا، هذه الصفات، إذاً هذا القسم من الناس لما يكون معدنه بهذه الصورة ثم يتفقه في الدين ويتعلم الإسلام، سيثمر فيه الدين ما أثمره بالمعادن الذهبية. يطلب اثنان العلم، يسلك اثنان طريق الدعوة طريق الإصلاح، أحدهما معدن ذهبي والثاني معدن فضي، هل تكون النتيجة النهائية مثل؟ أبداً.

لماذا؟ لأن هذا من المعادن الذهبية وهذا من المعادن الفضية. طيب، أنا أريد أن أصبح من المعادن الذهبية، أو قبل ذلك، دعونا نفصل في الحديث عن المعدن الذهبي، أو عن الصفات، من أين تأتي الصفات؟ أقول لك: الصفات تأتي من أربع طرق. صفات الإنسان، الذي يشكل الإنسان، أربعة أشياء.

الأول: يولد الإنسان بهذه الصفات. تعرفون قصة أشج عبد قيس لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام وتأخر عن قومه؛ لما جاء وفد عبد قيس أتوا النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة من السفر، أما هذا الرجل تريث واغتسل وغير ملابس السفر ثم قدم على النبي عليه الصلاة والسلام. ففرح النبي عليه الصلاة والسلام أو سعد النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الفعل منه فسأله النبي عليه الصلاة والسلام أو قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله».

ما هما الخلتان؟ الحلم والأناة. فرد أشج عبد قيس وقال: يا رسول الله، أتخلقهما أنا يعني أتخلق هاتين الصفتين أم جبلني الله عليهما يعني أنا خلقت ومعي هذه الصفات الحسنة؟ قال: «بل جبلك الله عليهما». فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله. إذاً هذه الأخلاق الأولى؛ كل إنسان منا مفطور على أخلاق معينة قوية وأخلاق ضعيفة.

لذلك هنا لما ميز النبي عليه الصلاة والسلام الصديق ميزه بماذا؟ بخلق الرحمة. لكن لما ميز عمر ميزه بماذا؟ بالشدة. ولكن رحمة الصديق وشدة الفاروق كانت في ذات الله، في ذات الله. لما ميز عثمان بماذا؟ بالحياء: «وأصدقهم حياءً عثمان». إذاً ابحث ما هي الصفات القوية الموجودة عندك وقوِ هذه الصفة، وقوِ هذه الصفة.

طيب، الصفات غير الموجودة عندنا ماذا نفعل؟ نتخلق هذه الصفات، إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، التحلم، إنما الحلم بالتحلم. إذاً الطريق الأول لمعرفة شخصية الإنسان أو صفاته؛ نفس الصفات أو الطباع التي يولد عليها الإنسان، نفس الصفات أو الطباع التي يولد عليها الإنسان.

والطريق الثاني: التربية. التربية المقصود بها ما يتلقاه الإنسان من والديه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». الأب عنده قدرة هائلة والأم عندها قدرة عظيمة على تشكيل هذا المخلوق الجديد، الابن لما يولد يكون مثال على مثال العجينة، من الذي يضع في هذه العجينة الصفات؟ الأب والأم.

في السنوات الأولى من حياة الابن التشكيل الكلي أو الغالب يكون لأبويه، لذلك هو يولد بالأصل على الفطرة، لكن يأتي الأب وتأتي الأم ويعلمان الابن ما يخالف الفطرة. الكذب من أين يأخذه الابن؟ الشخص أول ما يولد هو من أين؟ هل هو يولد يكذب؟ لا، هو ما يكذب، لكن هو من أين يأتي بالكذب؟ لما ينظر إلى والده يكذب، لما ينظر إلى والدته تكذب. هذه الأوصاف أو هذه الأفعال التي تفعلها الأم أو يفعلها الأب تؤثر بالابن سلباً.

لما يأتي الأب ويخوف ابنه ويربيه على الجبن؛ الحيطان لها آذان، امشي جنب الحيط، انتبه تقول كذا، الابن هنا ينشأ على ماذا؟ على الذل، على الخضوع، على الانكسار. هو لما ينشأ على هذه الأوصاف يصعب جداً في المستقبل أن تغيرها، يصعب جداً. إذاً هنا واجب الأبوين، الواجب على الأبوين عظيم جداً في تشكيل الأبناء وصناعة الفرد المسلم بعيداً عن الواقع.

احذروا أن تتأثروا بالواقع في الصناعة، الصناعة إسلامية خالصة، صافية، ثم يكون التعامل بعد ذلك مع الواقع، لكن ليس الواقع هو الذي يصنع الإنسان، الإسلام لم يقبل أن يصنع الواقع الصحابة، إنما هو الذي صنع الصحابة، هو الذي صنع هذا الجيل العظيم. وبالله عليكم اقرأوا في السور المكية وانظروا إلى صناعة الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، صناعة الأفراد كانت سابقة لصناعة المجتمع في المدينة.

صنعت هذه المجموعة التي آمنت بالنبي عليه الصلاة والسلام. في سورة الإسراء انظروا إلى بداية السورة تتكلم عن القرآن وعن بني إسرائيل وعن التوراة، ثم بعد ذلك انتقل الخطاب إلى الحديث عن الأخلاق، عن بر الوالدين، عن الإنفاق، عن إكرام اليتيم إلى آخره من هذه الأوصاف، عن الابتعاد عن الزنا إلى آخره. تصنع المجموعة الأولى قبل أن يصنع المجتمع، صنع الأفراد صناعة إسلامية خالصة، ثم انتقل هذا؛ انتقلت هذه المجموعة إلى المدينة فصنع المجتمع المسلم بعد ذلك.

فصنع المجتمع المسلم وصنعت البيوت المسلمة، صنعت البيوت الطيبة المباركة من خلال صناعة الأب وصناعة الأم، صناعة المؤمن وصناعة المؤمنة. اقرأوا سورة النور وانظروا إلى صناعة المجتمع المسلم كيف كان، اقرأوا سورة الأحزاب وانظروا إلى تربية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين. هنا لما يصنع المجتمع المسلم ننتقل إلى المشكل الثالث، وهو البيئة.

المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل، واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، لماذا؟ لأن هؤلاء هم الذين يصنعونك، هؤلاء هذه البيئة هي التي تصنعك. البيئة لها سلطة هائلة وعظيمة في تشكيل الإنسان، في صناعة الإنسان، والإسلام حرص أن يصنع البيئة المسلمة. طيب، ما عندنا قدرة الآن أن نصنع المجتمع الكامل؟ أقول لك: المجتمع هو يبدأ من الفرد، ثم الفرد يكون أسرة، ثم الأسرة تكون مجتمع، إذا ما استطعنا نصل إلى المجتمع بكله، لتقترب الأسر الأسر الطيبة.

والشخص لما يتم تربيته على الخير، وعلى الصلاح، وعلى الشجاعة، وعلى الكرم، وعلى الوفاء؛ هو لا يستطيع أن يخالط غير هؤلاء.

فهنا تصنع المجموعة التي من خلالها سيصنع المجتمع المسلم الكبير. ثم هذا المجتمع المسلم سيسهل عملية الصناعة. لماذا؟ لأن نفس المجتمع، الأخلاق المنتشرة فيه هي هذه الأخلاق الإسلامية. فطبيعي جداً الذي يولد في هذا المجتمع، ستكون صفاته هي صفات الإسلام.

لكن قبل أن نتكلم عن المجتمع، لابد أن ننظر إلى أنفسنا. نبدأ نحن في صناعة أنفسنا صناعة إسلامية خالصة، ولا نسمح لأي مؤثر غير القرآن والسيرة النبوية في صناعتنا. قد تكون الصناعة إسلامية صرفة، وهذا هو الطريق الثالث أو الركن الثالث في صناعة الإنسان.

الركن الرابع هو الدين. تعرفون أين المشكلة تكون عندنا؟ لما نأتي ونجعل الدين تابعاً لهذه الثلاثة؛ يعني شخص هو بالأصل ولد عنده صفات معينة، ثم بعد ذلك في بيئته أو في أسرته الخاصة تربى على أخلاق معينة، ثم في المجتمع الذي عاش فيه كذلك أخذ منه أخلاق معينة، ثم التزم بعد ذلك.

الآن يأتي الدين يؤثر في الإنسان، لكن هل يقوى الدين أو يقوى دين هذا الإنسان على قشّ كل ما أخذه؟ وعلى صناعة الصناعة الأولى؟ هذا على حسب أخذ الإنسان الدين. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وأمر قومك يأخذوا بأحسنها.

هنا لم يأخذ شخص الدين بقوة، هنا تصنع الصناعة الإسلامية القوية، ولكن أكثر الناس لا يأخذون الدين بهذه الطريقة، لذلك ما يثمر فيهم الدين ما أثمر بالصحابة الأوائل. قد يكون حافظاً للقرآن، قد يكون طالب علم، قد يعتني كثيراً بالتلخيص وحتى قد يكون داعية، ولكن نفس الصناعة ليست قوية. لماذا؟ لأن نفس هذه الأوصاف ليست فيه متينة، ليست قوية.

لما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول للسعدين؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، ويخيرهم بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، كيف كان رد السعدين؟ ما الذي قاله السعدان؟ قال سعد بن معاذ: يا رسول الله، أمر من الله؟ هذه تربية إيمانية. فنسمع ونطيع، خلاص، إذا كان أمر من الله لا نتدخل فيه، أو شيء تحبه فسنقدمك على أنفسنا وعلى الذي نريده، أو شيء تصنعه لنا.

هم يريدون هذه التربية الإيمانية العظيمة. يستفسرون: إذا كان أمر من الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. أو شيء تحبه فنحن نحب الذي تحب، والذي تحب أحب إلينا من الذي نحبه، أو شيء تصنعه لنا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: بل شيء أصنعه لكم، إني أرى العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقال: يا رسول الله، طب هذا المعدن، كنا وإياهم في جاهلية وشر، وما كانوا يطمعون منا إلا من هذا المال، إلا قرى أو بيعاً؛ يعني نحن نضيفهم بطيبة نفس منا أو يدفعون الأموال، أما أن يأخذوا قصراً فلا والله يا رسول الله ليس لهم عندنا إلا السيف.

هذا معدن سعد بن معاذ ومعدن سعد بن عبادة. القرآن نزل على هؤلاء، القرآن نزل على هذه النوعية من الناس، لذلك أثمر فيهم هذه الشجاعة المفرطة، أثمر فيها شجاعة الإيمان. يعني الإسلام نقل هؤلاء من الشجاعة الفطرية أو الشجاعة الغريزية أو شجاعة البيئة والتربية إلى شجاعة الإيمان التي فاقت شجاعة عنتر، فاقت شجاعة هؤلاء الشجعان عند العرب.

لماذا؟ لأن هذا أي الإيمان التحم مع هذه الشجاعة التي كانت موجودة عندهم قبل الإسلام. لكن لما جاء الإسلام أعطاهم شجاعة الإيمان، قال: هناك يوم قيامة. يعني إن كان هؤلاء الكفار يقاتلون من أجل عزة النفس فأنتم تقاتلون من أجل الجنة، شيء أعظم؛ يعني ليس فقط عزة النفس، بل مع عزة النفس هناك الجنة، وليست هذه الحياة الحقيقية، إنما الحياة الثانية الآخرة هي الحياة الحقيقية. وهكذا ذلك يقول رجل منهم: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه الثمرات. ويقول الآخر: والله لأطأن عرج الجنة.

انظروا لماذا؟ لأن الوصف الأصلي كان موجوداً عندهم، ثم جاء الإيمان وتفاعل مع هذا الوصف الأصلي. لما يأتي الإيمان، هذا الدين العظيم على إنسان جبان، على إنسان يخاف من ظله، كيف سيثمر فيه؟ ما الذي سيغيره فيه؟ لن يغير شيئاً كبيراً. سيتأول هذا الإنسان أحكام الإسلام المتعلقة بالشجاعة بالحكمة والمصلحة. لماذا؟ سيقول: الحكمة تقتضي والمصلحة تقتضي. قال هذه الكلمات لأنه بالأصل هو لا يملك القدرة على أن يقول الحق، لذلك هذه دائماً تكون قراءاته بهذه الطريقة، سبب ذلك النقص الكبير الموجود عند هذا الإنسان.

كذلك الشخص لما لا يكون رحيم، لما يكون غير رحيم، هنا تجده مباشرة أو دائماً يستدل بالنصوص التي بها شدة، ولكن النصوص التي بها رحمة لا يستدل بها. لماذا؟ لأن هذا الإنسان فاقد هذا الوصف. لكن لما يكون هو رحيم، ويكون كذلك هو شديد في ذات الله، هنا تنضبط عنده النصوص ويفهم النصوص كما هي.

لذلك القرآن الكريم صنع الصحابة صناعة عجيبة. والله أنا أعجب لما أقرأ في حادثة الردة؛ كيف الصديق وهو الرحيم يختار قرار الشدّة، وعمر بن الفاروق وهو الشديد يختار قرار الرحمة، والصواب كان مع الصديق. لماذا؟ كيف استطاع هنا؟ هنا لم تكن نفس الصحابي نفسها هي التي تسيره، إنما هذه النفس صنعت صناعة إسلامية، فغلب الإيمان النفس، فأصبح الإنسان لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى الذي يعتقده. وهذا الاعتقاد ليس مبنياً على نفسه فقط، إنما مبني على نفس الدين. يعني الإسلام وصل إلى درجة في تهذيب الإنسان إلى أن يخالف نفس خلقه الأصلي.

وهذا كلام يحتاج إلى شرح طويل ولعله يكون في مجالس أخرى، لكن فقط الآن الذي أريد أن أبين أن النبي عليه السلام لما اختار عمر بن الخطاب أو أبا جهل، اختار من أجل معنى معين محدد؛ وهو أن هذه الدعوة بها شق رباني، وهي أن هذه الدعوة محمية بالله بالأصل، والله هو الذي يسيرها ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41]. ولكن كذلك هناك شق متعلق بدعوة البشر، فهي دعوة تخاطب الإنسان، لا تخاطب جبريل، لا تخاطب الملائكة، هي تخاطب هذا الإنسان. هذا الإنسان، أي عمر بن الخطاب، عنده صفة لو دخل هذا الرجل في الدين، سينقل الدعوة الإسلامية من حال إلى حال. لماذا؟ لأنها من صفته الكاريزمية، يملك القوة، وهذه صفة غير متكلفة، هذه صفة توجد مع الإنسان. لذلك مهم أن الداعي يبحث عن هذه النوعية من الناس.

ولكن طرحه لهذه الدعوة ما يطرحها مع خضوع. لذلك لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام ثم أسلم عمر، أول ما دخل عمر ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ أخذ بتلابيبه، أخذ وشد عليه حتى خضع عمر وجثى على ركبتيه وقال: مهلاً يا ابن الخطاب، يوشك أن تنزل عليك قارعة من السماء. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

طيب، ما الجمع الآن؟ ما الجمع بين دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لجميع الناس وبين تخصيص النبي عليه الصلاة والسلام الدعاء بهذين الرجلين؟ أقول: الدعوة العامة هذه مبنية على قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يخص أحداً في هذا، إنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يبلغ الجميع. فالدعوة ليست خاصة بالأغنياء، ليست خاصة بالكبراء، إنما للجميع.

لما أنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]، حتى قال الله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: 11]، من هنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يساوي بدعوته بين الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد. لا نفرق بين عبد في إيصال الرسالة. هذه الدعوة العامة، لكن الآن الدعوة الأخرى أو الشق الآخر هو الدعوة من أجل نفس مصلحة الدعوة ومصلحة الدين.

فهنا لما نختار عمر بن الخطاب أو نختار عمرو بن هشام، يكون اختيار هذا مبنياً على ماذا؟ أو القصد منه ماذا؟ ليس القصد منه الآن هداية فلان، إنما القصد منه أن الدعوة ترتقي، أن الدعوة تنتقل، وهذا هو الفارق. طيب، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام ما دعا بإسلام جميع أهل مكة؟ هو دعاهم جميعاً، لكن لماذا هنا خص؟ هنا التخصيص من أجل الدعوة، وحتى ما يتكئ النبي عليه الصلاة والسلام على القدر.

بعض الدعاة يقول: الله إذا أراد أن يهدي الناس يهديهم. هذه كلمة حق، ولكن تنزيلها بالواقع كيف يكون؟ هل يكون من غير بذل؟ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: 67]. لا تخلط بين دائرتين، عندنا دائرة بذل السبب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. عندنا دائرة بذل السبب: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52].

وعندنا دائرة القدر والنتيجة، هذه لا علاقة لنا بها: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]. حكمة بالغة، فما تغني النذر، هذه متعلقة بالنتيجة. أما الدائرة المتعلقة بالسبب، فهذه لابد أن نبذلها. وقدر الله سبحانه وتعالى الحامي للدعوة لا ينزل إلا بعد بذل جميع الأسباب، وبعد انقطاع الأسباب، بعد ما تبذل جميع الأسباب التي تستطيع أن تبذلها، تجتهد: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: 5]، وتعلن لهم الدعوة، وتدعو كل واحد لوحده، هكذا تبذل جميع الأسباب، وتقدر من تدعوه، وتقدر كذلك أسلوب الدعوة.

انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا الصحابة كان يدعوهم دعوة عجيبة، يعني مثلاً لما كان يأتي ركانة كان يدعوه بالمصارعة. لماذا؟ لأن هذا ما يتأثر إلا بهذه الطريقة. شخص آخر لما كان يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بأسلوب عالٍ، يا محمد أعرابي، فيرد عليه: لبيك، هذه الطريقة.

ثم النبي عليه الصلاة والسلام كان يختار وينتقي، اختار الصديق، اختار عليّاً، اختار خديجة، اختار أم أيمن. ثم الصديق كذلك، انظروا إلى وعي الصديق وفقهه، كيف اختار عثمان بن عفان، اختار عبد الرحمن بن عوف، اختار الزبير بن العوام، اختار أبو عبيدة بن الجراح، كان ينتقي، هؤلاء الذين كانوا في الدعوة السرية في مرحلة الدعوة السرية كلهم آمنوا، ولم تنتشر الدعوة عند الكفار، لم تنتشر.

لما صعد النبي عليه الصلاة والسلام على الصفا ودعا بدعوته وجهر بها، كان معه مجموعة من الأشخاص، ليس كلهم من الرجال، ثلاثة أرباع كانوا من الرجال وربع كانوا من النساء، هؤلاء كانوا حاملين للدعوة.

لذلك فرق كبير بين الدعوة التي تصدم الناس من غير وجود أتباع لها، وبين الدعوة التي تصدم الناس مع وجود الأتباع. الدعوة التي تصدم الناس من غير وجود أتباع عادة ما يتأثر الناس بها، نعم يبلغون الحجة وتصلهم الرسالة ولكن ما يهتدون. لماذا؟ لوجود النفس، لنوازع النفس. لكن الدعوة التي يكون معها أتباع، هؤلاء الأتباع ماذا يفعلون؟ يدافعون ويدفعون، فلما يأتي هؤلاء ويسبون الداعية ويطعنون به، هؤلاء ماذا يفعلون؟ يبلغون ويصدون، فصد الكفار وشيطنة الكفار وما يقوم به الكفار من أفعال ما تؤثر في إسقاط الدعوة، ما تؤثر. لماذا؟ لوجود الأنصار لها.

لذلك من المهم جداً أن الداعية يقدر ويميز بين الدعوة الفردية والدعوة الجماعية. بعض الأشخاص لا يهتدي بالدعوة الجماعية، يعني لما تتكلم بخطاب عام ما يتأثر، لكن لما تأتيه وتخاطبه هو بنفسه ويكون الخطاب موافقاً له، يتأثر.

لذلك الشيطان يعرف الإنسان وما ييأس من الإنسان. لماذا؟ لعلمه بأن الإنسان كائن ضعيف وبه ثغرات يتأثر. كذلك الدعاة الكبار، وعلى رأسهم الأنبياء، ما ييأسون من الدعوة. لماذا؟ لعلمهم بالإنسان وأنه ممكن هذا الإنسان أن يتأثر، وهذا الإنسان ضعيف، هذا الإنسان ضعيف؛ فهو الآن مصر على قوله، لكن ممكن بعد فترة يغير قوله.

لكن انظروا أبو سفيان كيف كان يقود الكفار في أحد، ومع من؟ خالد بن الوليد، ومع من؟ صفوان بن أمية، ومع من؟ عكرمة بن أبي جهل. هؤلاء الأربعة كلهم أصبحوا ماذا؟ من كبار الصحابة، من كبار القادة، تغيروا.

هذه الدعوة متعلقة بالله سبحانه وتعالى، لكن الإنسان ينبغي عليه أن يبذل الأسباب، هذه الدعوة ليست اعتباطية، هذه الدعوة ليست اعتباطية، هذه الدعوة لها تقدير، لها فقه، وتفصيل هذا في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.

فالدعوة لما ننظر إليها على سبيل العموم لابد أن نقدر مرحلتنا الدعوية حتى نقدر الخطاب. وتفصيل هذا صعب شرحه في مثل هذه المجالس، هذا يحتاج إلى عمر؛ من شخص يقرأ في سورة الأنفال وينظر إلى خطاب الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال، ثم يقرأ في سورة الشعراء أو قبل ذلك وينظر إلى خطاب الله في سورة الشعراء، ثم يقرأ في سورة التوبة وينظر إلى خطاب الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة. الخطاب يتغير، لماذا تغير الخطاب؟ لتغير سقف الدعوة.

لذلك من الخطأ، بل من الظلم، من الظلم أن الداعي يأخذ نصاً قرآنياً وينزله على واقع ليس هو واقع النص، ليس هو واقع النص. فالله سبحانه وتعالى في بدر لم يقبل بالمن والفداء بالأصل، ولكن بعد ذلك في سورة الفتح وفي سورة محمد قبل الله سبحانه وتعالى بماذا؟ بالمن والفداء. طيب، لماذا هنا قبل وهنا لم يقبل؟ لأنه هنا سياق معين له حكم معين، أما هنا سياق آخر.

القسم من ذلك أن هذا الإنسان لابد أن تكون به هذه الصفات، وبقدر تحقق هذه الصفات الإسلامية فيه تكون استجابة هذا الإنسان للدعوة. فالشخص النقي، الشخص الصافي، هذا يتأثر بالدعوة ويستجيب لها بمجرد أن تطرق ذهنه. لذلك الله سبحانه وتعالى وصف هذا القسم من الناس بقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور: 35]، أي إلتقى صفاء القلب بنور الوحي. فلما

أصاب نور الوحي هذا القلب الصافي، فأثمر فيه ما أثمر بهذا النفر من الناس، حتى لو الواحد منهم يبتلى في سبيل الله ويعذب، ومع ذلك ما يرجع عن دينه. لا يملك وسائل التأثير، والأعداء يملكون الإعلام ويملكون القانون ويملكون القوة، ومع ذلك هذا ثابت على دينه. كيف هذا؟ إلتقى هذا مع هذا، هذا نور الإيمان. هذا الإيمان لما يخالط، إذا خالطت بشاشته القلوب...

القسم من ذلك أن الناس أربعة. قسم من الناس ينقاد للحق لأنه يريد الحق ولأنه صاحب المعدن الذهبي الصافي، هذا بمجرد أن تطرق دعوة الحق، ولو كان في مجتمع كله ملاحدة سيتأثر ويستجيب. القسم الثاني من الناس يستجيب لما يكون لأصحاب الحق شيء من القوة. مثل لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، أصبح لأصحاب الحق ماذا؟ قوة وجهاد. نعم لم يصلوا إلى درجة أن يكونوا القوة الأولى في العرب في جزيرة العرب، ولكن أصبح عندهم شيء من القوة. بدأ الناس يسلمون، وزاد عدد من أسلم، لكن لم يصل إلى عدد كبير جداً، لكن زاد عن مكة. مكة ثلاثة عشر عاماً لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام مئة شخص.

مع أن الداعي هو النبي عليه الصلاة والسلام، ومؤيد بجبريل وبالوحي، وأفصح الناس وأعلم الناس وأقدر الناس على إيصال الرسالة وأنسب الناس، ومع ذلك ما استجاب له إلا هذا العدد. لماذا؟ لأن وسائل التأثير لم تكن الدعوة تملكها. وهذا أمر مهم. لما يأتي الآن شخص ويقول لك: هل الإسلام انتشر بالسيف؟ أقول لك: هذه الكلمة لابد أن ننظر إلى معناها وليس إلى مبناها. هل الإسلام انتشر بالسيف أو انتشر بالدعوة؟ إذا قلت بأن الإسلام انتشر بالدعوة، لماذا لم يؤمن إلا مئتان؟ لماذا أهل مكة ما آمنوا إلا بعد ما فتحت؟ لماذا لم يؤمن عامة العرب إلا بعد كسرهم بالسلاح بالسيف؟ إلا وفد عبد قيس أو بني عبد قيس لما جاءوا من غير أن يكسروا. هؤلاء آمنوا طوعاً، لكن بقية العرب أكثرهم استعمل معهم السيف.

لماذا؟ لأن السيف أزال هذه الموانع النفسية التي كانت موجودة. طيب، ما هي الموانع النفسية التي تسيطر على عقل الإنسان؟ يقول لك: الإعلام. الإسلام حريص أن يملك القوة الإعلامية. في مكة ما كانت عندنا قدرة إعلامية، لذلك ما آمن معنا إلا القليل. من هؤلاء القليل؟ الصافين. لكن في المدينة أصبح عندنا حسان بن ثابت، أصبح عندنا كعب بن مالك، أصبح عندنا عبد الله بن رواحة. في مكة الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]. لكن في المدينة، كان يسب أبو سفيان بن الحارث فيرد عليه حسان بن ثابت. لماذا؟ لأن هذا مخاطب للإنسان. واهم من ظن أن الدعوة هذه تخاطب الملائكة، البشر يتأثرون. هذا الداعية لما يسلط عليه إعلام ويسب ويشتم ويطعن به، الناس يبدأون يتشككون، وما يبقى معه في النهاية إلا القليل.

لماذا؟ لعدم وجود القوة. إذاً الإسلام حرص أن تكون عنده القوة الإعلامية، وحرص أن تكون عنده قوة القانون. لذلك الإسلام لم يقبل ولا يقبل أن يشرك أحد في الحكم. لماذا؟ لأثر الحكم العظيم على عقول الناس. انظر الآن لما يأتي قانون ويفرض على الناس شيء معين، قبل القانون الناس ما تستجيب، لكن بعد القانون يستجيبون، ثم إذا تعددت الأجيال أو طال الزمن يقولون حق. كلمة حق هذه من أين أتيت بها؟ من القانون. طيب، من الذي وضع هذا القانون حتى تقول بأن هذا حق لفلان؟ واضحة الأمور؟

كذلك القوة العسكرية، كذلك الحصول على التعليم. الإسلام يملك أدوات التأثير وحرص أنه يشكل المجتمع المسلم الذي يملك هذه الأدوات. لماذا؟ حتى يصنع الفرد المسلم، ويمنع الشيطان وأعوان الشيطان من المشاركة في هذه الصناعة. لكن من الذي سيصنع هذا الفرد المسلم؟ من الذي سيصنع المجتمع المسلم؟ الفرد الصافي، صاحب المعدن الذهبي، الذي يستجيب للحق لأنه حق. القسم الثالث من الناس متى آمن؟ بعد صلح الحديبية. لماذا بعد صلح الحديبية؟ لأن الناس قالت: ما دامت قريش صالحت المدينة، إذاً اعترفت بها. فلما اعترفت بها كدولة لها سلطان لها حكم، بدأ النبي يبث الدعاة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً. من صلح الحديبية إلى فتح مكة سنتين وصل العدد من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف.

لكن بعد فتح مكة من الذي جرى؟ دخل الناس، أصبح عدد من أسلم مئة وعشرين ألفاً. طيب، لماذا هذا كله؟ يعني لماذا صار الانتقال الكبير بهذه الطريقة؟ لوجود أدوات التأثير. طيب، إذا قسم من، بل قسم من الناس النبي عليه السلام فتح قلبه بالمال. لكن فارق كبير بين الأنصار الذين قال عنهم النبي عليه الصلاة والسلام: «هل وجدتم في أنفسكم في لوعة الدنيا؟ أتألف بها قوماً أسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم» أو كما قال، والأنصار ما أعطاهم النبي عليه الصلاة والسلام أي شيء بعد حنين، لكن أعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وفلان وفلان. هؤلاء أعطاهم حتى يفتح قلوبهم للإيمان، المؤلفة قلوبهم، لكن الأنصار ما أعطاهم شيء. لماذا؟ لما في قلوبهم من إيمان. هذا القسم غير هذا القسم. فارق كبير جداً بين القسم الذي يحتاج إلى مداراة وإلى أنك تعطيه من المال وإلى أن تقدره حتى يهتدي حتى يقبل الدعوة، وبين القسم الذي يقبل بالدعوة فقط لأنها دعوة، يقبل بالحق فقط لأنه حق.

فارق كبير بين هذين القسمين. والقسم، وذلك الشخص إذا أراد أن يكون من القسم الأول، أي من المهاجرين والأنصار، هؤلاء الصفوة، لابد أن يتخلق بأخلاقهم وأن يتصف بصفاتهم، وهؤلاء هم الذين يهدون. هؤلاء هم الذين يهدون إلى الحق. ولما تطرقهم دعوة الحق يتفاعلون معها تفاعل المباشر والتفاعل القوي، ويثمر فيهم الحق ما أثمر بهؤلاء الصالحين، بالمهاجرين والأنصار. فيصبح الواحد منهم كأنه قرآن يمشي، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأن هذا القرآن، النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن خلقه، لما سئلت أمنا عائشة عن خلقه، قالت: كان خلقه القرآن. كلمة الخلق لها إطلاقان: إطلاق بمعنى الدين، وإطلاق بمعنى الصفات. ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، أي وإنك لعلى دين عظيم.

الإنسان لما تصل صفاته إلى أن تكون عادة بالنسبة له، يعني تلتحم به هذه الصفات حتى تصبح الصفات يفعلها من غير تكلف، هذا تكون وصلت صفاته إلى أن أصبحت كل أفعاله هي خاضعة لنفس هذا الدين. فتخلق بهذه الأخلاق، فأصبح كأنه قرآن يمشي، أي كل ما جاء في القرآن الكريم من أوصاف ومن أقوال ومن اعتقادات تشكلت في صورة هذا الإنسان. وأصل هذا كان الخلق الحسن: أحلم الناس، أشجع الناس، أكرم الناس، أوفى الناس. كان النبي عليه الصلاة والسلام لشدة وفائه كان يتعاهد صويحبات خديجة. بالله عليكم من يفعل هذا؟ بل أعطيكم شيئاً كذلك بليغاً ويغفل عنه كثير ممن يتكلم عن السيرة: النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء يوم بدر واستشار الصديق والفاروق فيما يفعله في أسرى بدر، ماذا قال؟ قال: لو كان المطعم بن عدي حياً ثم سألني في هؤلاء النتنى لتركتهم له.

ما الذي جعله يتذكر المطعم بن عدي؟ تذكر المطعم بن عدي لأن النبي عليه الصلاة والسلام أوفى الناس. المطعم لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف دخل في جوار من؟ المطعم بن عدي. فلو كان المطعم حياً ثم أرسل إلى النبي عليه الصلاة والسلام بأنك أطلق لي هؤلاء، قال: لتركتهم، لم أقتلهم ولا آخذ منهم لا المن ولا الفداء. انظروا إلى الوفاء، الوفاء العالي جداً. فالقصد من ذلك أن هذه هي الأخلاق، هذه هي أخلاق الدعاة. فالداعية لما يصل إلى هذه الدرجة بالأخلاق، هذا يكون قبولاً للدعوة وتفاعلاً معها وتطبيقاً لها أعلى من غيره.

الأمر الآخر الذي أريد أن أنبه عنه متعلق بهذا، أن كل إنسان له خلق أصلي، لا يستطيع أن يغير خلقه الأصلي. يعني بعض الناس من طبع الحلم الكبير مثل عثمان، هذا لما يتفاعل مع الحلم وينمي الحلم ثم ينمي بقية الصفات، يصل به الحلم إلى درجة عثمان أو قريب من درجة عثمان. يعني ما يحمل الحلم على مخالفة أمر الله، لا، ولكن الحلم يكون قوي عنده، فيكون الحلم هذا متفاعل مع الإيمان، فيصل به إلى درجة أن الملائكة تستحي منه. لما يكون شخص من طبعه بالأصل شدة، هو لما يتعلق فقط بالشدة ممكن يظلم، لكن لما يكون مع الشدة عنده رحمة، ومع الشدة عنده إيمان مثل عمر الفاروق. عمر الفاروق والله هؤلاء عظماء.

يعني هؤلاء عمر بالأصل شديد، لكن انظروا إلى عمر بعد ما آمن، كيف صنعه الإسلام؟ هل غير الشدة؟ يعني هل عمر شدته ذهبت؟ لا. لكن ما الذي حدث؟ دخلت مع الشدة رحمة عجيبة، والعجيب أن هذه الرحمة تأتي في لحظة شدة. يعني لما، لما النبي عليه الصلاة والسلام يتكلم ويقول، ويسأل حاطب بن أبي بلتعة لما أفشى سر النبي عليه الصلاة والسلام وأرسل الكتاب عن طريق المرأة لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يفتح مكة. حاطب أفشى السر، كتب بكتاب إلى أهل مكة يخبرهم فيه بما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعله. فجاء جبريل وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة من الصحابة إلى مكان اسمه روضة خاخ: المقداد والزبير وعلي، وأخبرهم بأن هناك امرأة معها الكتاب. فذهبوا الثلاثة وجاءوا بالمرأة ومعها الكتاب، ثم دعا حاطب.

فلما دعا حاطب وسأله، ماذا قال عمر هنا؟ قال: يا رسول الله، ائذن لي أضرب عنق هذا المنافق، وفي رواية هذا الكافر، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين. ثم عمر كررها مرة ثانية، يعني عمر الآن وصل إلى درجة أن هذه خيانة ويريد أن يقتله. ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: يا عمر، لا تدري، لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال: فقد وجبت لكم الجنة. ماذا فعل عمر؟ فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم. تغير مباشرة. الإيمان بلغ بهؤلاء إلى هذه المرتبة، أن الواحد منهم يصل إلى درجة عالية بحضور نفسه، وهو بالأصل شديد، ثم لما يأتي هذا القول مباشرة يرجع.

عمر لما دخل إليه رجل وأراد عمر أن يهم به لما أساء لعمر، قرأ عنده رجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: 199]. فقال عمر، قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]. فقال عمر: كظمت غيظي. قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]. قال: عفوت عنك. قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. قال: أنت حر لوجه الله. كيف، كيف أنه هو يعني يريد أن يهم به، ثم بمجرد أن تقرأ عليه هذه الآية يتغير هذا التغير الكبير، ويصل لدرجة أن يعتقه، يعني بدل أن يضربه يعتقه؟ كان وقافاً عند كتاب الله. هذه النوعية من الناس نعم مع هذه الأخلاق العظيمة، لكن هذه الأخلاق استعملتها في الإسلام، هذه الأخلاق استعملتها في نصرة الإسلام. لذلك عمر قوته هذه نقلت الإسلام: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. عمر لما أسلم ماذا فعل؟ انتقل مباشرة وأخذ يمر على الكفار.

فالقصد من ذلك أن الإسلام بحاجة، أو الناس بحاجة إلى الإسلام. لكن الدعوة الإسلامية إذا أردنا أن نقيمها كما أقامها النبي عليه الصلاة والسلام، لابد أن يوجد بها مثل عمر. يعني مثل هذه الشخصية لابد أن نبحث عنها، أن نبحث عنها والداعية لابد أن يكون بصيراً بهذا. لكن لما نبلغ هؤلاء، لا نبلغهم الدعوة بخضوع، يعني لا يدخل واحد منهم الدعوة الإسلامية وهو يرى بأن له فضل على الدعوة، هذا لن، هذه لن تستفيد منه الدعوة، إنما يدخل الدعوة خاضعاً لها. طيب، ما الحل مع هذه النوعية؟ أقول لك: ندعو الله سبحانه وتعالى، اللهم اهدي فلان، وهكذا. وعلى هذا المثال فليقس، وعلى هذا المثال فليقس.

انظروا مثلاً إلى سلمان الفارسي، كيف أن سلمان وهو ابن دهقان وكان في الفرس، وكان والده الذي يوقد النار، كيف أنه أسلم؟ كان قاصد طلب الحق. النبي عليه السلام كان يعمل هناك في مكة، والله سبحانه وتعالى ييسر لسلمان الطريق حتى يلتقي سلمان بالنبي عليه الصلاة والسلام. لذلك الشخص إذا أوجد في نفسه إرادة الحق وإرادة الخير، هذا يهدى بإذن الله. انظروا مثلاً إلى زيد بن عمرو بن نفيل، هو كان من الحنفاء في مكة، لما قال: يا معشر قريش، والله ما منكم من أحد على دين إبراهيم غيري. ثم ذهب إلى اليهود وإلى النصارى يلتمس دين إبراهيم ولم يصبه، وحاول أن يصل للحق لكن ما عرف. لكن باطنه كان خير، فقال: اللهم إنك تعلم أني أريدك وأني لا أعرف كيف أعبدك. ثم لما أخبره أحدهم بأن النبي عليه الصلاة والسلام سيبعث الآن أو بعث، فرجع إلى مكة، وفي الطريق حضرته الوفاة، ماذا قال؟ قال: اللهم إن كنت حرمتني من هذا الخير فلا تحرم منه ابني سعيداً. جاء سعيد ابنه وأسلم وأصبح من العشرة المبشرين بالجنة. ثم سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن والده، فقال: يبعث أمة وحده بيني وبين عيسى. لماذا؟ لأن إرادته كانت قوية في الحق.

القسم من ذلك أن الإنسان إذا صفى باطنه وتخلق بأخلاق الإسلام بغاية ما يستطيع، وأصبح يحاول أن يكتسب صدق، يكتسب خلق شجاعة، يكتسب خلق الكرم، يكتسب خلق الوفاء، يكتسب هذه الأخلاق الحميدة، هذا سيكون أقدر على الاستجابة للحق، وأقدر على الثبات عليه، وأقدر على تطبيق الحق. إذاً إذا كنا في هذا الموطن، موطن الشخص

المستجيب، لنحرص جاهدين على التخلق بهذه الأخلاق وعلى الاتصاف بها. طريق الوصول إليها يكون من خلال نفس التخلق، ويكون كذلك من خلال خلطة هؤلاء. يعني لما يكون الشخص لا يملك شجاعة، أقول: خالط الشجعان. لما لا يملك شجاعة، أقول لك: افعل كما فعلت صفية مع الزبير. صفية كيف ربت الزبير؟ كانت تدخله في الطرق المظلمة، وكانت النسوة يلمنها. فتقول: إنه ابني، ولا أعرف كيف أربيه؛ لأن والده كان قد مات فخافت أن الابن يخرج وليس قويًا، بل جبانًا. فربته بهذه الطريقة، وأصبح الزبير وتعرفون من هو الزبير في الشجاعة والقوة والإقدام، رضي الله عنه. وكيف ابنه عبد الله بن الزبير؟ كيف كان ابنه مصعب؟ فأبناؤه كانوا بهذه الصورة وهذه الطريقة، لماذا؟ التربية كانت بهذه الطريقة.

القسم من ذلك أن الإنسان يربي نفسه ويسعى جاهدًا للتخلق، وكذلك يدعو الله سبحانه وتعالى. في رواية بني عامر بن عبد قيس: دعا الله سبحانه بثلاث دعوات، منها بأنه دعا الله سبحانه بأنه لا يخاف وكان يخاف، فسأل الله سبحانه وتعالى كثيرًا بأنه لا يخاف. فلما دعا الله سبحانه وتعالى بهذه الدعوات، استجاب الله له فكان يقول: حتى أصبحت أني ما أخاف أحدًا بيني وبين الله. لما دعا الله واجتهد؛ لأن الله علم منه أنه يريد أن يتخلق بهذه الأخلاق العظيمة، الله سبحانه وتعالى بلغه. والأمر الآخر لما يكون الشخص في مقام التربية، لما يكون هو في مقام المعلم، أو في موطن الأب، أو تكون هي في موطن الأم، أقول: اتقوا الله فيمن تحت سلطان دعوتكم، وعلموهم هذه الأخلاق وربوهم على أخلاق الإسلام؛ لأن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يحملوا رسالة الإسلام.

الإسلام لا يقوم على الضعفاء، الإسلام لا يقوم على المكسورين، الإسلام لا يقوم على الجبناء، لا يقوم على البخلاء. الإسلام لا يقوم على هؤلاء مستحيل، الإسلام لا يقوم إلا على أصحاب الأخلاق الكريمة. انظروا في وصف إبراهيم. إبراهيم عليه السلام مما قيل بسبب اختيار الله له بلغ مرتبة الخلة أنه كان يكرم الضيفان. تصوروا، يعني مما قيل: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. أنه أصبح خليل الله لأنه كان من أكرم الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام. كان يتلقى الضيفان ويبحث عن الضيفان. وانظروا كذلك إلى الصديق، كيف أن الصديق كان بهذه الصورة وأشبه الناس بإبراهيم عليه السلام هو أبو بكر الصديق من الصحابة، وأشبه الناس بموسى عليه السلام هو عمر بن الخطاب من الصحابة. لكن النبي عليه السلام لما وصف الصديق والفاروق قال: إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، وإن مثلك كمثل عيسى، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح وكمثل موسى. هذه الأخلاق العظيمة، والصصحابة لم يكونوا على طبع واحد.

وهكذا هي الدعوات، يعني من الأخطاء الكبيرة في التربية أن الشخص يريد من الشخص الذي به شدة من طبعه شدة أن يكون مثل عثمان. عمر لن يكون مثل عثمان، لن يكون. عثمان يغلب عليه الحلم، عمر تغلب عليه شدة، لكن هنا يتم إدخال الخلق الآخر الذي يوازن هذا الإنسان فيكون هو شديد، لكن شدة لا تحمله على الظلم، ويكون حليم، لكن الحلم لا يمنعه من قول الحق. عثمان من أول من استجاب وهو حليم، كان يعذب، كان يضرب ومنع من ماله في مكة ومع ذلك عثمان بن عفان ثبت ولم يتغير وهاجر في سبيل الله، يعني حلمه ما منعه من القيام بالحق وقول الحق والثبات عليه.

فالقصد من ذلك أن هذه الأخلاق لابد أن يتخلق الإنسان بوسعه جاهدًا، ولابد أن يعرف الإنسان طبعه وخلقه الأصلي حتى ينميه وحتى يأخذ الأخلاق الباقية حتى يشكل المسلم الكامل. المسلم الكامل مثل أبو بكر الصديق، مثل عمر بن الخطاب، مثل عثمان. الكمال ليس معناه أن يكون عنده وصف قوي أقوى من غيره، ليس هذا معناه، إنما معناه أن هذا الإنسان هذا الوصف القوي ما يحمله على الخطأ أو على المخالفة. وهذا له تفصيل لعله يكون في مواطن أخرى، لكن القصد فقط الآن تقريب هذه الصورة.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يقدر دعوة الأفراد، وكان يقدر مرحلة الجماعة. لذلك كان إذا أسلم عمر وأسلم حمزة يرفع السقف. يخرج الصحابة في صفين، يصعد، إلى الآن ما اتخذ قرار القتال، ولكن صعد مع الكفار. قبل ذلك لم يكن يخرج معهم بهذه الطريقة الاستعراضية، لكن بعد ما أسلم عمر وأسلم حمزة انتقلت الدعوة بسقفها. لذلك من المهم جداً أن نعرف سقف الدعوة الذي نعيش فيه حتى ما ننزل عن هذا السقف وحتى ما نتجاوز هذا السقف؛ لأن نتجاوز هذا السقف سيكون خطأ في تقدير الدعوة.

تقول لي: الله على كل شيء قدير. أقول لك: أنا ما أتكلم عن هذه الدائرة، دائرة الإيمان، إنما أتكلم عن دائرة السبب، دائرة التقدير. الله سبحانه وتعالى أمرنا بأمرين: أمر متعلق بالصدق والإخلاص والتعلق بالله وتفويض الأمور إليه، وأمر متعلق بالاجتهاد في بذل الأسباب الصحيحة الموافقة لطبيعة الأشياء. هنا سقف الدعوة ما هو؟ يتكلم بناءً على هذا السقف. ولكن هذا البناء مبني بالأصل على ماذا؟ على نفس الدين. يعني مثلاً قول الحق، قول الحق هذا لا سقف له، يعني ما في سقف تقول ما أقول الحق فيه، ما فيه، يوجد. النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول الحق في مكة وفي المدينة، ولكن القتال لم يكن في مكة إنما كان في المدينة، وهكذا هذا قصدي.

واليوم البلدان تختلف، فبعض البلدان تكون الدعوة فيها مثالها مثال أو قريبة من الدعوة السرية. لا يوجد الآن واقع في الأمة دعوة سرية، هذا غير موجود، لكن تكون قريبة، أو تكون مثل الدعوة الجهرية. وبعض البلدان تكون الدعوة فيها مثل بعد بدر. فالدعوة بعد بدر غير الدعوة في مرحلة الدعوة السرية أو الدعوة الجهرية في مكة. البلدان تتفاوت وكل هذا التقدير موجود في السيرة النبوية. سقف الدعوة في السيرة النبوية الكبير كان سورة التوبة، يعني بعد فتح مكة والقضاء على هوازن الآن جزيرة العرب كلها خضعت لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا سقف الدعوة العالي.

ولكن هذا الخطاب هنا، السقف هنا غير السقف في مكة. وكذلك السقف في مكة في مرحلة الدعوة السرية غير الدعوة الجهرية، وهكذا. فمن المهم جداً أن نستوعب ونعرف هذا السقف حتى نعرف كيف ندعو إلى الله، ونعرف كيف نختار الأسلوب الأنسب في دعوتنا. فأحياناً ممكن نختار اللين، وهذا هو الأصل في الدعوة، لكن في بعض الأحيان نختار الشدة لا نختار اللين. تسمعون يا معشر قريش، والله لقد جئتكم بالذبح، وهذا أين؟ في مكة أو المدينة؟ في مكة. مع قول الله: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7]، لكن هذا يكون انتقائي، هذا يكون ليس هو الأصل، إنما على خلاف الأصل. ينتقي الداعية الموطن الذي يشد فيه، لكن الأصل: أفرغت يا أبا الوليد؟ وهكذا.

إذاً هذا الشق الأول المتعلق بنفس المعادن، وكذلك أهمية التربية. تبقى عندنا نقطة أخيرة أتكلم عنها في الشق الأول من هذه المحاضرة المتعلقة بالمساجد وأهمية الدعوة المباشرة. نحن اليوم في زمن الدعوة الإلكترونية، دعوة رقمية، لكن هذه الدعوة ناقصة وخطيرة إذا اكتفينا بها. هي مهمة، وهي من وسائل الدعوة التي ينبغي أن نستثمرها في دعوتنا إلى الله، ولكن هي خطيرة إذا اكتفينا بها. لماذا؟ لأن هذه الدعوة رقمية ليس معها لقاء، والإنسان يتأثر في المباشرة أكثر من تأثره بالسمع. بل كذلك الإنسان يتأثر في السماع أو الحضور المباشر في وسائل التواصل أكثر من تأثره بسماع المحاضرة.

انظر إلى نفسك لما تحضر في بث مباشر مثل هذا، هل مثل لما تسمع المحاضرة؟ أبداً، يتغير التأثير. لماذا؟ لأن هذا هو الإنسان. طبيعة الإنسان لما يكون شيء حي يتأثر به أكثر من تأثره بالمسموع، وكذلك لما يكون مباشر فيزيائي يكون تأثر الإنسان به أكثر من تأثره بالسماع عن بعد. لذلك من المهم جدًا أن تكون الدعوة عندنا معها اجتماع ومعها لقاءات ومعها تثبيت: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لا يتفرقون إذا اجتمعوا إلا يقرأون سورة العصر لما فيها من هذه المعاني المذكرة.

فمن المهم جدًا أن تكون دعوتنا بهذه الطريقة، يعني ليس من الصواب وانتبهوا واحذروا أن تكتفوا بالدعوة في البرامج أو الدعوة عن طريق المحاضرات؛ لأن بعض الناس يخدع الشيطان، والشيطان مداخله لا تحصى على الإنسان إلا أن يحميه الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يقول عن الشيطان: يقول لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، لأغوينهم أجمعين. الله سبحانه لما يرد على الشيطان ماذا يقول؟ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]. يعني الإنسان إذا أراد أن يحمى من الشيطان، الشيطان له مدخل في الدعوة، يدخل عليك في الفهم، في المعرفة، في التطبيق، له مداخل كثيرة جدًا، ويدخل كثيرًا على الإنسان بالتسهيل.

الشيطان مدخله هكذا باختصار فقط في هذا السياق على الإنسان في هذا الكلام الذي نتكلم فيه الآن، له مدخلان قويان أو كبيران: الأول التقدير، يقول الآن يسمعني مئة، أفضل من أجلس في المسجد ما يسمعني إلا واحد أو اثنين. أقول لك: هذا من الشيطان؛ لأن هؤلاء المئة لم يكن تأثرهم كتأثر واحد أو اثنين. المدخل الثاني على الإنسان التسهيل، يعني هو يقول لك: أنا لماذا أذهب وأتحرك وأخاطب الناس؟ أنا أجلس في البيت وأشغل هذا الجهاز وأعمل بث مباشر. وأقول لك: هذا كذلك من الشيطان.

انظر لمداخل الشيطان: التسهيل والتقدير. التسهيل: يقول لك التقدير هنا مئة وهنا واحد. نقول لا، هنا هذا الواحد لكن مع إيش؟ مع حضور، مع مباشرة، بخلاف المئة الذين هم عن بعد، أثر هؤلاء سيكون أفقي غالباً، بخلاف من تكون أنت معه مباشر، أثرك سيكون رأسي وليس أفقي. هذا معنى مهم جداً، لذلك إذا أردنا أن نحقق الدعوة حقيقةً، لابد أن نخالط الناس، وأن نأتي الناس في منازلهم وفي أسواقهم، وأن نحضر مجامع الناس كما كان يفعل موسى عليه السلام: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59]. وكان النبي عليه السلام يمشي في الأسواق ويدعو الناس، وكان نوح عليه السلام كذلك يقصدهم واحد واحد.

هذا له أثر عظيم في التأثير، وهذه نصيحة كذلك لطلاب الجامعة والطلاب في المدارس: لا تكتفوا بالخطاب العام. واليوم من وسائل تفريغ الهم الدعوي الشيطانية هو أنه يرجع إلى أصحابه فيفرغ في الواتساب مثلاً أو في البرنامج. لا، هذا الآن معك، هذا هو هذا الذي ينبغي عليك أن تدعوه وأن تخاطبه. لما تذهب إلى السوق ادع هذا، لما تنظري أنت يا أختي المرأة المتبرجة لا تتركيها وتذهبين إلى الأخت الملتزمة، لا، ادعيها وهو صحيح وأقيمي عليها الحجة، وهكذا.

الدعوة هكذا، الدعوة تؤثر بهذه الطريقة؛ لأن هؤلاء لن يأتوننا إذا نحن ما ذهبنا إليهم، هؤلاء لن يحضروا معنا في البرامج، لن يأتوننا في مجالسنا، فلابد أن نغشاهم في مجالسهم. وكذلك من أخص أماكن الدعوة على الإطلاق الذي للأسف اليوم تكاد بل هي فرغت من الدعوة: المساجد. وما هذه الحرب اليوم على المساجد في القوانين، في التشديد الكبير في إلقاء المحاضرات والدروس، في إغلاق المساجد وتجفيف ومتابعة من يصلي بها إلا من الشيطان؟

هذا المكان هو مكان البركة، وتأثر الإنسان في المسجد أقوى من تأثره في المنزل. تقول لي: لماذا؟ أقول لك: هذا المكان بني حتى يذكر الله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمَهُ﴾ [النور: 36]. هذه المساجد معها بركة، هذه المساجد بها بركة، هذه المساجد خالية من الكلام في الدنيا، هذه المساجد هي أحب الأماكن إلى الله. أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها. في الأسواق هناك شياطين، لكن في المساجد ملائكة. ﴿وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِّنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ﴾ [مسلم].

القسم من ذلك أن الدعوة في المساجد ينبغي أن نستمر بها، لا تقول في المسجد ما في إلا عشرة أو عشرين. لا تقول كما يقول بعض الدعاة المعاصرين أن المسجد ما يحضر عندي إلا عشرين، أما في وسائل التواصل، أقول لك: اجمع بين هذا وهذا. هؤلاء الذين تتكلم معهم في المسجد أثر الكلمة قد تكون أكبر، بل هي أكبر بكثير من الأثر في وسائل التواصل. ليس معنى هذا أن نترك وسيلة الدعوة هذه، لا، لكن المعنى أننا ما نترك المسجد ولا نهجر المساجد، ونجعل المساجد خالية وخاوية من الكلمات ومن الدروس ومن المواعظ. ولا يجتمع الناس اليوم للأسف في المساجد إلا من أجل الصلاة ثم ينصرفون. لا، الواحد يجتهد بغاية ما يستطيع في تبليغ الرسالة في كل مكان، خاصة في اللقاء المباشر، وخاصة في المساجد.

إذاً هذا الشق الأول متعلق بالتقدير، متعلق بفقه طريقة الدعوة: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. تفصيل البصيرة: دعوة النبي عليه الصلاة والسلام في اختيار الأشخاص، في الأسلوب الذي يختاره في مخاطبة الأفراد، في التفرقة بين الدعوة العامة والخاصة، في التفرقة بين الدعاء العام والدعاء الخاص، وهكذا في انتقاء الأساليب الدعوية، التفرقة بين الدعوة وبين الجهاد، وهكذا. هذا كله تفصيله يكون في السيرة النبوية، وما قیل.

هو فقط من باب التقريب. الإنسان لما يرجع إلى السيرة النبوية ويقرأها بهذه العين، ويبدأ يثور هذه المعاني، يصل إلى درجة عالية في ثق طريقة اختيار النبي عليه الصلاة والسلام، وطريقة انتقاء النبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه السلام كل اختيار كان اختياره مبني على معرفة، مبني على تقدير. فلما يختار أن يقود هذا الجيش فلان، ولما يختار أن يخلف في المدينة فلان، وأن يقود المدينة فلان، ولم يختار في هذه الغزوة فلان، هذا كله مبني على التقدير، يحتاج الإنسان أن يبحث، لماذا فعل كذا؟

لماذا لما خرج من مكة إلى المدينة، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام متأثر مثل أبي بكر، أبو بكر كان يمشي أمامه، وخلفه، وعن يمينه، وعن يساره؟ ولكن في بدر كان النبي عليه السلام يرفع يديه ويجتهد ويبتهل إلى الله بالدعاء حتى يسقط الرداء من على كتفه، والصديق يقول: كفاك بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك، لماذا تغير؟ هذا مهم أن نعرف الأسباب، نعرف لماذا، ولما نقرأ السيرة بهذه العين، بعين الأسئلة، لماذا فعل كذا؟ لماذا قال كذا؟ ثم ننظر ونبحث في الأجوبة، هنا يصنع العقل المسلم.

ثم يأتي الإنسان ويجتهد في التطبيق، وإذا ما عمل الإنسان بالذي يعرفه، لن يكشف له الذي لا يعرفه. إذاً هذا الشق الأول متعلق بهذه الكلمة، وهي صناعة الإنسان النفسية، والتخلق بأخلاق الإسلام، وطريقة انتقاء الأشخاص، وسقف الدعوة، وكذلك الأساليب التي يختارها الإنسان في دعوته إلى الله سبحانه وتعالى. كثيراً ما يخطئ الداعية في هذه الاجتهادات، فبعد ذلك يلوم الناس، الخطأ منك ليس من الناس.

والداعية لابد أن ينظر إلى نفسه أكثر من نظره إلى الناس، يعني في الدعوة الإسلامية لا تنظر إلى استجابة الناس من عدم استجابتهم، ولا يكون عينك عين الحكم عليهم، إنما انظر إلى فعلك أنت، هل هو موافق لمراد الله أو مخالف؟ حتى تنجو من السؤال يوم القيامة، لأنك ستسأل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾. هناك أسئلة: هل سلكت الطريق الصحيح؟ هل دعوت إلى الله على بصيرة؟ هل دعوت إلى الله سبحانه وتعالى واجتهدت في إصابة المنهج النبوي والطريق النبوي؟ أو كانت دعوتك دعوة غير مبنية على هذا الاجتهاد، إنما دعوت فقط من أجل المحبة دعوة هكذا، إنسان يدعو ويخبط خبط عشواء؟ أقول لك هنا خطر، انتبه، لأن الدعوة ليست ملكًا من أملاكك.

إنما هذه الدعوة ينبغي أن نخضع لله سبحانه وتعالى في كل شيء، ومن هذه الأشياء أسلوب الدعوة وطريقة الدعوة ومنهج الدعوة ونجتهد. وليس معنى هذا أن الشخص ما يدعو إلى الله، لكن معنى هذا أن الشخص يبذل كل ما يستطيعه حتى يوفق ويهدى بإذن الله لإصابة الطريق النبوي في دعوته. النبي عليه الصلاة والسلام انظروا كيف لما سار النبي عليه الصلاة هذا الطريق بـ 20 سنة، يقوم ويصعد الصفا ويقول: يا بني فهر! يا بني عدي! ويخبرهم بأنه مبعوث من قبل الله: أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلاً تخرج عليكم من سفح هذا الجبل، أكنتم مكذبين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. وفي رواية: ما جربنا عليك إلا صدقًا. فقال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبًا لك! ما جمعتنا إلا هذا؟

بعد 20 سنة، كان يصعد النبي عليه الصلاة والسلام على جبل الصفا في حجة الوداع ويذكر الناس ويستنطق الناس: ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم فاشهد. 120 ألف، كلهم أتباعه. كيف هذه الجزيرة التي كان في البداية يعاندونه ويصارعونه ويستنكرون ويستبعدون يوم القيامة؟ هؤلاء أنفسهم كانوا يعملون ليوم القيامة بـ 20 سنة، تغير واقع الجزيرة، ثم بعدها بـ 4 سنوات تسقط فارس والروم. كيف هذا؟ لأن هنا سار النبي عليه الصلاة والصحابة على الطريق الذي نصبها الله سبحانه وتعالى. لما نرفع الغطاء عن هذه الـ 20 سنة نجد أمرين اثنين: الأول الصدق والإخلاص والتوكل على الله والاستعانة به، اللهم بك أصول وبك أحاول وبك أقاتل، وعدم التعلق إلا به. والشق الثاني: نفس هذه الاجتهادات المبنية على مخاطبة الإنسان، المبنية على التعامل مع البشر على أنهم بشر ليس على أنهم ملائكة وهكذا.

إذاً هذا الشق الأول من هذه الكلمة، الشق الثاني متعلق بمنهج التفكير، منهج المسلم في التفكير. الإسلام أول ما أنزل الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب العظيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]. وكذلك أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [المزمل: 1-2]، وأنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر: 1-2]. هذه السور الثلاث أول ما نزل من القرآن الكريم، أول ما نزل بالاتفاق سورة العلق.

عندنا: اقرأ باسم ربك الذي خلق، علم الإنسان ما لم يععلم. وعندنا كذلك: يا أيها المزمل قم الليل. وعندنا: يا أيها المدثر. انظروا الآن، عندنا رقم واحد: العقل. اقرأ باسم ربك الذي خلق، أي تعامل مع المعطيات، مع الوقائع، مع الأحداث، مع المعلومات بمنهج معين بالتفكير، وسأشرحها بعد قليل إن شاء الله تعالى. ثانيًا: العلم، احرص على تلقي العلم، وقل: رب زدني علمًا. ولكن أي علم؟ العلم النافع، العلم الذي يثمر العمل الذي يحب الله سبحانه وتعالى، العلم الذي يثمر إيمانًا وتزكيةً والخوف من الله سبحانه وتعالى.

ثم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، العبادة مهمة جدًا، وكان في البداية نصفه أو ينقص منه قليلاً. تقول: كيف يقوم الليل بهذه هذا الوقت الكبير مع عدم كما هي نزلت من القرآن الكريم؟ كيف كان يقوم الليل؟ هذا هو، لابد من العبادة، وهنا العبادة أكثرها كان تفكر، مع القيام ترديد والعيش مع الآيات والتأمل فيها وهكذا. رابعًا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾، الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

إذًا عندنا منهج بالتفكير، عقل صناعة العقل المسلم، وعندنا تلقي العلم. صناعة العقل قبل تلقي العلم؛ لما لأن المعلومات تدخل العقل فيتفاعل معها العقل بطريقة معينة محددة. هذا العقل لما يتفاعل مع هذه المعلومات إذا كان العقل صحيح سيتفاعل معها بطريقة صحيحة، أما العقل غير الصحيح لن يتفاعل معها بطريقة صحيحة. وعندنا كذلك العبادة، والعبادة تعين الإنسان وتكشف له ما لا يستوعب الإنسان، العبادة الإيمان يكشف للإنسان ما لا يفهمه: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. وكذلك القيام بواجب الدعوة، فالعلم هذا لا يحملك على القعود إنما يحملك على التحرك بهذا النور، تمشي بين الناس بهذا النور. دعونا نبدأ بالأولى الآن، هذا هو سيكون يعني في في النقطة الأولى والثانية.

اقرأ باسم ربك الذي خلق، لما نزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام ودخل عليه غار حراء. الغط أخذه فغطاه، قال: أخذني فغطاني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. ثم أخذني فغطاني ثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. ثم أخذني فغطاني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

هنا الآن الملك يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: اقرأ. والنبي عليه الصلاة والسلام ما يقرأ، بل مات النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يحسن القراءة ولا يعرف القراءة عليه الصلاة والسلام. هل المراد هنا بالقراءة أي أن شخص يحسن قراءة الحروف والكلمات إلى آخره والجمل؟ أم المراد هنا بالقراءة العقل المتعلق بصناعة العقل الذي يحسن استقبال المعلومات التي ستأتي؟ المقصود منه الثاني. يعني هنا اقرأ ليس المقصود منها مجرد الكتابة، بل الكتابة أصلًا المجردة لا تفيد الإنسان كثيرًا. في الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: في آخر الزمان يفشو القلم ويظهر الجهل. يعني انتشار القلم مع ظهور الجهل، كيف يكون الجهل مع فشو القلم؟ لأن يكون العلم النافع أو العلم غير النافع، فالشخص ممكن يقرأ، ولكن يقرأ ماذا؟ يتعلم، لكن يتعلم ماذا؟ يحسن قراءة الكتاب، لكن ما الذي يقرأه؟ ما الذي ينتفع منه في هذه القراءة لما يحصلها؟ واضح؟

هنا لابد أن يكون عندك العقل الذي تحسن فهم الذي تقرأه. الله يقول: اقرأ باسم ربك الذي خلق، يعني ليكن عندك هذا العقل الذي يتلقى المعلومات التي ستأتيك بصفاء ونقاء وبحسن تفكير. هذا العقل هل توجد عليه مؤثرات؟ نعم. ما هي المؤثرات؟ كلها نفسية. هذه المؤثرات النفسية الإسلام قضى عليها جميعًا. ما هي المشكلة الكبيرة التي كانت موجودة عند العرب في عدم إيمانهم؟ يعني لماذا لم يؤمن العرب بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل من أجل المعجزات والآيات؟ لا، إنما كانت المشكلة الكبيرة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 23]. إذن هنا سلطة المجتمع، سلطة الثقافة تؤثر على الإنسان في التفكير. فهذا الإنسان لما يتسلط عليه المجتمع ويسيطر عليه يخضعه لطريقته ومنهجه في التفكير، فهذا الإنسان لما تأتيه المعلومات العقل يكون مقلوب، ما يستفيد العقل، عنده عقل، لكن هذا العقل ليس خالي من المؤثرات، إنما هذا العقل مؤثر عليه ثقافة المجتمع.

كان في الجاهلية ثقافة الآباء، سلطة الآباء عظيمة، هذه السلطة قوية جداً على العقل، منعت هؤلاء من الاستجابة. لذلك لما سئل عمرو بن العاص: لماذا تأخرتم في الاستجابة؟ قال: كانت لنا آباء كنا نرى أن أحلامها كالجبال. جاء الإسلام بتسفيه هذه العقول، تسفيه هذه الأحلام وهذه العقول، حتى لم يحتمل الكفار هذا. هنا هز عنيف من النبي عليه الصلاة والسلام للثقافة المجتمعية، لماذا؟ حتى تحرر العقول، عقول الصغار خاضعة لعقول الكبار. إذاً ما الحل؟ لابد أن نضرب هذه العقول ونسفه هذه العقول.

لذلك واهم من ظن بأن دعوة الإسلام دعوة غير صدامية. الإسلام كل دعوته صدامية، ليس بالأسلوب، إنما بالمعنى، بالمضمون. الإسلام لا يقبل أن يقرر القول الخاطئ، ولا أن يفتح المجال للقول الخاطئ. الإسلام ما يقول بأن لك رأي ولي رأي، هذا غير موجود في الإسلام. لما يكون الرأي باطل، الإسلام يدمغه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18].

هم يقولون، يتعجبون: ما يوجد يوم قيامة، إذا متنا وكنا تراباً وعظاماً، إنا لمديون، إنا لمبعوثون. يأتي الإسلام ويقرر البعث بـ 1600 آية ولا يجاملهم، ويقيم الحجة العقلية على هذا. يتعجبون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]. يأتي الإسلام ويقرر هذه الحقيقة. يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: 33]. يأتي الإسلام ويذكر بالأنبياء أنهم كلهم بشر، وأنهم نعم بشر، ويدلل على هذا: ﴿وَلَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95]، لكن أنتم لستم ملائكة.

المقصود من ذلك أن دعوة الإسلام كانت دعوة بها صدام للعقول والنفوس، لماذا؟ حتى تحرر. ففي البداية يصنع العقل المسلم، ثم هذا المسلم يبدأ يصدم المخالفين له. كيف تكون الصدمة؟ انتبه من سلطان المجتمع: ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]. يعني هم لما يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة. طيب، وين المشكلة إن آباءكم يكونوا ضالين؟ يعني أين الحجة العقلية هنا؟ إن أبي هكذا، إن مجتمعي هكذا. ما علاقة لنا بأبيك؟ ما العلاقة بين الحق وبين اعتقاد والدك؟ لا يوجد أي ارتباط ولا أي علاقة. ما العلاقة بين الحق وبين اعتقاد القبيلة، اعتقاد هذه المجموعة، اعتقاد الأقارب؟ انتبه.

انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، كلمة في العرب الجاهلية. لكن جاء الإسلام وقيدها. قال لرسول الله: قد علمنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يده، فذاك نصره؛ تمنعه، تحجزه عن الظلم. هكذا هو الإسلام. فالإسلام ما يسمح لهذه المؤثرات أن تؤثر على العقل. فالإسلام يلغي، يمنع هذه النوازع النفسية، يغلقها الإسلام ويقمعها الإسلام. من ضمن المؤثرات الكثرة، لذلك الله سبحانه قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. ليس العبرة بالمجموع. الناس يقولون: كل الناس يفعلون هذا. أقول: كل الناس يفعلون هذا ليست حجة عند الله سبحانه وتعالى.

هذه ليست حجة عقلية، هذه نفسية نعم. الإسلام لا يعترف بالنفس، وإن كان الإسلام يراعي النفس بالتأثير، ولكن السلطان النفسي لا علاقة لنا به. الإسلام يمنع، يقول: هذه ليست حجة. تقول لي: طيب، هذا أمر واضح. أقول لك: ترى خطير وليس سهل. أنت الآن لما يأتيك شخص صغير بالسن ويدعوك، تقبل منه كما تقبل من الكبير؟ في ماذا؟ لأن نفسه ما تحضر. لذلك إذا قبلت من الكبير وما قبلت من الصغير، أقول لك: انتبه أن يكون بك شبه بقوم إبراهيم عليه السلام. يسمعون فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، ردوا الحق فقط لأنه جاء من فتى، وكثير من الناس يصاب بهذا.

لذلك قال عمر: لا خير في قوم ليسوا ناصحين ولا يقبلون الناصحين. ولما جاءت امرأة فاطمة بنت قيس وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، يعترف أنه هو أخطأ وهو عمر الفاروق. يقول الشافعي: ليس أحد أكبر من أن ينصح. انتبه أن تجعل نفسك هذا الاعتداد الكبير، سيمنعك هذا الاعتداد عن قبول الحق. لماذا؟ ستحضر نفسك وتغطي نفسك عقلك، فترد الحق لماذا؟ لأن نفسك حاضرة، هذا الخطر. الإسلام يجرد الإنسان من هذه الضغوطات من هذه المؤثرات، يمنع هذا الأمر. لذلك

الله يقول: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. بل تأتي حادثة الحديبية حتى تجعل هوى الصحابة إرادة الصحابة موافقة للحق. النبي عليه السلام بايع الصحابة، انظر الآن إلى الاستثارة النفسية الكبيرة، بايعهم على القتال. ثم بعد ذلك فجأة يكون الصلح. وفي البداية كان الخروج من أجل مكة، هنا سهل على عقل الشخص أن يستجيب صعب جدا، لكن مع ذلك استجاب الصحابة.

هذه التربية الإيمانية، هذه التربية العقلية؛ أن يكون عقلك موافقا لمراد الله سبحانه وتعالى. وسيأتينا الحديث عن هذا. لكن قبل ذلك، أنا قبل ذلك أن هذا العقل إذا جرد عن هذه النوازع -يعني هذا العقل لم يتأثر بثقافة المجتمع، لم يتأثر بالأقارب والأصحاب، لم يتأثر بالقبيلة، بل لم يتأثر بنفس ميوله النفسية- لم يتأثر، أصبح العقل هكذا مجردا؛ لما تأتي المعلومة كيف سيكون أثرها فيه؟ ستأخذ حظها ونصيبها ومكانها المناسب لها. لكن قبل ذلك العقل مثال أداة التي توضع على ميزان النفس، النفس هي الأرضية. النفس إذا كانت مائلة العقل يميل مع النفس، فلما تأتي المعلومة ليست المشكلة بالمعلومة وليست المشكلة بالعقل، إنما المشكلة بالنفس التي جعلت العقل يميل، فلا يستفيد الإنسان بعقله ولو كان عاقلا.

لذلك لما جاء الوليد بن الوليد وسأل النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة القضاء عمرة الجعرانة عن خالد بن الوليد، افتقد خالد، كيف خالد هذا العقل الكبير يتأخر إسلامه؟ فكتب الوليد بن الوليد رسالة؛ خالد لم يحتمل دخول الصحابة إلى مكة فخرج من مكة في عمرة القضاء في السنة السابعة، فكتب الوليد إلى خالد يقول: يا أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنك، أدرك يا أخي فقد فاتتك مواطن صالحة، وليس مثلك يجهل الإسلام، وعقلك وعقلك وعقلك. لكن خالد كان عند الوليد فالوليد أثر، لكن لما ذهب الوليد مباشرة هذا العقل استجاب، وقاد هذا العقل بعد توفيق الله سبحانه وتعالى إلى الحق. عمرو بن العاص كذلك، والقسم لذلك أن هذه المؤثرات لما تكون غالبة على الإنسان ما ينتفع بعقله؛ يتأخر إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد بسبب وجود المؤثرات، ويسلم من هو أقل منهما بكثير بالعقل والقوة العقلية، لماذا؟ لعدم وجود المؤثرات.

فالإسلام يصنع هذا العقل، يقول: إن هذا العقل انتبه أن تؤثر عليه هذه المؤثرات أيا كانت هذه المؤثرات، حتى لو كنت أنت أكبر بالسن يأتيك شخص صغير وتقول أنت علمته؟ نعم حتى لو علمته يمكن هو يصيب وأنت تخطئ، انتبه؛ يعني جرد عقلك من جميع مؤثرات النفس، كثرة السلطان، المجتمع، إلى آخره. وقليل من الناس من يخرج من هذا، إذا خرج الإنسان من كل هذه المؤثرات حتى من الغضب -يعني هذا الإنسان أنا غضبت عليه لكن هو معه الحق أو هو لم يخطئ الخطأ الذي أنا كبرته نفسي، يعني عنده بدعة ما جعلها بدعتين، عنده بدعة صغيرة ما جعلها بدعة كبيرة، انتبه ما يجوز لك هذا الشيء-: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

بل في صلح الحديبية هنا لما كانت هذه السفارة النفسية العظيمة ثم ذكرت الصلح، بل فيه بند من هذه البنود ما احتملها الصحابة: كيف يأتي الرجل من مكة إلى المدينة فنرده، نرد الذي يخرج من المدينة إلى مكة؟ لا نفعل شيئا نتركه. ما احتمل، عمر بن الخطاب ما احتمل، لكن مع ذلك مضى أمر الله. هذا كله لماذا؟ حتى يتربى المسلم أن تكون إرادته إرادة نفسية وهواه النفسي وميوله حتى لو كانت دينية لابد أن تكون موافقة لنفس الدين، ولا تكون مخالفة لها، ولا تكون مخالفة لنفس الأمر، يعني لابد أن يكون هوى الإنسان الديني ليس حتى فقط النفسي، الدين موافق لنفس الأمر الديني. القصة من الآن في البداية، هذا العقل لابد أن يجرد من هذه المؤثرات.

طيب، هذا العقل لما يجرد من كل هذه المؤثرات الآن يحسن تلقي المعلومات. لذلك الله يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3]. وكم مرة ذكر أولي الألباب؟ أصحاب العقول، كم مرة تتكرر هذه في القرآن الكريم؟ لماذا؟ لأن الذي ينتفع بالقرآن الكريم هم أصحاب العقول. لكن أي عقول؟ العقول المجردة من النفوس، يعني العقول الصافية التي بها إرادة الحق، بها إرادة الحق، هذه العقول التي يريد صاحب الحق ولا يوجد أي مؤثر عليه، لا يوجد أي مؤثر عليه، هذا الإنسان هو الذي ينتفع لما يقرأ القرآن الكريم، ويثمر فيه القرآن الفهم والمعرفة.

وانظروا إلى عبادة التفكر، كيف الله لما يثني على أوليائه يثني عليهم بأنهم كانوا يتفكرون: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [الروم: 9]، وكذلك: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: 191]. يتفكرون لماذا؟ لأن التفكر هذا يعطي الإنسان، هذا التفكر هذا له أثر عظيم جدا على قلب الإنسان، هناك ارتباط وثيق بين التفكر والقلب والذكر والقلب. لذلك هنا تفكر مع ذكر ودعاء يثمر هذا كله تحصيل الإيمان العظيم. لكن الناس يغفلون كثيرا والشياطين حريصة أن تمنع بني آدم من التفكر في ملكوت الله.

وجاء في بعض الروايات حديث الإسراء عن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل مع جبريل رأى الشياطين تحوم حول السماء، فذكر الله بهذه الشياطين تمنع بني آدم من التفكر. ولما سئلت أم الدرداء عن عبادة أبي الدرداء قالت: كانت أكثر عبادته التفكر، كانت أكثر عبادته التفكر. والقسم بذلك أن الإنسان هنا إذا صنع عقله بهذه الطريقة ومنع هذه الوسائل وهذه النوازع أن تؤثر فيه هنا يحسن تلقي المعلومات. فلما يأتي بعد ذلك العلم ويقرأ العلم، لكن أي علم؟ العلم الذي أتى من الرب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. يعني الآن الذي سيعلمك، الذي يصلح لك والذي يريده منك هو من؟ هو الذي خلق. طيب لماذا قال هنا بالذي خلق؟ الذي خلق هو الذي يعرف، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].

من الذي خلق الإنسان؟ الله. هذا الإنسان مشكل من ماذا؟ مركب ماذا بالأصل؟ من عقل ونفس. طيب هذا العقل كيف يتأثر وهذه النفس كيف تتأثر؟ من الذي يعرف طبيعة تأثر النفس وطريقة تأثر النفوس وكذلك طريقة حركة العقل؟ هو الخالق سبحانه وتعالى. إذا خذ هذا العلم من الذي خلقك، الذي يعرف الذي يصلحك والذي يعرف طبيعة صنعك أيها الإنسان. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] اقرأ مستعينا بالله، اقرأ متلبسا بالاستعانة به سبحانه وتعالى حتى يعينك. لماذا؟ عقل الإنسان يكفيه ما يكفيه، العقل له حد، العقل أداة مثل بقية أعضاء الإنسان مثل حواس الإنسان. الآن البصر له حد ويقف عنده، قوة الإنسان مهما كان الإنسان قوي يستطيع يحمل بيت منزل؟ لا يستطيع، عنده قدرة وقوة ثم يقف عندها، كذلك سمع الإنسان مهما كان عظيم سيقف عند حد، كذلك عقل الإنسان.

عقل الإنسان هذا ما يستطيع أن يخرج به عن الدائرة التي خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان من أجلها أو الدائرة التي سمح الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يكون فيها. لذلك العقل لما يدخل مثلا بالقدر، يريد أن يعرف القدر، ما يستطيع، ما يستطيع، مستحيل، القدر سر الله في خلقه، لا يستطيع الإنسان أن يعرفه. لماذا؟ لأن عقل الإنسان لا يقدر على استيعاب هذه الدقائق، هو ما يملكها. لقد ضل الفلاسفة بهذه المسألة وما زال الإنسان يضل، لما يأتي عند هذه الدائرة، لماذا؟ لأن هذه الدائرة ليست عقلية صرفة إنما هذه الدائرة تسليم، فالله يقيم عليك الحجج ثم بعد ذلك يأمرك أن تسلم هنا. لماذا يا ربي يكون هذا؟ حكمة بالغة، خلاص، قف، قف.

القصد من ذلك أن عقل الإنسان له حد، مهما كان هذا العقل عظيم، مهما كان هذا العقل كبير، هذا العقل في النهاية يصل إلى درجة ما يستطيع أن يتجاوزها. هذا العقل الإنساني البشري إذا أعطي معطيات أو إذا حصل معطيات يستطيع أن يصل إلى برهان معين، لكن العقول تتفاوت في هذه الدائرة. ثم الدائرة الأخرى التي إذا الإنسان ما كان عنده المعطيات لا يستطيع أن يصل إلى الإصابة، لذلك الله أنزل الوحي، وهذه من رحمة الله العظيمة في البشر، نعمة عظيمة؛ نعمة القرآن، نعمة العلم الذي أنزل الله سبحانه وتعالى.

لذلك لما جاء الصديق والفاروق عند أم أيمن وزاروها كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يزورها بعد وفاته كانت تبكي، فبكيا معها، فرد عليها وقالا: ما عند الله خير لرسوله. فقالت: أنا ما أبكي على هذا، لكني أبكي على أن الوحي قد انقطع من السماء. العلم عظيم هذا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]. الإسلام والقرآن، الله أنزل هذا النور، وهذا النور ينزل على عقل الإنسان، هذا العقل إذا كان صافي يثمر فيه الهداية. الهداية ليست بالعقل المجرد، لا يستطيع الإنسان بعقله أن يصيب، لأن عقل الإنسان أضعف بكثير مما يظن، هذا الإنسان يفترض افتراضات كثيرة ثم هذا الإنسان ممكن يقتنع بهذه الافتراضات ويميل إليها، لذلك احتاج هذا الإنسان هذا النور، يحتاج هذا الإنسان إلى هذا التعليم.

لكن ليكون هذا العقل صافي حتى هذا النور يثمر فيه نورا على نور، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: 35]، يكون هذا العقل صافي مستعد لتلقي الحق ثم تأتي رسالة الحق، تنزل هذه الآيات ويتكلم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأحاديث فتدخل هذه الأحاديث هذا العقل فتثمر هذه النصوص الهداية. العقل مع الوحي مثال على مثال البصر مع الشمس، الإنسان إذا التفت إلى الشمس وأخذ يعارض الشمس بعقله يعني ببصره هنا أحرقت الشمس بصره، لكن لما يتبع البصر الشمس تضيء له ما كان قبل ذلك مظلما بالنسبة له، كذلك العقل. لذلك الله يقول: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ [الشورى: 52]. فالله من على نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بأن هداه إلى هذا الدين.

فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هدى نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بهذا النور هذا الهدى، والله سمى القرآن فرقانا وسماه نورا، وهذا الكتاب هدى وفيه هدى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى﴾ [البقرة: 2]. لكن لمن يا ربي؟ لأصحاب الإيمان، للمتقين، هذا يهدي هؤلاء. هنا يأتي هذا العلم الصافي ويدخل هذا العقل الذي استنار بنور الإيمان ونور الوعي فيثمر فيه الهداية، يثمر فيه التوفيق.

لذلك الله هنا قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] يعني مستعينا بالله متلبسا بهذه الاستعانة، لست بقوتك انتبه، أنت تريد أن تقرأ بقوتك أو بعقلك المجرد؟ أقول لك ما تستطيع، لذلك تبقى إنسان ضعيف ولكن مستعينا بالله. طيب من هو هذا الإله العظيم؟ ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] من هو ربك؟ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. يعني الذي خلقك هنا، أتى بالخلق، لماذا؟ لأن الخالق هو الذي يعرف. الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78]. إذن أدوات المعرفة وسائل المعرفة السمع والبصر والفؤاد، طيب هذه الأدوات هي التي من خلالها تحصل العلم، طيب من الذي أعطاك إياها؟ ومن الذي خلقك بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ هو الخالق سبحانه وتعالى. يعني أنت الآن لما تقرأ في القرآن الكريم وتقرأ في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام اعلم بأن هذا نزل من الخالق سبحانه وتعالى.

طيب الخالق يعني إيش؟ يعني هو الذي يعرف الذي يصلحك، هو الذي يعرف الذي يؤثر بك، هو الذي يعرف طريقة التأثير. لذلك لما تقرأ هنا تقرأ وأنت مستجيب، تقرأ وأنت مستعين، ولا تقرأ وأنت معارض، ولا تقرأ وأنت مشكك. لذلك الله سبحانه بين بأن هذا النور الذي سينزل عليك يا محمد هو الذي أنزله هو الخالق سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 1-2]. لم يقل من نطفة، ولم يقل من مضغة. تعرفون الإنسان خلق بالأصل من ماذا؟ من نطفة، ثم النطفة بعد أربعين يوما تصبح علقة، ثم تصبح بعد ذلك مضغة. لماذا؟ هنا يدل على ماذا؟ على وجود القدرة الإلهية، أن الله هو الذي هذا الإنسان يخلق بالأصل من نطفة، ثم هذه النطفة تصبح علقة، طيب هذا التغيير كيف كان؟ هذا الانتقال كيف يكون؟

هذا الانتقال من نطفة ماء مهين ثم تتحول هذه النطفة بقدرة الله إلى أن تصبح قطعة من دم تلصق بجدار الرحم، كيف تكون؟ ثم هذه تنتقل الدم يصبح لحم، يعني ماء دم لحم، ثم يبعث بعد ذلك، ثم يرسل الملك وينفخ فيه الروح. القصد من ذلك أن الله هنا يقول: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]. هذا الإنسان مخلوق من هذه العلقة، يعني من هذه القطرات من الدم، الذي خلق الإنسان بهذه الطريقة هو الذي يهديه. لذلك يأتي خلق الله الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 2-3]. يعني هذا الإنسان الله هو الذي صرف خلقه، فهو الذي صرفك من نطفة ثم من علقة ثم هو الذي ينزل إليك هذا الوحي. وكذلك في إشارة لمن يأتي بعد ذلك أن يعرف الناس أن الإنسان مخلوق من هذا، فالذي خلق الإنسان من هذا هو الذي أنزل عليه هذا العلم، هذا الوحي. هنا الإنسان لما يدخل هذا الباب، باب تلقي العلم بهذه الطريقة بالتفكير، يهدى بإذن الله ويوفق ويسدد، وبارب بإذن الله في علمه. قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ﴾ [العلق: 2-3].

وربك الأكرم. هذا فيه إيحاء تحبب بالإنسان. وبيان بأن الذي أنزل هذا العلم، والذي علمك بهذا العلم، والذي من عليك بهذا الوحي، والذي اختارك من جميع البشر أقصد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم اختاركم أنتم يا معشر المسلمين من بين جميع الناس، هو الأكرم.

تقول لي: طيب، ما علاقة هذا بتلقي العلم وأثره؟ أقول لك: العلم ما يثمر إلا مع الإيمان. العلم لا يثمر إلا مع الصدق مع الله سبحانه وتعالى. يعني لما يكون عندنا رجلين، شخص صاحب عقل كبير والثاني لا تكون عنده القوة العقلية الفطرية مثل الأول. أقول لك: هذا إذا معه إيمان يهدى، أما هذا يضل بعقله، هذا يضل بعقله. أما هذا يهدى بإذن الله ويوفق ويسدد ويعان. لماذا؟ لأن هذا العلم يعمل بالإنسان بإيمانه.

إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في التياع من حزاوة، وتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فزدنا به إيمانًا. إذا تكون الأداة لا يوجد بها تأثير، وتكون سليمة لتلقي هذا العلم. ثم بعد ذلك ينظر إلى هذه الآيات ويدخل إليها دخول الشخص الذي يريد أن يعرف الحق.

ويكون مع هذا متلبس بالإيمان، مستعين بالله سبحانه وتعالى، ويستحضر فضل الله عليه وكرم الله سبحانه وتعالى، وجوده الذي اختاره من بين جميع الناس. هذا يثمر فيه العلم. ثم قال: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]. علم الإنسان ما لم يععلم. القسم من ذلك أن هذا والنبي عليه الصلاة والسلام كان يسأل الله، والله أمره بأن يسأله بالاستزادة من العلم. ويقول: رب زدني علمًا.

ولكن كذلك كان يستعيذ بالله من العلم الذي لا ينفع، أعوذ بك من علم لا ينفع. ما العلم الذي لا ينفع؟ العلم الذي لا يثمر العمل، العلم الذي يثمر الجدل، العلم الذي لا يكون معه تزكية وإيمان وإخلاص. العلم الذي لا يوصلك إلى الله باختصار، العلم الذي لا يوصل إلى الله ولا إلى تحقيق مراد الله، هذا كله من العلم الذي لا ينفع.

هذا كله من العلم الذي لا ينفع. القسم من ذلك أن هذه الآيات بها شقان كبيران. الشق الأول متعلق بالعقل، والشق الثاني متعلق بنفس العلم، بنفس تلقي العلم، بنفس تلقي العلم. إذا هذا بعض ما يتعلق بهذا المجلس. والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.