الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. لم يخلق الله سبحانه وتعالى الإنس والجن إلا من أجل غاية واحدة، إلا وهي العبادة.
وهذه العبادة التي يريد الله سبحانه وتعالى من الإنسان أن يسير عليها بينها في كتابه العظيم، قال الله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: 41]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: 9]. فهذا الطريق الذي نصبه والذي وضعه والذي سكه هو الله سبحانه وتعالى.
الواجب على العبد أن يقتفي آثار الأنبياء، وأن يسير على نهج خير الأنبياء عليه الصلاة والسلام، حتى يصل به هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. وقبل أن نتكلم عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وعن بعض معالم هذه الدعوة ومعالم هذا الطريق، بودي أن أذكر بمعنًى مهم جداً؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى صنع نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام من خلال دعوة الأنبياء.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]. فالله سبحانه وتعالى كان ينزل قصص الأنبياء تباعاً على النبي عليه الصلاة والسلام، بل يكرر الله سبحانه وتعالى بعض قصص الأنبياء مع إبراز بعض المعالم المتعلقة بقصة هذا النبي، من أجل أن يقتدي النبي عليه الصلاة والسلام بهؤلاء الأنبياء.
فاذا اردنا أن ندخل إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وأن ننتفع منها الانتفاع الكبير، لابد كذلك أن ندرس دعوات الأنبياء التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم، حتى نستطيع أن نقول بأننا بدأنا الآن نسير على هذا الطريق، وحتى يحصل الشخص البصيرة التي منّ الله سبحانه وتعالى بها على عباده الصالحين ممن اقتفى هذا الطريق واستنار بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
الله سبحانه وتعالى كان يقص قصص الأنبياء حتى يبين لنا كيف هؤلاء الأنبياء عبدوا الله سبحانه وتعالى، كيف هؤلاء الأنبياء اختاروا الأسماء الحسنى، كيف هؤلاء الأنبياء أقاموا الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، كيف تعامل الأنبياء مع أقوامهم، وما هي كانت الفتن التي تواجه الأنبياء.
فالشخص قد يبتلى ببلاء قريب من بلاء أيوب عليه السلام، وقد يبتلى ببلاء قريب من بلاء داود عليه السلام وسليمان عليه السلام، وقد يبتلى بمثل ما ابتلي به إبراهيم عليه السلام، وقد يبتلى بمثل ما ابتلي به موسى عليه السلام. ولا توجد ولا يوجد موقف أو قدر ليس موجوداً في قصص الأنبياء وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
لن يكون شخص يتعرض إلى فتنة في زمانه إلا وسبق أناس من الصالحين وتعرضوا لها. وهذا الطريق الذي من خلاله يستطيع الشخص أن يخلص وأن ينجو من هذه الفتنة، وأن يعبد الله سبحانه وتعالى هو قطعا موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً، النبي عليه الصلاة والسلام صُنع بالأصل من خلال دعوات الأنبياء، فالله سبحانه وتعالى كان يقص هذه القصص من آدم عليه السلام إلى قصة عيسى عليه السلام. هذه القصص التي كانت تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وكذلك بعد ذلك في المدينة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقتفي آثار الأنبياء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً أن يتشبه بالأنبياء بل أن يتقدم على الأنبياء.
وهذا هو الذي كان وهذا هو الذي كذلك حدث مع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقص على أصحابه قصص اتباع الأنبياء، وكان القرآن الكريم ينزل كذلك يبين بعض أخبار الصالحين.
وهنا وقفة: لماذا القرآن الكريم يذكر بعض الصالحين ولا يذكر الكثير من الأنبياء؟ لأن ليس المقصود ذكر القصة، إنما المقصود الانتفاع منها؛ يعني ليس المقصود أن يتم ذكر أسماء كثيرة من الأنبياء أو من الصالحين، إنما المقصود أن ينتفع الشخص القارئ من هذه القصة.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتشبه بالأنبياء حتى فاق الأنبياء بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام وأصبح سيد الأنبياء. وكان اتباع النبي عليه الصلاة والسلام يحرصون على منافسة اتباع الأنبياء، فكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا تعرضوا إلى بلاء كان يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويذكرهم باتباع الأنبياء: «أنه كان من قبلكم...» حتى تتشبه بهم وحتى تتفوقوا عليهم، فأنتم خير اتباع لخير نبي.
فكان الصديق رضي الله عنه وأرضاه يدافع ويدفع عن النبي عليه الصلاة والسلام ويستدل بما قاله مؤمن آل فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [غافر: 28]. يأتي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بعد خمسين سنة من هذا الموقف ويذكر الناس في الكوفة ويقول: أنشدكم الله، أيهم خير؟ هذا، أي أبو بكر الصديق، أو مؤمن آل فرعون؟ أنظروا كيف تكون المقارنة! ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: والله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون.
إذاً، قصة مؤمن آل فرعون عملت في نفس الصديق رضي الله عنه وأرضاه، واستطاع الصديق كذلك أن يتفوق على مؤمن آل فرعون، لأنه كان يجهر بإيمانه، أما مؤمن آل فرعون فكان يكتم إيمانه. وكذلك الله ضرب مثلاً للذين آمنوا قصة آسيا، وكذلك مريم ابنة عمران، لعائشة ولحفصة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.
القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك الصحابيات الجليلات، وقبل ذلك أمهات المؤمنين أي قبل الصحابيات، كنا ينتفعن بالقران الكريم ويأخذن هذه القصص ليس على أنها قصة عابرة، إنما على أنها قصة يراد منها الوصول إلى معاني معينة محددة، ويراد منها التطبيق العملي.
هذا الدين لا يفتح بابُه إلا لمن يريد أن يطبقه، أما إذا كان شخص من البداية هو غير راغب بالتطبيق، إنما هو فقط داخل في هذه البرامج وغيرها من البرامج من أجل فقط أن يتثقف الثقافة التي هي عبارة عن معلومات؛ وقد أحسن المقدم جزاه الله خيراً لما تكلم عن هذا المعنى، هو هذا، لن يستفيد هذا، لن يستفيد كثيراً.
هذا ربما يستمع إلى العشرات والمئات والآلاف من المحاضرات، لكن في النهاية هو سيدور في مكانه، وإن كانت عنده معلومات كثيرة، والشيطان قادر على أن يقلب تصورات الإنسان إن أذن الله سبحانه وتعالى. فنفس السماع للشيخ أو السماع للعالم، بل حتى السماع للنبي عليه الصلاة والسلام، إذا ما كان مع هذا السماع رغبة في التطبيق، وإنما ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 11]، ويخشى الله سبحانه وتعالى ويخشى يوم القيامة ويريد النجاة من هذا اليوم، لن ينتفع: ﴿فَذَكِّر إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].
فالشخص الذي يستمع: أرعوا القرآن أسماعكم كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. أما أمر تؤمرون به إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا، قف عند: يا أيها الذين آمنوا، ما المراد من قول الله يا أيها الذين آمنوا؟ ما هو الأمر الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يأمره؟ وما هو الشيء الذي ينهى الله سبحانه وتعالى عنه؟ المؤمن الذي يستمع القرآن الكريم، وكذلك لسنة وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ويدخل هذه المجالس بهذا القصد، هذا هو الذي ينتفع.
أما الذي يدخل فقط من أجل تحصيل المعلومات وكثره المعلومات ووفره المعلومات، فهذا لن يستفيد ولو حضر عند من حضر، ولن يستفيد ولو دخل ما دخل من البرامج؛ لأن ليس القصد الآن هنا التطبيق إنما القصد التثقف، القصد الاستكثار من المعلومات.
إذاً، هذه مقدمة مهمة جداً والقران الكريم يعلمنا هذا الشيء، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم الإيمان، فيقول جندب بن عبد الله: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً.
إذاً، الدين هذا له ترتيب مقصود، الدين هذا له ترتيب مقصود، وياتينا إن شاء الله تعالى في سياق الحديث لما ناتي الآن ننظر إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبعثه، اطلع على أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب؛ يعني الكره الأرضية لم يكن بها أناس صالحون إلا قلة قليلة جداً لا تذكر من أهل الكتاب. أما البقايا فمقتهم الله، والمقت هو أشد الكره.
ثم بعد ذلك بعث الله سبحانه وتعالى واختار هذا النبي بالذات، اختار هذا النبي عليه الصلاة والسلام بالذات لعلم الله سبحانه وتعالى بصلاحية هذا النبي الكريم، لعلم الله سبحانه وتعالى بصلاحية سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام للقيام بهذه الدعوة التي ستكون هي آخر الدعوات.
فالأنبياء قصت قصصهم في القرآن الكريم، ثم جاءت بعد ذلك سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وبين لنا القرآن الكريم كيف صُنع النبي عليه الصلاة والسلام وكيف صُنع أهل الإيمان. وكذلك سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كانت كاشفة لكل من يريد أن يعرف الطريق الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، بشرط أن يأخذ هذا الطريق بحقه أو أن يدخل إلى هذا الطريق بحقه؛ يعني يبدأ بأن ينقي نفسه وأن يكون قصده التطبيق، وكذلك أن يدخل إلى السيرة والقران الكريم من الباب الذي دخل منه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
إذا دخل إلى السيرة والقران من غير هذا الباب لن يستفيد كثيراً؛ يعني ممكن شخص يحفظ القرآن الكريم ويقرا القرآن الكريم ويقرا السيرة النبوية ويحفظ الحوادث التاريخية، ولكن مع ذلك لا يعرف كيف يطبق الإسلام بل لا يفهم الإسلام. لماذا؟ لأنه ما تفاعل مع الإسلام وما اخذ الإسلام كما اخذ الجيل الأول.
ولا شك في القرن الآن الخامس عشر، لا شك بدأنا المناهد تكاثرت ووقع في زماننا ما ذكره حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه؛ ليس في زماننا بالأزمنة المتأخرة، لكن الله سبحانه وتعالى يختار في كل جيل من يبصر الناس بالطريق الذي يوصل إليه. والشيطان حريص أن يغلق على الناس هذا الباب.
ويقول حذيفة بن اليمان: يأتي على الناس زمان لا يُرى من النور إلا كما يُرى بين هذين الحجرين؛ يعني شخص اخذ حجرين وغطى أو قرب الحجرين بعضهما ببعض واخذ هكذا نور بسيط، بصيص من النور يخرج من هذين الحجرين، قال: هكذا يرى الناس النور في الزمان المتأخر، أما قبل ذلك يكون الأمر بيّناً وواضحاً.
لماذا قبل ذلك يكون الأمر بيّناً وواضحاً، وبعد ذلك يبدا النور هكذا يخبو ويخبو ويخبو حتى ما يرى هذا النور إلا من يحسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، ومن يصدق في إرادة الوصول إلى الله سبحانه وتعالى؟ أسباب كثيرة، لكن من ضمن الأسباب التي كشفها ابن عباس لعمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاهم هو أن عمر كان جالساً يوم من الأيام، وعمر في زمانه لم تكن هناك فتنة التأويل، ليس فيه مثل زماننا الآن، وحتى بعد زمان عمر فتنة التأويل بدأت مع زمان عثمان أو مع مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه، أما قبل ذلك إما إسلام أو كفر.
فعمر أخذ يتفكر، هو يعرف من خلال النصوص ومن خلال أخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذه الأمة ستختلف. كيف؟ كيف تختلف هذه الأمة ونحن نتصور الآن ونعيش مع عمر بن الخطاب في المدينة ولا يوجد أحد هكذا مخالف لهذا الطريق إلا هو يعلم بأنه مخالف، أما أن يكون متأولاً أو لا يعلم أو يقصد نصر الحق لكن بغير طريق الحق؟ هذا إلى الآن ما وجد، إلى الآن ما ظهر هذا القسم.
فكان عمر جالساً ويتفكر، ثم دعا ابن عباس فقال له: يا ابن عباس، كيف تختلف هذه الأمة وإلهها معبودها واحد سبحانه وتعالى، ونبيها عليه الصلاة والسلام واحد، وكتابها واحد، كيف تختلف هذه الأمة وهذا كله واحد ودينها واحد؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا أمير المؤمنين، نحن قرأنا القرآن وعرفنا فيمَ نزل، القرآن نزل في بيوتنا فعشنا مع وقائع التاريخ التي نزل القرآن الكريم موجهاً للنبي عليه الصلاة والسلام وللصحابه فيها. وسيأتي أقوام من بعدنا يقرؤون القرآن ولا يعرفون فيمَ نزل؛ يعني نحن عرفنا هذه الآية ما الذي تعني، وهذه الآية ما الذي تعنيه، وما المقصد من هذه الآية، وما هو السياق الذي نزلت فيه هذه الآية، وكيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام؟ فتشكلت عندنا صورة الإسلام وفهمنا الإسلام.
فلما نقرا القرآن الكريم نفهم المراد من خلال هذا النص، أما بعد ذلك لما يتباعد الناس عن المصدر الأول وعن الجيل الأول وعن معرفة الوقائع، فيأخذون القرآن الكريم هكذا يقرؤون من الفاتحة إلى الناس من غير أي معرفة في السياق الذي نزلت فيه النصوص، ولا حد النصوص، ولا طبيعة الواقع، فهنا يقرؤون القرآن الكريم ويحسبون بأنه لهم وهو عليهم، فهم يستدلون بالنص القراني ولكن على خلاف المراد، على خلاف المقصود.
لماذا؟ لأنهم لم يتعاملوا مع النصوص كما تعامل معها السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، لم يفهموا الإسلام كما فهم الصحابه الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم. إذا فهمنا هذا المعنى، إذا فهمنا هذا المعنى نأتي الآن وننظر في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام بعث في مكة ومات في المدينة ولم...
تخرج الدعوة في زمان النبي عليه الصلاة والسلام من جزيرة العرب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام استطاع بفضل الله سبحانه وتعالى بعشرين سنة أن ينقل الناس من واقع إلى واقع، وأن يؤسس لهذه الدعوة في هذا المكان وهذه البقعة من الأرض. ثم انتشرت بعد ذلك هذه الدعوة الإسلامية وما زالت تنتشر، وما زالت تقاوم، وما زالت هي باقية. كيف استطاع النبي عليه الصلاة والسلام في عشرين سنة أن يغير الناس بهذه الطريقة؟
النبي عليه الصلاة والسلام بعث في أناس يتعصبون للآباء، بعث عند أناس سفهاء، أناس ضعفاء، أناس سماهم الله سبحانه وتعالى بأنهم في ضلال مبين، أناس جاهليين هم أهل الجاهلية، وما زالت الجاهلية موجودة وستبقى موجودة لأنها هي المعارضة والمناقضة للإسلام. لكن كيف استطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن يقضي على الجاهلية في تلك المرحلة الزمنية وكذلك في تلك البقعة المكانية؟ الله سبحانه وتعالى بين وقال، وسلح النبي عليه الصلاة والسلام بالقران الكريم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52]. جاهدهم به أي بالقرآن الكريم، واستطاع النبي عليه الصلاة والسلام من خلال القرآن الكريم أن ينقل الناس من هذا الواقع إلى ذاك الواقع.
طيب، الآن لما نأتي وننظر في العشرين سنة هذه، ما الذي وقع فيها؟ بين قول النبي عليه الصلاة والسلام لما صعد على جبل الصفا قال: أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلا تخرج عليكم من سفح هذا الجبل أكنتم مكذبين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، وفي رواية: ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ما جمعتنا إلا لهذا؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة المسد. بعد عشرين سنة يصعد النبي عليه الصلاة والسلام هذا الجبل في حجة الوداع وتحت قدمه الشريفة عليه الصلاة والسلام مئة وعشرون ألفا كلهم من اتباعه، ودانت جزيرة العرب لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
كيف استطاع أن يغير الناس وهو فرد واحد من هذه الحال إلى تلك الحال، من أن يستنكر الناس يوم القيامة: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾ [النازعات: 10-11] استبعاد واستنكار، كيف يوجد يوم القيامة؟ إلى أن يعمل الناس من أجل يوم القيامة، يعني ليس فقط مجرد الإيمان بوجود يوم القيامة لا، يعمل الشخص حتى إن شخصا يقول: لولا يوم القيامة لأجبتك. يعني يصبح يوم القيامة هو الأصل، تصبح الآخرة هي المركز وكانت قبل ذلك الدنيا.
والأعجب من هذا لما تدخل في السيرة النبوية تجد أن السيرة النبوية كانت فيها محطات أغلق فيها على الدعوة؛ فمن السنة العاشرة إلى الثالث عشر النبي عليه الصلاة والسلام ممنوع من الدعوة في مكة فكان يدعو القبائل عليه الصلاة والسلام. كذلك في شعب أبي طالب ثلاث سنوات كان عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يبلغ الرسالة كما كان يبلغها، وكذلك الثلاث سنوات الأولى السرية. يعني الدعوة في مكة في حساب الناس المادي هي أربع سنوات، لكن ليست هذه الحسبة الدينية وليس هذا هو معيار الإسلام؛ لأن معيار الإسلام الواجب على الداعي أن يبذل الذي يستطيعه ثم ياتي قدر الله الناقل للدعوة. الدعوة لا تنتقل بعمل الدعاه إنما بقدر الله سبحانه وتعالى الغالب، ولكن هذا القدر لا ينزل إلا بعد ما يبذل الداعي، هكذا هو معيار الإسلام.
هذا المعيار فهمه نظريا سهل، يعني تفهمه نظريا من خلال سماع المحاضرة، من خلال سماع الكلمات ليس صعب، لكن تطبيقه عمليا شاق جدا، ويحتاج إلى صدق كبير، ويحتاج إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج إلى دخول قوي في القرآن الكريم. وهذا هو الذي يكشف لنا كيف القرآن الكريم في مكة ثلاثة عشر عاما ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام مع عدم تغيير الواقع الكبير في مكة، ست وثمانون سورة تنزل في مكة، يعني كل كم يوم كانت تنزل آيات ولماذا تتكرر وتتكرر المعاني؟ هذا القرآن تثنى فيه المعاني حتى تستقر هذه المعايير، حتى يصل هذا المعيار إلى أن تتشرب النفس وليس إلى أن يستوعب فقط العقل. العقل يتاثر في مجلس واحد، يعني خلاص يقتنع الآن، هل تشربته النفس أو ما تشربته النفس؟ حتى تشربته تحتاج إلى أمرين اثنين: تحتاج إلى مجاهدة، وتحتاج قبل ذلك إلى توفيق.
لابد أن شخص يريد أن يصل ويصدق مع الله ويدعو الله سبحانه وتعالى ثم هو يطبق عمليا، هكذا هذا التطبيق العملي المستمر يجعل المعيار يستقر في نفس الإنسان، حتى أن هذا الإنسان ينظر بعد ذلك إلى ما لا ينظر إليه غيره فيستطيع هذا الإنسان أن يميز معيار الإسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام كانت تنزل عليه الآيات تباعا تباعا، وتكشف هذه الآيات ما يقع في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك نفس الصفوة المختارة، فالصحابه ليسوا كالملائكة، الصحابه بشر، وقبل ذلك كذلك الأنبياء بشر.
الأنبياء لماذا الله سبحانه وتعالى يتقصد سبحانه وتعالى بأن يذكر خطأ الأنبياء؟ لماذا؟ لماذا الله سبحانه وتعالى لما يبرز دعوة يونس عليه السلام يبرز فيها خطأ يونس عليه السلام، بل ينهى الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من أن يفعل كما فعل يونس عليه السلام: ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]؟ حتى يعرف الناس بأن الأنبياء بشر، وإيش المقصود أن الأنبياء بشر؟ إذا كان الأنبياء عليهم السلام بشرا إذا لن ياتي أحد يوم القيامة ويقول: لا أستطيع أقتدي بالانبياء هم بشر. هكذا وقعت عندهم أخطاء، ولكن كيف تعاملوا مع هذا الخطأ؟ كيف رجعوا إلى الله سبحانه وتعالى؟ كيف تابوا؟ هذا كل القرآن الكريم يريد أن يبرزه.
المشكلة عندنا يا شباب لما نتعامل مع قصص الأنبياء أو مع سيرتي النبي عليه الصلاة والسلام أو مع قصص الصحابه على أنها هكذا نماذج من غير استحضار بأنهم بشر، تقول لي: يعني إيش؟ أقول لك: إذا كان عندك هكذا النظر إليهم بأنهم هكذا صور عظيمة وهي لا شك بأنها أعظم الصور على الإطلاق الأنبياء ثم الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم، لكن الله يريد منا أن نقتفي آثارهم، لما تتعامل معهم تعامل التعظيم من غير استحضار بأنهم بشر لن تستطيع أن تقتدي بهم.
تقول لي: يعني إيش؟ أقول لك: يعني القرآن الكريم لما كان ينزل ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: 5] لما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3] هذا هو الذي يكشف لك لماذا الصحابة كانوا أخشى الناس لله سبحانه وتعالى؛ لأن الله كان يخاطبهم بهذه السورة. فممكن الشخص يقرأ هذه الآيات لكن ما يستحضر أن هو مقصود فيها، يستحضر دائما العصاة أو دائما الناس البعيدين، هذه الآيات نزلت على أبي بكر وعمر.
أبو بكر الصديق يأتي النبي عليه الصلاة والسلام ويسأل النبي عليه الصلاة والسلام: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فالنبي عليه الصلاة والسلام يعلمه دعاء عجيبا يقول: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وأنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». أبو بكر الصديق؟ نعم أبو بكر الصديق، هذا هو الإسلام.
هذه المعاني نحتاج دائما أن نجاهد أنفسنا على تطبيقها وعلى الوصول إليها حتى نحقق الإسلام حقيقة في حياتنا، حتى نطبق الإسلام حقيقة في حياتنا. أما قبل ذلك تكون الصور هذه عبارة عن هكذا عبارة عن شمس مضيئة ولكن لا يمكن الوصول إليها أو لا يمكن الاقتداء بها، إنما هكذا عبارة عن صورة معظمة لكن هي بعيدة، مثالها مثال صورة الملائكة؛ كيف الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ هكذا لا تستطيع أن تقتدي بالملائكة، لا تستطيع أن تفعل كما كان يفعل الملائكة؛ لماذا؟ الملائكة ما تنام، لكن نحن ننام، كذلك الصحابة كانوا ينامون، ومع ذلك الصحابة أصبحوا خير الناس. إذا كيف أصبحوا؟
كيف هو القرآن أو سنة النبي عليه الصلاة والسلام والاسلام عموما مصدره رباني لكنه يتعامل مع الإنسان؟ لذلك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم أشدد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل عمرو بن هشام، أو بعمر بن الخطاب». لماذا؟ لأن الدعوة بحاجة إلى أحد هذين الرجلين، وهذه الدعوة مصدرها من الله سبحانه وتعالى، لكنها تتعامل مع الإنسان وفق طاقة الإنسان وحد الإنسان. إذا أخرجنا كلمة الإنسان هذه من المعادلة لن نستطيع أن نفهم الإسلام، ولن نستطيع أن نطبق الإسلام، ولن نستطيع أن نمتثل وأن نسير على هذا الطريق الذي يحب الله سبحانه وتعالى منا.
نرجع إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام لما بدأ بدعوته بدأ بالدعوة السرية، وقد ينتقي عليه الصلاة والسلام أصحابه والأفراد الذين يرى النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم صالحون للدعوة. بعد ثلاث وعشرين سنة انتقلت الدعوة الإسلامية من كونها دعوة فردية إلى أن تصبح دولة يهابها الشرق والغرب، تهابها الفرس والروم، بدأ بفرد ثم بعد ذلك بلغ إلى درجة أنه يقاتل القوى العظمى، بل أن تنتصر هذه الدعوة على أعظم إمبراطوريتين في ذلك العصر فارس والروم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بأربع سنوات فقط، يعني في سبع وعشرين سنة وصلت الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية إلى أن تكون رقم واحد بالعالم.
تقول لي: كيف هذا الشيء؟ أقول لك: هذه هي السيرة النبوية، هذا هو الذي نريد أن نتعلمه، هذا هو الذي نريد أن نعرفه. إذا ما حرصنا على الدخول إلى السيرة النبوية وجمع القرآن الكريم معها واستنطاق هذه الحوادث لن نستطيع أن نصل إلى المعايير الخاصة، ولن نستطيع ولو كذلك لن تصل هذه المعايير في نفوسنا كما وصلت في نفوس الصحابة رضي الله عنهم الذين قادوا العالم والذين فتحوا الدنيا.
تقول لي: هل من السهل الوصول إلى هذه الحال؟ أقول لك: لا، ليس السهل. تقول لي: كيف يعني؟ أقول لك: يعني تحتاج إلى صدق، هذا دين، دين الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»، ولكن هو ميسر على من يريد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. فالذي يريد سيصل وسيسر له ويذلل له الطريق ويعان بإذن الله، ولكن الذي إرادته ليست قوية أو الذي إلى الآن ما زال في قلبه هكذا محبة للدنيا أو رغبة في الدنيا أو رغبة في تحصيل أو عنده شيء أعظم من الدين في التطبيق العملي -وإن لم يكن يزعم ذلك في نفسه وفي جوفه- أقول لك: هذا ما استحق الآن قلبه ما طهر، هذا الآن ما صفي، هو يزكيهم، إلا أن التزكية ليست قوية عند هذا الإنسان والتزكية عملية مستمره.
التزكية عملية مستمرة ليست هي مرحلة معينة لا، إنما هي عملية مستمرة تستمر مع الإنسان حتى يلقى الله حتى يلقى الله سبحانه وتعالى. إذا، الآن نرجع إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان ينتقي أصحابه، والدعوة تنقسم إلى قسمين: شق متعلق بالداعي بالموجه بالمعلم، وشق متعلق بالمتعلم. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يبلغ الرسالة وكان يقتفي آثار الأنبياء، فكان إذا كان نوح عليه السلام يقول: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ [الأعراف: 61] هود يقول: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: 67] النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أفرغت يا أبا الوليد؟» هكذا. موسى عليه السلام يقول: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102] النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لقد جئتكم بالذبح».
طيب متى نقول هذا؟ متى نقول هذا؟ هذه هي السيرة النبوية، هذه هي الدعوة النبوية، تحتاج إلى دخول الآن حتى تتميز عندك هذه المواقف وحتى تعرف متى تقول: «لقد جئتكم بالذبح»، ومتى تقول: «أفرغت يا أبا الوليد؟»، ومتى تقول: «يا أبا الحباب»، ومتى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾ [الفرقان: 52]، ومتى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]؟ على الكفار وعلى المنافقين متى نستخدم الغلظة؟ متى نستخدم اللين والرحمة؟ متى نستخدم هذا الأسلوب ومتى نستخدم هذه الطريقة؟
من الرجل الذي نختاره؟ من الرجل الذي نختاره لما نريد أن نبحثه إلى المدينة؟ اختار النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير، واختار النبي عليه الصلاة والسلام جعفر بن أبي طالب للحبشة، واختار فلان لكذا وفلان لكذا. لماذا؟ كيف كان يختار عليه الصلاة والسلام؟ لماذا لما تفرس في مكة ما دعا إلا بهذين الرجلين؟ لماذا هنا ما كانت دعوة عامة لأهل مكة؟ إنما الدعوة فقط إما أبو جهل أو عمر بن الخطاب حتى، أو ليس الرجلين -يعني لماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللهم أشدد الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل عمرو بن هشام أو بعمر بن الخطاب»- لماذا واحد منهم؟ لماذا ليس إلى رجلين؟ هذه هي السيرة النبوية، هذه السيرة هذا الذي نريد يعني أن نصل إليه من خلال قراءتنا ونظرنا إلى القرآن الكريم وإلى السيرة النبوية.
إذا وصلنا إلى فهم هذه المعاني أنا أقول الآن نستطيع بإذن الله أن ننتقل بالأمة الإسلامية، أما قبل ذلك شخص ممكن يكون في مقام أكبر من مقامه، فلما يكون في مقام أكبر من مقامه يفسد أكثر ما يصلح. تقول لي: كيف يعني؟ أقول لك: الإسلام له ترتيب دقيق جدا دقيق جدا بخلاف ما يتوهم الإنسان ويظنه، هذا الترتيب إذا ما تم امتثاله لن تكون النتيجة. تقول لي: كيف يعني؟ أقول لك: في أحد يقود الجيش النبي عليه الصلاة والسلام ومعاه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وبقية الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ومع ذلك تكون النتيجة كما تعرفونها، والصحابة يتعجبون والله يقول: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا﴾ [آل عمران: 165] إن هذا تعجب كيف كيف نهزم؟
تكون هذه النتيجة، طبعاً البعض يطلق لفظ الهزيمة بسياق، والبعض يقول: لا، ليس صواباً أن نطلق هزيمة، إنما نقول: قرح، وهذا سياق وهذا سياق. وهذا له كذلك تفصيل، لكن القصد من ذلك أن الصحابة سمعوا من أبي سفيان يقول: اعْلُ هُبَلُ. تصوروا هذه، اعْلُ هُبَلُ سهلة! بعد 15 عاماً من الدعوة تكون هذه النتيجة؟! وأبو سفيان هكذا يتفاخر ويقول: اعْلُ هُبَلُ.
هذه صدمة كبيرة، صدمة نفسية كبيرة، لكن الله يريد أن يبين قانونه، الله يريد أن يبين المعيار، الله سبحانه وتعالى قدر أن تقع هذه النتيجة حتى يعرف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بأن الذنوب والمعاصي وأن المخالفة شؤومها عظيم، وأنها تفعل هذا الفعل وأكثر من هذا الفعل إذا ما استجاب الناس إلى دين الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين عباده نسب، الله يريد من عباده من أوليائه الصالحين أن ينقادوا لأمره. فاستقم كما أمرت؛ هذه الآية يقول ابن عباس: أعظم أو أشد آية نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام. فاستقم كما أمرت، كما أمرت يعني ولا تطغوا، لا تزد ولا تتاخر ولا تركنوا.
طيب هنا، لا تطغوا ولا تركنوا، المعنى العام سهل، لكن في التطبيق، التطبيق صعب، في التطبيق صعب بمجرد أن النبي عليه الصلاة والسلام هنا قدم العلياء في مكة، وكان اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام مبنياً على تقدير بشري صحيح، أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبَس: 1-2]، حتى قال الله: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبَس: 6-10]. إن هذه تذكرة، من هنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يساوي بدعوته بين الشريف والوضيع والصغير والكبير، ويساوي بين الجميع، والحر والعبد.
فهنا، ليس لك أيها النبي أن يسلم هذا أو يسلم هذا، لا، يسلم هؤلاء. وين المشكلة؟ لأن هذه الدعوة محمية بالله سبحانه وتعالى، هنا كان القرآن الكريم يصنع النبي عليه الصلاة والسلام، ويصنع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وتبين هذه الدعوة النبوية، وتبرز هذه الدعوة النبوية. وواهم من ظن بأن الدعوة النبوية والأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم صنعوا من غير بلاءات، أو صنعوا من غير وجود أخطاء، وجدت أخطاء، وجدت تراجعات، لكن بعد ذلك استجابوا فأعطاهم الله سبحانه وتعالى وأكرمهم. ولا وقعت الأخطاء، فلان يقول لفلان كذا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تسبوا أصحابي»، هذه بين الصحابة، وفلان يفعل كذا والنبي عليه الصلاة والسلام يأتي ويوجه.
هذا كلنا نريد أن نتعرف من خلال دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، إذا فهمنا هذا المعنى نفهم بأنه إذا كان الشخص في مقام أعلى من مقامه سيفسد. نحن اليوم مشكلتنا أو من ضمن مشاكلنا الكبيرة أن أناساً كثر يريدون الدعوة، ولكن كذلك الكثر لا يريدون أن يتعلموا الدعوة، لا يريدون أن يتعلموا الدعوة. إذا أصبح عندنا عدد كبير في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى من غير بينة ولا هدى ولا بصيرة لن نتقدم، لأن الخطأ هذا يؤخرنا. طيب، تقول لي: حتى لو كان، حتى لو كان يريد؟ كم من طالب الخير لم يدركه، خاصة لما تاتي اللحظات المفصلية التاريخية؟ لما تأتي اللحظة المفصلية التاريخية هنا يكون انتقال في الدعوة، إذا ما كانت المجموعة قادرة على الانتقال نتراجع ولا بد، وهذا الجيل يذهب ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140].
تكون النتيجة كما كانت يوم أحد، قسم منهم يقتل، طيب لماذا قتل؟ خلاص، هؤلاء شهداء يفوزون عند الله سبحانه وتعالى بالشهادة. طيب والبقية؟ البقية يتعلمون بأن الذي فعلوا خطأ، يتعلمون، الذين نجوا يتعلمون بالذي فعلوا خطأ، ثم يختبرون مرة ثانية، هل يرجعون؟ الصحابة مباشرة في حمراء الأسد استجابوا، وما تكرر منهم الخطأ مرة ثانية، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين». مرتين؟ مرة واحدة ممكن، لكن مرتين لا يمكن أن يقع منه هذا، هذا شيء.
النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء عند أناس، جاء عند أناس لهم وصف معين، لهم طبائع معينة، لهم قانون معين يعيشون ويتحاكمون إليه، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وبدأ بدعوته. دعوة النبي عليه الصلاة والسلام دعوة تختلف عن دعوة الأنبياء بالتفصيل، ليس بالصول، بالصول هي الدعوة واحدة، جميع الأنبياء يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، لكن بالتفاصيل دعوة النبي عليه الصلاة والسلام كانت مختلفة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما معشر الأنبياء إخوة لعلات، دينهم واحد وأمهاتهم شتى». دينهم واحد، كلهم يدعون إلى التوحيد، يدعون إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، لكن تفصيل الدعوة هناك في اختلاف.
دعوة النبي عليه الصلاة والسلام مفصلة لنا، دعوة النبي عليه الصلاة والسلام مفصلة لنا، تقول لي: كيف؟ اقول لك: النبي عليه الصلاة والسلام لما تدخل في الدعوة تجد النبي عليه الصلاة والسلام هو السياسي الأول، وتجد النبي عليه الصلاة والسلام هو القائد الأول، وتجد النبي عليه الصلاة والسلام هو المربي الأول، وتجد النبي عليه الصلاة والسلام هو العابد الأول، «أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له». يعني تجد النبي عليه الصلاة والسلام اكتملت فيه هذه المعارف، واستطاع النبي عليه الصلاة والسلام أن يتعامل مع جميع الوقائع كما وضعها الله سبحانه وتعالى. إذا الشخص ما استوعب طبيعة الشيء لن يستطيع أن يتعامل معه، إذا لم يستوعب شخص طبيعة الشيء لن يستطيع أن ينزل النص الشرعي عليه، لأن النص الشرعي نازل على طبيعة معينة محددة، والذي طبع هذا الكون بهذه الصورة هو الذي أنزل الشرع بهذه الطريقة، وهذا الشرع موافق للطبيعة، يتطابق معها تطابق الكفين بعضهما على بعض.
الذي يقع عندنا أحد أمرين: أما أن شخصاً ما يعرف الشرع فيخل، فيرجع إلى عقله في التنزيل، يعني هو من خلال عقله يريد أن يوضع المعيار، وهذا لا وجود له في الدين، هذا اجتهاد عقلي من غير فقه، فقه نفس النصوص الشرعية ولا فقه نفس طبيعة الأمر، أو أن الشخص هذا ممكن يعرف النص لكن ما يعرف كيف ينزل النص، أو النص على ماذا ينزل، ما يعرف الواقع هذا كيف يكون، فلذلك يكون تنزيله مخالفاً للتنزيل الإسلامي والتنزيل والتنزيل الشرعي. تقول: طيب أنا كيف أعرف هذه الأشياء؟ اقول لك: الدخول بها، الدخول بها. فلما تدخل في هذه الأبواب تتكشف لك هذه الأبواب، إذا تكشفتك هذه الأبواب تستطيع أن تنزل هذا النص حتى يكون هذا النص موافقاً لطبيعة هذا الشيء.
أضرب مثالاً حتى أقرب الصورة، الآن لما ناتي عند الحرب، الحرب خدعة، والكذب لا يكون بالحرب، الحرب خدعة، هي الحرب هكذا، يعني ما تجي تقول: أنا انسان صادق، إذاً في الحرب سأقول: عندي عدد جيشي 500، وعندي من الأسلحة كذا وكذا، وعندي من أفراد كذا وكذا. تقول: لا، ما يجوز أني أكذب؟ اقول لك: هذا منافي ومخالف لطبيعة الحرب، هذا منافي ومخالف لطبيعة الحرب، الحرب خدعة.
لما تاتي مثلاً عند المرأة بطبيعتها عاطفية، ثم انظر إلى النصوص الشرعية، وانظر كيف تعاملت النصوص الشرعية مع المرأة تجد أن النص الشرعي موافق لطبيعة المخلوق. لذلك لما جاء الرجال إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلبوا منه أن يعطوا أجرين، والنساء أتوا كذلك، وجاءت أم المؤمنين إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلبت منها الجهاد في سبيل طلبت منه الجهاد في سبيل الله إلى آخره، أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]. أحكام الله موافقة لخلق الله سبحانه وتعالى للإنسان، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. الذي يعلم سبحانه وتعالى هو الذي أصلح هذا الإنسان، وأنزل له هذا الشرع بهذه الصورة وهذه وهذه الطريقة. لذلك أوتي باسم اللطيف واسم الخبير، وكذلك تنزيل من حكيم حميد، باسم الله الحكيم وبسم الله الحميد، وهذه من أسرار القرآن الكريم في بيان عظمة هذا الشرع الذي أنزل الله سبحانه وتعالى.
إذاً، النبي عليه الصلاة والسلام لما بلغ هذه الرسالة كان للنبي عليه الصلاة والسلام فقه في الدعوة، تقول لي: هذا الفقه ايش معناه؟ اقول لك: معنى الفقه في الدعوة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في كل مرحلة له خطاب، في كل مرحلة له خطاب، هذا الخطاب لابد أنه ما يتجاوز حد المرحلة ولا ينقص عنها. تقول لي: فسر؟ اقول لك: نحن كل يوم عندنا سقف، كل يوم عندنا سقف، هذا السقف إذا ما وصلنا إلى نهایته نكون خسرنا بالحصيلة النهائية. كل يوم في الدعوة إلى الله في تطبيق الإسلام عندنا سقف، سقفنا نفترض مثلاً عشر درجات، شخص اليوم بذل خمس درجات، الخَسْرة أخذها الشيطان منك، هذه لا وجود لها في السيرة النبوية. يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان حديث دائماً أن يصل إلى سقف الدعوة، إلى سقف الدعوة، فكان عليه الصلاة والسلام ينتقل وينتقل وينتقل، هذا الانتقال يقابله شدة من الأعداء، يقابله أحياناً تاخر في الصورة الظاهرة، ولكن ليس تأخراً في حكم الله سبحانه وتعالى.
فالنبي عليه الصلاة والسلام بدا بالدعوة السرية، أسلم عدد من أسلم معه قريب من 60 رجل أو 60 شخص، 45 من الرجال وتقريباً 15 من النساء، يعني كان ربع من النساء تقريباً. لما كمل هذا العدد عليه الصلاة والسلام جهر بدعوته، تقول: طيب لماذا ما استمر بالدعوة السرية؟ اقول لك: إلى متى سيستمر بالدعوة السرية؟ إلى متى؟ يعني إلى متى الشخص سيستمر بدعوة الأفراد هكذا الدعوة السرية من غير أن يكون هناك جهر في الدعوة؟ الدعوة السرية لها حد، ثم بعد ذلك لن تستطيع أن تستمر بالدعوة السرية، لماذا؟ لأن هؤلاء الأفراد ستقضي عليهم الدعوة العامة، والذي يملك السلطة العامة يستطيع أن يسيطر على العقول، والنبي عليه الصلاة والسلام بصير في جميع هذه المعاني، والله سبحانه وتعالى كان يعلم طريق الدعوة حتى نتعلم نحن هذه الدعوة كيف كانت.
كيف كيف هناك فارق كبير بين هنا الدعوة في المرحلة السرية وبين الدعوة بعد فتح مكة؟ بعد فتح مكة نزلت سورة التوبه، أو سورة التوبة نزلت على مراحل، لكن من ضمنها كذلك بعد فتح مكة، كيف كان الخطاب بعد فتح مكة؟ انظروا في سورة التوبة واقرأوا في الآيات النازلة فيها، كيف كان التعامل مع الكفار؟ لأن هذه الصورة النهائية للإسلام، هذه الصورة النهائية لتنزيل النصوص، فكان هنا سياق فتح مكة أو بعد فتح مكة، الإسلام وصل من العلو والظهور الشيء الكبير، فنزلت الآيات موافقة لهذه الحال.
لكن لما كانت الدعوة في مكة الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، كم الفارق بين ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ وبين الآيات التي نزلت في سورة التوبة في قتل المشركين؟ ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] إلى آخر هذه الآيات، لذاك سميت سورة السيف ولا تبدأ بالبسمله. كم الفارق بين هنا التعامل مع الكفار بهذه الطريقة والتعامل مع الكفار بهذه الصورة؟
لماذا تغير هذا كله؟ لأن واقع الدعوة تغير. فلما ناتي وننظر إلى الدعوة الإسلامية نجد بأن الدعوة الإسلامية مرتبة، مرتبة على هذه المراحل. فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بعدد قليل، ثم بعد ذلك بدأت الدعوة الجهرية، الدعوة الجهرية قوبلت ببلاءات عظيمة حتى وصل الحال أن تحصر الدعوة في شعب أبي طالب، حصرت الدعوة، تقول: الآن خسرنا؟ ما قال لك: خسرنا، لا، لم نخسر، الآن الواجب عليك فقط أن تصبر. تقول: ما نستطيع أن ندعو؟ اقول لك: الآن الله يريد منك الصبر وبذل الذي تستطيع، الله لا يريد منا إلا أن نسير على الطريق، فاستقم كما أمرت. إذا استقمنا كما أمرنا الله سبحانه وتعالى هذه الدعوة محمية بالله سبحانه وتعالى.
النبي عليه الصلاة والسلام يتحرك في مكة، وسلمان يتحرك في فارس، وينتقل إلى الشام، ويذهب إلى العراق بحثاً عن الدين، ثم هذا سلمان يأتي به الله سبحانه وتعالى إلى النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا كيف القدر يعمل، كيف هذه الصورة الشامله التي ما ينظر إليها ولا يعرفها إلا الله سبحانه وتعالى فقط، أما الدعاة فينبغي عليهم أن يسيروا على الطريق وأن يفعلوا، ثم الله سبحانه وتعالى هو الذي سيقدر ويقيض جنود القدرية التي تنتقل بهذه الدعوة. لكن هذه مثل ما ذكرت، ما تاتي، نعيم بن مسعود ما يسلم إلا لما تقومون بالدعوة الواجب عليكم، الأنصار ما ياتون إلى المدينة إلا لما يذهب الداعي عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، يعني يجتهد ويفعل، ثم بعد ذلك يأتي القدر الإلهي الذي فيه انتقال للدعوة.
كذلك في الأحزاب الريح هذه، كيف يبعثها الله سبحانه وتعالى؟ هذا جند من جند الله سبحانه وتعالى، يقيض الله سبحانه وتعالى وما أكثر جنود القدرية في هذا الزمان التي قيضها الله سبحانه وتعالى، لكن هذه لا يبصرها إلا من أبصر ما ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم، كيف أن هذا الكون كون الله، وكيف أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسير هذا الكون ولا يجري في قدر الله إلا ما أراد الله سبحانه وتعالى.
فكيف يكون هنا أمر قدري؟ هذا الأمر قدري ينقل الدعوة الإسلامية في مكان آخر بصورة لا يستطيع يعرفها البشر، لكن هؤلاء امتثلوا الأمر الشرعي وقاموا بالانقياد لما يريد الله سبحانه وتعالى، فبلغهم الله سبحانه وتعالى وأوصلهم إلى ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع المراحل وفق طبيعة المرحلة، فكان ينظر عليه الصلاة والسلام نظرة شمولية وهذا هو الوعي، وينظر إلى سقف هذه المرحلة، ثم تنزل آيات على النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك يجتهد النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا كان الاجتهاد ليس هو الذي يريد الله سبحانه وتعالى مباشرة تنزل آيات وتصحح هذا الاجتهاد وتصحح هذا الاجتهاد حتى يعرف الداعي المعيار الذي يريد الله سبحانه وتعالى.
يريد الله سبحانه وتعالى منه المعيار الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه حتى يمتثل ويحكم دعوته من خلال هذا المعيار. النبي عليه الصلاة والسلام كان ينتقي وكان ينظر ويتبصر في أصحابه من جهتين؛ الجهة الأولى من أسرع الصحابة انقياداً ومن أسرع المسلمين استجابةً. الصورة الثانية قدرات الأفراد؛ الله سبحانه وتعالى خلق البشر بصورة مختلفة، هم يتفقون بالأصل أصل الخلقة ولكن نفس الطباع مختلفة. الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم عليه السلام قبض آدم من قبضَةٍ جمعها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على النحو من ذلك، بعض الناس بطبعه طيب حليم، بعض الناس بطبعه شديد، بعض الناس بطبعه رحيم وهكذا. لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر»، إذن أبو بكر الأصل فيها صفة الرحمة. ثم قال: «وأشدهم بأمر الله عمر»، إذن عمر به صفة الشدة، ونحتاج إلى شخص تغلب عليه الرحمة ونحتاج إلى شخص من طبع الشدة. لماذا؟ الذي من طبع الشدة يستطيع أن يفعل أشياء ما يستطيع يفعلها الذي من طبع الرحمة، والذي من طبع الرحمة يستطيع أن يفعل أشياء ما يستطيع يفعلها الذي من طبعه الشدة. ثم هذا الذي من طبع الرحمة وهذا الذي من طابعه الشدة يتم تنقيته حتى تصل النفس إلى الذروة، حتى أن هذا الإنسان تكون هذه الصفة لا تؤثر في فهم الدين.
شوفوا يا شباب، نحن لم نفهم الإسلام بناء على أمور عديدة من ضمنها طبيعتنا النفسية؛ طبيعتنا النفسية لذلك دراسة حال العرب قبل الإسلام مهمة لفهم طبيعة العرب، ولذلك يقول عمر الفاروق: لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية، لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية. فاللي لا يعرف الجاهلية لا يستطيع أن يفهم ما الذي فعله الدين وكيف غيرهم الدين وكيف خاطبهم الإسلام وما هي الطباع التي كانت موجودة عندهم. ولن يستطيع أن يفرق بين بني إسرائيل وبين الصحابه، لماذا موسى عليه السلام أتباعه ما وصلوا إلى ما وصل إلى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ لماذا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا في ضلال مبين قبل ذلك لما كانوا مع العرب، ثم أصبح بعد ذلك خير الناس قرني؟ ولماذا بني إسرائيل -بنو إسرائيل- لم يصلوا إلى ما وصل إليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟ الفارق نفس الطبيعة؛ بنو إسرائيل كسرهم فرعون، أما العرب فلم يكسروا والعرب ما كانوا يقبلون بأن يتملك عليهم أحد، فكانت النفوس لم تكن مكسورة. نعم العقول كانت بسيطة وكذا، ذلك كانت عندهم أفكار عجيبة ولا شك أنه كان زمان الجاهلية، لكن نفس الطبيعة الطبيعة الطبيعة ما كسرت. هذا الإنسان إلى الآن ما تعرض إلى كسر يمنع من فهم معاني العزة، يمنع من فهم النصوص الشرعية.
النبي عليه الصلاة والسلام كان ينظر إلى هذا، ينظر إلى طباع أصحابه وإلى قدرات أصحابه، من يستطيع على هذا؟ من يستطيع على هذا؟ من أفضل واحد في كذا؟ فكان ينتقي ويختار. هنا نفهم أن الدعوة الإسلامية دعوة جماعية ليست دعوة فردية، ولا وجود الدعوة الفردية في الإسلام إلا لما لا يستطيع شخص يعني لما يكون شخص في واقع مثل واقع لوط عليه السلام مثلاً نعم، لما يكون مثل واقع إبراهيم عليه السلام نعم، لكن لما يكون هو يستطيع هذه ليست دعوة إسلامية. لماذا؟ لأن في الإسلام الدعوة جماعية، وفي الإسلام الشيطان يأخذ الأفراد ولا يستطيع على الجماعة، وفي الإسلام هناك فتن قدر الله سبحانه وتعالى وجودها لا تقوى عليها إلا الجماعة، ما يقوى عليها الفرد إلا لما يكون هذا الفرد ما يستطيع، لما يكون هذا الفرد ما يستطيع ويكون في بلاء مثل ما ذكرت، فيعم هنا يكون فرض الصبر والثبات.
لكن كإنقال كمواجهة كمصارعة للباطل لابد أن تكون جماعة، لكن انظر لحال النبي عليه الصلاة والسلام دعا دعا دعا استجابت له مجموعة، هذه المجموعة بعد ما وصل إلى عدد يستطيع من خلاله أن يجهر بالدعوة ولا لا يسقط لما يجهر، لا يسقط لما يجهر، جهر عليه الصلاة والسلام واستخدم الأعراف الموجودة الآن؛ أبو طالب موجود وأبو طالب هو عم النبي عليه الصلاة والسلام، نستخدم هذه السلطة السلطة السياسية، نستخدم هذه السلطة السياسية ونستفيد وننتفع منها من غير أن نتنازل عن دعوتنا أي شيء ولا يجوز لنا نتنازل. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو حتى مات أبو طالب، لما مات أبو طالب انتقلت الدعوة وتوجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى القبائل، وأتى الله سبحانه وتعالى بقدرة وأتى الله سبحانه وتعالى بقدرة. والقدر لما نقرا الدعوة الإسلامية ببعد الغيب، لما نقرا الدعوة الإسلامية مع النظر إلى أن الله سبحانه وتعالى خبير، مع النظر إلى أن الله سبحانه وتعالى بصير، مع النظر إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحمي هذه الدعوة، لن نصاب أبداً بالجزع ولا باليأس ولن نغير الدعوة.
والداعي يكون بين بلائين في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى؛ بلاء التعب والجزع واليأس وأن الناس ما تستجيب ولا الناس ما تنقاد إلى آخره، وبين بلاء الحرص على تغيير الناس ولو كان على حساب تغيير الدين، هذا يأتي بسبب التأويل وبسبب الحرص. هنا يحرص حرص كبير على هداية الناس فيكون حرصه هذا سبب لتغيير الطريقة الذي يريدها الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يمكن أن يثمر، ولا الأول طبعا الأول طبيعي أنه لا يثمر الداعي هنا سيتوقف لكن الثاني مستحيل أن يثمر مستحيل مستحيل أن يثمر. لماذا؟ لأن هو الآن لن ينزل قدر الله سبحانه وتعالى كداعي على عمله، وليس هذا هو الطريق الذي يريد الله سبحانه وتعالى، والله لابد أن يقيض دائماً في طريق الدعوة سدود حتى ينظر الله إلى توكل الدعاة، حتى ينظر الله سبحانه إلى صدق الدعاة، هل يقول داعية مثل ما قال هود عليه السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: 56]؟ هل كذا يتعامل الداعيه مع الله سبحانه وتعالى؟
هذه لابد أن تقع كثيراً وليس قليلاً، هذا الوقوع مقصود حتى تنتقل الدعوة بعد ذلك وحتى يتجرد الداعي من حظ نفسه وحتى يتجرد الداعي من الاتكاء على عمله، وحتى يكون اتكاء الداعي فقط على الله سبحانه وتعالى. هكذا كان الله سبحانه وتعالى يجرد النبي عليه الصلاة والسلام وجرد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وننظر إلى هذا المعنى جلي وظاهر في جميع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أنه يخرج عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مع الصديق وقلبه ما يتحرك عليه الصلاة والسلام وأبو بكر هو الذي يكون هكذا ياتي أمام النبي عليه الصلاة والسلام وخلفه عن يمينه وعن يساره. ولكن لما تاتي بدر ومعه مجموعة كبيرة من الأصحاب وكلهم مستعد أن يقاتل، النبي عليه الصلاة والسلام دعا دعاء طويل حتى يسقط حتى يسقط رداءه من على كتفه. لماذا؟ حتى ما ينتكي القلب، حتى يثبت الله سبحانه وتعالى أني ما زلت متكئ عليك ومعتمد عليك يا ربي واني غير متوكل على هؤلاء ولا معتمد على هؤلاء، إنما معتمد فقط على الله سبحانه وتعالى. النصر من هو لذلك الله بعد ذلك انزل الملائكة والله سبحانه وتعالى قيض نزول المطر هذه الجنود القدرية التي ما تنزل إلا لما يحسن الداعي التعامل مع الله سبحانه سبحانه وتعالى.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام كان بصير كان بصير بطباع أصحابه، وكان عليه الصلاة والسلام ينظر إلى استجابة الأصحاب، وذكرت لكم بأنه هناك شق متعلق بالداعية شق متعلق بالمعلم شق متعلق بالمربي وشق ثاني متعلق بالمتعلم بالمتربي برز من خلال هؤلاء، وكلهم طبعا رضي الله عنه وأرضاهم كانوا في الذروة واختارهم الله على عينه لكن الصديق برز. الصديق برز بنسبة كبيرة جداً وفاق الجميع حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هلا انتم تاركوا لي صاحبي بعث الله إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقْت». لماذا؟ هذه كانت عند المبادرة عالية جداً الصديق رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك برز بلال بن رباح أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً، فبرز الصديق برز بلال وبرز هكذا الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهنا طبعا يكون تفاوت نسبي، تفاوت يكون نسبي بين هؤلاء، هذا التفاوت مؤثر في الاختيار والانتقاء، وكذلك هذا التفاوت بالقدرات مؤثر في وضع الشخص في المكان الذي يصلح له، وكلما ارتقى الشخص في المقام الذي ينبغي أن يكون أو يريد شخص أن يضع فيه لابد أن تكون قدراته موافقة له.
لذلك عمر الفاروق وهو عمر رضي الله عنه وأرضاه ما كان يصلح أن يكون قائد بعد النبي عليه الصلاة والسلام، إنما فقط الذي يصلح أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه. وهذه والله يعني الوقفات هذه السيرة سيرة ملاه بهذه الوقفات، حتى الصديق رضي الله عنه لما كان ينتقي الرجال كان مميز جداً حتى أن عمر الفاروق بعد ذلك كان يقول: رحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني. هذه دعوة يا شباب متعلقة بالإنسان، أي تخاطب الإنسان وفق طاقة الإنسان، فما تاتي عند شخص من طبعه الشدة وتريد من هذا الإنسان أن يكون في موطن هو ما يستطيع عليه، وما تاتي من شخص من طبعه الرحمة واللين وتريد أن توضع في موطن هو ما يستطيع عليه، هذا ليس من الصواب. الذي يفقه هذا المعنى ما يسمح لنفسه بأن تتدخل في تأويل النصوص الشرعية، إنما يكون فقط مسلم النصوص كما هي، النصوص كما هي النصوص، فنعم هو قد لا يقوى على هذا الشيء وهو قد لا يستطيع عليه، ولكن هو يقول لك أن الصواب كذا وأن فلان يقوم بهذا الأمر.
لذلك الصديق حرص أن يكون نائب عمر الفاروق، لماذا؟ الصديق حليم وعمر شديد، هنا يعتدل الميزان، هنا يعتدل الميزان مع تنقية النفس مع تنقية النفس ومع تعلم الدين هنا يبدأ يرتقي ويرتقي ويرتقي حتى يصل في النهاية الشخص إلى الكمال والتمام. وانظروا إلى اختيار الصديق لعمر بن الفاروق رضي الله عنه كيف الآن عمر لما أخذ النبي عليه الصلاة عمر النبي عليه وسلم أخذ عمر هو صاحب موهبه يعني عمر الخطاب اختاره النبي عليه الصلاة والسلام بالدعاء لأن عمر عنده موهبة معينة. وهنا اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لعمر أو لأبي جهل لوجود هذه الموهبة، ولم يختر كلا الرجلين حتى ما يتكي عليه الصلاة والسلام على القدر، إنما كان النبي عليه الصلاة والسلام يبذل كل ما يستطيع ثم ينظر حاجة الدعوة فيدعو بقدر الحاجة للدعوة يدعو بقدر الحاجة للدعوة. هنا فارق كبير جداً بين الدعاء من أجل هداية الشخص وبين الدعاء من أجل الارتقاء بالإسلام وهذا له تفصيل.
هنا نفهم لماذا موسى عليه السلام قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي﴾ [طه: 27] ما قال واحلل جميع العقد، لماذا قال عقدة فقط حتى يستطيع أن يبلغ الرسالة؟ هو ما كان يريد أن يتكي على البيان على الفصاحه، لذلك دعا بعد ذلك بأن يكون معه هارون عليه السلام، فهو لم يكن يريد أن أن يتكي على هذا الشيء إنما يريد فقط أن يبلغ الرسالة ولا يتكي على القدر وهذا له تفصيل وهذا واضح بالسيرة النبوية. فالنبي عليه الصلاة والسلام هنا اختار أحد هذين الرجلين حتى ما يكون اتكاء، كدعوة عامة يدعو دعوة عامة عليه الصلاة والسلام لهداية هؤلاء من أجلهم هم حتى ينجوا من النار، حتى ينجو من النار هذا سياق وهذا وهذا سياق.
القصة من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ عمر بن الخطاب وهو بهذه الطريقة، ثم أخذ يربي عمر طيب كيف ربى عمر بن الخطاب من طبعه شدة وشديد أن شددت عليه أفسدته. طيب هل النبي عليه الصلاة والسلام شد على عمر؟ ما شد النبي عليه الصلاة والسلام على عمر بن الخطاب إلا في موطنين اثنين فقط، ما شد على عمر الخطاب إلا في موطنين اثنين فقط؛ موطن متعلق بالتوحيد وموطن متعلق برجل اعظم أفضل من عمر حتى يعرف عمر بأن هذا الرجل أفضل منك وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أما الباقي كان النبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع عمر وفق طبيعة عمر؛ خلهم يا عمر، دعهم يا عمر، وهكذا.
فكان النبي عليه الصلاة والسلام تعامل معه بهذه الصورة وهذه الطريقة، كان يربيه بناء على طبعه، لو استحملنا الشده مع شخص من طبعه الشده سنفسده، ولو استعملنا اللين في موطن يستحق الشدة لن تثمر لم تثمر التربية كما أثمرت لما علم النبي عليه الصلاة والسلام وربى معاذ بن جبل بقوله: «أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟». كذلك لما قال لأوسامة بن زيد: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟». هذه هي التربية النبوية كانت مستمره مستمره حتى يصل الصحابي حتى يصل هذا العبد المنقاد إلى أعلى درجه، ثم هؤلاء بمجموعهم ينتقلون بالدعوة الإسلامية وبشرط أن يؤمروا افضل واحد فيهم وقد لا يصلح للقيادة إلا شخص واحد فقط في هذا السياق التاريخي فقط مثل خالد بن الوليد. خالد بن وليد بعثه أبو بكر إلى فارس، ثم بعد ذلك نقل إلى الشام، طيب لماذا هنا عدد هنا عدد هناك قاده كبار أبو عبيدة بن الجراح زبير بن العوام؟ أبو بكر يقول أبو بكر يقول أن هذا الموطن ما يصلح إلا خالد، إذا أرسل لأبي عبيد بن جراح وقال إن له خبرة في الحرب ليست لك. إذا فهمنا هذا المعنى نفهم كيف قامت دعوة الإسلام ونفهم بأن الاعتداد الكبير إذا يقع من الناس كثيراً ليس بصواب، ونفهم بأن الإنسان مهم جداً أن يجرد نفسه.
لانقياده إلى الحق، وكذلك أن يعرف موهبته وقدرته حتى يضع نفسه في المكان المناسب. وإذا وضع الشخص نفسه في غير المكان المناسب هنا لن يستطيع أن تثمر دعوته هذا الاثمار الكبير.
وكذلك نفهم بأن الشخص كيف يستطيع أن يفهم هذا الدين، وهذا الدين كيف يتعامل مع الإنسان، وهذا الدين كيف يحرك هذا الإنسان، وكيف يرقي هذا الإنسان. لكن نقول في ختام هذه الكلمة من المهم جداً أن الشخص يطيل العيش مع القرآن الكريم مصحوباً بالسيرة النبوية، يعني يأخذ سورة بدر أو غزوة بدر مع سورة الأنفال، ويأخذ سورة آل عمران مع غزوة أحد، وسورة الأحزاب مع غزوة الأحزاب، وهكذا يطيل العيش مع القرآن الكريم.
ومع كل ختمة، وأنا أجزم بذلك، القرآن الكريم بهذه الطريقة سيلاحظ الإنسان بأنه انتقل انتقالاً كبيراً في فهم الإسلام، وكذلك في تحصيل هذه الهداية وهذا النور الذي يستطيع من خلاله أن يبصر هذا الطريق، وأن يصل بإذن الله إلى تحقيق العبادة التي ذكرناها في بداية الكلمة التي يحبها الله سبحانه وتعالى ويريدها منه. إذاً هذا بعد ما يتعلق بهذه الكلمة والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
السؤال الأول: كيف يحقق الواحد منا اليقين في الأفكار التي يشكلها خلال مرحلة التعلم، كإجابات عن إشكاليات الواقع في حين هو في مرحلة بناء، وكان فيها متذبذبات، يعني هذه المرحلة التغيير باستمرار وتتأثر بتجارب والمدخلات وتتجاذب مع غيرها من الأفكار؟ يعني نحن الآن في مرحلة الاستعداد والتأسيس، فكيف للانسان أن يحقق اليقين في هذه الأفكار؟ بارك الله فيك.
الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. هذا الطريق لن تستطيع أن تصل إليه بجهدك المجرد، مستحيل. إنما لابد أن تدعو الله سبحانه وتعالى دعاء الغريق، ولابد أن تبذل جميع الأسباب؛ إذا بذلت جميع الأسباب ستصل إلى الله سبحانه وتعالى.
الذي لا يتعامل مع الدين كما تعامل معه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بأنه غالي، وأنه أغلى من كل شيء عندهم، لن يصل. هذا الدين غالي والله سبحانه وتعالى ما يعطيه إلا من يستحقه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: 11]، وفي آية أخرى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 142].
إذا العبد كان هو بينه وبين نفسه بهذه الطريقه، وكذلك يدعو الله سبحانه وتعالى كما قال حذيفة بن اليمان: يأتي على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا الله دعاء الغريق. هذا الذي يدعو الله سبحانه وتعالى كثيراً والذي يقول: اللهم اهدني وسددني، والذي يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
الذي يتعامل مع الله بهذه الطريقة، بالدعاء وبالصلاة، وكذلك بالدخول إلى القرآن الكريم والعيش معه مثل ما ذكرت، يعني يأخذ كتاباً من كتب التفسير وكذلك السيرة ويقرأ كل يوم، هذا سيحصل البصيرة وسيصل إلى اليقين التام والجازم وسيفتح الله عليه. إذا ما سلك الشخص هذا الطريق الذي يوصله إلى فهم الدين وإلى تحصيل اليقين، لن يستطيع أن يصل والله أعلم.
جزاك الله خيراً شيخنا. بارك الله فيكم.
فيكم بارك الله.
سؤال آخر: كيف نتعامل مع القرآن والسيرة تعاملاً يجيب لنا عن أسئلة الواقع، ونصل به أيضاً إلى اليقين في هذه الإجابات، يقيناً أن مرجعها هو الوحي بدون الدخول في إشكاليات النسبية في قراءة الوحي؟ كتجربة الجيل القراني الفريد.
بالنسبة لهذا السؤال: إذا شخص فهم الجاهلية، يعني عرف الواقع الذي كان يعيشه النبي عليه الصلاه والسلام في ذلك الزمان، ثم نظر بعد ذلك إلى القرآن الكريم، يعني دخل إلى كتاب الله سبحانه وتعالى مستبصراً به، يعني دخل إلى القرآن الكريم دخول الشخص الذي يريد أن يفهم ما الذي صنعه القرآن الكريم، سيهدى إلى هذه المعاني.
مشكلة هذه الأسئلة أن الإنسان يفترض افتراضات معينة، ثم بعد ذلك ينظر إلى الخلافات الموجودة في الواقع، ثم بعد ذلك يقول لك: كيف أصل؟ لن تصل بهذه الطريقه؛ لأن إجابة هذه الأسئلة هي ليست مبنية على اختلافات الناس، إنما هذه الأسئلة هي موجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى إجاباتها، وكذلك في سنة وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. إذا قصد الشخص الحق لن يبتلى بهذه البلاءات.
المشكلة تكون عند الإنسان الذي تمنعه من الوصول إلى الحق أو الفهم التام الكامل أمرين اثنين: أما أنه ما يقصد الحق، أو أن استجابته للحق ما تكون قوية. الله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 110]. يعني شخص الآن يعرف أن المراد أن يصلي خمس صلوات، يعرف أنه يجب عليه الآن أن يطلب كذا، يعني في اليوم نحن أربع وعشرون ساعة باليوم نعرف أن الله الآن يريد منا كذا، وفي مواقف أخرى لا ندري هل الأفضل نفعل كذا أو لا نفعل كذا.
هذا الذي لا ندري هل الصواب كذا؟ هل هذا الفهم هو الأصح؟ هل هذا المهج هو الأسلم؟ أقول لك: افعل الواضح يكشف لك غير الواضح. افعل الواضح يكشف لك غير الواضح. الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّى فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، ثم قال بعد قريب من عشرين عاماً يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِم نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2]. هذه ويهديك صراطاً مستقيماً، ألم يكن مهديّاً عليه الصلاة والسلام؟ بلى، ولكن هنا ويهديك صراطاً مستقيماً ايش؟ زيادة في استبصار هذا الطريق ومعرفة هذا الطريق.
ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير اهدنا الصراط المستقيم يقول: من ظن أو قال بأن المقصود الثبات عليه هذا ما عرف الإسلام، إنما المقصود زدنا مع ثبتنا؛ لأن الطريق واحد صح، لكن الطريق له تفاصيل، والهدايات لا تنتهي، وسقف الهداية هو النبي عليه الصلاة والسلام. فالشخص لما يستجيب ولما يكون قاصداً، هنا يبدأ يتبصر ويتبصر ويتبصر، هكذا حتى يصل اليقين الكبير في معرفة الإجابات على هذه الأسئلة، ومعرفة مراد الله سبحانه وتعالى من غير أن يدخل في مشكلة النسبية التي تقع عند الكثير من الناس لما يدخلون إلى الدين من غير البوابة التي وضعها الله سبحانه وتعالى والتي توصل إلى هذه النتيجة بإذن الله.
وهذا الدين ليس كله عبارة عن معلومات، إنما هناك شق كبير منه متعلق بماذا؟ بالأيمان والبركة. لذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان رجلاً مباركاً، ولم يكن يصلح إلا هو؛ لأن في فتنة الردة ليست الآن العبرة بالمعلومات، إنما العبرة بأيش؟ باليقين الذي يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد.
طيب، هذا اليقين من أين يأتي؟ يأتي من قوله تعالى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29]. يعني هذه التقوى هي التي تكشف لك هذا الطريق، هذه التقوى هي تكشف لك هذا الطريق. وعمر بن الخطاب يقول: ما هو إلا رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. يعني عمر لو كان الرجل الذي قال هذا القول غير أبي بكر ما كان عمر سياخذ بقوله، لكن لما قال أبو بكر، أبو بكر هو عرف عمر بأن هذا الرجل مختلف، وأن هذا الرجل لا يمكن إلا أن يهدى؛ لأن معه إيمان عظيم والصديق كان جازماً.
إذاً وجود الإيمان وتحصيل الإيمان هذا سبب قوي، بل هو أقوى الأسباب الذي من خلاله نصل إلى تحقيق اليقين وما نقع في هذه المشكلات. إذا تعاملنا مع الدين على أنه عبارة عن معلومات كثيرة لن نستطيع ترى النصر، لابد أن نحصل الإيمان ونعتني بالإيمان ونعتني بالصلاة ونعتني بالدعاء، وهكذا مع الدخول مثل ما ذكرت والمجاهده، هذا يكشف لنا هذا الطريق، ونعرف كيف نجيب على أسئلة الواقع، ونعرف الآن نحن في أي مرحلة وما هو الخطاب الذي ينبغي أن نقوله. هكذا يكون التعامل والله أعلم.
جزاكم الله خيراً شيخنا. في موضوع التكتل وصناعة النواتب، لماذا لا يكفي التعلم الذاتي المنعزل للوصول إلى الله، وكيف تحول مثل هذه المدارسات التفاعليه الجمعية المعلومات من مجرد بيانات إلى تزكية فعلية؟ يعني هناك بعض الأشخاص الذين يريدون أن ينعزلوا عن الواقع ويتعبوا على أنفسهم بأنفسهم، فماذا تقول لهؤلاء؟
أقول: هذا ليس هو الإسلام. يعني هنا الانعزال عن الواقع هو هروب من المعركة، وهذا لا وجود له في الدين، بل أصلاً من المعاني المبرزة والكبيرة في الدين مركزية الصراع بين الحق وبين الباطل. سورة هود صراع، سورة الأعراف صراع، من آدم عليه السلام مع الشيطان إلى موسى عليه السلام مروراً في بقية الأنبياء صراع.
فالانعزال عن الواقع الانعزال والانكفاء هذه ليست حالة طبيعية ولا وجود الإسلام بها. ولما جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له وأراد أن ينعزل عن الناس وأن يبقى في هذا المكان ويتعبد ويصلي وهكذا، فذكرها النبي عليه الصلاة والسلام فضل الجهاد في سبيل الله، وبين له بأن هذا لتفعل كل لو عبدت الله ستين سنة لن تصل إلى ما يقوم به هذا الرجل من العبادة.
فالعبادة التي وضعها الطريق الذي وضعه الله سبحانه وتعالى والذي أنزل هذا القرآن هو الله سبحانه وتعالى، فلا يحق للعبد أن يتدخل في تحديد طريقة العباده، ولا لا وجود للرهبانية في الإسلام. الله يقول: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 27]. فالدين لا توجد به رهبانية، بل سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فديننا دين خلطة، دين مصارعة، دين دعوة، وليس دين انكفاء وانعزال.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». يعني لو افترضنا بأن الشخص الآن سينعزل عن الناس وسيتعلم ويحصل معلومات كثيرة ويختصر الكتب ويقرأ إلى آخره، وكذلك يصلي كثيراً وسيكون قلبه رقيق، وشخص آخر يعيش بالإسلام يعيش بهذا النور ويقاوم الناس وممكن ما تكون عنده الرقة، الثاني أفضل من الأول بنص الحديث. لماذا؟ لأن هذا خالط الناس، هذا اللي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا اللي فعله الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
أما أن شخص ينكفئ هكذا عن الدعوة بحجه أننه لا يريد مثلاً يتاثر بالناس أو يريد أن يصنع نفسه بنفسه، أقول لك: هذا لا وجود له بالإسلام. هذا لا وجود له بالإسلام إلا في آخر الزمان إذا كان شخص ما يستطيع وضعيف كما جاء في الحديث: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن». هو يفر، لكن إقامة الحق بالارض لا، وقد يكون آثماً إذا كان هذا الإنسان يستطيع أن ينصر الدين، أو إذا ما كان معذوراً في الشريعة الإسلامية. والعذر له حالات ضيقة وليست هي الأصل، هذا له تفصيل، لكن هذا لا شك أنه خطأ، فالله أعلم.
يا شيخ.
نعم، تفضل.
ربما يلتبس على البعض ويقول: أنا سانعزل ويعني حتى أؤسس نفسي وأستعد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ظل ثلاث سنوات دعوة سرية يربي ويعلم. هكذا المعنى ربما عند البعض، فهل هذا صحيح؟ وهو لا ينتفي على الدوام أو لا ينزوي وينعزل على الدوام بل هو يعطي لنفسه فترة للاعداد للتعلم وهكذا.
بالنسبة للانعزال، إذا كان المقصود الانعزال الكلي فهذا لا وجود له بالدين. لكن إذا كان المقصود: خذوا حظكم من العزلة، أي العزلة الجزئية، فهذا لا باس به، هذا لا باس به كما قال عمر الفاروق: خذوا حظكم من العزلة. ولكن العزلة الكلية فهذا لا وجود له بالدين.
ثم هذا الشخص الذي ينعزل هو سيصدم لما يخالط الناس؛ لأنه لن يستطيع أن يتعامل مع الإنسان ولن يفهم الإنسان، والإنسان كُلق حتى يكون اجتماعياً وليس حتى يكون منعزلاً. والمقصود هنا بالاجتماعي أن يخالط الناس من أجل نصحهم، من أجل القيام بأمر الله سبحانه وتعالى. أما العزلة الجزئية فلا باس بها، تكون هكذا مرحلة معينة، شهر شخص ينعزل حتى ينجز شيئاً معيناً ما في باس، لكن شخص ينعزل مدة طويلة هذه المشكلة، سيكون مثالياً، سيكون نظرياً، تنظيرياً، لن يكون تطبيقياً، لن يكون واقعياً.
يعني هذا سيتصور في ذهن أشياء معينة، ثم لما يأتي عند الواقع يصدم بالإنسان ويصدم بالواقع، فهي ستستسبب هذا الواقع بكسر هذا الإنسان، ثم هذا مباشرة سيفر ويرجع مرة أخرى إلى الانعزال ويقول لك الناس فسدت، ويستدل بالنصوص بطريقة مخالفة لطبيعة هذه النصوص، فيستدل بالنصوص التي فيها عزلة والنصوص التي هي ليست فيها عزلة. أنت تعاملت مع الواقع بطريقة مخالفة للنص الشرعي.
فالشخص الذي ما يخالط الناس هذا لا شك بأنه يخسر، لكن ليس معنى هذا أن شخص يكون عنده فضول الخلطة، إنما يكون التقدير بين خلطة الناس أو بين الانعزال عن الناس. فالانعزال في حالة الصلاة مثلاً، صلاة الليل هكذا، الاجتهاد على نفسه ما في باس، وخلطة الناس في حالة الدعوة والقيام بالحق إلى آخره. والقران الكريم في بداية الدعوة جمع بينهما: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2].
يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ [المدثر: 1-2]. ما في فرق بين هذا وبين هذا. المشكلة يا أخ رمضان، أن الناس الذين ينعزلون هذا رأيناه وحتى سمعتها من بعض الأشخاص، انعزل ع سنوات ثم لما نزل إلى واقع الناس عنده علم الآن، ما عرف يتعامل مع الناس، ولا عرف يبلغ الرسالة، ولم يعرف كيف الآن يوصل الرسالة الموجودة عنده. ثم هو لأنه اعتاد على الحياة الساكنة الهادئة التي ما يوجد بها هكذا بلاغ وبيان إلى آخره، أصبح ضعيفاً جداً، يعني هو مثال أصبح عنده يد طويلة، واليد الأخرى قصيرة وضامرة، فأصبح هذا الإنسان عنده شق كبير وشق صغير. هذا لا وجود له في الدعوة، هذا وجود موجود بالشركات، يعني شخص الآن يأتي بخبير هذا موجود في بعض الشركات يصنعون هذا الشيء، يقول: نحن نفرغك واجلس وفقط فكر، اجلس على بحر ويخطط للشركة.
الإسلام ليس بهذه الطريقة، لأن هو ليس تدبير وتخطيط، إنما هو هداية إلهية. هناك تدبير، وهناك تخطيط، لكن نسبة التدبير والتخطيط الدعوة الإسلامية لا تقارن بنسبه العبادة الخاصة، هذه مهمة وهذه مهمة، فالجمع بينهما وفق ترتيب الإسلام هذا هو الأصل. فالعزلة الجزئية لا باس منها لا باس بها، لكن العزلة الكلية لانكفاء هذا سيفسد الإنسان وسيجعل عنده باب الدعوة ضامر، ولن يتقوى صلبه، فلما ينزل يدعو الناس لن يستطيع. ثم لما يقابلون بكلمة وكلمتين، ويكون نوعاً ما كبر في السن، يتراجع ويقول: الناس هؤلاء لا يصلحون، وإذا هؤلاء الناس هلكوا. ومن قال هلك ناس وأهلكهم هكذا يعني الإجابة.
لذلك هذا مدخل مداخل الشيطان، إذا كان المقصود العزلة الطويلة، أما إذا كان المقصود العزلة الجزئية من أجل تحصيل علم معين، وكذلك يكون وقته مقسم، خاصة إذا كان هو بالاصل ثغر العلم، فلا شك أن العلم يحتاج إلى وقت طويل يعني في القراءة، لكن لابد أن يكون معها ايش معها تطبيق عملي حتى يستطيع الشخص أن يعني يقيم نفسه بصورة شمولية بصورة بصورة شمولية والله أعلم.
جزاكم الله خير شيخنا، الله يبارك فيك.
آمين، يعني أيضاً هناك سؤال: في ذات الموضوع هذا الاستعجال في المراحل، لأنه تحت ضغط الأحوال التي تعيشها الأمة اليوم يظن بعض الناس منا أن هذا قد يغير الواقع، موضوع الاستعجال وما تفضلت به من أن الله هو من يقدر الأقدار وينقل الدعم من حال إلى حال ومن شكل إلى آخر، فلا بد من العمل ولا بد من الاستمرار في العمل والمكابده والمجاهده ثم يأتي قدر الله عز وجل.
نعم، لذلك ماذا تقول شيخنا الفاضل لمن يريدون أن يستعجلوا التزكية ويستعجلوا المراحل في هذا الزمان تحت ضغط الأحوال التي تعيشها الأمة؟
نعم، أنا أقول لهؤلاء: واقعنا ليس أعظم من واقع النبي عليه الصلاه والسلام، تصوروا بأن النبي عليه الصلاه والسلام كان يدعو إلى الله، وهذه الآية القرآنية التي تقرؤونها في مكة وكذلك في المدينه إلى حين فتح مكة، مكة كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً. تصوروا الصحابه يصلون إلى الكعبة وحول ثلاثمائة وستون صنماً، اعل هبل هبل هذا كان، ويسافر إلى أين كان! تصوروا، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما استعجل الدعوة، ما استعجل، إنما الله قال له: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112].
وهذا يا إخوان ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لم تشيب النبي عليه الصلاة والسلام إلا لعلم النبي عليه الصلاة والسلام بثقل المعنى، وكان يقول عمر الفاروق: والله استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب. يعني هنا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لا يجوز لك أن تزيد ولا أن تتراجع، أنت عبد لله سبحانه وتعالى، طبق الذي يريد الله سبحانه وتعالى كما يريد هو سبحانه وتعالى، وليس كما تريد أنت. هنا يسلم العبد لربه، أما الاستعجال هذا هذا العبد يكون مخالف لأمر الله سبحانه وتعالى، ويكون هو أخطأ، وهو لماذا يستعجل؟ إذا كان هو يريد أن ينصر دين الله سبحانه وتعالى، لماذا يتعمد مخالفة دين الله سبحانه وتعالى؟ لا شك أن هذا مدخل شيطاني على الإنسان، والشيطان بصير بالإنسان ويدرس الإنسان.
فإذا راى من الإنسان المحبة في نصر الدين وبسرعة تغيير الواقع يدفعه يدفعه حتى يخالف النصوص الشرعية، وإذا راى منه السكون وعدم هكذا الرغبة في تغيير الواقع ولا في العمل كذلك جعله يسكن وجعله هكذا يدرس، فالشيطان يدرس الإنسان. العبد الموفق هو الذي وكل الله سبحانه وتعالى في كل شيء: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. ثم يعمل للإسلام وفق طريق الإسلام، وفق منهج الإسلام، وفق ما جاء جاءت به نصوص الشرعية، هذا العبد الذي يسلم الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة ويتوكل على الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة هذا هو الذي يهداه.
أما أن شخص يريد أن يغير الواقع من غير طريق نفس الدين ومن غير نفس معرفة الإسلام، فأن أقول له اتق الله، وأقول له كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112]. إذا كنت داخل في هذه الآية، ومن تاب معك يعني من رجع من الكفر إلى الإيمان. فانتبه، الله يقول: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112]. لا تطغى في تطبيق الدين، لا تطغى هنا يعني لا تتجاوز الحد، لا تتجاوز لا تتعدى المراحل.
عمر بن الخطاب لما أسلم قال يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: «إنه لم يؤذن لي»، لم يؤذن لي ما يجوز أن نقاتل، المطلوب منا الآن أن ندعو ونبلغ هكذا. فإذا استجبنا لله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، الله هو الذي سيغير الواقع ولسنا نحن، لكن إذا ما استجبنا لله سبحانه وتعالى ستذهب هذه المرحلة من غير تغيير حقيقي ونخسر. ذلك من المهم جداً أن نعرف الدين وأن نطبق الدين، ليس فقط أن نعرفه، إنما أن نطبق كذلك ونسعى جاهدين لتطبيق الدين والله أعلم.
جزاكم الله خير شيخنا. سؤال آخر: إذا كان الطريق إلى الله رأسياً تصاعدياً وليس أفقياً مسطحاً، فكيف نعرف أننا نتقدم؟ هذا أمر مهم فعلا ولا ندور في حلقة مفرغة من المعلومات المكررة وبالتالي تطمئن النفس لذلك.
بالنسبة لهذا السؤال، التقدم في الدعوة الله سبحانه وتعالى مرجع الحكم عليها هو نفس دين الله سبحانه وتعالى، هل أنت الآن بعد دخولك في هذا الطريق هل إيمانك تغير أو ما تغير؟ هل حبك الله سبحانه وتعالى وتعظيمك للدين وتضحيتك للإسلام وعيشك مع هذه المعاني تغيرت أو ما زالت كما هي؟
الله يقول في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. يعني المقصود من فرض الصيام هو تحصيل التقوى، هل التقوى عندك تغيرت؟ هل كنت في السابق تفعل أشياء والآن ما تفعلها؟ هل أنت ترتقي في محبتك وفي تعظيمك وتضحيتك للدين؟ إذا كنت ترتقي الآن ترتقي دينياً، ترتقي إيمانياً، ثم هل في تطبيقك العملي أنت الآن تطبق الذي تتعلمه؟ تطبق الذي تعرفه أو لا تطبق الذي تتعلمه والذي تعرفه؟ إذا كنت تطبق الذي تتعلمه والذي تعرفه أنت الآن ترتقي، أم إذا ما كنت تطبق أنت الآن حقيقة ما ترتقي.
ثم هذا الأمر هذا الأمر الأول، ثم الأمر الثاني نحن الآن في صورة دعوتنا الموجودة تنقسم إلى قسمين: قسم متعلق بأشخاص عندهم دعوة جماعية، يعني هو الآن عنده مجموعة عن مشروع هو إما أن يكون قائد المشروع أو يكون منخرط في مشروع. هذه المنخرط في مشروع، المجموعة هذه هل هي تنتقل؟ هل نفس هذه المجموعة تنتقل من مرحلة إلى مرحلة؟ هل هذه المجموعة نفسها في خطاب الآن ثم أصبح هناك خطاب ثاني مع انتقال المجموع؟ وهل قائد هذه المجموعة هو أفضل واحد فيكم؟ وهل هذا الإنسان واعي ومدرك لمشروع الإسلام أو ما زal في طور التعلم؟ يعني هو في أي مرحلة؟
القسم الثاني من الناس هو ما عنده مشروع، أقول لك لابد أنك تعتمد مشروع أو تنضم إلى مشروع، حتى تنتقل حقيقة تكون دعوة منتقلة. شوفوا يا شباب، هذه كذلك من ضمن معالم الدعوة النبوية، ليس الكل يحاسبون على اتخاذ القرارات، لأن القرار في الإسلام محصور بأشخاص معينين. القرار في الإسلام محصور، الإسلام له ترتيب، الإسلام في شورى وفي قرار، شورى هذه أحياناً تكون عامة، أحياناً تكون خاصة على حسب الحال وعلى حسب الموقف.
وهناك قرار يتخذ المسؤول، هذا المسؤول هو الذي ينتقل بالدعوة، أما غير ذلك هؤلاء يفوزون بتطبيقهم الإسلام. تقول طيب ما انتقلنا بالدعوة، أقول أنت ما عليك شيء لأن هذا الإنسان هو المسؤول. فنفس الدعوة الإسلامية هي بحاجة إلى هذه، يعني لما نقول انتقال في الدعوة الإسلامية أنا أقول لك انتقال له صور، من ضمن صور الانتقال أنه يكون هناك مشروع، وهذا المشروع يحاسب نفسه وفق ما جاء به الدين.
تقول لي طيب فسر أكثر؟ أقول لك لازم نعرف الدين، إذا عرفنا الدين هذا السؤال لن يكون بهذه الطريقة، لأن الناس يريدون منا أن نجيبهم إجابات عبارة عن هكذا عبارة عن أسئلة رياضيات، هي ليست الإسلام ليس بهذه الصورة. الإسلام شق متعلق بالعلم وشق ثاني متعلق بالإيمان، متعلق بالبركة، متعلق بالفتح، باتخاذ القرارات، هذا الشق متعلق بنفس تعبد العبد لله سبحانه وتعالى، هذا العبد كيف يتعامل مع الله سبحانه وتعالى؟
فالله سبحانه يهديه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. هذه البصيره، هذه البصيره، هذه البصيره ما تستطيع أنك تكشفها في كل شيء، ما تستطيع أنك تكشفها في كل شيء. فالقص من ذلك أن لما يكون لك مشروع هذا مقصدي من الكلام، لما يكون هناك مشروع وهذا المشروع مرتب ترتيب الإسلام، يعني هناك جماعة، ثم هناك قائد، ثم هناك مجلس الشورى، ثم هناك استشارة، حتى لو كان القرار خاطئ هو تقدم في الإسلام.
تقول لي كيف يعني؟ أقول لك في بدر عمر بن الخطاب كان يريد ايش قتل أسرى بدر، وأبو بكر الصديق مال إلى عدم القتل والمن والفداء، والنبي عليه الصلاه والسلام مال إلى رأي أبي بكر، وأنزل الله سبحانه وتعالى آيات العتاب بأن القول الصائب هو قول من عمر. طيب نحن لما طبقنا لما طبقنا وامتثلنا شورى، وما كنا ندري ما نزل نص أن نقتلهم، فالنبي عليه الصلاه والسلام سار على الطريق، الطريق الشرعي أو لا؟ سار بالطريق الشرعي باتخاذ القرار لكن كان الصواب هو قول عمر.
طيب الآن النبي عليه الصلاة والسلام سار بطريق شرعي، ثمرة المن والفداء ما ما هي؟ من كان من ضمن أسراء بدر سهيل بن عمرو، سهيل بن عمرو هذا هو الذي ثبت الإسلام في مكة لما ارتد جزيرة العرب، تقول هذا وهذا هو الذي حرض أهل مكة على القتال في الشام لما استنصرهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، هو سهيل بن عمر، ولما جعل عليه جعل أبو بكر عليهم أمير سهيل بن عمرو، لما قال بعض كبار مكة الذي ثبتهم هو سهيل بن عمر، تقول لي والصحديبية ما وقع وختم إلا مع سهيل بن عمرو، تقول هذا سهيل لو تم قتله من ذاك الوقت، أقول لك لو تم قتله بذاك الوقت إذا كان مبني القرار على الشورى فهذا تقدم.
لكن إذا ما كان مبني على الشورى أقول لك حتى لو أصبت أنت لم تسلك الطريق يعني ما سلكت الطريق الشرعي، من قال بالقران برأيه فأصاب فقد أخطأ، أصاب لكن هو أخطأ بالإسلام. واضح هذا المعنى؟ أتمنى يكون هذا المعنى واضح، فالقصد من ذلك أن الانتقال بالمشروع الإسلامي هو مبني على نفس إقامة الإسلام في هذا المشروع، هل هذا المشروع أفضل واحد والقائد فاهم الإسلام؟ هل في شورى؟ هل هو يستشير؟
لأن الشورى تطبيقها العملي وليس النظري لابد أن يكون مع تشرب الإسلام، حتى نعرف متى نتخذ هذا القرار ومتى نتخذ يعني أبو بكر الصديق ما قبل بالشورى بيوم الردة لكن قبل بالشورى في مواطن أخر وتنازل عن رأيه في مواطن كثيرة لما لا يكون جازماً، وهذا له تفصيل وذكرتها في يعني سيرة الصديق رضي الله عنه.
هذا هو فهم الإسلام، هذه العظمة في فهم الإسلام، الدرجة العالية في فهم الدين وطريقة اتخاذ القرار، وهذا الدين محمي مثل قالت بقدر الله سبحانه وتعالى المتعلق بتنفيذ أمر الله يريد من الشورى، إذا نستشير، طيب أخطأنا بالرأي ما أخطأنا بالظاهر لكن في الباطن القدر حامي لنا، احنا ما أخطأنا بالقدر، يعني القدر ما زال معنا الغيب، الغيب حكم الله القدري ما زال موافق لنا لأننا سرنا وفق هذا الطريق، وإن أخطأنا في الظاهر، إذا هذا الخطا بالظاهر هو في الحقيقة تقدم في السير إلى الله سبحانه وتعالى أن هذا الخطأ ليس مقصوداً، إنما هذا خطأ ما كان مقصوداً، بدلنا الذين يستطيع.
الخطر أين يكون؟ لما ينزل الرماة، لما نتعمد المخالفة، لما تحضر النفس لا هنا خطر كبير، هنا شخص يكون واقع في يعني خطر كبير وليس قليل، هكذا يكون حكم الحكم على على المشاريع. فالارتقاء إذا كان وفق منهج الإسلام، هناك مشروع إسلامي، هناك قائد، هناك شورى، وهناك وهذا شخص من ضمن هذا المشروع، وهذا المشروع نفس اتخاذ القرارات مبنية بهذه الطريقة، أقول لك قطعا هناك تقدم بإذن الله.
إذا كان هناك حسن تعامل مع الله سبحانه، ولا توجد ذنوب ومعاصي تؤخر الدعوة لأنها الذنوب خطيرة هي أعظم ما تؤخر الدعوة، هناك تزكية إيمانية، هناك ارتقاء بالإيمان، هناك هناك عمل جماعي، هناك توزيع للطاقات، هناك تحديد للأعمال المتاحة، هناك دراسة، هناك تخطيط، هناك يعني النظرة لهذا المشروع مبنية على الإسلام، أقول كان تقدم وإن كان في الظاهر ليس تقدم، لكن القسم الآخر متعلق بالفرد.
الفرد إذا كان هو يرتقي بأيمانه وتزكيته وكذلك بمعرفته وعلمه؛ أقول هكذا، كذلك يتقدم هذا. تقدم على مستوى المجموع، على مستوى الجماعة، وهذا متقدم تقدم على مستوى الفرد. إذا ما كان موجود هذا ولا هذا؛ لا، قطعا أننا يعني لا نتقدم بل نحن نتاخر. والله أعلم.
جزاكم الله خيرا شيخنا، و,يعني، شكر من القلب على سعة صدرك. آمين، وياكم. الله يحفظكم.
هناك سؤال، يعني ما شاء الله كان هناك سؤال عن الثغور، وأخونا رمضان زودنا برسالة رائعة جدا، سيتم إرسالها إن شاء الله على الجروب. لكن في ذات الأمر، في موضوع الثغور، لا شك شيخنا اليوم أنه ثغر التربية وإحداث الوعي أي من الثغور المهمة جدا التي تكشفت أننا لابد أن نعمل فيها عملا جادا. صحيح.
قد لا يراه البعض اليوم أنه أمر مهم رغم الحاجة الشديدة له في زماننا ونحن ندرك أنه فعلا ثغر مهم جدا جدا جدا من ناحية التلقي ومن ناحية التقديم أيضا والعطاء في ظل حال أمتنا اليوم. فماذا تووجه رسالة للعاملين والمتلقين في ثغر التربية؟ يعني هذا تكشف لنا أنه ثغر خطير جدا، وأن الأمة بحاجته اليوم، بارك الله فيكم.
نعم، بالنسبة لهذا ثغر لا شك بأنه مهم جدا، وهو المخزون الاستراتيجي للتيار الإسلامي، فأكثر الشباب المتدينون هم من يتخرج بالمحاضر التربوية، يعني أكثر الشباب التزموا وهم صغار، ويلتزم هو كبير نسبيا ليس كثير، إنما هو قليل، فأكثر الناس هم أبناء المحاضن الإسلامية، المحاضن التربوية. والمحضن إذا ما كان وفق تربية النبي عليه وسلم، قائم على نفس التربية النبوية، لن يخرج لنا أعداد ولا نوعيات قوية. لذلك أقولها كذلك يعني بسياق يعني آخر: النوادر ليسوا خريجي المحاضن.
يعني أكثر الأرقام الصعبة في أمتنا الإسلامية والكوادر القوية ليسوا خريجو المحاضر، إنما الأعداد خريجو المحاضن؛ الأعداد هنا والنوادر هنا. لماذا؟ لأن نفس التربية تغيرت. فمهم جدا على الشباب القائمين على المحاضر التربوية أن يفهموا طريقة تربية النبي عليه الصلاة والسلام؛ كيف ربى النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؟ هذا ثغر عظيم جدا، وهذا ثغر مهم جدا جدا جدا، وهذا ثغر مثل بقية الثغور له طبيعة وفيه أخطاء متكررة.
والأخطاء المتكررة في هذا الثغر هي مبنية وقائمة على نفس الإنسان؛ الإنسان كائن من طبعه يدقق إذا دخل في الشيء، ومن طبعه يضخم الشيء لما يدخل فيه. العقل يدقق يحاسب بدقة، والنفس تتضخم، فالذي يدخل بالتربية يتضخم عنده التربية، والذي يدخل بالجهاد يتضخم عند الجهاد، والذي يدخل في العلم يتضخم عند العلم. هذا الإنسان من حيث هو انسان، إلا إذا فهم الإسلام حتى يعطي كل ثغر حقه وقدره.
ثغر التربية مهم جدا أن يتعلم المربي كيف يربي، وأن لا يكتفي بتربيته السابقة؛ يعني هو تربى في محضن سابق، هذا الذي أخذ ليس من الصواب أن تطبقه، لأن ليس هو كله صحيح، كثير من الأشياء قد تكون أخذتها بطريقة خاطئة. طيب، ما الحل؟ الحل موجود بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ كيف ربى النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة؟ كيف تعامل مع الإنسان؟ كيف تعامل عليه الصلاة والسلام؟ كيف طبق قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]؟ كيف فعل هذا الشيء؟ هذا الذي ينبغي أن نعرفه ونتفقه فيه، وأن ندرسه حتى نحسن تربية الجيل، لأننا إذا أخطأنا في تربية الطلبة والأجيال النتيجة النهائية لن تكون كما نريد، هذه مشكلة.
يعني نتيجة هذا الطالب، عندك مدة زمنية في تلقينه، أقرب صورة الآن عندنا ساعات معينة وعندنا سنوات معينة، طالب عندك مثلا في سن الرابعة عشرة مثلا إلى أن يدخل الجامعه؛ عندك أربع سنوات. أربع سنوات، كم ساعة أسبوعيا أو يوميا؟ عندك مثلا أسبوعيا سبع ساعات أو ثمان ساعات، الثمان ساعات هذه لابد أن تعرف ماذا تعطيه، ولابد أن تقدر الذي تعطيه، وما تعطيه كل شيء، إنما تعطيه الأشياء المناسبة له.
الشق الثاني: هذا الطالب ما طبعه؟ بعض الطلبة من طبعه حركي، وهذا الطلبة من طبعه ساكن، وبعض الطلبة من طبعه مشاكس. المحاضن لا يحبون هذا الطالب، هذا الطالب أقوى طالب، ترى العنيد، الطالب العنيد هذا، هذا هو الذي يغير الواقع. طيب، هذا العنيد كيف تتعامل معه؟ هذا يحتاج إلى مربين نوعيين.
بعض الطالب يكون ذكي، بعض الطلبة لا يكون عنده ذكاء قوي، إذا هذا يحتاج إلى كذا. كل طالب، معاذ بن جبل لماذا اختاره النبي عليه الصلاة والسلام وكيف ربى معاذ؟ زيد بن ثابت لماذا اختاره ووجه إلى هذا الثغر يتعلم السريانية ولغة يهود كيف رباهم؟ أسامة بن زيد كيف جعله قائد؟ لم يصلح القيادة. إذا، لابد أن نعرف كيف نتعامل مع النفوس المختلفة، ولابد أن نعرف ما هو الخطاب الذي نعطيه للطلبة، ولابد أن يستحضر المربي أن هؤلاء الطلبة أمانة في عنقه، وأنه إن أحسن التعامل مع الطلاب والمحضن سيفوز ويحصل أجر عظيم جدا.
هؤلاء مثالهم مثال المزارع تغرس فيهم الخير، كم ستنبت هذه الأرض إذا أحسنت التعامل معها؟ فاستحضر أن هذا أجر عظيم فتح الله عليك وباب كبير جدا من الخير، إياك أن تغلق أو إياك أن لا تحسن التعامل معه، واستحضر بأنك يوم القيامة ستسأل عن كل طالب من هؤلاء الطلبة: كيف علمته؟ كيف وجهته؟ هل قمت بالواجب عليك تجاهه؟ وهذا ثغر عظيم جدا. إذا صلح ثغر التربية في تقديري سينتقل واقعنا الإسلامي من حال إلى حال، لأن السواد الأعظم مثل ما ذكرت هو في هذا الثغر.
كان عندنا برنامج عنوان صناعة المربي، في مجموعة من الحلقات التوجيهية لمن يعمل في هذا الثغر، يعني ممكن الأخ رمضان كذلك يرسل لكم، جزاكم الله خيرا. جزاكم الله خيرا شيخنا، أي سؤال أخير من أخ فاضل.
في ظل الواقع والمشاغل الشديدة الاضطرارية أحيانا، كيف نوازن بين العمل للدين والدنيا خصوصا أصحاب التخصصات الصعبة؟ أي نعم، جميل السؤال هذا. الله سبحانه وتعالى له عبادة معينة محددة، والعبادة تنقسم إلى قسمين: قسم عبادة عامة ما تسقط على أي انسان، مثل الصلاة الصلوات الخمس، صيام رمضان هكذا أركان الإسلام، هذه الكل يفعلها. وقسم ثاني عبادة متعلقة بالقدر، تقول لي كيف يعني؟
أقول لك، شخص والده كافر أو والده سيء، مثالا مثال إبراهيم عليه السلام. شخص آخر ابنه كافر، مثالا مثال نوح عليه السلام. امرأة أمها فاسدة، مثالها مثال ابنتي لوط عليه السلام. امرأة زوجها فاسد، مثالها مثال آسيا. امرأة لا زوج لها، مثالها مثال مريم. يعني الصور القدرية هذه المختلفة موجودة كلها بالقرآن الكريم، وكذلك في سنة النبي عليه الصلاة والسلام والصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم. ما فاقوا الناس بكثره العبادة الظاهرة؛ أبو بكر الصديق لما بين المزني سر تفوق الصديق قال: ما سبق أبو بكر الناس بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في القلب وصدقه العمل.
يعني أبو بكر الصديق كان يتعامل مع القدر بالعبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى منه، وكان يعرف بأن عبادة الباطن أعظم من حيث الأصل من عبادة الظاهر، وكان يفعل الذي يستطيعه. نأتي الآن إلى إجابة هذا السؤال بعد ما قدمنا هذه المقدمة التأصيلية المهمة، حتى نفهم كيف نجيب على مثل هذه الأسئلة، لأن بعض الناس يريد أن ينظر إلى قدر غيره فيقول: هو يستطيع، أنا ما استطيع. أقول لك: منين قال لك؟ شخص ممكن يبلغ الفردوس الأعلى ويكون أقل عملا من غيره. الله سبحانه وتعالى اختبرنا بحسن العمل: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، ولم يقل: أكثر عملا.
نأتي الآن عند إجابة هذا السؤال؛ الآن الشخص هذا الذي مبتلى بالأمور الدنيوية، هل هو واجب عليه أن يقوم بهذه الأعمال؟ يعني هذا العمل الدنيوي، هل هذا العمل الدنيوي هو يسد به حاجته أو حاجة أهله؟ يعني هو يجب عليه أن يعمل بهذا العمل، أقول لك هذا فيه أجر، فاللقمة التي تطعمها زوجتك وأبنائك هذه أجور. وكان يقول بعض العلماء بأن بكاء الطفل عند الأب قد يكون أعظم من قيام الليل. لماذا؟ لأن الآن هذا تسبب باستمرار الإسلام، فهذا الابن سيكون مصلي، هذا كله في ميزان أبيه إذا كان والده يقوم بحسن تربيته.
فالقصد من ذلك أن هذا الإنسان، إذا كان هذا العمل الذي يقوم به العمل الدنيوي واجب عليه فهو يؤجر عليه، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: هل هذا العمل الدنيوي وصل للقلب أو باليد؟ إذا وصل إلى القلب خطر، أما إذا ما وصل إلى القلب فهو مجرد وظيفة من أجل أن يعيش، وهو أصلا في هذه الوظيفة يتعبد الله فيها؛ يعني هو في عمله هذا هو يتعبد الله سبحانه وتعالى، وفي عمله هذا هو حريص أن يبلغ الرسالة وحريص أن يكون داعي إلى الله سبحانه وتعالى، أقول لك هو كذلك مأجور.
وقد يكون شخص مثاله مثال سليمان عليه السلام موطئ ملك سلطان، وشخص قد يكون مريض مثل أيوب عليه السلام، وقد يكون شخص رقيق مثل ما كان يوسف عليه السلام. يقول مجاهد بن جبر، كذلك السدي: يؤتى يوم القيامة بثلاثة؛ رجل غني جدا، فيسأل الله سبحانه وتعالى نعمته فيعرفه نعمة فيعرفها، فيقول: ماذا صنعت؟ يقول: أي ربي، شغلني المال والملك والسلطان عن عبادتك. فيؤتى بسليمان عليه السلام فيقال: أنت كنت أعظم ملكا أو هذا؟ فيقول له: يا ربي بل هذا. فيقول: لكن هذا لم يشغله الملك عن عبادة.
نحتاج أن نعرف ما هي عبادة سليمان عليه السلام؟ كيف عبد سليمان الله سبحانه وتعالى؟ سليمان عبد الله سبحانه وتعالى بالشكر: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. شكر الله سبحانه النعمة التي أعطاه الله إياها، لذلك الله قال عنه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30].
ويؤتى برجل كذلك مريض، ما عنده كله من مستشفى إلى مستشفى يريد ينصر الإسلام لكن هو مريض تعبان، فيعرف الله سبحانه، فيقول: يا ربي أنا كنت مريض، ما استطعت أنصر دينك يا ربي. فيؤتى بأيوب عليه السلام ويقول: كنت أنت أعظم مرضا أم هذا؟ فيقول: لا يا ربي، بل هذا أعظم مني مرضا. فيقول: لكن هذا لم يشغله المرض عن عبادتي.
ثم يؤتى برجل رقيق، يقول: أنا ما كانت عندي حرية، أنا كنت عبد. فيؤتى بيوسف عليه السلام، فيقول: أنت كنت أعظم رقا أم هذا؟ فيقول: لا يا ربي، بل هذا. يوسف لما بيع بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من زهد، كان عبد مملوك عليه السلام، فيقول: لا يا ربي، بل هذا كان أشد مني. فيقول: لكن هذا لم يشغله الرق عن عبادتي.
إذا، كل واحد منا مطلوب منه أن يعبد الله وفق الواقع الذي يعيشه، ولا بد أن نوسع دائرة العبادة عندنا حتى تكون مطابقة لنفس الدعوة الإسلامية، وحتى تكون مطابقة لنفس العبادة التي نزل الشرع الإسلامي في بيانها. والاسلام بين لنا بأن الصلاة عبادة، وبين لنا بأن إعانة الأسرة وكفالة الأبناء إلى آخره هذه كلها عبادة. وبين لنا بأن الرجل الذي يذهب ويحتطب ويأتي ويبيع هذا الحطب ويطعم أهله وأبنائه ولا يسأل الناس هذه عباده، والله يحب هذا الإنسان الذي ما يسأل الناس.
وكان داود عليه السلام يقسم من وقته إلى أربعة أقسام، من ضمنها كان داود يعمل، داود ملك ويعمل. لماذا؟ لأن النبي عليه وسلم قال: «ما أكل رجل طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده». ويقال بأن داود تلقاه جبريل عليه السلام بصورة انسان وقال له: ما رأيك بداوود؟ داوود يسال هذا الشخص، وهذا من تمام ملك داوود أو من تمام عبادة داوود، يريد أن ينظر إلى نظر الناس إليه، فقال: نعم العبد داوود، لولا أنه عنده خصلة واحدة. قالوا: ما هي؟ قال: يأكل من بيت المال.
فداود هنا فهم بأن هذه الرسالة فأصبح ماذا يصنع؟ ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 10-11]. فكان يصنع دروع ويبيعها، كان يصنع دروع ويبيها داود عليه السلام. فقصد من ذلك أن الشخص لما يكون عنده عمل، وهذا العمل واجب عليه، فأقول لك: نعم، هذا قدر قابل، بالعبادة التي تستطيع أن تنفذها، بالعبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى.
لكن يأتي أمر أخير: هذا الإنسان يقول أنا عندي هذا العمل الذي يقوم به الدنيوي، ممكن أقوم بعمل آخر. أقول لك: إذا كان العمل الآخر أقل وقت والمال يكفيك اترك هذا العمل، إذا قويت ديانتك؛ شخص يحتاج مثلا إلى 500 دولار بالشهر وعمل هذا يوفر له 1000 دولار، وممكن يترك ويذهب إلى عمل آخر ويقلل من عدد الساعات، وهذه الساعات هو يعرف من أنه سيستثمرها في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، في طلب العلم، في إيصال رسالة الإسلام إلى آخره، أقول لك هذا أعظم وهذه تضحية، هذه تضحية تكتب لك يوم القيامة مثل ما جاء الصديق رضي الله عنه بأهله بكل ماله، هذه تضحية بكل ماله. هذا عمل كم يوم، لكن هذه تضحية، فالتضحية هذه تكتب للإنسان، ويعاني الإنسان بإذن الله، يتعامل مع الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة وخلاصة هذه.
أقول لك إن صدقت مع الله سبحانه وتعالى ودعوت الله دعاء العبد الذي يريد أن يصل إليه، دعاء العبد الذي يريد أن يصل، ولما أقول دعاء العبد الذي يريد أن يصل إليه، يعني دعا ثم دعا، دعا ثم دعا، ليس كما يفعل الناس هكذا دعوة دقيقة أو يصلي ركعتين ثم يقول دعاء الاستخارة، هكذا لا، هذه ليست بهذه الطريقة.
لا، هو الدعاء، النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يدعو؟ كيف كان يدعو؟ يدعو يدعو حتى يسقط، كان يسقط رداؤه من على كتفه، هذا هو الدعاء الذي يوصل الإنسان، هذا هو الدعاء الذي يبلغ الإنسان، لأن هذا الداعي أثبت الله بأن يريد أن يصل إليه، فهذا الإنسان يعان بإذن الله، ولا يستطيع الشيطان أن يفتنه، ولا يستطيع الشيطان أن يعرف عن تحقيق حقيقة العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه، والله أعلم.
تفضل أخي.
يعني أريد أن أتشرف مع الشيخ بخصوص هذا السؤال إن سمح لي الله فيكم.
تفضل.
جزاكم الله خيرا، يعني أنا أريد أن أسأل بخصوص فقط إضافة بسيطة بعد سؤالك أخي رمضان، هناك من يريد أن نتكلم في موضوع الطب تحديدا يعني يريد أن يستفيد من الشيخ.
تفضل، أنا ما سأتطرق له يعني خاص بهذا، أنا أريد أن أسأل الشيخ.
نعم.
هل يصح أصلا أن نقول إن هناك أعمال دنيوية وأعمال أخروية؟ يعني أليست بالنية؟ يعني تكون العادة عبادة لله عز وجل.
نعم صحيح.
ربما هذه يعني كلنا يعرف حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أول ما تسعر بهم النار...
صحيح.
ظاهر أعمالهم أعمال أخروية؛ واحد حفظ القرآن، وواحد مجاهد، وواحد متصدق، وهم كذلك، ينفعهم هذا العمل على ظاهره؟ طيب، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه»، فلم يحدد نوعية هذا العمل على حسب فهمي، فأي عمل أنت تبتغي به رضا الله في كل شيء تعمله، في كل عمل حتى العادات اليومية، النبي صلى الله عليه وسلم قال: وفي بضع أحدكم صدقة، فكل أمر نفعل تصحبه نية صالحة ونعدد فيه النيات حتما ولا شك سنؤجر عليه.
والشيخ كما تفضل في سياق حديثه وذكر أنه ليست العبرة بكثرة الأعمال، ربما تجد من يصل للفردوس الأعلى، ولكن هو أحسن العمل فقط لإحسانه فيما عمله لله عز وجل، فهل يصح أصلا أن يكون هناك أعمال دنيوية أم أخروية؟ أم هي النية التي تحدد العمل إذا كان للدنيا أم للآخرة؟ بهذا مشارك بارك الله فيكم.
يعني أنا على سبيل المثال الحقيقه كنت في بداية دراستي واختصار واختيار تخصصي كنت يعني مشغول بهذا الأمر، وفي تخصصي أنا يعني في الهندسة كنت أرى أن تضيع الوقت في أن أنا قاعد أرسم لوحة وأضيع فيها ساعتين وثلاثة، وكنت يعني كنت أن أترك هذا التخصص وأنتقل لغيره، إلى أن هداني الله عز وجل، وهذا قدر الله، قدر الله لي فأكمل، ولا أنا أدبست ولا إيه مش عارف.
شوف استثنائك هذا جميل.
طيب، بالنسبة لهذا السؤال، هو لا شك بأن الأعمال إذا قلبها العبد بنية العبادة وكان الله يريد منه هذا العمل، فيكون عبادة، حتى أقر الصورة، الله سبحانه وتعالى يريد منا في كل لحظة أن نعبد العبادة التي يحبها سبحانه وتعالى، هذه العبادة التي تحب الله سبحانه وتعالى توفق لها لما نتعامل مع القدر كما يريد الله سبحانه وتعالى.
كيف يعني؟ الآن الإنسان هل من حقه أنه يصرف وقته في غير ما يريد الله؟ ليس من حقه، طيب، النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم في مكة ولا كذلك بعد ذلك في المدينة بأن ينشغلوا بصناعة السيوف، ولا حتى الملابس يعني، ملابس ما كان عندهم ترى يعني، بل حتى الأنصار هم أصحاب زرع، لما فتحت مكة وأقبلوا على مزارعهم أنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. إيش تهلكة؟ تهلكة هي أنك تهتم بالارض.
تقول لي كيف؟ أقول لك ليس هذا هو سياق الدعوة العام، سياق الدعوة العام نحن الآن كلنا مجاهدين، كلنا دعاة، فما عندنا وقت أن نصرف هذه الساعات إلى أمور غيرنا ممكن يقوم بها، لذلك صالح يهود خيبر على إيش؟ على أن يححرثوا الأرض، لماذا؟ ما احنا طاقتنا محدودة فنأخذ طاقتنا شبابنا قوتنا التي تستطيع أن تنصر الإسلام ونجعلها تزرع الأرض، وإذا الساعات هذه إن ستذهب تذهب بزراعة الأرض ونحن لسنا في سياق زراعة الأرض.
هذا كان بعد ذلك بعد ما قويت الدولة المسلمة وأصبح عندنا جيش وأصبح عندنا أعداد كبيرة، فليس الكل الآن مطلوب منا أنه نجاهد، لكن ذاك الوقت الصحابي كان هو كل شيء يقوم به، ذا كانت أمور الدنيوية كانت ضيقة جدا عندهم، والمال كان يأتيهم من الجهاد من غنائم المال، كان يأتيهم من هكذا من أموال الخراج وهكذا، لكن ما كانوا هم أنفسهم يعتنون به القيام بهذه بهذه الأعمال.
تقول لي ادخل أكثر بالعميق، أقول لك الآن لما ناتي في سياقنا التاريخي هل نحن الآن نحن الآن في سياق نحتاج إلى الإسلام بحاجة إلى مهندسين؟ هل الإسلام بحاجة إلى أناس متخصصين به، أي تخصص نحتاجه اليوم؟
أقول لك هذا السؤال إجابته كالتالي: إذا نظرنا إلى الإسلام اليوم بحاجة إلى تربية، بحاجة إلى دعوة، بحاجة إلى أناس ينذرون أنفسهم بالله سبحانه وتعالى، هذا الإسلام بحاجة إليه حاجة ماسة أكثر من حاجة إلى بقية التخصصات الجامعية، نحن لا نحتاج إليها كثيرا إلا لما تكون عندنا دولة اسلامية، لما يكون عندنا قوة اسلامية، الآن الدولة هي التي تحدد لنا التخصصات التي تحتاجها، لكن نحن لسنا في هذا السياق، نحن ما زلنا في سياق بعيد عن احنا ما وصلنا إلى هذه الحال.
حتى العملة كان يتعامل فيها الدولة المسلمة إلى زمان دولة بني أمية زمان الحجاج بن يوسف تغيرت العملة، لكن قبل ذلك الأموال كانت أموال الخراج، لأن هذه أمور قشور ظاهرة ليست مهمة، المهم أن طاقتنا توضع في المكان المناسب لها.
طيب، هذا هذا الأمر الأول، الثاني شخص يقول: طيب، أنا كيف أعيش؟ أقول لك لا، هنا نحتاج إلى هذا الشيء، يعني الآن كيف تعيش؟ لابد أنك توفر مصدر الدخل، طيب ما هو مصدر الدخل الموجود؟ أقول لك على حسب الواقع تعيش فيه، فهل أنت مو شغل بالتجاره؟ إذا كنت مو شغل بالتجارة خلاص هذه التجارة هي تسد عليك هذا لأن الإنسان يحتاج إلى مال.
وأبو بكر الصديق لما أصبح خليفة نزل إلى السوق، هو بزاز هو تاجر يبيع ويشتري، فأتاه أبو بكر عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وقالوا إلى أين يا أمير المؤمنين؟ قال: إلى السوق حتى أهلي، قالوا: أنت الآن أمير المؤمنين، يعني يعني أنت الآن خليفة المسلمين، ليس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أصبح ذلك هذا اللقب له، لا أنت الآن خليفة المسلمين، قال: طيب وأهلي؟ هو في النهاية عنده أهل، طيب هؤلاء كيف يتم إعانتهم؟ ففرضوا لهم بيت المال.
لماذا الصديق ما عمل؟ لأنه ما عنده قدرة، ما في وقت، فخلاص أربعة وعشرين ساعة كلها في إدارة الدولة المسلمة، فما كان عند الصديق وقت، وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة فرضوا له من بيت المال، فبين لهم الصديق ما هو حقه، فقال: تعطوني من أوسط ما يعطى قريش، ليس بإغنائهم ولا بأدناهم، ثم لما بقي شيء يسير رد إلى بيت المال، وأمر عائشة رضي الله عنها بأن ترد إلى بيت المال ومات رضي الله عنه وأرضاه.
فالقصد من ذلك أن الأعمال هنا المتعلقة الأعمال المتعلقة بدنيوية سواء كانت حرفة أو كانت تخصص مثلا، هذا إذا كان الإسلام بحاجة له، أنا أقول لك هذا دين، يعني هنا نفس العمل دين، ليس تصحيح النية، إنما العمل نفسه دين، لكن إذا لم يكن الإسلام بحاجة له وأنت مضطر، أنت مضطر لهذا العمل، أقول لك نعم، بالنية هنا تصبح العادة عبادة، فالنية تدخل أين في الأمر لما يكون مباح، لكن لما يكون نفس العمل هذا تعلم اللغات الأجنبية.
كنا بحاجه إليها لما كنا في المدينة، ما كنا بحاجه إليها لما كنا في مكة، ولما كنا بحاجه إليها في المدينة شخص واحد فقط يكفي، مو كل تيار اسلامي يتعلم اللغة الإنجليزية أو اللغة السريانية، لا، فقط نحتاج زيد بن ثابت، خلاص زيد بن ثابت هو يتعلم، وتعلم زيد، وسيد نفس تعلم هذا عبادة، وهنا: «إذا عمل أحدكم عملا أن يحبه، إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» ضعيف لكن معناه صحيح، فهذا يكون إيش؟ الاتقان هذا هنا عبادة، لأن هذا الإتقان من أجل شيء يريد الدين وليس من أجل شيء في مضيعة للوقت.
بهذه الطريقة نفهم كيف ننزل النصوص الشرعية، وكيف نتعامل مع أنفسنا في واقع وسياق الحياة التي نعيش فيها، ليس المطلوب منا أن ننكفئ عن الحياة، المطلوب منا تحصيل الرزق، وليس المطلوب منا من أجل إعانة الأهل هذه هذه عبادة، ولكن ليس المطلوب من هذا التخصص أو هذا التخصص لأن هذا قد يكون أوقات كثيرة وتذهب منك وأنت كنت تستطيع أن تعبد الله عبادة يحبها الله سبحانه وتعالى منك.
أتصور إذا فهمنا هذا يعني هذا التأصيل نعرف كيف ننزل الأعمال الدنيوية صحة العبارة أو الأعمال عموما، وكيف نستطيع أن نصرف اوقاتنا في تحقيق العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منا، ونفرق بين نفس العمل الذي يريد الدين منا أن نعمله حتى ننصر الإسلام وبين العمل الذي بالنيه يصبح عبادة لأن هذا العمل في إعانة لأسرة وإعانة لاهل وإعانة ل وست حاجة الله سبحانه وتعالى اجر ياجرنا ياجرنا عليها وامرنا بها يعني واجب على ان ينفق على زوجته هذا واجب يعني ايش يعني نفس عمل هذا يحصل فيه المال كله اجر هذا كله يعتبر اجر هكذا هذا هو المقصود والله أعلم.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري