دخولتسجيل الدخول

إحكام الأحكام | مجلس 23 ( حديث 34-36) | معهد ملكة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب «أحكام الأحكام» للحافظ المجتهد المطلق ابن دقيق العيد عليه رحمة الله، وما زلنا في كتاب الطهارة في التعليق على أحاديثها. وصلنا إلى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه»، وفي لفظ لمسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه». الفرك هنا الضمير يعود على المني إن لم يُذكر هنا، لكنه مفهوم من السياق. وعائشة رضي الله عنها سبق التعريف بها في أحاديث سابقة، فنبدأ مباشرة بالناحية الفقهية.

قال: بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين، ونجِّ عبادك المستضعفين، آمين.

قال رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في طهارة المني ونجاسته. هذا الحديث هو أصل في مناقشة هذه المسألة، ولذلك أورده الحافظ عبد الغني المقدسي في عمله «الأحكام» أصلاً في مناقشة مسألة هل المني طاهر أم نجس، وذكر الخلاف الوارد فيها، فقال: اختلف العلماء في طهارة المني ونجاسته؛ فقال الشافعي وأحمد بطهارته، وقال مالك وأبو حنيفة بنجاسته.

إذاً مسألة طهارة المني ونجاسته مسألة مختلف فيها. قال: والذين قالوا بنجاسته اختلفوا في كيفية إزالته، فقال مالك: يغسل رطبه ويابسه، وقال أبو حنيفة: يغسل رطبه ويفرك يابسه. فالذين قالوا بنجاسته اختلفوا في كيفية الإزالة؛ فمالك قال ينبغي أن يغسل رطبه وحتى يابسه، يعني حتى لو جف على الثوب لا بد وأن يغسل اليابس، وهو مشى على الأصل أن إزالة النجاسات تحتاج إلى غسل وبالماء.

أما أبو حنيفة فأصلاً طريقته في إزالة النجاسة أوسع كما هو معلوم، فإن النجاسة عنده يمكن أن تجفف بالريح وبالعوامل الجوية وليس الماء هي الطريقة الوحيدة عنده. فلذلك لما أبو حنيفة نظر في هذا الحديث وكيف أنه ورد أنه «كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وفي رواية مسلم «كنت أفركه»، لما وجد هناك عدة روايات عن عائشة، رواية بالغسل ورواية بالفرك، مشى مع مقتضى هذه الروايات، فقال: يغسل المني إذا كان رطباً، ويكفي في تطهيره إذا كان يابساً الفرك، حتى يجمع بين روايات الحديث.

قال: أما مالك رحمه الله فعمل بالقياس في الحكمين، أعني نجاسته وإزالته بالماء. أما نجاسته، قال مالك: سار على القياس في الحكمين؛ ما هما الحكمين؟ الحكم الأول الحكم على المني بالنجاسة، وسنعرف لماذا جعله أصلاً هنا، أما الثاني وهو أنه جعل المني ما دام نجساً لا يطهره إلا الغسل يابساً أو رطباً، وأنه لا بد من الغسل في كل الأحوال، هذا هو القياس. لذلك قال: أما مالك فقد جرى على القياس في الحكمين؛ الحكم الأول هو الحكم بالنجاسة، والحكم الثاني أن النجاسة لا تزول إلا بالماء سواء كانت يابسة أو رطبة.

قال: أما نجاسته، فوجه القياس فيه من وجوه؛ أحدها أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في مقر تجتمع فيه، والمني منها فليكن نجساً. هذا أول دليل من أدلة القائلين بنجاسة المني؛ ما هو أول دليل من أدلة القائلين بنجاسة المني؟ قالوا إن المني عبارة عن فضلات مستحيلة؛ قال إن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في مقر تجتمع فيه. أولاً اعتبروا المني مستحيلاً، هو متحول عن الغذاء، وقالوا الأصل في داخل بدن الإنسان أن الأمور التي استحالت عن الغذاء إلى شيء آخر هي النجاسة. قلنا لهم: ما قياس ذلك؟ قالوا: البول، فالبول هو عبارة عن الشربة التي يشربها الإنسان فتستحيل إلى مادة البول فماذا حكم على البول بالنجاسة؟ قالوا: كذلك الدم، فالدم ما هو؟ قال: الإنسان أليس الغذاء الذي يتغذاه يتحول في الأوعية وكذا مع الخلايا إلى دم، ثم بعد ذلك نحكم على الدم بالنجاسة؟ فقالوا إن الفضلات المستحيلة المتحولة من الغذاء إلى صورة أخرى الأصل في حكمها النجاسة، وأتوا بأمثلة: الدم والبول.

ممتاز، فقال: إن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار، طبعاً هنا قيد قال: الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار، وكان هناك فضلات مستحيلة لكنها ليست مستقذرة، فهذه قد لا نقول بنجاستها؛ قال: الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار، فالبول مستقذر وصحيح، والدم مستقذر. هل يمكن أن تأتي بمثال على فضلات مستحيلة في الإنسان لكنها ليست مستقذرة؟ لأن من الأمور التي تعترض أصلاً على المالكية بهذا الدليل وعلى الحنفية قالوا لهم: العرق، العرق هو فضلات مستحيلة إلى استقذار ومع ذلك الجميع لا يحكم بنجاسته. أخذ عليهم هذا، وكذلك أخذ عليهم المخاط؛ قالوا: فالمخاط الذي في الأنف فضلات مستحيلة إلى الاستقذار وفي نفس الوقت لا يحكم أحد بنجاسته.

فهذا كان من الردود المشهورة للجمهور الشافعية والحنابلة على هذه القضية، أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار الأصل أن يحكم بنجاستها، قالوا لهم: عندنا فضلات مستحيلة للاستقذار ونحن متفقون جميعاً على عدم نجاستها وأوردنا المخاط والعرق. لكن لو أردت أن آتي بمثال فضلات مستحيلة لكنها ليست مستقذرة، مثلاً هل يمكن أن نقول دموع العين؟ حاول أن تنظر، هذا قد لا يكون بطبعه مستقذراً. هذا إذا كانوا ينظرون إليه، إن هناك شيئاً في الإنسان غير مستقذر، لكن المراد مجرد القاعدة العامة؛ أنه أي فضلات مستحيلة إلى استقذار فالأصل فيها النجاسة، هي قاعدة عامة. طبعاً هم نظروا إلى الغائط والبول والدم أنه هذا ينطبق عليها، فبالتالي قالوا نقيس المني؛ فالمني هو ناتج عن الغذاء وناتج عما يدخله الإنسان إلى بدنه وهو مستقذر، فالأصل نحكم عليه بالنجاسة قياساً على البول والدم. نقول هنا والله أقرب إلى أن نجعل القياس شبه؛ هل المني هنا أشبه بالبول والدم أم هو أشبه بالبصاق والمخاط والعرق؟ حقيقة هو أشبه بماذا؟

قضية قال: في مقر تجتمع فيه، قضية في مقر تجتمع فيه، حقيقة هذا دليل ثاني يذكرونه على نجاسة المني، وهو أنهم يقولون إن المني لماذا قالوا لأنه يجري في مجرى البول؟ عندما يخرج المني من الإنسان قالوا: أليس يجري في مجرى البول؟ هذا واحد، ثانياً قالوا: والمني يجتمع في مقر في داخل بدن الإنسان باعتبار...

المكان الذي يجتمع فيه المني يكون فيه الدماء، وقد يكون فيه شيء من البول وتخالطه في مقره داخل بدن الإنسان، فقالوا: المني إذا كان في ممره وفي مقره يخالط النجاسات.

كيف الماء هذا الذي نحكم بفساده بمقره أو ممره؟ لا، الماء الطهور لا يتأثر إذا تغير بمقره أو ممره. هنا هم قالوا: المني سيتأثر بسبب مقره وممره، أنه يكون في مقره مخالطًا للنجاسات، وفي ممره يمر من مجرى البول، ألا يكون عالقًا في قطرات بول؟

طبعًا هنا رد عليهم بماذا؟ أنه هذا سيحول الأمر إلى أن المني ليس نجساً بذاته ولا بعينه، وإنما تنجس بسبب ممره أو مقره. وهذا ترى لازم كلامكم؛ إذا قلتم إنه إنما تنجس بمقره أو ممره، إذاً نحن متفقون أننا إذا استخلصناه بعيدًا عن مقره أو ممره يجوز ذلك، وهذا صعب في الحالة الطبيعية، لكن لو فرض استخلاصه، أيكون نجس العين؟ وليس العين مثله مثل البول، وقد يكون متنجسًا بسبب المقر أو الممر.

بسم الله، طبعًا البعض ناقش أنه إذا كان متنجسًا بسبب مقره أو ممره، قال بعضهم من باب الإلزام: "وعلى هذا لا يصح أن يحكم عليه بالنجاسة وهو داخل البدن". لماذا؟ لأنه الدم، وهو يعني كل شيء في الداخل لا نحكم عليه بالنجاسة حتى يصبح في الخارج. صحيح، لذلك العلقة، مش نقول العلقة هي عبارة عن قطعة دم جامدة في الإنسان، في المرأة لما تحمل، فالمرأة لما تحمل العلقة مع أنها قطعة دم لا نحكم بنجاستها؛ لماذا؟ لأنها داخل البدن.

فالأصل إذاً أن المني، حتى وهو في مجرى البول، حتى وهو في مقره مخالط للنجاسات، الأصل أنه لا نقول بنجاسته؛ لماذا؟ لأنك تقول إنه في مقر مع النجاسات، ما نحن قلنا لا يصح أن نحكم بأن معه نجاسات لأنها ما زالت داخل البدن، فكيف تقول إنه يجتمع في مقر مع نجاسات؟ ما هو الحكم أن هذه نجاسات لا يكون إلا بعد أن تنفصل عن البدن.

وكذلك قضية أنه يمر في مجرى البول، نحن نقول البول ما دام في داخل البدن لم يخرج إلى الخارج فلا يحكم عليه بالنجاسة. فحتى لو مر المني في مجرى البول لا نقول إنه تنجس بالمرور في مجرى البول؛ لأن هذه الشرايين والأوردة كلها داخلية، وما فيها من البول ما دام داخل جسد الإنسان فإننا لا نحكم بالنجاسة حتى يبرز إلى الخارج. فقولكم إنه تنجس بسبب مقره أو ممره يؤخذ عليه أن كل ما في داخل بدن الإنسان ما دام لم ينفصل عنه فإنه لا يحكم بنجاسته؛ فلا يحكم إذاً أن المني خالط نجاسة في الداخل، لا نحكم أن المني خالط نجاسة في الداخل.

فإذاً هذا الذي قاله المالكية، أن الفضلات المستحيلة -يعني التي تحولت إلى أمور مستقذرة وكانت في مقر تجتمع فيه- أن نحكم عليها بأنها نجسة والمني منها، فليكن نجساً. عرفنا أنه فعليًا فيه مجموعة من الأدلة، وفيه دليلان أساسيان عندهم: قضية الفضلات المستحيلة الاستقذار، وقضية أن المني نجس في مقره وممره. وعرفنا كيف نرد ونناقش هذا الدليل للمالكية.

ثانيًا قالوا: إن الأحداث الموجبة للطهارة والمني منها؛ أي من الأحداث الموجبة للطهارة. هذا دليل آخر ذكروه، قالوا: إن الأصل أن أي حدث يوجب الطهارة أن يكون نجساً، فمثلاً البول يوجب الطهارة من الحدث الأصغر، إذاً فهو نقول قالوا: الغائط هل يوجب الطهارة؟ نعم، فليكن. أي المذي هل يوجب الطهارة بالوضوء؟ نعم. وهم قالوا إذاً نقيس عليها المني، فنقول: ما دام المني يوجب الطهارة -بس هنا حدث أكبر طبعًا يوجب الطهارة من الحدث الأكبر- فليكن المني نجساً.

طبعًا ما رأيكم بهذا الدليل؟ هذا الدليل يمكن يناقش اعتقاديًا بسهولة، وهو أننا نوجب الغسل من الحدث الأكبر من مجرد الجماع ولم يحصل إنزال، وأنتم تتفقون معنا على ذلك، والحنفية يتفقون معنا على ذلك. فهل نقول الجماع يؤدي إلى نجاسة شيء وهذا الذي يوجب الغسل؟ لا. فالغسل أو الطهارة عمومًا ليست قضية أن يكون الخارج هو الذي يوجب الغسل أو الوضوء، ليس اعتبار الغسل أو الوضوء معتمدًا على نجاسة الخارج.

ودليل ذلك الجماع، وهو أننا نحكم على المجامع بوجوب الغسل حتى ولو لم ينزل، حتى ولو لم يوجد شيء خارج أصلاً. فالاعتماد على فكرة أنه أي حدث موجب للطهارة صاحبه خروج شيء؛ لازم تذكر "صاحبه خروج شيء". يقولون إن الأحداث الموجبة للطهارة، نقول لهم: إذا كنتم تقصدون أنه أي حدث موجب للطهارة فهذا سيشكل عليكم كما قلنا بالجماع، إذا لم يصاحبه إنزال فإنه حدث موجب للطهارة وما في شيء أصلاً نزل، فلا نجاسة فيه.

لكن ممكن يضيفوا هذا القيد، فيقولون لنا: لا، نحن نتكلم هنا عن الحدث الموجب للطهارة إذا كان صاحبه خروج شيء. بهذا القيد، آه هنا قد يكون لهم دليل أقوى. يعني هم يقولون: لما نقول الأحداث الموجبة للطهارة والمني منها، يقول لي لا تعترض علي بالجماع؛ لأن كلامي في الحقيقة حقيقة عن الأحداث الموجبة للطهارة بهذا القيد، وهو ماذا؟ يعني أي حدث يوجب طهارة وصاحبه خروج شيء، فهذا الشيء الخارج يكون نجساً، ولا يوجد عندك مثال ينقض كلامه.

سيقول لك: الحيض حدث يوجب طهارة والخارج منه نجَس، والنفاس حدث يوجب طهارة وصاحبه خروج شيء والخارج منه نجَس، والمذي حدث يوجب طهارة وصاحبه خروج شيء والخارج منه نجَس، والبول والغائط حدث وصاحبه خروج شيء والخارج منه نجَس. فما بقي عندك إلا مثال واحد، وهو مثال المني؛ يعني المني هو الصورة الوحيدة التي أنت تنازعني فيها يا أيها الحنبلي ويا أيها الشافعي، فإن المني حدث يوجب طهارة وصاحبه خروج شيء، إذاً لماذا استثنيت هذا وقلت إن المني طاهر؟

هنا إذا قيدنا كلام ابن دقيق العيد أن الأحداث الموجبة للطهارة المراد بها الأحداث الموجبة للطهارة إذا صاحبها خروج شيء فالخارج يكون نجساً، فهنا الاعتراض بالجماع لا يكون مستقيماً؛ لأن الجماع الذي لم يصاحبه خروج شيء سيقول لك هذا ليس من مسألته. وهذا ذكره الصنعاني في العدة، لكن لا أعتقد أنه قوي. الصنعاني قال: «ويجيب من قال بالطهارة أنه يحصل هناك جماع يوجب طهارة ولا يوجد نجاسة»، نقول لأن المالكية لا يتكلمون عن أي حدث، يتكلمون عن الحدث الذي صاحبه خروج شيء، فلا يعترض عليهم بالجماع لأن هذا ليس داخلًا في مسألتهم، لكن ستظل القضية، ربما قد يكون هذا أقوى.

في القياس إذا نريد أن نستعمل القياس نعم سيكون هذا أقوى، لكن هذا ليس قياس علة. أنت لما تقيس المني على سائر الأحداث الموجبة للطهارة، إذا صعب خروج شيء ونريد نقيس المني وهو حدث خاص أو الإمناء وهو حدث خاص صاحبه خروج شيء، نقيسه على ماذا؟ على سائر الأحداث. هنا ما الجامع بينهما؟ أو إذا بدنا نعبر المني فرع، ونقول والبول والمذي والغائط والدماء هي الأصول، والحكم هو النجاسة، والجامع أنه حدث موجب للطهارة صاحبه خروج شيء، هكذا أنت تعمل قياساً.

هذا أقرب لأن يكون قياس دلالة؛ أنك قلت الفرع هو المني والأصل هو البول والغائط والدماء، والحكم هو المتعدي من الأصل إلى الفرع هو النجاسة. وما الجامع؟ الجامع بينها أن حدث موجب للطهارة، الحدث أصغر أو أكبر صاحبه خروج شيء. فهنا أنت لم تجمع بالعلة، فأنت لم تذكر علة النجاسة وعديتها من الأصل إلى الفرع، وإنما ذكرت شيئاً مستصحباً، وهو أقرب لأن يكون حكماً من الأحكام أو أثراً من الآثار، وهو حدث موجب للطهارة صاحبه خروج شيء.

ولكن هذا القياس، وإن كان قياس دلالة، فإنه يخالف ظواهر أحاديث عائشة التي بين أيدينا في الباب، وهي قولها: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً». فهذا يدل على أن المني لو كان نجساً لبادرت عائشة إلى غسله من ثياب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تتركه يجف على الثياب ويبقى. فقولها: «لقد كنت أفركه» دلالة على أنه جف ويبس على ثياب النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أشد الناس حرصاً على إزالة النجاسات والمبادرة إلى إزالتها، فتركه لهذا المني يجف على ثوبه -مع أنه معروف أن الثياب كانت محدودة عليه الصلاة والسلام- دلالة على أن هذا المني لم يحكم عليه بالنجاسة.

فضلاً عن الطريقة الثانية، وهي أن الفرك لا يؤدي إلى تطهير نجاسة، وإنما يزيل شيئاً مستقذراً عاماً لكن لا يؤدي إلى تطهير نجاسة؛ والأصل في إزالة النجاسة أن تكون بالماء، فاعتمادها على الفرك يدل على أنها لم تزل نجاسة، وإنما أزالت شيئاً قد لا تكون رؤيته مرغوبة في الثوب ليس أكثر.

وثالثها أنه يجري في مجرى البول فيتنجس. هذا الثالث هو الذي ذكرناه قبل قليل، هنا في قضية المقر ربما قالوا في مقر الدليل الأول اكتفوا بقضية المقر، والدليل الثالث هنا ذكر الممر، لأن الدليل الأول أن الفضلات المستحيلة إلى الاستقذار في مقر تجتمع فيه والمني منها، وذكر قضية الممر في الدليل الثالث أنه يجري في مجرى البول في أثناء خروجه فيتنجس. والدليل الثاني أنه حدث يوجب الطهارة فحكم عليه بالنجاسة قياساً على غيره. فهذه الأدلة الثلاث التي ذكرها للمالكية هي التي جعلت المالكية يحكمون على المني بالنجاسة. وهذا معنى قوله إن المالكية جروا في المني على القياس؛ كيف جروا في المني على القياس؟ القياس على الفضلات المستحيلة للاستقذار، القياس على الأحداث الموجبة للطهارة إذا صاحبها خروج شيء، وقضية أنه يجري في مجرى البول فيتنجس.

لكن قلنا إن هذا الأصل فيه مشكلة، وهو أننا لا نحكم بالتنجس وهو داخل البدن، وأن النجاسة إنما يحكم بها بعد الانفصال والخروج عن البدن وليس في داخله. وقوله فيتنجس أصلاً هو دليل على أنه ليس عين نجاسة وإنما متنجس، يعني على كلامه لو لم يجر في مجرى البول، فرضا لو انكسر صلب الإنسان فخرج منه المني، إذاً على هذا الكلام الأصل لا يكون نجساً لأنه لم يدخل في مجرى البول بعد.

قال: واما في كيفية إزالته، فلأن النجاسة لا تزال إلا بالماء. وأما جريان المالكية على القياس في كيفية الإزالة فلأن الأصل في النجاسة أن لا تزال إلا بالماء، إلا طبعاً ما عفي عنه من بعض آثارها، والفرد يلحق بالأعم الأغلب، فالمني إذا حكمنا عليه بالنجاسة فالاصل أن يلحق بالأعم الأغلب وهو أنه لا تزول نجاسته إلا بالماء، فهمتم؟ إذاً فلأن النجاسة لا تزول إلا بالماء هذا هو الأصل، وإذا قلنا إن المني فرد من أفراد النجاسة، فالاصل أن يلحق بالأعم الأغلب من صور الجنس وهو أن لا تزول نجاسته إلا بالماء، سواء كان يابساً أو رطباً.

قال: وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه اتبع الحديث في فرك اليابس والقياس في غسل الرطب، ولم يرَ الاكتفاء بالفرك دليلاً على الطهارة. إذاً أبو حنيفة هو أصلاً تأصيله في باب تطهير النجاسات أوسع من غيره من المذاهب، هذه أول الفكرة التي ينبغي أن تكون مستحضرة، فهو يرى أن الجفوف والشمس والريح قادرة على إزالة النجاسات، وأن الماء ليس هو المتعين ضرورة. بالتالي هذا الحديث هو قابل عنده أن يؤخذ به على ظاهره، وأن يقول إن المني إذا كان رطباً فإننا يجب أن نغسله، وإذا كان يابساً فطريقة تطهيره من النجاسة هي مجرد الفرك.

إذاً فأبو حنيفة اتبع الحديث في فرك اليابس والقياس في غسل الرطب، ولم يرَ الاكتفاء بالفرك دليلاً على الطهارة. نحن الشافعية والحنابله لما قرأنا حديث عائشة في الفرك رأينا أن اكتفاء عائشة بالفرك هو دليل على طهارة المني، أما أبو حنيفة لا، ما فهم مثلنا ما فهم أن اكتفاء عائشة بالفرك دون الغسل دليل على الطهارة، قال لك لا، هو ما عندنا مشكلة ولكن الفرك هو أسلوب التطهير له إذا كان يابساً، وهذا كما قلنا أنه يعتمد على توسع أصلاً أبي حنيفة في قضية إزالة النجاسات.

وشبهه بعض أصحابه بما جاء في الحديث من دلك النعل من الأذى، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله فطهورهما التراب». الآن أبو حنيفة ماذا فهم الأذى هنا؟ أنه المراد به النجاسة، وأبو حنيفة أصلاً هو يقول مثلاً عندنا حديث آخر يمكن أن نعتبر أصلاً لهذه المسألة وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه أو بنعله فطهورهما التراب» فجعل الإنسان إذا وطئ بنعله على الأذى، وفسر الأذى بالنجاسة. وفسر الأذى وهذا حقيقة له فيه وجه قوي، ففسر الأذى بالنجاسة، يقول لك النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك إذا وطئت نجاسة بنعلك فتطهير النعل لا يحتاج فيه إلى غسل بالماء، يكفي أن تدلكه بالتراب. أليس هذا يؤدي أو يؤصل لفكرة أنه في بعض النجاسات تخففت فيها الشريعة فلم تطلب إزالتها بالماء، ويمكن أن بالدلك بالتراب يصلح ذلك؟ رواه الطحاوي من حديث أبي هريرة، هل الاكتفاء بالدلك يدل على طهارة النعل؟ لا، قال لك الاكتفاء بالدلك هنا ليس لأن النعل لم تصبه نجاسة، أصابته نجاسة، لكن يدل على أن هذه النجاسة تخفف في طريقة إزالتها ولم يطالب في إزالتها بالماء. شيخ الإسلام ابن تيمية عموماً كان يميل إلى آراء أبي حنيفة في هذا الباب، وأنه يرى أن النصوص خففت في بعض النجاسات في طرق إزالتها.

قال: وأما الشافعي رحمه الله فاتبع الحديث في فرك اليابس فراه دليلاً على الطهارة. الشافعي وأحمد طبعاً الشافعي وأحمد اتبع الحديث في أن اليابس يكفي فيه الفرك، طبعاً والفرك هنا للكمال وليس للوجوب، إذا قلنا إن المني طاهر فالفرك ليس وجوباً وإنما كمالاً واستحساناً. فاتبع الحديث في فرك اليابس لكنه الشافعي وأحمد رأيا أن الفرك أو الاكتفاء بالفرك دليل على طهارة المني، فإنه لو كان نجساً لما اكتفي فيه إلا بالغسل قياساً على سائر النجاسات، فلو اكتفي بالفرك مع كونه نجساً لزم خلاف القياس، والأصل عدم ذلك.

إذاً شوف التفكير الفقهي، الشافعية والحنابله مثل المالكية، يقرون أن الأصل في إزالة النجاسات بالماء، فبالتالي لما رأى الشافعية والحنابلة أن عائشة اكتفت بالفرك جعلوا هذا دليلاً على أن المني طاهر. وأما مالك، المشكلة الآن ستصل لمالك، أنت كمالك متفق معنا كجمهور أن الأصل في إزالة النجاسات أن يكون بالماء، وذهبت إلى أن المني نجس، بالتالي يمشي على هذا الأصل فيجب إزالته بالماء يابساً أو رطباً. طيب ومالك ماذا بده يعمل في حديث عائشة: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً»، ما فيش فيها استعمال ماء؟ صحيح، لم تنص عائشة على استعمال الماء. الحقيقة أن مالك تأول حديث عائشة كنت أفركه فركاً أن هذا الفرك كان مستصحباً بالماء.

إيش اللي خلى مالك يتأول قول عائشة كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً؟ قال هذا الحديث لا ينبغي أن يبقى على ظاهره، لأنه هو ماشي على القياسات، ماشي أن القياس في المنجس وأن القياس في النجاسة أنها لا بد أن يكون فيها ماء، فلما رأى حديثاً أو رواية عن عائشة تخالف القياس تأول الرواية، قال قول عائشة كنت أفركه، هي ما قالت ولم يكن معي ماء، هي قالت كنت أفركه، فركزت على الفرك، لكن هذا لا يعني عدم استصحابها لشيء من الماء في عملية الفرك، فزاد هذا أو قدر هذا التقدير حتى يكون الحديث متناسباً مع أصوله.

قال وهذا الحديث مخالف ظاهره لما ذهب إليه مالك رحمه الله، وقد اعتذر عنه بأن حمل على الفرك بالماء. هذا الذي قلناه، يعني الحديث هذا رواية عائشة كنت أفركه يخالف أصل مالك، لكن مالك استطاع أن يتأوله وحمل الفرك على أنه فرك بالماء وليس مجرد فرك جاف. الآن ابن دقيق العيد ماذا سيعلق على تأويل المالكية لحديث عائشة؟ قال فيه بُعد، لماذا؟ لأنه ثبت في بعض الروايات في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري»، فهذا تصريح بيبسه. أي هذه الرواية الثانية أظهر في أنه لم يكن هناك ماء أثناء عملية الفرك.

أن ماذا قالت: «لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري». فهذا تصريح بعدم استعمال الماء لكان أفضل. يعني المشكلة هي ليست في قضية أنه يابس ولا مش يابس، يعني المشكلة أنه اليابس هل يكتفى فيه بالفرك؟ فعند مالك اليابس لا يكتفى فيه بالفرك بل لا بد مع الفرك من وجود الماء. فالذي يهمنا أن نرد عليه أنه هنا، ابن دقيق العيد يقصد أن المالكية في الحديث رواية مسلم «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً»، أن المالكية قالوا حتى هذه الرواية هي تحمل على المني الرطب، يعني المالكية هنا ماذا فهموا رواية مسلم «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً»؟ أنه يقولون رواية مسلم هنا لا تتكلم عن مني يابس وإنما تتكلم عن مني رطب، والفرك باعتباره أحد أدوات الغسل. ألا يقولون لكم كحنابلة إنه لا بد في أثناء غسل النجاسات من الحت والقرص وكذا والعصر؟ فالمالكية هنا قالوا رواية مسلم لم تنص على أن المني كان يابساً، فقولها لقد كنت أفركه، لا، هي تتكلم عن مني رطب، ولكن حتى تزيل عن الثوب فإن إزالة النجاسات عن الثياب تحتاج إلى ماذا؟ لو كان في دم رطب، لو كان في بول، أليس تفرك وتحت وتقرص وتعصر؟ فإذاً المالكية قالوا رواية مسلم لا يوجد فيها التنصيص على أنه يابس، فالفرك هذا من توابع الغسل مثله مثل أي حت وقرص وعصر.

فلذلك أتاهم ابن دقيق العيد بالرواية الأخرى التي فيها التنصيص على اليبس، وأنه هذا الفرك فرك ليابس، فلذلك قال: «لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري». قال فهذا فيه تصريح بأنه كان يابساً، وأن ذاك الفرك هو فرك لشيء يابس، وأنها استعملت الظفر ولم تنص على أنها استعملت ماء مع الظفر. فهذا بمجموعه يبعد نظرية أن الفرك في رواية مسلم كان لشيء رطب، أو أن الفرك لليابس كان مستصحباً بشيء من الماء، على أي طريقة ستحملون سيكون هناك بعد.

وأيضاً، ففي رواية يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان يابساً وأغسله أو أمسحه إن كان رطباً». شك الراوي أغسله أو أمسحه. وهذا التقابل بين الفرك والغسل يقتضي اختلافهما. هذه الرواية الثالثة هي القاصمة كما يقولون لقول المالكية من جهة ماذا؟ طبعاً وعذر المالكية، يعني إما سيدخلون في تضعيف الرواية هذه أو تأويلها بتأويل ما، لكن بالنسبة لنا هي ظاهرة أنه في هناك مني يابس وفي هناك مني رطب، لأنها فرقت بين حكمين، هذه مثل رواية «الأيم تستأمر والبكر تستأذن»، وهذا مر معنا أنه صور من صور مفاهيم المخالفة، إذا بتذكروا، هو مفهوم مخالفة تقسيم، أنه إذا قلت، تقول عائشة كنت أفرك المني إن كان يابساً وأغسله.

إن كان رطباً، هذا مفهوم مخالفة تقسيم، لأن معنى أنني أفرك المني إن كان يابساً أنه إذا لم يكن يابساً فإنني لا أكتفي فيه بماذا؟ بالفرك. قال: واغسله إن كان رطباً؛ يدل على أنه إذا كان ليس رطباً فإنك لا تحتاج فيه إلى الغسل. فهذه المقابلة؛ مقابلة «افرك المني إذا كان يابساً واغسله إذا كان رطباً» هي تشبه مقابلة «الأيم أو الثيب تستأمر في نفسها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها»؛ فالتفريق بين حكم الثيب وحكم البكر هذا مثل التفريق بين المني اليابس والمني الرطب.

والذي قرّب التأويل المذكور عند من قال به ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لضيفها الذي غسل الثوب: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، وإن لم تره نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم».

الآن تعرفون طريقة ابن دقيق العيد؛ ابن دقيق العيد عالم منصف وليس عالماً إقصائياً، وبالتالي يحاول أن يعتذر للجميع. قال: ولكن لو أردت أن أقرب تأويل المالكية قليلاً، والذي يقرب التأويل المذكور، تأويل المالكية، أن الفرك هو فرك مستصحب للماء عند من قال به؛ ما جاء في بعض الروايات عن عائشة أنها قالت لضيفها، يقولون هذا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام حصل هذا؛ إن كنتم تعرفون يأتي البعض إلى منزل عائشة تماماً، أو المكان الواسع الذي تنزل فيه، ويكون بينها وبينهم حجاب، فتروي لهم عائشة بعض أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كان في مضافة في بيت عائشة الله يرضى عنها بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يأتي طلاب العلم من العراق ومن الشام وكذا، وتكون هذه المضافة لها بابها، وعائشة لما تأتي قالوا تضع الحجاب، ويسمعون منها أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ويسألونها.

ففي ما جاء في بعض الروايات أنه جاء رجل فنزل في هذا المكان، وإن هذا الرجل نام في المضافة خلينا نقول أو نام في الغرفة، فلما استيقظ كان على ثوبه مني بسبب الاحتلام، فعائشة انتبهت، طبعاً بيوت قديماً صغيرة، يعني عائشة ما كانت مضافتها زي مضافات بعض الناس، يعني هي عبارة عن صالة أو غرفة بشكل؛ فعرفت أن الرجل غسل ثوبه من المني الذي وقع فيه، فماذا قالت عائشة لضيفها الذي غسل الثوب؟ قالت: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، وإن لم تره»؛ أحياناً النجاسة ممكن تجف على ثوبك صح، فبالتأكيد تعرف وين راحت، يعني كيف عفواً جاءت نقطة بول على ثوبك، ممكن تكون أنت شايفها فمباشرة تغسلها، وأحياناً والله يا شيخ نقطة البول جاءت هنا بس نشفت ومش عارف وين راحت، فقالت: وإن لم تره بأن جف وما عدت ترى أثراً له، قال يكفي ايش؟ أنك نضحت حوله، شوف استعملت مفهوم النضح، وإن لم تره بأن جف وما عدت تراه يكفي أن تنضح حوله؛ والنضح هو استعمال الماء الخفيف. قالت: «ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم».

طب هنا ما الدلالة في هذا على ما يقوي قول المالكية؟ قال: فحصرت الإجزاء في الغسل لما رأت، وحكمت بالنضح لما لم تره، هذا نفس الشيء مفهوم مخالفة تقسيم صح؛ أنه إذا رأيت المني اغسل، إذا لم تره جف على الثوب خلاص ما عدت ترى له أثراً، تمام، هو موجود أكيد بس أنت مش شايف، انضح، وحكمت بالنضح لما لم تره؛ قال: وهذا حكم النجاسات، فإنه ما كان يرى يقصد بذاته، وما جف على الثوب وما عاد يرى خلاص أنت تكتفي بالنضح العام في المنطقة التي تعلم أنه سقط فيها عموماً.

قال: فلو كان هذا الفرك المذكور في رواية عائشة السابقة -التي هي أصل الباب- من غير ماء، لناقض آخر الحديث أوله الذي يقتضي حصر الإجزاء في ماذا؟ في الغسل، الآن هي عائشة ماذا قالت؟ نرجع لهذا الحديث أو عفواً، قد يقول «ولقد رأيتني أفركه» لا يتكلم عن حديث أصل الباب تكملة الحديث هذا الذي بين أيدينا، لأنها ايش قالت: «وإن لم تره نضحت حوله»، بعدين ماذا؟ قالت: «ولقد رأيتني أفركه»، فهي أتت بكلامي هذا استدلالاً «ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم». يقول: فلو كان هذا الفرك المذكور في الرواية هذه -رواية الضيف- لو كان هذا من غير ماء لناقض آخر الحديث أوله، الذي يقتضي حصر الإجزاء في ماذا؟ في الغسل، وإنه هو قال «إنما كان يجزئك»؛ حصرت، «إنما» أداة حصر، «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه»؛ تمام، ويقتضي إجراء حكم النجاسات عليه في ماذا؟ في النضح، فلو كان هذا الفرك من غير ماء لناقض آخر الحديث أوله الذي يقتضي حصر الإجزاء في ماذا؟ في الغسل، ويقتضي إجراء حكم النجاسات عليه في ماذا؟ في النضح.

وكأنه فهم ابن دقيق العيد كأنه يقول معنى «ولقد رأيتني أفركه» أن هذا الفرك هو للحالة الأولى وهي حالة أنك رأيت المني. هو ماذا قال؟ عائشة تقول لهذا الرجل إذا كنت ترى المني اغسله صح، وإذا كنت لا تراه خلاص يكفي أن تنضح الماء عموماً، ثم لما ختمت فقالت «ولقد رأيتني أفركه»، هذا الختام «ولقد رأيتني أفركه» هو للحالة الأولى، وهي حالة رأيت المني، ولا حالة أنه جف ولم تره؟ لا، هذا للحالة الأولى أنها رأت المني أو حالة رؤية المني؛ فهو يقول: فقول عائشة في الختام «ولقد رأيتني أفركه»، الفرك هذا من توابع الغسل، والغسل كان عند الرؤية. والغسل هذا متى؟ هذا عند الرؤية بناءً على هذا الحديث، فيقول: فلو كان هذا الفرك المذكور في ختام الحديث هو مجرد فرك من غير ماء، قال: لناقض آخر الحديث أوله الذي يقتضي حصر الإجزاء في الغسل بالماء.

إنه يا إخوان بدكم تركزوا معي؛ جملة «ولقد رأيتني أفركه» هي شرح بناءً على تصور المالكية، هي شرح أو تتميم من عائشة للحالة الأولى، حالة أنه إذا كان المني يرى، أنت عندئذٍ بتقدر تفركه، هو إذا في حالة أنه جف ما تراه خلاص مش رح تفركه، قالت بالعكس خلاص انضح، والنضح هو مجرد أمرار الماء على المكان والله يسهل عليك. فقولها «ولقد كنت أفركه» هذا تذييل للحالة الأولى وهي حالة إذا كان المني يرى، عندئذٍ سيفرك. وهي إذا كان المني يرى وعندئذٍ سيفرك، هي في بداية الحديث نصت على أن المني إذا رأي لا يوجد وسيلة لتطهيره إلا الغسل، فإذاً بمجموع هاتين المقدمتين عرفنا أن الفرك إذا أطلقته عائشة تقصد الفرك المصاحب للغسل بالماء وليس فركاً ليابس؛ فهمتوا كيف صارت الطريقة؟ وبده يوصل لقناعة أنه لماذا الفرك والفرك المصحوب مع الماء وليس كما تصورتم أيها الشافعية والحنابله أنه الفرك الجاف.

ممتاز، فهو يقول لك ابن دقيق العيد: هذا قد يقوي هذا التأويل، ممكن يساعد المالكية قليلاً في فهمهم لرواية عائشة السابقة «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم» فركاً، أن الفرك فرك مصاحب بالماء، وأن قول عائشة «لقد كنت أفركه» في رواية مسلم السابقة تتكلم، لا، عائشة كانت تتكلم عن مني رطب، وأن الفرك هو فرك لذلك المني الرطب وأنه كان مع الماء وليس بكل الطريقة التي فهمتموها أنتم أيها الشافعية والحنابلة؛ بس طبعاً يبقى يعني إشكالية كما قلنا أنه في رواية وردت فيها تقابل بين المني اليابس والمني الرطب، وأن المني اليابس نصت فيه على الفرك والمني الرطب نصت فيه على الغسل، هذه ستشكل على أصولهم إلا أن يضعفوا هذه الرواية، طبعاً هذه الرواية الأخيرة رواية التفريق ليست رواية في البخاري ومسلم.

قال: إلا أن دلالة قولها «لأحكه يابساً بظفري» أصرح وأنص على عدم الماء مما ذكر من القرائن في كونه مفروكاً بالماء. آه، الآن رواية السابقة «لقد رأيتني وأني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري» هي الرواية الانشغال بها قد يكون أقوى من الانشغال برواية «افرك المني إذا كان يابساً واغسله إذا كان رطباً»؛ لأنه هذيك الرواية في صحيح مسلم، رواية «لقد رأيتني وأني لأحكه» رواية في صحيح مسلم، أما رواية «افرك المني إذا كان يابساً واغسله إذا كان رطباً» هذه ليست في الصحاح المشهورة، فيمكن يعتمد المالكية على ايش يكون؟ اعتماد المالكية على تضعيفها أصلاً، لكن رواية «لقد كنت أحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري» هي في صحيح مسلم، تضعيف صعب من حيث السند؛ فيبقى يحتاجون إلى تأويلها.

فماذا يقول الآن؟ شوف ابن دقيق العيد كيف، أنا هذا الذي يعجبني في هذا الكتاب، أعود فأقول أنت هنا في هذا الكتاب أنت لم تأتِ لتأخذ النتائج الفقهية، يعني أنا أتيت لأقوي طرق النظر والفهم ومعرفة أعذار العلماء، هذه أيضاً معرفة أعذار العلماء في طرائق تفكيرهم، وأنك تفهم أنه الحديث الذي أنت طول عمرك تفهمه بطريقة واحدة وتظن أنك أنت لا يوجد طريقة فهم أخرى، هناك من فهمه بطريقة معاكسة تماماً لطريقة فهمك وهو قادر على أن يقنعك، هذه الفكرة ترى والله يا إخواني مهمة جداً، أنك تهذب شخصية طالب العلم في الحكم على الآراء الحياتية والسياسية والاجتماعية وواقع الناس، أنه مثل هذه الصدمات، أنه أنت تقرأ حديث بطريقة ما وكنت تراه لا يوجد له إلا طريقة فهم واحدة، تكتشف أنه في هناك من فهم الحديث بطريقة مختلفة تماماً وله وجهة نظر، يعني إذا أنت منصف ستكتشف أنه أي والله هذا النص أعزب عن ذهني التفكير فيه بهذه الطريقة، ثم بكتشف أو إذا بي أكتشف أن عالماً فكر فيه، وقد يعني مع الوقت بالعكس ترجح وجهة نظر العالم الآخر، الفكرة أنك من خلال هذه القراءات تتعلم أنني لست صاحب الفهم الوحيد في هذا الكون، وأنني لست محور الكون في الفهم، وأنه يمكن أن يكون كفهوم أخرى في هذا العالم أعدل من فهمي وأقوى من فهمي؛ هذه تربية، هذا بسميه أنا تربية وملكة تنشأ في ذهن طالب العلم مع كثرة قراءته لمثل هذه الكتب، أنه لا يضع مستحيل أن يكون فهم بعض الطلاب لما يقرأ حديث مستحيل يا شيخ يكون في فهم آخر، لا، أقول هناك فهوم أخرى مش فهم آخر، خاصة مع ضعفك اللغوي وقلة فهمك للدلالات وطرق الاستعمال؛ هناك فهوم أخرى، لكن لعقلك القاصر وبساطتك الذهنية حصرت العلم في فهمك وفي عقلك، وإلا فالنصوص أرحب وأوسع من فهمي وفهمك.

فهنا ماذا يقول لك ابن دقيق العيد؟ قال: إلا أن رواية مسلم السابقة «لأحكه يابساً بظفري» في الحقيقة يقول ابن دقيق هذه أصرح أكثر وضوحاً، وأنص على عدم الماء مما ذكر من القرائن في كونه مفروكاً بالماء؛ يعني أنتم يا مالكية أردتم أن تحشدوا قرائن أن الفرك هو الفرك المصحوب بالماء، صحيح أنا كابن دقيق العيد بقول لكم رواية مسلم السابقة «لأحكه بظفري» هي أميل وأوضح وأصلح أكثر وضوحاً في أنه لم يكن هناك ماء مع الفرك يا رعاكم الله؛ يعني فهمتم؟ وهو يحاول أن يقول أي القرائن أقوى؛ قرائن الشافعية والحنابلة.

قال: والحديث واحد اختلفت طرقه، يقول حديث «لقد رأيت وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري»؛ يعني ما يجي شخص مالكي يقول ترى لعل هذا حديث آخر، وحديث مسلم «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه» هذا حديث؛ لا، بقول لهم هو نفس الحديث فقط اختلفت الطرق، يعني رواية «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً» وهي الرواية التي اعتمدها الحافظ عبد الغني المقدسي مع رواية «وإني لأحكه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري» يعني حديث واحد، حتى ما يقول المالكي لا هذا وهذا حديث، والحديث الذي نص فيه على الفرك المراد بالفرك بالماء، وهذه رواية أخرى تتكلم عن حالة منفصلة، لا، بقول لهم هو نفسه نفس الحديث، فقط اختلفت الطرق وعباراته، فمرة عبر فيه بالفرك ومرة عبر فيه بالحك بالظفر، فلا يقول لأحد أنه والله هذا حديث وهذا حديث، وهذه واقعة وهذه واقعة أخرى، لا هي نفس الواقعة.

قال: وأعني بالقرائن، قال: إلا أن دلالة قولها «لأحكه يابساً بظفر» أصرح وأنص على عدم الماء مما ذكر من القرائن في كونه مفروكاً بالماء، والحديث واحد اختلفت طرقه، وأعني بالقرائن قولها النضح لما لم يرى، وقولها إنما كان يجزئك. الآن ركزوا معي في هذه الجملة، هو مشكلة ابن دقيق العيد أنه كان بيتعامل مع طلاب علم فاهمين على الطاير ايش اللي بيحكيه، فالعباراته مختزلة؛ تمام، نحن هنا لأنه يعني في زمن بعيد عن زمن ابن دقيق العيد باللغة العلمية العالية بنضطر أن نفكك ونحلل لحتى نفهم هذه الكلمات اللي بيرميها كذا؛ ويذهب ابن دقيق العيد ماذا يقصد بها؟ الآن ما هي؟

القرائن في قصة عائشة مع الرجل التي جعلت المالكية يصرون على مذهبهم، أن الماء يجب أن يكون مع اليابس والرطب، وأن الفرك الذي أطلقته عائشة هو فرك بالماء. هناك قرينة أولى ناقشناها قبل قليل، وهي أنها ختمت الحديث بقولها: «ولقد رأيتني أفركه»، وهذا إنما هو تذييل للجملة الأولى: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه». قلنا قبل قليل: لما قالت: إن مكانه يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، ولما ذيلت فقالت: «ولقد رأيتني أفركه»، فإن هذا الفرك هو لما يرى؛ أنت تفرك الشيء الذي تراه، فإذا الشيء الذي رأيته ففركته هو نفسه الذي قالت فيه ابتداءً إنه يجب أن تغسله بالماء، ولا يوجد غير ذلك، فقلنا: هذا يدل على أن الفرك هو بالماء.

القرينة الثانية التي أنبه عليها الآن، وأعني بالقرائن النضح لما لم يُرَ. أليس عائشة في قصتها مع الرجل قالت: الذي رأيته اغسله، والذي لم تره فانضحه؟ النضح هو رش المحل بالماء بدون حاجة إلى حت وقرص في هذا السياق. يقول المالكية: فإذا كان الذي لا يُرى لا بد من نضحه بالماء، فما بالكم بالذي رُئي يابساً؟ فهل يعقل أن نقول يُكتفى فيه بفرك دون ماء؟ صراحة هذه قرينة لها وزنها. هي تقول في الذي لم يُرَ، ولا يُرى أصلاً له أثر، بدك تنضحه؛ فما بالكم باليابس الذي يُرى؟ هل يعقل أن يكون يُكتفى فيه فقط بمجرد الفرك بدون ماء لأنه يابس؟ اعتمدوا على قياس الأولى هنا. الحقيقة المالكية لهم قرينة لها وزنها؛ هو يقول لك: أعود مرة ثالثة فأقول الذي لم يُرَ بالماء بس على صورة النضح، فهل يعقل أن الذي يرى وأنت تشاهده يُكتفى فيه بالفرك بدون ماء فقط لأنه يابس؟ قالوا: هذا ليس فهماً صحيحاً. فهذه حقيقة قرينة لهم، قرينة جيدة للمالكية؛ فكرة أنه أُمرت بالنضح لما لم يُرَ، فمن باب أولى أن ما يُرى ولو كان يابساً لا بد فيه من استعمال الماء.

لكن طبعاً سيبقى الكلام أنه في النهاية عائشة لا يلزم أن تكون تخبر أن ما لم يُرَ لا بد فيه من النضح؛ يعني لما تقول: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، وإن لم تره نضحت حوله»، هل هي لما تقول -سيقول لك ما هو برضه في حصر هنا- هل عائشة تقصد بالحصرية هنا أن ما لم يُرَ النضح حوله واجب لازم؟ أم هي تخبره على سبيل الكمالات؟ أن الأكمل في ما لم يُرَ والأحسن أنه مجرد نضح للماء عام ويؤدي الغرض، وهي لا تقصد هنا ضرورة أن هذا الماء أصلاً وأنه يجب أن تنضح الماء حوله، وإنما هي تريد أن تخبره بما هو أكمل أحواله. هذا النقاش خاص كما قلنا، طبعاً نحن هنا سنحتاج أن نتأول -يعني الشافعية والحنابلة بالنسبة لرواية عائشة مع الرجل- هم يحتاجون الآن إلى تأويلها، لكن تأويلنا لها أسهل من تأويل المالكية لحديث عائشة الأصلي في الباب؛ لأن حديث عائشة الأصلي في الباب أحاديث في البخاري ومسلم وفي الصحاح، وفيه روايات متنوعة وواضحة، ووضوحها وظهورها أنها في اليابس كانت تكتفي بالبصاق وبالظفر أوضح مما ورد في هذا الحديث من قضية «وإن لم تره نضحت حوله». فنحن كشافعية وحنابلة تأويلنا لقصة عائشة مع الرجل أسهل من تأويل المالكية للأحاديث التي في البخاري ومسلم، فالكل سيحتاج إلى تأويل حتى يقوي مذهبه، لكن تأويلنا في اعتقادنا أسهل من تأويلهم.

ثم قال: «ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الأحاديث التي اقتصر فيها على ذكر الفرك، فقال: هذا يدل على الفرك من الثوب، وليس فيه دلالة على أنه الثوب الذي يصلي فيه، فيحمل على ثوب النوم، ويحمل الحديث الآخر الذي ذكره المصنف -وهو قولها: فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه- على ثوب الصلاة». ما رأيكم؟ يعني البعض قال لك: خلينا نفكر بطريقة أخرى، لا نريد أن نمشي معكم أن الفرك هنا فرك بدون ماء. ومن الناس هؤلاء -قد يكون بعض المالكية- سلك طريقة أخرى حتى يحافظ على أصله، وهو أن النجاسة لا تزال إلا بالماء، ماذا قالوا؟ قالوا: سنمشي معكم أن الفرك كان فركاً بدون ماء، لكن هل هذا يستلزم أن يكون هذا الفرك الذي بدون ماء للثوب الذي كان يصلي فيه صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا يكون هناك ثوبان؟ ثوب كان يصيبه المني وينام فيه صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، وهذا المني يكون نجساً وعندما يجف ويبس، عائشة تكتفي فيه بالفرك، والفرك لا يؤدي إلى طهارته، بل هو باقٍ على نجاسته، بس لا إشكال أن يبقى على نجاسته لأنه لا يصلي فيه، وأما الثوب الذي كان يصلي فيه فحتى تكون صلاته صحيحة كانت تقوم بغسله. فهمت كيف فكر هؤلاء؟ أنه في عندنا ثوبين، ثوب هو للنوم، فهذا الذي للنوم لو سقطت عليه نجاسة ولم نطهرها تطهيراً كاملاً واكتفينا فقط بالفرك بدون ماء لا إشكال؛ هكذا قالوا، طبعاً لا إشكال لماذا؟ لأنه في النهاية لا يؤدي فيه عبادات، وأما الثوب الذي كان يؤدي فيه العبادات هو الذي كانت تتقصد غسله بالماء.

إذاً، ومن الناس من سلك طريقة أخرى في الأحاديث التي اقتصر فيها على ذكر الفرك، فقالوا: هذا يدل على الفرك من الثوب، ولكن ليس فيه دلالة على أنه نفس الثوب الذي يصلي فيه، فيحمل على ثوب النوم. أنا حقيقة غير مقتنع هذا بتاتاً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان من أحرص الناس على اجتناب النجاسات، ولا أعتقد أنه من الكمالات التي تنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يلايس ثوباً النجاسة فيه لغير حاجة. هل يعقل -أو خلنا نقول: هل يقبل أن نقول يعقل على العقل بابه واسع- هل يقبل أن نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل أن يبقى ثوب النوم نجساً؟ فهمتم ما مؤدى هذا الكلام؟ مؤدى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل أن يبقى ثوب النوم، وأنه يطلب من عائشة ممكن فقط تخفيف هذه النجاسة بالفرك، وعلى كلامكم أن الفرك هو لا يؤدي إلى التطهير، هو فقط تخفيف، ولكن النجاسة بقيت، لكنه كان يتسامح في هذا باعتباره ثوب نوم ويجامع فيه كثيراً فلا أشِقُّ على زوجاتي فيه، كتفسير معقول؛ لكن من يعرف حال النبي عليه الصلاة والسلام والكمالات وأني أناجي من لا تناجي، وحرصه دوماً على أن يكون في أتم أحواله، يبعد عن ذهنه هذا الفهم وينبو عن الفهم، لا يراه فهماً فيه من كمالات النبي عليه الصلاة والسلام المعهودة، فأن نحمل هذا على ثوب النوم، ونحمل الحديث الآخر الذي ذكره المصنف على ثوب الصلاة، وهو قولها: «فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه»، قالوا: هذا يحمل على الثوب الثاني وهو ثوب الصلاة. هذه طريقة سلكها بعضهم.

ولا يقال: إذا حملتم الفرك على ثوب غير الصلاة فأي فائدة في ذكر ذلك؟ لأننا نقول: فائدته بيان جواز لباس الثوب النجس في غير حالة الصلاة. نعم، هذا سيؤدي إلى حكم فقهي؛ ما هو؟ أنه يجوز للإنسان أن يلايس النجاسة في حال غير العبادة. طبعاً نحن الحنابلة عندنا في المذهب المعتمد أنه لا يجوز للإنسان ملابسة النجاسة لغير حاجة، نحن نرفض هذا الحكم الذي وصلوا إليه أو وصل إليه بعضهم، لأن هذه الطريقة التي فكروا فيها أن هناك ثوبين ستؤدي إلى حكم شرعي ماشي في خلاف، هي مسألة فقهية؛ احنا مش عم نقول إنه هل يجوز للإنسان أن يلايس النجاسة في غير الصلاة؟ يعني عادي أن تكون ثوبك وجالس وما عندك أي مشكلة ظلتي؟ الأصل كما نص أصحابنا الحنابلة على الأقل، هذا مذهبنا أن الإنسان لا يلايس النجاسة لغير حاجة. الحاجات لها أحكامها، ولكن لغير حاجة يحرم ملابسة النجاسات والتعامل معها، لكن طريقة التفكير هذه التي طرحها بعض المالكية ستؤدي إلى جواز ملابسة النجاسات والتعامل معها في غير حال الصلاة. فهمتم الآن ما هو الحكم الذي أنتجوه؟

وأيضاً البعض يعبر عنها التلطخ بالنجاسة، وهذه تفيد مثلاً في مسألة اليوم، بعض المراهم وبعض الكريمات وبعض الكذا، مثلاً قد يكون فيها مادة، فيأتي بعض النساء يسأل: هل يجوز أن تلطخ جسدها أو تدهن جسدها بمرهم فيه مادة علاجية أو تحسينية أو تجميلية وبتقول لك: بس يجي وقت الصلاة بغسلها؟ وهنا تأتي قضية مثلاً أنه هل إذا كان علاجياً فهذه حاجة، أما إذا كان فقط تحسينيات وتكميليات وهذا أبصر، فتكون مادة هنا أصبحت من التلطخ بالنجاسات، فهل يجوز التلطخ بالنجاسات؟ مسألة خلافية، نقول مسألة اجتهادية خلافية، وهناك أقوال فيها لأهل العلم. فهذه المسألة من يرى مثلاً -من وصل إلى هذه النتيجة: جواز لباس الثوب النجس في غير حال الصلاة- سيقول بجواز وضع الكريمات النجسة في غير حال الصلاة والتلطخ بالنجاسات في غير حال الصلاة، ويعني يتوسع في هذا الباب. لكن الطرف الآخر هناك قول فقهي، وهو بالنسبة لنا هو المعتمد، أنه لا يجوز التلطخ ومباشرة النجاسات لغير حاجة صحيحة معتبرة، وأنه لا يصبح قضية أن الإنسان عادي يكون ثوبه وجالس ورايح وجاي، تمام، أو الإنسان عادي يضع على يده نجاسات تحسينية وتكميلية، الأصل أن هذا لا يجوز.

وهذه الطريقة قد تمشي لو لم تأتِ روايات صحيحة بقولها: «ثم يصلي فيه»، وفي بعضها «فيصلي فيه»، فأخذ بعضهم من كون الفاء للتعقيب -أنه يعقب الصلاة بالفرك- ويقتضي ذلك عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة. طيب الآن هذا الفهم لهؤلاء المالكية أو لبعض المالكية بهذه الطريقة ماذا سيشكل عليهم؟ خرجت لهم قصة جديدة وهي أنه ورد في بعض الروايات: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً، فيصلي فيه». هذه الرواية عملت مشكلة الآن؛ ليه؟ لأنه أصبحت فيصلي فيه حتى في الثوب الفرك، لأن أنتم الآن مش أنتم صورتوا أن هناك ثوبين: ثوب للنوم فقط هذا يفرك، وثوب للصلاة هذا يغسل؟ هذه الرواية التي فيها زيادة «ثم يصلي فيه» في الفرك نسفت الفكرة، ليه؟ لأنه صار معناها: لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً، ثم يصلي فيه. بـ "ثم" أو "فيصلي فيه"، أنه حتى الثوب المفروك كان للصلاة أيضاً، ما في قضية أنه في ثوب للنوم وثوب للصلاة، حتى الثوب المفروك كان يُصلى فيه. فهمتم الآن وين المشكلة؟ لذلك قال: وهذه الطريقة الثانية قد تمشي لو لم تأتِ روايات صحيحة في الثوب المفروك. انتبه، يعني الكلام جداً مختزل، إخواني، أنت لازم تفهم هو على ماذا يعني هذه الرواية، أين وردت في الثوب المفروك؟ فهمتم أنه في رواية: «لقد كنت أفركه ثم يصلي فيه»، إذاً أن الثوب المفروك ما كان للنوم فقط كما زعمتم، بل كان أيضاً يُصلى فيه. هذه المشكلة التي طرأت على هذه الطريقة.

فالآن ما هي ما ماذا حصل؟ قال: «ثم يصلي فيه»، وفي رواية: «فيصلي فيه». الآن الفرق بين "ثم" والفاء في اللغة العربية ما هو؟ بس هذا نقاش الآن تبعي، "ثم" تدل على التراخي، والفاء تدل على ماذا؟ على التعقيب. فإذا جاؤوا فقالوا لك هؤلاء المالكية: لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً ثم يصلي فيه، هي "ثم" تدل على التراخي، فهو كانت تفركه فركاً، وتقتصر على الفرك في حال أنه سيان ينام فيه أو في حال أنه سيأكل فيه، الآن إذا جاء وقت الصلاة فيه هنا ستذهب فتغسله، والحديث لم ينص على هذه الحالة لعدم الحاجة إليها؛ لأنه "ثم" تدل على أنه في وقت زمني، في تراخي بين الفرك وبين الصلاة، فلا مانع أن يكون الفرك في حال أنه كان ينام فيه، إنه هو خلص إنه هو ثوب واحد تفركه إذا ينام، وعندما يستيقظ ويريد أن يصلي فيه يحصل هناك غسل، ولكن لم ينص على الغسل في هذه الرواية. بنقول لهم: طيب هذا ممكن يصلح معكم على رواية "ثم"، بس على رواية "فيصلي"، الفاء تدل على التعقيب، أفركه فيصلي، أفركه فيصلي. قال: فأخذ بعضهم من كون الفاء للتعقيب، أنه ايش؟ أنه يعقب الصلاة بالفرك، أن كلامكم مش صحيح، في هناك بعض الرواة رووها بالفاء، هذا يعني أن الصلاة كانت تقع مباشرة عقيب الفرك، وما كان هناك مهلة أو مدة طويلة متخيلة كما تتخيلون، وهذا يقتضي رواية الفاء أنه ما دام الصلاة كانت تقع عقب الفرك، هذا يقتضي عدم الغسل قبل الدخول في الصلاة، وأنه كانت تفرك ويصلي مباشرة. رواية «فيصلي» تدل على أنه كانت تفرك ويصلي مباشرة، وما كان في هناك مدة زمنية يحصل فيها غسل بعد الفرك، تمام. فإذاً هكذا تم الرد على الطريقة الثانية من المالكية. فهمتم ما معنى ويقتضي إذا هم هؤلاء يريدون أن يقنعوا أنفسهم أنه الفرك.

كان يحصل ثم إذا أراد أن يصلي يروح يغسله، إنه صار فرك في حال إنه ما بده يصلي فيه، إذا صار يريد أن يصلي فيه يذهب فيغسله. يقول رواية فيصلي تدل على أن الصلاة كانت تقع عقب الفرك وما في مدة زمنية كان يحصل فيها غسل، فبالتالي ضعفنا طريقتكم في التفكير أكثر وأكثر. لاحظ هو كل الصولة والجولة في القرائن وطرق الفهم للنص قال: إلا أنه قد ورد بالواو وبـ «ثم» أيضاً في هذا الحديث، اللي هو إنه هي المشكلة بقول لك دقيقة.

العيد الآن ما الذي سيعكر على الفاء أنه نحن مش جازمين أنه هي بالفاء، صح أنه هناك من قال: كنت أفركه ثم يصلي فيه، وهناك بالواو: كنت أفركه ويصلي فيه، وهناك بالفاء: كنت أفركه فيصلي فيه، إلا أنه قد ورد بالواو وبـ «ثم» في هذا الحديث. فالمشكلة الآن سننظر هل هي حديث واحد وواقعة واحدة؟ فإن كان حديثاً واحداً وألفاظه مختلفة والمقول منها واحد، أنه أكيد في النهاية المقول منها أي من عائشة، يعني هي عائشة بالتأكيد لما روت الحديث هي يا قالت «ثم» يا قالت «و» يا قالت «ف».

لكن الرواة الذين جلسوا بين يديها مش الكل ضبط، أو البعض رواه بالمعنى والبعض رواه بالنص. فإذا كان هو درس واحد وعائشة رضي الله عنها قالت هذا الحديث، فهي بالتأكيد المقول منها واحد من هذه الثلاثة؛ يا الواو يا «ثم» يا الفاء. فتقف الآن بالتالي صار عندنا نوع من الإشكال، سنرجع رواية «ثم» ولا الواو ولا الفاء؟ قال فستقف الدلالة بالفاء، قال فتقف الدلالة بالفاء ايش يعني فتقف؟ يعني لازم نوقف الآن، ما بقدر أستدل بالفاء على وقوع الصلاة عقب الفرك مباشرة، ليه؟ لأنه الاستدلال بالفاء يحتاج إلى مرجح أن عائشة قالت الفاء، صح؟ يعني أنت أصلاً كل فكرة الاستدلال بالفاء على أنه عائشة قالت ف، أنا الآن غير متأكد أن عائشة قالت ف؛ قد تكون عائشة قالت ثم يصلي أو ويصلي.

فيقول عندها ستقف الدلالة بالفاء، لا يمكن أن نجعل الفاء دليلاً على العقبية إلا بماذا؟ قال: إلا لمرجح لها لرواية الفاء، وأنه هي التي قالتها عائشة، وبالتالي أستطيع أن أرد على المالكية أن الصلاة وقعت عقب الفرك مباشرة. وأما إن كانت الرواية بالفاء حديثاً مفرداً على هذه الفرضية أنه هو مجلس منفصل، قالت فيصلي، وفي مجلس آخر قالت ثم يصلي، فقد تكون هي رواية فيصلي واقعة عين منفصلة، وبالتالي يصح الاستدلال بالفاء مباشرة، لأنها على الأقل قال رواية الفاء ستثبت أنه في إحدى المرات فركت وصلى مباشرة، على الأقل في إحدى المرات فيتجه ما قاله هذا الراد.

ثم قال: واعلم أن احتمال غسله بعد الفرك واقع، لكن الأصل عدمه، فيتعارض النظر بين اتباع هذا الأصل وبين اتباع القياس ومخالفة هذا الأصل. أيضاً شوف إذا ما زال ابن دقيق العيد يعطيك موازنة بين طريقة تفكير المالكية ومخالفيه، يقول لك حديث عائشة الأصل تبع الباب: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً». في تمام يقول: أنا أتفق مع المالكية أن الرواية «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه»، أن هنا الفرك قد يكون معه ماء، وأن المراد بالفرك هو عملية الحط والقرص وهو يكون معه ماء، ويحتمل أنه ما يكون معه ماء، وأن المراد بالفرك هو الحت بالأصابع يابساً.

يقول: أنا أقول واعلم أن احتمال غسله بعد الفرك واقع، يعني ما عندي مشكلة أن أقول إنه هذا أحد احتمالات النص وأنها اقتصرت فقط على ذكر الفرك مع أنه وقع غسل بعد الفرك، من حيث الاحتمالات العقلية للنص محتمل. يعني الرواية «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه» من حيث الاحتمالات يقول ابن دقيق: كلام المالكية أو الاحتمال الذي فرضوه المالكية احتمال واقع، نحن ما بنقول اللغة لا تقبله، وأن تكون عائشة فقط اقتصرت على ذكر الفرك وأن الغسل أنت تفهمه ضمنياً ممكن.

قال: لكن الأصل وجوده ولا عدمه؟ حتى نكون واقعيين ما دامت لم تذكره الأصل عدمه، حتى نكون نحن ماشيين مع الظاهر. إذاً نحن لاحظ إذا نحن لا نتعامل الآن مع نص، نتعامل مع ظاهر، وهي جيد أن تعرف رتبة الكلام؛ نحن لا نتعامل مع نص لا يحتمل إلا معنىً واحداً، نحن نحتمل نتعامل مع ظاهر، يعني هو يقول لك أنا لا أتعامل مع نص، لكن في نفس الوقت أنا برضه ما بتعامل مع مجمل. ما رتبه هذا الحديث ظاهر، مش نحن عندنا مراتب قوة الدلالة: نص، ظاهر، مجمل؟ فبيقول لك أنا ما حدا يجي يقول لي هذا مجمل مش مفهوم بالتالي لا يصح الاستدلال به، وفي نفس الوقت ما بزعم أنه وصل لدرجة النصية. أنا بقول لك إنه هو في النص، هو ظاهر في عدم الغسل.

شوف كيف قضية تحديد رتبة النص؛ الحديث النبوي هنا هل الحديث النبوي الآن كلمة نص عم بستعملها باستعمالين انتبهوا؛ رتبة الحديث النبوي هل هي نص ولا ظاهر ولا مجمل؟ ويريد أن يعطيك أنه هذا يسمى ظاهر، فهو احتمالية أن يكون فيه غسل واردة، بالتالي هو ليس نصاً، لكن برضه في نفس الوقت ما بقبل يجي شخص يقول لي هذا مجمل، وبالتالي يكسي ثوب الإجمال بسبب ورود الاحتمال وسقط به الاستدلال، بل هو في المنتصف، هو ظاهر في عدم الغسل لأن الأصل عدمه.

طيب إذا قلنا هو ظاهر في عدم الغسل وأنها اقتصرت على الفرك، فيتعارض النظر الفقهي بين ماذا؟ بين اتباع هذا الأصل، وهو أنها فركت ولم تغسل، وبين اتباع القياس في النجاسات، وهو أن القياس في النجاسات أنها ينبغي أن تغسل مطلقاً. فنتعارض أنه هل نمشي مع ظاهر حديث عائشة أنها اقتصرت على الفرك ولا نمشي مع القياس وهو أن القياس في النجاسات أنها تغسل؟ طبعاً أنت راح تيجي تقول لي طيب إحنا يا شيخ أصلاً عندنا مشكلة أننا مش متفقين أنه هي نجاسة. ماشي، بس ابن دقيق العيد راح يقول لك تعال، طيب أنت أصلاً شو عندك دليل على أنه طاهر؟ يعني أنت من وين أخذت طهارته؟ ما أنت أخذت من هذا الحديث أصلاً، فهو أصلاً هو موطن النزاع هذا الحديث، وأنت الذي أخذت الطهارة من هذا الحديث، يعني هل عندك حديث آخر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام المني طاهر؟ ما عندك.

الآن إذا ذهبتم إلى عند المالكية، عند الشافعية والحنابله، الأدلة التي لديهم على أن المني طاهر أغلبها من الأدلة النظرية الذهنية؛ يعني مثلاً يقولون أن المني هو أصل مادة الإنسان، فلا يصح أن يكون أصل مادة الإنسان نجساً، تمام؟ و﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وهذا يقتضي تكريمه. فهم أتوا بأدلة نظرية ولها حظ من النظر حقيقة، ولها حظ من النظر ومساحة لا بأس بها، أن يكون أصل مادة الإنسان مستبعد، بس طبعاً الطرف الآخر ما هو برضه بناقشنا بيقول لك طيب ما هو الإنسان معبأ بكثير من النجاسات وأنتم تقولون بها، فأنتم ترون أن الدم الذي يخرج من الإنسان، وأن البول والغائط والمذي وما شابه ذلك، يعني فهناك نقاشات طويلة لا أريد أن أشغلكم بها في مناقشة أنه هل يصح أن أقول أصل خلق الإنسان من مادة، طبعاً التراب لا، ليس، لكن مراد المني الذي به التناسل أن يكون. فهناك أدلة نظرية للحنابلة والشافعية على طهارة المني، لكن الدليل الأصلي من السنة والذي اعتمدوا عليه في أن المني طاهر هو هذا الحديث، فهو بيقول لك طيب وهذا الحديث أصلاً نحن مختلفين في فهمه.

يعني أنت جعلت الاكتفاء بالفرك دليل على الطهارة، طيب ما هو المالكي بقول لك يا أخي ما اكتفت بالفرك، ترى هي غسلت بس هي ما نصت على الغسل. فهمت الطرف الآخر ايش بقول؟ المالكي يقول لك يا أخي أنت بدك تستدل بالاكتفاء بالفرك على الطهارة، طب أنا أقول لك ترى هي ما اكتفت بالفرك أصلاً، يعني هل الحديث فيه حصرية الاكتفاء بالفرك؟ هي قالت لقد كنت أفركه، من قال لك إن الفرك هنا لم يكن معه ماء؟ هنا المالكية عم يناقشون الشافعية والحنابلة، من قال لك إن الفرك لم يكن معه ماء؟ هذا الفرك هو نفس الحت والقرص الذي ورد في حديث أسماء أو خولة لما سألت كيف تغسل الحيض من ثوبها فقالت: تحطيه ثم تقرصيه بالماء، لكن الفرق أن هناك نصت على الماء، هنا عائشة اكتفت على ذكر الفرك، ولكن هذا الفرك يتبعه غسل، وإن لم تنص عليه لكنه معلوم بالقياس.

فهم رأوا المالكية أن تقدير الغسل بالماء في هذا الحديث، ولو لم تنص عليه عائشة، لكنه معلوم بالقياس على سائر النجاسات، وإحنا مالكية نقول لكم يا شافعية وحنابلة أنتم ما عندكم نص أن المني طاهر، وأنتم أصلاً أخذتم طهارته من هذا الحديث، وهذا هو أصلاً موطن الإشكال بينا وبينكم، هو هذا الحديث، هو أصلاً موطن الإشكال، فلا تستطيع أن تقول لي لا ترى المني طاهر كيف؟ هو الحديث هذا يدل على ذلك؟ بقول هذا مصادرة، صح؟ لأنه أنا أصلاً هذا الحديث هو بالنسبة لي أنا بعتمده على نجاسة المني، فأنتم تقولون لي المني طاهر من هذا الحديث ثم تناقشونني فيه وأنا أصلاً مختلف معكم في دلالة الحديث وفي طريقة فهمه.

فلذلك قال: واعلم أن احتمال غسله بعد الفرك واقع لكن الأصل عدمه، فيصبح هناك تعارض في النظر بين اتباع هذا الأصل وهو أن الأصل عدم الغسل لعدم ذكره، وبين اتباع القياس في النجاسات وهو مخالفة هذا الأصل، اللي هو عدم الذكر، يعني لازم نتبع القياس في النجاسات أنه لازم فيه ماء ونخالف الأصل الظاهر من هذا الحديث وهو أنها اكتفت بالفرك، بل لا بد وأن نقدر أن الغسل حصل ولو لم تنص عليه، قال فما ترجح منها عمل به. في النهاية بقول لك ابن دقيق العيد: هيكم شايفين هي حلبة من النقاش، كل واحد له ثقل في القرائن، قضية مش خلافات سهلة كما يظن البعض بعض الطلاب، والراجح شيخ واضح الراجح.

إذا ابن دقيق العيد نفسه بقول لك الأمور والله فيها مجال للحكي، يعني كيف فيها مجال؟ مش قضية واضحة محسومة، لا كلامك مش صحيح، قال فما ترجح منها عمل به، لا سيما إن انضمت قرائن في لفظ الحديث تنفي هذا الاحتمال، هو الآن ركز على قرينة "يابساً بظفره"، يقول هو الذي يرجح احتمالية أنها لم تغسل وأن الفرك كان فركاً مجرداً، انضمت قرائن في لفظ الحديث تنفي ذلك يقوي العمل به، وسعيت قال وينظر إلى الراجح منه ومن تلك القرائن أو الأقيسة اللي استعملها الطرف الآخر، بقول لك بشكل عام طريقة النظر الفقهي، أن أنت تجيب قرائنك وتحشدها والطرف الآخر يجيب قرائنه ويحشدها، وكل إنسان خلص يعمل ما يؤديه إليه اجتهاده، وهذا معناه أن الحاكم إذا حكم فاجتهد فأصاب له أجران، وإذا حكم فأخطأ له أجر.

قال وقد استعمل في هذا الحديث لفظة الجنابة بإزاء المني، نعم مرت معنا فكرة أن كلمة الجنابة تطلق أحياناً على المني نفسه، وتطلق على الوصف الحكمي اللي هو الوصف الاعتباري الذي نسميه، والدليل على أنه هنا الجنابة استعملت بمعنى المني نفسه هو قوله ماذا؟ قوله عائشة كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما معنى كنت أغسل الجنابة؟ أكيد مش الوصف الاعتباري، أكيد الجنابة هنا هي نفسها المني، فهذا يدل على أن المني يسمى جنابة أيضاً، فالجنابة يطلق على المني والجنابة تطلق على الوصف الاعتباري.

وقد ذكرنا سابقاً بإزاء أي بمعنى المنع، المنع اللي هو، هو أنت بتعرف أنه ابن دقيق العيد لا يؤمن بقضية الوصف الاعتباري بهي الطريقة، وإنما يؤمن أن هذا يسمى منعاً من كذا، تمام؟ إذا لا تذكر النقاش الأول في لفظ الحدث في أول الكتاب لما ناقشنا لفظ الحدث، فهو يقول لك قضية وصف اعتباري هذا قال به بعض الفقهاء، لكن نقول أن الجنابة تطلق على الحكم الشرعي وهو المنع من الصلاة وما في معنى الصلاة بإزاء المنع والحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج، يعني أيضاً يطلق الجنابة على الحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج وهو وجوب الغسل.

فقال تستعمل بإزاء المنع والحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج، فكأن هذه إشارة للاستعمالات التي يستعمل لها لفظ الجنابة؛ تستعمل الجنابة على نفس الخارج، وتستعمل على المنع المترتب على الخروج، تستعمل بإزاء المنع المترتب على الخروج، قال بإزاء المنع والحكم الشرعي، أنا أشك يعني كلمة والحكم الشرعي هذا عطف للتفسير؟ تستعمل بإزاء المنع والحكم الشرعي، أم لبيان إطلاق ثالث؟ قال تستعمل بإزاء المنع والحكم، هل هذا عطف للتغاير تماماً أم عطف تفسيري؟ لأنه ممكن يكون المنع هو جعله هو نفس الحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج، وقد يكون لا؛ تستعمل بإزاء المنع هذا الشيء، والحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج، أن يكون المراد به الحكم الشرعي وهو وجوب الغسل، وإن كان لأنه أنا أستبعد هذا الثالث، يعني هل الجنابة تطلق على الحكم الشرعي وهو الغسل من خروج الخارج؟ إطلاق بعيد، لما يقول كنت جنباً.

الجنابة إما أن تطلق على المني في النصوص، أو تطلق على المنع المترتب بسبب المني، وهي الحالة القائمة بالإنسان، سواء سميناها منعاً أو وصفاً اعتبارياً، فقضية تستعمل بإزاء المنع والحكم الشرعي. الحكم الشرعي قد يكون هنا هو تفسير للمنع وليس حالة ثالثة؛ لأن خروج المني يترتب عليه منعك من أشياء، وهذا المنع هو حكم شرعي، فمن الذي منعك من أن تصلي؟ ومن الذي حكم بأنك لا تصلي؟ ومن الذي حكم بأنك لا تقرأ القرآن؟ الشارع، فالمنع هو حكم شرعي. فقوله: وتستعمل بإزاء المنع والحكم الشرعي المترتب على خروج الخارج، هنا الصنعاني لم يعلق تعليقاً على هذه الفقرة، لكن أقول هي محتملة أن يكون الحكم الشرعي هو نفس المنع، وإنما أراد به العطف التفسيري، والله أعلم.

الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي لفظ: «وإن لم ينزل». هذا حديث سهل، والتعليق عليه ليس طويلاً لأنه يؤكد على سبب من أسباب الغسل؛ هذا الحديث أصلاً في بيان أن الجماع يوجب الغسل. كما أن الأحاديث السابقة كانت تركز على قضية أن خروج المني يؤدي إلى الغسل، وذكرنا حديث أم سليم لما جاءت وذكرت أن المرأة إذا احتلمت، وقلنا إن الرجل حاله حال المرأة في ذلك، وحديث «الماء من الماء»؛ أراد أن يبين أن من أسباب الغسل هو الجماع أيضاً ولو لم يصاحبه خروج مني، وهذا الحديث وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي لفظ: «وإن لم ينزل».

الشعب جمع شعبة، وهي الطائفة من الشيء والقطعة منه. الآن سيناقش كلمة شعب، طبعاً أبو هريرة مر معنا تعريفه كثيراً، الآن سيأتي إلى مناقشة مفردة الشعب الواردة في الحديث، ما المراد بها إذا جلس بين شعبها الأربع؟ ما معنى الشعب الأربع؟ فقال أولاً كلمة شعبة هي الطائفة من الشيء والقطعة منه، تمام هذا معنى شعبة. واختلفوا في المراد بالشعب الأربع في هذا الحديث، فقيل يداها ورجلاها، البعض قال معناها إذا جلس بين شعبها الأربع يعني بين يدي زوجته ورجليها. وقيل رجلاها وفخذاها، أي بين الرجلين والفخذين، وهذه الصورة قالوا هي الأقرب إلى الجماع.

وقيل فخذاها وأسكتاها، الأسكتا هما جانبا الفرج، فقيل المراد الشعب الفخذان والأسكتان وهما الشفران حول الفرج. وقيل نواحي الفرج الأربع، أي كانك تتصور الفرج على أنه مربع وله زوايا أربع والرجل يدخل فيه، فقال بعضهم هو نواحي الفرج الأربع. لاحظوا أن القضية تصاعدية؛ فالأبعد عن صورة الجماع هو القول الأول، والأقرب إلى الجماع قالوا هو الصورة الأخيرة. البعض قال بين يديها ورجليها، البعض ضيق المسافة فقال بين رجليها وفخذيها، البعض ضيق أكثر فأكثر فقال بين فخذيها وأسكتاها، وهو الذي وصل إلى مكان الجماع، لكن هل يعني هذا أن القول الرابع هو الأنصب؟

ليس شرطاً أن نفكر بهذه الطريقة؛ لأنك عندك مشكلة وهو أنه قال: «إذا جلس». أنت لا تفسر الشعب الأربع وحدها، بل تفسرها مع السياق، فإذا قال: «إذا جلس بين الشعب الأربع»، فلا بد أن يكون تفسير الشعب الأربع بطريقة يتصور الجلوس بينها. فهل يتصور أن يجلس الرجل بين زوايا الفرج الأربع؟ هذا لا يتصور أصلاً. أن يكون مجلوساً بين الفخذين والأسكتين، هذا منطقي أكثر، بس أيضاً ليس هو الصورة المتعاهدة في الجماع أن يعبر بالجلوس. فما هو الأقرب؟

سيبين ابن دقيق العيد ما هو الأقرب، قال: وفسر الشعب بالنواحي، وكأنه تحويم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل. يعني هو يقول لك إن صاحب القول الرابع فسّر الشعب بالنواحي، أي بالأطراف، وكأنه أراد أن يحوم على طلب الحقيقة الموجبة للغسل. أي الأقوال الأربعة هو الأقرب للجماع بالتحديد؟ هو القول الرابع، لأن الجماع كعملية توجب الغسل لا علاقة لها بأيدي وأرجل المرأة، ولا بالرجلين والفخذين، الجماع متعلق بالفرج. فهذا الذي فسّر الشعب الأربع بالفرج خصوصاً كأنه أراد أن يقترب من الجماع، ورأى أن تفسير الشعب الأربع باليدين والرجلين فيه إبعاد عن السبب الموجب للغسل.

لكن ابن دقيق العيد يقول: الأصل ألا نفكر بهذه الطريقة، أنا لا أريد أن آخذ كلمة الشعب الأربع وحدها منعزلة عن سياق الحديث، أنا في النهاية عندي سياق «إذا جلس»، فكلمة الشعب الأربع لا بد وأن تكون متناغمة مع لفظة «إذا جلس»، أين يتصور الجلوس؟ عندئذ سنفسر الشعب الأربع بما يتصور أن يجلس الرجل فيه بين يدي امرأته عند الجماع. والاقرب عندي أن يكون المراد اليدين والرجلين أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنياً عنه بذلك، ويكتفى بما ذكر عن التصريح. هذا هو الأقرب؛ لا داعي أن تقرب التعبير من الفرج، اكتفِ بالكناية، فمعلوم في الذهن أن الرجل إذا جلس بين اليدين والرجلين أن هذا كناية عن الجماع.

وقد يكتفى بالكناية عن التصريح؛ لا سيما في أمثال هذه الأماكن والمواطن التي يستحيا فيها من التصريح. فقد نقل عن بعضهم أن الجهد من أسماء النكاح، ذكر ذلك عن الخطابي، فهذا بالتالي سيكون كناية أخرى عن الجماع. فهو يقول لصاحب القول الرابع: لا تخف، الجماع مفهوم، هناك كنايات كثيرة في الحديث، حتى كلمة «جهدها»، الخطابي قال إن معناها نكحها، وبالتالي أصبح مفهوماً أن الجلوس بين شعبها الأربع يراد به الجماع، فعندك قرائن كثيرة تكفي، وعلى هذا فلا يحتاج أن يجعل قوله «بين شعبها الأربع» كناية عن الجماع، عادي أن نقول: إذا جلس بين اليدين والرجلين ثم وطئ، كلمة «ثم وطئ» بينت المقصود وانتهينا.

وقوله في الحديث: «ثم جهدها»، أي بلغ مشقتها، هل يعود الضمير على المرأة المفهومة من السياق؟ نعم، شعبها تعود إلى المرأة، فالأقرب أن «جهدها» يعود على المرأة، أي بلغ مشقتها، وهذا كناية عن عملية الإيلاج التي يحصل فيها نوع من الجهد بالنسبة للمرأة، وهي كناية عن عملية الإيلاج وانتهينا. يقال منه جهده وأجهده أي بلغ مشقته، وهذا أيضاً لا يراد حقيقته، وإنما المقصود منه وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل، وكل هذه كنايات يكتفى بها عند فهم المعنى منها عن التصريح.

الجهد هنا ليس معناه أنه أتعب زوجته، لا تؤخذ على معناها الحقيقي، بل هي كناية عن العمل الذي حصل وهو الجماع. فبعد أن يحصل هذا العمل اكتُفي بالتلميح عن التصريح بالجهد، ثم قال: «فقد وجب الغسل»، هذا هو المراد. وقوله في أول الحديث «بين شعبها» كناية عن المرأة وإن لم يجرِ لها ذكر، نعم الضمير يعود على المرأة وإن لم ينص عليها، وهذا جائز في اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32]، الضمير يعود على الشمس ولم تُذكر في الآية لكنها مفهومة ضمنياً.

والحكم عند جمهور الأمة على مقتضى هذا الحديث هو وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال. بمجرد أن يلتقي الختان، وهو الرجل بفرج المرأة، ولو لم يحصل إنزال، طبعاً لا بد أن يدخل الحشفة أو مقدارها لمن كان مقطوع الحشفة في فرج الزوجة. وخالف في ذلك داوود الظاهري وبعض أصحابه، وبقوا على أن الجماع لا يوجب الغسل إلا إذا صار معه إنزال، وبقوا على حديث «الماء من الماء». لكن حتى بعض الظاهرية خالفوا داوود ووافقوا جماعة المذاهب الأربعة، فما مستند داوود الظاهري؟ مستندهم حديث أبي سعيد الخدري «إنما الماء من الماء» الذي يفيد الحصر. والحقيقة أن هذا كان هو الصحيح في أول الإسلام، نحن نتفق مع داوود الظاهري، لكن كما قال أبي بن كعب وغيره وجاء في الروايات الصحيحة عند الترمذي أن أبي بن كعب قال: إنما كان.

الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نُسخ. وأبي بن كعب هو الذي يقول لنا ويروي لنا قصة المشهد، وهو أن النبي ﷺ من باب التخفيف على الصحابة في بداية الإسلام طلب منهم أن يغتسلوا فقط إذا رأوا المني، سواء باحتلام أو بجماع، وإذا لم يروا المني فلا يجب عليهم الغسل من الجماع.

ثم أصبحوا ملزمين بالغسل من الجماع حتى ولو لم ينزل الماء، وهذا ما تؤكده الروايات الأخرى، وفي لفظ: «وإن لم ينزل»، وهذه الرواية عند مسلم، تنصيص على أن الجماع يوجب الغسل.

أكمل الحديث الثامن والأخير سريعاً، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله وعنده قومه، فسألوه عن الغسل، فقال: «يكفيك صاع»، فقال رجل: «ما يكفيني»، فقال جابر: «كان يكفي من هو أوفى منك شعراً وخيراً منك»، يريد النبي ﷺ. قال: «ثم أمن في ثوب».

عن أبي جعفر، طبعاً أبو جعفر هذا هو محمد الباقر، محمد الإمام الفقيه العالم محمد الباقر محمد بن علي. علي هذا هو زين العابدين، والحسين معروف وهو الحسين رضي الله عنه الصحابي الجليل وابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فعلي بن أبي طالب له الحسين، والحسين قتل في معركة كربلاء المشهورة، وبقي ابنه زين العابدين علي زين العابدين الذي قال فيه الفرزدق قصيدته المشهورة، وله ابن اسمه محمد، وهذا هو محمد الباقر.

تقول الشيخ هذه من أسماء الروافض؟ لا، ليس هذا، بل هو لقب؛ محمد الباقر لُقب بالباقر لأنه بقر العلم وشقه، لأنه كان من العلماء الفقهاء. وكون الروافض يعتقدون فيهم العصمة هذه مشكلة الروافض، هم فقهاء ومن السلف العظام رضوان الله تعالى عليهم جميعاً. وجعفر هذا ابنه، كنيته جعفر الصادق، فهو عن أبي جعفر محمد الباقر، ومحمد الباقر هو والد جعفر الصادق. وهؤلاء كما قلنا من الفقهاء والعلماء ومن أئمة السلف، وإن كانت الروافض تعتقد فيهم ما لا يجوز، لكن هذا لا يعني أبداً أن الإنسان يتكلم في مقاديرهم، فهؤلاء قوم من العلماء الكبار ومن آل البيت الكرام رضوان الله تعالى عليهم جميعاً.

إن بعض الطلبة عنده مشكلة، أراها في بعضهم أنه بمجرد يسمع محمد الباقر وجعفر الصادق يظن أن هؤلاء عندهم مشاكل. لا، أنت فاهم القضية؟ المشكلة ليست عند هؤلاء، المشكلة عند الروافض فيما اعتقدوه في هؤلاء، كما اعتقد بعض الزنادقة في علي بن أبي طالب الألوهية. فهل المشكلة في سيدنا علي بن أبي طالب، أم في هؤلاء الحمقى؟ علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين والرابع في التفضيل ومقاماته العلية معلومة، فلا يقدح في مقامه أن بعض الناس اعتقدت فيه، كما أن عيسى ابن مريم لم يقدح في مقامه اعتقاد النصارى فيه الألوهية.

لما نزلت الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]، فكفار قريش قالوا: إذاً عيسى ابن مريم سيكون في جهنم لأنه عبد من دون الله! فجاء في سورة الزخرف: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]، فهم فاهمون أن الآية لا تتكلم عن عيسى، وإنما تتكلم عن من عُبد، وعيسى عليه السلام كان أبياً رافضاً لذلك، فتبقى المشكلة عند من اعتقد فيه الباطل.

وفي لفظ: «كان النبي ﷺ يفرغ على رأسه ثلاثاً». قال الرجل: «الذي يفرغ على رأسه ثلاثاً في الغسل»؟ وهذا يؤكد ما ورد في حديث عائشة وميمونة السابق، أن غسل الرأس يكون ثلاث مرات، في كل مرة يروي في أصول شعره.

قال الرجل الذي قال: «ما يكفيني»، هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، أبوه ابن الحنفية. هذا طبعاً كله من كلام الحافظ عبد الغني المقدسي في "عمدة الأحكام"، وليس من كلام ابن دقيق العيد. الحافظ عبد الغني المقدسي قال: الرجل المذكور في الحديث السابق -وليس الشيخ- فقال رجل: «ما يكفيني»، فقال جابر: «كان يكفي من هو أوفى منك شعراً».

هذا نوع من أنواع مصطلح الحديث اسمه "المبهمات"؛ إذا ورد اسم مبهم مثل (رجل) أو (امرأة)، يأتي علماء الحديث يتتبعون ويحاولون معرفة من هو هذا الرجل الذي ورد في الرواية مبهماً. وقد تقول: هل له فائدة؟ أقول: قد يكون له فائدة في بعض الأحيان، وهو من تمام العلم وزينته.

قد ينبني على ذلك بعض الفوائد في بعض السياقات، فمن خلال تتبع طرق الحديث ومخارجه عند غيره تظهر الفائدة، وهنا تأتي فائدة "المستخرجات" و"المستخرج" بعوانه وغيرها على الصحاح. من فوائد هذه المستخرجات أنها قد تبين بعض المبهمات؛ فالحديث قد يرد مبهماً عند البخاري ومسلم، فيأتي صاحب المستخرج فيخرج الحديث من جهته عن شيوخه إلى النبي ﷺ، فيكون نفس حديث البخاري لكنه في رواية أبي عوانة أو أبي نعيم مذكور فيه اسم الرجل.

يأتي عبد الغني المقدسي يتتبع هذه المستخرجات والطرق، فعرف لنا من هو الرجل. قال: الرجل الذي اعترض هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب. تعرف سيدنا علي بن أبي طالب، أحد أولاده هو محمد بن الحنفية؛ أي امرأة بني حنيفة تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأنجبت له ولداً اسمه محمد، وأصبح لقبه التاريخي محمد ابن الحنفية، نسبه إلى أمه ليعرف أنه ليس الشقيق للحسن والحسين. محمد بن الحنفية له ابن اسمه الحسن، فالحسن بن محمد بن علي هو الذي كان حاضراً في مجلس جابر وهو الذي اعترض وقال: «ما يكفيني».

وبشكل عام، الواجب في الغسل ما يسمى غسلاً، وذلك بإفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه، فمتى حصل ذلك تأدّى.

الواجب، وذلك يختلف باختلاف الناس؛ فلا يتقدر الماء الذي يغتسل به أو يتوضأ به بقدر معلوم. قال الشافعي رحمه الله: «وقد يُرفق بالقليل فيكفي، ويُخرق بالكثير فلا يكفي»، واستحب ألا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد.

انظر عبارة الشافعي الجميلة، وانظر كيف كلامه فخم، يقول: «وقد يرفق بالقليل فيكفي». هؤلاء الذين جلسوا في مجلس جابر، سألوه عن ماذا؟ سألوه عن الغسل. المراد هنا السؤال مجمل، لكننا عرفنا من خلال الإجابة طبيعة السؤال. سألوه عن الغسل، يعني عن كم الماء الذي يكتفى فيه للغسل أو كيفيته وطريقته، ولكن طبيعة الإجابة فأنهم سألوه عن الغسل فقال: «يكفيك صاع».

يمكننا أن نحلل الأمر أكثر؛ نقول سألوه عن الغسل، وقد يكون أبو جعفر الباقر حضر المجلس مع والده بين يدي جابر، وصار في المجلس أسئلة عن الغسل، فكان الموضوع الدائر في المجلس هو أحكام الغسل وآدابه وطرائقه. كأن مجموعة من الشباب جلسوا معي وسألوني عن الزكاة؛ فالمقصود ليس سؤالاً واحداً، بل صار هناك أسئلة عن الزكاة، ومن ضمنها سؤال عن كمية الزكاة، فقلت لهم: «وفي الغنم أربعون». فإذا قيل هكذا، ستفهم أن المجلس كان عن الزكاة عموماً أو عن زكاة الغنم، ومن ضمن الأسئلة كان سؤال عن النصاب.

ففي هذا يظهر لي -والله أعلم- أن المراد من قوله «سألوه عن الغسل» إما أنه مباشرة سألوه عن مقدار الماء الذي يستعمل في الغسل فقال: «يكفيك صاع»، أو أن المراد أن المجلس كان فيه أسئلة حول الغسل، ومن ضمن الجمل التي قالها جابر أنه قال للحاضرين: «ترى يكفي صاع للغسل».

طبعاً الصاع اختلف الفقهاء في تقديره، خاصة أن هناك خلافاً شديداً بين أبي حنيفة ومالك. وعند الحنابلة نحن قدرنا الصاع بـ 2 لتر و400 مل؛ لأن اللتر مثل الكيلوغرام، فالصاع عندنا هو مقدار زجاجتين كبيرتين من زجاجات العصير أو الغازيات تقريباً.

فقال رجل: «ما يكفيني». فإذا كان المجلس -والله أعلم- يدور حول أسئلة عن الغسل، وأراد أن يبين لهم أن الغسل كما قال ابن دقيق: يكفي فيه إفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه؛ فمتى حصل ذلك بأن أفضت الماء على الجسد فقد أديت الواجب. طبعاً الناس أجسادهم تختلف، هناك الجسد الكبير وهناك الجسد الصغير، فكمية المياه التي سيحتاجونها ستختلف باختلاف أجسادهم وأحجامهم، فلا يتقدر الماء الذي يغتسل به أو حتى يتوضأ به بقدر معلوم؛ لأنه لا توجد قضية مفادها أن لازم تكون كمية المياه كذا وكذا، لأن أحجام الناس مختلفة.

لكن الشافعي قال جملة جميلة رائعة قال فيها: «وقد يُرفق بالقليل فيكفي». يعني في إنسان عاقل يستعمل الماء القليل بطريقة فيها رفق وهدوء، فيكفيه للغسل كاملاً. وفي المقابل قال: «وقد يُخرق بالكثير فلا يكفي»، وقد تكون عندك كمية مياه كثيرة ويأتي رجل يستعملها بخرق، أي بحمق، ويستعملها بطريقة فيها فوضى وحماقة، فيخرق بالكثير فلا يكفيه. فالقضية من جانب منها هي أسلوب التعامل مع الماء؛ قد يجعلك توفر الماء القليل وتستعمله بوضء كامل وغسل كامل، وفي بعض الناس لو أعطيته صاعين أو ثلاثة ما ستكفيه لأنه يخرق ويستعمل الماء بحمق.

عموماً، قال: استحب ألا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد؛ وذلك لحديث أنس بن مالك المشهور أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد الصاع. فالنبي ﷺ كان أحياناً يغتسل بالصاع، وأحياناً يزيد عن الصاع بمقدار مد يصل إلى صاع ومد. وورد في بعض الروايات أنه كان يغتسل بثلثي الصاع.

هنا سيبين لك ابن دقيق لماذا اختلفت الروايات في تحديد مقدار الغسل، فقال: «وهذا الحديث أحد ما يدل على الاغتسال بالصاع وليس ذلك على سبيل التحديد». نعم، وهذا ليس تحديداً؛ أي لا يعني أنه لا يجوز أن نزيد أو ننقص، حتى عندما قال جابر: «يكفيك صاع»، لا يعني التحديد؛ لأن الأحاديث دلت على مقادير مختلفة كما قلت، ففي رواية «إلى خمسة أمداد»، وفي رواية أنه اغتسل بثلثي صاع. ففي ذلك اختلاف وتنوع في الروايات المنقولة عنه ﷺ.

قال: وذلك -والله أعلم- لماذا اختلفت الروايات؟ لأنها وقائع أعيان مختلفة؛ مرة اغتسل بصاع، وقد يكون هذا هو الأكثر، لأن أنساً قال: «كان يتوضأ بالصاع»، وهي دلالة على أن هذا هو الأكثر. مرة احتاج صاعاً، ومرة اكتفى بثلثي صاع ومشى الحال؛ وذلك لاختلاف الأوقات أو الحالات، وهو دليل على ما قلناه من عدم التحديد. والصاع أربعة أمداد، والمد يقدر بماذا؟ بالرطل والثلث بالبغدادي، هذه كلها أسماء قديمة.

وأبو حنيفة يخالف في هذا المقدار؛ خالف في مقدار الصاع. ولما جاء صاحبه أبو يوسف، وزار المدينة النبوية وتناظر مع مالك في مقدار الصاع في المناظرة المشهورة بينهما، استدل عليه مالك بماذا؟ مالك دعا فقال: «يا عمي، ائتني بأحفاد الصحابة الذين موجودين في المدينة». استدل عليه مالك بصيعان أولاد المهاجرين والأنصار. يعني إذا كنت عند مالك في عقل المدينة، فمالك عنده أحفاد الصحابة، وأحفاد الصحابة ورثوا الصيعان من آبائهم. فقال مالك لبعض أحفاد المهاجرين والأنصار: «ائتني بصاع والدك، وأنت ائتني بصاع والدك». انظر يا أبا يوسف، انظر يا أبا يوسف! وبالتالي كلام مالك هو الأدق فقهياً هنا؛ لأن مالك لا يتكلم بالاجتهاد، بل يتكلم عن معطى موجود. ولذا فالعمل في مثل هذه الأحوال عند أهل المدينة الأصل أن يكون متفقاً على العمل به، وأنه ليس مبنياً على الاجتهاد وإنما مبني على النقل والعنصر الحسي. فمالك استدعى صيعان أولاد المهاجرين التي أخذوها عن آبائهم وورثوها عن آبائهم، وأبو يوسف هنا رجل فقيه وإنسان تقي، حتى يعطيك العالم الذي ليس متعصباً لشيخه.

كلام مالك منطقي ويتكلم عن مادة محسوسة، وشيخي أبو حنيفة في العراق يتكلم من اجتهاده، فرجع أبو يوسف إلى قول مالك في تحديد الصاع.

فرجع أبو يوسف إلى قول مالك وعن الأئمة، أو إلى قول مالك والأئمة، نعم. فقط للتأكد، النص هنا في نسخة الصنعاني: فرجع أبو يوسف إلى قول مالك.

عطف الترضية، عطف الترضية على الترضية، أي ترضية؟ رضي الله عنهما وعن الأئمة. ممكن، غريب، جيد أنا الآن انتبهت عليه، رضي الله عنه وعن الأئمة جميعاً، خلاص وضحت، أحسنت.

هذا ما في المجلس، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.