بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم اشغلنا بما ينفعنا وما يصلح قلوبنا من تدبر كتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، ولا تحرمنا العلم بذنوبنا يا أرحم الراحمين، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
حياكم الله أيها الأكارم، يا طلبة العلم، ويا أيها المنشغلون بالدراسة والتحصيل في زمن كثر فيه القيل والقال، وانشغال الناس بما لا يعود على قلبهم بالصلاح ولا على عقلهم بالنفع. فمن أشغله الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الفترات بالعلم النافع والإقبال على ما يصلح قلبه وينضج ذهنه وينشغل بشيء يعود به إلى ربه سبحانه وتعالى، فهذا والله يغتبط بما هو منشغل به، ويفرح بفضل الله وبرحمته: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
اليوم عندما ينظر المسلم في القضايا التي يشتغل بها عامة الناس، بل حتى عامة كثير من المنشغلين بالدعوة والإصلاح وكذا من الكلام الجانبي والابتعاد عن الجادة الصحيحة، يعرف أن الله سبحانه وتعالى إذا اختار للعبد مسلكاً من مسالك العلم فواظب عليه واهتم به ونمى فيه، وكان صادقاً في ملازمة ثغره لا يبرح مهما انشغل الناس بالدينار والدرهم، ومهما انشغل الناس بالقيل والقال، ومهما انشغل الناس بالسيولات والحوارات والمناقشات والمجادلات والتعليقات؛ تجده ملازماً لثغره كما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يلازمون ثغورهم في المعارك. عندئذ يعرف الإنسان أن الله عز وجل قد أراد به خيراً؛ أنه لم يجعله من المتلفتين، لأن طبيعة التلفت هي التي تشغل الإنسان عن ميدانه الذي استعمله الله سبحانه وتعالى فيه. فحافظ يا طالب العلم على ثغرك، وحافظ على ميدانك، وحافظ على أن تنفع نفسك وقلبك، وأن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك الثبات على هذا الثغر والصلاح فيه والنمو فيه، وأن تقدم للأمة في قادم الأيام مادة مفيدة نافعة، ثم تلقى الله سبحانه وتعالى وأنت سليم القلب سليم اللسان. هذه نعمة عظيمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يستعملنا في مراضيه وألا يحرمنا.
وصلنا أيها الكرام إلى تعليقنا على كتاب أحكام الأحكام للحافظ ابن دقيق العيد لحديث ميمونة رضي الله تعالى عنها. ما زلنا نتكلم عن غسل الجنابة، وقلنا: إن وصف غسل الجنابة يقوم على حديثين أساسيين؛ هناك طبعاً أحاديث أكثر من ذلك، لكن هناك حديثان أساسيان في الصحاح في وصف غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة: حديث عائشة رضي الله عنها وحديث ميمونة رضي الله عنها. طبعاً شيء طبيعي أن يكون الذي سيصف الغسل هم زوجاته، أن هذا أمر خاص يكون في المنزل، وبالتالي صعب أن يكون من طريق صحابي رأى عليه الصلاة والسلام وهو بهذه الحالة؛ لأن هذه خصوصية منزلية إنما يطلع عليها الزوجات، وهذا من حكم تعدد زوجات النبي عليه الصلاة والسلام؛ من حكم تعدد الزوجات في حقه عليه الصلاة والسلام هو نقل العلم ونشره.
ميمونة رضي الله عنها كان اسمها "برة" على المشهور، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي غيره إلى ميمونة، وكانت متزوجة في الجاهلية من رجل اسمه مسعود بن عمرو الثقفي، وفارقها، ثم بعد ذلك في الإسلام تزوجت أبا رهم وتوفي عنها، ثم بعد ذلك تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء في العام السادس من الهجرة. تعرف عمرة القضاء هي التي جاءت بعد الحديبية؛ عمرة الحديبية تصالحوا على أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يدخل مكة هذا العام وإنما يدخلها في العام الذي يليه، سميت عمرة القضاء، وتزوجها وهو حلال في "سرف" في منطقة اسمها سرف، وسبحان الله قدر الله أنها أيضاً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام تموت في هذه المنطقة ودفنت فيها، هي في نفس المنطقة التي عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً وفاتها في عام 51 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنها وأرضاها. طبعاً ميمونة بنت الحارث هي شقيقة أو أخت أم الفضل بنت الحارث، وين أم الفضل؟ هي زوجة العباس، فهي أم الفضل زوجة العباس، هي أم عبد الله بن عباس، فماذا تكون ميمونة بنت الحارث إذاً لعبد الله بن عباس؟ خالته؛ وهي أيضاً خالة خالد بن الوليد من جهة أخرى، فميمونة لها اشتباكات كثيرة بالصحابة في القرابات رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
الآن نعود سريعاً نقرأ حديثها في وصف غسل النبي صلى الله عليه وسلم، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي عليه الصلاة والسلام أنها قالت: «وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة». ركزوا طبعاً في الكلمات التي سيحللها ابن دقيق العيد؛ "وضوء الجنابة" أضاف الوضوء بفتح الواو إلى الجنابة، هي ستغدو كلمة "وضوء" هنا سيقف معها وقفة. قالت: «فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً» -أيضاً سيناقش كلمة "أكفأ" ما معناها-. قالت: «ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً» -وهذه الأداة يعني هي شك من الراوي- «ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه». لاحظ الفروق بين حديث ميمونة وحديث عائشة؛ إنه في حديث عائشة قالت: «فتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل»، ثم ذكر الإفاضة على الرأس. وهنا ما قال «ثم توضأ وضوءه للصلاة» في حديث ميمونة، لا، نصت على أنه صار في مضمضة واستنشاق، وهذا مكسب بالنسبة لك كحنبلي لأنها نصت على المضمضة والاستنشاق. ثم تمضمض واستنشق، قالت: «وغسل وجهه وذراعيه»، لكنها ما ذكرت أنه وضوء كامل، انتقلت بعد ذلك «ثم أفاض على رأسه الماء».
المهم جداً أنك تقارن بين حديث عائشة وميمونة؛ إذاً في حديث ميمونة وصلت الذراعين ثم انتقلت إلى غسل الرأس، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه. في حديث عائشة كان لا، إنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم اغتسل، قالت: «توضأ وضوءاً كاملاً ثم اغتسل»، فما ذكرت الغسل، ذكرت أنه عليه الصلاة والسلام خلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته صلى الله عليه وسلم أفاض عليه الماء، أي على رأسه الماء ثلاث مرات. ممتاز، طبعاً أن هذا سيعطيك سردية أخرى في وصف غسله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ظاهر حديث عائشة أنه في وضوء كامل، ضمنياً كان في مسح للرأس وكان في غسل للرجلين، ثم بعد ذلك جاءت قضية تخليل الشعر وإفاضة الماء على الشعر ثلاث مرات، فضمنياً في حديث عائشة عندك مسح للرأس صار أثناء الوضوء، هذا بده يفهم ضمنياً مش منصوص عليه، لكن هذا معنى أنه توضأ وضوءه للصلاة، ثم حصل بعد ذلك غسل للرأس. في حديث ميمونة لا، في حديث ميمونة تمضمض واستنشق، غسل وجهه وذراعيه، وقفت هنا ثم تكلمت مباشرة عن غسل للرأس، فهذا قد يفهم منه العكس أنه ما صار مسح للرأس، مباشرة كان في غسل، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل سائر جسده، ثم هنا نصت ميمونة أيضاً على قضية زائدة ليست في حديث عائشة: «ثم تنحى فغسل رجليه»، ذكر غسل الرجلين في آخر الغسل، وسنعرف اختلافات المذاهب في فهم هذه القضية، ثم فيها أيضاً إضافة: «فأتيت بخرقة فلم يردها وجعل»، أو «فجعل ينفض الماء بيده» صلى الله عليه وسلم.
الآن أبرز التعليقات التي سيناقشها ابن دقيق العيد: قال رحمه الله تعالى: «أحدها، قد تقدم لنا أن الوضوء بفتح الواو هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء مضافاً إلى الوضوء؟ وقد يؤخذ من هذا اللفظ أنه اسم لمطلق الماء، فإنه لم يضفه إلى الوضوء، لم يضفه إلى الوضوء بل إلى الجنابة». هذا تذكير بمسألة سبقت معنا في أحاديث سابقة: أن الوضوء هل كل ماء -هذا معنى مطلق الماء- هل كل ماء يسمى وضوءاً بغض النظر تم استعماله في الوضوء الشرعي أو لا؟ أنت قد تستغرب هذه المعلومة، لكن هذا فعلاً موجود عند المحدثين، أن ظاهر بعض النصوص أن أي ماء يسمى وضوءاً كما يسمى ماء، يسمى وضوءاً، أي ماء طهور يسمى ماذا وضوءاً. أم الوضوء لا هو الماء الذي أعد للوضوء بالتحديد؟ فهذا خلاف مر معنا، فلذلك قال هنا في حديث ميمونة: «وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة». صحيح مش كذا الحديث؟ وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة؛ لو كان الوضوء هو اسم للماء المعد لعملية الوضوء، هذا لا يتناسب مع الحديث لأنه هو قال: «وضع وضوء الجنابة»، ما قال: «وضع وضوءاً ليتوضأ به»، وضع وضوء للجنابة، للغسل يعني. فبالتالي يقول: هذا الحديث يدعم القول الذي يرى أن الوضوء اسم لأي ماء، وليس للماء المعد للوضوء بالتحديد، فهمتم النقاش؟ تقدم لنا في أحاديث سابقة أنه هل الوضوء بفتح الواو اسم لمطلق الماء، أو اسم للماء المعد لعملية الوضوء بالتحديد؟ هذا الحديث يرجح ماذا؟ قال: «قد يؤخذ من هذا اللفظ -وهو وضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة- أن الوضوء بفتح الواو اسم لأي ماء». لماذا؟ قال: فإنه في هذا الحديث لم يقل وضع وضوءاً ليتوضأ به، لم يضف الوضوء إلى الوضوء، وإنما أضاف الوضوء إلى الجنابة، إلى الاغتسال، فهذا قرينة قد تكون من مرجحات من يرى أنه الماء المعد، أن الوضوء اسم لمطلق الماء وليس لماء معين أعد لعملية الوضوء، طيب.
قال: «الثاني قولها فأكفأ أي قلب، يقال كفأت الإناء إذا قلبته ثلاثية، وأكفأته أيضاً رباعية». وقال: إذاً على القول هناك اختلاف هل كفأ وأكفأ الرباعي بنفس المعنى؟ ومعناه قلبته، درته يعني قلبته. طيب، القلب القاضي عياض في مشارق الأنوار ماذا يقول؟ وأنكر بعضهم أن يكون بمعنى واحد، وإنما يقال في قلبت كفأت ثلاثية، وأما أكفأت فبمعنى أملت، وهو مذهب الكسائي. الكسائي ماذا يرى؟ يقول كفأ الثلاثي بمعنى قلبه؛ تمسك الإناء وتقلبه، وأما أكفأ بزيادة الهمزة الرباعي فمعناها فقط أمال الإناء، وفرق بين أني أقلب الإناء وبين فقط أميله، فالكسائي يرى أنه كفأ بمعنى قلبه، وأكفأ بمعنى أماله، وهذه وجهة نظر لغوية أخرى، طيب.
قال: «الثالث، البداءة بغسل الفرج لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها». الفائدة الثالثة البداءة بغسل الفرج لإزالة ما علق به من أذى، طبعاً الأذى هنا قد يكون نجاسة وقد يكون طاهر وهو المني، أليس كذلك؟ فليس شرطاً في الأذى هنا أن يكون شيئاً نجساً؛ لأنه حتى المني بشكل عام الإنسان يستقذره على بدنه ولو كان طاهراً، طبعاً وإن كان كل يعني منه صلى الله عليه وسلم، منيّه صلى الله عليه وسلم ليس كمني غيره، لكن نتكلم الآن بشكل عام. قال: «لإزالة ما علق به من أذى»، إذاً لماذا ابتدئ بغسل الفرج؟ هو بده يقول لك لماذا ابتدئ بالبداءة بغسل الفرج؟ لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة، ايش يعني؟ يعني وأنت تغسل الفرج تنوي في نفس الوقت أنني ليس فقط أزيل عنه الأذى، بل أيضاً أريد أن أرفع عنه الحدث. وينبغي وأنت تغسل الفرج لتزيل عنه الأذى أن تنوي: أنا لا أريد فقط إزالة الأذى، بل أيضاً أريد أن أغسله من الجنابة حتى أرفع الحدث. فهو يقول لك الأصل أن تأتي بنية مزدوجة وأنت تغسل الفرج في بداية غسلك، كما أنك تريد إزالة ما عليه من نجاسة أو مني، انو في نفس الوقت ماذا؟
رفع الجنابة، فالجنابة هنا هو الحدث، يقصد به كلمة الجنابة. اكتب: يغسل في الابتداء عن الجنابة، اكتب المراد بالجنابة هنا الوصف الحكمي، يعني الحدث الأكبر. ينبغي أن يغسل في الابتداء وينوي مع إزالة الخبث والأذى رفع الحدث عنه، ليه؟ لماذا تنوي رفع الحدث عنه؟ لأنه إذا أنت وأنت تزيل الأذى ما نويت رفع الحدث عنه ماذا سيحصل؟ قال: «لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى»، فخلص أنت مرة واحدة تزيل الأذى وترفع الحدث حتى لا تحتاج إلى إعادة غسله مرة أخرى. وإذا احتجت أصلاً أنك تعيد غسله مرة أخرى متى قد يحصل ذلك؟ وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء؛ بعد ما تكون حضرتك أكملت وضوءاً كاملاً، تذهب تغسل الفرج عن الحدث الأكبر، فيؤدي ذلك إلى أن تلمس الفرج بيدك فينتقض وضوءك مرة أخرى وتدخل في دوامة، فهو بيختصر على نفسك. «وقد يقع ذلك أي غسل الفرج بعد غسل أعضاء الوضوء فيحتاج إلى إعادة غسلها»، بس طبعاً هذا القيد، فيحتاج إلى إعادة غسلها، اكتب: في حال أنه لمس فرجه بيده مباشرة، أما إذا أنت مثلاً استعملت بشكير أو منديل ولم يحصل لمس مباشر للفرج، فهنا لن ينتقض وضوءك، فقوله: «فيحتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء» هذا نقول في حال أنه كان اللمس.
مباشرة باليد، أما إذا كان بحائل فالوضوء لا ينتقض.
ثم قال: فلو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة وللغسل عن الجنابة، فهل يكتفى بذلك أم لا بد من غسلتين؟ هذا سؤال فقهي يُطرح في أروقة الفقهاء. أنت قلت لي: إذا كان هذا الغسل للفرج لإزالة النجاسة، أنوي معه رفع الحدث، صح؟ مش هيك نحن حكينا؟ فهنا سؤال: هل نفس الغسلة تكفي لإزالة النجاسة عن الفرج ورفع الحدث؟ لو اقتصر على غسلة واحدة لإزالة النجاسة والغسل عن جنابته، هل يكتفى بذلك أم لا بد من غسلتين منفصلتين؟ أنه أول مرة أغسل الفرج إزالة نجاسة، بعدين أغسل الفرج رفع حدث، أم لا بد من غسلتين؛ مرة للنجاسة ومرة للطهارة عن الحدث؟ قال: هذا وُجد فيه خلاف لأصحاب الشافعي. ولم يرد في الحديث الآن، هل في تفصيل في كلام ميمونة؟ ما في تفصيل مطلقاً، ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، فقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أصحابنا الحنابلة، أنه حقيقة نحن لا نحتاج إلى غسلتين؛ نفس الغسلة التي تزيل النجاسة يصلح أن تكون رافعة للحدث الأكبر. الغسلة التي تزيل النجاسة تكفي لرفع الحدث الأكبر من حيث أن الأصل عدم غسلة ثانية.
من أين أخذ من هذا الحديث أن غسلة واحدة تكفي؟ مهم جداً تعرف المأخذ الأصولي. قال: قد يؤخذ من هذا الحديث الاكتفاء بغسلة واحدة. يلا بدك تعطيني دليلك، أين استنبطت؟ قال: من حيث أن الأصل عدم غسلة ثانية، أنه الحديث اقتصر على أنه غسل فرجه، ما هو الأصل في جملة غسل فرجه؟ أنها مرة ولا مرتين؟ مرة، فإذاً هو اعتمد على الأصل أن كلمة الغسل لما يقول في أي حديث غسل، يُحمل الفعل على المرة الواحدة ما لم يرد التكرار. هذا ترى استدلال، إذا ورد في أي نص أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل كذا، فالأصل المرة، ومن زعم التكرار هو الذي عليه الدليل، فأنا لا أطالب بالدليل. تقول لي: لا والله الكلام مجمل، نقول ليس مجملاً، وهذا بدك تركز فيه: هل إذا ورد فعل عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يذكر عدد هل هو مجمل، فلا يجوز الاستدلال به لا على المرة ولا على التكرار، أم الأصل فيه المرة والتكرار هي التي تحتاج إلى دليل؟ في علم الاستدلال يقول لك: لا، إذا ورد الفعل فلا نقول إنه مجمل ولا نعرف هل هو مرة أو مرات، وبالتالي كُسي ثوب الإجمال فبطل به الاستدلال، لا، يُحمل على المرة لأنها هي الأصل، وما زاد هو الذي يحتاج إلى دليل. فهمتم هذا استدلال دقيق من ابن دقيق، من حيث أن الأصل عدم غسلة ثانية، فإذاً هو ليس مجملاً، بل المرة هي الظاهر، فيُجعل ظاهراً في المرة، لا أقول نصاً، نحن عندنا بتعرف مراتب النص ظاهر ومجمل، هو ظاهر في المرة.
ثم قال: وضربه صلى الله عليه وسلم بالأرض أو بالحائط لإزالة ما لعله علق باليد من الرائحة زيادة في التنظيف. الآن جاء في حديث ميمونة أنه بعد أن غسل فرجه ضرب يده بالأرض أو بالحائط مرة واحدة، ضرب يده الشمال كما جاء في بعض الروايات في الأرض أو الحائط. لماذا ضربها؟ هذه يحتاج إلى تفسير، بالتأكيد هذا ليس تصرفاً عبثياً حاشاه صلى الله عليه وسلم، فلماذا ضرب يده؟ فلا بد أن نفسر الضرب. قال: لعله لإزالة ما علق باليد من رائحة زيادة في التنظيف.
طيب، هذه قضية إزالة الرائحة، أليست الرائحة إذا أردنا أن نحمل أنها نجاسة؟ أليست الرائحة رائحة نجاسة؟ طيب، رائحة النجاسة هل يُكتفى في إزالتها فقط بالضرب، أم هي أثر من آثار النجاسة؟ الآن النجاسة عين، أو طعم ولون ورائحة، والأصل في إزالة النجاسة أن يتم إزالة كل هذه الأمور الثلاثة: الطعم واللون والرائحة، ويُعفى في مذهبنا عن الرائحة أو اللون إذا عجز عن إزالته. طيب، ما دامت هذه الثلاث وهي الطعم واللون والرائحة يجب إزالتها، الأصل أن إزالة النجاسة بالماء، هذه وسيلة إزالة النجاسة. لو كان على يدك نجاسة ودلكتها هكذا بالحائط، هل يُقبل هذا في إزالة النجاسة؟ لا، لأنه إزالة النجاسة إنما تكون بالماء إلا ما استُثني استعمال التراب فيه مثلاً، لكن الأصل أن إزالة النجاسة تكون بالماء. فكيف أو لماذا صلى الله عليه وسلم اكتفى بالدلك لإزالة الرائحة؟ هنا تأتي الفائدة الرابعة؛ محاولة لمناقشة هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم.
قال: إذا بقيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضر على مذهب بعض الفقهاء. صح، الآن كمقدمة وهذه نحن بنوافق عليها، الحنابلة إذا بقيت رائحة النجاسة على يد أو على منديل أو في كأس أو في أي شيء، إذا بقيت الرائحة بعد الاستقصاء في الإزالة، أنه خلص حاولت وحاولت وعجزت، فإنها تكون معفواً عنها، صحيح. وأكد نص أصحابنا أن رائحة النجاسة ولون النجاسة بعد الاستقصاء في محاولة الإزالة يكون معفواً عنه، وفي مذهب الشافعي خلاف هل يُعفى عنها أو لا، لكن معتمد الحنابلة أنه يُعفى عنها. الآن يقول لك هذه قضية العفو عن الرائحة بعد الاستقصاء وتقيس على الرائحة اللون، يمكن تستنبط من هذا الحديث. كيف قال؟ ووجهه أن ضربه صلى الله عليه وسلم بالأرض أو الحائط لا بد أن يكون لفائدة. شوف كيف الفقيه يفكر إخواني في النص هذا الذي يعلمنا إياه ابن دقيق العيد: الضرب لا بد أن يكون لفائدة، ما بصير يكون شيئاً عشوائياً، صح هي مقدمة أولى. اثنين، ولا جائز أن يكون لإزالة العين.
طيب، الآن خلينا نحاول نعمل سبر وتقسيم لماذا ضرب؟ هل لإزالة عين النجاسة عن يده؟ عشان هيك ضرب، قال: ما بيزبط. ليه ما بيزبط؟ وكل شيء بدك تفسره، لماذا لا يصلح أن يكون لإزالة عين النجاسة؟ قال: لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتفاقاً. قال: وإذا كانت اليد ببقاء العين فيها فعند انفصالها ينجس المحل بها. ركز هون، الآن هذه اليد التي ضربت، إيش الاحتمالات أن يكون فيها عين النجاسة؟ أو طعمها؟ وسيأتي أن الطعم دليل على بقاء العين، صح؟ أو اللون، أو الرائحة. خلينا نحط الاحتمالات الأربعة، هكذا أنت رتب ذهنك. الآن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب يده بالأرض، إيش كان موجود في اليد حتى ضُربت بالأرض؟ نحط الاحتمالات الموجودة: إما كان فيها عين النجاسة، أو طعم النجاسة، أو لون النجاسة، أو رائحة النجاسة. ممتاز، طيب الاحتمال الأول: أن تكون فيها عين النجاسة، هذا لا يصلح، ليه؟ لأنه لو كان فيها عين النجاسة معناها هذه اليد التي فيها العين قد فارقت الفرج والفرج رطب، ممتاز بالماء الآن، غسل فرجه، طيب إذا الفرج كان عليه ماء ممتاز لأنه أدار الماء، والعين فارقت الفرج وعليها وفيها عين النجاسة، إذاً الفرج ما زال نجساً؛ لأنه هذه يد فيها عين النجاسة وقد فارقت الفرج وما زالت عين النجاسة فيها، إذاً معناها عين النجاسة التي في اليد كانت ملامسة للفرج والفرج ما زال بالتالي نجساً، يعني في لحظة المفارقة. قال: وإذا كانت اليد ببقاء العين فيها فعند انفصالها ينجس المحل بها.
قال: وكذلك لا يكون للطعم؛ لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين. طيب الاحتمال الثاني: أن يكون الذي بقي في اليد هو الطعم، ونقول لا يمكن لأنه بقاء الطعم هو دليل على أنه في عين، خلص معناته عين النجاسة في يدك. طيب، قال: ولا يكون لإزالة اللون، لأن الجنابة بالإنزال أو بالمجامعة لا تقتضي لوناً يلصق باليد، وإن اتفق فنادر جداً. طيب الاحتمال الثالث: أن يكون الذي في اليد هو اللون، بقول لك هذا احتمال نادر جداً، ليه؟ لأن هنا اغتسل من الجنابة، مش هيك قالت سيدتنا ميمونة، طيب الجنابة هي كيف تحصل للرجل؟ إما من إنزال مني أو جماع بدون إنزال، والمني لا لون له، والمجامعة بدون إنزال فيها يعني أصلاً مني. قال: لأن الجنابة إما أن تكون إنزال مني والمني لا لون له على اليد عموماً، أو بالمجامعة، فقال فلا تقتضي لوناً يلتصق باليد. ماشي ممكن تقول: شيخ، ما هو المني لما يكون كثيفاً بيكون له لون على بياض، عرفت؟ لكن يعني المتصور بعد أن غسل فرجه بيده أنه ما بقي لون حقيقي، يعني خلص بتحكي عن الماء وجاءت على اليد فيكون بقي المني بكثافته البيضاء احتمال نادر. قال: وإن اتفق فنادر جداً أن يكون المراد إزالة اللون، فماذا بقي؟ فبقي أن يكون لإزالة الرائحة.
طبعاً أنت ستقول: أنت هنا ممكن تقول طيب شيخ هو أصلاً المني طاهر، أنت هنا عم تستحضر هذا البعد، الآن ستعرف أنه في خلاف، أنه عند الحنفية والمالكية وعند الشافعية والحنابلة أن المني طاهر، فهو الآن أصلاً يناقش على بُعد نفرض أنه على رأي الحنفية والمالكية أنه المني نجس، فأنت لا تأتي ولا تستصحب وأنت تفكر الآن، لا تستصحب مذهبك أنه أصلاً شيخ المني طاهر، لا هو مش هذه المسألة ليس متفقاً عليها، فهو يناقش على فرضية أن نقول أنه نجس أو وصلت النجاسة مثلاً على جسد الرجل من زوجته بأن خرج منها مثلاً مذي مثلاً، لم يكن منياً أو دم أو ما شابه ذلك كاحتمالات كانت بعيدة شوي. طيب فبقي أن يكون لإزالة الرائحة. ثم قال: فبقي أن يكون لإزالة الرائحة. قال: ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها، ما بصير يكون الدلك بالأرض الهدف منه إزالة رائحة عالقة باليد هي الرائحة يجب إزالتها، ليه؟ قال: لأن اليد قد انفصلت عن المحل، أي محل؟ اللي هو الفرج، لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أساس أنه قد طهر. فأكيد هو لما ضرب يده في الأرض هذا كان بعد ما خلص تأكد من طهارة الفرج، صحيح؟ انفصلت اليد عن المحل على أساس أنه قد طهر، طيب لو بقي ما يتعين إزالته، يعني ما يجب إزالته من الرائحة، لم يكن المحل طاهراً، لو أن اليد انفصلت عن الفرج مع بقاء رائحة يجب إزالتها لكانت اليد انفصلت عن الفرج وهو لم يطهر بعد.
لماذا؟ قال: لأنه عندنا عند انفصال اليد عن الفرج ستكون اليد وقد لابست المحل، المحل اللي هو الفرج وهو مبتل عليه رطوبة الماء، صحيح، شوف التحليل الدقيق، يعني هو بقول لك أنت الآن مش قلنا النجاسة إنما تنتقل في الأوساط الرطبة؟ ممتاز، لو أن هناك رائحة يجب إزالتها بقيت عالقة بالمحل اللي هو الفرج فبمجرد انفصال اليد عن الفرج مع وجود وسط رطب ورائحة يجب إزالتها إذا اليد ما زالت، إذا اليد ما زالت. قال: فيلزم من ذلك أن يكون الذي أراد أن يزيله بعض الرائحة، فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفواً عنه، وبالسبر والتقسيم إذا بدنا نقول أنه الذي بقي عالق في اليد هو فقط بقايا رائحة لا يجب إزالتها، فيلزم من ذلك أن يكون ما بقي عالقاً باليد هو بعض رائحة معفو عنها، ويكون الضرب بالأرض ليس لشيء يجب إزالته لا لطلب كمالات لا تجب إزالتها. يعني بدك لازم نفسر أن اليد انفصلت عن المحل وقد حكم عليها بالطهارة، هيك لازم يكون. اليد اليسار انفصلت عن الفرج وقد حكم لها بالطهارة، ما بصير أن يكون بقي فيها شيء باختصار مش محكوم فيه بالطهارة، هيك هذه خلاصة الأقوال.
لما انفصلت لازم يكون محكوم لها بالطهارة، لأنه إذا قلنا أنه لسه فيها عين النجاسة أو طعم النجاسة أو رائحة يجب إزالتها إذا هي انفصلت عن المحل والمحل ما زال، ما استفدنا ونحن بدنا المحل اللي هو الفرج يكون طهر، فحتى يكون المحل طهر لازم اليد تكون برضه ما بقي فيها شيء، فيجب أن تكون الرائحة المتبقية هي رائحة خلص معفو عنها، محكوم عليها بماذا؟ أنها مسامح بها، ويكون ضرب الأرض هو فقط من باب التكميل وليس من باب التأسيس للطهارة. شوف هذا الكلام الدقيق في الوصول إلى فكرة، يعني لو قال لك شخص أعطني دليلاً على مذهب الحنابلة أن اللون والرائحة إذا عجز عن إزالتها معفو عنها، هي دليلك، يعني ليس فقط دليل أن المشقة تجلب التيسير قواعد فقهية، لا، يمكن استنباطه من نص، أنه أنا الآن أصبح عندي دليل على أن اللون والرائحة إذا عجز عنها فهي في مساحة العفو، بهذا التحليل التفكيك العقلي الذي سلكه من.
قال ابن دقيق العيد في هذا الحديث: ويحتمل أن يقال فصل اليد عن المحل بناء على ظن طهارته بزوال رائحته، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء رائحة، مع الاكتفاء بالظن في زوالها.
الآن ممكن واحد يفكر بطريقة أخرى يقول لك: لا؛ قضية أن الرائحة معفو عنها ليس استدلالاً قوياً. فسر لنا أنت وجهة نظرك، لماذا ضربها بالأرض؟ قال: يحتمل أن يقال هكذا: فصل اليد عن المحل الذي هو الفرج أن اليد غادرت الفرج بناء على ظن الطهارة، وظن الطهارة يكفي؛ مش هكذا نحن عندنا في المذهب؟ اليد غادرت الفرج بناء على ظن طهارته بزوال الرائحة، هذا هو الذي ظن أنه فإني ظننت أن الرائحة زالت كلياً.
ركز: فصل اليد عن الفرج كان بعد أن غلب على ظنه صلى الله عليه وسلم الطهارة بزوال الرائحة كلياً. هكذا أنا أظن أن الرائحة زالت كلياً. والضرب على الأرض بعد ذلك ما هدفه؟ لإزالة احتمال في بقاء الرائحة فقط مع الاكتفاء بالظن في الزوال. يعني من يرى أنه لا، القضية ليست أن الرائحة معفو عنها، لا، القضية أنه غلب على ظنه زوال النجاسة كلياً وغلب على ظنه إزالة الرائحة كلياً. هذا الذي غلب لكن غلبة الظن يعني نحن نحكي عن 90%، ظل احتمال 10% أنه يجوز الرائحة ما زالت، فحتى أرفع هذا الاحتمال ضرب يده بالأرض.
أيهما أقرب لتفسير الحديث؟ الطريقة الأولى وهو أن نقول: لا، هو فيه رائحة بقيت لكنها معفو عنها، وأراد أن يضرب يده بالأرض لطلب الأكمل في إزالتها، أو نقول: لا، الحديث لا يتكلم عن رائحة بقيت معفو عنها، الحديث ظاهره أنه أزال جميع عناصر النجاسة حتى الرائحة لكن اكتفى فيها بغلبة الظن. أزال جميع العناصر لكن اكتفى في اعتقاده أن جميع العناصر قد زالت، اكتفى بغلبة الظن هكذا الإنسان. ولبقاء احتمال الـ 10% بس يعني يقول لك خلص خليني برضه أضربها في الأرض حتى يستريح الإنسان تماماً، والـ 10% هذه تكتمل بالضرب.
يقول هنا ابن دقيق العيد الذي يقوي الاحتمال الأول: ما ورد في الحديث من كونه صلى الله عليه وسلم دلكها دلكاً شديداً، في بعض الروايات أنه ضرب يده بالأرض فدلكها دلكاً شديداً. قال والدلك الشديد لا يناسب الفكرة الثانية؛ وهو أنه يريد أن يرفع احتمال الـ 10%، لا، الدلك الشديد يناسب أنه فيه شيء موجود يريد إزالته وإن كان معفواً عنه. فكرة الدلك الشديد قال هي أنسب أنه لا، فيه شيء موجود لا يجب إزالته لكن هو يريد إزالته من باب الكمالات وهي الرائحة. ممتاز، وإلا لو كان فقط يريد رفع مجرد احتمال لا يوجد عليه برهان، لو كان فقط يريد رفع الاحتمال لما كان هناك حاجة إلى الدلك الشديد؛ لأنه أنا فقط من باب قطع الشك باليقين عم أعمل كذا بس، ولا أنا لا أرى لا طعماً ولا لوناً ولا رائحة. هكذا تصور القول الثاني، أما تصور القول الأول: لا، هو فيه رائحة بس رائحة معفو عنها وأدلك دلكاً شديداً رغبة في إزالتها. فهمتم الفرق بين القولين؟
قال الخامس: قولها: «ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه» دليل على مشروعية هذه الأفعال في الغسل. هذا نأخذ منه أن المضمضة والاستنشاق مشروعة في الغسل، صحيح؟ هو يركز هنا؛ لأنه هنا في حديث ميمونة فيه التنصيص على المضمضة والاستنشاق، حديث عائشة قال: «ثم توضأ وضوءه للصلاة» لم ينص تفصيلياً على المضمضة. هنا فيه مكسب عندنا في حديث ميمونة وهو التنصيص على حصول المضمضة والاستنشاق، لكن هنا سيأتي السؤال: هل هذه المضمضة والاستنشاق وجوب ركني أم استحباب؟ يعرفوا الآن الخلاف بين المذاهب.
فعند أصحابنا قال: واختلف الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل، فأوجبهما أبو حنيفة، ونفى الوجوب أحمد في المعتمد من المذهب، ونفى الوجوب مالك والشافعي رحمهم الله، وقالوا فقط بالاستحباب. وليس في الحديث ما يدل على الوجوب، إلا الآن وما وجهة نظر ابن دقيق العيد؟ هل في الحديث ما يدل على الوجوب؟ كلنا مناقش في الدلالات الآن، كلها دلالات، أنت تتعلم بناء الأدلة. قال: الحديث يتكلم عن فعل، صح؟ ما فيه صيغة أمرية: «تمضمض». الحديث فعل، هل الفعل يدل على الوجوب؟ ماذا يقول؟ وليس في الحديث ما يدل على الوجوب إلا أن يقال أن مطلق أفعاله صلى الله عليه وسلم للوجوب.
طيب، وهذا حقيقة هو معتمد مذهبنا إذا تذكر في بلغة الوصول، أخذنا أن معتمد الحنابلة أن الأصل في فعل النبي عليه الصلاة والسلام الوجوب وليس الاستحباب، فنحن بالنسبة لنا ممكن نستدل بهذا الحديث، لدينا دليلنا، الذي بده يناقشنا عليه أن يناقشنا في القاعدة الأصولية أصلاً؛ أنه تثبت أن الأصل في فعله ليس الوجوب. أيضاً لكن يمكن أن يؤخذ من دليل آخر وهو ماذا؟ غير أن المختار أن الفعل لا يدل على الوجوب إلا إذا كان بياناً لمجمل تعلق به الوجوب. الآن الجمهور يقولون: فعل النبي عليه الصلاة والسلام متى يكون يدل على الوجوب؟ إذا جاء بياناً لأمر مجمل واجب، زي مثلاً: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، إذا جاء أمر في القرآن بامر بفعل شيء وهذا شيء واجب لكن لم يعرف تفصيله إلا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقع بياناً لمجمل واجب فيكون الفعل أيضاً واجباً.
ممتاز، إذا عندك قضية أنه هل الأصل في مطلق أفعاله للوجوب؟ الجمهور: لا، أن مطلق الفعل للاستحباب. وعند الحنابلة: أن مطلق الفعل للوجوب. لكن الجمهور متى يصبح الفعل يدل على الوجوب؟ إذا جاء بياناً لمجمل تعلق به الوجوب، زي الله عز وجل أمر بالصيام، أمر بالصلاة، ثم جاءت أفعال النبي عليه الصلاة والسلام مبينة لمعنى الصلاة، ما معنى الوضوء، ما معنى الصوم. فالأصل هنا عند الجماهير أن الفعل يكون واجباً لأنه جاء مبيناً لواجب. بس هنا السؤال: هل غسل الجنابة أيضاً من قبيل المجملات التي أمر بها في القرآن وجاء النبي صلى الله عليه وسلم بفعله مبيناً لها؟ يعني هل يمكن أن يفسر بهذه الطريقة؟ انظر ماذا قال، اقرأ: قال والأمر بالتطهير من الجنابة ليس من قبيل المجملات، والله أعلم.
هي بدها نقاش، الآن ابن دقيق العيد يرى أنه ماذا؟ أنه ما فيه أمر مجمل بالغسل من الجنابة كمجمل وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يفسره بفعله، فلا يمكن أيضاً تطبيق هذه القاعدة. ممكن شخص يعترض يقول: كيف سورة المائدة؟ ايش قال؟ ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، أي فاطهروا أمر بالطهارة من الجنابة وهو أمر مجمل، وجاء في السنة تفصيله، مثل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، مثل ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فكيف تقول أن الغسل من الجنابة ليس من قبيل المجملات التي فسرت بفعله صلى الله عليه وسلم، مع أنه جاء في القرآن مجملاً ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؟ لو سألتك سؤالاً: أنت قرأت سورة المائدة وسمعت ربك يقول ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مش سياتي سؤال ستقول: كيف أتطهر؟ فتذهب إلى فعل النبي عليه الصلاة والسلام فتجده كيف تطهر فتعرف، إذاً كيف تتطهر؟ فما الفرق بين ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ و﴿آتُوا الزَّكَاةَ﴾ وبين ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾؟
هنا لعل السفاريني يبين لنا شيئاً، ما معنى كلام ابن دقيق العيد أن الغسل من الجنابة ليس من قبيل المجملات؟ هذا بنوه على ماذا؟ على أن العرب في الجاهلية قالوا كانوا يعرفون الغسل من الجنابة وأنه من بقايا ملة إبراهيم، بخلاف الوضوء؛ فإن الوضوء شريعة جديدة لم تكن العرب تعرفها، فلذلك الوضوء مجمل، بينه النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: أما الغسل من الجنابة بإدارة الماء من الرأس أو على الرأس إلى القدم كان معروفاً عند العرب، فلم يحتاجوا لبيانه ابتداء.
يقول السفاريني في كشف اللثام: ولما كان الغسل من الجنابة معروفاً قبل الإسلام وبقية من دين إبراهيم وإسماعيل كالحج والنكاح، خوطبوا في القرآن به ولم يحتج إلى بيانه كما قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. ومن ذلك نذر أبي سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة، جاء في السيرة أن أبا سفيان بعد غزوة بدر ايش قال؟ نذر ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا يدل على أن كفار قريش كانوا يعرفون الغسل من الجنابة. طيب هل هذا الكلام كافي لنقول أن الغسل من الجنابة ليس من قبيل المجملات؟ أم يمكن شخص يناقش أنه كون العرب كانت تعرف في الجملة ما معنى الغسل من الجنابة لا ينفي أن يكون الإسلام أتى فيه بصفات زائدة عما تعرفه العرب، وأراد أن يزيد فيه بعض القضايا الواجبة؟ فلذلك القضية بالنسبة لي ما زالت تحتاج إلى نقاط، يعني نعم فهمنا وجهة النظر لماذا لم تعتبروه من قبيل المجملات، يعني الوضوء نعم يعتبر من قبيل المجملات، لماذا؟ لأن العرب لم تكن تعرف في الجاهلية، أما الغسل ليس من قبيل المجملات لأن العرب كانت تعرف، فالسؤال: هل هذا يكفي لنقول أنه ليس من قبيل المجملات؟ أم يمكن أن يكون نعم العرب تعرفه لكن الإسلام أراد أن يعطيه حقيقة شرعية فيها تفاصيل ليست موجودة سابقاً ولا في ملة إبراهيم موجودة؟ فإخراجه من قبيل المجملات بهذه السهولة يحتاج إلى نظر، والله تعالى أعلم.
قال السادس: قولها: «ثم أفاض على رأسه الماء»، ظاهره يقتضي أنه لم يمسح رأسه صلى الله عليه وسلم كما يفعل في الوضوء، وقد اختلف أصحابه. في حديث ميمونة، كما قلنا قبل قليل في حديث ميمونة، يختلف عن حديث عائشة، حديث عائشة: «ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل، ثم خلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قدره بشرت». في حديث ميمونة: «فتمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء». فهذا ماذا يقتضي ظاهره؟ أنه ما حصل مسح للرأس مسح كما يفعل في الوضوء، هذا ظاهر حديث ميمونة.
وقد اختلف أصحاب مالك على القول بتأخير غسل الرجلين الوارد في حديث ميمونة، هل يترك مسح الرأس أم لا؟ الآن ركزوا شوي في هذا الكلام، الآن في حديث ميمونة ورد أنه غسل الرجلين تأخر. ممتاز، الآن عند المالكية سياتي معنا أنهم يفرقون بين إذا كان المكان وسخاً أخّر غسل الرجلين، وإذا كان المكان غير وسخ لا يؤخر غسل الرجلين. لكن على القول الذي يراه تأخير غسل الرجلين وأنه غسل الرجلين هنا في عدة مقدمات تكون حاضرة في ذهنك، على القول أن غسل الرجلين هو مرة واحدة فقط وأنه يحصل في الأخير، تمام؟ وأنه يحصل في الأخير بعد ما تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ما كمل الوضوء للأخير، راح أفاض على رأسه وغسل سائر جسده، ثم غسل رجليه في الأخير مرة واحدة، على القول بتأخير غسل الرجلين؛ اختلفوا المالكية: هل يترك مسح الرأس اكتفاءً بغسله؟ أم لا يترك مسح الرأس اكتفاءً بغسله ويجب أن يمسح؟ طبعاً شرعاً تقول المسح عملية إمرار اليد. هذا على القول بتأخير غسل الرجلين للأخير اختلفوا: هل هنا إفاضة الماء على الرأس أجزأت عن المسح فلا داعي للمسح؟ أم لا، مع إفاضة الماء على الرأس لا بد من المسح، وإن لم يذكر وينص عليه؟ فهمتم الآن وين الخلاف؟ بس السؤال: لماذا هذا مفرع على القول بتأخير غسل الرجلين؟
لأننا لو لم نقل بتأخير غسل الرجلين، لو قلنا أن المتوضئ، أن الإنسان في الجنابة يغتسل غسلاً عفواً يتوضأ وضوءاً كاملاً للأخير ويغسل رجليه، وأنه هذا الذي حصل فعلاً، وإن كانت ميمونة لم تنص عليه، لا يمكن أن يكون بعد الوضوء إفاضة الماء على الرأس أجزأت عن المسح؛ يعني ما في دلالة، لماذا؟ لأنه هنا سيصبح إفاضة الماء على رأسه بعد أن غسل رجليه فاختل الترتيب. نعيد، لو كان أنه لو كان عليه الصلاة والسلام غسل رجليه ابتداء ولم يؤخر غسل الرجلين للأخير، اللي هو ظاهر ترى حديث عائشة، ظاهر حديث عائشة أنه مش أول شيء توضأ وضوءه للصلاة، إذاً هذا ضمنياً أنه منها أنه غسل رجليه، لو كان غسل رجليه ثم أفاض الماء على رأسه، هنا لا يمكن أن تكون إفاضة الماء على الرأس خلصت حلت محل مسح الرأس، ليه؟ لأنه هنا إفاضة الماء على الرأس حصلت بعد غسل الرجلين، وبالتالي اختل ترتيب أركان الوضوء، في أركان الوضوء الرأس قبل القدمين، فإذا كان غسل رجليه ثم بعد ذلك أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات هنا لا يمكن أن يكون اكتفى بغسل الرأس عن مسحه؛ لأنه لا بد حتى يصح وضوءه ابتداء أنه مسح رأسه بعدين غسل رجليه، ثم جاءت فكرة أنه ثم أفاض الماء على رأسه تتميماً وإكمالاً. فالخلاف عند المالكية: هل يجزئ الغسل للرأس عن مسحه؟ يتصور إذا قلنا بتأخير غسل الرجلين، وأن الوضوء لم يكتمل ابتداء، أنه جزأ الوضوء على عملية الغسل، أنه مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، بعدين بدل ما يمسح الرأس غسله، ثم آخر شيء غسل رجليه، فالوضوء تم توزيعه.
في الغسل ولم يحصل وضوء ابتداءً كاملاً، فهنا يطرح السؤال المنطقي: هل اكتفى بغسل الرأس عن مسحه أو لا؟ فهمت كيف التفكير؟ أما إذا قلنا إنه توضأ وضوءاً كاملاً، ثم أفاض على رأسه الماء، فهنا الوضوء الكامل يستدعي أنه حصل مسح كما هو معتاد، ثم بعد انتهاء الوضوء حصلت إفاضة الماء على الرأس من باب التتميم، أو من باب إيصال الماء إلى أصول الشعر؛ لأنه إيصال الماء إلى أصول الشعر واجب هنا، وليس فقط تتميم.
السابع: قولها ثم تنحى فغسل رجليه، يقتضي تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء. هذه المسألة حصل فيها خلاف كبير بين المذاهب الفقهية في رواية ميمونة. ثم تنحى أي انصرف عن المكان الذي يغتسل فيه، ذهب إلى مكان مجاور له فغسل الرجلين. هل هو غسل ثانٍ؟ فيكون غسل رجليه أولاً مع الوضوء ثم غسل رجليه مرة أخرى في النهاية؟ أم هو لا، الذي حصل أنه غسل واحد لكنه حصل في الأخير؟ قال يقتضي هذا اللفظ إذا بدنا نأخذه على الظاهر، الظاهر من حديث ميمونة وحدها دون أن تنظر إلى حديث عائشة ماذا ستخرج بنتيجة؟ هذه الرواية تقتضي أنه تم تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء، وأنه تم تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل، وهذا يدل على أن الموالاة لا تفسد بالانقطاع اليسير. هذا اختاره بعض العلماء وهو أبو حنيفة.
القول الثاني قال: بعضهم اختار إكمال الوضوء على ظاهر حديث عائشة المتقدم، وهو الشافعي. الشافعي ماذا اختار؟ اختار أنه الأصل غسل الرجلين يكون من البداية على ظاهر حديث عائشة أنه توضأ وضوءاً كاملاً. ماذا سيفعل الشافعي برواية ميمونة؟ سيحملها أنها لحالة خاصة، أنه في حديث ميمونة تنحى فغسل رجليه مرة أخرى لأمر ظهر له في مكان الغسل، فيكون واقعة عين متعلقة بهذا المكان، دفعت النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل رجليه مرة أخرى، وليس لأن السنة أن تُغسل الأرجل في الآخر؛ فكان الشافعي رجح حديث عائشة وحمل حديث ميمونة على واقعة معينة.
قال وبعضهم فرق بين أن يكون الموضع وسخاً أو لا، فإن كان وسخاً أخر غسل الرجلين ليكون غسلهما مرة واحدة فلا يقع إسراف في الماء، وإن كان نظيفاً قدم، وهو في كتب مذهب مالك عن مالك أو بعض أصحابه. القول الثالث قال لا، القول الثالث قال بدنا نجمع بين حديث ميمونة وحديث عائشة؛ حديث عائشة الذي دل على أنه غسل الرجلين فقط كان في البداية ضمنياً، هذا إذا كان مكان الغسل ما فيه وسخ، فبقول لك خلص اغسل رجليك من البداية وأمورك طيبة، وأما حديث ميمونة فنحمله على أنه إذا كان مكان المغتسل فيه وسخ ويحتاج الإنسان في نهاية الغسل أنه ينظف رجليه بسبب الوسخ الذي في المكان، فهذا عندئذ نفضل له، والمقدم أن نقول له ماذا؟ لا تغسل رجليك ابتداءً لأنه المكان وسخ، خلص اغسل رجليك في الأخير مرة واحدة حتى لا يقع إسراف في الماء، فتأخذ غسل الرجل مرتين؛ فخلص اغسل رجليك مرة واحدة في الآخر. طيب يا شيخ مش هيك قطعنا الموالاة؟ بقول لك هذه مش مشكلة، هذا القطع معفو عنه.
طبعاً أنتم بتلاحظوا أنه هو ذكر ثلاث مذاهب بس ما ذكر مذهب الحنفي المعتمد. الأقوال الثلاثة التي ذكرها هنا كلها تقوم على فكرة أن غسل الرجلين صار مرة واحدة، بس أبو حنيفة رأى أنه غسل الرجلين مرة واحدة في الأخير، الشافعي رأى أن غسل الرجلين مرة واحدة في الأول وحديث ميمونة حالة خاصة، والمالكية فرقوا، برضه غسل الرجلين مرة واحدة، بس أيش تختار حسب المكان؛ إذا المكان وسخ اغسلها مرة واحدة في الأخير حتى ما يكون فيه إسراف في الماء، إذا المكان نظيف خلص اغسلها مرة واحدة من البداية.
طبعاً نحن مشكلة الحنابله مهضومين عند ابن دقيق العيد، عرفت؟ إلا في بعض الأحيان يعتبرنا جزاه الله خيراً. مذهب الحنابله لا، أنه غسل الرجل طريقة الحنابله في الجمع بين حديث عائشة وميمونة نحن جمعنا أن غسل الرجل يتم مرتين. شيخ، معتمد المذهب عندنا أنك تغسل رجليك مع الوضوء، قال ثم يغسل رجليه، يُسن له أن يغسل رجليه مرة أخرى في نهاية الغسل. وطريقتنا ستكون فيها جمع واضح دون الحاجة إلى إضافة عنصر لم يُذكر، يعني قضية التفريق بين المكان الوسخ وغير الوسخ هذه إضافة عنصر لم يُشر إليه الحديث، وإنما استنبط استنباطاً، أما الحنابله فنحن مشينا مع الظاهر دون أن نستنبط معاني ضمنية، خلص حديث عائشة يدل على أنه غسل الرجلين مع الوضوء، وحديث ميمونة يدل على استحباب غسل الرجلين مرة أخرى ثانية عند انتهاء الغسل، فهذا القول الرابع هو الذي لم يذكره ابن دقيق العيد. فالأقوال الثلاثة التي ذكرها لاحظوا أنها اعتمدت على أن الغسل مرة واحدة، أما الحنابله فالغسل عندنا مرتان.
قال الثامن: إذا قلنا إن غسل الأعضاء في ابتداء الغسل وضوء حقيقة، فقد يؤخذ من هذا جواز التفريق اليسير للطهارة. الآن الثامن مبني على ماذا؟ قال إذا قلنا إن غسل الأعضاء الوجه والذراعين في ابتداء الغسل هو وضوء حقيقي، فإن تأخير غسل القدمين للأخير إذا قلنا إنه غسل القدمين مرة واحدة وأنه تم للأخير، مش قلنا سيتم فيه قطع في الموالاة لكنه قطع يسير معفو عنه، يعني هو بده يجيء هنا في هذه الفائدة، يريد أن يقول إن الموالاة لا يبطلها القطع اليسير على قول من يرى أنه غسل الرجلين مرة واحدة وصار في الأخير، عند من يرى أن غسل الرجلين تم في الأخير وأنه فصل بينه وبين الوضوء، فإنه على هذا سيكون فيه دليل على أن القطع اليسير أثناء الوضوء لا يقطع الموالاة. لكن عند الحنابله نحن هذا لا نحتاج، لا نقول به، أو لا نقول إن الحديث يدل عليه من جهة ماذا؟ أننا نرى أن غسل الرجلين تم مرتين. يا جماعة، هذه الفائدة الثامنة عند من يرى أن غسل الرجلين وقع مرة واحدة وفي الأخير فقط، زي رأي أبي حنيفة أو رأي المالكية إذا كان المكان وسخاً. إذا قلنا إن غسل الأعضاء في ابتداء الغسل كان للوضوء حقيقة، وأنه لم يتم الإكمال بغسل الرجلين إلا في الأخير، فيقول فهذا يدل على جواز التفريق اليسير للطهارة، وأن الموالاة لا يبطلها هذا التفريق اليسير.
تاسعاً: أُخذ من ردّه صلى الله عليه وسلم الخرقة أنه لا يستحب تنشيف الأعضاء من ماء الطهارة، واختلفوا هل يُكره؟ طب لما جاءت ميمونة بالخرقة النبي عليه الصلاة والسلام لم يردها، جاء في الرواية لم يردها، فهذا يُستدل به على ماذا؟ على أن التنشيف ليس مستحباً. طب كونه ليس مستحباً هل هو مكروه؟ قال أُخذ من ردّه للخرقة أنه لا يستحب التنشيف، لكن عدم استحباب التنشيف هل يعني كراهيته؟ قال: والذين أجازوا التنشيف استدلوا بكونه صلى الله عليه وسلم، طبعاً اختلفوا، هذه الكراهية تدلك على أنه فيه خلاف، يعني أنت هنا ضمنياً تفهم نعم أنه بعض أهل العلم قال بكراهية التنشيف واستدل بأن النبي عليه الصلاة والسلام ردّ الخرقة، والبعض قال لا يُكره التنشيف، وكونه ردّ الخرقة لا يدل على الكراهة، وهذا أسلم وأقوى. لماذا؟ قال والذين أجازوا التنشيف استدلوا بكونه صلى الله عليه وسلم جعل ينفض الماء، فلو كره التنشيف لكره النفض. صحيح منطق، أنت تقول التنشيف مكروه، صحيح، طب النبي عليه الصلاة والسلام نعم ردّ الخرقة لكنه نفض الماء، ونفض الماء هو شكل من أشكال إزالة الماء؛ يعني هو هكذا، الذين قالوا إن التنشيف مكروه بنوه على فكرة ماذا؟ أنه التنشيف مكروه حتى يبقى أثر الطاعة، اه وهي هذه علّتهم، الذين قالوا التنشيف مكروه قالوا لأنه لا بد يعني الأفضل أن يبقى أثر الطاعة. نقول: لكن في نفس الحديث وفي نفس الحديث وجعل ينفض الماء بيده، إذاً هو لم يقبل الخرقة لكنه أزال أثر الطاعة الذي تقولونه من خلال النفض، فذهبت العلة التي قلتموها، قال فلو كره التنشيف؛ اكتب فلو كره التنشيف لأنه يزيل أثر الطاعة لكره النفض، والحديث ورد فيه النفض؛ إذاً لا يصلح الاستدلال بهذا الحديث على كراهية التنشيف، فهمتم؟ نعم.
قال وأما رد المنديل فواقعة حال يتطرق إليها الاحتمال. اه طب كيف إذا ستقول لي طب ما معنى أنه رد المنديل؟ نقول واقعة عين كسي الثوب الإجمال، فبطل بها الاستدلال، خلص هكذا. ردّ المنديل في هذا الحديث واقعة عين، واقعة حال سماها، يتطرق إليها احتمالات كثيرة كسي الثوب الإجمال، ويبطل الاستدلال بها، لا نعرف لماذا ردّه. قال فيجوز أن يكون ليس لكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بنفس هي الخرقة، أنه كان فيها شيء النبي عليه الصلاة والسلام ما عجبه أو فيها رائحة، تمام لأمر متعلق بالخرقة، والله أعلم. الفائدة العاشرة، ولذلك الصحيح في مذهبنا مذهب أصحابنا أن التنشيف ماذا نص أصحابنا؟ مباح، وأن التنشيف مباح ولا يُستدل بهذا الحديث على كراهية التنشيف، نعم.
قال العاشر، ولكنه ليس مستحباً بنفسه. نعم، ذكر بعض الفقهاء في صفة الوضوء ألا ينفض أعضاءه، وهذا الحديث دليل على جواز نفض الماء عن الأعضاء في الغسل والوضوء مثله. وما استدل به على كراهة النفض وهو ما ورد: «لا تنفضوا أيديكم فإنها مراوح الشيطان»، حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح والله أعلم. يعني ذكر بعض الفقهاء في الوضوء في الوضوء أنه لا ينفض أعضاءه، وهذا الحديث وإن كان في الغسل لكنه يدل على جواز نفض الأعضاء من الغسل، فيُقاس عليه الوضوء تمام، فيُقاس عليه الوضوء لعدم الفرق بينهما، فهذا أثر طاعة وهذا أثر طاعة. وأما الحديث الذي استدلوا به على كراهة النفض، أولاً لا تنفضوا أيديكم، فهو حديث ضعيف جداً، وقالوا إنه فيه البختري وهو متروك، كما قال وقال أبو حاتم الرازي هذا حديث منكر، فهذا حديث لا يُستدل به، ويبقى النفض مباحاً، نعم.
قال الحديث الرابع: عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد». ننتقل إلى حديث جديد وهو حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، أحدنا وهو جنب أيرقد، يعني ينام وهو جنب؟ جنب يعني في العادة من جماع، هذا هو الأصل، يعني جامع زوجته ثم كسل أنه يروح يغتسل ثم يعود ينام، خلص جامع زوجته ثم أراد أن ينام وهو جنب، هل يصح ذلك؟ قال: «نعم»، بس وضع له ضابطاً، قال: «إذا توضأ أحدكم فليرقد». طالبه بماذا؟ بالوضوء، يعني تتوضأ ثم عاد تنام، أنت ستنام على جنابة لكنك خففت الجنابة من خلال الوضوء. طب هل هذا الوضوء واجب أو ليس بواجب؟ قال وضوء الجنب قبل النوم مأمور به، والشافعي يحمل ذلك على الاستحباب، الشافعية والحنابله حملوا هذا على الاستحباب، وأضاف طبعاً أصحابنا الحنابله على الوضوء ماذا؟ غسل الفرج، لوروده في بعض الروايات أنه إنسان إذا أجنب وأراد أن ينام يغسل فرجه ويتوضأ، وحملوا ذلك على الاستحباب. وفي مذهب مالك قول، نعم أحدهما الوجوب وقد ورد بصيغة الأمر في بعض الأحاديث الصحيحة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم»، لما سأله عمر أنه تصيبه الجنابة من الليل.
الآن الوجوب إذا قلنا بالوجوب نحتاج إلى صيغة أمر صحيح حتى نقول إن الأصل في صيغة الأمر للوجوب، هنا في الرواية الأصلية في الحديث أيرقد أحد وهو جنب، قال: «نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد». هل هناك صيغة أمر توضأ؟ صيغة الأمر جاءت بالرقد، لكن سنعرف بعد قليل أنه حتى هذه الصيغة يمكن يُستدل بها على الوجوب، سيبين ذلك ابن دقيق. لكن هنا هو ابتداءً ذهب إلى رواية أخرى وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم»، هنا توضأ أمر، والأمر يفيد الوجوب في رواية أخرى لما سأله عمر أنه تصيبه الجنابة من الليل قال: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم»، فهذه الرواية إذا أخذناها على قواعد أصول الفقه ستدل على وجوب الوضوء قبل النوم، بل شيخ الإسلام ابن تيمية ترى يرى أن ظاهر كلام أحمد يدل على الوجوب، وليس فقط على الاستحباب، كما ذكر ذلك في الفروع، صاحب الفروع يقول نقل عن ابن تيمية أنه يرى أن يوجد في ظاهر كلام أحمد ما يقتضي أن الوضوء للجنب قبل النوم ليس فقط مستحباً بل واجب، فهذا قول آخر في المذهب عند الحنابله.
قال وفي الحديث الذي ذكره المصنف أيضاً متمسك في الوجوب. شوف ركز الآن في هذا الاستدلال أنه يقول حتى حديث الباب: «إذا توضأ أحدكم فليرقد»، أيضاً يمكن أن نستدل به على الوجوب. كيف قال؟ قال فإنه وقف إباحة الرقاد على الوضوء. الآن فليرقد مش هذا صيغة طلب، مضارع مقرون بلام الطلب، فهذه من صيغ الأمر، طب سؤال: هل الرقاد واجب؟ هل النوم واجب؟ لا النوم ليس واجباً، فبالتأكيد هنا أنه فليرقد هذا الأمر أمر إباحة، صح؟ لذلك قال فإنه وقف إباحة الرقاد إذا فليرقد، الرقود ليس واجباً، ما حدا بيحكي النوم واجب ابتداءً بل هو من المباحات، فيقول وقف إباحة الرقاد فليرقد على ايش؟ على الوضوء، أنه هنا إخواني فيه جملة شرطية.
إذا توضأ أحدكم فليرقد. الرقود هنا أمر إباحة، جعله متوقفًا على ماذا؟ على حصول الشرط: إذا توضأت ارقد. ما مفهوم المخالفة؟ أنه إذا لم تتوضأ فلا ترقد. فيقول إن وقوف إباحة الرقاد المأخوذة من الأمر -لأن الأمر هنا أمر إباحة وليس أمر وجوب ولا استحباب- جعل إباحة الرقاد متوقفة على الوضوء. فإن هذا الأمر، وهو الأمر بالرقد، ليس للوجوب ولا للاستحباب، ونحن متفقون على هذا. قال: فإن النوم من حيث هو نوم لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، يصير واجباً أو مستحباً في حالات أخرى.
فإذاً الأمر في "فليرقد" للإباحة، فتتوقف الإباحة على ماذا؟ فجعل الإباحة متوقفة على الوضوء، فدل على أنه لا يباح النوم إذا لم يحصل الوضوء، فهذه قرينة الوجوب؛ جعل الإباحة متوقفة على حصول شيء، ومفهوم المخالفة أن هذه الإباحة لا توجد إذا لم يحصل هذا الشيء.
والذين قالوا إن الأمر هاهنا على الوجوب اختلفوا في علته، فقيل علته أن يبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام، وقيل علته أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه. الذين قالوا إن الأمر هاهنا على الوجوب اختاروا في العلة فقالوا: علته أن يبيت على إحدى الطهارتين على الأقل، على الطهارة الصغرى، خشية أن يموت في هذا النوم فيلقى الله عز وجل على الأقل معه وضوء، بدل ما يلقى الله لا وضوء ولا غسل. وقيل علته أنه إذا قلنا له: اذهب توضأ، لعله لما يذهب يتوضأ ويصيب الماء أعضاء الوضوء ينشط فيكمل غسلاً كاملاً؛ كان فيها نوع من الاستدراجية، يعني كأني أريد أن أصيده، فيها علة أن ينشط إلى الغسل إذا نال الماء أعضاءه.
بناءً على هاتين العلتي، ماذا قالوا؟ هل تؤمر الحائض والنفساء إذا أرادت النوم بالوضوء؟ هل نقيس الحائض والنفساء على الجنب في أنها إذا أرادت النوم أثناء فترة الحيض والنفاس تؤمر بالوضوء من باب تخفيف ما هي عليه فيه من الحدث الأكبر؟ قال: مقتضى التعليل إذا أخذنا بالعلة الأولى، وهو أنها تبيت على إحدى الطهارتين حتى لا تلقى الله عز وجل إذا ماتت بدون واحدة منهما، مقتضى العلة الأولى أن نحثها على الوضوء، نعم، أن تتوضأ الحائض والنفساء مثل الجنب، لأن المعنى موجود فيها، وهو معنى أن تبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام.
وعلى مقتضى التعليل الثاني أنه لا، العلة هي أنه ينشط فيكمل الغسل، ما راح يزبط معها لأنه هي أصلاً في فترة حيضها ونفاسها، وعلى مقتضى التعليل الثاني بحصول النشاط لا تؤمر به الحائض والنفساء كذلك، لأنها لو نشطت وكملت الغسل ما راح تستفيد شيئاً. لكن هنا قضية، الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل هل تأخذ حكم الجنب؟ عند أصحابنا نعم، لذلك نص أصحابنا في الهداية وفي الكتب عموماً، نصوا على أن الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال حكمها حكم الجنب، فيستحب لها أن تتوضأ، وكذلك النفساء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل حكمها حكم الجنب. وهذه عموماً كقاعدة عامة إذا أنتم ترونها في مذهب أصحابنا الحنابلة، أنهم يعاملون الحائض والنفساء بعد انقطاع الدم وقبل الغسل معاملة الجنب في الأحكام.
فإذاً نفرق هنا الكلام عن الحائض أثناء دمها، وإن كان الناظم ابن عبد القوي في "مجمع البحرين" من أصحابنا أشار إلى احتمال أنه حتى وهي في دمها احتمالية أن يستحب في حقها الوضوء، وقاسها على فكرة ماذا؟ قاسها على فكرة أن المرأة الحائض إذا أصابتها جنابة بسبب احتلام في أثناء فترة حيضها، إذا أصابتها جنابة بسبب احتلام قالوا يستحب لها الغسل من الجنابة، وإن كانت لا تستفيد منه في الحيض، من باب تخفيف كمية الحدث القائم فيها. قالوا: الحائض إذا احتلمت، نعم ممكن تحتلم الجنابة هذه ما هي شيء، بل حتى لو زوجها جامعها وإن كان حراماً، لكن لو التقى الختانان أليس عليها غسل؟ تمام، طبعاً مش غسلاً واجباً هنا، قالوا لو أنها حصلت لها جنابة بالاحتلام أو زوجها حصل منه التقاء ختان معها وإن كان حراماً عليه الجماع، قالوا يستحب لها أن تغتسل من الجنابة، وإن كانت لا يفيدها طبعاً رفع الحدث الأكبر لأنه هي ما زالت في حيضها، من باب التخفيف.
قالوا من باب التخفيف، فرأى الناظم أنه لا مانع أن نقول إنها أيضاً في أثناء حيضها إذا أرادت أن تنام نطالبها بالوضوء. طبعاً هذا الذي يظهر أنه تخريج من الناظم في مجمع البحرين وليس نص المذهب، وإلا هو حقيقة ليس معتمد المذهب، لكن أنا أردت أقول لك إن هذا الرأي أن الحائض إذا أرادت هل تؤمر بالوضوء يوجد من الحنابلة من تطرق لهذه المسألة، هذا فقط هدفي، أنه يوجد من الحنابلة من تطرق لهذه المسألة وهو الناظم في كتابه مجمع البحرين.
قال: وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه ليس ذلك على الحائض فيحتمل أن يكون راعى هذه العلة فنفى الحكم لانتفائها. الشافعي قال: ليس ذلك على الحائض في أثناء حيضها، فيحتمل أن يكون راعى هذه العلة، وهي علة النشاط، أنه هي قضية نشاط، والحائض لا تحتاج لعلمة النشاط لأنها لو تنشطت فاغتسلت لن تستفيد، نعم. ويحتمل أن يكون لم يراعيها ونفى الحكم لأنه رأى أن أمر الجنب به تعبد فلا يقاس عليه، أو يكون رأى علة أخرى غير ما ذكرناه.
قال الحديث الخامس عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءت أم سليم امرأة أبي طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذا رأت الماء». هذا حديث جديد نتكلم عن جنابة المرأة بالتحديد، وأنها تغتسل من الجنابة، وهو الاحتلام، الجنابة إذا كانت بالاحتلام، وسيأتي بعد ذلك الجنابة التي تكون بالجماع، لكن هنا يتكلم عن الجنابة التي تكون بالاحتلام وأن حال المرأة فيها حال الرجل.
بدأ بالحديث حديث أم سلمة، وهنا كما قلت لكم في دقيق العيد ما عاد يمشي على منهج السابق بالتعريف بالراوي كثيراً، لكن أظن هنا في هذا الحديث ذكر التعريف بها في الأخير، اذهبوا إلى آخر الحديث. قال وأم سلمة، يعني هنا نضطر نذهب إلى الأخير، وهذا يعطيك ويؤكد لك أن المسألة إملائية. آخر تعليق على الحديث قال في آخره: وأم سلمة المذكورة في الحديث هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها هند بنت أبي أمية، المعروف هذا أبو أمية ملقب بـ "زاد الراكب"، هذا لقب أعطي في الجاهلية.
وأم سليم مباشرة هي بنت ملحان، دعونا نعرف بأم سلمة: هند بنت أبي أمية، وهي مخزومية، كانت زوجة للصحابي الجليل أبي سلمة، وقصتهم في الهجرة معروفة، وهي أول امرأة خرجت مهاجرة في سبيل الله، طبعاً توفي عنها زوجها أبو سلمة فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت في 62 هجري، فهي آخر أمهات المؤمنين موتاً.
أم سليم اختلفوا في اسمها، أم سليم بنت ملحان يقال لها الغميصاء ويقال لها الرميصاء أيضاً، واسمها سهلة، وهذا هو المشهور أن الغميصاء أو الرميصاء هذا لقبها، وإن اسمها سهلة، وقيل اسمها رميلة وقيل اسمها رميثة وقيل اسمها مليكة، فهذا اختلاف في اسمها، وأما الغميصاء فيقال الرميصاء فهذا لقب لها. وأم سليم بنت ملحان هي أم أنس بن مالك من زوجها السابق مالك بن النضر، ومالك بن النضر زوجها السابق مات مشركاً، فمن تعرض لها بعد ذلك بالزواج أبو طلحة زيد بن سهل، فجاءها وهو مشرك أيضاً، فقالت له أم سليم: أنا لا أتزوجك وأنت على الشرك، أسلم ولا أريد منك مهراً سوى الإسلام، فأسلم وتزوجته، فكانت أعظم مهر في الإسلام، أن جعلت مهرها إسلام زوجها دون أن تطلب منه مبلغاً مالياً كما يقولون. طبعاً لما تزوجت أم سليم بنت ملحان من أبي طلحة أنجبت له عبد الله وعميراً، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمير ما فعل النغير».
هذا يعني التعريف بأبرز الشخصيات الواردة في الحديث. اقرأ: جاءت أم سليم وهي امرأة أبي طلحة، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «نعم إذا رأت الماء».
الآن الكلام على هذا الحديث من وجوه، الوجه الأول أن مثل هذا متعلق في باب الصفات، وابن دقيق أشعري في باب الصفات. فقال: أحدها قولها: إن الله لا يستحيي من الحق، تمهيد لبسط عذرها في ذكر ما تستحي النساء من ذكره، وهو أصل فيما يصنعه الكتاب والأدباء في ابتداء مكاتباتهم ومخاطباتهم من التمهيدات لما يأتون به بعد ذلك. يعني هذا يستفاد منه أن الإنسان إذا أراد أن يتكلم خاصة بشيء قد يستحى من ذكره، أن يمهد بكلام يبسط فيه عذره، أنه أنا والله بدنا نحكي وإياكم موضوع حساس يا شباب، بس يعني هذا في النهاية علم، لما أحكي هذا علم كأنني أمهد أنه أعذرني في الموضوع الذي سأطرقه. فهي إذاً لما قالت: إن الله لا يستحيي من الحق، تعلمنا الأدب أنك إذا أردت أن تطرح موضوعاً قد يستحى من ذكره فمهد له بعبارة تبسط فيها عذرك.
والذي يحسنه في مثل هذا أن الذي يعتذر به إذا كان مقدماً على المعتذر منه أدركته النفس صافياً من العيب؛ المعتذر به وهي هذه الجملة المقدمة "إن الله لا يستحيي من الحق"، إذا كان مقدماً على المعتذر منه، والمعتذر منه هو ذكر احتلام المرأة، أن المعتذر به إذا كان مقدماً على المعتذر منه أدركته النفس صافياً من العيب، وإذا تأخر العذر استقبلت النفس المعتذر عنه فتأثرت بقبحه. أما لو عكست فقالت: يا رسول الله ما حكم اغتسال المرأة من الاحتلام؟ ترى الله لا يستحيي من الحق. أيهما أكثر أدباً؟ أنك تذكر الشيء القبيح ثم تعتذر من ذكره، ولا تبدأ بالاعتذار ثم تذكر القبيح؟ لا، الأكمل أنك تذكر العذر ثم تنتقل إلى القبيح. قال إنه إذا تأخر العذر استقبلت النفس المتلقية الشيء المعتذر منه القبيح فتأثرت بقبحه، ثم بعد ذلك أعطيتها الدواء، فيكون العذر عندئذ رافعاً، بخلاف ما لو كان العذر ابتداءً فيكون دافعاً. وأيهما أفضل؟ أن ترفع الشيء بعد حصوله أو أن تدفعه قبل وقوعه؟ أن أدفع قبل الوقوع أكمل من أن أرفع بعد النزول.
الوجه الثاني تكلموا في تأويل قولها: إن الله لا يستحيي من الحق. ولعل قائلاً أن يقول: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء إذا كان الكلام مثبتاً، كما جاء أن الله حيي كريم، طبعاً إنما يحتاج إلى تأويل الحياء على طريقة الأشاعرة، هنا يعني هو كانه يناقش أن القضية أنها مسلمة قضية التأويل، أنه اختلفوا الآن هل إن الله لا يستحي هل إذا جاءت الصفة منفية هل نحتاج أن نسلك مسلكنا في التأويل كأشاعرة؟ لأن البعض يقول: إنما نحتاج أن نسلك التأويل إذا كانت الصفة مثبتة ولا تليق بالله على طريقتهم طبعاً، فنحتاج إلى تأويل مثل حديث أن الله حيي كريم، هنا أثبت لله صفة الحياء وعلى طريقتهم الحياء لا يليق وأبصر إيش القضايا العقلية تاعتهم، فيحتاجون أن يؤولوا الحياء إلى فكرة من الأفكار. أما إذا كان الحياء في سياق النفي "إن الله لا يستحي" فالبعض يقول هنا خلص لا نحتاج إلى أن نؤول، ليه؟ لأنه منفي، خلص يقول الله لا يستحيي من الحق. قال: وأما في النفي فلا مانع أن نقول إن المستحيلات تنفى عن الله سبحانه وتعالى.
ولا يشترط في النفي أن يكون المنفي ممكنا. ايش يعني؟ هسا أنا لما أجي أقول زيد لا يأكل، الأصل أنا أنفي الأكل عمن يمكنه الأكل، صح؟ لكن إذا قلت زيد لا يطير في الهواء، نحن بنقول طبعاً هذا امشي على الإمكان العادي أول شيء، إنه أصلاً هو البشر بيطيروا في الهواء هيك لحالهم؟ فأنت لما قلت لا يطير في الهواء رح يقول لك يعني خلص ماشي، بس هو الأصل أنك لما بدك تنفي، تنفي الشيء الممكن تذهب تنفيه، ممتاز. أما الشيء الذي لا فعل له أصلاً، وليس من عاداته ولا منطبع أن يفعل، فإنه في العادة العرب لا تنفيه، تمام؟
يعني هل وجدت في العرب لما تأتي تريد أن تبين كمال إنسان تقول والله فلان لا يطير في الهواء؟ يقول لك وهذا أصلاً لا يمكن عادة، مستحيل عادة، بالتالي لا داعي لنفيه. إنما تنفي الشيء الذي يتصور وجوده فتنفيه، تمام؟ فالبشر مثلاً حتى أقرب لك الصورة، البشر منهم من يستحي من الحق أن يتكلم به، ومنهم من لا يستحي من الحق أن يتكلم به. فلما أقول فلان لا يستحي من الحق أن يتكلم به، أنا هون مدحتك، ليه؟ لأنه هون نحن نقول الاحتمالين ممكنين، ممكن أن يكون فلان يستحي من الحق، وممكن يكون فلان لا يستحي من الحق أن يبوح به، فلما أقول فلان لا يستحي أن يتكلم بالحق، كلاهما ممكن، فنفيت أحد الأمرين لأثبت الكمال لك.
بس هون الآن شو المشكلة في الخطاب الأشعري؟ إنه هو أصلاً في كل الحالتين مش ممكن، هو الأشاعرة يرون أن الله لا يوصف بصفة الحياء أصلاً، فيقولون إن الله عز وجل لا يمكن أن نقول إنه يمكن يستحي ويمكن لا يستحي، فنفي نقول لا يستحي من الحق بإثبات الكمال، بل هنا نفي ما هو مستحيل عقلاً أصلاً. فهمتم وين الكلام أو الإشكالية في كلام ابن دقيق العيد؟ الإشكالية في كلام ابن دقيق العيد أنه يقول: إنه هنا نحن ننفي ما هو مستحيل عقلاً، كأنك تقول الله سبحانه وتعالى مثلاً لا يجمع بين النقيضين. هسا اجتماع النقيضين مستحيل، فعندهم لو قلت الله سبحانه وتعالى لا يجمع بين النقيضين، ما في مشكلة، مثل أنك تقول الله لا يستحي من الحق، لأنك هنا أنت نفيت شيئاً مستحيلاً عقلاً، ونفي المستحيلات العقلية جائز.
تمام، فكأنني أقول الله لا يستحي من الحق، يعني الله سبحانه وتعالى أصلاً هو غير ممكن عقلاً أن يكون فيه استحياء وعدم استحياء حتى ننفي الاحتمال الثاني، فهذا نفي للمستحيلات العقلية أصالة. لكن نقول العرب لا تتكلم بهذه الطريقة، يعني أنت يا ابن دقيق العيد أنت عم تطبق قواعد منطقية لكن لا تطبق البلاغة العربية هنا، لأن العربي لا يأتي فينفي ما هو مستحيل عقلاً ليثبت كمال الشيء. يعني هل أنا في لسان العرب لنثبت الكمال أقول لك والله فلان يا أخي لا يجمع بين النقيضين؟ وإن كان هذا عقلاً جائز بس لغة وبلاغة لا يستعمل، إنه الجمع بين النقيضين هو مستحيل عقلاً، فما في داعي أنفيه عنك، وإنما الذي ينفى هو الشيء الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، ويكون عدم حصوله هو الكمال. فهمتم؟ هكذا هي العرب، شيء يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل، ويكون عدم حصوله هو الكمال.
أعطيك مثالاً حتى تفهم، وهذه إحدى الإشكالات بينه وبين الأشاعرة، مثلاً قضية الظلم، الله سبحانه وتعالى كقدرة على الظلم هل هو قادر؟ كان هو قادر أن يظلم وقادر أن لا يظلم، فلما نقول ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، هنا نعم نفي الظلم فيه إثبات كمال لله، لأنني قلت يمكن أن يظلم ويمكن أن لا يظلم كقدرة، لكن هو قال: «إني حرمت الظلم على نفسي»، فصار نفي الظلم له معنى أنه فيه إثبات كمال. لكن لو قلنا على طريقة الأشاعرة إنه لا يمكن عقلاً أن يظلم، مش هيك الأشاعرة يروا أن الظلم لا يمكن عقلاً لأنه غير يعتبرونه من المستحيلات العقلية، إنه شو تعريف الظلم عندهم؟ أن تتصرف في غير ملكك، وهذا لا يمكن عقلاً أن كل الكون ملك لله، فبالتالي صار الظلم عندهم شيئاً مستحيلاً عقلاً. فأتينا عليهم قلنا: فما معنى إذاً أصبح نفي الظلم عن الله؟ قال: هو نفي للمستحيل العقلي.
نقول العرب لا تنشغل بنفي المستحيلات العقلية عن الشيء، لأنه هنا نحن في سياق إثبات الكمالات، وأنت لا يوجد إثبات كمال يعني بمجرد أن تنفي عني شيئاً هو مستحيل عقلاً أن يحصل مني، يعني أنت شو الكمال الذي أثبت لي إياه لما تقول لي إبراهيم لا يجمع بين النقيضين؟ بنقول لهم هو أصلاً هذا مستحيل عقلاً، فأنت لم تفعل شيئاً كبيراً لما تنفي عني ما هو مستحيل عقلاً، أنت تفعل شيئاً كبيراً لما يكون شيء ممكن أن يكون عندي وممكن أن ما يكون، وعدم كونه هو الكمال. فتقول والله إبراهيم لا يفعل هذا الشيء مع أنه يمكنه أن يفعله، إبراهيم لا يسرق مع كونه يمكنه أن يسرق، إبراهيم لا يكذب مع أنه يمكنه أن يكذب، هنا يكون في منطق وبلاغة في النفي للشيء.
وأصلاً قاعدت أهل السنة أن النفي أي شيء ينفى عن الله إنما المراد به إثبات إثبات أن يكون فيه إثبات لكمال من جهة أخرى، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255] هذا فيه ليس مجرد نفي من أجل النفي، بل لإثبات كماله من جهة القيومية، صحيح؟ فأنت لما تقول لي إن الله لا يستحيي من الحق وتقول لي هذا نفي لما هو مستحيل عقلاً، أنت يعني طيب ما هو الكمال الذي أثبتَّه؟ إن الله عز وجل لا تقوم به المستحيلات العقلية! طب وهذا مفهوم ضمناً، يعني لا يوجد شيء جديد أنت فعلته، فليس هذا من بلاغة العرب. فقوله: وأما في النفي فالمستحيلات العقلية يصح نفيها عن الله، ولا يشترط في النفي حتى أنفي شيئاً أن يكون الشيء المنفي في أصله ممكناً عقلاً، نقول هذا من حيث القواعد المنطقية قد نتفق عليه معك، لكن من حيث البلاغة العربية فالعرب لا تنشغل بنفي المستحيلات العقلية عن الشيء، العرب في بلاغتها لا تنشغل بنفي المستحيلات العقلية وإنما تنفي الممكنات إذا كان نفيها فيه كمال للشيء، خلصنا.
طيب وجوابه؟ قال: إنه لم يرد النفي على الاستحياء مطلقاً، بل ورد على الاستحياء من الحق، وبطريق المفهوم يقتضي أنه يستحيي من غير الحق، فيعود بطريق المفهوم إلى جانب الإثبات. الآن ايش بقول؟ بقول البعض يقول هذا الحديث لا داعي لتأويله، لماذا؟ لأنه في سياق النفي، ويجوز على طريقتهم أن ننفي المستحيلات العقلية. فالجواب يقول لهم ابن دقيق العيد: لا ترى هذا الحديث ليس نفياً محضاً حتى نقول خلص ما في داعي للتأويل، لأنه نفي والنفي لا يحتاج فيه إلى تأويل، بل فيه إثبات، فلا بد وأن ننشغل بتأويل صفة الحياء. وين الإثبات يا ابن دقيق العيد حتى ننشغل بتأويل صفة الحياء؟ بقول لك الحديث فيه إثبات، من وين؟ قال الحديث ماذا قال: إن الله لا يستحيي من الحق، ما قال إن الله لا يستحيي ونقطة. لو قال إن الله لا يستحيي، آه هنا نفي لأصل الحياء وهو مستحيل عقلاً على طريقتهم، الحديث قال إن الله لا يستحي من الحق، بمفهوم المخالفة سيقول العقل اللغوي إذاً إن الله عز وجل يستحي من غير الحق. إذا قلنا إن الله لا يستحي من الحق، إذاً شو مفهوم المخالفة؟ إن الله يستحي من غير الحق. وبطريق المفهوم يقتضي أنه يستحي من غير الحق، فإذاً صار يحتاج أن نؤول ما معنى أنه يستحي من غير الحق؟ صفة الحياء تحتاج إلى تأويل لأنه لا يجوز إثبات الحياء لله عز وجل على طريقة الأشاعرة، فيقول: لا، لا بدنا ننشغل بتأويل صفة الحياء لأن الحديث يعود إلى إثباتها من جهة المفهوم، وإن كان لم يثبتها من جهة المنطق. فهمتوا الآن شو نقاشه؟
طيب فالآن خلينا نشتغل، الآن سيشتغل في قضية التأويل، فقيل في معناه: لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحه، أو القول الأول أن الله لا يستحيي من الحق، الآن سيشتغل بالتأويل، قيل معنى لا يستحيي من الحق يعني أن الله لا يأمر بالحياء فيه، أو لا يبيح الحياء فيه. هذا القول الثاني: لا يأمر بالحياء، أو أن الله لا يستحيي يعني لا يبيح الحياء في الحق، أو لا يمنع من ذكره. الاحتمال الثالث في التأويل: أن الله لا يستحيي من الحق يعني لا يمنع من ذكر الحق، صار عندك ثلاث تأويلات، وأصل الحياء ما هو؟ قال: الامتناع أو ما يقاربه من معنى الانقباض. بقول لك أصلاً كلمة الحياء ايش معناها؟ الامتناع عن الشيء أو الانقباض. وقيل الآن التأويل الرابع، يعني هو ذكر أصل الحياء الامتناع حتى يؤكد لك صحة التأويل الثالث، أنه يجوز أن نقول إن معنى الحديث أن الله لا يمنع من ذكر الحق، أنه أصلاً كلمة الحياء معناها الامتناع. والتاويل الرابع: أن سنة الله وشرعته ألا يستحيي من الحق، شوف التأويل الرابع: أن الله لا يستحيي من الحق شو معناها؟ أن شرعة الله وسنته ألا يستحيي من الحق، إذاً صار عندنا كم تأويل؟ أربعة: أن الله لا يأمر بالحياء من الحق، أن الله لا يبيح الحياء من الحق، أن الله لا يمنع من ذكر الحق، أن سنة الله وشرعته ألا يستحي من الحق.
الآن سيناقش هذه الأربعة، فأقول: أما تأويله على أنه ألا يمتنع من ذكره فقريب، قال لأن المستحي ممتنع، الآن بدأ بأي تأويل؟ بالتأويل الثالث، ما بدأ بها على اللف والنشر المرتب، ابتدأ بالتأويل الثالث وهو لو فسرنا لا يستحي يعني لا يمتنع من ذكر الحق، يقول هذا التأويل قريب، شو يعني قريب؟ يعني معقول ممكن، ليه؟ قال لأن المستحي بطبيعته أي واحد بيستحي من شغلة يمتنع من فعل الشيء المستحى، فالامتناع في الحقيقة وإن لم يكن هو الحياء لكنه من لوازم الحياء، فيجوز أن يطلق الحياء على الامتناع من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم. يعني أطلق الحياء وهو شعور نفسي على لازمه وهو الامتناع وهو فعل جسدي، وهذا مجاز من باب إطلاق الملزوم على اللازم، فمعنى لا يستحي من الحق أي لا يمتنع من ذكر الحق، يعني شاف أنه ممكن أولها بهذه الطريقة.
طيب وأما قولهم أي لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحه، اللي هو القول الأول والثاني، نعم فيمكن في توجيهه أن يقال يصح التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء. هل يصح في المجاز أن أقول إن الله لا يستحيي من الحق يعني أن الله لا يأمر بالحياء من الحق؟ قال: يصح التعبير بنفي الحياء أن يكون المراد به التعبير عن نفي الأمر بالحياء، لماذا؟ قال لأن الأمر بالحياء متعلق بالحياء، أمرت بالحياء، فالأمر هنا متعلق بشيء معين وهو الحياء، ويصح عموماً إطلاق الحياء على الأمر بالحياء على سبيل إطلاق المتعلق على المتعلق به. ها نوع من أنواع العلاقات المجازية أن يطلق المتعلق ويراد المتعلق به، مش أخذنا علاقات المجاز؟ قلنا هنا ٢٥ علاقة للمجاز، منها إطلاق اسم الملزوم على اللازم، ومنها أن يطلق المتعلق ويراد المتعلق به، زي مثلاً أن يطلق اسم الفاعل ويراد اسم المفعول أو شيء من ذلك، فهذا من قبيل إطلاق المتعلق على المتعلق به، فيكون أطلق الحياء وأراد الأمر به من باب إطلاق الشيء وإرادة متعلقه، فأطلق الحياء وأراد ما يتعلق بالحياء وهو الأمر به، وإذا صح الحياء على الأمر بالحياء في جانب الإثبات فيصح في العكس، وهو إطلاق عدم الحياء على عدم الأمر بالحياء. هو يعني أسس الفكرة في باب الإثبات ثم نقلها إلى باب النفي، إذا صح أن أقول أستحي أو أن أطلق الحياء وأريد أن آمر بالحياء، فيصح في باب النفي أن أطلق عدم الحياء وأريد عدم الأمر بالحياء، بس هذا الحقيقة يعني تكلف أنت.
ولاحظوا هو ماذا قال في النهاية؟ قال: وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني ليخرج ظاهره عن النصوصية. اه يعني قال نحن لما نذكر هذه الاحتمالات الهدف منها ايش؟ أن نخرج النص عن ظاهره، هذا أهم شيء الآن، أشوف هذا كلام يعني دقيق العيد واضح، وبيقول لك أنا المهم عندي الآن كخطوة أولى أنني لازم أثير كثير الاحتمالات العقلية الموجودة في النص، حتى أخرج النص عن ظاهره، فساثير لك كل الاحتمالات المنطقية في فهمه لأخرج لك النص عن ظاهره، تمام، لا على أنني أجزم أن هذه الاحتمالات التي ذكرتها في واحدة منها هي فعلاً مراد المتكلم، لأنه حتى تقول إنه في واحد من الاحتمالات هي مراد المتكلم وهو النبي عليه الصلاة والسلام هنا أنت تحتاج، أو هي أو أم سليم مثلاً باعتبار النبي عليه الصلاة والسلام أقرها، لا بد أن تحتاج إلى قرينة. فالهدف هو إثارة زوبعة الاحتمالات، وهذا الذي يفعله الأشاعرة عادة مع مثل هذه النصوص، إثارة زوبعة الاحتمالات، والهدف واضح ليخرج ظاهره، قال أنا بس أخرجت لك إياه عن ظاهره، لكن هل أنا أجزم بمراد أم سليم من هذه الاحتمالات؟ نقول لا تجزم بإرادة.
لا يمتنع ذكره، أو أن مقصدها لا يأمر بالحياء من الحق، وهذا ما كان يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية مراراً وتكراراً: أنت أيها الأشعري ماذا تفعل بالنص؟ ترى النص لا ينسجم مع قواعدك العقلية، فتثير زوبعة الاحتمالات وتتركني بعد ذلك أن أختار ما أراه مناسباً، المهم أنني أخرجت النص عن ظهوره.
أقول: وهل هكذا يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة التي جاءت للبيان وفيها الشفاء لما في القلوب؟ هل يعقل أن يكون عقلي مقدماً على ما فيها، وأن أجعل عقلي هو الحاكم عليها؟ هذه مشكلة كبيرة، بس ما بدي أشاركك فيها الآن.
قال شيخنا: ما ضبط المتعلق التي في الأعلى؟ المتعلق طلق، فيصح إطلاق الحياء على أمر على سبيل إطلاق المتعلق على المتعلق به، وهو الأمر؛ لأنه الأمر تعلق بالحياء، فالمتعلق هو الحياء والمتعلق به الأمر. طيب، قال: وأما قولهم معناه أن سنة الله وشرعه ألا يستحي من الحق فليس فيه تحرير بالغ؛ التأويل الرابع شافه ركيك؛ لماذا؟ فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى أو لا، ويجعله فعلاً لما لم يسمَّ فاعله.
الآن هذه الجملة إذا قلنا: معنى أن الله لا يستحي من الحق، معناها أن سنة الله وشرعه ألا يستحي من الحق، فالمعنى يعود على الله، فكأنك رجعت للمربع الأول، ما استفدنا؛ نحن مشكلتنا أصلاً كلها إسناد الحياء إلى الله، فإذا قلت إنه مبني للفاعل فأصبحت: أن سنة الله وشرعه ألا يستحي الله من الحق، صرنا محتاجين نرجع لأول مرة ثانية، لأنك أسندت الحياء إلى الله مرة ثانية، أنت ما عملت حاجة.
لكن لو قلت: لا، التقدير أن سنة الله وشرعه ألا يُستحى من الحق، أقول لك: هذا ما بيضبط، لأن الجملة في الحديث أم سليم قالت: إن الله لا يستحيي، فنسبة الفعل إلى الله؛ فكيف في التأويل يصبح الفعل مبنياً لما لم يسمَّ فاعله؟ ويصبح التأويل: أن سنة الله وشرعه ألا يُستحى من الحق. ابن دقيق العيد بقول لك: ماشي، بس بدنا تأويل يتماشى مع قضايا اللغة، مش تأول أي شغلة على كيفك، في النهاية في منطقية في التأويل.
فيقول: إما أن يسند الاستحياء إلى الله فيكون: أن سنة الله وشرعه ألا يستحي من الحق، أو لا يسند إلى الله ويجعل فعلاً لما لم يسمَّ فاعله، ومبنياً للمجهول، وأن التقدير: أن سنة الله وشرعه ألا يُستحى. طيب إذا أسندت إلى الله رجع السؤال باقي على حاله، لأننا مشكلتنا في إسناد الحياء إلى الله وأنت ما عالجت المشكلة؛ صار التقدير: أن سنة الله وشرعه أن الله لا يستحي من الحق، ولسه أنت ما أولت لي شو معنى أن الله لا يستحي من الحق.
فالسؤال باق على حاله، وغاية ما في الباب أنك زدت لي جملة زيادة، وبالعكس أنت عملت لي دربكة أنك زدت جملة أن سنة الله وشرعه، ما استفدت منك حاجة، وهذه الزيادة لا تخلص من السؤال الوارد، وهي نسبة الاستحياء إلى الله. وأما إن بنوا الفعل لما لم يسمَّ فاعله وجعلوا التقدير: أن سنة الله وشرعه ألا يُستحى من الحق، فكيف هنا سيورد عليهم إشكال: كيف تفسر فعلاً بُني للفاعل في كلام المتكلم وهي أم سليم، أم سليم قالت: إن الله لا يستحي، ما قالت لا يستحى، كيف تفسر فعلاً بني للفاعل بفعل لم يُبنَ للفاعل وبُني للمجهول؟ هذا ليس صحيحاً.
والمعنيان متباينان؛ فرق بين أن أقول: إن الله لا يستحي، فأسند نفي الاستحياء إلى الله من الحق، وأن يقول: إن سنة الله وشرعه لا يُستحى، صار ليستحى شيئاً غير الله، فما عاد المعنى تبايناً تماماً عما أطلقته أم سليم. فلذلك قال: والإشكال إنما ورد على البناء للفاعل في نسبة الحياء إلى الله، وليس على لا يُستحى من الحق وهو المبني من المجهول، فرأى إذاً أن التأويل الرابع ركيك.
الوجه الرابع قال: الأقرب أن يجعل في الكلام حذف تقديره أن الله لا يمتنع من ذكر الحق، إذاً الخلاصة ورجح ماذا؟ أن يقدر الامتناع، أن نفسر الحياء بالامتناع، واللي هو شافه تأويل قريب، وأنه التقدير أن معنى كلام أم سليم على طريقته: أن الله لا يستحي من الحق يعني أن الله لا يمتنع من ذكر الحق، يحتاج إلى دلالة اقتضاء، ما هي؟ إضافة كلمة ذكر، هي قالت: إن الله لا يستحي من الحق، قال: لا بد أن يجعل في الكلام حذف دلالة اقتضاء، فصار تأويل ودلالة اقتضاء، تأويل للحياء بمعنى الامتناع، ودلالة اقتضاء بإضافة كلمة ذكر، فأصبح المعنى أن الله لا يمتنع من ذكر الحق.
طيب قال: والحق هاهنا خلاف الباطل، ويكون المقصود من الكلام أن تقتدي بفعل الله سبحانه وتعالى في ذلك وتذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة. وأما أنت كرجل تسير على طريقة أهل الحديث فكل هذه التكلفات لا تحتاجها، فإن الله موصوف بالحياء، حياء يليق بجلاله وكماله، ولا يعتري عقولنا ما يعتري عقول هؤلاء من التكلفات في المعاني والقول بأن الحياء انكسار النفس، وهذا معنى لا يليق بجلال الله.
قول: والله أنت اللي فسرت الحياء بانكسار النفس، يعني هذا تعبيرك أنت وهو ليس ملزماً لي، وهو ليس ملزماً لي أن أعبر عن الحياء بأنه انكسار النفس؛ هذا تعبيرك أنت اللغوي، وإلا فالسلف لما كانت تمر عليهم هذه القضايا يقولون: نحن لا نفسرها في حق الله بمعنى أننا نعرف معنى الحياء وكماله كصفة كمال، ولا أفسره بعبارة قد لا تليق بجلال الله، حابب تفسر الحياء في المخلوق بأنه انكسار النفس أمر سهل، لكن بدك تضلك عارف النهاية أن أي تفسير وأي تعريف أنت ستأتي به هو مجرد تعبير بشري قد يكون قاصراً عن وصف حقيقة الحياء.
فمشكلة الأشعري أنه يأتي يفسر بلفظة ثم يرى أن هذه اللفظة لا تليق بجلال الله فينفي المفسَّر، لا أنت مشكلتك في تفسيرك وليس في المفسَّر، المفسَّر هو الحياء، هو صفة كمال إذا كان في موطنه، وصفة نقص إذا كان في غير موطنه، فأثبت لله لما يكون كمالاً إن الله حيي كريم، وانفِ عن الله لما يكون نقصاً، ولذلك نحن نرى أن الحياء يمكن أن يوصف الله به ليس من المستحيلات العقلية، ويوصف به كما يليق بجلاله، وهو قد وصف نفسه بأنه حيي في أحاديث، فأثبت ما أثبت لنفسه من الحياء الحق، وانفِ عنه ما نفى عن نفسه من الحياء في غير الحق، وانتهينا من كل القضية دون الحاجة إلى كل هذه التكلفات التي سلكها ابن دقيق العيد.
الوجه الخامس: الاحتلام في الوضع افتعال من الحلم بضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال قالوا منه حلم بفتح اللام واحتلم واحتلمت به واحتلمته. الاحتلام في اللغة في الوضع؛ يعني في اللغة الحقيقة اللغوية للاحتلام هو رؤية أي شيء في المنام، أي شيء يسمى احتلاماً، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال حلم واحتلم، وهذا فعل لازم، واحتلمت به وهذا تعدٍ بحرف الجر، واحتلمته وهذا تعدٍ بالهاء.
أما في العرف فالاحتلام أصبح يطلق على ما هو أخص من مجرد الرؤيا في النوم، وإنما يطلق على نوع معين من الرؤى، وهو الرؤى الذي يصاحبها إنزال للماء، إذاً إطلاق الاحتلام على إنزال الماء أو على الرؤية التي فيها إنزال للماء هو إطلاق عرفي وليس لغوياً، وإلا فالاحتلام في الحقيقة اللغوية هو كل رؤية يراها الرائي في نومه، وهذا يدل على أنه في عندي حقيقة لغوية للاحتلام وفي حقيقة عرفية له. فلو رأى غير ذلك لصح أن يقال له احتلم؛ يعني لو رأى الإنسان رؤية في النوم ما فيها أمور فيها إنزال مني، لو رأى شجرة ولا رأى بقرة ولا شيئاً، يصح أن يقال إنه احتلم لغة، ولكن لا يصح أن نقول إنه احتلم عرفاً؛ جيد هذا تحليل كلمة الاحتلام.
الوجه السادس: قوله هي تأكيد؛ إذا هي احتلمت زيادة هي هي تأكيد وليست لازمة للجملة، لأن لو قالت هل على المرأة من غسل إذا احتلمت، فمشكلة فش مشكلة، والأصل بعد إذا أصلاً أن تكون جملة فعلية نعم، قال: ولو أسقطت من الكلام لتم أصل المعنى.
الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب الغسل بإنزال المرأة للماء، ويكون الدليل على وجوبه على الرجل بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء»، يعني هذا الحديث يتكلم عن الغسل من الاحتلام بالنسبة للمرأة، طيب الرجل ما الدليل من السنة على أنه يغتسل من الاحتلام؟ يقول: وأما الرجل فيكون الدليل على وجوب غسله من الاحتلام الحديث الأصلي: «إنما الماء من الماء»، يعني إنما الغسل من الماء، الثانية بمعنى المني، إنما استعمال الماء في الجسد إذا خرج المني منه.
ويحتمل أن تكون أم سليم لم تسمع قوله عليه السلام، مع أن حديث «إنما الماء من الماء» حقيقة هل هو خاص بالرجل ولا يعم الرجل والمرأة في الأصل؟ حديث الماء من الماء الأصل أنه يعم الرجل والمرأة، فهنا حاول أن يفسر ابن دقيق العيد فيقول: يحتمل أن أم سليم لم تسمع بالحديث الأصلي «إنما الماء من الماء»، فلذلك سألت هذا السؤال التفصيلي المتعلق بالمرأة، وسألت عن حال المرأة لمسيس حاجتها إلى ذلك، ويحتمل أن تكون أم سليم سمعت حديث الماء من الماء، ولكنها سألت عن حال المرأة لقيام مانع فيها يوهم خروجها من ذلك العموم، وهو الاحتمال وهو ندرة خروج المني منها إذا احتلمت، وهو ندرة بروز الماء منها.
يقولون المرأة إذا رأت في المنام ما يرى الرجل، أن تستيقظ وترى شيئاً على ثيابها هذا قليل، ليس كالرجل، وقالوا حتى إن بعض النساء لا يحصل منها ذلك، وبعض النساء يحصل منها ذلك على حسب قوتها وطبيعتها، ولذلك أصلاً جاء في روايات أخرى أن أم سليم، وفي رواية عائشة استحيت من ذلك، وبعضهم جاءت أن عائشة قالت: فضحتِ النساء يا أم سليم، يعني اختلفوا، هل سيأتي أن أم سليم قالت: وهل يكون ذلك يا رسول الله؟ تخيل أن أم سليم تقول: وهل يكون ذلك؟ فكأن أم سليم في بعض الروايات أصلاً لم تعرف ذلك، أنه هل المرأة تحتلم ويخرج المني إلى الخارج مثل الرجل؟ قالوا هذه مما يدل على أن المرأة في عادة احتلامها أو في كثير من احتلامها لا يخرج منها شيء، حتى لو رأت في منامها ما يرى الرجل، لا ترى المني على ثيابها، إلا بعض النساء التي يمكن أن ترى المني، فهذا يختلف فيه طبائع النساء، بخلاف الرجال فإن العادة المتكررة فيهم أنه يحتلم ويخرج المني على ثوبه.
فهذا هو المعنى الذي قد يكون من أجله سألت أم سليم، يعني أن أم سليم يمكن تكون سمعت حديث «إنما الماء من الماء»، لكن لما تعلمه أم سليم من قلة هذا وندرته في المرأة أن يبرز منها المني إلى الخارج على ثيابها، أرادت أن تتأكد من الحكم.
الوجه الثاني: فيه دليل على أن إنزال الماء في حالة النوم موجب للغسل كإنزاله في حال اليقظة، واضح؛ لأنه قال إذا رأت الماء، فهذا يدل على أنه كما أن المرأة إذا أنزلت الماء في حال اليقظة بسبب الجماع يجب عليها الغسل، فكذلك إذا أنزلت الماء أثناء النوم بسبب الاحتلام يجب عليها الغسل وهذا واضح.
الوجه التاسع: قوله عليه السلام إذا رأت الماء، قد يرد به على من يزعم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما يعرف إنزالها بشهوتها، بقوله إذا رأت الماء؛ الآن البعض يقول إن المرأة مهما احتلمت لا يبرز منيُّها على ثيابها، نقول هذا الحديث يرد على هذا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ هي قالت هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ ماذا قال؟ قال: «نعم إذا رأت الماء»، إذاً هذا يدل على أن ماء المرأة منيُّها يُرى ويبرز، فكيف أنت تأتي تقول إن ماء المرأة ومنيُّها لا يمكن أن يبرز إلى الخارج والنبي عليه الصلاة والسلام يقول إذا رأت الماء؟ إذاً هذا فيه دليل على أن النساء يمكن أن يبرز منيُّها إلى الخارج وينزل على ثيابها، وأن من يقول ويزعم أن ماء المرأة ومنيَّها لا يبرز على الثياب يرد عليه بصحيح كلام النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «نعم إذا رأت الماء»، فعلق غسلها على ماذا؟ على أن ترى، كيف سترى؟ إلا إذا برز؛ فأن تأتي فتقول علمياً قطعياً لا يمكن أن يبرز ماء المرأة إلى الخارج، نقول هذا مخالف.
لكلام النبي ﷺ؛ البعض يقول إن المرأة إنما تعرف... هؤلاء يشيرون لكلام بعض الفقهاء، فالفقيه الذي يرى أن ماء المرأة لا يبرز إلى الخارج، كيف سيتعامل مع هذا الحديث؟ هو حديث صحيح.
هذا الفقيه الذي يرى أن ماء المرأة لا يبرز إلى الخارج، كيف سيتعامل مع قول النبي ﷺ: «إذا رأت الماء»؟ قالوا الآن سيأتي مع محاولة حمل الرؤيا هنا على العلم وليس على الرؤية البصرية، وسيقول معنى "إذا رأت الماء" أي "إذا علمت الماء". وكيف تعلم؟ قال: بشعورها أنها أنزلت. لكن هذا عامل مشكلة، لأن هذا التفسير مشكل؛ متى سيأتي هذا الشعور؟ أثناء النوم؟ وهل الإنسان محاسب بشعوره أثناء النوم أنه أنزل أو لم ينزل؟
أصلاً في الحديث أن الرجل إذا استيقظ ولم يجد بللاً وتذكر احتلاماً لا يجب عليه الغسل، فشعوري أثناء النوم أنني احتلمت هذا لا يوجب الغسل. فالبعض قال: لا، إذا شعرت وعلمت بعد أن تستيقظ. ولكن كيف بدها تعلم وأنت تقول إنه لا يوجد ماء يبرز؟ يقول: إن تستمر هذه الحالة، الشعور بالإنزال بعد الاستيقاظ، ومنقول هذا إذا ما عاد احتلاماً، فهذا صار نزولاً بنيّاً أثناء اليقظة. فصار الكلام في اعتقادي فيه نوع من التكلف، بأنه تفسير "إذا رأت" أي "إذا علمت الماء"، وتفسير "رأى" بالرؤية القلبية التي هي العلم. "رأى" تأتي في اللغة بمعنى علم، والعلم هنا يكون بشعورها بالشهوة فقط، وهنا أصبح الكلام فيه شيء من التكلف.
قال في الوجه العاشر: قوله ﷺ «إذا رأت الماء» يحتمل أن يكون مراعاة للوضع اللغوي في قوله "احتلمت". فإنا قد بينا أن الاحتلام رؤية المنام، فلما سألت: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟» وكانت لفظة "احتلمت" عامة، خصص الحكم بما إذا لو رأت الماء.
الاحتلام؛ نحن قلنا ما معناه في اللغة؟ أي رؤية. ومعناه في العرف -وقبل قليل في الفائدة الخامسة قلنا معنى الاحتلام في العرف- هي الرؤية التي يصاحبها إنزال الماء، الرؤية التي يصاحبها خروج الماء. الآن في هذا الحديث، هل أم سليم سألت عن المعنى اللغوي أم المعنى العرفي؟
ما المشكلة؟ هي لما قالت: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟»، لو قلنا إن الاحتلام هنا بالمعنى العرفي، لأصبح معنى الكلام: "هل على المرأة من غسل إذا هي رأت رؤيا حصل معها إنزال وخروج للماء؟"، فسيصبح كلام النبي ﷺ بعد ذلك: «نعم إذا رأت الماء» زيادة وحشواً لا معنى له. لماذا؟ لأنه إذا قلنا الاحتلام هي أي رؤية يصاحبها إنزال وخروج للماء، فلا داعي لأن يشترط "نعم إذا رأت الماء"، فقد قلت احتلمت، أي رأى رؤيا أنزل معها الماء، فأصبح الاشتراط لغواً لا حاجة إليه.
أما إذا قلنا إن هنا أم سليم استعملت كلمة "احتلمت" بمعناها اللغوي: «هل على المرأة من غسل إذا رأت رؤيا؟» والرؤية هنا مطلقة سواء كان فيها ماء أو ما فيها ماء، سيكون في فائدة من تخصيصه ﷺ بقوله «إذا رأت الماء». أي: إذا احتلمت ورأت رؤيا، فيقول: «نعم إذا رأت الماء»، لأن هناك رؤى لا يكون معها ماء وهناك رؤى يكون معها ماء. فيكون هنا "احتلمت" بالمعنى اللغوي، ويأتي التخصيص من النبي ﷺ بأنه: نعم، الاحتلام إذا كان معه ماء يوجد غسل، وإذا لم يكن معه ماء لا يوجد غسل.
لكن حقيقة هذا يشير إلى أنه في المنتصف شيء ثالث؛ يعني أن كلمة "احتلم" ليست فقط بالمعنى اللغوي (أي أي رؤية)، وليست فقط بالمعنى العرفي (رؤية يكون معها ماء)، حقيقة في شيء في المنتصف، وهو أن يُطلق "احتلم" على رؤية فيها معنى من معاني المعاشرة ولا يصاحبها معنى (خروج ماء).
هو لما شرح المعنى اللغوي، أشعرنا ابن دقيق العيد أن معنى "احتلم" أي رؤية في اللغة، حتى لو رأيت بقرة أو دجاجة أو كأساً من الماء، هذا اسمه احتلام. وأما في المعنى العرفي فهو الرؤية التي يصاحبها إنزال. ونقول حقيقة هنا إن أم سليم لا يمكن أن تكون قصدت الاحتلام بالمعنى اللغوي العام؛ لا يمكن أن تقول: "هل على المرأة من غسل إذا رأت أي رؤيا في النوم؟". فجاء فخصص عليه الصلاة والسلام وقال: «نعم إذا رأت الماء».
هذا مستبعد أن يكون المراد بالحلم المعنى اللغوي المطلق، أي حلم حتى لو رأت دجاجة أو بقرة، لابد أن يكون هناك شيء في المنتصف، وهو أن يكون الاحتلام يُطلق على رؤية ما يُشتهى، سواء كان معه إنزال أو لم يكن معه إنزال. فهي لما قالت: «يا رسول الله، هذه المرأة عليها غسل إذا هي احتلمت؟»، أي إذا رأت ما تشتهيه، وهذا قد يكون معه إنزال وقد لا يكون معه إنزال، فخصص الاغتسال أنها إذا رأت ما تشتهيه عليها الغسل إذا حصل الإنزال، هكذا يكون الكلام أكثر منطقية.
أما أن يقول: يحتمل أن تكون مراعاة للوضع اللغوي لكلمة "احتلمت"، فما هو الوضع اللغوي؟ "أي حلم"؛ هذا لن يستقيم، لأنها أكيد تسأل عن الحلم الذي فيه شهوة وليس أي حلم. فإنا قد بينا أن الاحتلام هو رؤية المنام بأي صورة جاءت، فنقول هذا وضع لغوي عام لا يتصور أن أم سليم قصدته، والله أعلم. فلما سألت: «هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟» وكان لفظه "احتلمت" عامة على الوضع اللغوي، خصص النبي ﷺ الحكم "إذا رأت الماء". هذا فهم فيه تكلف بهذه الطريقة، والأصل أن تكون "احتلمت" ليست على المعنى اللغوي العام، بل على الاحتلام بمعنى رؤية ما تشتهيه، سواء صاحبه إنزال أو لم يصاحبه إنزال، وأن يكون الاحتلام يُطلق على رؤية ما يُشتهى بغض النظر هل حصل الإنزال أو لم يحصل.
قال: أما لو حملنا لفظة "احتلمت" على المعنى العرفي، كان قوله ﷺ «إذا رأت الماء» كالتاكيد والتحقيق لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه. فهمت عليه، هو لماذا تحاشى أن يفسر "احتلم" بالمعنى العرفي الذي افترضه؟ هو افترض أن المعنى العرفي للاحتلام هو رؤية ما يُشتهى وصاحبه إنزال، ربما سيناقش ابن دقيق العيد أنه لماذا حددت المعنى العرفي للاحتلام أنه لا بد أن يصاحبه إنزال؟ أنا أعتقد هنا المشكلة لو أن ابن دقيق العيد جعل المعنى العرفي للاحتلام هو رؤية ما يُشتهى سواء صاحبه إنزال أو لم يصاحبه إنزال لخلص من كل هذه المشكلة، لكن لما...
والزم أن المعنى العرفي هو رؤية ما يشتهى، إذا صاحبه إنزال سيقع في ورطة الحشو، وإن يكون في كلامه صلى الله عليه وسلم «إذا رأت الماء» مجرد تأكيد لا حاجة إليه. ويحتمل أن يكون الإنزال الذي يحصل به الاحتلام عرفا على قسمين: تارة يوجد معه البروز إلى الظاهر، وتارة لا؛ فيكون قوله عليه الصلاة والسلام «إذا رأت الماء» مخصصا للحكم بحالة البروز إلى الظاهر، ويكون فائدة زائدة ليست لمجرد التوكيد.
الآن هو كيف حاول يعالج المشكلة؟ يقول لو قلنا إن الاحتلام هنا ليس على المعنى اللغوي، لو فسرناه بالمعنى العرفي، فما المعنى العرفي للاحتلام عند ابن دقيق؟ المعنى العرفي للاحتلام عند ابن دقيق هو أن يرى الإنسان ما يشتهيه ويصاحبه إنزال. فهو الآن يقول لك ابن دقيق: يمكن أن نقول الاحتلام في الحديث هو الاحتلام بالمعنى العرفي، وهو الاحتلام أن يرى ما يشتهيه ويصاحبه إنزال، لكن إذا صاحبه إنزال فهذا الإنزال قد يبرز إلى الخارج ويأتي على الثياب، وقد يصاحبه إنزال لكن يبقى في بطانة الفرج.
فعلى كلا الحالتين صار إنزالًا وحققنا المعنى العرفي وهو الإنزال، لكن هل كل إنزال يستلزم البروز إلى الخارج؟ قال لك لا. انظر كيف حل المشهد؛ فيقول يحتمل أن يكون الإنزال حصل لكنه على قسمين: تارة يوجد معه البروز إلى الظاهر وأنه وصل إلى الثياب، وتارة يكون حصل إنزال لكن بقي داخل الفرج، وهم يقولون هكذا هو عادة احتلام المرأة، أنه لو حصل إنزال يكون في الداخل، هو في العادة فعلا لا يخرج، لكن بعض النساء يخرج.
فيكون قوله صلى الله عليه وسلم «إذا رأت الماء» هنا ليس لمجرد التوكيد، بل سيكون منه فائدة؛ أنه إذا حصل احتلام معه إنزال متى يجب عليه الغسل؟ إذا حصل إنزال معه بروز، أما إذا حصل إنزال لكن بقي في داخل بطانة الفرج ولم يحصل معه بروز فلا غسل عليها. فيكون الغسل متوقفًا إذا على رؤية البلل ظاهرًا، فإذًا هناك فائدة زائدة لقوله «إذا رأت الماء» وليس ذكر هذا القيد لمجرد التوكيد.
لكن ماذا قال بعد ذلك؟ إلا أن ظاهر كلام من أشرنا إليه من الفقهاء يقتضي وجوب الغسل بالإنزال إذا عرفته بالشهوة. من أشرنا إليه في أول الفقرة التاسعة لما قال وهناك من يزعم أن ماء المرأة لا يبرز أصلا؛ شو رأيك أن بعض الفقهاء ماذا يقول؟ إن ماء المرأة لا يبرز أصلا. يقول ظاهر كلام هؤلاء إنه ماء المرأة أصلا بطبيعته لا يمكن أن تراه المرأة، هو بطبيعته لا يبرز، بس هذا الكلام مش صحيح.
يقول لك ظاهر كلام هؤلاء يقتضي وجوب الغسل بمجرد الإنزال إذا عرفته بالشهوة بالشعور الداخلي، ولا يوقف الغسل على البروز إلى الظاهر. فإذا كان كلام هؤلاء الفقهاء الذين يرون أن ماء المرأة أصلا لا يبرز إلى الخارج صحيحًا، فلا بد أن تؤول كلمة الرؤية في الحديث بمعنى العلم، ويكون «إذا رأت الماء» بمعنى: إذا علمت الماء، أي إذا علمت نزول الماء. ولكن كما قلنا هذا تأويل بعيد؛ لأن ما معنى «إذا علمت الماء»؟ وهذا العلم متى سيحصل؟
هذا السؤال إذا قلنا إن «رأى» بمعنى «علم»، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال نعم، إذا علمت. كيف ستعلم وهو لم يبرز؟ ستقول لي بالشعور. طيب هذا الشعور متى جاءها؟ وهي نائمة أم وهي صاحية؟ إذا جاء وهي نائمة فالإنسان لا يحاسب على شعور وهو نائم، ولا ينبني عليه تكليف متعلق به. وإذا جاء وهي مستيقظة، إذا هذا ما عاد احتلامًا، هذا صار إنزالًا وهي مستيقظة فما عاد اسمه احتلامًا، فكلا القولين ضعيف.
إنما نقول الصحيح أن المرأة ترى رؤية بصرية ماءً، ولكن هذا ليس مشتهرًا بين النساء، فمن رأت من النساء أثر مني على ثيابها عندما تستيقظ عليه الغسل وإن كان هذا قليلا، ونكتفي بهذه القضية دون الحاجة إلى تلك التكلفات التي لا تصح، والله أعلم. ثم ذكر أم سلمة، ومن هي، وكلامنا في هذا الحديث وصل، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل