دخولتسجيل الدخول

إحكام الأحكام | مجلس 21 (الحديث 29-30) | معهد ملكة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على "إحكام الأحكام" للحافظ المحقق المجتهد الإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله، وما زال حديثنا قائماً في باب الطهارة وفي أبوابه، وانتهى بنا الحديث إلى باب الجنابة، نبدأ نقرأ.

قال رحمه الله: الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس.

أبو هريرة رضي الله عنه مر التعريف به والكلام عن شيء من سيرته. هذا أول حديث ذكره في باب الجنابة بعد أن انتهى ما يتعلق بالحدث الأصغر، انتقل إلى بعض الأحاديث التي تتحدث عن الحدث الأكبر والأحكام المتعلقة به وبدأ بهذا الحديث. هذا الحديث يتكلم أن النبي عليه الصلاة والسلام لقي أبا هريرة في بعض طرق سوق المدينة وكان أبو هريرة جنباً، والضمير يعود على أبي هريرة أنه كان جنباً. قال: فانخنست منه، وسياتي معنا كيف انخنس منه، وخلاصته أنه استحيا وذهب، ما أراد أن يراه النبي عليه الصلاة والسلام وأن يسلم عليه وهو جنب تعظيماً للمقام الشريف. قال: فذهبت فاغتسلت ثم جئت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أين كنت يا أبا هريرة؟ فقال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. انظروا احترام الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ولمقامه، كره أن يجالس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ليس متطهراً، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس.

كان النبي عليه الصلاة والسلام استغرب من هذا التصرف، وهذا يدل على أن الإنسان إذا استغرب من شيء يقول سبحان الله؛ كانه استغرب من طريق التذكير أو تعجب منها. فقال سبحان الله، يعني لماذا تفكر بهذه الطريقة يا أبا هريرة؟ وسياتي معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام فهم من تصرف أبي هريرة ومن فعله أن أبا هريرة رأى أن الجنابة تنجس بدنه، فلذلك كره أن يجالس النبي صلى الله عليه وسلم. كان النبي عليه الصلاة والسلام فهم من أبي هريرة أنه يعتقد أن الجنابة والحدث الأكبر نجاسة على البدن، فأراد أن يبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن المؤمن عموماً لا ينجس بدنه نجاسة عينية حقيقية. نعم، يمكن أن تقع عليك النجاسة، لكن أن يصبح المؤمن بسبب حدث أصغر أو حدث أكبر بدنه نجساً نجاسة عينية فهذا لا يكون، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس، أي لا ينجس نجاسة عينية.

الجنابة دالة على معنى البعد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]. بدأنا أولاً بكلمة الجنابة، الجنابة في أصل اشتقاقها اللغوي تدل على معنى البعد أو الابتعاد عن الشيء. أكثر المفسرين على أن الجار الجنب هو الجار البعيد، وهنا البعض جعلها بعد المنزل، والبعض جعلها البعد المعنوي وهو الجار الذي ليس قريباً لك. فالبعد يكون بعداً معنوياً، والبعض قال لا، ليس فقط البعد المعنوي هو عدم أن يكون قريباً، بل أن يكون مسلماً، فقال هو الجار اليهودي أو النصراني، وهذا من أبعد أشكال البعد المعنوي.

وعن الشافعي رحمه الله أنه إنما سمي جنباً من المخالطة، ومن كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالط امرأته. هنا الشافعي رحمه الله أتى بمعنى استغرب منه البعض، بل هو كما قال البعض؛ قال بعضهم: وكان هذا ضداً للمعنى الأول، تخيل نقول الجنابة هي المخالطة والمعنى الأول الجنابة هي البعد، تشعر أن تفسير الجنابة بأنها المخالطة كأنه ضد المعنى الأول للجنابة وهو البعد، لأن البعد يقتضي عدم المخالطة والمخالطة تقتضي عدم البعد. فقال بعضهم: وكان هذا المعنى الذي أتى به الشافعي في "الأم" هو ضد للمعنى الأول للجنابة وهو البعد، لأنه من القرب منها؛ نعم، إذا خالط امرأته فهذا مخالطة الإنسان لامرأته هي ناتجة عن أنها قريبة دوماً منك. وهذا عكس قال: وهذا لا يلزم؛ لماذا؟ قال: فإن مخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد على ما قدمنا. أي نظرة من الخلف ومن جهة أخرى قال: بالعكس، ترى مخالطة المرأة تؤدي إلى البعد؛ كيف؟ مخالطة المرأة تؤدي إلى جماعها، وجماعها يوجب قيام الجنابة فيك، والجنابة تؤدي إلى البعد، فمخالطة المرأة هي تؤدي إلى البعد من جهة أخرى، من جهة أنها تبعدك عن ذكر الله وعن قراءة القرآن وعن الصلوات، ومن جهة أنها إذا خالطتها جامعتها، وإذا جامعتها قام بك الحدث الأكبر، والحدث الأكبر سيبعدك عن كثير من الفضائل كالصلاة وقراءة القرآن، وهذا نظر للوازم فيها نوع من البعد.

وقول أبي هريرة: "فانخنست منه"، الانخناس الانقباض والرجوع وما قارب ذلك من المعنى، يقال خنس لازماً ومتعدياً. إذاً الانخناس يدل على معنى الانقباض والرجوع، ومنه ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4]؛ الخناس مأخوذ من هذه المادة، الانخناس يدل على معنى الرجوع، فالشيطان وسواس خناس يوسوس ثم يذهب. والأصل هذه الكلمة معناها الانقباض والرجوع، وخنس في اللغة ياتي لازماً لا يحتاج إلى مفعول به، وياتي متعدياً ياخذ مفعولاً به. من صور إتيانه لازماً: ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان: فإذا ذكر الله خنس، هنا خنس جاءت لازمة؛ خنس الشيطان، فعل وفاعل لا يوجد مفعول به. ومن صور إتيانه متعدياً: ما جاء في الحديث: "وخنس إبهامه"، أي قبضها، إبهامه مفعول به، خنس أتى متعدياً. وقيل إنه يقال أخنسه في المتعدي، ذكره صاحب "مجمع البحرين"، هو الصغاني عليه رحمه الله؛ يعني بعض علماء اللغة قالوا لا، إذا كان متعدياً فلا ياتي من الثلاثي وإنما ياتي من الرباعي.

وقد روي في هذه اللفظة "فانبجست منه" بالجيم من الانبجاس، في الرواية الأخرى لهذا الحديث قال: "فانبجست منه"، وهي لاحظ أنها قريبة في الرسم بالتالي يتصور وقوع شيء مثلاً من التصحيف فالله أعلم. يقول في رواية وردت "فانبجست منه" من الانبجاس وهو الاندفاع، ومنه ما جاء في قصة بني إسرائيل: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: 160]، ما معنى انبجست؟ أي اندفعت، لذلك قال هنا من الانبجاس وهو الاندفاع، أي اندفعت عن النبي عليه الصلاة والسلام وهو بمعنى أنه ذهب، ويؤيده قوله في حديث آخر: "فانسللت منه"، فالانسلال أيضاً انسحاب. وروي في هذه اللفظة أيضاً رواية أخرى وهي: "فانبخست منه"، من البخس الذي هو النقص، والبخس مأخوذ من النقص، ﴿لَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]. وقد استبعدت هذه الرواية ووجهت على بعدها؛ استبعدت أنه قالوا ليس هنا لها معنى ظاهر، ما معنى أنه نقص؟ يعني فانبخست منه، يعني انتقصت منه؟ قالوا فيها نوع من البعد في هذا السياق، ولكن البعض وجهها على بعدها، وكان ابن دقيق العيد يقر أنها من أبعد الألفاظ، لكن ماذا يمكن أن توجه؟ بأن المراد قال بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصاحبته لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا هو معنى نقول إن المراد فانبخست منه المراد أنه شعر بنقصه هو، أنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة المقام الشريف للنبي صلى الله عليه وسلم ومصاحبته لاعتقاده، وكان أبو هريرة يتصور فيما يظهر أن الإنسان إذا أجنب أصبح البدن نجساً؛ يعني هذا معناه ما يمكن أن تؤول به لفظة فانبخست منه.

وقوله: "كنت جنباً" أي ذا جنابة، وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد. قال الله تعالى في الجمع: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]. كلمة الجنب هو لما قال كنت جنباً أي صاحب جنابة، وهذه اللفظة لأنه هنا الجنب بمعنى مصدري، فلذلك يريد أن يصف نفسه، أنت تصف نفسك أنك كنت صاحب جنابة، وهذه اللفظة تقع على الواحد المذكر والمؤنث والاثنين والجمع بلفظ واحد، يعني الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظة واحدة، فتقول مثلاً رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، وامرأة جنب، كله بنفس اللفظة. قال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ مثلاً هنا في الجمع في سورة المائدة، ما قالوا وإن كنتم مجنبين، قالوا وإن كنتم جنباً، وقالت بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث: "كنت جنباً"، امرأة تتكلم عن نفسها. وقد يقال الآن هل ممنوع تماماً استعمال المثنى والجمع؟ قال لا، أجازها كثير من اللغويين، تقول: كن اثنان جنبان، ورجال أي جنوبون وأجناب، ورد هذا وإن كان الأشهر هو التوحيد أن كلمة جنب تطلق على الجمع.

وقوله: "فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة" يقتضي استحباب الطهارة في ملابسة الأمور المعظمة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد ذلك رداً لأن الطهارة قد زالت لقوله: "إن المؤمن لا ينجس"، لا رداً لما دل عليه لفظ أبي هريرة من استحباب الطهارة لملابسته صلى الله عليه وسلم. هذا معنى جيد أنك تدقق فيه، النبي عليه الصلاة والسلام مما استغرب أو ما الشيء الذي أراد أن يعالجه في فكر أبي هريرة لما قال سبحان الله؟ ليس قضية أن أبا هريرة أراد الاحترام والتوقير لجنابه فانسحب ليغتسل، لا، وهذا الذي يريد أن يقوله ابن دقيق؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعالج قضية أو يرد على أبي هريرة فكرته أنه انسحب من أجل احترامه وتوقيره للنبي عليه الصلاة والسلام، بالعكس هذا خلق رفيع كبير من أبي هريرة يدل على عظم أخلاقه وتوقيره للنبي عليه الصلاة والسلام، ولا يحتاج لمعالجة بل بالعكس يمدح عليه، لكن الذي أراد أن يعالجه هو ماذا كان أبو هريرة يتصوره في ذهنه، وهو أن الجنابة تؤدي إلى نجاسة الجلد والبدن، أن يصبح بدن الإنسان المؤمن نجساً عينياً بسبب الجنابة التي قامت. فهذا الذي أراده، فلذلك قال: والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد ذلك، أي رد ذلك بقوله سبحان الله إن المؤمن لا ينجس.

هذا معنى "إنما رد ذلك"، إنما رد ذلك رداً لأن الطهارة قد زالت، المراد بالطهارة التي قد زالت اللي هي طهارة البدن هي النجاسة. هنا اللفظ شوي بدك تنتبه في تركيبه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رد ذلك أي رد ذلك بقوله سبحان الله إن المؤمن لا ينجس، أراد أن يرد على اعتقاد أبي هريرة أن الطهارة قد زالت، ايش المراد بالطهارة؟ المراد بالطهارة اللي هي النوع الثاني وهو الخبث، اعتقاده أن الطهارة من الخبث قد زالت، لا، طهارة الخبث لم تزل وجسمك وبدن المؤمن طاهر حتى لو قامت به الجنابة، فقال: "لأن الطهارة قد زالت"، أي الطهارة المراد بها هنا الآن في طهارة من الحدث وهناك طهارة من النجس، مش هيك نقول في باب المياه؟ فالطهارة التي ظنها أبو هريرة قد زالت وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخبره أنها لم تزل هي طهارة الخبث، فأراد أن يقول له لا جسمك وبدنك طاهر من الخبث يا أبا هريرة، والجنابة لا تسبب خبثاً لا عينياً ولا طارئاً، لا تسبب نجاسة عينياً يصبح جلدك هو نفسه، وليست أيضاً نجاسة طارئة على محل طاهر، فالجنابة بعيدة تماماً عن موضوع النجاسة البدنية، فالجنابة بعيدة عن موضوع النجاسة البدنية، مفهوم؟ فهذا معنى قوله والنبي عليه الصلاة والسلام.

والسلام إنما رد ذلك ردًّا على تصور أبي هريرة أن الطهارة البدنية من الخبث قد زالت، وأن الجسم أصبح نجسًا، فقال له: «إن المؤمن لا ينجس»؛ وليس ردًا على توقير أبي هريرة للمقام الشريف للنبي عليه الصلاة والسلام. مفهوم الكلام؟

قال: وقوله «سبحان الله» تعجب من اعتقاد أبي هريرة التنجس من الجنابة. نعم، فعلاً شيء غريب، ولكن تعرف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يتعلمون ويستفيدون كما نحن نتعلم ونستفيد في الحياة، فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام من اعتقاد أبي هريرة أن الجسم يصبح نجسًا إذا قامت به الجنابة. نعم، قال وقوله: «إن المؤمن لا ينجس» يقال: نجس ينجس وينجس بالفتح والضم. تمام، هذا الكلام عن الحالة الصرفية؛ «نجس» على وزن فعل، و«نجس» على وزن فاعل. تمام، ينجس بفتح الجيم، وينجس على وزن يفعل ويفعل بالفتح والضم في المضارع، والظاهر أنه يفسر بالضم والفتح سواء على أو.

وإن كان الأصل أن لا تأتي في مضارعها كقاعدة صرفية على يفعل، وإنما تأتي على يفعل أو يفعل. هي فاعل، الأصل في مضارعها أن يكون عكس حركة العين في الماضي، فالأصل في فعل أن يأتي على يفعل أو يفعل، تمام. والأصل في أن تأتي على ما كان على وزن فعل أن يأتي على وزن يفعل، عفواً، الأصل أن يأتي على يفعل أو يفعل؛ لكنه إنما أتى على يفعل. صحيح هي القاعدة في باب الصرف أن عين المضارع ينبغي أن تكون مخالفة لعين الماضي، فالأصل في فعل أن يأتي على يفعل أو يفعل، والأصل في فعل أن يأتي على يفعل أو يفعل.

لكنه كثيرًا ما جاء الشذوذ، كثيرًا ما حصل شذوذ في هذه الأفعال لعلل وأمور صرفية يذكرونها، فأحيانًا تأتي فعل على يفعل خاصة إذا كان عين الفعل أو لامه حرفًا حلقيًا. تمام، فتأتي هنا فعل على يفعل، وهنا طبعًا الغريب أنه هل عين الفعل أو لامه حرف حلقي؟ لا، الجيم والسين ليست من حروف الحلق؛ حروف الحلق الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء. تمام، وكذلك لما جاء للمضارع فقال: ونجس، يأتي على ينجس وينجس، تمام.

ونفس الشيء على وزن فعل، صحيح نحن قلنا الأصل في فعل أن تأتي على يفعل أو يفعل، لكن في الواقع -هذاك القاعدة، شو الواقع؟- أن فعل تأتي في مضارعها من حيث الواقع والاستقراء أن فعل مضارعها يفعل، تمام، وإتيانه على خلاف ذلك هو قليل جدًا جدًا، قليل جدًا جدًا. فهذا الإطلاق من ابن دقيق ربما يحتاج إلى شيء من التدقيق، لأنه قال: ونجس ينجس وينجس، هل يقصد أنه ينجس وينجس؟ هذا على كليهما، على ونجس. أريد أن أنظر هنا لعل الصنعاني قال شيئًا. بسم الله، أظن في مشكلة هنا في النص في نسخة أسفار، هنا في نسخة الصنعاني: يقال ونجس ينجس، مرة واحدة فقط، هكذا ونجس ينجس، بالفتح والضم، هذه تعود على الماضي، يعني هنا تكرار في نسخة أسفار؛ يعني التقدير: يقال ونجس ينجس بالفتح والضم في الماضي، وهذا هو الأسلم فعلاً، لأنه فعل يأتي يفعل، فكيف يقول ونجس ينجس وينجس؟ لأنه مفهومها أن تأتي على ينجس وينجس أيضًا، أي أنه لها مضارعان، وهذا ليس المعروف، لأنه فعل يأتي على وزن يفعل؛ هذا هو المشهور فيها من حيث الواقع، صح هذا خلاف قاعدة يسمونه في الصرف، لكن من حيث الواقع فعل تأتي على يفعل دائماً، شاذة، يقول هذا دائما شاذ إلا كما قلت في القليل النادر؛ فلذلك في إشكال في هذا النص، وفعلاً في نسخة الصنعاني يقال ونجس ينجس فقط، وقول بالفتح والضم يعود على الماضي وليس المضارع، هذا ننتبه له.

وقد استدل بالحديث على طهارة الميت من بني آدم، وهي مسألة مختلف فيها، والحديث دل بمنطوقه على المؤمن. استدل بالحديث أولًا على طهارة الميت من بني آدم من جهة ماذا؟ أن الحديث لم يتكلم عن حال الحياة فقط، أطلق لما قال: «إن المؤمن لا ينجس» هذا يشمل حال حياته وحال موته، صحيح، كونه لم يتعلق بحال الحياة ولم يقيد بحال الحياة فالأصل أن يعم هذا جميع أحواله، أن المؤمن لا ينجس حيًا أو ميتًا. لكن بقيت قضية أنه قال من بني آدم والحديث علق الحكم بالمؤمن فقط، ولذلك البعض قال: المؤمن هنا وصف، والأصل أن ينظر في مفهوم المخالفة، فإذا قلنا إن المؤمن لا ينجس، إذا مفهوم المخالفة -وهذا وصف مشتق- أن المشرك ينجس حياً وميتاً، وهذا فعلاً قال به بعض فقهاء الحنفية أن الكافر حي وميت، لكن نحن لماذا دفعنا مفهوم المخالفة ولم نأخذ به؟ قالوا: لأنهم حملوا أن الوصف، أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكرم المؤمن من جهة التنصيص عليه، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابه قد عاملوا المشركين في مواطن عديدة وكثيرة مستفاضة، ولم ينقل أنهم اغتسلوا، أو أن أحدًا اغتسل من ملامسته للمشرك، وأن الصحابة كانت بعضهم لديه زوجات كتابيات، وقبل أن ينزل حكم تحريم الزواج من المشركات كان لديهم زوجات مشركات حتى جاءت سورة الممتحنة وأمرت بتسريح ذلك، ولم ينقل أنه نهي عن ملامسته، أو أن من كان يلامس زوجته المشركة أو الكتابية كان يؤمر أن يغتسل من ملامستها.

أنت عندك فعلاً عمل مشهور مستصحب، وهو أن الله أذن بالزواج من الكتابيات، والصحابة أصلاً كانوا كثير منهم متزوج لمشركات وثنيات قبل أن يأتي القرآن بتفارقهن، ولم ينقل عن أحد منهم أنه اغتسل من لمسه لزوجته. معقول احنا قاعدة الملامسة للوسط الرطب أو المائع ينقل النجاسة؟ فلو صافح زوجته ويد زوجته مبلولة لكان تنجس، لو فعل أي شيء معها في حالة رطوبة متبادلة بينهما تنجس، وهذا لم ينقل. ولو نقل، المعقول أن كل من تزوج من الكتابيات أو كانت عنده أمة كتابية، ولم ينقل لنا أن أحدًا منهم اغتسل لملامستها وملابستها، فهذا يقودنا إلى أن الوصف هنا إنما اختصه بالذكر لكون أبي هريرة هنا مؤمنًا، فكان الخطاب مع رجل مسلم، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: ترى المؤمن لا ينجس، وليس مراده استحضار مفهوم المخالفة وهو أن الكافر ينجس، لكن لأنه كان يخاطب مؤمنًا فركز في الكلام عليه.

قال: والحديث دل بمنطوقه على المؤمن أنه لا ينجس، فمنهم من خص هذه الفضيلة بالمؤمن والمشهور التعميم. فالبعض خصها بالمؤمن أنه لا ينجس، ولكن جمهور الفقهاء قالوا: لا، قضية عدم النجاسة هذه لكل بني آدم. والمشهور التعميم، وكما قلت، ظاهر السنة وفعل النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في التعامل مع المشركين والمشركات أنه لم يغتسل أحد منهم عند ملامستهم أو ملابستهم. وبعض الظاهرية يرى أن المشرك في حال حياته نجس أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28].

وبعض الظاهرية يرى أن المشرك في حال حياته كما قلنا، وقد نسبته إلى بعض الحنفية أيضًا فيما أذكر، وإن كان المشهور عن الحنفية قد يكون أنهم ينجسون لأن الكفار ينجسون في حال موتهم، تمام، معتمد مذهبهم أن الكفار ينجسون في حال موتهم، أن الكافر إذا مات فهو نجس، وأما في حال الحياة فأكثر الحنفية على أنه مثل رأي الجمهور، على أنه طاهر. وأما في حال الحياة، هل أحد قال بأن الكافر نجس في حال الحياة؟ نعم، بعض الظاهرية وبعض الحنفية قالوا بذلك والله أعلم.

ويقال للشيء إنه نجس بمعنى أن عينه نجاسة، ويقال فيه إنه نجس بمعنى أنه متنجس بإصابة النجاسة له. جيد، الآن تحرير، لما تقول هذا الشيء نجس، هذا له أحد معنيين: إما أنك تقصد أنه عين نجاسة عينيه مثل الخمر، نجاسة عينيه مثل الدم عند كثير من أهل العلم؛ وأما أن تكون قصدك بأن نجاسته طارئة، يعني بأنه طاهر لكن طرأت عليه النجاسة فتنجس، فيصح أن تصفه أنه نجس، لكنك تقصد بأنها نجاسة طارئة.

هذا الحديث على أي المعنيين يحمل لما قال: «إن المؤمن لا ينجس»؟ ما هو قصد النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا ينجس نجاسة عينية، ولا قصده لا ينجس نجاسة طارئة عليه؟ قال: ويجب أن يحمل الحديث على المعنى الأول، وهو أن عينه لا تصير نجاسة. نعم ينبغي أن يحمل النفي «لا ينجس» أي نجاسة عينية، لا يصبح بدنك جلدك نجاسة عينية، وأما أن النجاسة تطرأ عليك فتصبح متنجسًا لطروء النجاسة عليك، هذا شيء طبيعي. قال: لأنه يمكن أن ينجس بإصابة نجاسة له، فلا ينفى ذلك. قد يصيب جسدك بول، قد يصيب جسدك غائط، قد يصيب جسدك دم، فيصبح جسدك بمعنى متنجس.

وقد اختلف الفقهاء في أن الثوب إذا أصابته نجاسة هل يكون نجساً أم لا؟ الآن سيعطيك فلسفة من رأى أنه لا، ممكن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن ينفي عنك حتى النجاسة الطارئة. كيف؟ بعض الفقهاء يقولون: الثوب الطاهر إذا وقعت عليه نجاسة هل نصف الثوب بأنه نجس؟ منهم من ذهب إلى أن اتصال النجاسة بالأماكن الطاهرة موجب لنجاسة هذه الأماكن الطاهرة، وأننا نحكم عليها بأنها أصبحت نجسة، وهذا هو المتعارف ربما عند كثير. ومن ذهب إلى أن الثوب لا ينجس، يقول لك: نقول الثوب طاهر في نفسه، وإنما امتنع استصحابه في الصلاة لمجاورة النجاسة لطهارة الثوب، يقول لك الثوب صنع من مادة طاهرة، فحتى لو سقطت النجاسه عليه تبقى النجاسة مجاورة للطهارة، ولا نقول إن هذا القماش الطاهر أصبح نجسًا نجاسة طارئة. لا، البعض يقول: ما بنعبر بهي الطريقة، نقول الثوب خلص ما دام مادته طاهرة التي صنع منها يبقى طاهرًا، وإن طروء النجاسة عليه هو طروء مجاورة وليس طروءًا يؤدي إلى تغيير وصف الثوب. فنقول إنه هذا شوي غريب، فلهذا القائل هذا الذي يفكر بهي الطريقة الثانية له أن يقول: إن دل الحديث على أن المؤمن لا ينجس، ومقتضاه أنه -خذ الفكرة على البدن- أن البدن وهو الجلد طاهر، إذا بدك تفكر بنفس تفكيرك؛ فإذا جاءت عليه النجاسة من الخارج فلا نقول إن البدن أصبح نجسًا نجاسة طارئة، بل نقول إن البدن الطاهر جاورته نجاسة وخلص، وبالتالي يصدق حينئذ أن المؤمن لا ينجس، ومقتضاه أن بدنه لا يتصف بالنجاسة في حال من الأحوال، لا نجاسة عينية ولا نجاسة طارئة، وهذا يدخل تحته ملابسة النجاسة له اللي هي الحالة الثانية نجاسة الطاهر، فيكون الجسد طاهرًا على كل الأحوال.

وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب لأنه لا قائل بالفرق. وإذا ثبت ذلك في البدن ثبت في الثوب لأنه لا قائل بالفرق، يعني إذا قلنا إن البدن الطاهر حتى لو حلت عليه النجاسة لا يوصف بأنه نجس، بل خلص بنقول البدن طاهر وجاورته نجاسة، فنفس الشيء ستكون الفكرة في الثوب؛ إذا أنت تبنيت هي الفكرة في البدن بدك تتبناها في الثوب، فتقول الثوب الطاهر إذا حلت عليه نجاسة ما بنقول الثوب نجس، بنقول طاهر جاورته نجاسة، لماذا؟ قال لأنه لا قائل بالفرق، هي بتذكر قضية لا قائل بالفرق، أنها هي قضية جدلية في البحث الفقهي، أنه ما في حدا قال إن هي نطبقها على البدن ما بنطبقها على الثوب، فإذا أنت طبقت هي الفكرة على البدن بتطبقها على الثوب، إذا طبقتها على الثوب بدك تطبقها على البدن، أنه ما في أحد قال بالتفريق بينهما.

أو نقول، أو هذا الثاني الذي يريد أن يجعل لا ينجس تعم النجاسة العينية والطارئة، يمكن أن يقول ماذا؟ البدن إذا أصابته النجاسة من مواضع النزاع، وقد دل الحديث على أنه غير نجس. أو يمكن يفكر بطريقة ثانية، هذا الشخص المصر على أن يجعل قول النبي عليه الصلاة والسلام «إن المؤمن لا ينجس» يشمل كلا الحالتين، لا ينجس نجاسة عينية ولا طارئة، يمكن أن يقول هكذا: البدن إذا أصابته نجاسة من مواضع النزاع هل يوصف بأنه نجس ولا ليس بنجس؟ وهذا الحديث دل على أن البدن لا يوصف بالنجس، ويؤيد رأينا، فبالتالي يكون الحديث شاملاً لكلا الحالتين. يقول: البدن إذا أصابته نجاسة هل يوصف البدن بأنه نجس ولا لا؟ هذا موضع نزاع، طب إذا كنا نحن مش متفقين، هذا الحديث الذي بين أيدينا بإطلاقه يؤيد أي وجهة؟ بإطلاقه يؤيد وجهة نظر من أن البدن لا ينجس لا نجاسة عينية ولا نجاسة طارئة، أنه مطلق. الحديث ما قال إن المؤمن لا ينجس نجاسة عينية، قال: «إن المؤمن لا ينجس»، وإذا أردت أن تأخذها بإطلاقها بالتالي؛ لأنه هنا حذف هذا القيد، وكان حذفه يدل على الإطلاق، وهذا الإطلاق قد يستفاد منه العموم، لا ينجس عمومًا، لا عينية ولا طارئة. طبعًا عرفنا ما معنى أنه لا ينجس نجاسة طارئة على وجهة نظر هؤلاء، أن حتى لو حلت عليه نجاسة كالبول، نبقى نقول إن هذه نجاسة مجاورة للبدن الطاهر، ونأبى أن نصف البدن بحال من الأحوال بأنه نجس.

الأحوال؛ أنه طبعاً القضية هنا قد يكون فيها جانب من البحث اللفظي أكثر من كونه في أثر معين؛ أنه في النهاية النجاسة هذه ينبغي أن تغسل، سواء قلت البدن أصبح نجساً أو لا. لكن هي قضية النظر في تعميم هذا اللفظ النبوي «أن المؤمن لا ينجس» هل يشمل العينية والطارئة أو يشمل العينية فقط؟

قال: وعلى ما قدمناه من أن الواجب حمله على نجاسة العين يحصل الجواب عن هذا الكلام؛ يعني وكأن ابن دقيق العيد يرى أن هذا قد يكون فيه شيء من التكلف، وأن الجواب عن هذا الكلام أن الحديث إنما يتكلم فقط عن نجاسة العين. وعلى ما قدمناه من أن الواجب حمل النفي هنا على نجاسة العين يحصل الجواب عن هذا الكلام، وأنه لا حاجة لكل هذه الطريقة. نقول: إن البدن إذا أصابته نجاسة فهذا من موضع النزاع، وقد دل الحديث على أنه غير... الحديث؛ يعني ابن دقيق العيد يرى أن الحديث لا يتكلم عن هذه المسألة التي أنتم تتحدثون عنها، وأن الحديث إنما يتكلم عن النجاسة العينية؛ فالواجب حمل الحديث وتقييده بالنجاسة العينية من السياق، لأن السياق هو الذي يقيد أن هذا هو المراد؛ لأن هذا هو فهم أبي هريرة، أبو هريرة ظن أن الجنابة تقلب البدن نجساً، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن لا ينجس». وليس الحديث والسياق يتكلم عن نجاسة يقينية طرأت على البدن فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المؤمن لا ينجس»؛ ليس هذا هو سياق الحديث، فالسياق يحكم طريقة الفهم.

نعم، قال: وقد يدعى أن قولنا الشيء حقيقة في نجاسة العين، فيبقى ظاهر الحديث دالاً على أن عين المؤمن لا ينجس، فتخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف. وهذه طريقة أخرى في الرد أيضاً؛ يقول ابن دقيق العيد: بتعرفوا ممكن ممكن أرد عليكم برضه أنتم الجماعة المعممين، أن الأصل في النجاسة إذا أطلقت هي نجاسة عينية أم طارئة؟ الأصل في وصف الشيء بالنجاسة أو نفي وصف النجاسة عنه، أنني أنفي النجاسة العينية أو الطارئة. يقول: الأصل في الحقيقة أنني أتكلم عن النجاسة العينية؛ يعني الأصل لما تقول هذا شيء، تقصد عيناً ولا نجاسة طارئة؟ الأصل في الاستعمال اللغوي أنك تقصد نجاسة عينية، هذا هو الحقيقة، ووصف الشيء بناءً على أنه نجاسة طارئة هذا استعمال مجازي. فلما أقول والله مثلاً هذه الكأس لأنه جاء عليها دم أو هذا الفاين لأنه جاء عليه دم وصف أنه هذا مجاز، والآن الأصل في النجس أن النجاسة عينية.

فيقول: وقد يدعى أن قولنا الشيء نجس، أن هذا حقيقه وصف الشيء بأنه نجس، هذا الوصف حقيقة في النجاسة العينية، واستعمال ذلك في النجاسة الطارئة مجاز. بالتالي يبقى ظاهر هذا الحديث في قوله «إن المؤمن لا ينجس» إذا بدك تأخذ الحقيقة والأصل أن يحمل الكلام على حقيقته، أنه نفى النجاسة العينية، «أن المؤمن لا ينجس» أي نجاسة عينية. فبالتالي أنا أصلاً لا أحتاج القيد، يعني أنا لا أقول إن الحديث لم يقيد بالنجاسة العينية فوالله يحمل على الإطلاق، أو أقول حتى على رأي الطرف الثاني وعلى رأيي أن الحديث يتكلم عن النجاسة العينية فقط؛ أنا لست محتاجاً لأن أقول إن السياق يدل على أنها قضية نجاسة عينية فأقيد الإطلاق بأنها النجاسة العينية، أقول لك أنت مش محتاج تقيد الإطلاق أصلاً بالنجاسة العينية من خلال السياق؛ لأنه أصلاً نفي النجاسة عن الشيء أو وصف الشيء بالنجاسة هو حقيقة في النجاسة العينية، وحمله على النجاسة الطارئة هذا هو المجاز الذي يحتاج إلى قرينة أو دليل.

فيقول: وقد يدعى أن قولنا الشيء نجس هو حقيقة في النجاسة العينية، فينبغي أن يبقى بالتالي ظاهر الحديث، الظاهر إذا أردت أن أحمل الكلام على الحقيقة، أنه نفى النجاسة العينية. وتبقى قضية: هل المؤمن ينجس نجاسة طارئة؟ قال: هذه تبقى محل خلاف لا تؤخذ من هذا الحديث، هذه تبحث عنها في مكان آخر. يقول: فتخرج عنه حالة التنجس التي هي محل الخلاف. إيش هي التي محل الخلاف؟ اللي هي النجاسة الطارئة، هل المؤمن ينجس نجاسة طارئة فيجوز أن أقول هذا المؤمن نجس وأقصد نجاسة طارئة، أم لا يجوز أن أصفه بذلك؟ ها هي محل الخلاف. يقول لك هي النقطة التي هي محل الخلاف النجاسة الطارئة هذه الحديث لم يتكلم عنها. الحديث يتكلم عن النجاسة العينية، كيف؟ كما قلت لك، إما أنك تقول السياق هو هكذا أن أبا هريرة ظن أنه أصبح نجساً عينية بسبب الجنابة، أو نقول إن كلمة النجس إذا أطلقت هي النجاسة العينية، فلما نفى أن المؤمن لا ينجس الأصل والحقيقة أن تحمل أنه ينفي النجاسة العينية، وتبقى قضية النجاسة الطارئة هل يوصف بها بدن المؤمن أو لا محل خلاف تحتاج إلى نص آخر ليدل على نعم أو لا. فهاتان الطريقتان يراهما ابن دقيق العيد تؤكدان حمل الحديث على النجاسة العينية فقط.

الحديث الثاني، قال عن عائشة رضي الله عنها قالت... لكن طبعاً عموماً يعني حتى نأخذ مختصر، أن مذهب أصحابنا من الحنابله رضوان الله تعالى عليهم أن الجنابة لا تنجس، أن الجنابة ليست نجاسة هذه القضية الأولى، بل حتى المني الذي يخرج إذا كانت الجنابة لأن المشهور في الجنابة إذا أطلقت أنها تكون إما عن إنزال أو عن جماع، وفي كلتا الحالتين المني إذا خرج من الإنسان رجلاً أو امرأة، فالمني طاهر، فلا يوجد عندنا في الجنابة بسبب الجنابة لا نجاسة عينية ولا حتى نجاسة طارئة. والله إذا قال الشخص المني الذي يخرج، فإن المني عندنا أيضاً طاهر، وإن كان أصلاً الجماع يسمى جنابة حتى ولو لم يخرج مني، فهذه أصلاً قضية أخرى أنه لا يشترط أصلاً أن يكون هناك خروج مادة من الجسد. وأصحابنا الحنابلة أيضاً يرون أن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً، وأن الكافر كذلك لا ينجس لا حياً ولا ميتاً، وأن مفهوم المخالفة في الحديث لا يعتبر، فقوله «إن المؤمن لا ينجس» لا ينظر عند أصحابه لمفهوم المخالفة كما هو الحال عند جمهور الفقهاء، لأن كما قلنا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة تعاملوا مع المشركين في معاركهم وأسفارهم وترحالهم وزواجهم، ولم ينقل أن أحداً منهم حكم بالنجاسة لأنه تعامل مع مشرك أو لأنه سلم أو لأنه وطئ أو ما شابه ذلك.

قال عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم اغتسل ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده. وكانت تقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد نغترف منه جميعاً.

قال الحديث الثالث عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة، فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً، ثم غسل فرجه، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، فآتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيده.

عظيم، الآن كما أن حديث عبد الله بن زيد بن عاصم وحديث حمران مولى عثمان أهم حديثين في باب الوضوء وأصح وأشهر الأحاديث في ذلك، كذلك في باب الغسل من الجنابة أصح حديثين وأشهر حديثين في وصف غسل النبي عليه الصلاة والسلام، هو حديث عائشة وحديث ميمونة؛ يعني هذه مركزيات تكون حاضرة في ذهن الطالب المتفقه، أن أعلى حديثين وصفا وضوء النبي عليه الصلاة والسلام حديث مولى عثمان عن عثمان وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وأعلى حديثين وصفا غسل النبي صلى الله عليه وسلم هو حديث عائشة وحديث ميمونة. ولذلك من كتب مثل الحافظ عبد الغني المقدسي مختصرات في الأحاديث أو حتى المطولات في الأحاديث، في البلوغ في المنتقى للمجد الكل لا بد أن يأتي بهذين الحديثين لأنهما عمدة الباب، عمدة الباب في وصف غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة.

سيبدأ الكلام عن حديث عائشة أولاً فقال: الكلام على حديث عائشة من وجوه، أحدها قولها كان إذا اغتسل من الجنابة، يحتمل أن يكون من باب التعبير بالفعل عن إرادة الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98]، ويحتمل أن يكون... الآن قالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، الآن قد يتوهم أو قد يتصور الإنسان أن كلمة كان إذا اغتسل من الجنابة أنه هذا حصل وانتهى، فكيف كان إذا اغتسل من الجنابة وخلص يغسل يديه؟ فقال البعض لا بد وأن نقدر شيئاً محذوفاً؛ تمام، هكذا البعض جعله مجاز الحذف وأن التقدير كان إذا أراد أن يغتسل من الجنابة، قال حاله حال قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، فأنت هل إذا قرأت وخلصت تستعيذ؟ ولا تستعيذ من البداية؟ الإنسان يستعيذ قبل أن يشرع في القراءة، فقالوا كما أن المفسرين قدروا ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أن التقدير إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله، أن هذا هو التقدير، أو إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، كذلك هنا نقدر كان إذا اغتسل من الجنابة يعني كان إذا أراد الاغتسال من الجنابة.

طبعاً البعض يقول لك هو مش مجاز حذف، البعض يقول هو من باب إطلاق الفعل وإرادة قصد إرادته يعني لا حاجة لأن نقدر، نقول هذا مجاز حذف زي «واسأل القرية»، واسأل أهل القرية مش يقول لك هذا مجاز حذف تقدير واسأل أهل القرية قدر الكلمة المحذوفة. البعض يقول لا حاجة إلى أن نقدر حتى نقول إنه مجاز حذف، وإنما نقول عبر بالسبب عن المسبب أو بالمسبب عن السبب، أو عبر عن الشيء باعتبار ما يؤول إليه أو باعتبار ما كان عليه نفس الشيء بدون ما نقول مجاز، نقول عبر بالشيء عن إرادته، خلص افتكينا عبر بالشيء عن إرادته، فيقول كان إذا... فأن تقول كان إذا اغتسل من الجنابة عبر بالفعل وأراد إرادة الفعل، كان إذا أراد الاغتسال من الجنابة يفعل كذا وكذا، هذه طريقة.

ويحتمل أيضاً أن يكون قولها اغتسل بمعنى شرع في الغسل، فإنه يقال فعل إذا فرغ، وفعل إذا شرع، وهذه أسهل الطريقة أن نقول لا ما فيش داعي أصلاً أن نطرق باب المجاز، بل أصلاً قولك كان إذا اغتسل، إطلاق الفعل تقول فلان اغتسل هل هو باعتبار أوله ولا باعتبار آخره؟ يعني أنت ما تقول فلان اغتسل، يجوز أن تقول فلان اغتسل إذا فرغ، ويجوز أن تقول فلان اغتسل إذا شرع في الغسل. نفس الشيء مثلاً تقول فلان صلى، هذه نقاش في اللغة هل نقول فلان صلى إذا فرغ وانتهى، أم نقول فلان صلى بمجرد شروعه؟ فنقول والله فلان صلى. فقالوا إطلاق الفعل يجوز أن يكون عند الفراغ منه، أطلق أنك صليت صمت كذا، ويجوز أن يطلق أيضاً بمجرد شروعك فيه، أن أقول فلان صام وصلى بمعنى شرع. فيقول ويحتمل أن يكون قول اغتسل بمعنى شرع، فإنه يقال فعل الشيء إذا فعله وفرغ منه، وفعل الشيء إذا كان شرع فيه، طبعاً يبقى أي هما هو الحقيقة وأي هو المجاز أو هذا قد يكون مجال بحث عند اللغويين.

قال فإذا حملنا اغتسل على شرع صح ذلك، قال صح إذا قلنا كان إذا اغتسل يعني إذا شرع في الغسل، بدون حاجة أن نقول عبر بالفعل وأراد الإرادة، لا، اغتسل بمعنى شرع في الغسل، صح ذلك، ليه؟ قال لأنه يمكن أن يكون الشروع وقتاً للبداءة بغسل اليدين، وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة هو وقت الاستعاذة. جميل ماذا يريد أن يقول؟ على التفسير الثاني أن نقول كان إذا اغتسل يعني إذا شرع في الغسل، ما الفرق بين التفسير الثاني والتفسير الأول المجازي؟ أنه التفسير الأول نقول أطلق الفعل وقصد إرادته، والإرادة هي النية وتكون قبل الشروع أصلاً، قبل الشروع أصلاً، لكن على الطريقة الثانية إذا قلت كان إذا اغتسل إذا شرع في الغسل، لا هنا ما عدنا نتكلم عن شيء قبل، نتكلم عن الخطوة الأولى في الغسل، كان إذا شرع يعني بدأ وهو الآن في أول قسم منه. طب هذا بماذا سيؤثر؟ سيؤثر على فهم السياق بين هذا النص وبين نص الآية القرآنية، لو قلت كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا شرع في الغسل، إذا اغتسل من الجنابة إذا شرع في الغسل، غسل يديه، هذا لا إشكال فيه من حيث المنطق الاستدلالي؛ لأنه المعنى أنه كان إذا شرع في الغسل فيكونه بغسل اليدين. طيب لو بدي أطبق هي الفكرة على الآية القرآنية، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ بدي أقول قرأ بمعنى شرع في القراءة، فإذا قرأت يعني إذا شرعت قرأت يعني أنت الآن تقرأ، فاستعذ بالله؛ قال ما هو فعل القراءة قرأت القرآن، الاستعاذة مش آية قرانية قال ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ شروعك بقراءة القرآن لا يمكن أن يجتمع.

عقلاً مع قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ أنه قراءة لأن هذه ليست آية من القرآن، وإنما هي أدب يقال قبل الشروع. فبالتالي قال: لا يجتمع في قراءة القرآن مع أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفس الوقت، لكن يجتمع في الغسل مع أن يكون هذا الشروع هو غسل اليدين، يعني يكون هذا هو هذا. فلذلك قال: هذه الطريقة الثانية تصلح أن نطبقها على الحديث، لكن لا يصلح أن تطبقها على الآية؛ لأن الشروع في قراءة القرآن عمل اللسان، وقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم عمل اللسان، ولا يمكن في نفس الوقت في نفس اللحظة في نفس كذا أن تكون شرعت في قراءة القرآن وفي نفس الثانية عم بتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يعني هذا لا يجتمعان مع بعضهما.

فلذلك قال: لا يصلح، قال: فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة هو نفسه وقت قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كأنه اجتماع لمتضادين هنا؛ يعني لا يجتمعا في مكان واحد. قال: الوجه الثاني يقال كان يفعل كذا بمعنى أنه تكرر.

القاعدة الأصولية الثانية: استعمال «كان» في الأحاديث النبوية. «كان» إذا استعملت في الحديث النبوي هل تدل على التكرار وأن هذه عادة مستقرة من النبي عليه الصلاة والسلام؟ كثير ما يرد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل كذا، كان يشرب كذا، كان يغسل، وكان يشرب، وكان يذهب، وكان يأتي. فيقول القاعدة ما هي؟ اقرأ. قال: يقال كان يفعل كذا بمعنى أنه تكرر منه فعله وكان عادته، كما يقال: كان فلان يَقري الضيف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير.

قال: وقد تستعمل «كان» لإفادة مجرد وقوع الفعل دون الدلالة على التكرار. هل «كان» يمكن أن ترد في الحديث ويكون المراد منها مجرد وقوع الفعل فقط دون أن تدل على أنه مكرر وعادة مستقرة؟ قال: ممكن، لكن الأول هو الأكثر في الاستعمال، فينبغي بالتالي حمل الكلام على الأول حتى تأتي القرينة التي تدل على أن المراد بـ «كان» مجرد الوقوع دون تكرار. هذا بهمنا أن تعرف ما هو الأصل وما هو خلاف الأصل، إنما خلاف الأصل يحتاج إلى قرينة، وعليه ينبغي حمل حديث عائشة وقول عائشة: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل، على أن هذا عادة مستقرة.

الوجه الثالث: قد تطلق الجنابة على المعنى الحكمي الذي ينشأ عن التقاء الختانين أو الإنزال. لاحظ ماذا قالت عائشة: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل، لاحظ أنه ناقش لفظة «كان» ولفظة «إذا اغتسل»، وهل هي حقيقة في ماذا؟ ثم انتقل للفظة الثالثة: من الجنابة. كان إذا اغتسل من الجنابة، ما المراد بالجنابة هنا؟ اغتسل من الجنابة؛ هو يقول كلمة الجنابة تطلق على الوصف الحكمي الاعتباري الذي يقوم ببدن الإنسان؛ صحيح، عندما يحصل سبب من أسبابها الجماع أو الإنزال، مش هي موجبات الغسل؟ الجماع إذا حصل أو الإنزال إذا حصل، ماذا يحصل في بدن الإنسان؟ مش يحصل وصف اعتباري بنسميه الحدث الأكبر ويسمى أيضاً الجنابة؟ صحيح يسمى الحدث الأكبر ويسمى أيضاً الجنابة. فالجنابة أو الحدث الأكبر هذا معنى قوله هو معنى حكمي ينشأ عند حصول التقاء الختانين -الذي هو الجماع- أو عند الإنزال. فالجنابة إذاً تطلق على هذا الوصف الاعتباري والمعنى الحكمي.

ما هو الإطلاق الآخر الذي يمكن تطلق عليه الجنابة غير المعنى الحكمي هذا؟ قالوا: مثلاً في القاموس المحيط تجد يقول الجنابة هي المني، فيطلقون الجنابة أيضاً على المني الذي يخرج بسبب التقاء الختانين أو الإنزال. لأنه قال لاحظ الوجه الثالث: قد تطلق الجنابة. كلمة قد تشير أنه في إطلاق آخر، أنه قال: قد تطلق على المعنى الحكمي، فأنت يأتي في ذهنك طب وعلى أيش أيضاً تطلق؟ ما دام تقول قد تطلق على المعنى الحكمي إذاً مباشرة في إطلاق آخر للجنابة غير المعنى الحكمي، ما هو؟ فنقول الجنابة تطلق أيضاً على المني، لذلك جاء في حديث عائشة: كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماذا بالجنابة؟ المني نفسه، فهذا أيضاً من إطلاقات لفظة الجنابة.

إذا قلنا الجنابة هنا في هذا السياق في حديث عائشة المراد بها الوصف الاعتباري الوصف أو المعنى الحكمي، «كان إذا اغتسل من الجنابة»، «من» ستكون تدل على ماذا؟ هنا ماذا قال: وقولها «من الجنابة»، «من» فيها معنى السببية مجازاً عن ابتداء الغاية، من حيث أن السبب مصدر للمسبب ومنشأ له. يعني هو يريد أن يقول «من» الأصل فيها كحرف جر لابتداء الغاية، لكن هنا جاءت مجازاً تدل على السببية، وكان المراد: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل بسبب الجنابة، حيث أن السبب مصدر للمسبب ومنشأ له، وبالتالي في علاقة بين السببية وابتداء الغاية. وهذا الذي هو يريد أن يقول لك أنه في علاقة بين السببية وابتداء الغاية، ما هو؟ أن السبب هو نقطة ابتداء المسبب، فمنه ابتدا المسبب، مادام السبب هو مصدر للمسبب وأن السبب هو منشأ له، فكأنه ابتداء له، فمن هنا جاز أن تستعمل «من» بمعنى السببية، وهذا هو الرابط أو العلاقة، مش دائماً المعنى المجازي لا بد علاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، فهو يريد أن يخبرك ما هي العلاقة التي بين المعنى المجازي وهو السببية والمعنى الحقيقي وهو ابتداء الغاية؛ العلاقة أن كلاهما يدل على ماذا؟ على نقطة انطلاق. فحتى السببية تدل على نقطة انطلاق وهي نقطة انطلاق المسبب. فإذاً «كان إذا اغتسل من الجنابة» أي بسبب الجنابة، هذا معنى الذي يريد أن يصل إليه ابن دقيق العيد.

قال الوجه الرابع: قولها غسل يديه، هذا الغسل هو المسنون قبل إدخال اليدين في الإناء، وقد تبين ذلك مصرحاً به في رواية سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. يعني ما المراد بغسل اليدين؟ المراد غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وهذا في رواية من روايات حديث عائشة لغسل الجنابة جاء مصرحاً به، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء. جاء التصريح بذلك أن قالت: غسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء، فصرحت بأن هذا الغسل لليدين هو غسل سنة، طبعاً مسنون قبل أن تدخل الأيادي في ماذا؟ في أي الغسل، وهذا شبيه بما مر معنا في حديث الوضوء أيضاً، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يغسل، أكفى على الإناء بيديه، فأفرغ بيمينه على شماله، فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يمينه في الوضوء، الأحاديث السابقة التي مرت معنا. فكما يسن غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء في الوضوء، كذلك يسن سنوا غسل الكفين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء في الغسل.

لكن هناك إذا تذكرون كان في نقاش عند أصحابنا، في فرق جوهري عند الحنابلة بين الوضوء وبين الغسل في حالة أنه لو ما غسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ لأن أنت نويت الوضوء وما غسلت يديك ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، مباشرة أدخلت يمينك وبلشت تغترف تمسح تغسل وجهك ثم كذا، هل الغرف باليد يفسد الماء؟ في حالة الوضوء قلنا لا، بس عندنا في حالة الغسل يفسد. بدك تفرق عند الحنابلة؛ أنا فقط سأختصر هنا على رأي الحنابلة، وهو أن عند أصحابنا غسل الكفين ثلاثاً هو بشكل عام مشروع مسنون سواء قبل إدخالهما الإناء سواء في الوضوء ولا في الغسل، لكن في الوضوء لو ما عمل كده، لو ما غسلت يديك ثلاثاً، قلت خلص أنا ما بدي أطبق هذه السنة، بدي مباشرة أغرف وأغسل وجهي ثم أغرف وأغسل يدي اليمنى إلى المرفق ثم أغرف وأغسل يدي اليسرى، هذا عندنا لا يؤثر ويبقى الماء طهوراً ما في مشكلة استعمله، وإن كنت خالفت السنة. لكن في الغسل لا، هنا مشكلة؛ إذا ما غسلت يديك ثلاثاً طبعاً أنت ناوي ترفع الحدث الأكبر، إذا ما فعلت هذه السنة ابتداءً وكان عندك إناء ستغمس فيه -إنه ممكن يكون في تغمس- ممكن يكون واحد يغتسل مية المطر، يعني مش حتى ما يقول لأحد ما هو إذا صار هذا لازم إذا من باب ما لا يتم الواجب إلا به، هسا بقول لا هي سنة بشكل عام غسل اليدين ثلاثاً، إنه ممكن كما قلت شخص عم يغتسل من شلال عم ينزل عليه، كان عم بيغتسل من مية مطر، يعني مش لازم يكون في إناء، بس بنقول إذا كان في إناء واحتجت أن تغمس يديك فيه، فإذا ما غسلت كفيك ثلاثاً قبل أن تدخلهما الإناء وبدأت تغرف مباشرة أفسدت الماء الذي في الإناء، أفسدت ماء الإناء، وتحول من طهور إلى طاهر وأصبح مستعملاً، فهذا فرق تذكره جيداً.

قال الوجه الخامس: قولها «وتوضأ وضوءه للصلاة» يقتضي استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، ولا شك في ذلك. طب بعد أن قال كان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل من الجنابة، قال: غسل يديه، طيب عرفنا سنة غسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، قال وتوضأ وضوءه للصلاة، هذا يدل على ماذا؟ يقول يقتضي استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل عن سائر الأعضاء الأخرى، ولا شك في ذلك، ما دام بدأ بأعضاء الوضوء إذاً في استحباب لابتداء غسل أعضاء الوضوء، أي الوجه واليدين للمرفقين قبل أن تغسل أي عضو آخر من الأفخاذ والركب وما شابه ذلك. لكن يقع البحث في ماذا؟ اقرأ.

قال: نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقة ويكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، وهو الحدث الأكبر، أو يقال إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قدمت على بقية الجسد تكريماً لها وتشريفها، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى.

الآن البحث الذي أطلقه هنا ما هو؟ يقول يقع البحث أن الغسل لأعضاء الوضوء ابتداءً لما قال توضأ وضوءه للصلاة، هل هو وضوء حقيقي ويكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ يقول خلص هو توضأ لها وضوءاً حقيقياً ويكتفى بالتالي عن غسل هذه الأعضاء للجنابة، ليه؟ قال فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء في صورتنا التي نحن فيها الآن واحد، ما هو موجب الوضوء هنا؟ الحدث الأكبر، وما موجب الغسل؟ برضو الحدث الأكبر. في هذه الصورة قال فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، الموجب هو الأثر والموجب هو المؤثر.

ما يقال بحث أن وضوء الحقيقة يرفع الحدث، طب ما معنى لما يقول هل هو وضوء حقيقة؟ بمعنى يرفع الحدث الأصغر المانع من الصلاة ويكفي عن غسل الجنابة، فإن الأمر الذي يوجب غسل هذه الأعضاء للجنابة ولرفع الحدث الأصغر واحد، قال وهو الحدث الأكبر هنا، فإنه لا يوجب لهذه الأعضاء غير غسلها، فاتحاد الموجب -بالفتح- صادر عن اتحاد الموجب -بالكسر- في هذه الأعضاء، وإن غاير الأكبر الأصغر في غيرها، في غير هذه الصورة، فلذا قيده بفعله في هذه الأعضاء.

نعود نقول قال فإن الأمر الذي يوجب غسل هذه الأعضاء -وهي أعضاء الوضوء- فإن الذي أمر الذي يوجب غسل هذه الأعضاء وهي الوجه واليدين للجنابة ولرفع الحدث الأصغر واحد، قال وهو الحدث الأكبر هنا. هكذا يقول الصنعاني: فإنه لا يوجب لهذه الأعضاء غير غسلها، فاتحاد الموجب -بالفتح- وهو الغسل، صادر عن اتحاد الموجب -بالكسر- وهو الحدث الأكبر. يعني لما اتحد الموجب وهو الحدث الأكبر في هذه الصورة، اتحد الموجب وهو ماذا؟ الغسل، سواء الغسل للجنابة وللحدث الأصغر، لأن هنا نحن مش عندنا قاعدة عند أصحابنا.

الحنابلة كلما أوجب حدثاً أكبر، أوجب حدثاً أصغر. ممتاز، فهنا اعتبر أن الحدث الأكبر هو الذي أوجب عليَّ الحدث الأكبر، وهو الموجب؛ هو الذي أوجب غسل هذه الأعضاء للجنابة وللحدث الأصغر. ممتاز، يعني هكذا هو السياق. بقي علينا أن نعود إلى النص لما قال: هو وضوء حقيقة، ويكتفى بهذا الوضوء عن غسل هذه الأعضاء مرة أخرى للجنابة. لماذا؟ قال: فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، إذا كنا نقصد بالموجب الغسل كما قال الصنعاني، موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، وهي أن تغسل؛ لأنه ناتج عن موجب واحد بالكسر وهو الحدث الأكبر. فالحدث الأكبر هو الموجب الذي أوجب شيئاً واحداً وهو ماذا؟ الغسل.

وهذا الغسل إذا حصل بالوضوء الحقيقي خلاص يكتفى به عن إعادة الغسل مرة أخرى للجنابة، فإن هنا موجب واحد يثمر موجباً واحداً؛ الموجب الواحد هو الحدث الأكبر أثمر موجباً واحداً وهو أن تغسل هذه الأعضاء. تمام، فإذا حصل غسلها بالوضوء أجزأ عن غسلها عن الجنابة. خلاص، فكلمة موجب بالفتح أيضاً لها معنى صحيح هنا ما في إشكال. صح، أو يقال إن غسل هذه الأعضاء إنما هو عن الجنابة، وإنما قُدِّمت على بقية الجسد تكريماً لها وتشريفاً، ويسقط غسلها عن الوضوء لاندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى.

أو يقول أنت أمام احتمالين: إما أن تقول إن هنا حصل وضوء أجزأ عن الغسل، أو العكس تقول الذي حصل هنا غسل وليس وضوءاً حقيقياً، الذي حصل غسل لهذه الأعضاء الأربع، وإنما بُدئ بها في الغسل لأنها أشرف من غيرها وأكرم من غيرها، وغسلها يسقط وضوءها لاندراج الحدث الأصغر تحت الحدث الأكبر. شو سبحان الله، هذا بيعطيك يفتق الأذهان إخواني هذا الكلام، أن طرق الفهم عديدة؛ ربما لو قرأت هذا النص مرات لن يخطر في ذهنك أن هناك طريقتين للفهم وليس طريقة واحدة، أنه في من العلماء من رأى أن هذا وضوء حقيقي أجزأ عن الغسل للجنابة، وهناك من انعكس في طريقة التفكير تماماً ورأى أنه هذا الوضوء هو ليس وضوءاً حقيقياً، إنما هو جزء من عملية الاغتسال وبدأنا بهذه الأعضاء للإشارة، وأن الاغتسال أجزأ عن الوضوء لأن الحدث الأصغر مندرج تحت الحدث الأكبر. هذه إجمالية قراءة هذه النصوص التفصيلية التي كما قلت توسع مع ذلك الإنسان في طريقة القراءة للنص الواحد.

اقرأ، قال: فقد يقول قائل قولها "وضوءه للصلاة" مصدر مشبه به تقديره وضوءاً مثل وضوءه للصلاة. الآن سيدتنا عائشة الله يرضى عنها لما قالت: «كان النبي عليه الصلاه والسلام إذا اغتسل من الجنابة يغسل يديه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة»، شوف العبارة: «يتوضأ وضوءه للصلاة». قالوا: أليست هذه العبارة فيها تشبيه ضمني، وأن المراد يتوضأ مثل وضوءه للصلاة؟ كأنها هكذا تريد أن تقول: يتوضأ كما يتوضأ وضوء الصلاة أو مثل وضوءه للصلاة. طب هذا التشبيه ماذا يقتضي؟ إذا قلت إن عائشة هذا الذي قصدته أن تشبه هذا الوضوء بوضوء الصلاة، قالوا: فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة من الجنابة وليست متوضأة أو موضأة. لماذا؟ لأنها قالت توضأ مثل وضوءه للصلاة إذا هو ليس وضوءاً، وشبهت هذه العملية غسل الأعضاء الأربع أثناء الغسل بأنها تشبه الوضوء للصلاة.

طب لماذا يقتضي المغايرة؟ قال: أنت الآن نمشي مع هذا الفهم ثم بعد ذلك سياتيك بفهم آخر. قال: فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء الأربع هي مغسولة من الجنابة غسلاً أجزأ عن الوضوء، وليست أنها موضأة وضوءاً أجزأ عن الغسل، يعني كان هذا يرجح القول الثاني في الفهم الذي ذكرنا وليس القول الأول. لماذا؟ قال: يلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء الأربع أعضاء الوضوء مغسولة من الجنابة، لأنها لو كان المراد غسلها للوضوء حقيقة على طريقة الفهم الأول لكان ما نقول توضأ مثل وضوءه للصلاة، لكان قال توضأ عين الوضوء للصلاة، وليس توضأ وضوءه. السياق توضأ وضوءه أقرب إلى أن يكون تشبيهاً. ولو كان المراد أنه توضأ الوضوء الحقيقي وأن هذا هو المراد، لما قالت توضأ وضوءه على سياق التشبيه، بل قالت لكان توضأ عين الوضوء للصلاة. وعليه إذا كان توضأ عين الوضوء يعني نفس الوضوء للصلاة لا يصح التشبيه، لن يكون هناك أي معنى دقيق للتشبيه لتقول توضأ مثل وضوءه؛ لا خلص هو توضأ وضوء الصلاة مش توضأ مثل وضوءه للصلاة. قال: لأن التشبيه في أصله يدل على وجود مغايرة بين المشبه والمشبه به، قال: لأنه أي التشبيه يقتضي في اللغة التغاير بين المشبه والمشبه به؛ فإذا جعلناها مغسولة للجنابة هذه الأعضاء الأربع وليس للوضوء، صح التغاير. التشبيه يقوم على المغايرة، فإذا قلنا التقدير توضأ وضوءه للصلاة، توضأ مثل وضوءه للصلاة، فجعلنا الوضوء الأول اللي هو المشبه ليس وضوءاً حقيقياً وإنما هو غسل جنابة، والوضوء المشبه به وهو وضوء الصلاة وضوء حقيقي، هيك صار نعم في مغايرة بين المشبه والمشبه به، فارتحنا نفسياً والحمد لله تحققت المغايرة وكان التشبيه في الصورة ظاهراً.

وأما يعني على طريقة هؤلاء إذا جعلنا الوضوء المشبه هو نفس وضوء الصلاة، فكأنك تقول توضأ وضوءاً للصلاة يشبه وضوء الصلاة! فبقول لك المعنى أصبح ضعيفاً؛ يعني كيف توضأ وضوء صلاة يشبه وضوء الصلاة؟ ما في داعي للتشبيه أصلاً. طيب الآن سيبدأ ابن دقيق العيد يجيب فيقول: وجوابه بعد تسليم كونه مصدراً مشبهاً به؛ لسه أولاً في عندنا قضيتين، أنه هل نحن سنسلم أنه في تشبيه؟ يعني هل عائشة لما قالت توضأ وضوءه للصلاة هل هي أصلاً في تشبيه ضمني؟ وأن التقدير توضأ كوضوءه؟ هل هذا أصلاً هو وارد؟ لأنه قد لا يفهم أصلاً فيه تشبيه، لكن مين اللي قال إنه أصلاً هي تشبه؟ هي فقط تصف وصفاً عاماً أنه توضأ وضوء الصلاة بس، يعني هي لا تشبه شيئاً بشيء أصلاً. بس ابن دقيق قال بدي أتنزل شوي وبدي أعتبر أنه في تشبيه ماشي، وحذفت أداة التشبيه لو كان فيه تشبيه، فهنا وجهان: الوجه الأول: أن يكون شبّه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه ولا يلزم منه عدم كونه وضوءاً للصلاة حقيقة.

جميل، أنتم هسّة مشكلتكم في المغايرة صحيح بين المشبه والمشبه به؟ قال لهم ابن دقيق العيد: أنا أستطيع أن آتي لكم بمغايرة دون أي الحفلة التي فكرتم فيها، فنقول إذا طبعاً هذا كله على تسليم أنه في تشبيه، أن المراد توضأ وضوءاً في الغسل يشبه وضوء الصلاة الذي لا غسل معه، ويكفي هذا القيد ليصنع المغايرة. أنا أقول لك توضأت وضوءاً في أثناء الغسل، بهذا القيد يشبه وضوء الصلاة الذي لا غسل معه. قال: هذا حقق المغايرة، فالمغايرة تحصل بأدنى أدنى فرق كما يقول اللغويون، خلص، ما المغايرة مش محتاجة شيء عظيم جداً، يحصل بأدنى فرق بين المشبه والمشبه به تحصل. فلذلك يقول لو أنني قيّدت المشبه بأنه مع غسل الجنابة، والمشبه به وهو الوضوء في غير غسل الجنابة، حصلت المغايرة. فيقول: والوجه أن يكون شبّه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة الذي ليس في غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء الذي ليس مصحوباً بغسل الجنابة، فحصل التغاير المطلوب دون الحاجة إلى أن نقول إنه يلزم منه أن يكون الوضوء الذي في الجنابة وضوءاً حقيقياً، لا، خليه وضوء حقيقي ولكنه بقيد أنه مع غسل الجنابة، والوضوء المشبه به وضوء حقيقي وهو بقيد أنه ليس مع غسل الجنابة، يجوز أن يكون كلاهما وضوءاً حقيقياً.

طيب الاحتمال الثاني أو الوجه الثاني: قال لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية، شبّه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة. الطريقة الثانية أن نقول شبّه الوضوء الفعلي بالوضوء الذهني. إذاً خلاصة ما يريد أن يقوله: شبّه الوضوء الفعلي بالوضوء الذهني، بمعنى لما كان الوضوء له صورة ذهنية، أراد أن يبين أن الوضوء الذي حصل في أثناء الغسل، هذا الوضوء الفعلي هو صورة من صور الوضوء الذهني الموجود في ذهن الإنسان. أنت لما تسمع كلمة وضوء ماذا يأتي في ذهنك؟ أول ما تسمعها يأتي في بالك غسل وجه يدين رأس كذا، هذا اللي أنا متصوره في ذهني. فلما تسمع أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا اغتسل من الجنابة يغسل يديه ثم يتوضأ، كان عائشة أرادت أن -لماذا أكملت- ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، أرادت أن تبين أنه هذا الوضوء اللي حصل أثناء الغسل ترى يا أيها السامع هو يشبه الوضوء الذي في ذهنك، هو نفسه الوضوء الذي في ذهنك وأنت تتخيله، فأرادت أن تبين أن الوضوء الفعلي الذي حصل في أثناء غسل الجنابة منه صلى الله عليه وسلم هو يشبه الوضوء الذي في أذهانكم وليس شيئاً آخر. فهذا معنى قوله لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية شبّه هذا الفرد وهو الوضوء الذي يقع أثناء الغسل، شبّه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه قال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة، وهذا فيه تغاير أيضاً لأن هنا شبّه شيئاً خارجياً بشيء ذهني، وهذا يكفي أن يحصل فيه مغايرة.

بالتالي رأي ابن دقيق العيد أن الاعتماد على التشبيه لإثبات أن هذا الوضوء ليس وضوءاً حقيقياً، وأنه وضوءٌ هو غسل أسقط الوضوء؛ الاعتماد على التشبيه كأداة لترجيح الفهم الثاني ليس قوياً، بل يمكن أن يبقى على المعنى الأول حتى لو قلنا بالتشبيه، هذا كله أصلاً إذا سلّم لك الخصم أن هناك تشبيهاً نعم.

قال الوجه السادس قولها: «ثم يخلل بيديه شعره». التخليل ها هنا طبعاً عند أصحابنا نحن نؤمن أن الوضوء هذا وضوء حقيقي، تمام. أصحابنا الحنابلة يقولون هو وضوء حقيقي ممتاز، ويقول بسنية إعادة غسل القدمين مرة أخرى في أثناء عند نهاية الغسل، فنحن لا نحتاج إلى طريقة الفهم بل نؤمن أنه وضوء حقيقي الحصل في أثناء الغسل. نعم طبعاً أنت ستقول في النهاية شيخ النتيجتين واحدة؛ ممتاز، سواء يعني أن وضوءاً حقيقياً أجزأ عن الغسل ولا هو غسل أجزأ عن الوضوء؛ تمام، قد يرى البعض أنه في النهاية النتيجة واحدة، أنه الأصغر والأكبر دخل مع بعضهما البعض، تمام، لكن في النهاية يهمنا نحن صورة الفعل أنك ماذا نويت بها، كنية هي نية الوضوء في هذا الموضع. نعم، قال الوجه السادس قولها: «ثم يخلل بيديه شعره». التخليل هنا إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر، يعني أن تدخل الأصابع فيما بين أجزاء الشعر نعم. قال و رأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل هل يكون بنقل الماء أو بالأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ يعني هذا بحث جزئي تفصيلي وهو هل التخليل هنا يكون أنك تأخذ ماء تغرف ثم تخلل ولا لا بدون ما أغرف؟ خلص الأصابع تكون مبلولة بالبلل الذي عليها أخلل مباشرة دون الحاجة إلى أن يكون التخليل مصحوباً بالماء.

قال وأشار إلى ترجيح نقل الماء لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في كتاب مسلم: «ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر». فقال: هذا القائل نقل الماء لتخليل الشعر هو رد على من يقول يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل ماء. قال وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، قال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة رضي الله عنها فيه، فقالت فيه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً»، قال فلفظة «يشرب» تدل أو قد يفهم منها أن التخليل مصحوب بنقل الماء نعم، قال فهذا بين في التخليل بالماء. انتهى كلامه نعم.

قال: وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر لا بالخمس، تمام وفي الحديث دليل على أن التخليل يكون بمجموع الأصابع العشر لا بالخمس لأنه ماذا قال؟ قال «حث ثم اغتسل ثم يخلل بيديه» مش بيده، بيديه، إذاً هذا يدل على استعمال كلتا اليدين وليس فقط هكذا بأصابعك الخمس، بل بكلتا اليدين بأصابعك العشر نعم.

قال الوجه السابع قولها: «حتى إذا ظن»، يمكن أن يكون الظن ها هنا بمعنى العلم، ويمكن أن يكون على ظاهره مع رجحان أحد الطرفين مع احتمال الآخر. الآن كلمة ظن في اللغة العربية الأصل فيها أنها تدل على الرجحان، ولكنها كثيراً أيضاً ما تستعمل بمعنى العلم: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]، يعني الذين يجزمون أنهم ملاقو ربهم. طيب فأيهما أعلى في الفهم هنا؟ هل حتى إذا ظن بمعنى علم تيقن، وبالتالي لا بد من الوصول إلى درجة اليقين في إرواء البشرة، أو يكفي الظن بمعنى الرجحان حتى إذا ظن يعني غلب على ظنه أنه قد أروى بشرته يكفي الرجحان؟ قال يحتمل هذا وهذا، لكن أكمل، قال: ولولا احتمال قولها بعد ذلك أفاض عليه الماء ثلاث مرات لترجح أن يكون بمعنى.

العلم، فإنه حينئذ يكون مكتفياً به، أي لري البشرة. فإذا كان مكتفياً به في الغسل ترجح اليقين.

طيب، دقيقة، قالوا ولولا احتمال قولها بعد ذلك: «أفاض عليه الماء ثلاث مرات»، ما هو الاحتمال الذي يقصده هنا؟ ولولا احتمال قولها بعد ذلك «أفاض عليه الماء ثلاث مرات»، ما هو الاحتمال؟ قال: لولا هذا الاحتمال لترجح أن يكون ظن بمعنى علم، فإنه حينئذ يكون مكتفياً به لري البشرة، فإذا كان مكتفياً به في الغسل ترجح اليقين.

نعم، قال: مسحين ثلاثة مع بعض، هل هو تعبد؟ ثم هو فقط التيقن من وصول الماء إلى كل الأجزاء. فاعترض من دقيقة على من يقول بأن الغسل الثلاث هذا يكون للتيقن فقط، لأن لو كان للتيقن لم يكن الاختصاص رقم ثلاث بفائدة. هنا يقول نفس الشيء؛ فإنها لما قالت ثلاث مرات، هذا يدل على أن الغسل لم يكن للتيقن من وصول الماء إلى كل الأجزاء، بل هو ثلاث تعبداً، وإلا لو كان كل مرة فقط يوصل الماء بحيث أن يتيقن الوصول، ما كان صح.

ولا ترجح اعتبار، حتى إذا تيقن أنه أروى بشرته. أما على اعتبار الثلاث تعبداً، هذا ليس فيه شرط التيقن وصول الماء، السنة ثلاث تيقنت أو ما تيقنت. أما إذا كانت الفكرة أنك تيقن وصول الماء فلن يكون للثلاثة اعتقاد.

يعني أنت ترى أن الاحتمال المقصود قال ولولا الاحتمال الذي في قوله، ولا إيش عندك؟ ولولا إيش؟ قوي. أنت هنا دخلتنا في قضية أخرى، كلمة الاحتمال، أنا أقصد حتى كلمة احتمال، ولولا احتمال قولها بعد ذلك «أفاض عليه الماء ثلاث مرات»، لولا أن هذا يحتمل أنه للتعبد، لولا وجود هذا الاحتمال؛ احتمال التعبد، وأنه اكتفى بالثلاث تعبداً، يترجح أنه أن الثلاث تعبدية، وأنه اكتفى بالتخليل حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، هو خلص، خرج عنه، قال يكون مكتفياً به، أي بري البشرة.

آه بري موضوع التخليل، لا لا، هذا تتمة للتخليل، أنه هو حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته بماذا؟ أقول لك الآن أنت تتتبع سياق الحديث، قال: «ثم اغتسل». ثم، أي ثم، ثم اغتسل، ثم يخلل بيديه شعره. الآن هو توضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل، لما قال: «ثم اغتسل»، الآن أراد أن يعطيك كيف اغتسل بعد أن توضأ وضوء الصلاة، فقال: «ثم اغتسل، ثم يخلل». هي "ثم" هي تفصيل لما لكيف اغتسل. قال: «ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته بالتخليل» افاض الماء عليه ثلاث مرات.

طيب، لو قلت لك إن الاحتمال الذي ذكره بس خليني أنظر في نسخة الصنعاني، هل كلمة الاحتمال هنا صح؟ حتى في نسخة هنا ليس فيها احتمال، ولولا قولها، يقول الصنعاني: ولولا قولها بعد ذلك «أفاض عليه الماء ثلاث مرات»؛ فإنه لو حمل الظن على العلم، لكانت إفاضته الماء ثلاث مرات ضائعة، يعني هيك زيادة سيما وأنه قد نهي عن الإسراف في الوضوء. إلا أنها لما ذكرته، ذكرته يعني إفاضة الماء، دل على أنه على ظاهره، وهو أن الظن بمعنى الرجحان، وهو أن الظن بمعنى الرجحان، أنه ظن أروى بشرته لكن أراد الوصول إلى اليقين، فأتبعه بإفاضة الماء ثلاث مرات. ظن أحملها على الرجحان، حتى إذا ترجح أنه أروى بشرته، لكنه رجحان لم يصل إلى اليقين بعد، أراد أن يصل إلى اليقين من خلال ماذا؟ إفاضة الماء عليه ثلاث مرات.

قال: وهذا مبني على أنه لا بد من ماذا؟ كل هذا أصلاً مبني على ماذا؟ على أن الإسباغ لا يكتفى فيه بالظن، بل يجب الوصول فيه، بل يجب فيه العلم. وفي مذهب أصحابنا الحنابلة الإسباغ يكفي عندنا الظن. يعني هنا أصلاً إحدى المشكلات القائمة هو أن الإسباغ هل يجب الوصول فيه إلى درجة اليقين، أنني أسبغت ووصلت الماء إلى كل المواطن المخفية والدقيقة وكذا؟ أم يكفي غلبة الظن؟ إذا قلنا إنه يشترط العلم بالإسباغ والتيقن، هنا سنفتح نقاشاً أنه حتى إذا ظن أنه... إذا قلنا ظن هنا بمعنى غلب على ظنه وهو الرجحان فقط، فسيكون إفاضة الماء عليه ثلاث مرات يعني ماشي بـ منطقية المشهد.

أما إذا قلنا ظن بمعنى علم فسيطرأ إشكال، أنه إيش حتى إذا علم أنه قد أروى بشرته؟ طب يعني هو وصل لليقين، أفاض عليه الماء ثلاث مرات، سيكون إفاضة الماء هنا إيش على طريقته في التفكير طبعاً؟ إنه قد تكون إيش فيها نوع من الإضاعة والإسراف. بس طبعاً سيقول لك الطرف الآخر: لا، أنا ما عندي مشكلة أن أقول إنه ظن بمعنى علم، حتى إذا علم أنه قد أروى بشرته ثم أفاض الماء ثلاث مرات تعبدية، هون مش قضية إنه لا خليها علم ما في مشكلة، أن يكون جزم أنه أروى بشرته من خلال التخليل وتيقن، ثم أفاض الماء ثلاث مرات تعبداً، يعني في مشكلة في ذلك؟ وهو إذا كان تعبداً قطعاً فيه حكمة، ولا يكون هذا إسرافاً، وإن كنا نحن لا نعلمها.

هل يقول شخص إن غسل اليدين ثلاث مرات هذا فيه إسراف؟ طب أنا لو تيقنت من أول مرة أنني عممت يدي إلى المرفق، هل يأتي الشخص يقول: طيب شيخ هيك صارت الغسلة الثانية والثالثة إسراف؟ أقول حاشا. ما دام فعلها النبي عليه الصلاة والسلام وسنها إذاً هذا ليس إسرافاً، صحيح، ليس حتى لو تيقنت أنك في المرة الأولى عممت يدك، فالغسلة الثانية والثالثة تبقى سنة ومشروعة، ولا يعد ذلك إسرافاً.

فهنا قال في النسخة هنا مثل النسخة التي معك: ولولا قولها بعد ذلك «أفاض عليه الماء ثلاث مرات» لترجح أن يكون ظن بمعنى علم، فإنه حينئذ يكون مكتفياً به لري البشرة، فإذا كان مكتفياً به في الغسل ترجح اليقين لتيسر الوصول إليه في الخروج عن الواجب، على أنه قد يكتفى بالظن في هذا الباب فيجوز حمله على ظاهره مطلقاً.

لماذا سيرد معنى اليقين؟ قال: فإنه حينئذ -حين يكون الظن بمعنى اليقين- يكون مكتفياً بري البشرة، أي لري البشرة، يعني يكون اكتفينا بري البشرة، وإذا كان مكتفياً بري البشرة في الغسل ترجح اليقين. بس أنا عندي: ولولا قولها بعد ذلك «أفاض عليه...» يعني لولا قولها لترجح أن يكون ظن بمعنى علم. يعني هي لو أن الحديث كان هكذا: "إذا اغتسل الجناب غسل يديه ثم توضأ وضوءه للصلاة ثم يغتسل، ثم يخلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته" وسكت. لو كان "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته" لولا... على نسختكم لولا قولها بعد ذلك، فكأنه يقول لك اعتبر أن هذه الجملة "أفاض عليه الماء ثلاث مرات" مش موجودة، وأنه قال "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته"، لولا هذه الجملة لترجح أن يكون ظن بمعنى علم، وأن التقدير: حتى علم أنه أروى بشرته، هيك معنى ظن. فإذا كان مكتفياً به في الغسل، ولم يحتج إلى إفاضة الماء ثلاث مرات، فإنه سيترجح أن ظن بمعنى علم؛ لتيسر الوصول إليه في الخروج عن الواجب.

المشكلة أن هنا في نسخة كلام آخر، في نسخة الصنعاني المهم. قال يتيسر الوصول إليه في الخروج عن الواجب، على أنه قد يكتفى بالظن في هذا الباب. إنه كل هذا الباب أصلاً منكم أنه لازم نوصل فيه لليقين، فحتى لو قدرنا أن الجملة "حفن على رأسه ثلاث حفنات" أو أن "أفاض الماء عليه" مش موجودة، لا بد يقول لك اعتبر أن هذه الجملة ما قالتها عائشة، واعتبر أن عائشة قالت -الله يرضى عنها-: "ثم خلل شعره بيديه حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته". اعتبر أنها ما قالت هذه الجملة كلياتها، بدي أمشي معك ما في مشكلة أن تبقى ظن على معناها الرجحاني، ليه؟ قال: على أنه قد يكتفى بالظن في هذا الباب، في كل باب الطهارات، مين اللي قال لكم أنه لازم الوصول لليقين؟

فسواء عائشة قالت "ثم أفاض على رأسه ثلاثاً" أو لم تقل، فش مشكلة أن تبقى الظن بمعنى الظن الرجحاني؛ لأنه كل هذا الباب، باب الطهارات، لا يشترط فيه الوصول إلى اليقين، وبالتالي فيجوز حمله حمل لفظ ظن على ظاهره، وهو الرجحان مطلقاً. شو يعني مطلقاً هنا؟ ما معنى الإطلاق؟ يعني سواء قالت عائشة "ثم أفاض على رأسه ثلاثاً" أو لم تقل، خلي الظن على معناه، لأن كل باب الطهارات لا يشترط فيه الوصول لليقين، لا يشترط فيه الوصول إلى اليقين.

بس حقيقة يعني في مشكلة في هذه النسخة، نسخة أصفار. قال: ولولا احتمال قولها يعني لماذا زاد كلمة الاحتمال هنا مع أنها غير موجودة في النسخ الأخرى؟ لأنه في النسخ "ولولا قولها بعد ذلك أفاض عليه الماء ثلاث مرات لترجح أن يكون بمعنى العلم". فإنه حينئذ سيكون مكتفياً به أي بالتخليل لري البشرة، ويكون ظن بمعنى علم. بس هذا كله مبني على ماذا؟ على أنه أصلاً أنت مطلوب منك أن تصل لليقين.

فلما قالت عائشة "ثم أفاض عليه الماء ثلاث مرات"، يعني كأنه أنت الآن رتب ذهنك؛ إذا كنت ممن يرى أنه لا بد من الوصول إلى اليقين، الآن إذا في عنا حالتين، في عنا رأي فقهي يرى أنه لا بد من الوصول إلى اليقين والجزم، ورأي أنه لا يحتاج إلى الوصول إلى اليقين والجزم يكفي الظن، ممتاز. الآن هذا الكلام ابتداءً على الرأي الأول من رأى أنه لا بد من اليقين والوصول إليه. فالمقدمة الأولى هكذا: احتاج أن أصل إلى اليقين، وبناءً عليه كيف سأفهم الحديث؟ سأفهم "ظن" أنها بمعنى علم، لو أن عائشة لم تقل "أفاض على رأسه ثلاث مرات". إذاً هذه المقدمة الأولى لا بد من الوصول لليقين، وبناءً على ذلك "خلل بيديه شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته"، هذه ظن سأحملها على أنها بمعنى علم وتيقن، حتى تيقن أنه قد أروى بشرته. بس متى أجزم أن هذا هو المراد بها؟ لو أن عائشة لم تقل "ثم أفاض على رأسه ثلاث مرات"؛ لأنها إذا لم تقل "أفاض على رأسه ثلاث مرات" إذاً فهذا بين أنها اكتفت بالتخليل، أنه اكتفى خلاص بالتخليل، واكتفاؤه بالتخليل، مع أننا قلنا في المقدمة الأولى أننا نحتاج إلى اليقين، يدل على أن ظن هنا بمعنى علم، يعني هو علم أنه قد أروى بشرته بدليل أنه لم يحتاج إلى ثلاث حفنات فلم تنص عائشة عليها.

بس في الواقع ما الذي حصل في الواقع؟ أنه ليس هذا هو المشهد الذي حصل، المشهد الذي حصل أن عائشة نصت على أنه بعد التخليل أفاض ثلاث مرات. آه إذاً رجعنا لمربع إذاً في احتمال أن تكون ظن بمعنى الرجحان، وأن إفاضة الثلاث مرات كانت للوصول إلى اليقين، أنه الوصول إلى اليقين ما اكتفى فيه بالتخليل بل احتاج إلى ثلاث مرات إفاضة على الرأس حتى يصل إلى اليقين، فهذا رح يرجعنا إلى أنه ظن مو إذاً ليست بمعنى علم.

بل الآن هيك انتهت وجهة نظر الطائفة الأولى التي ترى أنه لا بد من العلم، بعدين ابن دقيق شو قال لهم؟ بس ترى يا جماعة في طائفة أخرى ترى أنه أصلاً هو من البداية مين قالكم أنه لا بد أن نصل إلى العلم؟ ترى الظن لحاله كافي، وبالتالي سواء عائشة -الله يرضى عنها- قالت "ثم حفن على رأسه" ولا ما قالت، خلي كلمة ظن بمعنى الرجحان ترى، لأنه هو كل المطلوب ابتداء هو الرجحان. فهمتم تركيب الجملة؟ فلذلك قال: على أنه قد يكتفى بالظن في هذا الباب، فيجوز حمل لفظة الظن على ظاهرها وهي الرجحان مطلقاً. مطلقاً، سواء قالت عائشة حفن على رأسه ثلاث مرات ولا ما قالت هي ظن تكتفي فيها بمعنى الرجحان، ممتاز.

عرفت لأنه أنا كلمة الاحتمال كانت ذهبت بي -التي أضافوها- ذهبت إلى طريقة أخرى في الفهم، لكن جيد أننا اكتشفنا أن النسخ الأخرى ما فيها هذه الكلمة، وهذا حقيقة مشكلة يعني أنا أكون صادق معك أني متفاجئ من نسخة أصفار، من المحقق، أصل المحقق قرأ النص من أماكن أخرى ووصل إلى الفهم الصحيح، حتى كلمة مرت معنا الإشكال الذي فيها أنه الأصل أنه انتبه أنه في إشكال لغوي أصلاً يحصل في هذا، فكيف أثبت اللفظة الأخرى؟ لأنه هنا ولولا لأنه شوف على هذا السياق الذي قاله المحقق اختار كلمة احتمال: "ولولا احتمال قولها بعد ذلك أفاض عليه الماء". كلمة ولولا احتمال قولها هنا الاحتمال.

يكون في ماذا؟ في دلالة القول، ولولا احتمال قولها بعد ذلك أفاض عليه الماء. شو يعني سيكون ولولا احتمال قولها؟ سيكون ولولا الاحتمال الموجود في فهم قولها أفاض عليه الماء، وأنه قوله أفاض عليه الماء سيكون هناك عدة احتمالات فيها؛ أن جملة احتمال القول، يعني الاحتمال في فهم قولها أفاض عليه الماء أنه لا يمكن أن يقول ولولا احتمال قولها، يعني احتمال ذكره أو عدم ذكره لأنه مذكور، انتهى.

فيقول ولولا الاحتمال في قولها أفاض عليه الماء، الاحتمال مثلا في مرجع الضمير: أن أفاض عليه الماء ثلاث مرات هل يرجع عليه على بدنه، ولا عليه على شعره؟ يعني لما يقول: وإن كان هذا بعيد طبعا، الآن حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أنا ممكن أقول: حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء، هسه كلمة عليه بترجع إيش؟ هل عليه على الشعر ولا أفاض عليه على جسده؟ أفضت عليّ الماء يعني أفضت على جسدي. طبعا هذا سيضعف أنه قال ثم غسل سائر جسده، هنا ثم أفاض عليه يعني على بدنه ثم غسل سائر جسده، صارت شوية تكرار سمج كما يقولون، يعني ليس له دلالة واضحة هنا؛ فبالتالي لا، ثم أفاض عليه ينبغي أن تكون الضمير في عليه يعود على الشعر، هذا هو السياق المتناسق وهو الفهم المتناسق مع الجملة.

هذا يعني حتى يكون الضمير يعود على الشعر يستلزم فعلا حذف كلمة الاحتمال، خلص ولولا قولها ما فيش احتمال، هي قالت وانتهى، ولولا قولها أفاض عليه لحملنا مباشرة الظن على، أو لترجح، قال حمل الظن على العلم باعتبار أنه لازم الوصول للعلم ولم يحصل، ثلاث مرات إفاضة على الشعر. فإذا هنا حتى إذا ظن، حتى إذا تيقن أنه قد أروى بشرته.

ثم ذكر لك طريقة الفهم الأخرى؛ لأنه حتى لو لم تقل عائشة هذه المقولة فإن الباب كله مبني على الظن، ويصح حمل الظن على الرجحان مطلقا، سواء عائشة قالت الجملة أو لم تقلها، هذا كلام هكذا نصلح ما وقع في نسخة أصفار من إشكال وخطأ.

قال وقولها أروى مأخوذ من الري الذي هو خلاف العطش، وهو مجاز في ابتلال الشعر بالماء، تقول رويت من الماء بالكسر أرواء، وروى بالفتح ريا وريا، وروي وأرويته أنا، وأرويته أنا فروي. نعم، هل في كلمة فروي محذوف؟ لأنه هو يريد أن يقول رويت بكسر الواو رويت من الماء، هنا الفعل استعمل لازما بدون ذكر مفعول به، وأراد أن يبين أنه يستعمل متعديا بس من أين؟ من الرباعي، فقال وروي، أرويته إذا أردت أن تجعله متعديا أنت تحتاج إلى همزة التعدية، فتقول روي وأرويته أنا، فحتى صار متعديا احتجت إلى همزة التعدية، أرويته أنا فروي على طريقة المطاوعة، وأرويته أنا فروي، فإذا هو لازم في الثلاثي يتعدى برباعي.

ما الداعي لتكرار الروية مرة أخرى؟ ما ظهر لي والله، يعني أنا حتى كان نعم، الريا والريا وأرويته أنا فرويت، يعني انتهى من ذكر مصادر الثلاثي ثم الرباعي، قال وأرويت، لا هو قصده وروي الأخيرة، هي اللي قبل أرويته، هي اللي بعد الرباعي، يعني رويت من الماء بالكسر، أرواء بالفتح ريا وريا، وأرويته أنا فرويت. ماشي بس في شكله عندك اختلاف في النسخ، اقرأ لي بالله نسختك، اقرأ من نسختك اقرأ، تقول نسخ زي، لا بس اقرأ اقرأ مش غويت من الماء بالكسر، أرواء بالفتح ريا وريا، فرويته أنا، فروي، وأرويته أنا. لا أساس أنه رويت أنا اللي قبل، فروي، نحن عندنا وروي فرو، ما أنا بقول لك في اختلاف في النسخ، إذا رويت من الماء، أرواء ريا وريا فروي، هيك عندك؟ الالف يعني حتى هي فروي رويت أنا أنا بتكلم عنها ف يعني رويت من الماء، أرواء، شو داعي أن تقول فروي؟ نعم حاشية؟ قال الصواب في النص مش فروي وأرويته، وأرويته أنا فروي، خلاص انعكست، هي التقدير وأروي، يقول لك احنا عندنا فيقول لك في خطأ في الكتاب، هي التقدير أعيد كتابته في نسخة أصفار رويت أرواء ريا، نقطة، وأرويته أنا فروي، فنحن للاسف صار انعكاس في النسخة، مكتوب وروي وأرويته أنا، هي إذا هي مش حذف، إذا بناء على المخطوطات هي حصل فيها انعكاس، وأرويته أنا فروي هكذا صحيح، القلم سريع يا سبحان الله.

قال وقولها بشرته: البشرة ظاهر جلد الإنسان، والمراد بارواء البشرة إيصال الماء إلى جميع الجلد، ولا يصل الماء إلى جميع جلده إلا وقد ابتلت أصول الشعر أو كله.

قال وقولها أفاض الماء: إفاضة الماء على الشيء إفراغه عليه، يقال فاض الماء إذا جرى، وفاض الدمع إذا سال، وقولها على سائر جسده يعني الإفاضة تدل على ماذا؟ على إفراغ الماء، كلمة إفاضة بتدل على الإفراغ ولا تدل على المسح أو شيء أخف من ذلك، فاض الماء إذا جرى. قال وقولها على سائر جسده أي بقيته، طيب الآن كلمة سائر تعرفون الخلاف فيها هل سائر بمعنى جميع، أفاض الماء على السائر على جميع جسده، أو المراد بكلمة سائر بقية الجسد؟ فيقول هنا سائر هنا بمعنى البقية يعني ما تبقى وليس المراد الجميع؛ لأنه الرأس الشعر خلص نحن خلصنا من ملفه، فيكون المراد بسائر الجسد أي ما تبقى من جسده؛ فإنها ذكرت الرأس أولا، والأصل في سائر أن تستعمل بمعنى البقية، هذا جيد.

الأصل في كلمة سائر أنها بمعنى بقية الشيء وليس بمعنى جميع الشيء تمام، وقال فلما تقول قرأت سائر الكتاب، الأصل أن المراد بسائر ايش؟ بقية الكتاب وليس جميع الكتاب، هيك أقول قرأت سائر الكتاب، طبعا نحن عادة نقول قرأت سائر بمعنى الجميع، قرأت سائر الكتاب، حضرت سائر الدورة، الناس تستعمل بمعنى الجميع، وسيبين لك هل يجوز استعمال سائر بمعنى جميع بعد قليل، لكن الأصل أن كلمة سائر إذا استعملت بمعنى البقية وهي مأخوذة من السؤر، والسؤر هو ما يبقى في الإناء بعد الشرب منه. قال الشنفري: إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري، وغادر عند الملتقى ثم سائري، أي بقيتي.

قال وقد ذكر في أوهام الخواص جعلها بمعنى الجميع، وفي كتاب الصحاح ما يقتضي تجويزه، وقد ذكر في أوهام خواص أنها جعلها بمعنى الجميع أنها أي قال إن هذا وهم، تمام، ذكر أن هذا وهم أي من الأوهام أن تستعمل بمعنى الجميع، وفي كتاب الصحاح للجوهري ما يقتضي ماذا؟ تجويزه، جائز استعماله، أنه هذا مش وهم، أن هذا ليس وهما، وإنما هذا جائز وإن كان كما ترون في الحاشية ابن الصلاح رد على الجوهري ويقول: ولا التفات إلى قول الجوهري أن سائر يجوز استعمالها بمعنى الجميع فإنه لا يقبل فيما ينفرد به، شوف هذه معلومة يظن بها حقيقة، يعني ابن الصلاح يثبت أن الجوهري عموما في معجمه إذا صح لا تقبل تفرداته، يعني هي بس هيك فكرة لغوية استطرادية، يعني لما يثبتها إمام بحجم ابن الصلاح معناها ابن الصلاح منقب وراءه كثير، وواضح أنه في حالة عامة يعني أنه هذا ليس رأي فقط ابن الصلاح وحده، في حالة يعني على الأقل قد لا يكون متفق عليها، لكن في رأي يرى أن الجوهري تفرداته عن أئمة اللغة فيها شذوذ، مثل تفردات حنبل عند أصحابنا عند باقي أصحابنا، أنه فيها مشاكل بتكون إذا خالفت طبعا إذا خالفت روايته روايات الأصحاب، فكأن ابن الصلاح يقول لك أن الجوهري في صحاحه إذا أتى بمعنى خالف ما هو معروف، فإن تفرداته لا يقبل بها، وكان الشائع إذا الظاهر أن استعمال سائر بمعنى الجميع يعني ليس قويا، على الأقل على الأقل لا أخطئ لكن أقول ليس قويا.

قال الوجه الثامن: في الحديث دليل على جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد، وقد، طبعا هذا الكلام على الرواية الثانية لأنه ذكر بعد ذلك حديث عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نغترف منه جميعا، هذه الرواية تدل على وجود أن يشترك رجل مع زوجته في الاغتسال. قال وقد أخذ منه جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة.

طيب الآن هذه الرواية التي فيها اغتسال عائشة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهم منها البعض ماذا؟ أنه هذا بالتالي يؤكد جواز أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة التي هي المسألة الشهيرة التي انفرد فيها الحال، قالوا إذا يجوز أن يغتسل الرجل بالماء المتبقي الفاضل بعد اغتسال المرأة، هذه مسألة تسمى اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة؛ إذا اغتسلت المرأة أو توضأت بماء، فورد في بعض الأحاديث نهي الرجل أن يتوضأ من هذا الماء أو يغتسل من هذا الماء، لأمر تعبدي الله أعلم ما هو. هل هذا بقي الحكم قائما أو أنه منسوخ؟ الجمهور على أنه منسوخ، والحنابلة على أنه ليس منسوخا بل هو قائم، ولا يصح أن يتوضأ الرجل بفضل ماء توضأت به المرأة أو اغتسلت به المرأة، لكن الحنابلة اشترطوا لهذا الحكم شروطا، وإن خلت لكامل التطهير عن حدث، وإن خلت، لابد من أن تخلو أولا بهذا الماء، لابد أن تخلو، قالوا فإذا حضرها زوجها أو اغتسل معها زوجها خلص انتفى الحكم عندنا، ولا تسمى هذه ولا يكون أي مشكلة في الماء، فأصحابنا يقول اشترطوا حتى لا يصح وضوء الرجل أو اغتسال الرجل بفضل وضوء المرأة أو اغتسالها، قال وإن خلت، الخلوة لكامل، أنه أن تغتسل غسلا كاملا أو تتوضأ وضوءا كاملا عن حدث، وأن يكون عن حدث وليس عن، بالفاضل اليسير، تمام، أن يكون قل من قلتين بالغة، وأن تكون المرأة بالغة، فليس يرفع الحدث عن رجل لكن به زال الخبث، يجوز يجوز أن أستعمله في إزالة الخبث، فعندنا شروط، فالطرف الآخر الذي يقول لا، كلامكم يا حنابله خطأ، وهذا الحكم منسوخ، ويجوز للرجل أن يتوضأ أو يغتسل بفضل طهور المرأة، البعض منهم استدل بهذا الحديث، قالوا هي عائشة والنبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسلان معا جميعا، وهذا يدل على ماذا؟

على جواز أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة، قل كيف أخذتم هذه الدلالة؟ قالوا، اقرأ فإنهما، قال فإنهما إذا اعتقبا اغتراف الماء، كان اغتراف الرجل في بعض الاغترافات متأخرا عن اغتراف المرأة، فيكون تطهرا بفضلها.

قالوا ايش؟ قال لما يكون الرجل مع زوجته يغتسلان من إناء واحد كما كان في زمن النبوة، أكيد في بعض الاغترافات سيكون اغتراف النبي عليه الصلاة والسلام بعد اغتراف عائشة، يعني عائشة اغترفت ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام اغترف، فهذه الغرفة التي اغترفها النبي عليه الصلاة والسلام بعد اغتراف عائشة هي غرفة وقعت بفضل طهور المرأة، هكذا تصوروها أنه عائشة اغترفت فالمتبقي بعد اغترافها اسمه فضل طهور، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فاغترف منه، فإذا هذا اغتراف من الرجل بفضل طهور المرأة، طبعا هم هؤلاء لم يلاحظوا أنه لسه الغسل ما اكتمل يا جماعة، وأنه هذا الاغتراف المتبادل هو عم بيحصل ايش؟ أثناء عملية الغسل، مش عائشة اغترفت غرفة اغترافا كاملا وخلصت ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام بعدين بدأ يغترف، الاغتراف عم يحصل ضمني كما جاء في بعض الروايات حتى أقول دع لي ويقول هو دع لي، فهذه الاغترافات المتعاقبة هي ليست يعني عائشة اغترفت وخلصت غسل ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام فبدأ يغترف بعد ذلك وعملية تعاقبية، كما قال ابن دقيق العيد، مش هو ايش قال؟ فإنهما إذا اعتقبا، ايش يعني اعتقبا هذا؟

اغترف ثم هي اغترفت، ثم هو اغترف ثم هي اغترفت، إذا نحن نتكلم عن اغتراف متبادل، وصورته أن يغترف الرجل بعد اغتراف المرأة ستكون إحدى الصور الضمنية.

الآن قال: ولا يقال إن قولها «نغترف منه جميعا» يقتضي المساواة في وقت الاغتراف. الآن أقول لك ما حدا يقول للحديث قال نغترف جميعا أنهم كانا يغترفان في نفس اللحظة، وأنا أتفق معه؛ لأن هذه صعبة قليلاً أن يغترفا في نفس اللحظة حتى لا يكون هناك تعاقب، فمن أراد أن نفي التعاقب قال لك: كنا نغترف جميعا، أي في نفس اللحظة. قال: لأننا نقول لفظة «جميعا» نعم، هذا اللفظ يصح إطلاقه أعني نغترف منه جميعا على ما إذا تعاقب الاغتراف، ولا يدل على اغترافهما في وقت واحد. صحيح، كلمة نغترف جميعا لا تدل على اتحاد اللحظة، بل نغترف جميعا أي في وقت متقارب، هو يغترف ثم أنا أغترف، فيصح أن نقول إننا اغترفنا جميعا وإن لم يكن في نفس اللحظة.

للمخالف أن يقول ماذا؟ قال: أحمله على شروعهما جميعا، فإن اللفظ محتمل له وليس فيه عموم، فإذا قلت به من وجه اكتفيت بذلك، والله أعلم.

ماذا يريد أن يقول في الرد؟ قال: وللمخالف أن يقول: أحمله على شروعهما جميعا، أنهم أول غرفة كانوا جميعا فيها. يعني كيف رجل مع زوجته أول ما يدخلوا جميعا اغترفا مع بعضهما البعض في نفس الوقت، ثم بعد ذلك حصل التعاقب بينهما. إذا قال: فإن اللفظ محتمل له وليس فيه عموم، وإذا قلنا نغترف منه جميعا، إذا حملنا «نغترف منه جميعا» على لحظة الشروع بالتحديد، خلص أنا حققت مقتضى لفظة جميعا، ولا يلزم من هذا أن يبقى الجمع طوال فترة الاغتسال. يعني الآن هذا نقاش مع من قال نغترف جميعا تدل على أنهم اغترفا في نفس الوقت؛ لأن ابن دقيق رد بأنه «نغترف جميعا» لا تدل على أنهم اغترفا في نفس الوقت.

ممتاز، هذا اللفظ يصح إطلاقه «ونغترف جميعا» على ما إذا تعاقبا في الاغتراف ولا يدل على اغترافهما في وقت واحد طوال الغسل، أنه كان كل ما بده يغترفوا مع بعض كل ما بدهم يغترفوا مع بعض. قال: وللمخالف أن يقول: لا، أنا أقصد أنهما جميعا اغترفا في وقت واحد هذا كان في البداية، ولا يلزمك أن تقول لي لا ما هو إذا قلت أنه في البداية برضه لازم يستمر الاغتراف في نفس الوقت طوال الغسل. أقول: هذا حكاية فعل، والفعل لا عموم له. صحيح، شق قاعدة الأصوليين هنا أني أحكي فعلاً، والفعل حتى يصدق في الواقع يكفي أن يحصل مرة واحدة، فحتى تصدق «نغترف منه جميعا» في الواقع ألا يكفي أن تحصل مرة واحدة وهي في البداية؟ ألا يكفي أن تحصل مرة واحدة وهي في البداية؟ فيقول: أحمله على شروعهما جميعا، فإن اللفظ محتمل له أي لهذه الصورة أن يكون حصل من البداية، وليس فيه عموم لأنه حكاية فعل. فلا يلزم إذا قلت نغترف جميعا أنه حصل الاغتراف في وقت واحد أن يكون هذا استمر طوال عملية الغسل، يكفي أن يحصل في صورة واحدة وهو أنهما اغترفا جميعا في لحظة واحدة وهي لحظة الشروع.

فإذا قلت به من وجه يعني اللفظ هذه بس هذه خذها كقاعدة أصولية، سيبك الآن من التطبيق، لكن كقاعدة أصولية لما يكون لفظ الحديث يحكي فعلاً، يكفي فعلاً أن الفعل يحصل بصورة واحدة؛ لأن إذا جعلته يصدق على صورة واحدة أنا حققت دلالته الحديثية، وليس يشترط حتى أطبق دلالة الحديثية أن أقول أن هذا الفعل عمّ طوال الوقت. أي فعل أحكيه جلس قعد، لو حصل ولو ثانية واحدة مش صدق؟ ولا يلزم أن أقول جلس فلان أنه يكون طوال الحديث جالس، أو قعد فلان أو قام فلان أو أكل أن يكون في طوال المشهد هو يمارس هذا الموضع. فبالتالي لو أردت أن أقول لا اغترف جميعا المراد في نفس الوقت وهذا حصل في لحظة الشروع، مش هيك أنا أديت مقتضى اللفظة؟ آه والله أديتها، خلص إذا أنا لا أقول أن طوال الغسل كان يغترفا في نفس الوقت، يكفي أنه حصل في لحظة واحدة وهي لحظة الشروع.

أولاً بداية جملة "كنت أنا ورسول الله"، الدال على التكرار ثم قالت نغترف، المضارع يدل على التجدد الاستمراري، جميعا. في عندك "كنت" و"نغترف" الدال على التجدد الاستمراري، وتكون محمولة على المرة الواحدة؟ بعيد، وأنا أتفق معك، وحتى ابن دقيق أظن يتفق معنا أنه لم، خاصة مع الروايات الأخرى، تدل على أنها عملية تشاركية طوال عملية الغسل وعملية تعاقبية كما قالوا ابتداءً. وأن الجواب الصحيح أنه هو هذا الذي يدافع ويريد أن يقول نغترف منه جميعا، يعني هذا كأنه بده يدافع عن الحنابلة أنه لا يا جماعة أن هذا الحديث لا يدل على جواز الغسل بفضل طهور المرأة، ليه؟ لأنه ممكن النبي عليه الصلاة والسلام وعائشة ما كان في تعاقب، بل كان الاغتراف جميعا في نفس الوقت. تمام، أن الاغتراف جميعا في نفس الوقت، فجاء ابن دقيق قال له كلمة «نغترف جميعا» لا تستلزم أن يكون حصل الاغتراف في نفس الوقت، فجاء المخالف فقال: يكفي أن يكون الاغتراف حصل في نفس الوقت في البداية، أحمله على شروعهما جميعا، فإن اللفظ محتمل. بس هنا طب الاغتراف إذا حملت أن الاغتراف الجمعي حصل في البداية، طيب وما بعد البداية صار رجع تعاقبي؟ طيب إذا رجع تعاقبي مش رجعنا لنفس مشكلة أنه اغتسل بفضل طهور المرأة؟ يعني هل أنا هنا سؤالي هل أحمله على شروعهما جميعا سيحل المشكلة أن الاغتراف التشاركي اللي حصل في نفس الوقت كان في لحظة الشروع؟ هنا ماذا يقول الصنعاني: أقول لو سلم، أنه بعد أول اغتراف يكون الباقي من فضلها، ورجعنا لنفس المشكلة. يعني أنت ما حللت المشكلة إذا جعلت أن أول اغتراف كان في نفس الوقت؛ لأن الاغتراف اللي بعديه كان في تعاقب، ورجعنا لنفس مربع أنه أكيد بعض التعاقبات كان فيها النبي عليه الصلاة والسلام يغترف بعد اغتراف عائشة ورجعنا لنفس الإشكالية الأولى.

لذلك أنا أتفق أنه هو هذا الذي قال وللمخالف ما حلل المشكلة، وإنما حل المشكلة عند الحنابلة أصلاً ليس بهذه الطريقة في الدفاع، وإنما حل الطريقة في الدفاع أن كل إذا كان الغسل تشاركياً فإن هذا لا يسمى أو لا ينطبق على حالة النهي عن الاغتسال بفضل طهور المرأة. خلص إذا الرجل اغتسل مع زوجته كل هذا الغسل التشاركي يجعل هذه المسألة ليست من صور النهي عن اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، وأننا نحمل النهي عن اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت المرأة بغسل كامل أو وضوء كامل بهذا الماء دون وجود من يشاركها أو يحضرها حتى، ثم بعد ذلك يأتي الرجل يغتسل به، هنا يأتِ ونحمل الحديث النهي عن اغتسال أو وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة. بالتالي هنا محاولات كانت لكنها لا تظهر لي قوتها. الكلام عن حديث ميمونة سريعا، نعم كم ذهب من وقت ساعتين ونصف؟ إيه والله بده وقت حديث ميمونة، خلص نكتفي ونؤجل حديث ميمونة رضي الله عنها أم المؤمنين الدرس القادم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.