دخولتسجيل الدخول

إحكام الأحكام | المجلس 1 | التعريف بالكتاب ومؤلِّفه | الحديث الأوَّل «1» | معهد ملكة |

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أصلّي وأسالم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حيّاكم الله أيها الأكارم في فاتحة كتاب جديد من كتب غراس، نسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة على إتمامه، وعلى التعليق عليه تعليقاً نافعاً يفيد السامعين. كتابنا أيها المتابعون هو كتاب «أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام»، وهو تعليق الإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله على كتاب «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي.

هذه المادة أيها الأحبة هي مزدوجة عندنا كما يقولون؛ لأنها مقررة في برنامج أعماق المستوى الخامس، وهي أيضاً مقررة في برنامج ملكة. ولعلها المرة الأولى في هذه الأكاديمية التي نشرح فيها كتاباً في شرح الحديث النبوي شرحاً تفصيلياً علمياً على قواعد أصول الفقه ومناهج الفقهاء. ولعل الطالب يسأل هنا سؤالاً: لماذا تاخر شرح الحديث النبوي في البرامج؟

هذا سؤال مهم حقيقة ينبغي أن تعرف إجابته، وهو أن التفسير وشرح الحديث إذا أردت أن يكون تفسيراً علمياً وشرحاً للحديث علمياً بتطبيق قواعد أصول الفقه، وإدخال القواعد اللغوية والبلاغية وما شابه ذلك، ينبغي أن يكون الطالب قد أخذ عدته من علوم الوسائل. كما يقول كثير من مشايخنا إن التفسير -طبعاً التفسير بالمعنى الدقيق، يعني الآن هناك تدبرات عامة، هذه يمكن أن تصلح بل لابد أن يشرع فيها المبتدئ، لكن أتكلم عن التفسيرات التخصصية التي يتكلم فيها بالقواعد الفقهية والأصولية والنحوية والبلاغية وما فيها من تحليل والأوجه اللغوية في الآية- كذلك شروح الحديث؛ شروح الحديث الذي يريد صاحبه أن يدخل بالتحقيق والتدقيق الحقيقي، ويطبق القواعد اللغوية والبلاغية والأصولية، لابد وأن يكون الطالب قد جمع مقداراً لا باس به من علوم الآلات قبل أن يصل إلى هذا المستوى، وإلا فإن شرح الحديث يبقى شرحاً عاماً خفيفاً دون التدقيق في التفاصيل العلمية والفقهية والأصولية التي فعلاً عليها تبنى الأحكام.

ولذلك نعم، قررنا أن يتم تأخير مواد شروح الحديث إلى المستوى الرابع والخامس وإلى المستويات المتقدمة، حتى نفرغ الطالب في سنواته الأولى لتحصيل علوم الآلات والوسائل التي هي عدته في هذا المقام.

هذه هي القضية الأولى.

القضية الثانية أيها الكرام، فيما يتعلق بشرح الأحاديث، لابد عند تحليل نصوص الكتاب والسنة أن تمتلك منهجاً معرفياً في عملية تحليل النصوص. لا يصلح أن يكون الإنسان لا يمتلك منهجاً معرفياً مطّرداً واضحاً، من خلاله يحاكم النصوص؛ فيفسر كل نص من الكتاب والسنة على ما يظهر له وعلى ما يستجليه، هذا ليس طريقة علمية. ومن هنا دخل أهل الأهواء فلووا أعناق النصوص، وفسروا النصوص بأذواقهم على ما يريدون، ولم يستطع كثير من الناس أن يواجهوهم لأنهم لا يمتلكون منهجاً معرفياً في التحليل والقراءة الصحيحة للنص.

وعليه، فطالب العلم الذي يريد أن يشرع في شرح الحديث النبوي، لابد كخطوط عريضة أن يكون لديه منهج معرفي في قراءة النص وتحليله. هذا المنهج المعرفي من أين ستأتي به؟ ستأتي به من أصول الفقه الخاصة بمذهبك، فأصول الفقه هي المناهج المعرفية لقراءة النص بعبارة مختصرة.

فهناك المنهج المعرفي الحنفي في قراءة النص النبوي، وهناك المنهج المعرفي المالكي، وهناك المنهج المعرفي الشافعي، وهناك المنهج المعرفي الحنبلي. هذه المناهج المعرفية التي نسميها نحن أصول الفقه تلتقي في كثير من النقاط، وتختلف أيضاً في كثير من التفاصيل والفروع، وهذا هو الذي سبب اختلافهم في الأحكام الفقهية المستنبطة من الأحاديث؛ فتجد الشافعي يفهم من هذا الحديث قضية، بينما الحنبلي يفهم قضية أخرى، والمالكي يفهم قضية، والحنفي يفهم قضية أخرى، والسبب في ذلك هو اختلاف المنهج المعرفي.

فهذه قضية أنبه عليها الطلبة في البدايه حتى يعرفوا أننا هنا لما سنشرح هذا الكتاب «أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام» لابن دقيق العيد، نحن هنا نقرأ منهجاً معرفياً سلكه ابن دقيق العيد في تحليل النص. ونحن هنا كمدرسين سنسلك المنهج المعرفي الخاص بمذهبنا، والمذهب الذي نعتمد في معهد ملكة هو مذهب السادة الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم، فنحن سنرى منهجاً معرفياً معيناً، منهج ابن دقيق العيد، وسنحمل هذا المنهج، وسناتي إلى الكتاب نطبق عليه أيضاً قواعد مذهب الحنابلة، ونرى مدى الاختلاف أو الاتفاق بيننا وبين ابن دقيق العيد عليه رحمة الله في النتائج.

هذه الطريقة التي نسلكها بإذن الله هي التي ستنمي عندك الملكة، وستنمي عندك فكرة الانضباط، وستنمي عندك قضية الاهتمام بالمنهج، وأن القضية ليست ذوقية، بل هناك أصول وقواعد ينبغي أن أكون مطّرداً في إنزالها سواء على نصوص الكتاب أو على نصوص السنة. أما أن أكون انتقائياً أحياناً أنزل قاعدة، ثم يبدو لي أن أنزل قاعدة أخرى، ثم أحب أن أنزل قاعدة ثالثة، هذا لن يؤدي إلى نتائج مطّردة متناسقة في منظومة معرفية واحدة.

فلذلك أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على صياغة الملكات، وهذا هو الهدف من هذا الشرح حقيقة ومن هذا المجلس: صناعة الملكة في إسقاط القواعد الأصولية على النصوص النبوية. عندنا قواعد أصولية، كما قلت، عند ابن دقيق العيد، سنرى مهارة ابن دقيق العيد في الإسقاط والتعامل والاستنتاج والاستنباط. ثم أنت كحنبلي لديك قواعد أصولية قد تتفق مع ابن دقيق العيد في بعض الزوايا وقد تختلف عنها، لا أشكال. المهم أنني شكلت الملكة وعرفت متى أخالف ومتى أوافق بصوره علمية وليس بمجرد أذواق.

حتى لا أطيل في هذه المقدمات، كما ذكرنا، الكتاب الذي بين أيدينا أصله هو كتاب «عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي، وهو من الكتب المختصرة التي ينصح دائماً طلبة العلم بالشروع في حفظها في بداية طريقهم العلمي بعد حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الكتاب يتميز بعدة مزايا.

«عمدة الأحكام» للحافظ عبد الغني المقدسي؛ أولاً: مصنفه هو أحد كبار الحفاظ في تاريخ الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام، وهو أيضاً على طريقة السادة الحنابلة في الفقه. وهو الحافظ عبد الغني المقدسي عليه رحمة الله من المقادسة الذين جاءوا من جماعيل وأقاموا في دمشق، وبنوا صرحاً علمياً كبيراً، أي آل قدامة وآل عبد الواحد وغيرهم من المقادسة الذين هاجروا بسبب غزو الصليبيين لبيت المقدس. طبعاً سنتكلم عنه باختصار لما يأتي الحديث عنه في أثناء المقدمة.

ثانياً: يعني إذاً قيمة الكتاب تكون عادة من عدة نقاط؛ النقطه الأولى كما قلنا إذا كان مصنفه من الأئمة الأثبات المتقنين، وعبد الغني المقدسي شهد له كبار أهل زمانه بالاتقان في علم الحديث ومعرفته مع إتقانه في الفقهيات.

ثانياً: أن الكتاب جاء مختصراً، وبالتالي يمكن إنهاؤه حقيقة في دورات علمية؛ الكتاب تتكلم أنت عن حوالي 430 حديث، في بعض النسخ 414 حديث، هو اختلاف في الترقيم لا أشكال في ذلك، لكن الكتاب أقول حجمه مختصر، وبالتالي يمكن التدرب والتمرس عليه، بخلاف لو تأتي الآن تريد تشرح صحيح البخاري، وتأخذ شرح ابن حجر العسقلاني أو القسطلاني أو العيني أو غيرهم، تجد أن هذا الكتاب لن ينتهي بهذه الطريقه، بل سيأخذ منك سنوات ودهور، وبالتالي الطالب يمل ويفقد الفائده المرجوة من تشكيل الملكات. فاختصار الكتاب يعين على مدارسته والانتهاء منه.

أيضاً الكتاب مريح؛ لأنه منتقى من الصحيحين، فكم ذكر الحافظ عبد الغني المقدسي أنه اختار أحاديثه من البخاري ومسلم، وبالتالي رفع عنك عبء التصحيح والتضعيف؛ لأن الأحاديث كلها صحيحة، وبالتالي النقاش سيكون إذاً في المادة الفقهية الموجودة داخل الأحاديث، وليس النقاش في الأسانيد. وهذا أيضاً قيمة للكتاب للطالب المبتدئ أنه يشرع أولاً في الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها، حتى لا يشوش نفسه في بداية الطريق في النظر في القضايا الحديثية والعلل ولا نقد على الأسانيد وما شابه ذلك.

رابعاً: أن الكتاب جاء على طريقة الفقهاء، أنه بوب على طريقة الفقهاء؛ بدأ من كتاب الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاه، ثم الصيام والحج والبيوع إلى آخره، وذكر أمهات الأحاديث التي يحتاجها الطالب في هذا الموضوع. ذكر أمهات، لا أقول كل الأحاديث، ذكر أمهات الأحاديث التي يحتاج الطالب أن يكون على دراية وحفظ لها؛ لأنها أحاديث صحيحة بالاتفاق في الجمله، سواء في الطهارة والصلاة أو غيرها، حتى من أبواب المعاملات والمناكحات.

طبعاً في علم أصول الفقه كثير من الفقهاء يقولون: أحاديث الأحكام تدور على 4000 حديث، وآيات الأحكام تدور على 500 حديث. طبعاً هذا الرقم تقريبي تماماً، فلما يقولون آيات الأحكام تدور على 500 آية عفساً هذا كلام تقريبي، وإلا في الحقيقة كثير من الفقهاء يستنبطون أحكاماً من القرآن من آيات أخر، يعني الله عز وجل يرزقهم فهماً واستنباطاً جميلا من آيات لا تصنف ربما في بادئ الأمر أنها من آيات الأحكام، ولكن يأخذون منها بعض الأحكام بطريقة ذكية نبيهه. فهذا الكلام الذي يذكره كثير من الأصوليين أن آيات الأحكام 500 آية تقريباً، وأحاديث الأحكام قرابة 4000 حديث، أرقام تقريبية.

فلما نقول إن أحاديث الأحكام قرابة 4000 حديث، يعني قد يشكل «عمدة الأحكام» منها الثمن تقريباً، أليس كذلك؟ وطبعاً هذه أعود فأقول هذه مرحلة أولى في دراسة أحاديث الأحكام؛ مادام هذا الكتاب يشكل قرابة 500 وأحاديث الأحكام 4000 إذا صح هذا الترقيم يعني، فهذا يشكل الثمن، إذاً بقي عليك أن تشرع في كتب أصلية.. يعني هذا الكتاب لن يوصلك إلى النهاية، هذا الكتاب هو البداية، وإلا فالطالب بعد ذلك يشرع في كتب أحاديث الأحكام التي هي أعلى منه؛ فيدرس «المحرر» مثلاً لابن عبد الهادي عند الحنابلة، أو «بلوغ المرام» لابن حجر العسقلاني، ثم يشرع بعد ذلك في «المنتقى» و«منتقى الأخبار» للمجد ابن تيمية عليه رحمة الله، وهو 4000 حديث، يعني تقريباً كأنه قريب من الرقم الذي وضعه كثير من الأصوليين، 4000 حديث المجد ابن تيمية في «المنتقى» وضع 4000 حديث من مختلف كتب السنن والآثار، هي قرابة أحاديث الأحكام التي استدل بها الفقهاء على أمهات المسائل.

هذا الكلام الأساسي المتعلق بقيمه هذا الكتاب «عمدة الأحكام». ولاهمية هذا الكتاب حقيقه -وهذه ربما نضيفها نقطه أخرى من ميزات هذا الكتاب- اعتناء العلماء ماذا؟ بشرحه، وهذا الاعتناء لم يكن فقط من السادة الحنابلة، بل أكثر من شرح هذا الكتاب هم علماء الشaffiah (الشافعية). وهذه طريقة قديمة ترى في أصول الفقه وحتى في الحديث النبوي؛ تجد العلماء من المذاهب الأخرى يهتمون بكتاب في مذهب آخر، يعني عفساً.. واضعه من مذهب آخر، مادام هذا الكتاب يخدمهم ويرون أنه مناسب والانتقاءات مميزه.

فهذا الكتاب «عمدة الأحكام» شرحه كثير من الأئمة الأعلام؛ فمثلاً عندنا هذا الإملاء الذي بين أيدينا «أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام» لابن دقيق العيد، وابن دقيق العيد شافعي وإن كان متقناً لمذهب المالكية أيضاً. عندنا شرح ابن الملقن، وهو «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»، وهو شرح كبير موسوعي ضخم، وهذا أيضاً من أئمة السادة الشافعية. عندنا أيضاً شرح ابن العطار عليه رحمة الله «العدة». عندنا أيضاً شروح؛ شرح الفاكهاني عليه رحمة الله «رياض الأفهام». عندنا أيضاً شرح مالكي لابن مرزوق التلمساني المالكي عليه رحمة الله شرح أيضاً هذا الكتاب. وعندنا الشرح الحنبلي المشهور الكبير الموسوعي، وهو شرح متأخر نوعاً ما على الشروح السابقة، وهو «كشف اللثام» للإمام السفاريني عليه رحمة الله.

طبعاً أنت كحنبلي يهمك أن تطلع على «كشف اللثام» كونك حنبلياً، ولكن من المهم أن تطلع على الشروح الأخرى المثرية لهذا الكتاب، خاصة شرح ابن دقيق العيد. فإن شرح ابن دقيق العيد فيه من الإثراءات ما يفتح العقل وينمي الذهن في تكوين الملكات الفقهية.

فإذاً اعتناء العلماء بهذا الكتاب شرحاً وتعليقاً يدل أيضاً على قيمة هذا الكتاب، خاصة لما يكون الإمام مثل ابن دقيق العيد؛ ابن دقيق العيد أحد الكبار المجتهدين كما سياتي معنا إن شاء الله، فلما يختار هذا الكتاب ليعلق إذاً هو يدرك قيمة هذا الجمع.

بعض الطلاب يعني يقول: يعني هو ماذا فعل الحافظ عبد الغني المقدسي؟ المادة ليست مادته، المادة مأخوذة من البخاري ومسلم. لا، هو الانتقاء بحد ذاته تميز؛ أن تحسن الانتقاء والاختيار للأحاديث التي يحتاجها الطالب المبتدئ في الفقه وتضعه له.. تضعها له في كتيب واحد، هذا تميز، ليس كل إسان يحسن الانتقاء. لو قلت لك تفضل هي البخاري ومسلم، ائتني بأحاديث الأحكام المهمة فيه، ربما تأتي بأحاديث ونصوص ليست هي الأحاديث الأمهات. فالقدرة على الانتقاء والجمع الجيد والاختيار الجيد هذا يدل على ماذا؟ مكنة فقهية، بالإضافة إلى المكنة الحديثية التي توجد عند الحافظ عبد الغني عليه رحمة الله.

هذا الكلام كان عن هذا الكتاب وعن قيمته، ننتقل الآن للكلام عن هذا الشرح، الشرح الذي سنعتمد على هذا الكتاب أساساً. وإن كنت أعود فأقول: الشرح الذي سأعتمده بصورة أساسية، لكن هذا لا يعني أنني لن أضيف من شروح أخر، لا، سأضيف من شروح أخرى، لكن الأساس الذي يكون بين يدي الطالب الذي يسمعني عبر الأثير ينبغي أن يكون هو «أحكام الأحكام». والفوائد التي نضيفها أنك تعلقها تعليقاً على الكتاب الأم، هذا الكتاب «أحكام الأحكام» يظن ربما كثير من الطلبة أنه من تصنيف وكتابة الإمام ابن دقيق العيد، أنه هو الذي صنف هذا الكتاب وكتبه بيده وسماه «أحكام الأحكام»، لكننا سنكتشف من البداية من قراءة المقدمة أن مصنف هذا الكتاب من حيث الكتابة -يعني الذي كتب هذا الكتاب- هو عماد الدين ابن الأثير الحلبي، وأن هذا الكتاب «أحكام الأحكام» هو من إملاء ابن دقيق العيد على تلميذه عماد الدين ابن..

الأثير الحلبي ممتاز، ولذلك في نسخة أسفار جيد أنهم كتبوا عليها إملاء ابن دقيق العيد، وهذا كتبوا ما قالوا تصنيف، كتبوا إملاء، حتى يعرف الطالب من البداية أن الذي كتب بيده هو الطالب، وأن الشيخ كان دوره الإملاء.

تمام! هذا الكتاب كما قلنا أملاه الإامام ابن دقيق العيد على تلميذه، كما سيظهر لنا من المقدمة والفائدة الاستطرادية أن ابن الأثير الحلبي هنا هو ليس أحد أولاد ابن الأثير المشهورين الثلاثة، هناك ثلاثة إخوة من أولاد هيك يسموا أولاد ابن الأثير، عرفوا في التاريخ؛ أحدهم عز الدين ابن الأثير وهذا هو المؤرخ صاحب كتاب الكامل في التاريخ، وعندنا مجد الدين ابن الأثير وهذا هو المحدث صاحب كتاب جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندنا ضياء الدين ابن الأثير وهذا هو الأديب صاحب كتاب المثل السائر كتاب في الأمثال العربية. فهؤلاء الثلاثة أولاد ابن الأثير يسمون أحدهم مؤرخ، والآخر محدث، والثالث أديب، هؤلاء إخوة. أما صاحبنا هنا وهو ابن الأثير الحلبي لا، هذا عالم شافعي ربما لم ينل من الشهرة ما ناله الأئمة الكبار، لكن جزاه الله عنا خيراً أن نقل لنا هذه التحفة الجميلة التي سماها هو أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وإن كان ابن الأثير الحلبي للفائده هو مقارب زمنياً لأولاد ابن الأثير، لأنهم كلهم من علماء القرن السابع للهجري، وهو أيضاً من علماء القرن السابع للهجري، توفاه الله سنة 699 هجري، وهم متقاربون ترى في الحقبة الزمنية، لكن هو ليس من هؤلاء الثلاثة، وإنما قلت هذا حتى لا يظن أنه واحد من هؤلاء.

طيب، نبدأ الآن حتى لا نطيل، نبدأ الآن في قراءة مقدمة هذا الكتاب، مقدمة ابن الأثير معلقين عليها، ثم بعد ذلك ننتقل إلى قراءة شرح الإامام ابن دقيق العيد. للفائده هذا الكتاب أحكام الأحكام عليه حاشية مميزة وهي حاشية العدة للإمام الصنعاني. حاشية العدة للإمام الصنعاني وضعها على أحكام الأحكام، والحاشية مليئة بالفوائد والاعتراضات والانتقادات والاضافات والتحشية على كلام ابن دقيق العيد، فيحسن بطالب العلم الذي يريد أن يتمم الفائدة النظر فيها، ربما لا يحتاج الآن في المرحلة الأولى أن ينظر فيها كاملة، فيها كثير من الإضافات والفوائد، لكن يمكن أن تكون بين يديك تصاحبك إذا أشكلت عليك كلمة من كلام ابن دقيق العيد، أو رايت أن الكlema فيها نوع من المعارضة أو تحتاج إلى هيك استدراك أو نظر، تجد سبحان الله الصنعاني عليه رحمة الله أبدع في هذه الانتقادات والمراجعات والأفكار.

طيب، نبدأ الآن قراءة المقدمة مستعينين بالله: قال الشيخ القاضي عماد الدين إسماعيل ابن تاج الدين أحمد ابن سعيد ابن محمد ابن الأثير الحلبي الشافعي عليه رحمة الله: الحمد لله منور البصائر بحقائق معارفه.

لاحظ المقدمة هي يعني حتى مقدمة الكتاب الواضع ابن الأثير يقول: الحمد لله منور البصائر بحقائق معارفه. الحمد لله الذي ينور بصائر القلوب بماذا؟ بحقائق المعارف، المعارف الحقة؛ معرفة الله سبحانه باسمائه وصفاته ومراداته.

ومصور الخوآطر خزائن الله عز وجل، صور خواطرنا وعقولنا لتكون على صورة ماذا؟ خزائن، هذه الخزانه ماذا توضع فيها؟ قال: لدقائق لطائفه، توضع في هذه الخزائن اللطائف الدقيقة. وهنا طبعا اللطائف والحقائق هم يتكلمون عادة عن الحقائق والمعارف الشرعية واللطائف والدقائق الشرعية التي يحتاجها الإنسان لوصوله إلى الله سبحانه وتعالى. قال: الذي أودع القلوب من حكمه جواهر، وجعل نجوم الهدايه بذكره زواهر، أحمده ولا يستحق الحمد على الحقيقة سواه، وأعتقد التقصير في كل ما فعله العبد من شكر نعمة ونواها.

يعني واعتقد أن العبد سيبقى مقصراً مهما فعل ونوى في شكر الله سبحانه وتعالى، ستبقى مقصراً ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18]، فكلمة ونواها معطوفه على ايش؟ فعله. واعتقد التقصير في ماذا؟ في كل ما يفعله العبد من شكره للنعم وفي كل أيضاً ما نواه من شكره للنعم، ستبقى مقصراً سواء بنيتك أو في ماذا؟ في فعلك الحقيقي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تكون للنجاه وسيلة، وبرفع الدرجات كفيلة. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه وطرق الإيمان قد عفت آثارها، وخبت أنوارها.

عندكم في النسخه ربما ودجت أنوارها، لكن هنا في النسخة التي عليها التعليق الصنعاني: وخبت أنوارها ووهت أركانها وجهل مكانها. يعني هو يقي أن النبي عليه الصلاه والسلام أرسله الله عز وجل والناس في جاهلية عمياء، والله سبحانه وتعالى اطلع على أهل الأرض على عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب. فالنبي عليه الصلاة والسلام في اللحظة التي بعث فيها كان الأرض قد غلب عليها الظلام والجاهلية، فماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ قال: فشيد صلى الله عليه وسلم من معالمها ما عفى، وشفاء من الغليل في تأييد كلمة التوحيد ما كان على شفا.

وشفا من الغليل تمام، ربما في اختلاف النسخ بين نسخة الصنعاني والنسخة التي بين أيديكم نسخة الإخوة في أسفار. وشف هنا العليل، لكن هنا الغليل أولى هذه الرواية، وشفاء من الغليل في تأييد كلمة التوحيد ما كان على شفا أي ما كان على شفا جرف هار. النبي صلى الله عليه وسلم شفاء الغليل في تأييد كلمة التوحيد، وأوضح سبل الهدايه لمن أراد أن يسلكها، وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها، وميز شرف الحق بعد أن كان مبهما.

والشرف هو المنطقة المرتفعة من الأرض كما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أهل على شرف البيداء، فالشرف هو كل ما كان مرتفعاً من الأرض، وكان أي شرف الحق كان مبهما ضائعاً مع كثرة الظلمات. فجاء النبي عليه الصلاة والسلام ميز شرف الحق بعد أن كان مبهما، وأشار إليه، لما تتكاثر الظلمات فعلا قد ينطمس الحق بينها ويلبس، فيأتي العلماء ورثه الأنبياء فيميزون الحق من بين كل الظلمات التي تحيط به، وهذا ما صنعه النبي عليه الصلاة والسلام وميز شرف الحق بعد أن كان مبهما، وأقام ميزان الشرع باتباع الأمر والنهي بعد أن كان الوجود قد خلى منهما، أي أقام الشريعة الله سبحانه وتعالى بما فيها من الأوامر والنواهي بعد أن كان الناس متبعين لأهوائهم وملاذهم.

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهيل المجد والعلا، الذين تحلوا من المحاسن بأحسن الحلى، فاصبحوا شهداء الله في أرضه، وقاموا من أوامره بسننه وفرضه، وفتحوا من الإيمان باباً مرتجاً أي باباً مغلقاً، وتنزلوا من العباد منزلة النجوم التي منها معالم الهدى. فالصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم هم نجوم، وجاء في ذلك حديث ضعيف: «أصحابك النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»، أناروا لهذه الأمة الطريق. قال: وتنزلوا من العباد منزلة النجوم التي منها معالم الهدى ومصابيحها تجلو الدجى، معطوفه على النجوم قال: منزلة النجوم ومنزلة مصابيح ممنوعة من الصرف هذه المصابيح ماذا تفعل؟ تجلو أي تزيل الدجى، والدجى هي الظلمات.

فهم وسائل النجاة، والمشار إليهم بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] ولعله يقصد منكم أن الإشارة كانت ابتداءً للصحابة هم الذين خوطبوا ابتداءً: يرفع الله الذين... ما قال يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم، قال: يرفع الله الذين آمنوا منكم، فكانه اخذ من ذلك ابن الأثير أن المراد بهذا الخطاب خطاب للصحابة بالتحديد أن الله ميزهم وفوقهم على غيرهم، جعلهم يفوقون غيرهم ممن جاء بعدهم.

ثم قال: صلاة صلاة دائمة ما علم عالم وشيدت للدين معالم، وهذه من أساليب العلماء في طلب استدامة الصلاة إلى يوم القيامة، فيقول: مدة وجود عالم يتعلم، ما علم عالم، ومده تشييد معالم هذا الدين وهذا مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

طيب، ثم قال وبعد، وهذا من أساليب الانتقال، أما بعد. وبعد قال: فانه لما كان العلم اشرف ما خلق في الوجود، واعز ما ينعم الله به على عباده ويجود، شرف من اختاره منهم بهذا الشعير، ومنحهم بملابس التقوى والوقار لما اغتر غيرهم منها.

أي منها أي في هذا الوجود أو في هذه الدنيا، قال: فانه لما كان العلم اشرف ما خلق في الوجود، واعز ما ينعم الله على عباده ويجود، شرف من اختاره منهم بهذا الشعار، ومنحهم بملابس التقوى والوقار لما اغتر غيرهم منها بالثوب المعار. لما اغتر غيرهم منها، الضمير في منها يعود على ماذا؟ يعني قد نقول إنه يعود على الدنيا التي وإن لم تذكر بعين باسمها وإنما ذكرت برسمها، يعني في مضمون الكلام لما الناس أكثر الناس إنكبوا على الدنيا على ماذا؟ على ملذاتهم وأهوائهم وما يريدون، أهل العلم الله عز وجل شرفهم بماذا؟ بملابس التقوى.

وقد يكون منها يعود على الثياب الملابس الموجودة في السطر السابق، فيقول: وملكهم به أي بالعلم ملابس التقوى والوقار لما اغتر غيرهم منها أي من هذه الملابس بالثوب المعار. إذا أردنا أن نعيد الضمير منها على شيء مذكور في السياق يمكن أن نعيدها على الملابس، قل لما اغتر، اغتر يعني خدع غيرهم منها أي من هذه الملابس بالثوب المعار. الآن هناك من يلبس ملابس حقيقية وهناك من يلبس ملابس ايش؟ معارة، هذا ليس ثوب حقيقي. تمام فأقول قد يكون فعلاً من باب إرجاع الضمير على شيء مذكور في السياق، وهو أولى من أن يتم إعادته إلى شيء غير مذكور، أن نجعل الضمير في منها يعود على الملابس لما اغتر غيرهم منها أي من هذه الملابس بالثوب المعار، الله سبحانه وتعالى ألبس أهل العلم ملابس التقوى والوقار الملابس التي فعلاً ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] كما قال سبحانه وتعالى.

قال: وخصهم من المزية أن قرن ذكرهم بذكره، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18]. قالوا: أكرمهم بالشهادة على وحدانيته في نفس هذه الآية أنه جعلهم يشهدون على أعظم مشهود به وهو التوحيد. وهنا كلام جميل لابن القيم من يريد الرجوع إليه في مفتاح دار السعادة في الكلام عن هذه الآية وكيف تدل على شرف العلم وعلى شرف أهله.

فما أجدرهم بشكره! قال: وأورد وصفهم لوصفه ثانياً. الإمام الصنعاني هنا جعل أن هذه الآية التي يشير إليها ابن الأثير الحلبي هي نفس الآية السابقة شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة، لكنه قال في الآية السابقة: أهل العلم لم يكونوا ثانياً، كانوا ثالثاً، لأن الآية هكذا: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم، فكيف جعل ذكر أهل العلم ثانياً مع أنه جاء ثالثاً؟ قال: لعله أراد بالثاني كل ما كان بعد وإن لم يكن هو الثاني بالتحديد، فقصد بالثاني ماذا؟ كل ما كان بعد وإن لم يكن هو رقم اثنين، فك اثنين وثلاث وأربعة وخمسه هو الثاني لما جاء أول، وأقول والله أعلم أنه لعله هنا يشير إلى آية أخرى وليس إلى نفس الآية التي قصدها ابتداءً.

فأولاً نعم قصد آية شهد الله أنه لا إله إلا هو الآية، ولعله هنا قصد آية أخرى أن الله عز وجل جعل ذكر أهل العلم معطوفاً على ذكره، وهي آية آل عمران في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]. في هذه الآية عطف الراسخون في العلم على لفظ الجلالة، عطف الراسخون في العلم على لفظ الجلالة وهنا رقم اثنين فعلا، فنخرج من التكلف الذي وقع في ابن دقيق الصنعاني من أجل حل الإشكال، فنقول: وأورد وصفهم لوصفه ثانياً، نقول: قد يكون أشار ابن الأثير إلى آية أخرى وليس إلى نفس الآيات السابقة.

طب ما هي الآية الأخرى؟ نقول والله أعلم أنها قد تكون آية آل عمران.

قال: وجعل جنى السعادة منهم بهذا القرب دانياً، لما قربهم الله سبحانه وتعالى منه، لما قرب أهل العلم منه بأن عطفهم على اسمه العظيم، أصبح كأنه جنى، الجنى هو ما يجنى من الثمار، فجعل جنى السعادة، كأن ثمار السعادة أصبحت دانيّة من العلماء، خلاص ما دام أنتم عطفتم على اسم الله الأعظم على الله عز وجل فأصبحت السعادة في متناول أيديكم كما يقولون، فجعل جنى السعادة منهم بهذا القرب دانياً، وفضلهم على كثير من خلقه، وارشدهم بهم عباده إلى سبل الحق وطرقه، وأراد بهم خيراً ففقههم في الدين، وهذا إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وأمر الخلائق باتباعهم، أي لما تمسكوا بحبل الله المتين، وأعزهم باختصاص كل منهم واصطفائه، وأكرمهم بأن جعلهم ورثة أنبيائه، فضل العلم على العبادة ما لم تكن به مقترنة.

الله عز وجل جعل العلم أفضل من العبادة، بس بهذا الشرط، يعني هي المفاضلة بين العلم والعباده متى؟ إذا كان العلم غير مقترن بالعبادة. تمام، يعني شخص عنده علم ولكنه قليل التعبد، لأنه ما في انسان عنده علم بس لا يتعبد أبداً، هذا لا يفضل بشيء، هذا علمه حجة عليه، لكن انسان عنده علم لكن عبادته محدودة جداً، وشخص عنده عبادة ولكن علمه محدود جداً، أيهما مقدم على الآخر؟ العلم مع قلة العبادة مقدم على العبادة مع قلة العلم.

العلم مع قلة العبادة أفضل من العبادة، والانكفاء على التعبد مع قلة العلم، لماذا؟ لأن العلم نفعه متعدٍ، بخلاف العبادة فإن العبادة شخصية نفعها قاصر عليك. واستدل على هذا بقوله عليه الصلاة والسلام، وإن كان في الحديث ضعف وهناك أحاديث أخر صحيحة كان ينبغي ذكرها هنا، منها قوله صلى الله عليه وسلم.

بين العالم والعابد مئة درجة. بين كل درجتين خطو الجواد المضمر؛ أي ركض الجواد المضمر، والجواد المضمر تضمير الجواد. وهذا كانوا يدخلونه إلى غرفة ويحبسونه بها فترة، ويضعون عليه ما يجعله يعرق، فإذا عرق الفارس خف لحمه أو الحصان خفى لحمه تماماً، فهذا يجعله أكثر قدرة على ماذا؟ على الجري والركض.

تخيل شاب قوامه جيد ورجل سمين، أيهما أكثر قدرة على الركض؟ الشاب الذي قوامه جيد أكثر قدرة على الركض من الرجل السمين المثقل. كذلك كانوا يفعلون بالأحجنة يضمرونها لتخفيف لحمها، فإذا خف لحمها استطاعت أن تركض بقوة. فيقول المسافة ما بين كل درجتين بركض الجواد، مش أي جواد، الجواد القوامه ممتاز، الجواد المضمر، كم؟ سبعون سنة.

ونحن يعني نورد هذه الأحاديث الضعيفة، أو العلماء يريدون مثل هذه الأحاديث على ما فيها من الضعف، رجاء أن تصح، قالوا: رجاء أن تصح ما دامت ليست موضوعة ولا مكذوبة، لم تصل لهذه الدرجة، وإنما فيها شيء من الضعف أو الانقطاع، فيقولون قد يصح الضعيف في فضائل الأعمال، الأمر أسهل.

قال: ولا أريد من ذلك إلا العلم النافع. يقول: ما العلم المراد هنا؟ العلم الذي يفضل على العبادة. قال: ولا أريد من ذلك إلا العلم النافع الذي يبلغ من رضا الله الأمل، والذي ينفع معه القليل من العمل. ولذلك قلت لكم: الكلام هو بين العلم الذي معه قليل من العمل، ليس العلم الخالي من العمل تماماً، هذا لا يصلح، فلذلك هذا تقييد جيد في وقته لما قال: العلم الذي أريد به هنا أولاً علم نافع، ولا بد وأن يكون معه قليل من العمل يصحح به.

أما أن تقول: والله أقرن بين العلم بدون عمل مع العمل بدون علم، هذه ليست مقارنة صحيحة. فالمقارنة بين العلم الذي معه قليل من العمل، لا بد أن يكون قليل من العمل يصحح السير إلى الله، أما أن يكون إنسان يعلم ولا يعمل أبداً بشيء من علمه، فهذا لا فضل فيه بذاته.

قال: ولما عرفت هذه الحالة، ولما عرف ابن الأثير الحلبي قيمة العلم والانشغال به يقول: علمت أني -يتكلم عن نفسه- في الاعراض عن ذلك؛ أي عن طلب هذه المعالي على غرر من أمري، يعني أنا على خطر. الغرر هنا بمعنى ايش؟ على خطر من أمري إذا لم أسلُك طريق العلم، وقلت: إن الخسران موجود في ليالٍ تمر بلا نفع وتحسب من عمره.

جميل هذا الانتباه واليقظة من الإنسان أن يلاحظ مرور الأيام والليالي، وأن هذا العمر أنت مسؤول عنه أمام الله سبحانه وتعالى وعن عمره فيما أثناه. فيقول: قلت أنا ساكون في خسارة إذا بقيت هذه الليالي تمر وتحسب من عمري، وأنا لا أُشغلها بما هو نافع. قال: فآثرت أن أتمسك -إلى أين ذهب؟ ليطلب العلم- قال: فآثرت أتمسك من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما أرجو به النجاة من هذا الخطر وابلغ من اتباع الشريعة المطهرة وأحكامها الوتر. الوتر يعني الحاجة والمبتغى.

قال: فاخترت حفظ كتاب العمدة. فاخترت حفظ الكتاب المعروف بالعمدة للإمام الحافظ عبد الغني بن إدريس عليه رحمه الله. وهنا أنبه على قضية، وهي أن العلماء رحمهم الله تعالى لما صنفوا هذه المختصرات، مع أن الكتب الكبرى كانت موجودة بين أيديهم الأصول، هذا فيه تنبيه إلى أن همم أهل الزمان تقاصرت، وأن أكثر الطلبة الذين ينشغلون حقيقة بالحالة العلمية تضعف همتهم ولا يكفيهم الزمان لحفظ الأصول الكبرى البخاري ومسلم والسنن.

العمر أقصر من ذلك، وأن جل الناس ذاكرتهم متوسطة، فيصعب أن نطالب جميع الطلبه بأن يبدأوا كل طالب علم يحفظ البخاري ومسلم ويبدأ بالكتب الكبيرة، عمره يقل وذاكرته تضعف، وهذه الكتب الأصول الكبرى تحتاج في حفظها واستيعابها وعدم نسيانها إلى ذاكرة متقدمة، وأكثر الناس ليسوا كذلك، أكثر الناس ليسوا الشافعي.

بالتالي راى العلماء أن من الحكمه أن نقوم باختصار هذه الكتب المطولة في كتب مختصره تجمع أمهات الأحاديث، تعين الطالب المبتدئ والمتوسط بل حتى ننتهي على أن يضبط ما يحتاجه في حياته العلمية، وتبقى تلك الأصول الكبرى يعود إليها الطالب بمجالس السماع، يعلق على ما يمر عليه من الأسانيد، على الفوائد التي تمر، يستظهرها من خلال كثرة القراءة والاطلاع.

أما أن يأتي طالب مبتدئ اليوم يقول: أنا يا شيخ أريد أن أسير على طريقة الشافعي وأبدأ أحفظ البخاري ومسلم، أريد أن أخذ من المنبع، أنا لماذا أذهب أحفظ عمدة الأحكام وبلوغ المرام والمنتقى؟ لماذا لا أذهب إلى المنبع مباشرة؟ اقول له: إذا كنت مثل الشافعي فاصنع صنيع الشافعي -طبعاً الشافعي قبل هذه الكتب خرج- لكن على فكرة إذا كانت ذاكرتك ذاكرة الشافعي وبدات تطلب العلم في عمر الشافعي فأقول: نعم، قد يسعفك ذلك أن تحفظ الأصول الكبار.

أما يأتي طالب في بداية الثانوية العامة والآن يريد أن يشرع في طلب العلم، أقول له: كم عمرك؟ يقول: تسعة عشر أو عشرين. أقول له: الآن أنت حفظت القرآن؟ يكون جديد حفظ القرآن أو لم يينه بعد، ويكون هذا الطالب كاتب خطة: أريد أحفظ البخاري ومسلم. أقول: أنت عليك أن تتبع طريق العلماء. العلماء رضوان الله عليهم لما وضعوا هذه المختصرات لم يضعوها من فراغ، وإنما لأنهم يدركون طبيعة الزمان، وأن حفظ الأصول الكبيرة ربما كان هناك زمن يساعد على حفظها، لكن اليوم تقاصرت الهمم وما عادت همم الناس كهمم الأوائل.

فليس من الصواب أن تضع خطة أنت لا تستطيع أن تنجزها، ويكون عمرك أقصر منها وذاكرتك أضعف، فتبدأ تشغل وتقعم نفسك في حفظ الأصول الكبرى إذا أنت تكل وتمل بعد خمس ورقات من صحيح البخاري، فتترك الحفظ وتترك المراجعة وتترك كل شيء، بل يصير عندك ردة فعل. لا، العلماء لما وضعوا هذا وضعوه بعقل، لما وضع الحافظ عبد الغني المقدسي عمدة الأحكام هو يعرف ماذا يفعل، لما وضع ابن حجر العسقلاني البلوغ أو وضع ابن عبد الهادي المحرر أو المجد المنتقى هو يعرف ماذا يفعل.

هو ليس الله عنده وقت فارغ يقول لك: والله اختصر شيء من ذلك لنفسي، هو يعرف أن الطلبة أكثرهم يحتاجون إلى هذه المختصرات، وأن الهمم التي تستطيع حفظ الأصول ليست كثيرة، ونحن نريد الشيء العملي. وهذا في أزمتهم، هذا لو أتوا إلى زماننا ماذا سيقولون لما يرون من ضعف الطلاب وتاخر الحالة العلمية؟ حقيقة اليوم أكثر الطلاب الذين نراهم يشرعون في طلب العلم إنما يشرع فيه في سن متأخرة. الشروع الحقيقي يشرع في حفظ المتون والمصنفات ويبدأ بدراسة الفقه: سبعة عشر، ثمانية عشر، بعضهم قد يوفق إلى سماع شيء يسير قبل ذلك.

لكن هذا الواقع الذي لا ينبغي أن نغمض أعيننا عنه، بالتالي يعني إذا ابن الأثير الحلبي وهو من الأئمة والأعلام وواضح أن سنه هنا متقدم -هو لما يقول: أن أشعر بمرور الأيام وكذا وذهب إلى ابن دقيق العيد واستملى- واضح أنه يتكلم عن عمر متقدم ومع ذلك رأى أنه من المفيد له أن يشرع بحفظ كتاب مختصر وهو العمدة، ما وضع خطة علمية أكبر من نفسه ومن زمانه ومن وقته. فهذا يعطيك مؤشر كيف توضع الخطط، وكيف أن الإنسان يهتم فعلا بما ينفع.

هنا الصنعاني تحدث بشكل مختصر عن الحافظ عبد الغني المقدسي عليه رحمه الله فيقول: هو الإمام محدث الإسلام تقي الدين أبو محمد المقدسي الحنبلي الجماعيلي، وقرية جماعيل هي من قرى نابلس. قال: صاحب التصانيف ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، 541، وسمع من أئمة كبار.

طبعاً عبد الغني المقدسي يعني إما جاء مع والده أو أنه أصلًا ولد في دمشق؛ هو كان صغيراً جداً تماماً، فيحتاج أن ينظر هل هو جاء مع والده عبد الواحد أو أنه أصلاً ولد في دمشق؟ هذا أحد الاحتمالات، وإلا هو لم يكن كبيراً عند الهجرة تماماً، أما أنه كان غير موجود ووالده هاجر قبل أن يولد، تماماً، أو أنه كان في بداية حياته؛ سنة، سنتين، ثلاث، عندما هاجر به والده.

طيب، قال: هو صاحب التصانيف، سمع من أئمة كبار، وكتب ما لا يوصف كثرة، وما زال ينسخ ويصنف ويحدث ويفيد حتى اتاه اليقين. ودائماً هذه النصوص أخاذة جاذبة، لما تقرا سير العلماء هذه النصوص تطربني لما أسمع ذاك العالم الذي عرف ثغره فلزمه، ولم يشغل نفسه بماذا ببنيات الطريق والحوارات السياسية ومجريات الأحداث والأمور التي هو يعلم أنه غير مؤثر فيه.

هو يعلم أن الثغر الذي يخدم الأمة فيه هو ماذا؟ هو قضية تعليم الناس الخير، هذا الباب باب الذي فتحه الله لي. طبعاً هذا لا يعني أنه لم يكن يعرف ما يحصل في الزمان، فإن المقادسة عموماً الذين ذهبوا إلى دمشق عادوا فشاركوا مع صلاح الدين الأيوبي في فتوحات بيت المقدس، وكان صلاح الدين الأيوبي يدخل إلى خيم المقادسة لما يعلم من صلاحهم -مع أنه شافعي أشعري- لكنه كان يدخل إلى خيم ابن قدامة وإلى خيم إخوانه، لأنه يعلم فيهم الصلاح، أحسبهم الله حسيبهم.

فالفكرة التي كنت أريد أقولها نعم هي قضية التزام الثغر، وأنك تجد العالم لماذا ينتج؟ لماذا تجد له فعلاً كتب وفوائد وتحريرات وتدقيقات؟ لأن هذه ثمرة التركيز وعدم تشتيت النفس في علوم كثيرة وأريد أن أكون نحوي الصرف الشاعر المحقق المدقق المحاور للملحدين القامع للصليبيين صاحب الكتب.

يعني هذه بعض الشباب الحالم اليوم، كلما رأى صرعة وكلما رأى الناس منكبّة على فكرة جديدة في البرامج الشرعية إذا به يقبل عليها فترة؛ ياتي مثلاً: بدنا نرد على الحركات النسوية، بده يصبح هو الرد على الحركات النسوية، شوي تجدنا الموجه: أريد أن أصبح الراد على الطاعنين في الأئمة، بده ينشغل فيشوف كيف الدفاع عن الأئمة، شوية ندخل في الطاعنين في القرآن بده يصير أستاذ فيرد على شبهات حول الكتاب والسنة، شوية رد على الإلحاد يصبح أستاذ في الرد على الإلحاد.

يا اخي، الأمر لا يستوعب ذلك، لا يمكن. فضلا عن أنه هو: هل تعود إلى هذا الشاب؟ هل تحفظ القرآن أيها الحبيب؟ والله يا شيخ انا ضايل لي كمان آخر خمس أجزاء. اخي، الله يرضى عنك، أنت القرآن لم تختمه، رفقاً بنفسك، هذه أبواب العلم كبرى إذا فتحتها بشكل مفاجئ تهلكك. أي والله، إن العلم من انكب عليه إنكاباً وهو غير مستعد لاستقباله قد يورث له شبهات، وهذه الشبهات قد تسبب له مهلكة، وإنما العلم إنما يؤتى من أبوابه الصحيحة وبالبناء العلمي الصحيح، فتختار بعد ذلك ميولاتك بعد أن تشارك في مختلف العلوم تختار ميول معين تجد نفسك حاضراً فيه تركز فيه.

هذا ما فعله الحافظ عبد الغني عن المقدسي، قال: فما زال ينسخ ويصنف ويحدث ويفيد حتى أتاه اليقين. ولكن هل كان فقط هو إنسان منشغل بالعلم والتدريس والتصنيف والظهور على السوشيال ميديا ولا كان أيضاً صاحب عبادة وإقبال وإخبات؟

هذه القضية التي نفقدها في كثير من حتى المتصدرين الذين يتكلمون بالعلم -وما أبرئ نفسي- قضية الجمع بين العلم والعبادة، فيقول: وكان كثير العبادة ورعاً متنسكاً، متمسكاً بالسنة على قانون السلف، متمسك بالعقيدة الصحيحة. صنف كتابه المصباح في ثمانية وأربعين جزءاً، طبعاً كلمة الجزء نبهنا على أن الجزء عبارة عن عشرين ورقة تقريباً، هذا معنى كلمة جزء في العرف الكتابي القديم، ليس الجزء كالجزء المعاصر يكون مئتي وثلاثمائة ورقة، وريقات تصل للعشرين، هذا المصطلح.

قال: اشتمل على أحاديث الصحيحين. وكتاب نهاية المراد في السنن نحو مئتي جزء. لم يبين، طبعاً هذه الكتب لم تصل إلينا، هذه الكتب لم تصل إلينا من التي يقول: إذا قال مثلاً هذا كتاب نهاية المراد لم يبيضه؛ أي بقي مسودة لم تنقل إلى أن تصبح كتاباً رسمياً، وعدله الذهبي في التذكرة مع هذا عشر التصانيف فأكثر.

قال الذهبي: ومما ألفه بلا إسناد العمدة جزئان. عمدة الأحكام جزئان. ما المراد بالجزء؟ عشرون ورقة. اه، إذا عمدة الأحكام يمكن فعلاً هو كتبها في أربعين ورقة بالخط الصغير، وتكون مع جانب بعضها البعض، أربعمائة وثلاثون حديثاً يمكن تكتب فيه عشرين خمسة وعشرين ورقة كل جزء تقريباً، طبعاً فائدة، وهنا نبهنا إلى قضية، وأن عمدة الأحكام أيضاً الجيد في انتقائها من الحافظ أنه لم يضع الأسانيد، خلص مباشرة عن عمر عن أبي بكر عن أبي هريرة، مباشرة الصحابي مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام.

طيب قال: كان لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبينه، ولا يسأله عن رجل من رجال الحديث إلا قال: هو فلان بن فلان، عراقي بصري أو دمشقي أو حجازي، ويعطيك هل هو ثقه ما شاء الله مستحضر للاحاديث ومستحضر لرجال الحديث. قال الضياء المقدسي عنه -وهو من أقاربه طبعاً- قال: سمعت إسماعيل بن... هنا يقول ابن ظفر والعلوق ابن مظفر أنه هذه النسخه فيها إشكال.

يقول: جاء رجل إلى الحافظ عبد الغني المقدسي فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث -شوف الناس قديمة على ايش بحلفوا الطلاق على أشياء محرزة، اليوم واحد بحلف بالطلاق على زوجته إذا طلعت اشترت كيلو لحم، هو هذاك بحلف على الطلاق: أنت طالق إذا كان الحافظ عبد الغني المقدسي لا يحفظ مئة ألف حديث- فقالوا له: هل طلق الرجل زوجته أو لا؟ فقال: لو قال أكثر صدق، لو قال: أنت طالق إذا ما كانش يحفظ مئة وخمسين ألف حديث لك برضه صادق، ما طالق، تمام، وهذا دلالة لأن الرجل مستحضر أو يحفظ ما شاء الله أكثر من مئة ألف حديث.

هذه موجودة في ذهنه اليوم. نحن نتكلم عن الأربعين النووية مع بعض الطلاب؛ بعض الطلاب يريد أن يفتي وأن يتكلم بفقه الحديث، وهو لا يتجاوز حفظه 430 حديثاً. أنت تظن الأحاديث وعفواً الفقه يؤخذ فقط من 430 حديثاً ولا من 1000 حديث؟ ولذلك الإام أحمد لما سئل: متى يفتي الرجل؟ يعني لما وصلوا معه لـ600000 حديث، قال: أرجو ذلك! يعني اللي حافظ 600000 حديث يعني أرجو أن تجوز له الفتيا. 600000 حديث.

أسأل الله أن يغفر لنا التقصير. وأطال الحافظ الذهبي في ذكر أوصافه أيضاً، الذهبي له ترجمة جميلة حقيقة. الحافظ عبد الغني المقدسي أيضاً، أي ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة له ترجمة طويلة لهذا الإام الكبير، يمكن الرجوع إليها لمعرفة أيامه وأحواله وأخذ أخباره.

والحافظ عبد الغني وقعت له طرفة؛ يعني تعطيك فكرة التعصب وكيف أن عاقبتها وخيمة، وأن الإنسان ينبغي أيضاً أن يكون عاقلاً عندما يتعامل مع المتعصبين حتى لا يتورط معهم. لما ذهب إلى أصفهان أراد أن ينظر في كتاب أبي نعيم الأصفهاني في معرفة الصحابه فاستدرك عليه مواطن، قالوا: وصلت إلى 200 موطن! إلى 200 موطن استدركها الحافظ عبد الغني المقدسي على أبي نعيم في كتابه معرفة الصحابة.

طبعاً أبو نعيم يعني أصفهان هي موطنه وملعبه وجمهوره كما يقولون اليوم وأهله أشاعره متعصبون له. فجلس الحافظ عبد الغني المقدسي ليقرا رسالة كتبها هو الحافظ تعليقاً على أخطاء أبي نعيم الأصفهاني في كتابه معرفة الصحابة. فقال له أهل أصفهان (يعني شاعرته): أين تذهب تريد أن تعلق على شيخ أصفهان وعالمها؟ طبعاً أبو نعيم عالم كبير ضخم، لكن سبحان الله ما من كتاب إلا وعليه انتقادات، أين تريد؟

فأرادوا أن يحبسوه ويقتلوه، طلبوه فاختبأ وهربه اصحابه تهريباً من أصفهان، يعني كاد أن يقتل؛ لأنهم رأوا أنه أنت حنبلي -طبعاً هذه مشكلة الحنابلة والأشاعرة والمناكفة بينهم منذ القدم- رأوا أنك حنبلي وتأتي في أرضنا وجمهورنا تريد أن تتطاول على عالمنا! هم اعتبروها تطاولاً، وهو حقيقة نقد علمي. فهرب هروباً من أصفهان، وهو في طريق العودة ذهب إلى الموصل.

في الموصل متعصبة للامام أبي حنيفه عليه رحمة الله، فجلس يقرأ كتاب -أظن كتاب ابن عدي في الضعفاء- فمر على ذكر أبي حنيفه أنه وضع ضعفاء المحدثين، فتعصب أهل الموصل وغضبوا: كيف تقرأ أن أبا حنيفة عليه رحمة الله من ضعفاء المحدثين؟! لا شك فحبسوه وارادوا قتله. من الذي اسعفه بعد أمر الله سبحانه وتعالى؟ تلميذ ابن بري، يقولون اتى بحركة ذكية، أتى إلى الكتاب الذي قرأ منه الحافظ عبد الغني المقدسي سيرة أبي حنيفة فمزق الصفحة التي فيها -مزقها التي فيها ذكر أبي حنيفة- وذهب إلى سلطان الموصل وقال له: هذا هو الكتاب أيها السلطان وليس فيه ذكر لأبي حنيفة أصلاً.

السلطان يعني طلب من حاجبها أو رسوله قال: افتح الكتاب انظر، هل فيه ذكر لأبي حنيفة؟ ففتح الكتاب، ما في ذكر لأبي حنيفة. قال: إذاً الرجل بريء والظاهر أنه اتهم. فأطلق سراحه وهرب هروباً! وهذه من الذكاء أن الإنسان يستطيع أن ينقذ شيخه بعد أن تكون بلغت الروح الحلقوم.

وأيضاً ينتبه الإنسان -هذا بس هي فكرة عامة- لا تكلم في مكان ليس معك، ليس مقبلاً عليك، في أرض ليست هي أرض مشايخك وأساتذتك، وإنما أهلها متعصبون لطائفة أو لطريقة، تكلم بما لا يثير حفيظتهم؛ لأن سبحان الله هكذا الشيطان ينفخ في النفوس العقد والتعصب والابتعاد عن الإنصاف.

هذا هو داب أكثر الناس، قلة أن تجد، قليل جداً أن تصادف شخصاً منصفاً من المخالفين لك ويحترم مثلاً انتقادك حتى ولو كان هو مخالفاً لك، فيحترم الانتقاد ويخاطبك خطاباً علمياً، هذا قليل في الناس، يغلب عليهم الجهل والتعصب، فحاول دوماً أن تجتنب الكلام في أرض ليست أرضاً لك.

ومتا في النهاية أين توفي؟ توفي في مصر، وهذا يدل على أنه رحل كثيراً. الحافظ عبد الغني المقدسي يعني بدأت حياته من دمشق ثم ذهب إلى بغداد ثم ذهب إلى أصفهان ثم ذهب إلى عدة مناطق طالباً للعلم، منتفعاً نافعاً، إلى أن استقر أخيراً في مصر وعلم فيها ودرس ودفن بالقرافة. ودفن بالقرافة في مصر، طبعاً القرافة مشهورة جداً، منها الإمام القرافي وغيرهم. قرافة منطقة مشهورة جداً، وفيها تربة للحنابلة دفن فيها كثير من علمائهم. في سنة 600 هجري دفن، توفاه الله عز وجل في سنة 600 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إي نعود الآن إلى صاحبنا ابن الأثير الحلبي. هذا فقط كان استطراداً لبيان من هو الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي المحدث. طبعاً كلمة الحافظ هذه كلمة ما كانت تعطى مجاناً عند الاقدمين؛ إذا قالوا عن شخص أنه حافظ فهم يقصدون أنه يحفظ عشرات الآلاف من الأحاديث، هذه كلمة، هذا لقب محدد معين له دلالة عند المتقدمين ولذلك صنف الذهبي تذكرة الحفاظ، هذا معناها، هذا لقب يعطى لأناس معينين اشتهروا بكثرة استحضارهم وحفظهم لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.

لذلك قال: الذي رتبه على أبواب الفقه وجعله على 500 حديث -طبعاً 500 حديث كما قلنا رقم تقريبي وإلا التدقيق في الكتاب يظهر أن الأحاديث لم تصل إلى 500، ولكن أقول لعله قرب، لعله قرب إلى الـ500 وإلا فهي تصل إلى 430، 414 على حسب ترتيبات الأبواب والتحقيقات المعاصرة، لكن لم تصل إلى 500- قال: فوجدت الأحاديث -لما أتى إلى كتاب عبد الغني المقدسي العمدة- قال: وجدت الأحاديث كل لفظة منها تحتاج إلى بحث وتدقيق.

يعني القضية ليست سهلة، ها هو يرى أن شرح الحديث النبوي ليس بالقضية السهلة كما يتوهم بعض الشباب المعاصر أنه عادي، أنا استطيع أفتح البخاري ومسلم واستنبط الأحكام الفقهية منه مباشرة وغادر! هل تظن القضية بهذه السهولة؟ ابن الأثير الحلبي يقول: وجدت أن الألفاظ تحتاج إلى تدقيق لغوي، أصولي، فهم، بحث، تحليل للوصول إلى النتائج. قال: وتفتقر إلى كشف وتحقيق؛ لأن كلامه صلى الله عليه وسلم بحر يغاص فيه على جواهر المعاني، ولا يستخرج حكمه إلا الراسخون في العلم الذين اضحت خواطرهم به أهل المعاني.

يعني الراسخون في العلم الذين خواطرهم اضحت (أي اصبحت) أهل المعاني بكلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ اصبحت أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام معانيها ملكاً في نفوسهم راسخة، هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يحللوا هذه الأحاديث تحليلاً جيداً متقناً ويخرجون بمخرجات سليمة أو قريبة من السليم أو منطقية خلينا نقول. أما الشخص الذي لم يعمر قلبه بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ولم يملك خبرة تدريبية في التعامل مع معاني كلامه الشريف، فهذا لا يحق له أن يقتحم شرح هذه الأحاديث أمام الناس والاستنباط والاجتهاد من خلالها، هذه تكون كارثة، وتكون كثير من النتائج التي يصل إليها منحرفة تماماً عن مقاصد الشريعة.

إلى أين ذهب ابن الأثير الحلبي؟ قال: ذهب أولاً إلى ماذا؟ إلى شرح القاضي عياض على صحيح مسلم؛ وكانه يقول: عمدة الأحكام هو من البخاري ومسلم، فإذا أنظر في كتاب، أنظر في كتاب شرح صحيح مسلم، بالتالي هذا الكتاب يكون ضمناً هو شرح لما في عمدة الأحكام. فذهب إليه، قال: اخترت كتاب القاضي عياض، أي كتاب؟ قال: كتاب الإكمال، وهو إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم. هذا الكتاب وضعه القاضي عياض إكمالاً لمشروع ابتداه الإمام المازري المالكي. الإمام المازري المالكي وضع كتاب المعلم بفوائد صحيح مسلم، لكن هذا الكتاب أغفل فيه المازري التعليق على مجموعة من الأحاديث واختصر أحاديث أخر لم يعلق عليها، المهم فوجد القاضي عياض أن هناك مجالاً ومساحة للتعليق على ماذا؟ أو لإتمام مشروع الإمام المازري، فصنف كتاب إيش؟ الإكمال.

وانظروا كيف العلماء يكمل بعضهم بعضاً. قال: الإكمال بماذا؟ بإكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم. فيقول: فوجدت هذا الكتاب للقاضي عياض قد احتوى في شرحه أيضاً على التفصيل والإجمال، يعني حتى كتاب القاضي عياض -طبعاً القاضي عياض مالكي- وجدت في بعض المواطن من كتابه تفصيلاً جيداً وفي بعض المواطن فيها إجمال يحتاج أيضاً إلى شرح.

إذاً ماذا يقول لما نظرت في كتاب القاضي عياض إكمال المعلم؟ وجدت أنه في مواطن واضحة فيها تفصيل واضح من القاضي وفي مواطن ما زالت مجملة، فكان ذلك لم يشف غليل الإمام ابن الأثير الحلبي. قال: لكنه اقتصر في النهاية على ماذا؟ على شرح أحاديث الإمام مسلم. طبعاً هو بالتاكيد صحيح الإمام مسلم؛ في هناك أحاديث يتفق عليها البخاري ومسلم صحيح، وهناك أحاديث ينفرد بها مسلم عن البخاري، وأحاديث ينفرد بها البخاري عن المسلم. فكتاب القاضي عياض هو شرح لصحيح مسلم، هذه هي الفكرة.

بالتالي هناك بعض الأحاديث التي عند البخاري انفرد بها البخاري وغير موجودة عند الإمام مسلم لم يتطرق إليها القاضي عياض، بس هذه قد لا تكون مشكلة كبيرة باعتبار أن عمدة الأحكام أصلاً في المتفق عليه، في المساحة المتفق عليها بين البخاري ومسلم. أظن هنا يتكلم بكلام عام، هو يريد أن يقول: إن كتاب القاضي عياض هو شرح لصحيح الإمام مسلم، بالتالي ما انفرد به البخاري ولم يوجد في صحيح مسلم لن تجد شرحه عند القاضي عياض، هذا كلام صحيح عموماً.

ثم قال: فاخترت أن أعلم معاني الأحاديث التي أوردها صاحب العمدة وأسندها إلى الإمامين البخاري ومسلم، فلم أجد من علماء الوقت من يعرف هذا الفن! تخيل! قال: لم أجد من علماء الوقت من يعرف هذا الفن! أنت بتكلم عن القرن السابع الهجري، يقول ابن الأثير: لم أجد شخصاً يشفي غليلي في شرح عمدة الأحكام بمرتبة من ابن دقيق العيد.

قال: إلا واحد عصره وفريده دهره وواسطة عقد الفضائل -جعل الفضائل كأنها عقد وهناك دائماً خرزة مميزه في العقد تكون في المنتصف، صحيح هي يضرب بها المثل للشخص الذي هو فاق أهل الزمان، أقول: فلان واسطه العقد، يعني الخرزة المميزة في العقد دلالة على تفوقه عمن يحيط به أو عن أهل زمانه- والمبرز في علومه على الأواخر والأوائل؛ الشيخ الإام، العالم، الفاضل، الزاهد، الورع، تقي الدين، حجة العلماء، قدوه البلغاء، شرف الزهاد، بقية السلف، مفتي المسلمين أبا الفتح محمد -نفع الله ببقائه- ابن الشيخ الإمام مجد الدين أبي الحسن علي بن وهب القشيري الإمام محمد بن علي القشيري، المعروف لقباً بابن دقيق العيد. وتلقيبه بابن دقيق العيد نسبة إلى أحد أجداده ولعله جد أبيه.

قالوا خرج في يوم عيد -لأن أنت المشهور كنيته إيش؟ ابن دقيق العيد- يقول: يعني ابن دقيق العيد من أين اتى هذا اللقب؟ قالوا: إن أحد أجداده، ولعله جد أبيه، خرج في يوم العيد وعليه طيلسان أبيض، ويعني الظاهر أنه كله كان أبيض، فالناس من باب المداعبة معه قالوا: هذا دقيق العيد! يعني طحين العيد؛ لأن الطحين لونه أبيض ها، وقالوا هذا دقيق العيد هذا دقيق العيد.

فأحياناً سبحان الله بعض الألقاب تلصق بصاحبها عاد ما يعرف كيف تتوب، فأصبح يعني الناس تلقبه دقيق العيد وقدر الله أن حفيده إي محمد بن علي يأخذ هذا اللقب، فيقال: آه أنت ابن جدك؟ جدك طلع في يوم عيد وكان لونه أبيض أو جد والدك كان لونه أبيض وسمينا دقيق العيد؟ خلص أنت بدنا نسميك ابن دقيق العيد! اشتهر بين الناس بابن دقيق العيد وإلا فهو الإمام الكبير محمد بن علي القشيري، وننبه على هذا؛ لأن بعض الكتب لا تريده بلقبه، في بعض الكتب لن تجد لقبه، ستجد باسمه: محمد بن علي القشيري، فإذا قالوا: محمد بن علي القشيري، بدك تنتبه أنه هو الإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله.

هنا يعني ترجمة مختصرة له عند الإمام الصنعاني يقول: والمعروف ابن دقيق العيد. قال السبكي في حقه في الطبقات: هو شيخ الإسلام، الحافظ، الزاهد، الورع، الناسك، المجتهد المطلق. وهذه قضية ننبه عليها، وهو أن الإمام ابن دقيق العيد كثير من الطلبة لا يعرفون حقه، خاصة في الفقهيات؛ الآن في العقائد نعم وعلى طريقة الأشاعره وكان بينه وبين ابن تيميه عليه رحمة الله بعض المناظرات، لكنه كان يجل ابن تيمية وابن تيمية كان يجله -يعني ابن تيمية كان يجل ابن دقيق العيد ويعرف مكانته الفقهية، وابن دقيق العيد كان يقول عن ابن تيمية: رأيت رجلاً لم ير مثل نفسه- فكلاهما يعرف قدر الآخر وإن اختلف في المنهج العقدي.

لكن توصيفه بأنه مجتهد مطلق هذا حقيقه قريب من الواقع؛ فابن دقيق العيد من حيث الاستنباط الفقهي لا يقل مرتبة عن ابن تيمية وكبار المجتهدين المطلقين، ولا يعرف هذا إلا من قرأ كتبه ونظر في طريقة استدلاله واستنباطه. حتى كانوا يقولون -البعض يقول إنه اعلى من ابن تيمية في الاستنباط الفقهي الدقيق، وإن كان ابن تيمية أكثر في الاستحضار والجمع والنظر- البعض يقول إن ابن دقيق العيد هو أعلى من حيث الاستنباط الفقهي، أنه هو فارس ميدان الاستنباطات الفقهية واللفتات الحديثية والقدرة على إسقاط القواعد اللغوية والأصولية والتقاط اللمحات من الأحاديث على طريقة الأوائل.

من نظر في كتب ابن دقيق العيد يعلم يقينيه أو قرب هذا الكلام من الواقع. طبعاً ابن دقيق العيد أيها الكرام وضع كتاب اسمه: الإمام في أحاديث الأحكام. ابن تيمية ماذا وصف هذا الكتاب؟ قالها: قال هو كتاب الإسلام! تخيل، رجل بوزنية ابن تيمية يقول عن كتاب الإمام لابن دقيق العيد أنه كتاب إيش؟ كتاب الإسلام.

الإسلام، لكنه كان كتاباً ضخماً في أحاديث الأحكام. والظاهر أن ابن دقيق العيد هو نفسه وراء المشكلة من البداية، فعاد فاختصره في كتاب اسمه ماذا؟ الإلمام.

ثم بدأ يشرح كتاب الإلمام، هو نفسه بدأ يشرح كتابه الإلمام في أحاديث الأحكام، فانتهى من كتاب صفة الوضوء، والظاهر أنه قد تكون اختترمته المنية، أو سبحان الله جاءته أشغال يعني منعته من إتمام هذا الكتاب، والا لو تم هذا الكتاب ووصل الينا في اعتقادي سيكون أحد مفاخر الإسلام الكبرى في الشرح؛ لأن القطعة التي وصلت الينا من شرح الإلمام.

تشهد بعقلية مذهلة في التحليل الأصولي الفقهي للحديث النبوي. وانا انصحكم باقتناء هذا الكتاب الان، القطعة الموجودة من هذا الكتاب شرح الإلمام لابن دقيق العيد خمس مجلدات.

فقط خمس مجلدات. لكن يوجد فيها.

فقط قرابه يعني خمس 25 حديث أو أكثر من ذلك أو 58 يعني نسيت الرقم بالضبط، لكن هذه هذا الكتاب خمس مجلدات على شرح عدد محدود جداً جداً من الأحاديث النبوية.

يعني ستقول إذاً ماذا كتب. ماذا كتب في خمس مجلدات على عدد محدود من أحاديث كتاب الطهارة؟ هذا الكتاب انصحكم أن تقرأوه، ستعرفون ما معنى تطبيق قواعد أصول الفقه على الحديث النبوي. ولما يقول لك ابن الأثير: لم أجد من يستحق هذا الفن إلا ابن دقيق العيد، أنا أدرك ذلك تماماً، يعني أن انا اقرأ في شروح عمدة الأحكام عموماً.

سواء الأعلام لابن الملقن أو حتى شرح ابن مرزوق أو غيرهم، العدة لابن العطار، حقيقة لن تعرف ما معنى الأصول الأصول الأصول، إلا إذا قرأت ابن دقيق العيد، ستفهم ما أن هناك من يكون طريقته في شرح الحديث النبوي هو أن يجمع من غيره.

يعني حتى شروح البخاري مثلاً. شروح البخاري نفسها أيها الكرام.

أي كثير منها هي شروح تنقل عن غيرها، يعني تجمع من المذاهب الفقهية آراؤها، تذهب إلى المذاهب الفقهية تنظر في أدلتها وتجمع لك اياها، والله في شرح صحيح البخاري لا تجد نوع من التميز باختصار، لا تجد نوع من التميز في الإسقاط والاستنباط وأخذ اللفتات. لا، دقيق العيد هو بذاته متميز.

يعني هو لا يأخذ من غيره، هو يتميز بذاته في الجملة في الأخذ اللفتات وإسقاط القواعد واستنباط الأحكام. فلذلك لما يقول لك أحد المجتهدين المطلقين، نعم قال: ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، شوف يقول ابن السبكي عنه: خبرة تامة عالية جداً، الجامع بين العلم والدين والسالك سبيل السادة الأقدمين، أكمل المتأخرين. قال عنه ابن سيد الناس وهو تلميذه -ابن سيد الناس من تلاميذه-: لم أرى مثله في من رأيت، ولا حملت عن أجل منه في من رأيت ورويت، وكان للعلوم جامعاً، وفي فنونها بارعاً، مقدماً في معرفة علل الحديث، حتى في علم الحديث له كتاب في مصطلح الحديث اسمه الاقتراح، وإمام حتى في علم الحديث والرجال.

منفرداً بهذا الفن النفيس في زمانه، لا يشق له غبار، ولا يجري معه في مضمار، ولم يزل حافظاً لسانه، مقبلاً على شأنه. آه، إذا عرفنا من.

كان سر هذا التميز. أنه حفظ لسانه عن الحرام فبارك الله في عقله.

قالوا: كان حافظاً لسانه، ما يدخل في الغيبة والنميمة، وما يتكلم في الأمور التي تضر قلبه وإيمانه، ولا ينشغل بالناس وعيوبهم، انشغل بنفسه. بركة حفظ اللسان.

صانت عقله وذهنه فرزقه الله ذهناً حاداً ذكياً، طيب.

ولو، ولم يزل حافظاً لسانه مقبلاً على شأنه، وقف نفسه على العلوم وقصرها. شوف العبارة الجميلة الوقف: أنت يا طالب العلم إذا أردت أن تكون للأمة حقاً صدقاً، ينبغي أن تعتقد أن أنفاسك هذه اصبحت وقفا للأمة.

وبالتالي لا يجوز لي أن أصرفها في الباطل ولا في اللهو ولا في العبث، خلاص أنا اصبحت مشروع للأمة، وقف، وقفت نفسي وأنفاسي ولحظات العمر لأمة الإسلام، فحرام علي أن أضيع جهدي في القيل والقال، وفي النوم والسبات، وفي اللعب والعبث.

هذا معنى الوقفية هنا.

طيب، قال: ولو شاء العاد أن يحصر كلماته لحصرها.

كلماته محسوبة من دقيق حتى في الشروح، طبيعة أنه يتكلم بكلمات تعد، فما بالك في حياته الشخصية! انسان حافظ لسانه بدرجة عالية جداً، وهذه بركة حفظ اللسان. قال تاج السبكي: لم أرى أحداً من أشياخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس المائة السابعة، المشار إليه في الحديث: «إن الله يبعث على رأس كل مئة عام من يجدد لهم أمر دينهم». تخيل أن علماء زمانه راوا أنه أحد المجددين، أحد مجددي الإسلام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله، إذاً أنت تكون مغبوناً يا طالب العلم إذا حرمت نفسك من الانتفاع بعقلية هذا الرجل وذهنه وذكائه والتوفيق الذي وصل إليه، طيب.

قال: فانه استاذ زمانه علما وديناً، له الإلمام في الحديث، وشرحه الذي لم يؤلف أعظم منه. شوف ايش يقول السبكي: لم يؤلف أعظم من هذا الشرح الحديثي لما فيه من الاستنباطات العظيمة. وانا أشهد لذلك أن هذا الشرح عظيم، وإن كان قدر الله النافذ أنه لم يصل الينا إلا جزء يسير منه، هو أصلاً لم يكمله.

هكذا أطلقه السبكي، يقول هنا الصنعاني: فاوهم أنه قد كمل هذا الشرح، لكن الصحيح كما ذكر الذهبي وعمل كتاب الإلمام في الأحكام لو كمل تصنيفه وتبييضه لجاء في خمسة عشر مجلداً، هذا يدل على أنه لم يكتمل الكتاب أصالة.

قال: فافاد أنه لم يكتمل وهو المعروف. وله أيضاً شرح العمدة وهو الذي بين أيدينا، وعرفنا أنه ليس هو شرح كتبه هو، إنما هو إملاء.

على صاحبنا ابن الأثير. وله الاقتراح في مصطلح الحديث، وشرح العيون في أصول الفقه، وكتاب في أصول الدين، وله ديوان خطب وشعر. مات يوم الجمعة سنة اثنتين أو سبعمائة.

يعني هو توفاه الله.

سنة 702 هجرية 702 هجري. طبعا هنا خطأ في نسخة الصنعاني كاتب قلنا 277.

يعني جعله 772.

لكن هذا غير صحيح، الصحيح أنه توفاه وفاه الله سنة 702 هجري، يعني توفي بعد طالبه ابن الأثير الحلبي توفي 699.

ابن دقيق العيد مات بعد الطالب، مات 702 هجري، وشيخ الإسلام توفي 728.

فهما متعاصران، طيب.

بعد أن عرفناه بابن دقيق العيد معرفة موجزة، نكمل ما قاله ابن الأثير، قال: العامل بعلمه، المحقق في إفهامه وفهم فهمه، المتبع ما أمرها الله -ما أمره الله به- من حكمه، الذي فاق النظراء والأمثال، واتصف من المحاسن بما تضرب به الأمثال. طيب، ما دام ابن دقيق العيد بهذه المنزلة، فماذا فعل ابن الأثير معه؟ قال: فوجهت وجه آمالي إليه، وعولت في فهم معاني هذا الكتاب عليه، وعرفته القصد مما اريد. قلت له: أنا ايش بدي؟ قلت له: أنا بدي شخص يشرح لي شرحاً يشفي الغليل، ما بدي اي شرح، طيب. وأصغيت لما يبدي فيه من القول وما يعيد، كل ما قاله وأعادة وكرره أصغيت له إصغاء جيداً، فأملاً علي من معانيه كل فن غريب، وكل معنى بعيد على غيره أن يخطر بباله، وهو عليه قريب. يعني أملى علي معاني هي قريبة لذهن ابن دقيق العيد لأنه ذكي نبيه، وإن كانت هذه المعاني بعيدة عن أذهان غيره من العلماء؛ لأنهم لم يصلوا في الاستنباط لرتبه هذا العالم الجليل. فعَلَّقْتُ ما أورده وحُمْتُ على منهل فضله -المنهل هو المكان الذي يشرب منه الماء أو يشرب منه الماء- فيقول: كانني كان ابن دقيق العيد فضله وعلمه منهل، انا ابن الأثير ذهبت لأنهل منه ولأشرب من هذا المنبع، رجاء إيه.

قال: رجاء أن أرد ما ورده، وأن أصبع عالماً نحريراً على مثله. قال: فانه لما كان طلب العلم على كل مسلم واجباً، اخترت أن أكون من طلبته. يعني قلت: على الأقل أن أسير في طلب العلم وأبدأ هذا المشروع، أفضل من أن أبقى.

أندب الزمان: وما في وقت يا شيخ، والأرض صعبة، والعلوم مش سهلة! قال: لا، لابد وأن أشرع في هذا الطريق مهما كانت النتيجة، فإن لم أمت عالماً إلا مت طالباً. شوف الكلام الجميل، يعني هل شرط إذا طلبت العلم أن أصبح عالماً؟ لا، أن أموت على طريق طلب العلم وألقى الله وأسمى طالب علم، أفضل من أن ألقى الله وأسمى نائم أو عابث أو جاهل، أو إنسان كان يجلس حياته في المسارح وفي المنتديات وفي المجالس يستغيب ويدخل في النميمة، ولا يعني يفعل الأفعال التي تسمن وتغني، أن أموت طالباً للعلم هذا بحد ذاته مكسب.

قال: لعل الله، طب لماذا الإنسان يريد أن يطلب العلم حتى وصبح عالماً؟

قال: لعل الله أن يكفر بالإخلاص في ذلك بعض تحميلي لأوزار الدنيا واقترافي، ويسامحني بعفوه عن ذنوب إذا ادعي علي بها فليس لي فيها حجة إلا اعترافي. إذا وقفت بين يدي الله، هناك ذنوب إذا قيل لي: يا ابن الأثير هل فعلتها؟ ليس لي حجة إلا أن أقول: نعم فعلتها يا رب، فلعل الله عز وجل يقول: غفرت لك بطلبك للعلم، وباخلاصك في طلبك للعلم، وبإرادتك نفع الأمة. حقيقة لو لم يخرج ابن الأثير الحلبي لهذه الأمة إلا بهذا الكتاب النفيس الذي جهده أنه أوصله الينا -هو ليس صاحب المعلومة، هو صاحب التدوين- لو لم يخرج من هذه الدنيا إلا بهذه الدرة النفيسة كفاه ذلك شرفاً؛ لأنه نفعنا نفعاً كبيراً عظيماً. فنسأل الله أن يحقق له أمانيه، وأن يغفر ذلته، وأن يغسل حوبته، وأن يجعله من المقربين عنده ببركة هذا الكتاب الذي أوصله الينا. قال: وقد وثقت آمالي بالنجح، أي أنني سانجح.

اعتماداً على ماذا؟ لماذا كان عنده أمل أنه سينجح؟ قال: اعتماداً على ما ورد في السنة، وتأملت معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة».

فهكذا هو طلب العلم جميل، عظيم، نافع، كل من تعب فيه يتذكر هذا الحديث: أن هذا التعب إذا تم فيه الإخلاص لن يذهب سدىً، لن يذهب سدىً؛ فانه طريق إلى جنات النعيم. وسميت ما جمعته من فوائده والتقطته من فرائده: أحكام الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام.

إذاً من الذي وضع هذا الاسم للكتاب؟ ليس ابن دقيق العيد، بل هو ابن الأثير الحلبي. جعله الله أو جعل الله ذكره إلى يوم الدين باقياً، ومن مكروه الذنوب منجياً وواقياً، إنه على كل شيء قدير.

طيب، هذه هي المقدمة التي وضعها، طبعا سنلاحظ هنا بعد ذلك أن الكتاب بدأ مباشرة كتاب الطهارة.

فهنا السؤال: هل الحافظ عبد الغني المقدسي لما وضع عمدة الأحكام لم يجعل لكتابه مقدمة؟ في الحقيقة كلا، هو وضع مقدمة صغيرة لعمدة الأحكام، لكن لعل ابن الأثير الحلبي لم ير هنا يعني اهتماماً أو فائدة كبيرة من التعليق عليها؛ لأن المقدمة مختصرة كما سنبيّن، يوجد فيها يعني معلومات كبيرة مهمة جداً تستحق أن تشرح وتفصل، فشرع مباشرة في المقصود. وهذا في الحقيقة يلمح إلى قضية.

انصحكم بها يا طلبة العلم، وهو أنه درج عند كثير من الناس، خاصة في هذا الزمان وفي الأزمنة المتقدمة أيضاً: أن ينشغل الطالب بماذا؟ بشرح المقدمات.

شرحاً تفصيلياً لغوياً أصولياً، فيجلس أحدهم في بسم الله الرحمن الرحيم ثلاث محاضرات وهو يشرح فيها ويبين أوجه الإعراب وأشكالها وأنماطها، وأربعين وجهاً في البسملة وفي المتعلقات، ثم إذا شرع في الحمد لله رب العالمين، إذا به يأخذ كمان خمس محاضرات.

فالطالب يموت قبل أن يصل إلى موضوع الكتاب. وأحياناً للأسف بعض المدرسين قد يكون هدفه من ذلك إيه استعراض العضلات العلمية، وأنه أنا قادر أن آتي لك بأربعين وجهاً! وأحدهم ذكر في مسألة نحوية أكثر من ثلاثمئة وجه، فوجدت يعني أحد أظن الأمير شكيب أرسلان في كتابه تاريخ الدولة العثمانية، يعني كان يترجم لبعض العلماء في الحكم العثماني، أنه أحد العلماء ذكر ثلاثمئة وستين وجهاً في مسألة، وقال للطالب: لو أردت لزدتها. (وكانت في مناكفة). فيقول شكيب أرسلان: وهل أضاعنا إلا انشغالنا بالثلاثمئة وستين وجهاً؟

يقول: أنا يعني جزاك الله خيراً، نحن لا نلل من المهارات العلمية، هذا لا بد منه، لكن نحن نريد في النهاية في الشروح المسجلة والموثقة وحتى المكتوبة، نريد الشيء العملي النافع في النهاية. يعني ماذا سأستفيد من أربعين وجهاً في إعراب البسملة؟ يعني لن ينبني عليها كبير علم. نعم، تدل على قدرة ذكاء حدة، هذا لو كان بينك وبين صديق لك في مجلس خاص، يعني مش من باب المناكفة، لكن في مجلس عام ينتفع به الطلاب، ويريد الطالب أن يشعر بأنه يأخذ الفوائد النافعة وينجز، أنت تحبط همته إذا أغلته بالبدايات وشعر هو بثقل العلم وثقل المعلومات وزخمها، ثم إذا شرع في أول الحديث، إذا يصير وهو منهك تماماً ومعنوياته في الأرض، هذا ليس صحيحاً في التعليم. والطاهر بن عاشور نفس الشيء أشار إلى ذلك في كتابه: أليس الصبح بقريب، يقول: لما بدأت بالتدريس.

أظنه كان يدرس، طبعا هو كان يدرس كتاب ابن سينا تماماً، قال: لما بدأت بالتدريس بدأت يعني قال: دخلت على المحاضرة وبدأت أعطي الدقائق الفلسفية والنحوية والبلاغية وكذا أمام الطلاب (هو يقول عن نفسه يعني)، قال: وشعرت بعد ذلك أنني إنما اردت أن استعرض عليهم.

يعني أدرك أن هذه ليست طريقة الكبار. قال: بعد الواحد فعلياً سبحان الله الإنسان لما يكبر ويمر به مشوار الحياة يصبح يعرف ماذا يتكلم في الشروح.

أنه أنت في السنة الأولى في تدريسك الجامعي، أو في السنة الأولى في هيك شروعك في التعليم، بتحاول أن تظهر ماذا؟ مقدراتك، وأنه أنت أهل التدريس، فتروح بتجمع كل ما في الكتب وتأتي للطالب وقد حضرت له من مئة.

فالمرجع للطالب يستوي معك تماماً من كثرة المعلومات والزخم الذي تدخله عليهما. يكبر الإنسان في العلم، ويعرف أذهان الطلاب وما الذي يحتاجه الطلاب. إذا رزقك الله صدق النية، تصبح تخفف، وتعرف أن القضية ليست قضية استعراض، وإنما القضية هي قضية إفادة، وأنني أريد أن أُشكّل ملكة وقدرات علمية. ثم الطالب هو يذهب ويفتش عن العلم التفصيلي والتدقيقي والتحليلي وحده. أنا هنا أصنع عقلاً، وأصنع فكراً، وأصنع شخصية علمية، ولست هنا لأكون مخزناً للمعلومات. الطالب يجد عندي مئات الآلاف من المعلومات، لكنني لا أستطيع أن أصنع عقله وفكره، لأن الطالب تعب في ماذا؟ في مجرد تسجيل المعلومات معي، وليس في بناء العقلية العلمية.

ولذلك أي قد يكون ابن دقيق العيد هو نفسه تخطى قضية المقدمة، وشرع مباشرة في المقصود. لكن في الشروح الأخرى التي هي شروح مكتوبة على الكتاب زي مثلاً شرح ابن الملقن أو شرح ابن مرزوق التلمساني أو غيره، لا، ستجدونهم يعلقون على ماذا؟ على مقدمة الحافظ عبد الغني المقدسي. بل حتى وجدت ابن مرزوق التلمساني وضع خمسين ورقة أو أربعين ورقة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن ذكر اسمه ورد في ماذا؟ في المقدمة. أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فهنا لابد أن أذكر طرفاً من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. فذكر خمسين ورقة أو أربعين ورقة في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.

وحقيقةً يعني، الأصل أنه أحال على الكتب المعروفة في هذا العلم. أما أن في كتاب شرح حديثي أورد أربعين صفحة، يعني نعم، لولا أقول البركة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الكتاب لقلت ما صنعه فيه إشكال، لكن نقول إن شاء الله بركة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الكتاب دائماً جميلة. لكن حقيقة في التصنيف الأصل اختصار، حتى الطالب يأخذ النفع الذي يريده، يعني؛ لأن هذا الكتاب ليس في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الكتاب في ذكر أحاديثه والاستنباط الفقهي، والسيرة لها مصنفاتها. هل المطلوب أن يصبح الكتاب خمس مجلدات أم أحيل في كل علم على ما كتب فيه وأبقى في الفائدة التي تعني الطالب ومن أجله جاء؟ هذه فقط فائده انتبهوا.

وبناءً على هذا، أنا سأقرأ المقدمة، مقدمة الحافظ عبد الغني المقدسي، قراءة سريعة، ثم نشرع في الحديث الأول مستعيناً بالله.

طيب، يقول الحافظ عبد الغني المقدسي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الملك الجبار الواحد القهار، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الأخيار. أما بعد، فإن بعض الإخوان سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام. إذاً هنا عرفنا السبب الذي من أجله صنف عبد الغني المقدسي العمدة.

ولاحظ اسم الكتاب، إيش اسمه؟ العمدة. دائماً أسماء الكتب أيضاً ينبغي أن يدقق فيها، كأنه يقول هذا الكتاب، هذه الأربع مئة وثلاثون حديثاً هي العمدة التي ينبغي أن تقصدها ابتداءً، الأساس.

طيب، سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام بما اتفق عليه الإمامان؛ يريدون الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري. فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به. هذا هو، رجاء أن ينفع الله عز وجل بهذا الكتاب ويبارك به. وسبحان الله، بصدق هؤلاء الأئمة كتبت القبول لمصنفاتهم، فاليوم يعني في كل يعني المعاهد يعني التي وقفت عليها وقرأناها والمتون والمصنفات التي تشرح فيها تجد عمدة الأحكام في المقدمة. هذا رجاء الإخلاص وثواب إقبال الإنسان على الله سبحانه وتعالى علماً وعبادةً.

قال: وأسأل الله أن ينفعنا به أولاً، ثم قال: ومن كتبه، أي نسخ الكتاب، أو سمعه، أو قراه، أو حفظه، أو نظر فيه، دعا لهم بالبركة. وما دام الله سبحانه وتعالى استجاب له دعاءه لنفسه فيما نحسب، فبورك له، فنقول: آمين على هذا الدعاء رجاء نحصل نحن أيضاً بركة مدارسة هذا الكتاب ببركة إخلاص الإامام الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله عليه، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، ودنياً للفوز لديه في جنات النعيم، فانه سبحانه وتعالى حسبنا ونعم الوكيل.

طيب، اللهم أعن ووفق ويسر. يا رب مضى من الوقت ساعة وث... بالحديث الأول كتاب الطهارة.

أنا أحب دائماً في أول درس أن أشعر الطالب أنني شرعت، حتى لا يبقى الطالب يقول: أووف، الشيخ وقف عند المقدمة ولسه ما شرعنا. بسم الله، قل بسم الله واشرح معي. كتاب الطهارة.

الكتاب أيها الكرام، في أصلها مصدر هذه الكلمه. في أصلها كتاب، أصلها مصدر للفعل الثلاثي كتب، كتب لها ثلاثة مصادر: كتب كتباً وكتاب وكتابة. شوف أول واحدة كتب، بتتطور بزيادة الألف بتصير كتاب، بعدين بتطور بزيادة التاء بعد ذلك كتابة. وهذا والمصدر يدل على الحدث، والحدث الذي يدل عليه الكتب والكتاب والكتابة هو الجمع والضم. ومنه سميت الكتيبة كتيبة لأنها مجموعة مضمومة، ومنها أيضاً سميت عملية ضم الحروف بعضها إلى بعض في السطر الواحد كتابة؛ لأنها هي عملية ايش ضمها، كتب كتابة أي ضماً.

فالكتاب، كلمة كتاب، أصلها معناها ماذا؟ معناها المصدر الجمع والضم. لكن في المصنفات العلمية أصبحت مجازاً تطلق ويراد بها اسم المفعول، فأصبح يطلق كتاب ويراد به مكتوب. فمعنى كتاب الطهاره، معنى كتاب هنا ليس المعنى المصدري، بل معناها معنى اسم المفعول، مكتوب الطهارة. وهذا من المجازات: أن يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول.

طيب، فاذا المكتوب، مكتوب الطهارة. يعني المكتوب مكتوب مسائل الطهارة. هناك مضاف محذوف يمكن تقديره ايش؟ مكتوب مسائل الطهارة، أو ممكن هذا ربما في الفقه هون مثلاً، ممكن نقول مكتوب أحاديث الطهارة. هذا قد التقدير قد يكون أنسب هنا في الفقه: كتاب الطهارة، يعني نقدر المضاف المحذوف: مكتوب أحاديث الطهارة. حذف المضاف وأبقى المضاف إليه، لأن هو مكتوب الطهارة، يعني وحدها مش صالح. شو يعني مكتوب الطهارة؟ آه، يعني مكتوب أحاديث الطهارة.

طب ما هو المكتوب لاحاديث الطهارة؟ الآن سيبدأ باحاديث الطهارة. والطهارة في اللغة هي النظافة من الأدناس الحسية أو المعنوية، المعنوية اللي هي الأخلاقية والسلوكية. فالطهارة من الأدناس الحسية والمعنوية، النظافه، النظافه من الأدناس الحسية والمعنوية تسمى طهارة في اللغة.

وأما في الاصطلاح الفقهي والشرعي تختلف، طبعا المذاهب حتى العلماء داخل المذهب الواحد يختلفون في تعريف الطهارة. والمشهور عند المتأخرين من أصحابنا الحنابلة يقولون: الطهارة ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث وما في معناه. والتعليق على هذا التعريف يكون في كتب الفقه، لا أُشغلكم به.

طيب، الحديث الأول. الحديث الأول بدأ بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية» -وفي رواية أخرى: «بالنيات»- «وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».

هذا الحديث أيها الكرام أحد اصول الإسلام الكبرى. وابتدا الحافظ عبد الغني المقدسي بهذا الحديث لعده معانٍ: المعنى الأول نقول: اتباعاً لما فعله كبار العلماء من المتقدمين، كالامام البخاري رحمه الله عليه الذي ابتدأ كتابه بماذا؟ كتابه الصحيح المشهور العظيم بحديث: انما الأعمال بالنيات. مع أن الكتاب الأول لو فتحت صحيح البخاري، الكتاب الأول كتاب بدء الوحي، لكنه مع ذلك جعل أول حديث حديث عمر بن الخطاب: انما الأعمال بالنية. فنقول إذاً: حافظ عبد الغني المقدسي اتبع أولاً طريقة كبار المحدثين الاقدمين. وهنا الحافظ عبد الرحمن بن مهدي أيضاً ذكر أنه ينبغي لمن صنف كتاباً في الحديث أن يكون أول ما يبتدئ به حديث: إنما الأعمال بالنية. وأشار ابن دقيق العيد لهذه الفكرة كما سياتي معنا، أنه لعله إنما ابتدأ بهذا الحديث اتباعاً لما قاله بعض المتقدمين من أنه ينبغي الابتداء به في التصانيف. فاذاً في الجمله السبب الأول الذي حذا أو الذي جعل عبد الغني المقدسي يبتدئ بهذا الحديث هو اتباعه لطريقه المحدثين الكبار من الأقدمين.

ثانياً: أن هذا الحديث يشكل قاعدة عظيمة من قواعد الدين، فهو يدخل في كل الأبواب الفقهية. إذاً منزلة هذا الحديث من الفقه والاحكام الشرعية تجعله يستحق أن يبتدأ به، فهو لا يكاد يخلو باب من أبواب الفقه إلا وهذا الموضوع، موضوع النية، له أثر فيه. حتى ذكر العلماء أن هذا الحديث البعض جعله إن مدار الإسلام عليه، والبعض جعل هذا الحديث هو نصف الإسلام، والبعض جعل هذا الحديث هو ثلث الإسلام، كما ذكر عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: حديث إنما الأعمال بالنيات ثلث الإسلام. فجعلوا حديث إنما بالنيات ثلث، وحديث إن الحلال بين والحرام بين ثلث، وحديث من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد ثلث. فقالوا هذا الحديث ثلث الإسلام، والبعض كأبي داود جعله ربع الإسلام، ربع الإسلام. واضافوا أحاديث أخرى، الذين قالوا إن الإسلام يدور على أربعة أحاديث جعلوا حديث إنما الأعمال بالنيات منها، وجعلوا حديث الحلال بين والحرام بين منها، واختلفوا بعد ذلك في الأحاديث التي تضاف إليها. فالبعض جعل من حسن اسلام ما تركه ما لا يعني، البعض قال: ازهد في الدنيا يحبك الله. أي يعني في اختلاف بين العلماء الذين قالوا إن الإسلام يدور على أربعة أحاديث لم يتفقوا على الأربعة بالتفصيل، لكنهم اتفقوا على أن حديث إنما الأعمال بالنيات منها، اتفقوا على أن حديث إنما الأعمال بالنيات منها.

فهذا يعطيك أن الحديث له مكانة عظيمة ومنزلة كبيرة، وليس فقط حتى في باب الفقهيات، بل حتى في باب العقائد وباب السلوكيات، لابد وأن يتطرق إلى موضوع النيات. فقيمة هذا الحديث، المساحة التي ياخذها من المسائل الفقهية والعقدية والسلوكية، إبراز العلماء لهذه المكانة يجعله يستحق أن يكون مبتدأ به. إذاً فهذا ملحظ آخر من الملاحظ التي من أجلها ابتدأ الحافظ عبد الغني بهذا الكتاب.

ولعله أيضاً نقول: وما دام هذا الحديث أيضاً سيدخل معنا في كل الأبواب الفقهية، في الطهارة، في الصلاة، في الزكاة، في الصيام، في الحج، حتى في البيوع والمعاملات، فمن الجيد إذاً أن يذكر في البدايات، ما دام هو في كل ما سياتي حاضراً وواردآ ومؤثراً، إذاً جيد أن يكون هو ماذا؟ في صدر الكتاب وفي بدايته.

ويمكن أيضاً أن تلاحظ أنت معاني أخر، ممكن تقول مثلاً إن نحن نريد أن نتكلم عن أعمال الظاهر، وأعمال الظاهر لابد معها أولاً من ماذا؟ من تصويب الباطن. فتصويب الباطن يبتدئ بماذا؟ بأن نقول: إنما الأعمال بالنية. وهذا أيضاً من الملاحظ التي ذكرها العلماء في لماذا بُدئ بهذا الحديث؟ أن فيه تنبيهاً للطالب بضرورة إخلاص النية لله، وتصويب مسلكه في بداية طلبه لأي كتاب وفي بداية طلبه لأي علم. فكأنك لما تفتح هذا الكتاب، تريد أن تشرع في دراسته، تجد إنما الأعمال بالنية، كأن هذا تذكير: يا أيها الطالب من بداية المشوار صوّب نيتك. فهذا أيضاً من مقاصد البدء بهذا الحديث: الحث على تصويب النوايا منذ بداية التعلم والقراءة والتحليل.

هذا إذاً من حيث لماذا ابتدأ أو ابتدا الإمام الحافظ عبد الغني المقدسي بهذا الحديث. بعد ذلك، سنبدأ بالتعليق على راوي الحديث. نعلق على راوي الحديث ونعرف من هو من الصحابه الكرام. وهذه طريقة جيدة، وهذا مما تستفيد أيضاً من قراءة هذه الشروح: أن تعرف المسلك الصحيح والمنهج العلمي في شرح الأحاديث، أنه كيف أن الإنسان يبدا بالسند، فإذا كان السند من أوله إلى آخره مذكوراً، تبدا بماذا؟ بذكر هل هو أو من حديث صحيح أو ضعيف، وهذا قد كُفينا مؤنته لأن الأحاديث كلها صحيحة. ثم تبدأ بذكر رواة الرواه الذين قد ذكروا في السند، فتعرف بكل منهم تعريفاً يسيراً إلى أن تصل إلى الصحابي. وهنا ما دام هو أيضاً لم يذكر الأسانيد، فسنشرع مباشرة في تعريف الصحابي.

بعد أن تذكر الصحابي، بعد ذلك تبدأ بشرح ألفاظ الأحاديث، تبدأ بالمفردات، ثم تبدأ بالجمل، ثم تذكر بعد ذلك الفوائد المعتبرة. هذه منهج علمي وترتيب للفكر لمن أراد غداً إن شاء الله أن يتصدر لتعليم الناس. أنت تستفيد من العلماء ليس فقط المعلومة، بل تستفيد منهم أسلوب إيصال المعلومة وطريقة ترتيبها. ابن الملقن هنا ذكي وأستاذ في ترتيب المعلومات، تجد دائماً يقول لك: المسالة الأولى، واحد، المسالة الثانية، المسالة، المسالة الثالثة. دائماً المعلومة المرتبة تصل إلى الطالب بهدوء، بخلاف الكتاب الذي تجد معلوماته مبعثرة، أو الدرس الذي تجده الشيخ فيه لم يحسن ترتيب المعلومة، تجد نفسك مشتتاً، غير قادر على الانتباه والتركيز.

فنبدأ بتعريف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. هنا القشيري علي رحمه الله بن دقيق العيد ذكر تعريفاً مختصراً بهذا الصحابي الجليل فقال: هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح -بكسر الراء المهملة، بعدها ياء آخر الحروف، يعني الياء هي آخر حروف الهجاء، هذا آخر الحروف على الترتيب الأبجدي- بن عبد الله بن قُرت بن رِزاح -بفتح الراء المهملة، بعدها زاي معجَمة، معجَمة يعني ايش؟ طبعا كلمة معجَمة مهملة هذه بدك تبدا تتعود عليها في شروح الحديث، أنه كثيراً ما سترد معك لما يقول لك هذا حرف مهمل يعني ما عليه نقطة، لما يقول لك حرف معجَم يعني عليه نقطة، وحتى المعجَم في تفصيل أكثر، معجَم بمثناة فوقية، بمثناة تحتية- هذه العبارات تتعود عليها؛ لأن الطريقة القديمة أنه ما.

كانت حركات هذا الكتاب لما كتب كمخطوطة في زمن ابن الأثير الحلبي ما كانت توضع الحركات، حتى لا يحصل خطأ وتصحيف للكلمة. وما كان حتى في نقط، ما كان في تنقيط. فكان حتى لا يتم التصحيف للكلمة يتم كتابة التنقيط كتابةً، يقول لك: هذه معجمه، هذه مهملة، حتى أنت تنتبه أن هذا الحرف منقوط بالتالي هذا الزاي وليس الراء لو اعتمد فقط على الكتابة. طب ممكن حتى لو في نقط مع الزمن القديم ممكن النقطة تُمحى أو الحبر يتوسع أو يحصل أي شيء، فمن باب الاحتياط.

طبعا في الزمن الأول أول ما كان حتى في تنقيط كما قلت لك يعني مش باب الاحتياط ما كان في تنقيط أصلاً، فكانت طريقة ضبط الحروف بالوصف؛ أن يقول: زاي معجمه كذا كذا. بعديهم يعني بعد ذلك ظهر التنقيط، لكن حتى مع ظهور التنقيط لما كانت وسائل الكتابة بدائية كانوا يخشون كما قلنا من أن الحبر يتوسع أو أن أحد يصحف بطريقه ما، فحتى لا يكون هناك تصحيف ينصون على هذه الكلمات: معجمه، مهملة، مثنى فوقيه، تحتيه، وهكذا.

المهم قال: عدي بن كعب القرشي العدوي. العدوي إذا عرفنا من أين هذه النسبة؟ لعمر بن الخطاب من عدي بن كعب. ثم قال: ويلتقي نسبه يجتمع مع النبي عليه الصلاة والسلام في كعب بن لؤي، لأن كعب بن لؤي له ولدان: مرة وعدي. عمر بن الخطاب الله يرضى عنه يعود نسبه إلى عدي بن كعب، وأما النبي عليه الصلاة والسلام فيعود نسبه إلى مرة بن كعب، فيلتقيان إذا في كعب، يلتقيان في كعب. لكن كعب وأولاده سواء من العدوي ولا مرة كلهم من قريش، لأن قريش تعود إلى النضر بن مالك أو إلى أبيه على خلاف في ذلك.

أسلم قديماً بمكة وشهد المشاهد كلها. أي شهد لما يقول لك فلان شهد المشاهد كلها هذه عبارة خلاص بدها تكون لديك مفهومة؛ ايش يعني شهد المشاهد كلها؟ يعني حضر بدر، أحد، والغزوات والمشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام. وولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق، فهو الخليفة الثاني بعد أبي بكر في سنة 13 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. طبعا وهو صاحب الفتوح العظيمة والذي وسع رقعة الإسلام، وجند الأجناد، ووضع الخراج، ووضع التاريخ الهجري وكثير من الأمور سنها عمر بن الخطاب.

طبعا بحكم أن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كانت قصيرة فلم يدرك أن يضع كثير من الأنظمة والقوانين كما يسمى، فعمر بن الخطاب كانت خلافته طويلة 10 سنوات فكان عنده مساحة لأن يضع كثير من القوانين والأنظمة لهيكلات الدولة المسلمة، وبقي 10 سنوات إلى أن توفاه الله عز وجل في 23 من الهجرة في شهر ذي الحجة قيل لأربع بقين وقيل لثلاث بقين من ذي الحجة عليه رحمة الله. طبعا قتله المجوسي أبو لؤلؤة. طبعا البعض يقول أن أبا لؤلؤة كان نصرانياً، لكن الأشهر عند رواة التاريخ أنه كان مجوسياً، أبو لؤلؤة المجوسي.

طيب هذا يعني كلام سريع. طبعا أمُّه هي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، هي حنتمة اسم أمِّه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة. والبعض يقول هي حنتمة بنت هشام كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب، لكن الصواب الأول لأن هشام بن المغيرة هو أخو هاشم بن المغيرة. من أين حصل الخوض؟ أن المغيرة له ولدان؛ هاشم وهشام. هشام هو والد أبي جهل، مش هو اسمه عمرو بن هشام أبو جهل؟ ما اسمه عمرو بن هشام؟ فأبو جهل هو ابن هشام بن المغيرة، وحنتمة هي ابنته بنت هاشم، فإذا في هناك صلة قرابة بين حنتمة وبين أبي جهل يعني أولاد عم صحيح؟ أولاد عمومة، ولذلك في قرابة إذا بين عمر بن الخطاب وبين أبي جهل من جهة أمه، هناك قرابة من جهة الأخوال فهو يعني ابن عم والدته هيك بقول ابن عم والدته.

بعد أن انتهينا من الكلام عن عمر بن الخطاب نعطي فائدة حديثية متعلقة بهذا الحديث، ثم ننطلق إلى الشرح الفقهي. وهو أن هذا الحديث أيها الكرام لم يصح عن الصحابة إلا عن عمر بن الخطاب، ولم يصح عن عمر بن الخطاب إلا عن طريق علقمة بن وقاص الليثي، ولم يصح عن علقمة بن وقاص الليثي إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يصح عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا عن طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم من عند يحيى بن سعيد الأنصاري اشتهر الحديث فرواه أكثر من 200 رجل. والطريف أو الجميل أن هؤلاء الثلاثة كلهم من التابعين؛ أو علقمة بن وقاص الليثي أو محمد بن إبراهيم التيمي أو يحيى بن سعيد الأنصاري كلهم من التابعين، فهو رواية تابعي عن تابعي عن تابعي عن صحابي.

وأنا ركزت على قضية لم يصح؛ لأن في إذا نظرت في كتب تخريج الأحاديث تجد أنهم يذكرون طرقاً أخرى لهذا الحديث لكن كلها ضعيفة، والصحيح منها الثابت هو هذا الطريق، فهو إذا غريب في أوله. من حيث الصحة هو غريب في أوله؛ لأنه الطبقات الأولى طبقة الصحابة ثم التابعين، أو يعني أول اربع طبقات خلينا نقول أن التابعين هم ثلاثة هذه الطبقات كلها رواية فرد، ثم اشتهر بعد ذلك وهذا يدل على أننا نقبل أحاديث الآحاد ولا نشترط فيها التواتر، وأن هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل وأصبح أحد أركان الإسلام الكبرى مع أنه حديث من أحاديث الآحاد.

فقول بعض أهل البدع أن الحديث حتى يعتمد ويُعتبر لابد وأن يكون حديثاً متواتراً، ثم يذكرون هذا في باب العقائد، هذا كله كلام لا أصل له، وإنما إذا صح الحديث بطريق صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام وجب العمل به سواء كان حديثاً متواتراً أو من أحاديث الآحاد. يعني وهذه سبحان الله شيء هيك غريب أن تجد حديث مشهور والأمة تلقته بالقبول يلتقي مدار الإسلام عليه ثم لا يصح إلا عن صحابي واحد، ثم عن واحد، ثم عن واحد، ثم عن واحد! هذا التفرد العجيب الغريب، وكان هذا في حكمه وإشارة إلى أنكم اقبلوا الآحاد إذا صحت بدون النظر إلى قضية التواتر وعدم التواتر وأشغال الأمة بهذه التفاصيل.

الآن نشرح في الكلام عن الحديث مع ابن دقيق العيد؛ يقول ابن دقيق العيد: ثم الكلام عن هذا الحديث من وجوه: أحدها أن المصنف بدأ به لتعلقه بالطهارة، وإن كان هو حقيقةً متعلقاً بماذا؟ بكل أبواب الفقه. فهو يقول بالطهارة لكن اكتب: وهو متعلق بكل أبواب الفقه أيضاً وليس فقط بالطهارة، لكن أكيد الطهارة ذكرت ابتداءً باعتبارها مفتاحاً للصلاة، أليس هكذا هو سبب ذكر الطهارة في كتب الفقه قبل كتاب الصلاة أنها مفتاح الصلاة؟ ولما كانت الطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء ومن الحدث الأكبر بالغسل تحتاج إلى نية، فلعلَّه ذكر النية لتعلقها بالطهارة، لكن حقيقةً هي متعلقة بكل الأبواب التي ستأتي أيضاً بعد الطهاره.

قال: وامتثل قول من قال من المتقدمين إنه ينبغي أن يبتدأ به في أول كل تصنيف. من الذي قال ذلك؟ هذا مشهور عن عبد الرحمن بن مهدي، ومشهور أيضاً عن الإمام الخطابي أيضاً أنه نقل ذلك، لكن أكثرها شهرة هي عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: ينبغي أن يبتدأ بهذا الحديث في أول كل تصنيف. قال: أو وقع موافقاً لما قال. ما معنى أو وقع موافقاً؟ هو يقول: لعل عبد الغني المقدسي فعلاً قصد الامتثال لما قاله هؤلاء، أو أنه لم يقصد الامتثال هو خطر في ذهنه أن يبدأ بهذا الحديث فوقع فعله وفاقاً لما قال هؤلاء وإن لم يقصد حقيقة امتثال قولهم.

فأنت أحياناً سبحان الله العلماء يقع الحافر منهم على الحافر. قد يفعل العالم المتأخر شيء من عنده هكذا خطر في ذهنه فيجد أن هذا الذي فعله من ذهنه موافق لما فعله أو قاله عالم متقدم مع أنه والله لم يقرأه. بل حتى أنت في حياتك العلمية سبحان الله يجد الإنسان أحياناً وهو يقرا كتاباً يجد في نفسه معنى خطر في ذهنه فيفتح كتب شروح الحديث يجد أن المعنى الذي خطر في ذهنه هو المعنى الذي قاله فلان فلان من العلماء، مع الخبرة تجد أن حافرك يقع على حافر العلماء المتقدمين مع أنك لم تقرأ هذه المعلومة عند أحد منهم، أنتَ خطرت في ذهنك ولكن العلم سبحان الله يتلاقح كما يقولون.

فاذاً هل عبد الغني المقدسي هو امتثل لكلام عبد الرحمن بن مهدي أو أن هذا الموضوع خطر في ذهنه ابتداءً فوافق ما فعله ابن عبد الغني المقدسي لما نصح به عبد الرحمن بن مهدي؟ هذا محتمل وهذا محتمل، والكل على خير.

نذهب الآن إلى الفائدة الثانية. طريقة الشرح أيها الكرام ستكون؛ سنأخذ جملة جملة من الحديث ونعلق عليها وننظر ما فيها من المعاني، فسيكون هناك تحليل دقيق لما -طبعا على ما يتسع به الوقت-. الجمله الأولى: إنما الأعمال بالنيات. هذه الجملة سنبدأ بها ونحللها اليوم مع ابن دقيق العيد إن شاء الله. هذه الجملة مو في يعني بشكل عام نستطيع أن نقول إن فيها ثلاث تراكيب: إنما، والأعمال، وبالنيات. فلا بد ندرس كلمة إنما، ندرس كلمة الأعمال نعرف ما المراد بها، وندرس كلمة النيات ونعرف ما المراد بها.

إنما؛ يقول هنا ابن دقيق العيد: كلمة إنما للحصر على ما تقرر في الأصول، أي في علم الأصول، كأنه يحيلك على علم الأصول. واستدل بماذا؟ قال: فإن ابن عباس رضي الله عنهما فهم الحصر من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا في النسيئة»، وعارض أي من الصحابة الآخرين بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يُعارض في فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر. ومعنى الحصر فيها الآن سيشرح لك ما معنى كلمة الحصر؛ قال: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. وهل نفيه عما عداه بمقتضى موضوع اللفظة أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث.

نبدأ مستعينين بالله الكلام عن إنما. اختلف العلماء؛ علماء الأصول واللغة في إنما: هل هي تفيد الحصر أو لا تفيد الحصر؟ لكن قبل أن نتكلم عن هذا الخلاف ينبغي أن نفهم ما معنى الحصر، فلذلك هنا ذكر لك ابن دقيق العيد ما هو الحصر. الحصر هو أن أثبت الحكم في المذكور في الجملة، وأنفي الحكم عما عدا المذكور. فمثلا إذا قلت: إنما زيد قائم. ما معنى أن إنما للحصر أو ليست للحصر؟ إذا قلنا إن إنما للحصر ما معناه؟ الحصر معناه هكذا: إنما زيد قائم؛ أثبت لزيد أنه قائم، ونفيت عنه في نفس الوقت باقي الأحوال الأخرى أن يكون مضجعاً أو نائماً أو مستلقياً على ظهره.

فمن قال إن إنما تفيد الحصر قصد هذه الطريقة، أنها تدل على إثبات الحكم للمذكور في الجملة ونفي الحكم عما عدا المذكور. طبعا هنا نتدرب إخواني لما ما في مشكله ممكن نطير قليلاً في فهم معنى الحصر في إنما ثم بعد ذلك ننتقل إلى معرفة ما ينبني على ذلك، لكن أنا يهمني أن تفهم الفكرة. الحصر في إنما أيها الكرام إنما يكون في العادة باعتبار ماذا؟ الكلمه الأخيرة؛ يعني الكلمة الأخيرة في الجملة بعد إنما هي المحصور فيها، حتى أنت بيض تفهم كيف تمارس. ما الفرق بين إنما زيد قائم، وبين العكس: إنما قائم زيد؟ وطن نفسك على أن الكلمة الأخيرة هي المحصور فيها.

فإذا قلت إنما زيد قائم، أنا حصرت زيد في القيام، ونفيت عنه أي حالة أخرى غير القيام من الاضطجاع والجلوس والنوم وما شابه ذلك. لكن لو عكست فقلت: إنما قائم زيد. اه، الشيخ قال لنا المحصور فيها هو الكلمة الأخيرة، إذاً حصرت القيام في زيد. إذاً ماذا يدل بمفهوم المخالفة؟ على نفي القيام عدا زيد. فإذا إنما القائم زيد، إذاً ليس خالداً ولا بكراً ولا عمراً ولا ما شابه ذلك. فهمتم؟ حتى لو كانت الجملة فعلية نفس الفكرة؛ لو أقول: إنما جاء زيد. خلص، رتب ذهنك: المحصور فيه هو آخر شيء مذكور، إنما جاء زيد، إذاً هو حصر المجيء في زيد وليس في عمر ولا في خالد.

طب لو أتيت بالمفعول به: إنما أكرمت بكراً. الحصر سيفهم على الكلمة الأخيرة؛ يعني إنما الذي أكرمته بكر، وليس سناء ولا هناء ولا سعاد ولا ما شابه. بكر راكباً؛ المحصور فيه هو الحال هنا الكلمة الأخيرة، فالمعنى أنه جاء على حال الركوب ولم يأتي ماشياً أو زاحفاً أو ما شابه ذلك. إذاً هذا هو الاسلوب المضطرد في إنما: أنك تجعل المحصور فيه هو المذكور آخراً، سواء كان المذكور آخراً هو الخبر أو كان هو المبتدا. ممكن يكون المبتدا؟ نعم، ممكن أنا أعكس فأقول مثلاً: إنما في الدار زيد. إنما في الدار زيد؛ هنا ما المحصور فيه؟ زيد وهو المبتدا المؤخر، لكن لما أردت الحصر شو اضطريت اعمل؟ اضطريت أن أجعل المبتدا مؤخراً حتى أحصر فيه، وإلا لو قلت: إنما زيد في الدار، لصار المحصور فيه أن زيد في الدار وليس في المسجد ولا في المدرسه ولا ما شابه ذلك.

فأنت دائماً وطن نفسك على أن المحصور فيه بعد إنما يأتي متأخراً في ترتيب الكلام، واضح؟ طيب، لكن بدنا نرجع نقطة: هو هل اتفق العلماء جميعاً على أن إنما أداة حصر؟ نقول:

اختلف العلماء ابتداءً على قولين؛ القول الأول: من يرى أن «إنما» أداة حصر. هذا قول الجماهير من المتقدمين والمتأخرين، واستدلوا على ذلك بماذا؟ أولاً: باستقراء أساليب العرب، باستقراء الأسلوب العربي، فقالوا: استقرانا مئات الجمل العربية الفصيحة الواردة عن الأوائل، فوجدنا أنهم إذا أطلقوا «إنما» يريدون بها الحصر، وقلّ جداً أن ترد «إنما» دون إرادة الحصر بها -ممكن لكنه قليل- فيصبح ما هو الحقيقي المضطرد الغالب هو الحقيقة، والمجاز هو القليل. هذا الاستدلال إذاً بالاستقراء لأساليب العرب.

الدليل الثاني لمن قال إنها تفيد الحصر هو الاستدلال بفهم الصحابة، وهم من العرب الأوائل. هل فهم الصحابة من «إنما» الحصر؟ وهذه طريّقة أصولية مطّردة في كل كتب الأصول عموماً، أنه أحد من يُعتمد عليهم في فهم دلالات الألفاظ، ويركز على فهمهم هم الصحابة؛ لأنهم هم أصلاً من العرب الأوائل، وبالتالي لسانهم حجة، وهم أقرب إلى فهم أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من غيرهم من العرب، لأنهم يدركون متى أراد النبي عليه الصلاة والسلام الحقيقة اللغوية، ومتى أراد الحقيقة الشرعية أو العرفية، فكلامهم عمدة.

فهنا ابن دقيق العيد أعطاك الزبدة، قال لك: ابن عباس، وهو من كبار الصحابة، لغوي مفسر بحر عالم نَحْرِير، فهم من «إنما» الحصر في حديث: «إنما الربا في النسيئة». ابن عباس في بادئ أمره كان يرى أن الربا فقط محصور في ربا النسيئة، وأنه لا يوجد ربا فضل أو أي نوع من أنواع الربا. ممتاز. من أين أخذ ابن عباس هذا الحصر؟ قد أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الربا في النسيئة». ها، بدنا نطبق قاعدة الحصر، «إنما الربا في النسيئة» أي لا في غيره، مش هيك معنى الحصر؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عدا المذكور، «إنما الربا في النسيئة» لا في غيره، ممتاز. طيب، فدل هذا على ماذا أيها الكرام؟ دل فهم ابن عباس مع إقرار الصحابه له على فهم الحصر على أن «إنما» عندهم تفيد الحصر.

طيب هل الصحابة -طب- وافقوه على أن الربا فقط في النسيئة؟ لا، هم عارضوه وقالوا له: هناك حديث آخر يدل على وجود ربا اسمه ربا الفضل. فهم عارضوه في ماذا؟ ليس في فهمه للحصر من «إنما»، وإنما عارضوه، قالوا له: هذا الحصر الذي فهمته من «إنما» منسوخ، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام نص آخر يثبت وجود نوع آخر من الربا اسمه ربا الفضل. طب هل يجوز أن يُنسخ الحصر؟ نعم. طب هل هناك شاهد في القرآن على نسخ الحصر؟ نعم. قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. فآية الأنعام وهي آية مكية حصرت المحرمات من الأطعمة فقط في هذه الأربعة، مع أنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد مدة تحريم مجموعة أخرى من الأشياء، منها تحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير وما شابه ذلك.

فدل هذا على أن الحصر يقبل النسخ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن يكون في بادئ الأمر حصر حكم التحريم أو الإيجاب أو الندب في صورة، ثم نسخ بعد ذلك، وورد ما ينسخ ذلك الحصر. فالصحابة إذاً لما عارضوا ابن عباس عارضوه في فهمه للحصر وقالوا له: أخطأت يا ابن عباس فإنما لا تفيد الحصر؟ أم وافقوه على فهمه الحصر وعارضوه بحديث آخر؟ يقول ابن دقيق العيد: وعارض ابن عباس بدليل آخر من الصحابة يقتضي تحريم ربا الفضل، ولكن لم يعارض ابن عباس في فهمه للحصر من «إنما»، هم لم يعارضوه في ذلك.

وفي -طب- إيش النتيجة التي سنخرج بها إذاً؟ أن هناك اتفاقاً عاماً بين الصحابة وهم عرب أُقحاح على أن «إنما» تفيد الحصر. إذاً عندنا استقراء أساليب العرب وفهم الصحابة يؤكد لنا أن «إنما» تفيد الحصر. على هذا جماهير الأصوليين، من خالف في ذلك؟ خالف في إفادتها للحصر بعض الحنفية، خالف في ذلك من أصحابنا الحنابلة -وأنا ساركز حقيقه على الحنابله كون الشرح هذا نستهدف به أساساً معهد مَلَكة الفقه الحنبلي معهد آفاق فلذلك سيكون الشرح مختلطاً كما قلنا-. نفى ذلك أيضاً من أصحابنا الطوفي، ونفى ذلك من اللغويين المفسرين ابن عطية صاحب تفسير الوجيز، ونفاه أيضاً ابن حيان الأندلسي؛ فهؤلاء يعني من أشهر من نقل عنهم الطوفي وابن حيان وابن عطية، يرون أن ماذا -ركزوا معي حتى تفهموا مذهب هؤلاء- أن «إنما» في أصل وضعها ليست للحصر، لكن قد تفيد الحصر من خلال القرائن.

يعني هم لا يقولون «إنما» لا يجوز أن تستعمل في سياق الحصر، لا، هم يقولون «إنما» في أصل وضعها ليست للحصر، وإذا أُفيد الحصر في سياق وردت فيه فإفادة الحصر ليست منها، يعني ليست هي أداة حصر، وإنما من القرائن المحيطة بالسياق. وأما الجمهور فبالعكس، يقولون: «إنما» هي في وضعها أداة حصر، وإذا -بالعكس- وإذا فهم منها غير الحصر فهذا الذي يحتاج إلى قرينة، عكس هؤلاء. ممتاز.

الآن على رأي الجمهور هذا الذي يهمنا، الصحيح أن هذا الحصر على رأي الجمهور الذين يرون أن هذا الحصر هؤلاء الجمهور اختلفوا في طريقة إفادتها الحصر فقالوا: إثبات الحكم في المذكور نتفق على أنه بالمنطوق. إثبات الحكم، مش قلنا الحصر: كلمة حصر تدل على إثبات حكم للمذكور ونفي الحكم عما عداه؟ عندك جملتين، الحصر: إثبات حكم في المذكور في السياق، ونفي الحكم عما عدا المذكور. فالجمهور متفقون على أن إثبات الحكم للمذكور هذا بالمنطوق، «إنما زيد قائم» إثبات القيام لزيد، «إنما زيد قائم» إثبات أن زيداً قائم، هذا بالمنطوق باتفاق الجميع.

لكن نفي أن يكون زيد نائماً أو مضجعاً من أين أخذناه؟ هنا وقع الخلاف بين الجمهور؛ فبعضهم قال: نفي الحكم عما عدا، بعضهم قال: أيضاً من الدلالة المنطوقية، وأن «إنما» بمنطوقها تدل على نفي الحكم عما عدا المذكور. وبعضهم قال: لا، هي بدلالة مفهوم المخالفة، دلالة مفهومية، أن «إنما» بمفهوم أعطتنا بالمفهوم نفي الحكم عما عدا المذكور. تمام، إذاً نفي الحكم عما عدا المذكور، هل هذا النفي أُخذ بالمنطوق أو بالمفهوم؟ هنا محل خلاف واضح.

إذاً الحصر فيه إثبات ونفي؛ الاثبات الكل متفق على أنه بالمنطوق: «إنما زيد قائم»، المنطوق الذي يتفق عليه الجميع أنه زيد قائم. هسا نفي حالة أخرى غير القيام وهي النوم والاضجاع عن زيد، من أين أخذت أنه زيد مش نائماً ولا مضجعاً؟ من أين أخذت؟ هل من المنطوق ولا يعتبر من الدلالة المفهومية؟ هنا في خلاف حتى في أروقة الحنابلة؛ اختلف أصحابنا الحنابله على قولين، فذهب أبو الخطاب الكلوذاني وأبو الفتح ابن المني وابن دقيق العيد والقاضي الفخر إسماعيل إلى أن «إنما» أيضاً تنفي الحكم عما عدا المذكور بالمنطوق، فإثباتها الحكم للمذكور ونفيها للحكم عما عدا كلها دلالة منطقية. هذا القول الأول وهو معتمد المذهب.

القول الثاني عند أصحابنا، وهو قول القاضي أبي يعلى في إحدى الروايتين، وابن عقيل والحلواني وطائفة من تبعهم، قالوا: لا، قالوا: «إنما» تنفي الحكم عما عدا المذكور بمفهوم المخالفة، إذاً هي تثبت الحكم للمذكور بالمنطوق، لكن دلالتها على نفي الحكم عما عدا المذكور دلالة مفهومية وليست منطوقية.

رح تقول لي يا شيخ، يعني إيش فائدة هذا؟ يعني قلنا: إن نفي الحكم عما عدا المذكور أُخذ بالمنطوق ولا بالمفهوم، هل له أثر في الاجتهاد والاستنباط؟ بالتأكيد، فرق بين أن نقول: إن هذه الدلالة منطقية، وبين أن نقول: إن هذه الدلالة مفهومية. أولاً، هناك طائفة من العلماء لا تؤمن بمفهوم المخالفة أصلاً، وبالتالي فإذا أنا حاججته بالحصر الذي أستفيده من «إنما»، أنا أحاجه بمنطوق، وليس له أن يقول لي: أنت تستدل علي بمفهوم؛ لأنني أقول له: أنا لا أقول إنها دلالة الحصر في «إنما»، لا أقول إنها دلالة مفهومية، بل أقول إنها دلالة منطوقية، فأستطيع أن أستدل بـ«إنما» في إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه على من لا يؤمن بمفهوم المخالفة واحتج علي؛ لأنني أقول: «إنما» دلالتها منطوقية وليست مفهومية.

اثنان، أيضاً في باب التعارض والترجيح، إذا تعارض منطوق مع مفهوم يقولون في باب التعارض والترجيح: المنطوق يُقدم على المفهوم، صحيح. فتحري: هل «إنما» نفيها للحكم عما عدا المذكور، هل هو بالمنطوق أو بالمفهوم؟ مهم جداً في تطبيق هذه القاعدة؛ لأنني إذا قلت إن نفيها للحكم عما عدا المذكور دلالة منطقية، فإذا تعارض مع منطوق آخر سيكون تعارض منطوق مع منطوق. لكن إذا قلت إن نفيها هذا الحكم عما عدا المذكور دلالة مفهومية، فهنا إذا تعارض هذا المفهوم مع منطوق آخر صريح سيقدم المنطوق على المفهوم.

تمام، «إنما الماء من الماء»، تذكروا الحديث هذا الذي دائماً نذكره في باب الطهاره، إنما الماء -يعني الغسل- من الماء وهو المني، يعني إنما الغسل، إنما الغسل من ايش؟ من المني. هذا الحصر صراحة، ماذا كان يُفهم منه في أول الإسلام؟ أن الرجل إذا جامع زوجته ولم يخرج منياً ولم ينزل أنه ما عليه غسل. صحيح أنه قال: «إنما الماء من الماء»، فبالتالي ما في غسل من غير إنزال مني، وهذا الذي مشى عليه الصحابة حتى جاء النسخ وأثبت أن الرجل إذا جلس بين شعب الأربع ثم جاهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل.

الان لو بدنا نبعد شوي عن ذهننا فكرة النسخ، لو جاء هذا الحديث «وإن لم ينزل»، هذا منطوق صح؟ وأخذنا وقلنا برأي من يرى أن «إنما» تنفي الحكم عما عدا المذكور بالمفهوم، فقلنا: «إنما الماء من الماء» تقتضي بالمفهوم أنه لا غسل إن لم ينزل، ويعارضه منطوق: «إذا جلس بين شعبها ثم جاهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل». على قواعد الترجيح ماذا ستفعل؟ ذلك المنطوق على هذا المفهوم، ستقول لي: أنا ما بدي أقول بالنسخ، أنا بدي أقول إن هذا الحديث «إنما الماء من الماء» نفي الغسل في حال عدم الانزال إنما هي دلالة مفهومية، نفي الغسل في حال عدم الانزال دلالة مفهومية، يعارضها دلالة منطوقية أخرى في حديث صحيح أنه يجب الغسل وإن لم ينزل، فيقدم المنطوق على المفهوم. هذه طريقة ترى لبعض أهل العلم.

لكن هنا أنت كحنبلي إذا مشيت على المعتمد في المذهب لم تصلح معك هذه الطريقة، لماذا؟ لأن معتمد مذهب الحنابله أن «إنما» دلالتها على نفي الحكم عما عدا المذكور أيضاً منطوقية. فعندنا في المعتمد في المذهب حديث «إنما الماء من الماء» له منطوقان باختصار، ها، حديث «إنما الماء من الماء» على طريقة المعتمد له منطوقان: المنطوق الأول: أن هناك غسلاً من رؤية المني، والمنطوق الثاني: لا يوجد غسل في حال عدم الإنزال، هذا منطوق ثانٍ. هذا المنطوق الثاني عارضه منطوق من حديث آخر يقول: «يجب عليك الغسل وإن لم تنزل»، فهنا تعارض منطوق مع منطوق وليس منطوقاً مع مفهوم، فما في مجال للترجيح باعتبار المنطوق أنه خلص منطوق مع منطوق، فلجأنا إلى النسخ.

هكذا هو، هكذا يفكر؛ ففرق بين أن تقول: «إنما الماء من الماء» يعطيني منطوق ومفهوم، وبين أن تقول: «إنما الماء من الماء» يعطيني منطوق ومنطوق. فالمعتمد عند الحنابلة أن «إنما» تعطيني -إذا كانت عبارة سهلة دونوها- المعتمد عند الحنابلة أن «إنما» تعطيني منطوقين وليس منطوقاً ومفهوماً. هذه سهلة أوضح.

طيب، ولذلك ابن دقيق العيد لادراكه أن في الخلاف هذه المسالة ذكرها ولكن لم يطنب في ذلك، لماذا؟ لأنه يرى أنها في هذا الموطن من الحديث لن تؤثر القضية، فلذلك ماذا قال؟ قال: وهل نفيه -يعني هل نفي الحكم عما عدا المذكور- أُخذ منه بمقتضى موضوع اللفظة؟ إيش يعني موضوع اللفظة؟ يعني «إنما» وضعت -موضوع اللفظة، اللفظ يقصد بها «إنما» هنا- يعني هل «إنما» وضعت لتدل على نفي الحكم عما ذكر ونفي الحكم عما لم يذكر؟ يعني هل هذا دلالتها المنطوقية؟

يعني يقول: وهل نفي الحكم عما عدا المذكور بمقتضى موضوع اللفظة -أي لفظة يقصد «إنما»- فيقول: «إنما» هل هي بموضوع -بوضعها هي- وضعت لتدل على هذين المنطوقين؟ قال: أو أن نفي الحكم عما عدا المذكور أُخذ فقط من المفهوم وليس أن «إنما» وضعت بمنطوقها لتدل على ذلك، اللي هو الخلاف الذي ذكرناه. فيقول: إذاً هل نفي الحكم عما عدا المذكور هو مقتضى وضع لفظة «إنما» بالوضع هي هكذا تدل على منطوقين؟ أم هي تدل على منطوق، ونفي الحكم عما عدا المذكور أُخذ بالمفهوم؟ قال: فيه بحث، والمعتمد عند أصحابنا هو الأول.

قال الفائدة الثالثة: إذا ثبت أنها للحصر -وهذا هو المعتمد- فتارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصراً مخصوصاً، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق. الآن أيها الكرام، أسلوب القصر، أسلوب القصر أو الحصر يمكنك أن تسميه أسلوب قصر، يمكنك تسميه أسلوب حصر كلاهما جائز، وإن كان هناك في بعض كتب البلاغة يفرق بين القصر والحصر لكن هذا لا يهم. وله ثلاثة أنواع؛ هناك قصر أو حصر يسمى قصر حقيقي، أن أقصر الموصوف على صفة قصراً حقيقياً بأن لا توجد له إلا هذه الصفة فعلاً، وهذا نادر جداً أن يوجد موصوف ليس له إلا صفة واحدة، هذا نادر جداً. لكن إن وجد فهذا نسمي قصر إيش؟ حقيقي، يعني من حيث الواقع فعلا هذا الموصوف أقضره على صفة ليس لها غيرها في الوجود الكوني.

الحالة الثانية أو النوع الثاني من القصر: هناك ما يسمى القصر النسبي، وهذا هو الأكثر شيوعاً، وهو أن أقصر الموصوف على صفة مقارنة بصفة أخرى أُدعيت له ضمن سياق معين.

هذا يسمى القصر النسبي؛ أن أقصر الموصوف (زيد، عبيد، شاشة، كاميرا) أن أقصرَه على صفة معينة باعتبار بالنسبة إلى صفة أخرى دعيت له ضمن سياق ما. مثال ذلك حتى تفهمها مباشرة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]. في قوله للنبي عليه الصلاة والسلام: انما أنت منذر، قصر الله سبحانه وتعالى دور النبي عليه الصلاة والسلام في ماذا؟ في النذارة.

سؤال: هل هذا قصر حقيقي ولا قصر نسبي؟ بناء على ما فهمته نقول: هل النبي عليه الصلاة والسلام ليس له في الوجود إلا صفة واحدة وهي النذارة، أم له عشرات ومئات الصفات بأبي وأمي؟ له عشرات ومئات الصفات؛ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا، إذاً مئات الصفات. فإذاً هذا بالتأكيد ليس قصراً حقيقياً. طيب إذاً هو قصر إيه؟ قالوا: هذا قصر نسبي. طيب كيف عرفت أنه قصر نسبي؟ من خلال السياق، أن سياق هذه الآية «إنما أنت منذر» جاء في سياق اعتراض كفار قريش على النبي عليه الصلاة والسلام وطلبهم منه أن ينزل عليهم الآيات التي اقترحوها، فالله قال له: قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إنما أنت منذر، يعني صفتك النذارة وليس إنزال الآيات، دورك الدعوي هو الإنذار وليس استجابة الطلبات.

فهذا حصر بالنسبة إلى صفة أخرى ادعاها الخصم له، وهو أن من صفاته أنه ينزل الآيات: لا، أنا لا أنزل الآيات، أنا فقط منذر. في هذا السياق مثلاً: شخص يظن أن إبراهم كاتب أو أن إبراهيم شاعر، فأقول له: لا، إبراهيم مدرس، ها، إنما إبراهيم مدرس. طيب إبراهيم ما له إلا صفة واحدة في الوجود أنه مدرس؟ طيب مش أنا ماشي وآكل وشارب ونائم و و صفات كثيرة؟ إذاً هذا لا يمكن يكون قصراً حقيقياً. طيب ايش هذا القصر؟ قصر نسبي، يعني لمن ظن أن إبراهيم وظيفته الشاعرية نقول له: إنما إبراهيم مدرس. فإذاً أنا قصرت إبراهيم على التدريس باعتبار من ظن أن له صفة أخرى ممتاز، وليس باعتبار أنه ليس له في الوجود إلا صفة واحدة وهي التدريس.

فخذها قاعدة: أن يكون الموصوف مقصوراً على صفة واحدة قصراً حقيقياً هذا نادر، والأغلب هو القصر النسبي، وهو أن يكون مقصوراً على صفة باعتبار صفة أخرى ادعاها الخصم له. لكن هناك نوع ثالث من القصر، ألا وهو القصر الادعائي. والقصر الادعائي هذا يهتم به الشعراء والأدباء، هو أنني أدعي ادعاءً أن هذا الشيء ليس له إلا صفة واحدة في الوجود على سبيل المبالغة في إثباتها؛ إما تهميشاً للصفات الأخرى لأنني لا أراها ذات بال، أو تكون ذات بال لكن أُعلي من مقامها، هذه الصفه التي حصرته عليها أريد أن أُعلي من مقامها فجعلت أو أُعلي من مقامه هو فجعلت كأنه ليس لديه إلا هذه الصفة.

مثلا لو قلت: إنما محمد شجاع، إنما محمد أسد. أنا حصرت محمد في الأسدية في الشجاعة. طيب هو فعليا محمد ليس له صفات أخرى؟ بالتأكيد له صفات أخرى. طيب لماذا حصرت في الشجاعة هنا؟ أنا لم أحصر في الشجاعة في سياق مقابل صفة أخرى ادعيت له، لا، أنا حصرت في الشجاعة على سبيل المبالغة، كأنني رايت أن كل الصفات الأخرى هامشية لا تستحق الذكر، فالصفة التي تستحق الذكر هي فقط الشجاعة، فقلت: إنما محمد شجاع أو أسد، لأن أسد معنى الشجاع. فهذا يسمى قصر ادعائي، كأنني ادعيت أن هذا قصر حقيقي وهو ليس قصر حقيقي، كأنني أدعي ذلك. هذا في العاده من يستعمله؟ الشعراء والأدباء والبلغاء للمبالغة في وصف الشيء تمام، فيقولون: إنما محمد أسد. تمام من باب تهميش الصفات الأخرى، وكأن هذه الصفه هي التي غلبت عليه فغطت كل الصفات الأخرى فما عاد لها وجود على سبيل الادعاء.

فإذاً الحصر له ثلاثة أنواع: حصر حقيقي، وحصر نسبي، وحصر ادعائي. لكن طبعا هذا الكلام هنا جداً مختصر، وهذه مشكلة الطالب الذي يأتي إلى شروح الحديث وهو كما قلت قليل البضاعة مثلاً من علوم البلاغة، هذا في علوم البلاغة يفصل في دروس طويله أنواع القصر، لأنني انا هنا حقيقة تكلمت عن نوع واحد منه وهو قصر الموصوف على صفة، لكن هناك العكس وهو أن أقصر الصفة على موصوف زي «إنما الشجاع محمد». هنا انا عكست، هنا انا حصرت الشجاعة في محمد وأنها كأنها ليست موجودة في زيد ولا خالد، اختلف الموضوع تماماً.

فهنا يقولون في حصر الصفة على موصوف واحد اللي هو العكس، لا، هنا القصر الحقيقي يوجد أكثر، أن تكون صفه أو أمر معين لا يوجد إلا في شخص واحد ممكن حقيقة. ممتاز، فدائماً هم يقولون هناك قصر موصوف على صفة وتكون الصفة هي المذكور آخراً في الجملة، أو العكس قصر صفة على موصوف وهنا يكون الموصوف هو المذكور آخراً. نحن اتفقنا أن المحصور في إنما هو الذي يذكر آخراً، فانت بدك تعرف أن هذا قصر صفة على موصوف أو قصر موصوف على صفة بدك تنظر ما هو المذكور آخراً، هل هو الصفة ولا الموصوف؟

فإنما قائم زيد، هذا قصر موصوف على صفة ولا صفة على موصوف؟ قصر صفة على موصوف لأنه الموصوف هو زيد مذكور آخراً. لو قلت إنما زيد قائم، آه المذكور أخيراً هو الصفة، إذاً هو قصر موصوف على صفة. بهذه الطريقة أنت تميز هل هذا قصر صفة على موصوف أو قصر موصوف على صفة. هنا حتى لا أطيل أكثر من ذلك بس انا اردت أن أعطيك أن هناك يهمني أن تفهم أن هناك قصر حقيقي، قصر نسبي، قصر ادعائي.

هنا ماذا عبر عنها ابن دقيق العيد؟ يقول: إذا ثبت أنها للحصر فتاره تقتضي انما الحصر المطلق اللي هو سميناه الحصر الحقيقي، وتارة تفيد في سياقات أخرى حصراً مخصوصاً اللي هو سميناه احنا القصر النسبي. فعبارات الأصوليين ممكن تختلف عن عبارات البلاغيين، بس نحن عرفنا ما هو المراد، فالحصر المخصوص هو الذي يقصد به البلاغيون الحصر النسبي باعتبار صفة أخرى.

طيب كيف سنعرف أنه هنا القصر حقيقي ولا نسبي؟ السياق والقرائن. قال: ويفهم ذلك بالقرائن والسياق. خذ مثلاً كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]. ظاهر ذلك الحصر للنبي صلى الله عليه وسلم في صفة واحدة وهي ايش؟ النذرة أو النذارة. والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينحصر في ذلك، بل له اوصاف جميلة أخرى كالبشارة، هو أيضاً مبشر للمؤمنين وكغيرها، ولكن مفهوم الكلام وسياقه إذاً يقتضي حصر في النذارة لمن لا يؤمن، إذاً هو نذير لمن لا يؤمن، ونفي كونه قادراً على انزال ما شاء الكفار من الآيات، لأنه هذا جاء في سياق الخصوم الذين يقولون: انزل علينا آيات ونريد أن تشق السماء وتخرج من الأرض ينبوعاً و و، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾، إن شغلتك الإنذار وليس إنزال الآيات، فهو حصر نسبي مقارنة بالصفة الأخرى التي حاول الخصم أن يدعيها له.

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في مقام القضاء قال: «إنما أنا بشر». حصر نفسه في البشرية. هذا لا يمكن يكون قصر حقيقي لأن له العديد من الصفات عليه الصلاة والسلام، لكن في باب القضاء هو حصرها في البشرية لئلا يظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يقضي باعتباره موحى اليه، فهو يقول: أنا في باب القضاء إنما أنا بشر ولست ماذا؟ ولست مطلعاً على بواطن الخصوم، فأقضي باعتبار البشر وليس باعتباري يوحى إلي ببواطنكم، ليس هكذا. فهو إذاً حصر بالنسبة لمن ظن أنه يقضي لطلاعه على البواطن بسبب الوحي فأراد أن ينفي هذا التوهم، قال: لا، لا، أنا لا أقضي باعتباري أطلع على البواطن بل إنما أنا بشر في هذا المقام. فهذا أيضاً حصر نسبي. قال: حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء هذا لا يمكن، لأنه عليه الصلاة والسلام كما اتفقنا له اوصاف اخر كثيرة.

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: 36]. هل الحياة الدنيا فقط محصورة في اللعب والهزل؟ في سورة محمد عليه الصلاة والسلام قال: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد: 36]. هذه الحياة الدنيا فقط هي لعب ولهو؟ ولا هذا حصر نسبي؟ يقول: يقتضي والله أعلم هذا الحصر باعتبار من آثرها، واما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر (يعني في الواقع الخارجي) فالحياة الدنيا ليست فقط مقصورة في اللعب واللهو بل قد تكون مزرعة للآخرة لمن احسن استغلالها، فنقول: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ها بالنسبة لمن آثرها. ها بالنسبة لمن آثرها، إذاً بالنسبة هذا أيضاً من جهات النسبة، يعني جهات النسبة لا يشترط فيها أن يكون في هناك صفة أخرى يدعيها الطرف الآخر، يمكن أن يكون من جهات الحصر النسبي أن أقول: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو بالنسبة لسين من الناس، وإن كانت بالنسبة لصاد أوسع من ذلك، هذا أيضاً حصر نسبة. إنما الحياة الدنيا لعب ولهو بالنسبة لمن آثرها، واما من أحب الآخرة فالحديث الدنيا تكون له شيء آخر ما في مشكلة.

ثم قال هنا استدراكاً ابن دقيق العيد: أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل. آه، هذا معناه ايش؟ يرى ابن دقيق أن هذه الآية يمكن أن تجعل قصر قصر ادعائي، وأن القصر «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو» باعتبار أن جل الناس هكذا يتعاملون مع الحياة الدنيا، والقله القليلة النادرة هي التي تعرف معنى الوجود ومعنى الحياة فتستغلها بالشكل الصحيح، فلما كانوا هؤلاء قلة قلة جداً الذين يفهمون معنى الوجود وسر الحياة كأنهم اعتبروا في حكم غير الموجود، وجعل القصر قصراً حقيقياً على سبيل المبالغة فيسمى عندئذ القصر الادعائي. وهذا كثير في اللغه كما جاء في حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صام شعبان كله، مع أنه الماثور عن غيرها أنهم قالوا إنه صام شعبان إلا قليلاً، وجاء عن عائشة أنه لم يصم شهرا قط كاملاً إلا رمضان.

فكيف تقول أم سلمة إنه صام شعبان كله؟ قالوا: هذا من طريقه العرب أن تطلق الكل على ما هو أغلبي. ولذلك حتى في القواعد الفقهية مش قلنا القاعدة الفقهية أغلبية ومع ذلك تسمى ايش؟ كلية، لأن النادر لا حكم له، يعني لا يؤثر الصفو والجو العام، خلص تبقى كلية وإن خرج منها بعض الأمور لأن العرب تسمي الشيء كلا وإن كان فيه بعض الاستثناءات التي خرجت لكنها تبقى قليلا. فيقول: «إنما الحياة الدنيا لعباً ولهو» يصلح أن يكون قصراً ادعائياً على طريقة المبالغة.

قال: فالخلاصه، وانظروا إذاً هذه القاعدة الآن شوف ابن دقيق العيد، أنا أنصحكم أن تجمعوا قواعد العملية التي يذكرها في الكتاب، في كثير من الأحاديث سيذكر قواعد في قراءة النص هي لن تجدها في كتب اصول الفقه، لن تجدها إلا في بطون هذه الشروح. مثلاً هذه القاعدة يقول بالتالي: إذا وردت لفظة إنما فاعتبرها (يعني يقول لك: اختبرها)، فإذا دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص (يعني على حصر النسب) فقل به، لأن هذا هو الأكثر، الحصر النسبي أكثر من الحصر الحقيقي. قال: وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص فاحمل الحصر على الإطلاق (يعني على الحصر الحقيقي).

ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، والله أعلم بالمراد. الآن ظاهر الكلام أنه جعل إنما الأعمال بالنيات من قبيل الحصر المطلق. طيب هل هي حصر مطلق فعلاً أم يمكن نقول هي حصر نسبي؟ هذا لن أبوه به الآن، سنأجله عودة إلى هذا النص حتى نفهم ما معنى الجملة في ذهن ابن دقيق العيد وما معنى الجملة في أذهان كثير من العلماء، ثم نعود بعد ذلك نحدد هل القصر هنا هو قصر حقيقي ولا قصر نسبي؟

طيب أختم بفائدة في اليوم الدرس، وهي أنما عند البلاغيين أيها الكرام هذه فائدة استطرادية لكن سجلها، أن إنما عند البلاغيين تستعمل للحصر كما اتفقنا صحيح، لكنها في الأصل تستعمل للحصر الذي يعلمه السامع وإن كان لا يعمل بمقتضاه. لما يعلم السامع وجه الحصرية فيه وإن كان لا يعمل بمقتضاه. عموماً في الأساليب البلاغية العربية هناك اسلوب للحصر، الحصر باستعمال ما والا أو لا والا، كما أقول: «ما محمد إلا قائم»، «لا عمل إلا بنية». بس طبعا لا عمل إلا بنية هذه يعني قد تختلف قليلاً عن ما محمد إلا قائم، باعتبار ما محمد إلا قائم هذا حصر تام من مبتدا وخبر بينهما إلا، لكن لا عمل إلا بنية هذه لا، هذه جملة المستثنى منه مذكور وهو خبر لا عمل، ثم بعد ذلك ذكر المستثنى منه.

فعموماً ما بتهميني التفاصيل كثيراً، اريدك أن تعرف أن هناك أسلوبين للحصر: الحصر باستعمال ما والا «ما محمد إلا قائم»، «ما رجل إلا زيد»، مثلاً «ما شجاع إلا أبو بكر». وعندنا حصر باستعمال إنما. هذان الأسلوبان متعاكسان تماماً؛ فالحصر باستعمال إنما يكون لما يعلم السامع وجه الحصرية فيه مسبقاً. طيب، إذا كان السامع يعلم وجه الحصرية، لماذا أتيت له بالحصرية؟ لأنه لم يعمل بمقتضاه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: 36]. السامع لا يعرف أنه فعلا إنما يستجيب الذين يسمعون؟ المخاطبون بهذه الآية يعرفون أن الذين يستجيبون فقط هم الذين يسمعون، وأن من لا يسمع لا يستجيب. طيب، لماذا خاطبهم الله بهذا الحصر مع أنهم يعلمونه مسبقاً؟ لعدم جريهم على مقتضاه، فأحياناً أريد أن أنبهك.

على إيش؟ على قضايا أنت بتعرفها بس بدك تذكير فيها. لما أشوف شخص عاق بوالديه فأقول: إنما زيد أبوك. يعني أنت مش عارف إنه أبوك؟ أنت عارف، لكن لما شايفك عاق بدي أنبهك، صحيح بدي أيقظك. فأنَا في الحصر هنا أنا لم أفدك معلومة لا توجد عندك، وإنما نبهتك على شيء أنت لا تجري على مقتضاه، أو لغير ذلك من المقاصد البلاغية.

بخلاف الحصر باستعمال ما وإلا، فهذا إنما يكون لما يجهل السامع فعلاً وجه الحصرية، فإذا قلت: ما محمد إلا قائم، الأصل أن السامع يجهل هذه الحصرية وأن الآن أفدت إياها. ممتاز.

إذاً، الأصل في إنما أنها تحصر ما هو معلوم مسبقاً لدى السامع الحصر فيه ولكنه لا يعمل بمقتضاه أو لنكتة بلاغية أخرى. وأما الحصر بما وإلا فيكون حصراً لما يجهله السامع، هذا هو الأصل فيه. طيب، هل يمكن أن يأتي العكس؟ فإنما التي هي لما يعلمه السامع استعملها لما يجهله، وما وإلا لما يجهله استعملها لما يعلمه لنكتة بلاغية؟ نعم يجوز ذلك.

ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144] هذه خطب بها الصحابة، هل كانت الصحابة يجهلون هذا الحصر؟ الآن هذه في غزوة أحد لما ظن الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام قتل؛ بعضهم هرب وبعضهم وقف، فالله عز وجل عاتب الصحابة فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]. هل كان الصحابة يجهلون ذلك؟ هم كانوا يعلمون أنه رسول، لكن لما حصل منهم بعضهم مثلاً الشعور بالضعف وبعضهم انهزم، عاتبهم الله على ذلك واستعمل معهم أسلوب الحصر الذي هو في الأصل لما يجهل، لكنه استعمله لما هو معلوم لديهم، لماذا؟ لأنهم هنا بالعكس لما لم يعملوا بمقتضاه جعلهم بمثابة الجاهلين به، فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]، عاملهم معاملة الجاهلين به مع أنهم يعلمونه، فلم يقل لهم: إنما محمد رسول قد خلت عن قول الرسل. هذا هو الأصل الوضعي أن يقول إنما لأنهم يعلمون الحصرية، لكن عاملهم معاملة الجاهلين بذلك لما لم يعملوا بمقتضاه فاستعمل ما وإلا.

طيب، العكس ممكن يكون؟ لما أقول لك مثلاً آية معلومة أنت تجهلها أستعمل معها الحصر بإنما. الحصر بإنما لازم تكون لمعلومة أنا أعلمها أنك تستعمل لي إياها مع معلومة أنا أجهلها؟ طيب، ليه تعمل هيك؟ آه ممكن يفعل هكذا، ذلك كأنني أقول لك: هذه المعلومة التي تجهل الحصرية فيها مثلها لا ينبغي أن يكون مجهولاً، كان ينبغي أن يكون معلوماً لديك. تمام؟ فلو أتيت لشخص قلت له: إنما المسح على الخف في الحضر يوم وليلة. الآن شخص أمامي ما بيعرف كم لازم يمسح على الخف، فأنا إيش قلت له؟ فكر أنه على إطلاق صار يمسح خمس سنين، فقلت له: إنما المسح على الخفين في الحضر يوم وليلة.

هسه، هو أنا استعملت إنما التي في الأصل تكون حصراً لما يعلمه السامع، لكن في هي الواقعة هل السامع يعلم هذا الحكم؟ لا، هو يجهل. طيب، لماذا استعملت معه أسلوب إنما مع أن الأصل أنه كان ينبغي أستعمل معه أسلوب ما وإلا أنه هو جاهل حقيقة لهي المعلومة؟ قالوا: استعمل معه أسلوب إنما كأنه تبكيت له، كأنه يقول لها: عيب، عمرك 50 سنة وإلى الآن ما بتعرف هي المعلومة؟ كأنه يقول: ينبغي أن تكون هذه المعلومة معلومة لديك مسبقاً، فاستعملت أسلوب إنما للتبكيت لك أنه هذا الأصل يكون معلوم لك، فرحت استعمل أداة المعلومية مع إني أنا عارف أنك أنت جاهل هي المعلومة. يعني هذه فقط للتكييت.

فبالتالي أثناء عملية شرح الحديث بدنا أيضاً نريد أن نبحث هاي المعلومة؛ لما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» هان نحن صرنا فاهمين أن إنما في الأصل هي لما أسلوب حصر لما يعلمه السامع مسبقاً. فهل الصحابة والناس الذين يسمعون هذا الحديث هذا الحصر بالنسبة لهم معلوم مسبقاً وهو أن الأعمال بالنيات وليس في أي شيء آخر؟ يعني لا يمكن تكون إلا بالنيات ولا يمكن أن تحصل الأعمال بدون النيات، هل هذا معلوم مسبقاً لدى السامعين؟

هذا أيضاً دعونا نفكر فيه إن شاء الله لما نأتي إلى شرح جملة إنما الأعمال بالنيات كاملة، عندئذ سنعود إلى المسألتين: أنه ما نوع الحصر في إنما؟ هل هو حصر حقيقي أو نسبي أو ادعائي إن قال قائل؟ وهل إنما هنا استعملت على أصل وضعها لما يعلمه السامع؟ أو استعملت في غير وضعها استعملت فيما يجهله السامع لنكتة بلاغية؟ أتركه للحلقة القادمة. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.