دخولتسجيل الدخول

إحكام الأحكام | المجلس 2 | شرح الحديث الأوَّل«2» | معهد ملكة |

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الكرام في المجلس الثاني من التعليق على كتاب أحكام الأحكام للإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله. في المجلس الماضي أولاً عرفنا قصة هذا الكتاب وأنه أملى ابن دقيق العيد على ابن الأثير الحلبي عليه رحمة الله، وبالتالي مهندس هذا الكتاب وصاحب الفكرة الأساسية بل صاحب الاسم نفسه هو ابن الأثير الحلبي وليس ابن دقيق العيد كما ظهر ذلك من مقدمة الكتاب.

ثم شرعنا في الحديث الأول الحديث العظيم حديث عمر بن الخطاب إنما الأعمال بالنيات وبدأنا نتدارس ما فيه من المعاني والأفكار. وبدأنا بالجملة الأولى وهي أنما الأعمال بالنيات وقلنا هذه الجمله هي بشكل عام دون الدخول بالتفصيل أو التدقيق النحوي عندنا ثلاثة ألفاظ لفظ أنما ولفظ الأعمال ولفظ النيات وبدأنا بأنما.

تكلمنا عن أنما من جهتين من جهة إفادتها للحصر فعرفنا الخلاف بين المدارس وأن هناك قولين ابتداء؛ قول يرى أنها لا تفيد الحصر في أصل وضعها وإنما في أصل وضعها تفيد التأكيد، ومن ذهب إلى هذا من أصحابنا الطوفي عليه رحمة الله ومن النحاة ومن المفسرين؛ من النحاة قلنا أبو حيان الأندلسي وأنا أنبه كان الأخ قال أنت قلت ابن حيان، أبو حيان صاحب البحر المحيط تمام.

وكذلك من المفسرين ابن عطية عليه رحمة الله. وطائفة أيضاً ذهبت هذا الرأي، وهؤلاء رأوا أنها في أصل وضعها للتأكيد ولكن قد تفيد الحصر من خلال القرائن وليس في أصل وضعها. الرأي الثاني وهو رأي لجمهور العلماء من النحويين والأصوليين وغيرهم أنها تفيد الحصر، وهؤلاء اختلفوا على جهتين؛ فمنهم من قال أنها تفيد الحصر لكن هي بمنطوقها تفيد إثبات الحكم المذكور وبمفهومها نفي الحكم عما عداه وهذا رأي لطائفة، ومن أصحابنا هناك إحدى الروايتين عن القاضي أبي يعلى عليه رحمة الله والحلواني ذهبوا وابن عقيل ذهبوا بهذا الاتجاه.

لكن معتمد أصحابنا وقلنا هذا الذي نريد أن نركز عليه معتمد الأصحاب في المذهب أن أنما في كلا الاتجاهين في إثبات الحكم للمذكور ونفي الحكم عما عداه كله منطوق؛ كله منطوق وليس الأول منطوق والثاني مفهوم، هذا هو المعتمد وعرفنا فائدة ذلك في قضايا النسخ في قضايا الترجيح في قضايا كثيرة؛ يهمنا أن نحدد الدلالة هل هي دلالة منطوقية أو دلالة مفهومية.

القضية الثانية التي تكلمنا فيها في أنما قضية أن الأصل حصر في إفادتها الحصر أنها إنما تفيد الحصر إذا كان السامع أو إنما استعملها لإفادة الحصر إذا كان السامع يعلم هذا الحصر ولكنني اردت أن أنبهه عليه لغرض بلاغي ولنكتة بيانية تمام. بعكس الحصر باستعمال ما وإلا فإن ذلك الأصل في استعماله إذا كان السامع يجهل هذا الحصر فأردت أن أفيده إياه.

ثم عرفنا بعد ذلك أن في هناك مساحة استعمال إنما استعمال ما والاستعمال ما وإلا وهذا كله درسناه في عقود الجمان في البلاغة. نبدا اليوم طبعا بقي علينا أن نحدد أن هذه الجملة إنما الأعمال بالنيات ما نوع الحصر فيها لأنه أيضا هذه من المسائل التي بحثناها وعرفنا أن الحصر أو القصر هنا العبارات متقاربة؛ هناك حصر مطلق حقيقي وحصر نسبي وحصر ادعائي.

وبالتالي بقي علينا أن نبحث هل الحصر في هذه الجملة إنما الأعمال بالنيات ما نوع الحصر هل هو حصر حقيقي أو نسبي أو ادعائي ونحدد هل أيضا الحصر بأنما استعملها النبي عليه الصلاة والسلام للحصر فيما يعلم السامع وجه الحصرية فيه. هذا كله قلنا لن نبحثه إلا بعد أن ننتهي من تحديد معنى الجملة كامله لأنه أنت لن تصل إلى قناعة معينة في هذا حقيقي أو نسبي أو نوع الحصر في أنما حتى تكون انت تضحت وجهتك وكيف سافسر هذه الجمله نظرا إلى الخلاف الذي سياتي معنا ان شاء الله.

طيب نضع أنما على جنب نبدأ باللفظة الثانية اليوم مستعينين بالله الأعمال. إنما الأعمال، الآن أيها الكرام العمل كما ذكر الصنعاني عندكم في العدة العمل هو ماذا؟ قال هو أحداث أمر، طبعا هو ليس كلام الصنعاني هذا كلام الشيخ إراهيم الكردي الذي ينقل عنه كثير عن الصنعاني يقول العمل هو أحداث أمر قولا كان أو فعلا بالجارحة أو بالقلب، أحداث أمر قولا كان أو فعلا بالجارحة أو بالقلب. هذا التعريف للعمل بهذه الطريقة يجعله شاملا لأعمال الظاهر وأعمال الباطن صحيح؛ فهو شامل لأعمال الجوارح الظاهرة وأعمال الجوارح أو الأعمال عفوا القلبية الباطنة.

طيب هل هنا في هذا الحديث المراد بالاعمال ما يشمل فعلاً الظاهر والباطن أم كثير من العلماء جنح إلى أن المراد بالأعمال في هذا الحديث الأعمال الظاهرة؟ دعونا نقرا ماذا قال ابن دقيق العيد قال عليه رحمة الله في الفائدة الرابعة قال ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب قد يطلق عليه عمل. قال ولكن ها قد يطلق عليه عمل، إذن ابن دقيق العيد من حيث الأصل يرى أن كلمة عمل تشمل الظاهر والباطن.

لكن لاحظ هذا الاستدراك قال: ولكن الأسبق إلى الفهم تخصيص العمل بأفعال الجوارح. اعتمد على قرينة ماذا؟ أسبقية الفهم، أن الأسبق إلى الفهم إذا قلت عليك أن تعمل كذا أو تفعل كذا -سواء عمل أو فعل وإن كان فعل لها فيها كلام الآن خلينا على عمله- الأسبق إلى الفهم هو أن نخصص عمل بأفعال الجوارح الظاهرة ونخرج أفعال الباطن.

قال: وإن كان ما يتعلق بالقلوب فعلاً للقلوب (يعني هو يرجع كأنّه نوع من التأكيد أنه أنا أقول إنه ما يتعلق بالقلوب مثلاً من الخوف من الرجاء من التوكل من الخشية هذه أفعال وحتى في نسخة هنا قال: في نسخة ها عملاً للقلوب في بعض نسخ أحكام الأحكام وإن كان ما يتعلق بالقلوب عملاً للقلوب) لذلك هو يريد على مش كلمة فعل هو يركز على كلمة العمل.

إذن ابن دقيق العيد باختصار يرى أن العمل يشمل الظاهر والباطن في الأصل، لكن الذي يظهر له من هذا السياق أو المتبادر إلى الفهم أن المراد بها أفعال الجوارح. طبعا هذه القضية ماذا سينبني عليها؟ قضية ذهب إليها العز بن عبد السلام في القواعد الكبرى وأيضا بحثناها مع القرافي، أيضاً تكلم عنها القرافي وهي قضية أنه أعمال القلوب هل تحتاج إلى نوايا؟ مثل الخوف مثل الرجاء، هل نقول الخوف عمل قلبي فيحتاج إلى نية أن تنوي أنني اريد أن أخشى الله أن أنوي أنني اريد أن أرجو الله أن أنوي أنني اريد أن أحب الله سبحانه وتعالى؟ فهذه مسألة فيها حقيقة نقاش في الكتب الكبرى.

فالعز بن عبد السلام عليه رحمة الله -طبعا العز هو شيخ ابن دقيق العيد والقرافي ونقول زميل ابن دقيق العيد في المدارسة العامة على العز، كلاهما تلميذ ابن دقيق العيد والقرافي كلاهما تلميذ للعز بن عبد السلام- عز بن عبد السلام وكذلك القرافي قالوا أعمال القلوب مثل الخوف والرجاء هذه لا تحتاج إلى نية، لا تحتاج إلى نية شرعية.

طبعا هنا سنناقشهم أنتم تقصدون لا تحتاج إلى نية شرعية أم لا تحتاج إلى نية معنى الإرادة؟ أنه هذه إحدى نقاشاتنا في الحديث التي ستاتي بتعرف حجم الاشكال في فهم العلماء. الآن إذا قلنا لا تحتاج إلى نية شرعية يعني فالخوف من الله قالوا هذا بصورته الخوف من الله هذا كعمل بصورته متميز أنه لله فلا يحتاج إلى نية شرعية لتميزه عن غيره من أنواع الخوف، ما دمت خفت من الله خلص بصورته زيها زي رد الودائع لا تحتاج في صورتها إلى نية شرعية حتى تصححه، فقالوا أعمال القلوب كالخوف والرجاء والخشية وإذا صرفتها إلى الله هذا يكفي لا تحتاج إلى نية شرعية حتى تميزه عن غيره.

أنت تحتاج إلى النية بالمعنى الثاني وهو المقصود له، مش قلنا النية هذه ربما سياتي معنا في لما نشرح كلمة النيات أن النية نبحثها من جهتين: المنوي به والمنوي له. والمنوي له هذا بحث العقديين والسلوكيين أنه هذا العمل قصدت به من فإذا أنت خفت من الله خشيت من الله خلص هذا يكفي في حصول ماذا؟ الخوف والرجاء والخشية والإنابة ولا تحتاج إلى نية شرعية يتكلم عنها الفقهاء لتمييز عمل قلبي عن عمل قلبي آخر أو عن دقائق تفصيلية في داخله.

فالآن ما قام به ابن دقيق العيد، ما قام ابن دقيق العيد هو أنه حصر كلمة الأعمال هنا في هذا الحديث أن المراد بالاعمال أعمال الجوارح الظاهرة فأخرج بالتالي اعمال الباطن، فأصبح إنما الأعمال بالنيات يعني إنما أعمال الجوارح الظاهرة بالنيات. طيب يا ابن دقيق العيد، طيب أعمال الباطن؟ قال: هذا الحديث لا يشملها، الحديث لا يشملها.

طبعا من الأمور التي يستدل بها هذا التيار ما هو؟ يقول لك أصلاً النية نفسها مش النية عمل باطن؟ هل النية تحتاج إلى نية؟ قالوا هذا مستحيل لماذا؟ لأنه سيؤدي إلى تسلسل لا ينتهي منطقياً والتسلسل ممتنع. فقالوا النية عمل باطن ولا تحتاج إلى نية، هذه أول دليل لديهم.

ثم كما قلت لك قالوا كل أعمال القلوب إذا صرفتها إلى الله خلص تميزت بصورتها لا تفتقر إلى نية شرعية مثل نية الوضوء ونية الصلاة ونية الصيام وما شابه ذلك. طب هل نحن نتفق مع هذه القضية؟ هذا ربما يعني ذكروني به إذا أتيت إلى شرح الجملة كاملة لنعرف ما المراد بالحديث بالنية ثم نعود نحاكم أعمال القلوب هل تحتاج إلى نية بالمعنى الظاهر من الحديث أم لا تحتاج إلى نية؟ هذه ذكروني بها يعني في كثير أمور معلقة عندنا على الرف نضعها لما نحدد المعنى النهائي سنعود إلى بحثها ومعرفة وجه الصواب فيها مستعين بالله.

طيب إذن ابتداء هذا ما يقوله ابن دقيق العيد قال: ورايت بعض المتاخرين من أهل الخلاف خصص الاعمال بما لا يكون قوله واخرج الاقوال من ذلك لكن يقول وفي هذا عندي بعد. وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح.

بعض المتاخرين هو ما حدد من هو يعني يقول بعض العلماء المشتغلين بالخلاف الفقهي من أهل الخلاف يعني من المنشغلين بماذا؟ بالخلاف الفقهي والمناظرة فيه رايته جعل كلمة الأعمال في هذا الحديث المراد بها أعمال الجوارح غير اللسان، وأما ما كان من اللسان من الاقوال قال فهذا ليس داخلاً في مسمى الأعمال. فهو فيقول: وفي هذا عندي بعد، لا يعني هيك أننا نكبر نحن خرجنا أعمال القلوب فهمنا، لكن أن نخرج أعمال اللسان أيضاً قال هذا بعيد.

قال: وينبغي أن يكون لفظ العمل يعم جميع أفعال الجوارح سواء كانت قولا أو فعلا بباقي الأدوات والجوارح. قال: نعم لو كان خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب، آه يقول ابن دقيق أن لفظ فعل أقرب أن يخصص، خص بماذا؟ بأفعال الجوارح غير اللسان، أما لفظ عمل لا الأقرب أنها تشمل الجميع اللسان وغير اللسان.

فعل احتمالية التخصيص بما عدا اللسان أسهل لماذا؟ قال: فإنهم استعملوهما الفعل واللسان أو الفعل والقول متقابلين، فقالوا الأفعال والأقوال. وهذا كثير حقيقة حتى في أصول الفقه وغيره، مثلاً نقول حديث ما صح عن النبي عليه الصلاه والسلام من قول أو عموماً ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل، في أصول الفقه يقولون الاقوال والأفعال؛ فمقابلة الأقوال بالأفعال كثيرة.

وعلى هذا فعلاً كان العرف الدارج أن الأفعال تطلق على ما عدا الأقوال يقول لك أنا هذا كعرف دارج أقبله. لكن الأعمال لا، ما في فيها عرف استعمالي يقتضي تخصيص الأعمال بما عدا اللسان فينبغي إذا أن نبقى فيها على الأصل، لذلك بماذا ختم؟ قال: ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضاً.

يعني هذا كان يقول هذا أنا أجزم أن الحديث يتناول الأقوال، فإنما الأعمال بالنيات، الأعمال هنا وإن كان ابن دقيق أخرج الباطن لكنه عمم الظاهر بما يشمل الأقوال والأفعال. هذا من حيث البحث الأولي.

الان من حيث البحث الشرعي هيك فقط على الهامش إذ ما ذكر كرمروق التلمساني في شرحه وغيره أن الأفعال إذا اريد بها الأفعال عفوا الأعمال إنما الأعمال إذا أريد بها الأعمال الشرعية أو المراد مطلق الأعمال سواء كانت الأعمال الشرعية والغير الشرعية. طيب الأعمال الشرعية، ما هي الأعمال الشرعية؟ هي الأوامر والنواهي.

الأعمال الشرعية يعني المطلوبة شرعاً، ايش يعني الشرعية؟ الأعمال المطلوبة شرعاً هي الأوامر والنواهي، فكل ما أمرك الله به وكل ما نهاك الله عنه هو مطلوب شرعاً؛ أيجاده وهو عمل، وكل ما نهاك الله عنه هو مطلوب شرعاً إعدامه. طيب هل النواهي اللي هي المطلوب منا إعدام هل هذا أيضاً فيه فعل سيصدر مني؟ على الصحيح من أقوال الأصوليين نعم، فان انكفاف النفس عن الشيء كما بحثنا في بلغة الوصول، الانكفاف عن الشيء هذا عمل؛ أن تكف نفسك عما نهاك الله عنه هذا أيضاً عمل.

فاذا كلمة الأعمال هنا هذا بحث آخر غير قضية ما الذي يدخل وما الذي لا يدخل، بحث آخر سيحتاج إليه وهو هل المراد بالأعمال أي عمل اختياري يصدر من الإنسان؟ فالآن إذا أريد أن أقسم لخارطة العمل، الأعمال: هناك عمل اختياري، وهناك عمل اضطراري. العمل الاضطراري مثل رمشة العين، مثل حركة الرعشة من الإنسان المريض المبتلى، فهذا خلينا نقول شبه اتفاق أو اتفاق عفوا مع حتى

ما نقول هو اتفاق أنه غير مقصود بهذا الحديث، لأنه هذا أصلاً شيء يعني التكليف فيه بالنية كأنه قبل أن يصدر كأنه من التكليف المستحيل، هو يصدر منك تلقائياً. فنذهب إلى العمل الاختياري، العمل الاختياري.

هناك أناس منساقة للشرع، فلما تتكلم لها عن الأعمال الاختيارية، فيقول لك أنا أي عمل اختياري أنظر فيه؛ إذا ما أمر الله به أو ما نهى الله عنه. تمام، فالعمل الاختياري إما أن نفسره هنا بالأعمال الشرعية يعني المطلوبة شرعاً، وهذا يشمل أوامر ونواهي. فالأوامر هي المطلوب إيجادها، والنواهي هي الأمور التي مطلوب منك إعدامها. وفي كالتين الحالتين هذا عمل وهذا عمل، ممتاز.

أو المراد بالأعمال هنا ما يشمل كل الأعمال الصادرة من الإنسان؛ سواء ما التزم فيها الشرع أو حتى ما لم يلتزم فيه الشرع. فإذا زنى الإنسان، إذا زنى، إذا شرب الخمر، إذا عق والديه، هل هذا عمل أيضاً مقصود بالحديث؟ هل المعاصي والذنوب هي أيضاً أعمال مقصودة بالحديث؟ هل هي من جملة الأعمال المقصودة بالحديث؟ المعاصي والذنوب وكذلك ممكن تدخل فيها برضه مثلاً الأمور الاعتيادية باعتبارها ليست مأمور بها ولا منهي عنها، مثل شرب الماء والمشي على الأقدام والنوم وما شابه ذلك.

الأعمال الاعتيادية أو حتى الجَبَلية، هل هي داخلة في مسمى الأعمال، أم هنا في هذا الحديث الأعمال مال خاصة فقط بالأوامر والنواهي ولا يدخل فيها المعاصي التي تصدر من الإنسان ولا يدخل فيها الأفعال الجَبَلية والعادية التي تصدر من الإنسان؟ وهذا بحث مهم. طيب، ما الذي سيحدد لنا ذلك؟ مش هذه كلها أسئلة كلمة أعمال، إنما الأعمال. ما الذي سيحدد لنا هل المراد بالأعمال فقط الأوامر والنواهي أو ما هو أوسع من ذلك بحيث ندخل فيها حتى ما يصدر من الإنسان من معاصي وذنوب فنقول حتى هذه إنما الأعمال فيها بالنيات، والأفعال العادية الاعتيادية مثل الشرب والنوم داخلة تحت إنما الأعمال بالنيات؟ هذا كله سيحدده فهمك للحديث، فهمك للحديث وللجملة.

يعني يا شيخ أنت حطيت لنا كل الأمور على الرف ما راح نجزمها، وهو فعلياً أنك ستجد أن الإشكال هو مترتب على اللفظة الثالثة والأخيرة، وهي لفظة بالنيات. هنا إذا انحل تصورك ما المراد بالنيات ستنحل كل القضايا التي أبقيناها معلقة، كلها ستنحل بناءً على فهمك للفظة النية. طيب.

فإذا فهمنا إخواني القضية الثانية، طيب، الآن بالنسبة لقضية يعني حتى أعيد، أريد أن أعطيكم تفصيل أدق في قضية الأعمال الشرعية. قلنا الأعمال هنا إذاً الأعمال عموماً إما أفعال اضطرارية وهي ليست داخلة معنا، وإما أعمال اختيارية، والأعمال الاختيارية إما هي الأعمال الشرعية وهي الأوامر والنواهي، أو ما هو أعم من ذلك بحيث تشمل أي عمل اختياري يصدر من الإنسان؛ سواء كان هذا العمل محموداً مراداً محبوباً لله، أو كان عملاً منهياً عنه كالمعاصي والذنوب التي يفعلها الناس، أو حتى لو كان عمل إباحي يعني اعتيادي يفعله الإنسان.

لكن دعوني أقسم لكم الأعمال إذا فسرناها بالأعمال الشرعية. الآن الأعمال الشرعية اللي هي الأوامر والنواهي، في نظرة في نظر الشريعة هل كلها تفتقر إلى نيات؟ الآن يقولون باب التروك ما يعني ما نهاك الله عنه، إذا قلنا الأعمال الشرعية أوامر ونواهي كل ما نهاك الله عنه اجتنابك له لا يفتقر إلى نية، صحيح. فاذا نهاك الله عن الزنا، تركك للزنا لا يحتاج إلى نية؛ فلو لم يخطر الزنا في ذهنك إلى أن مت أنت خلص اجتنبت الزنا. لا تحتاج أن تصبح في الصباح، في الصباح تستيقظ في الصباح تقول أنوي ترك الزنا، أنوي شرب أنوي ترك شرب الخمر أنوي كذا، لا؛ مجرد عدم خطوره في ذهنك هذا كافي في حصول ماذا الامتثال.

تمام، أما إذا خطر في ذهنك تحتاج هنا أنك ايش تكف نفسك. طب هذا الكف هل يحتاج إلى نية بالمعنى الشرعي أم يحتاج إلى مطلق الأرادة بس إرادة الكف حتى ولو لم تنوي به نية التقرب إلى الله؟ سياتي معنا أنه هذا فقط إرادة عدم فعل الشيء هذا كافية في أنك تركته حتى ولو لم يخطر في ذهنك ماذا نية التقرب إلى الله بالانكفاف.

يعني ممكن شخص يخطر في ذهنه شرب الخمر عفانا الله وإياكم، ممتاز، ممكن شيخ تطر في ذهنه فكف نفسه. كف نفسه من جهة أنه ايش والله قال ما عندي رغبة في شربها خلص بدي أتركها. تمام، أو قرأ مثلاً عن أضرارها وكذا وقال ما أقدر أتركها، ما خطر في ذهنه في الانكفاف نية التقرب إلى الله في هذا الانكفاف، هل حصل منه الانكفاف؟ نعم حصل الانكفاف، لأن قضية الثواب وعدم الثواب هذه قضية أخرى هي تحتاج إلى نية. قضية الثواب وفي الانكفاف هذه نعم التي تحتاج إلى نية، لكن قضية الانكفاف نفسه لا يحتاج إلى نية شرعية، هذا بالنسبة لباب النواهي.

بالنسبة لباب الأوامر، الأوامر على أمرين؛ الأمور التي أمرنا الله بها هناك أوامر أنت مامور بها ولكن صورتها كافيه قالوا في حصول المقصود منها فلا تحتاج إلى نية شرعية فقهية تميزها، مثل ايش؟ قالوا مثل رد الودائع وسداد الديون. هل أنا مطلوب برد الودائع؟ نعم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. إن الله يأمركم يأمركم، الآن نحن مأمورون برد الامانات إلى أهليها سواء كانت ديون سدها، سواء كان عندي وديعة أردها إلى صاحبها إذا طلبها. طب إذا رددت الوديعة دون وجود نية شرعية مني بردها؟ ممكن حتى رددتها وأنا أصلاً ساهي وفي حال عدم تركيز، لو سددت التدين الدين بدون وجود نية شرعية بسداده؟ قالوا لو أن حتى مثلاً يمثلون الفقهاء لو أن إنسان غصب شيئاً من إنسان وأخذ شيئاً من إنسان فجاءت الريح فأخذت هذا الثوب الذي غصبته أو شيء فردته إلى صاحبه، هل حصل المطلوب؟ نعم حصل المطلوب.

فإذا الأوامر على نوعين؛ النوع الأول ما حصول صورته كاف في تحصيل المقصود منه. الآن شو المقصود من سداد الديون؟ إن المال يرجع إلى صاحبه، صحيح. ايش المقصود من رد الودائع؟ أن الحق يرجع إلى صاحبه. فهنا كيف ما حصل المقصود انتهى الأمر وأجزاء ولا تحتاج إلى نية، الأصل يعني لو حصل المقصود حتى بدون علمك، تخيل بدون علمك كما قلنا مثال الريح حتى لو حصل بدون علمك فعلنا المطلوب وحصلنا ولا نفتقر إلى نية.

بقي ماذا؟ بقي الأوامر التي لا يحصل المقصود منها إلا إذا حددت النية وعينتها مثل سائر الأعمال التعبدية كالصلاة والزكاه والصيام والحج وما شابه ذلك، فهذه الأوامر نعم هذه التي تحتاج إلى نيات شرعية، وهي التي يتكلم عنها الفقهاء في باب العبادات. في باب العبادات من شرط الطهارة النية، من شرط الصلاة النية، من شرط الصيام، ويتكلمون بالتفصيل عن وقت الننية وهل يجب أن تكون مقارنة أم يجوز أن تتقدم بيسير، لأنه الأفعال التعبدية تمام خلينا نسميها الشرائع الأربعة الأساسية وما يتعلق بها، هذه لا تحصل أو لا يحصل المقصود منها إلا إذا نويت، لأنه في إنسان ممكن يمسك عن الأكل من الفجر إلى المغرب مشان يعمل رجيم وفي إنسان بيمسك من الفجر إلى المغرب بنية التقرب إلى الله فالمطلوب هو الثاني ليس الأول.

طب ما الذي سيحدد أنك فعلت الثاني ليس الأول؟ النية. في إنسان ممكن إيه مثلاً نحكي يغتسل من أجل التبرد أو النظافة الساعة العاشرة من صباح الجمعة، لكن في إنسان الساعة العاشرة من صباح الجمعة يغتسل بنية التقرب إلى الله بالذهاب إلى الصلاة. ما الذي يميز هذه العبادة عن تلك العادة؟ النية. فهذا القسم من الأوامر هو الذي يحتاج إلى النيات بالمعنى الفقهي الشرعي. هذا فقط كان يعني استطراد، لكن كان ضروري جداً أن نتصور ما هي الأعمال بمفهومها الشرعي وما الذي يحتاج منها إلى نيات وما الذي يحتاج إلى نيات حتى نشرع الآن في اللفظة الثالثة والأخيرة وهي لفظة النية.

طيب، إنما الأعمال بالنيات. الآن أيها الكرام، النية في اللغة ما هي؟ هي القصد والإرادة. النية في أصلها اللغوي بمعنى القصد والإرادة ولذلك هذه الألفاظ كأنها في حكم المرادف لفظة النية، وفي القرآن عادة ما يستعمل لفظة الإرادة والابتغاء والقصود في التعبير عن موضوع النية، وحتى في باب العقائد والسلوكيات عادة ما تكون لفظة النية في باب الفقهيات وتكون مرادفاتها من لفظة الإرادة ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [هود: 15]، وما ﴿ابتغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ [الرعد: 22]. لفظة الابتغاء والإرادات والقصود هي التي تستعمل في العادة في الجانب الآخر العقدي أو الجانب السلوكي.

فإذاً، النية مأخوذة من الفعل نوى، نويت، تمام، نوى نويت نية ومعناها القصد أو قصدت، وهنا علينا أن نعرف أن النية لما يبحثها أهل العلم يبحثوها من جهتين؛ من جهة المنوي به، ما هو العمل المنوي به؟ وما هو المنوي له؟ فالمنوي به المراد به أن تحدد أنا هذه أصليها ظهر ولا عصر، هذه راتبة الظهر ولا هذه فريضة الظهر، هذا يسمى المنوي به. وتطلق النية بمعنى المنوي له، وهذا إنما يبحثه في باب العقائد والسلوكيات أنه هذا العمل من قصدت به الله سبحانه وتعالى أم رياء الناس؟ من قاتل مثلاً لتكون كلمة الله هي العليا هذه من الألفاظ المرادفة للنية لتكون من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.

فهذا بحث عقائدي سلوكي، أنه هذا العمل نويت به الله عز وجل سبحانه وتعالى وقصدت به ربك أم قصدت به دنيا؟ كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من طلب علماً مما مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا» قال مما ايش يبتغى يبتغى يعني ينوي به وجه الله. لكن هنا الكلام عن النية بأي معنى؟ المنوي له، وليس العمل الذي نويته قصدته.

فإذاً، عليك أن تميز بين هذين البحثين عموماً، بين النية عندما تطلق ويراد بها المنوي له أو المنوي به. وهنا شوفوا النية يا كرام في أصلها هي مصدر؛ النية في أصلها ايش؟ هي مصدر نوى نويت نية، لكن نحن الآن عم نستعملها سواء في المنوي به أو المنوي له استعمال اسم المفعول إذا أنتم تلاحظون يقول لك والله نيتي كذا، شو يعني نيتي؟ يعني المنوي، أنت تقول نية، لكن من حيث الدلالة اللغوية الدقيقة أنت تقول المنوي عندي الظهر، المنوي عندي العصر، المنوي عندي الوتر.

وكذلك لما تقول ني بالمنوي له؛ المنوي عندي هو رب العزة (يعني المقصود عندي هو رب العزة سبحانه وتعالى وليس مراءاة الناس). فهذه أيضاً من الدلالة التي ينبغي أن تفهمها أن كلمة نية هي في الأصل مصدر ولكنها في الاستعمال الشائع يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول المنوي. طيب، وأين محل النية؟ محلها في القلب. محل نية عند الفقهاء وعند العلماء الأصل أنها في القلب. هل يتلفظ بها هنا؟ نذهب إلى الخلاف الفقهي؛ وعند أصحابنا الحنابلة يسن التلفظ بها سرا، عند أصحاب الحنابل يسن التلفظ بها سرا، طبعا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه والمسلك الذي سلكه لأن النية لا يجهر بها إلا ما ورد به النص كالحج والعمرة وما غير ذلك، فانه لا يجهر بها وإنما تبقى محلها في القلب وهذا خلاف محله كتب الفروع، لا أريد أن أشغلكم به.

طيب، إذاً بعد أن عرفنا معنى النية وأن النية في أصل دلالتها اللغوية هي بمعنى القصد والإرادة، هذا معناها اللغوي القصد والإرادة، وعرَفنا كيف يتكلم علماء الفقه والعقيدة عن النيات. الآن سناتي إلى السؤال الدقيق وهو مربط الفرس في تفسير الجملة الأولى؛ إنما الأعمال بالنيات.

ما المراد بكلمة النيات هنا؟ هل هذا المراد بالنيات المعنى اللغوي العام؛ إنما الأعمال بالإرادات، وعندئذ سيتكلم الحديث عن فلسفة الطبيعة الإنسانية وهو أنه أي عمل يصدر من الإنسان؛ سواء كان عمل خير أو عمل شر، فلا بد فيه من إرادة. أم المراد بالنيه في الحديث النبوي هنا النية الشرعية بالتحديد؟ النية الشرعية بالتحديد. ما الم ما أقصد بالنيه الشرعية؟ يعني أن تنوي عملاً معيناً بنية التقرب إلى الله به.

هنا كان الخلاف؛ هذا الخلاف هو الذي انبنى عليه كل ما سياتي بعد ذلك من أجوبة الأسئلة السابقة، فخلاف العلماء في تحديد المراد بالنيه هنا بالنيات هو الذي انبنى عليه كل ما سياتي من خلاف في فهم دلالات الحديث. طيب، الاتجاه الأول؛ أنا قبل ما أعطيكم رأي ابن دقيق العيد لازم أقدم هي المقدمة حتى تعرف أنت ابن دقيق العيد إلى أين يتجه مع أي تيار. الاتجاه الأول وهو نسبة ابن تيمية رحمه الله عليه إلى جمهور المتقدمين، إلى ابن جرير الطبري وإلى مكي بن أبي طالب وغيره من جمهور المتقدمين، إلا أن المراد بالنية هنا الإرادة بمعناها اللغوي، الإرادة بمعناها اللغوي.

فعلى طريقة هؤلاء معنى الحديث أنه ما من عمل يصدر من الإنسان إلا بايش؟ بارادة، سواء كان عملاً خيراً فيكون بارادة خيرة، أو عملاً سيئاً كالزنا والخمر وأذية الناس، وهذا أيضاً يحتاج إلى ايش؟ إلى إرادة لكنها إرادة سيئة. فاذاً، الاتجاه الأول الذي يصار أبو العباس بن تيمية وهو رأي جمهور المتقدمين في شرحهم الحديث فسروا النيات بالإرادات؛ سواء كانت، اكتب، سواء كانت إرادة خيرة ونية طيبة أو كانت نية سيئة وإرادة سيئة.

على رأي هؤلاء يكون النبي عليه الصلاة والسلام أتى بكلمة عالية جداً من جوامع كلمه وهو أنه أراد أن يبين طبيعة الأعمال الاختيارية بكافه أنواعها وأشكالها، سواء ها هؤلاء ذهبوا إلى أن كلمة الأعمال بدنا نرجع شوي ليس المراد بها الأعمال الشرعية، وإنما الأعمال المراد بها أي عمل وسلوك اختياري يصدر من الإنسان، وركز الآن من ماذا فعلوا؟ قالوا يشمل الأعمال الخيرة والأعمال السيئة. اثنين، يشمل أفعال.

أعمال الظاهر وحتى أعمال الباطن؛ لِمَ؟ لأننا نرجع للخوف والرجاء، وصاحبنا الخوف والرجاء هو برضه عمل اختياري. أن تخاف الله، أليس هذا يتطلب إرادة داخلية منك، أنك تريد أن تخاف الله سبحانه وتعالى؟ وإذا كان الإنسان يخاف الله بدون وجود إرادة داخلية، فمحبة الله، أليس هذا عملاً اختيارياً قلبياً يحتاج إلى إرادة؟

هذه الإرادة بالمعنى العام تحتاج إلى إرادة من الإنسان أصلاً؛ فمحبة الله هي أولاً مبنية على العلم بالله، إذا علمت الله بأسمائه وصفاته وجلاله أردت أن تحبه. فهنا نقول: أعمال القلوب لا يمكن أن تحصل بدون نية بالمعنى العام للنية، وهو الإرادة، أي أن أي عمل قلبي اختياري يحتاج إلى إرادة. بل حتى في أعمالك الحياتية، الحديث لا يتعلق فقط بالأعمال القلبية المتوجهة إلى الله، بل حتى في الحياتية؛ أن تحب فلانة دون فلانة.

أنت يا شيخ ذهبت تريد أن تخطب، فذهبت إلى البيت الأول وراغبت الفتى وجلست معها، ثم ذهبت إلى البيت الثاني وطفت على مجموعة تريد النظرة الشرعية، تجد أن قلبك أو إرادتك أحبت فلانة. هل هذا عمل اضطراري؟ البعض قد يفلسفه بأنه في نوع من الاضطرارية، لكن عموماً إرادتك لأن تحب شخصاً، وإرادتك لأن تخشى من شخص، إرادتك لأن تخاف من شخص، هل هذا كله يحصل من الإنسان بدون إرادات؟ هل بمجرد ما رأى شخصاً خلص يحصل الخوف؟ أم أن هناك نوعاً من الإرادة؟

الحقيقة التي تظهر أنه في نوع من الإرادة؛ إرادة محبة الله سبحانه وتعالى، وإرادة الخوف، وليست هي كحركة المرتعش التي تحصل بدون تركيز منه، وليست كحركة رمش العين الذي يحصل بدون انتباه، بل فيها نوع من الإرادة. لكن هنا لا نتكلم عن الإرادة بالمعنى الدقيق الفقهي، أي النية الشرعية بأن "أريد أن أنوي أن أخشى من الله"، لا، ليس هذا هو المقصود بالمعنى الشرعي الفقهي الدقيق الذي يبحثه الفقهاء، وإنما نقول إنها تحتاج إلى إرادة بالمعنى العام؛ إرادة التوجه إلى الله باطناً وظاهراً.

إذاً هذا هو التيار الأول؛ ابن جرير ومكي، وأيضاً ابن تيمية رحمه الله وطائفة من أهل العلم، كما مالوا إلى هذا التفكير، وهو أننا سنفسر النيات بمعنى الإرادة بالمعنى اللغوي، وبالتالي كل عمل اختياري في الظاهر أو في الباطن يحتاج إلى إرادة. فالزنا يحتاج إلى إرادة، عندما يذهب الزاني ليزني بامرأة -عافانا الله وإياكم- يحتاج إلى إرادة، ولكن إرادة ونية سيئة لا نية خيره. شرب الخمر يحتاج إلى إرادة، إطلاق البصر على الحرام يحتاج إلى إرادة.

فلذلك ابن تيمية هنا في شرح الحديث «إنما الأعمال بالنيات»، استأنس بقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» -عفواً- استأنس بقوله ﷺ: «أصدق الأسماء حارث وهمام»، قال: لماذا؟ لأنه ما من إنسان إلا وهو له حرث، أي همّ، ويعني إرادة، وهذه الإرادة يتبعها حرث، أي عمل، هكذا هي الحياة البشرية. فيكون النبي ﷺ بهذه الكلمة الجامعة قد أعطاك فكرة عامة في الوجود الإنساني، وليس مراده ﷺ الكلام بالمعنى الفقهي الشرعي فقط، شوف كيف تكون فخامة في الأداء.

على رأي ابن تيمية -وعفواً على رأي حتى نقول من قبل ابن تيمية من جمهور المتقدمين- عند هؤلاء سيكون تقدير الجملة هكذا: إنما الأعمالُ مبتدأ، والخبر بالنيات متعلق بمحذوف. هنا في محذوف، تقديره: كائن أو مستقر، كما قال ابن مالك، فنقدر التقدير هكذا: إنما الأعمال كينونتها ووجودها واستقرارها بماذا؟ بالنيات والإرادات، سواء كانت إرادات جيدة فإن الأعمال تنتج جيدة، أو كانت إرادات سيئة فستنتج أعمالاً رديئة.

حقيقة جمهور المتأخرين من شراح الحديث لم يذهبوا إلى هذا الاتجاه. جمهور المتأخرين من شراح الحديث كأنهم لما لاحظوا كلمة النيات، وأن النيات في البحث الفقهي عادة إنما يرد استعمالها في الأمور؛ النيات بالمعنى الشرعي، نية التقرب إلى الله، ونية تمييز عبادة عن عادة، وتمييز العبادات بعضها عن بعض، سنة راتبة عن سنة كذا، سبق ذهنهم إلى تفسير النيات بالنيات الشرعية فقط، فأصبحت دلالة الحديث عندهم: إنما الأعمال بالنيات الشرعية.

لما فسّروا بهذا الطريقة بدأت المشاكل تظهر؛ قالوا إذا قلنا إنما الأعمال بالنيات الشرعية -نحن كالفريق الأول نحتاج أن نقدّر الخبر متعلق بمحذوف- فقالوا ما هو المحذوف؟ خلينا نحاول نجعله "المستقر" أو "كائن" كما فعل الفريق الأول، فقالوا لو أردنا أن نقول: الأعمال مبتدأ والخبر "مستقر" أو "كائن"، ماذا تصبح دلالة الجملة؟ إنما الأعمال وجودها وكينونتها بالنيات الشرعية.

بما أن "إنما" للحصر، إذاً إنما يثبت العمل ويستقر بالنيات الشرعية، ولا وجود له بدون النيات الشرعية. هكذا أصبح مفهوم الحصر: إنما العمل استقراره بالنية الشرعية، ولا استقرار له بالتالي ولا وجود له في الخارج بدون نية شرعية. قالوا هذا المعنى خطأ؛ لأن كثيراً من الأعمال توجد بدون نيات شرعية، أولاً: المعاصي والذنوب، هذه أصلاً ليس لها علاقة بالنيات الشرعية، لأن الإنسان هل يشرب خمراً -والعياذ بالله- بنية شرعية ترضي الله؟ هذا لا يمكن.

فقالوا: أول شيء رح نضطر نعمله إذا قلنا إن النية هنا هي النية الشرعية، هو أن نُخرج كل الأعمال التي ليست داخلة في الأوامر والنواهي، لأن هذه أصلاً ليس لها علاقة بالأعمال الشرعية ووجودها في الخارج أصلاً غير متوقف على وجود نيات شرعية. فأخرجوا أولاً كل الأعمال الاختيارية التي هي من قبيل العادات والمعاصي والذنوب، لأن هذه توجد في الخارج بدون نيات شرعية، فإدخالها في الحديث يؤدي إلى خطأ في الجملة.

قالوا: طيب الذي يدخل تحت الأمر والنهي، يعني الذي هو فعل المأمورات واجتناب المنهيات -ومش قلنا حتى الاجتناب عمل؟- سيصبح معنى الحديث هكذا: إنما الأعمال التي أمرنا الله بها، أو الأعمال التي هي انكفاف عما نهى الله عنه، وجودها في الخارج بالنيات الشرعية. قالوا برضه هذا مشكل؛ لأن الأعمال التي ربنا أمرنا بها مثل الصلاة، هل الصلاة وجودها وكينونتها -إذا فسرنا المحذوف بكائن أو مستقر- هل الصلاة وجودها في الخارج واستقرارها في الخارج متوقف على النيات الشرعية؟ أم يمكن الشخص أن يعمل حركات الصلاة كاملة بدون وجود نية شرعية؟ وكذلك الصيام، ربنا أمرنا فيه، هل الصيام كعمل كينونته ووقوعه في الخارج متوقف على نية شرعية في الخارج؟ أم يمكن شخص يمارس هذا العمل الذي هو الصيام، أي الإمساك من الفجر إلى غروب الشمس...

الشمس بدون وجود نية شرعية، بس بوجود إيش؟ إرادة عامة، ممكن الناس اللي بتعمل ريجيم يوم ممكن يمسك من الفجر لغروب الشمس بس بدون وجود نية شرعية، بس مع وجود نية عامة.

على طريقة ابن تيمية، فإذا وجدوا أنه برضه هذا التقدير مشكل؛ لأن الأعمال المأمور بها أو التي نهينا عنها، إذا بدنا نقول تقدير المحذوف كائن أو مستقر، وكينونتها واستقرارها في الخارج وفي الواقع الحي متوقف على النيات الشرعية، فهذا غير صحيح؛ لأنها توجد بدون نيات شرعية. فهنا قالوا: إذاً لا بد من أن نترك التقدير العام ونذهب إلى تقدير الخبر بتقدير خاص، بدنا نقدر كلمة أنسب في السياق بها ينحل الإشكال.

فهنا اختلفوا، فنعود إلى ابن دقيق العيد. ماذا قال ابن دقيق العيد؟ قوله ﷺ: «الأعمال بالنيات»، لا بد فيه من التقدير. هذه نسخة الصنعاني هنا، لكن النسخة الأخرى تقول: "هذا لفظ لا بد فيه من حذف"، هذا لفظ لا بد فيه من إيش؟ من حذف. الآن هنا أريد أن أتكلم عن دلالة الاقتضاء، تطبيق عملي على دلالة الاقتضاء، وأرجو أنه في آخر هذا الكتاب نخرج بأمثلة كثيرة على القواعد الأصولية.

سنبدأ مثالاً على دلالة الاقتضاء، وعرفنا في "بلغة الوصول" وفي غيرها من الكتب ما معنى دلالة الاقتضاء، وهو: أن تُقدر كلمة في السياق بها يصح معنى الكلام عقلاً أو شرعاً أو عادة. ممتاز. الآن فقط للفائدة، قوله: "هذا لفظ لا بد فيه من حذف"، فاختلف الفقهاء في تقدير هذا الحذف. الحذف هنا هو على قول الجميع، حتى على قول جمهور المتقدمين وابن تيمية، هو لا بد من حذف؛ لأن الخبر لما يأتي على صورة جار ومجرور، يكون الخبر في الحقيقة محذوفاً يتعلق به الجار والمجرور.

فالحذف في الحقيقة على الجميع؛ حتى عندما قدر أن النية بالمعنى العام، بمعنى الإرادة المطلقة، وأنه ما من عمل إلا بماذا؟ بنية، يعني بإرادة؛ فالتقدير: ما من عمل إنما الأعمال كائنة بالإرادات. فهذا برضه حذف كلمة "كائن" أو "مستقر"، وهذا حذف. لكن هنا ابن دقيق العيد، كلمة "الحذف" التي يقصدها هي الحذف الخاص، يعني لا بد من تقدير متعلق خاص اختلف فيه الفقهاء المتأخرون حتى يصح به الكلام.

فكيف اختلفوا؟ قالوا: الذين اشترطوا النية قدروا هذا المحذوف الخاص، ما هو؟ طبعاً مكان الحذف حقيقة، سنجد أنه في نوع من الخلاف فيه: هل الحذف وقع من المبتدأ بالإضافة إلى الحذف في الخبر، أم الحذف وقع فقط ويمكن تقديره في الخبر فقط دون الحاجة إلى تقديره في المبتدأ؟

طبعاً سامحونا إخواني، هذا الشرح ليس للمبتدئين، أنا أقر ذلك؛ لأنه يحتاج حبة حبة، أنا بمشي شوي شوي، ولكن معرفتك باللغة ومعرفتك ببعض التفاصيل هي التي ستساعدك على أن تمشي معي. هذا عندنا في الأحكام، وهو أصلاً في المستوى الخامس، أنا لا يتصور مني أني أشرح شرحاً [مبسّطاً]، ولكن المراد أن "الأعمال بالنيات" يحتاج إلى نية شرعية، هذا كلام تجده عند غيرنا من الأفاضل، ولكن هنا أنا أريد أن أوصل الطالب إلى قدرة على تطبيق القواعد الأصولية وتنزيلها.

إذا تتبعنا "الشرح اليسير" ستجد أنك لن تستطيع أن تفهم كلام الأئمة المتقدمين؛ كلام الأئمة المتقدمين محسوب بالسنتيمتر، ويعرفون اللغة التي يتكلمون بها، أنت الآن في هذا المستوى المطلوب منك أن ترتقي إلى فهم كلام الأئمة المتقدمة.

فماذا يقول ابن دقيق العيد؟ يقول: "فالذين اشترطوا النية"، يعني الذين رأوا أن النية شرط لصحة الأعمال، ولا يمكن أن تصح الأعمال شرعاً إلا بها، إذا لاحظ أنه ابن دقيق العيد يتكلم عن ضرورة أن نقدر المحذوف شيئاً خاصاً. لماذا؟ لأنه إذا قلنا: "إنما الأعمال وجودها واستقرارها في الخارج بالنيات الشرعية"، سيلاحظون مشكلة؛ وهي أن الأعمال لا تحتاج إلى النيات الشرعية بل يمكن أن تحصل بأي نية، فهؤلاء اضطروا كما قلنا أن يذهبوا إلى تقدير خاص، ما هو التقدير الخاص؟ شيء يتعلق بالشريعة.

فاختلفوا على قولين: القول الأول، الذين يرون أن النية شرط لصحة الأعمال شرعاً، قالوا نحتاج أن نقدر هكذا: "إنما صحة الأعمال بالنيات"، طبعاً هذه بالصحة الشرعية كوننا نتكلم في العرف الشرعي. لكن هنا يجب أن تكون في العقل الخلفي، وأنت متصور أن كلمة "الأعمال" هنا ماذا أصبحت دلالتها عندهم؟ لأنه إذا قلنا إن أصل الخلاف نشأ في تفسير النيات، هل المراد بها مطلق النيات أم النيات الشرعية؟ الذين اختاروا أن المراد بها مطلق النيات، أرادوا مطلق الأعمال. أما الذين فسروا النيات بالنيات الشرعية، فسيضطرون إلى تخصيص كلمة "الأعمال".

فهنا الاختيار الأول، قالوا: "إنما صحة الأعمال بالنيات". قلنا كلمة "الأعمال" عند هؤلاء ما المراد بها؟ الأعمال التي صحتها شرعاً بالنيات. إذاً أنت لا تتكلم إلا عن نوع معين من الأعمال. هنا سنحتاج الآن أن نعود إلى التقسيم السابق؛ أنت تقصد هنا الأعمال الشرعية أولاً، وهي الأوامر والنواهي؛ لأننا اتفقنا أن الذنوب والمعاصي أكيد ليست داخلة، فالزنا أو شرب الخمر صحته شرعاً لن يصح تقديرها هكذا.

ولكن هل كل الأوامر والنواهي داخلة؟ النواهي، أنا أستطيع أن أنكف وأصح مني الانكفاف بدون نية شرعية، فهل صحة امتثالي للنهي يتوقف على نية شرعية مني؟ لا، أنا ممكن أجتنب الخمر والزنا والمحرمات بدون وجود نية شرعية مني. إذاً النواهي خرجت.

نأتي للأوامر، والأوامر قسمين: القسم الأول ما صورته تكفي لحصول المقصود منه، مثل رد الودائع وسد الديون وإعادة المغصوبات وما شابه ذلك. هل صحة رد الودائع وسداد الديون إنما يصح بالنيات الشرعية؟ برضه قلنا لا تحتاج إلى نيات شرعية. فذهب من الأوامر القسم المتوقف على النية، أو القسم الذي يحصل المقصود منه بمجرد صورته دون الاحتياج إلى نية.

إذاً، صفت كلمة "الأعمال" هنا عند هؤلاء، ما هي؟ هي الأوامر التي لا يحصل المقصود منها إلا بنية شرعية، وهي الطهارات والصلاة والصيام والزكاة والحج، وحتى الطلاق.

حتى الطلاق؛ ألفاظ الطلاق ليست داخلة هنا. لماذا؟ لأنه لفظ الطلاق يحتاج إلى إرادة بالمعنى العام، وليست إرادة إلى نية شرعية. والله أريد أن أطلق زوجتي، يعني لست بحاجة إلى نية طلاق شرعية، بل تحتاج إلى الإرادة بالمعنى الإنساني الطبيعي؛ أنه تكلم فقال: «أنت طالق» بإرادته، لا بالنية الشرعية.

فهنا حصرت كلمة الأعمال حصرًا شديدًا، وهذا الذي كان يعترض عليه ابن تيمية؛ أن لفظه من جوامع الكلم. أنت بطريقتك أو بطريقة الفقهاء المتأخرين حصل حصر شديد، حيث أصبح المراد بالأعمال قسم الأوامر وليس كل قسم الأوامر، قسم الأوامر الذي لا يحصل المقصود منه ولا تتميز صورته إلا بوجود النيات، كما قلنا في الطهارات والصلوات والأعمال التعبدية بشرائع العامة.

انظر كيف حصرت كلمة الأعمال وضاقت، ومن أين حصل أصل الإشكال؟ من تقييد النية ابتداء بالنية الشرعية؛ اضطر أصحابهم أن يسلكوا هذا السلوك، فقالوا: إذاً صحة الأعمال عرفنا ما هي، ودلالة الأعمال أصبحت بالنيات. وطبعًا بالنيات برضه ستحتاج إلى محذوف آخر، فالذين قالوا إنما صحة الأعمال بالنيات هؤلاء حقيقة عندهم حذفان؛ حذف من المبتدأ وهي كلمة «صحة» لازم نقدرها في السياق، وحذف من الخبر، والخبر عندهم سيبقى بالكون العام، فالتقدير: إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات.

ما عندهم مشكلة، بس صار في حذفين هنا؛ حذف من المبتدأ كلمة «صحة»، وحذف من الخبر للكون العام الذي هو كلمة «كائن» أو «مستقر». لذلك هو من دقيق العيد، ليس همه هذا التحقيق الكثير؛ ماذا قال وهؤلاء. فالذين اشترطوا النية قدروا: «إنما صحة الأعمال بالنيات» أو ما يقاربه، أو ألفاظ قريبة منها تجدها في بعض الشروح الأخرى.

مثلاً البعض يقول: لا، أنا لا أريد أن أحذف شيئًا من المبتدأ، خلص خلي المحذوف واحد. فماذا عملوا؟ قالوا: «إنما الأعمال صحتها بالنيات الشرعية»، جعل المحذوف من الخبر -مش كلمة مستقر أو كائن- جعله كونًا خاصًا وهو «الصحة»، فقال: «إنما الأعمال صحتها بالنيات». الأول ماذا عمل؟ قال: «إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات»، والثاني الذي يقاربه ماذا قال؟ قال: لا داعي أنا أطيل الحذف وأعمل حذفين، ما أنا أقدر أخليهم في حذف واحد: «إنما الأعمال صحتها بالنيات»، فجعل المحذوف الخاص هو كلمة «صحة» بدل ما أخليه كلمة «مستقر» أو «كائن»، وهذا فعله كثيرون.

وأما طائفة من الفقهاء قالوا: لا، هو هكذا. والذين لم يشترطوها؛ هناك كثير من الفقهاء يرون -مثلاً- أن الأعمال التعبدية كالوضوء وغيرها لا تحتاج في صحتها إلى نية، وإنما النية هي فقط شرط كمال وليس شرط صحة. فقال: «والذين لم يشترطوها» قدروا: «إنما كمال الأعمال كائن بالنيات».

طيب، ماذا تقصد بالكمال إذا كان يصب في الكمال الثواب؟ إذا كان «إنما كمال الأعمال كائن بالنيات» تقصد بالكمال هنا الثواب وتحصيل الأجر. فهنا كلمة الأعمال حقيقة على رأي هؤلاء؛ هل فقط تختص بصورة معينة من الأعمال الشرعية أم تشمل النواهي وتشمل الأوامر بصورتيها؟ حقيقة إذا قدرنا: «إنما كمال الأعمال بالنيات»، فهنا كلمة الأعمال ستكون أوسع دلالة، أنها ستشمل النواهي؛ فأنت أي شيء نهاك الله عنه، إنكفافك عن هذا، كماله إنما يكون بالنيات الشرعية حتى تحصل الثواب كذلك.

كذلك الأوامر في صورتها الأولى، وهي الصورة التي كما قلنا مثل رد الودائع وسد الديون؛ هذه كمالها بوجود نية رد الحقوق إلى أصحابها حتى تحصل عليها الثواب. فإذا قلنا التقدير: «إنما كمال الأعمال بالنيات»، هنا في اعتقادي كلمة الأعمال ستشمل كل صور الأعمال الشرعية؛ الأوامر بقسمي الأوامر والنواهي، بل حتى ممكن توسعها فتقول: حتى العادات كالنوم والأكل والشرب كمالها إنما يكون بالنيات حتى تحصل عليها الثواب.

فقط ما الذي سيخرج؟ الذنوب والمعاصي؛ لأن هذه أكيد ليس لها كمال عندنا في الشرع. الذي سيخرج فقط الذنوب والمعاصي على من يقدر التقدير: «إنما كمال الأعمال بالنيات». طبعًا نفس الشيء هؤلاء قال: «والذين لم يشترطوا النوايا» يقدر «كمال الأعمال بالنيات» أو ما يقاربه أو لفظ يقارب هذا.

بناءً على هذا أيها الكرام، إذاً ابن دقيق العيد يذهب واضحًا في شرحه إلى أن كلمة النيات هنا هي النيات الشرعية، وذكر لك بناءً على هذا قولين: قول من يرى أن النية شرط للصحة وبدونها لا يقبل العمل عند الله، هؤلاء الذين قدروا: «إنما صحة الأعمال بالنيات» أو ما يقارب هذا ودار في فلكه. والقول الثاني، طبعًا على هذا القول كلمة الأعمال ستكون محصورة جدًا في نوع من الأوامر فقط كما قلنا، والذين قالوا إن المراد «كمال الأعمال» وأن النية ليست شرطًا، هؤلاء سيذهبون إلى أن التقدير: «إنما كمال الأعمال بالنيات»، وعندهم بالتالي كلمة الأعمال ستكون دلالتها أوسع.

لكن عند هؤلاء مثلاً الذين قالوا: «بالنيات»، هل ستدخل أعمال القلوب؟ لا؛ لأنه هنا فسروا النيات بالنيات الشرعية، بالتالي أعمال القلوب على هذه الطريقة لا تحتاج إلى نية شرعية بحد ذاتها، وإنما تحتاج إلى مطلق الإرادة والاختيار، فسيبقون محصورين في مجال الظاهر، ولكن سيكون الأمر عندهم أوسع من الطائفة الأولى.

ابن دقيق العيد ماذا يرجح من هذه الأقوال؟ يقول: «وقد رجح الأول»، وهو التقدير: «إنما صحة الأعمال بالنيات» أو «إنما الأعمال صحيحة بالنيات». رجحوا هنا الكلام الفني الأصولي؛ أن في النهاية هذا خلاف فقهي، أنا نحترم جميع آراء العلماء المبنية على التفكير والنقد، لكن يهمني كلمات منهجية ومفتاحية في التفكير هنا.

يقول ابن دقيق في شرح أحكام الأحاديث: «وقد رجح الأول وهو أن التقدير إنما صحة الأعمال بالنيات، بأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال عند إطلاق اللفظ فكان الحمل عليه أولى».

جميلة العبارة، نحللها سريعًا: ماذا يريد أن يقول؟ أيهما أولى في مثل هذه الإطلاقات النبوية واللغوية أن نقول المحذوف تقديره «صحة» أو نقول المحذوف تقديره «كمال»؟ يقول الأقرب في الفهم وفي المنهج المعرفي لقراءة مثل هذه النصوص أن نفسرها بالصحة المحذوفة. لماذا؟ لأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال؛ أي حقيقة الآن في هذه الجملة هو أن تبقى على الكون العام، هذه هي الحقيقة هنا، فتقول: «إنما الأعمال كائنة بالنيات».

ولماذا طبعًا تركنا المعنى الحقيقي وذهبنا إلى المعنى المجازي عند ابن دقيق؟ للمشكلة التي حصلت، وهو أنهم لما فسروا النيات بالنيات الشرعية، اضطروا أن يتركوا المعنى.

الحقيقي أنما الأعمال وجودها في الخارج كينونتها مستقرة في الخارج بالنيات. الشرعية وجدوا أن المعنى الحقيقي ليس صحيحًا؛ لأن الأعمال توجد في الخارج مستقرة كائنة بدون وجود النيات، فيكتفى فيها بمطلق الإرادة.

الجمهور المتأخرون على كلا القولين، الذين ذكرهم، قد عدلوا عن المعنى الحقيقي في قوله «إنما الأعمال بالنيات»؛ لأنهم قدّروا النيات بماذا؟ بالنيات الشرعية. فلما عدلوا عن المعنى الحقيقي، أصبحوا يبحثون عن ما هو المعنى المجازي الأنسب.

ما هي قاعدة اختيار المعنى المجازي الأنسب؟ هذه القاعدة التي وضعها ابن دقيق العيد لاختيار المعنى المجازي الأنسب، يقول: «كل معنى مجازي هو أقرب إلى المعنى الحقيقي فهو الذي ينبغي أن يختار». شوف هذه الطريقة في الفهم؛ المعنى المجازي الذي هو أقرب مسافة إلى المعنى الحقيقي هو الذي يجب العدول إليه. يعني إذا كان عندي معنى مجازي واحد قريب من المعنى الحقيقي، وآخر بعيد، أيهما تختار في شرح النص النبوي أو الآية القرآنية؟ الأصل أن أفسر، لا أن أختار المعنى القريب.

فيقول: «وقد رجح الأول بأن الصحة أكثر لزوماً وأكثر اقتراناً للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى؛ أن تحمل النص عليها أولاً لأن ما كان ألزم وأقرب للشيء كان أقرب إلى خطورة بالبال عند إطلاق اللفظ». إذًا لماذا اختيار المعنى المجازي القريب أولى من اختيار المعنى المجازي البعيد؟ نقول لك: في طبيعة التفكير الإنساني، الشيء الذي يكون أقرب إلى الحقيقة وأسرع في خطورة بال، هو أسرع من المعنى الذي يكون بعيداً عن الحقيقة.

المعنى الذي يكون ألزم وأكثر التصاقاً بالحقيقة هو أقرب إلى خطورة في الذهن عند إطلاق اللفظ من المعنى الأبعد عن الحقيقة. فبالتالي، لما أقول لك: «إنما الأعمال بالنيات»، إذا كنت مضطراً لاختيار المعنى المجازي، فالأقرب إلى الذهن من المعاني المجازية: أنما الأعمال صحيحة بالنيات، وليس أنما الأعمال كاملة بالنيات. أقول لك: «صحيحة»، هي الأقرب؛ لأنه لو سألتك عن معنى «إنما الأعمال»، سنأتي إلى المعنى الحقيقي ثم نشوف المعاني المجازية. لما أقول لك: «إنما الأعمال وجودها في الخارج بالنيات»، أيهما أقرب إلى معنى الوجود الخارجي: الصحة الشرعية أم الكمال الشرعي؟ تقول لي: كلمة الصحة الشرعية هي أقرب إلى الوجود الخارجي من الكمال الشرعي.

لماذا؟ لأن الصحة الشرعية بدونها يكون الفعل معدوماً شرعاً، وفيه معنى العدمية، وهذا يتناسب مع معنى الوجود الخارجي والعدم الخارجي؛ لأن عندنا وجوداً حسياً خارجياً وانعداماً خارجياً، وعندنا وجوداً شرعياً وانعداماً شرعياً. فالصحة الشرعية التي يقابلها الانعدام الشرعي هي أقرب مسافة إلى الوجود الخارجي الذي يقابله العدم الخارجي، من الكمال؛ لأن الكمال عدمه لا يعني ذهاب الشيء وإنما يعني نقصانه.

فإذاً من حيث التحليل الذهني، الصحة الشرعية أقرب إلى الوجود الخارجي من الكمال؛ لأن الكمال فقده لا يؤدي إلى الانعدام، بينما الصحة الشرعية فقدها يؤدي إلى الانعدام، على الأقل الانعدام الشرعي، وإن كان لا يؤدي إلى الانعدام الحسي. فهذه طريقة التفكير تساعدك في فهم النصوص الشرعية ومعرفة أي المعاني أولى؛ لأن كثيراً من الناس اليوم، للأسف، بل حتى ممن ينشغل بطلب العلم، لما يأتي إلى تعدد الأقوال في تفسير الآية أو تعدد الأقوال في تفسير النص، خلص يقول لك: أنا أختار أي معنى من المعاني المجازية؟ لا يا أخي، الله يكرمك، القضية ليست ذوقاً؛ فما دام هناك مجموعة معاني مجازية، ينبغي أن تحاول وتبذل جهدك للوصول إلى مراد الله ومراد رسوله ﷺ.

وبذل الجهد في الوصول إلى مراد الله ومراد رسوله ﷺ من هذا النص يعني أنني لا بد وأن أملك منهجاً معرفياً في تحليل النص وقواعد، فأنا لا أختار أي معنى مجازي؛ فهناك قواعد حتى في اختيار المعاني المجازية، فالمجاز الأقرب إلى الحقيقة هو أولى من المجاز الأبعد عن الحقيقة.

ثم قال: «وكذلك قد يقدرونه احتمالاً ثالثاً، قال: وكذلك قد يقدرونه أنما اعتبار الأعمال بالنيات». الآن، إنما صحة الأعمال بالنيات، أو إنما كمال الأعمال بالنيات؛ زاد احتمالاً ثالثاً من دقيق الاعتبار هنا. الصنعاني يعلق على هذا الاحتمال قال: «ولا يظهر أن هذا الاحتمال أفاد فائدة جديدة»، قال: «فإن الاعتبار هو نفس الصحة».

يعني الصنعاني يرى أن كلمة «الاعتبار» هنا لا تخرج عن معنى الصحة. إذا كنت تقصد الاعتبار الشرعي، فنقول هذا شيء غير معتبر شرعاً، أي غير صحيح شرعاً، إلا إذا كان في ذهن ابن دقيق العيد قضية أخرى. لكن كما قلت، ظاهر هذا الكلام أنه ربما أتى بعبارة من العبارات المتداولة في الشروح، وقد لا يكون ابن دقيق العيد قد قصد فعلاً أن الاعتبار له معنى جديد.

لاحظ ماذا قال: «وكذلك قد يقدرونه أنما اعتبار الأعمال بالنيات». ربما هذا فقط تحديد مني؛ لأنه ربما رأى كلمة «الاعتبار»، وإن كانت بمعنى الصحة، لكن الاعتبار أقرب إلى معنى الوجود والاستقرار من كلمة الصحة؛ فكلمة الصحة كلمة في الأروقة الفقهية، وليست في المعاني الوجودية، لكن الاعتبار -وإن كان بمعنى الصحة شرعاً هنا- أقرب إلى معنى كائن أو مستقر، أقرب إلى معنى الوجود الحسي.

المهم، قال: «وقد قرب ذلك بعضهم بنظائر من المثل»، كقولهم: «إنما الملك بالرجال». هو يريد أن يعطيك أن هذا الحديث، إن كنت تقدر أن تجعل فيه مجازاً وتعدل عن المعنى الحقيقي، فهذا وارد، ولكن لما تريد أن تذهب إلى المعنى المجازي، يجب أن تأتي إلى أقرب معنى مجازي إلى الحقيقة. عندما نقول: «إنما الملك بالرجال»، من حيث الحس والواقع، إذا وضعنا «إنما الأعمال بالنيات» و«إنما الملك بالرجال» تحت بعضهما؛ هل يمكن أن يكون هناك ملك موجود بدون رجال يحمونه من حيث...

الوجود الحسي في شيء بيمنع؟ هيك بقول من حيث الوجود الحسي، في شيء بيمنع؟ صح، ربما هيك في حالة من المدينة الفاضلة برسم الفارابي تكون هناك ملك، بس فاش مثلاً هم رجال وعصبة يحمونه، بس من حيث الواقع العملي، هذا الواقع العملي أنه إنما الملك... ماذا ستفسر؟ الكون الخاص بوجوده وقيامه؟ خلي نقول قيامه بمعنى استقراره بالمعنى الخاص، طبعاً بماذا؟ بالرجال الذين يحمونه ويصولونه ويدافعون عنه.

فهنا طبعاً بدك كما قلت لك، بدك تغادر الاستقرار بالمعنى؛ إنما الملك مستقر بالرجال، وتقدر كونا خاصاً. إنما الملك مثلاً هنا قال قوامه، خلينا على قوامه، إنما الملك قوامه بالرجال، فكلمة قوامه بالرجال هي الأقرب إلى المعنى الحقيقي وهو ايش موجود في الواقع بالرجال. كلمة القوام هي فعلاً قريبة جداً جداً، قريبة كذلك قال: «وإنما الرجال بالمال».

بس إنما الرجال بالمال، يعني ايش قصدك؟ إنما الرجال موجودين في الخارج بالمال؟ ما فيش رجال؟ هو أنت فاهمين، قلت لك هي العبارات إذا بدك تحملها على المعنى الحقيقي ستواجه مشكلة؛ إنما الرجال مستقرين في الخارج بالمال يعني ما لهم وجود إذا فش مال مش رح يكونوا موجودين. لا، أقول ليس هكذا، هي أكيد فيها نوع من التجوز.

شو المعنى المجازي؟ بقول لك بدك تحمله على أقرب معنى مجازي للحقيقة؛ إذا كانت الحقيقة أنما الرجال موجودون بالمال أو مستقرون بالمال، وهذا المعنى الحقيقي لا يمكن، مش صحيح، سيؤدي إلى خلف، فبالتالي لما أجي أقدر المجاز سيكون المجاز ما هو، إنما الرجال مثلاً قوامهم بالمال. القوام شيء أخص من الوجود الحسي، يعني قوامك يعني أنك تستقر حياتك وتستمر وتكون منيعة بدون مشاكل بالمال. إنما الرجال قائمون بالمال.

لاحظ هنا أنه لما قال إنما الملك قوامه بالرجال، فسرها بالقوام بالمصدر، فسرها بالمصدر يعني ساعده على ذلك السياق، إلا أن يكون هو يريد أن إنما قوام الملك بالرجال، أو أن يكون القوام ده مقدر مبتدأ مش مقدر خبر. طيب، نفس الشيء: «وإنما الرعية بالعدل». هي زي إنما، الرعية بالعدل، هسا في واقعنا المعاصر الرعية موجودة حساً بالظلم كواقع، بس في النهاية لما يقول لك إنما الرعية بالعدل، إذا المعنى الحقيقي مستحيل، إنما الرعية موجودون بالعدل يعني إذا ما كانوا في عدل مش رح توجد رعية، هذا لا يمكن، الواقع يكذب.

فإذاً لا بد أقول إنما الرعية مثلاً محبتهم بالعدل، يعني أن يبقوا محبين للدولة بالعدل، أو إنما الرعية هدوء، يعني استقرارهم بمعنى عدم عملهم مشاكل، عبارة زي كذا، ممكن نقول يكون بالعدل، أو سوسوهم بالعدل، تقدر عبارة من هذه العبارات اللي هي الأقرب إلى المعنى الوجود والاستقرار اللي هو أصل المعنى الحقيقي.

قال: كل ذلك يراد به. طبعاً هو وجهة نظره، كلمة واحدة بتؤدي الغرض. كل ذلك يراد به أن قوام هذه الأشياء بهذه الأمور. هو ماذا يريد ابن دقيق العيد من هذه الأمثلة؟ إنه يعطيك نظائر، أنه في مثل هذا السياق: إنما الرعية بالعدل، إنما الرجال بالمال، إنما الملك... في مثل هذا السياق المعنى الحقيقي متعذر، لكن المعنى المجازي الذي يتبادر إلى الذهن هو الأقرب إلى المعنى الحقيقي، وهي كلمة القوام؛ لأن القوام قريب جداً من معنى الوجود الخارجي والاستقرار الخارجي. هذه طريقة جميلة من ابن دقيق العيد، أنه يعطيك القاعدة ثم يمثل لها من خلال اللسان العربي كيف أن هذا مطروق في الذهن من خلال الأمثلة.

هكذا نكون وصلنا، خلص فهمنا وجهات النظر الموجودة في الساحة العلمية في تقرير معنى «إنما الأعمال بالنيات». وخلاصتها أن قول أكثر المتقدمين ونصر ابن تيمية وطائفة من المتأخرين، أن التقدير إنما الأعمال... اللي هو المعنى الحقيقي، اختاروا المعنى الحقيقي وقالوا لا داعي للانتقال للمعنى المجازي ما دام يمكن البقاء على المعنى الحقيقي، فقالوا المعنى الحقيقي: إنما الأعمال موجودة مستقرة بالنيات.

هذا معنى حقيقي، فالعمل لا يوجد في الواقع الخارجي، العمل الاختياري لا يوجد في الواقع الخارجي فعلاً حساً إلا بإيش؟ بنية وإرادة، وبدون وجود إرادة لن يوجد أي عمل اختياري خارج، لا يندفع الإنسان لأي عمل إلا بعد أن يريده. وهؤلاء بالتالي جعلوا النية بمعنى الإرادة، محمودة كانت أو مذمومة، أنا يهمني تعرف القول ومقتضياته، وفسروا الأعمال بمطلق الأعمال والتي تشمل الأعمال الظاهر والباطن، والأعمال المحمودة والأعمال المذمومة، فيكون هذا من جوامع الكلم له ﷺ، فكأنه أعطاك فلسفة وجودية أن الأعمال إنما توجد في الخارج بالإرادات. طبعاً هذه إنما ذكرها النبي ﷺ ليمهد ما بعدها، لتكون توطئة على رأي جمهور المتقدمين.

خلونا الآن نرجع لكل الأمور المعلقة عندنا. على رأي جمهور المتقدمين وابن تيمية، إنما هل استعملت أداة حصر فيما يعلمه السامع مسبقاً؟ نقول نعم؛ لأن السامعين من الصحابة ونحن نعلم أن وجود الأعمال الاختيارية في الخارج بالنيات، يعني هي ما أنت لو سألتك هل هذا الكلام أنت كنت تجهله؟ تقول لي لا، أنا كنت أعلم أنه أنا بإرادتي الاختيارية أوجد العمل في الخارج سواء كان عملاً محموداً أو عملاً مذموماً، فإنما استعملت في أصل وضعها.

وعلى رأي أيضاً جمهور المتقدمين، بقية المسألة الأخيرة المعلقة: هل الحصر هنا حصر حقيقي ولا حصر نسبي؟ نقول الحصر هنا حصر حقيقي؛ لأنه ما من عمل اختياري حقيقة إلا ويوجد بالنية. حقيقة، يعني هل هناك نموذج أو صورة لعمل اختياري يصدر بدون إرادة الإنسان؟ لاحظ طبعاً لازم أقدر عمل اختياري، لأن العمل الاضطراري هذا لا يوجد بإرادة، نحن متفقين، كذلك الملجأ الذي مسكه شخص فألقاه على شخص، هذا أصلاً غير مكلف عندنا في أصول الفقه لأنه أصلاً لا يوجد له عمل اختياري.

فأنا أتكلم عن عمل اختياري، ولذلك قلنا إن المكره مكلف؛ ليه؟ لأنه هو يختار، صحيح هو حوصر فاختار ما لا يحبه، لكنه اختار في النهاية فيوجد اختيار، فإذاً الحصر حقيقي، وإنما استعملت في أصل وضعها لما يعلمه السامع، وفسرنا معنى الأعمال.

ظل شيء معلق عندنا، أظن كل الأمور المعلقة أنهيناها، وحتى قلنا كلمة الأعمال عند هؤلاء تشمل كل الأعمال: أعمال الباطن والظاهر، والأوامر والنواهي، والمعاصي، إذ ما من عمل اختياري إلا ويصدر بإرادة.

نيجي على الطرف الثاني، الطرف الثاني كما قلت الذين قيدوا النيات بالنيات الشرعية، وهؤلاء حصل عندهم بالتالي عدة أمور اضطروا إليها؛ أولاً احتاجوا أن يقيدوا العمل بتقييد للعمل.

هنا سيختلفون فيه؛ فمن رأى أن التقدير أنما الأعمال صحيحة بالنيات، أو أنما صحة الأعمال كائنة بالنيات، هؤلاء اضطروا أن يقصروا العمل على صورة واحدة منه، وهو العمل الظاهر الذي من قبيل المأمورات وليس المنهيات، وأي صورة من المأمورات التي لا تتميز صورتها إلا بنية، حصروا العمل في أضيق صورة.

وأما الذين فسروا أو قدروا أنما الأعمال كاملة بالنيات، أو أنما كمال الأعمال بالنيات، هؤلاء لا كلمة العمل عندهم ستكون أرهب؛ لأنها حقيقة، حقيقة ستشمل أعمال الظاهر طبعاً، وليست أعمال الباطن عندهم، لكن ستشمل المنهيات لأنك لم تحصل على ثواب وكمال إلا بنية، وتشمل المأمورات بصورتيها، بل حتى العادات. لكن ماذا سيخرج عندهم؟ المعاصي والذنوب وأعمال القلوب باعتبار أنها لا تحتاج إلى نيات شرعية.

ممتاز، على رأي كلا الطائفتين هؤلاء -الذين يسميهم نحن الآن بمقابلة جمهور المتقدمين مع جمهور المتأخرين- على رأي جمهور المتأخرين، سواء الذين قدروا أنما الصحة أو أنما الكمال. نرجع لأنما؛ هل استعملت فيما يعلمه السامع؟ هل الحصر هنا مستعمل فيما يعلمه السامع مسبقًا، أو في معلومة حقيقة كثير من السامعين قد يجهلونها؟

الظاهر أن «أنما» هنا لم تستعمل في معلومة مدركة سابقًا لكثير من السامعين؛ قد تكون معلومة للبعض لكن كثيرًا من السامعين عبر الأجيال، هذا الحصر: «أنما الأعمال صحتها أو كمالها بالنيات الشرعية»، تكون معلومة جديدة لكثير منهم، بخلاف طريقة جمهور المتقدمين لأن ذلك شعور إنساني طبيعي، أما هذه المعلومة فهي على طريقة هؤلاء.

هنا سيأتي بالتالي سؤال: إذا كان الحصر بـ«أنما» على طريقة جمهور المتأخرين استعملت للحصر في شيء لا يعلمه كثير من السامعين، فلماذا استعملها مع أن الأصل في استعمال «أنما» أن يكون لما يعلمه السامع؟ نقول: من أساليب البلاغة أن تستعمل «أنما» فيما يجهله السامع، كأنه للتنبيه على قيمة هذا الموضوع وعلى خطورته في الشريعة، وكأن مثله ما كان ينبغي أن يعامل معاملة المجهول، فكأنني أقول: شاف هذه المعلومة ما كان ينبغي أن تكون مجهولة، فحستعملت الحصر الذي يدل على ما يعلم عادة، وإن كنت أعلم أنكم تجهلونها، للتنبيه على أن مثل هذا لا ينبغي أن يكون في عداد المجهول؛ إذاً صار في نوع من التجوز استعمال «أنما».

نرجع للقضية الثانية: هل الحصر هنا على رأي جمهور المتأخرين حقيقي أو نسبي؟ ابن دقيق العيد ماذا اختار؟ لاحظ ماذا قال هنا، لما نرجع إلى الصفحة السابقة لما قال: «وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص فاحمل الحصر على الإطلاق»، ومن هذا قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، الذي يظهر أن ابن دقيق العيد حصر حقيقي وليس حصرًا نسبيًا.

وحق الحقيقة له وجهة نظر صحيحة؛ من أي جهة؟ لما نقول الآن من قدر الصحة بأنما الأعمال بصورتها الضيقة تكون بالنيات، أقول: الأعمال التي هي المأمورات والتي لا تتميز صورتها، لما أقول الأعمال بهذا التفسير صحتها بالنيات وليس بشيء آخر، هذا حصر حقيقي، صحيح كلام، بس بشرط أنك تفسر الأعمال بالمعنى الدقيق جدًا؛ الأعمال التي هي المأمورات والتي لا تتميز صورتها، إنما صحتها بالنيات، هل في شيء يخرج عن هذا؟ لا، فإذاً الأعمال بهذا التفسير نعم، كلها بلا استثناء صحتها بالنيات، هذا حصر حقيقي.

وحتى من رأى الكمال بأنما الأعمال كاملة بالنيات، نفس الفكرة؛ أنت ماذا ستفسر الأعمال في هذه الحالة؟ عادي فسرها بالمعنى الذي تراه ثم قل لا تكون إلا بالنيات كاملة، وهذا لا يخرج عنه عمل. فحقيقة، على طريقة المتقدمين أو على طريقة المتأخرين، سيكون الحصر حقيقيًا، وإنما سيبقى الخلاف فقط في استعمال «أنما»، وهذه قضية ليست ذات أثر كبير والله أعلم، إلا في الدلالة البلاغية؛ أنه على طريقة المتقدمين «أنما» استعملت فيما وضعت له، وعلى طريقة المتأخرين «أنما» استعملت في غير ما وضعت له لنوع من البيان أو التجوز.

نذهب الآن إلى الجملة الثانية، قال ﷺ: «وإنما لكل امرئ ما نوى». حقيقة اختلف الشراح في هذه العبارة الثانية بعد ما هو المعنى الذي -حتى الطالب الذي معنا يركز على معناه وعينيًا من معنى الجمل السابقة- أنا حقيقة أختار طريقة جمهور المتقدمين؛ لأنني أرى فيها من توسعة كلام النبي ﷺ وتحميله من المعاني أوسع من حصرها في صورة معينة. أنه على طريقة المتقدمين ستبقى كلمة أعمال على عمومها، وهذا الأصل لأنها صيغة عموم، الأعمال كل عمل -ليست الاستغراقية- فتبقى محافظًا على العموميات دون الحاجة إلى التقييد.

ودائمًا هذه فائدة استطرادية؛ التفسير عندما تقرأ في شروط الحديث، التفسير الذي يحتاج إلى تقييدات كثيرة والخروج عن ظواهر الألفاظ كثيرًا، بالنسبة لي يكون أضعف من التفسير أو الشرح الذي يبقي الألفاظ على ظاهرها وعلى عمومها. فتفسير جمهور المتقدمين يبقي الألفاظ على عمومها ويعطي الحديث زخمًا أوسع، وطريقة جمهور المتأخرين تضيق.

العدول دائمًا من الظاهر إلى خلاف الظاهر، وجعل كلمة الأعمال -معناها عفواً- أصبحت على طريقة المتأخرين إما على عامل مخصوص أو العامل الذي يريد به الخصوص، وأن النيات مقصورة عن النيات الشرعية، هذا لا أعدل إليه إلا إذا كان المعنى الحقيقي ممتنعًا؛ أما إذا كان المعنى الحقيقي مقبولًا وجميلًا ولا يوجد مقتضٍ حقيقي يقتضي الذهاب إلى المعنى المجازي، فلماذا أعدل عن الحقيقة إلى المجاز؟ فأنا أميل إلى طريقة ابن جرير ومكي وابن تيمية رحمه الله عليهم؛ لأنها هي الحقيقة أولاً، والحقيقة مقدمة على المجاز، ولأنها توسع دلالة النص وتعطيه مساحة أعلى في الدلالة من طريقة جمهور المتأخرين، وإن كانت في النهاية فهمًا اجتهاديًا، رحم الله الجميع فيها.

العبارة الثانية: «وإنما لكل امرئ ما نوى». رجعنا إلى «أنما» مرة أخرى، لكن في هذه المرة الحصر أصبح حصر الخبر في المبتدأ؛ «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فما اسم الموصول؟ تمام، طبعًا في خلاف في تقدير «ما»، هل هي مصدرية؟ إذا لم تكن موصولًا فخلينا على اسم موصول؛ «ما» اسم موصول مبتدأ مؤخر، و«لكل» متعلق بمحذوف خبر مقدم، التقدير في الحصر: «وإنما كائن لكل امرئ ما نواه وليس ما لم ينوه»، هذا معنى الحصر. هذه مادة سنستفيد منها فقهيًا سيأتي معنا إن شاء الله.

لكن عمومًا، اختلف الناظرون حقيقة في هذه اللفظة؛ ما الفرق بين الجملة الثانية والجملة الأولى؟ البعض مثل القرطبي يقول: الجملة الثانية هي فقط تأكيد للجملة الأولى، مثل جملة للتوكيد، لكن حقيقة التأسيس أولى من التأكيد.

نحاول التأكيد، هل نقول هل هناك معنى جديد للجملة الثانية؟ العز بن عبد السلام ماذا يرى؟

يقول العز بن عبد السلام: الجملة الأولى «إنما الأعمال بالنيات» لبيان ما يعتبر من الأعمال، وأن الاعتبار بالأعمال مبنية على النيات، والجملة الثانية لما يترتب من ثواب في الآخرة فقط. يعني هو يرى أن «إنما الأعمال بالنيات» الكلام عن الصحة الشرعية في الدنيا، كيف تعتبر الأعمال شرعاً في الدنيا؟ و«وإنما لكل امرئ ما نوى» الكلام عن الدار الآخرة وكيف سيكون الثواب. فهو ماشي على طريقة المتأخرين أو جمهور المتأخرين، أنه إنما صحة الأعمال بالنيات هذا من حيث الدنيا، و«وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا من حيث الثواب في الآخرة. هذه طريقة.

والطريقة الثالثة، إذا القول الأول أن هذا مجرد تأكيد، والطريقة الثانية أنه «إنما الأعمال بالنيات» للكلام عن الدنيا، و«وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا للكلام عن الآخرة؛ فالطريقة الثالثة تقول: لا، «وإنما لكل امرئ ما نوى»، نقول «إنما الأعمال بالنيات» سنفسرها على طريقة الجمهور المتقدمين، وهي أن الأعمال بطبيعة وجودها إنما تكون بالإرادات، وهذا سيشمل جميع الأعمال، يعني سيكون دلالة الحديث أوسع بحيث تشمل حتى الطلاق والنذور والكفارات والبيوع والعقود وما شابه ذلك.

وسيكون بالتالي مناسباً تماماً الحديث لقاعدة «الأمور بمقاصدها» التي أخذناها في المنحة الإلهية، وبالتالي لما نقول «وإنما لكل امرئ ما نوى» يعني ما ستحصله وتجنيه، سواء في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، سيكون على حسب نيتك. فكانت الجملة الأولى تمهيدية وتقعيدية لوجود الإنسان؛ أيها الإنسان أنت أعمالك توجد بإراداتك. فماذا سينبني على هذا؟ هذه الجملة الآن هي المقصودة في الحديث، وبالتالي فإنما ستجني في أحكام الدنيا وأحكام الآخرة بناءً على ما نويته.

إذن هناك ثلاثة أوجه في فهم هذه العبارة: الطريقة الأولى أنها تأكيد، والطريقة الثانية أن «إنما الأعمال بالنيات» للدنيا كما يقول العز، و«وإنما لكل امرئ ما نوى» للثواب في الآخرة، والطريقة الثالثة وهي المختارة: حقيقة أن «وإنما لكل امرئ ما نوى» لا هي لبيان أحكام الدنيا والأخرة فقط، بل تكون الجملة الأولى توطئة والجملة الثانية إصدار أحكام، فالأحكام الدنيوية والأخروية مبنية على نيتك؛ سواء أحكام العبادات أو أحكام العقود.

حتى العقود، كما قلنا في درس المنحة الإلهية، أنه إذا أنا أعطيتك مالاً هل هذا قرض أم هبة؟ نيتي. وكذلك الأحكام المتعلقة بالطلاق والنذور والإيمان، كل ما في «وإنما لكل امرئ ما نوى». فهذا المعنى أيضاً لماذا أرجحه؟ لأنه معنى شامل يجعل عبارة «وإنما لكل امرئ ما نوى» تعطي أن أحكام الدنيا وأحكام الآخرة إنما تحصل منها بناءً على ما نويت.

على هذا المعنى، ذكر الفقهاء عدة فوائد يمكن أخذها من الحديث. الفائدة الأولى: يقولون «إنما لكل امرئ ما نوى»، ذكر ابن المرزوق الترمذي أخذاً من رياض الأفهام، يقول: هذا الحديث مثلاً يدل على أن الأصل منع الاستنابة في الأعمال إلا ما استثناه الشرع. لماذا؟ لأن الحديث يقول «وإنما لكل امرئ ما نوى»، بالتالي لكل امرئ ما نواه ولا يحصل له ما لم ينوه. وعليه لو أن شخصاً صلى عنك، أو توضأ عنك، لا يصلح، زكى عنك لا يصلح، حج عنك لا يصلح. هنا نجي على الحج، لو حج عنك نقول الشريعة استثنت هذا فأجازت النيابة في باب الحج والعمرة، هذا يبقى استثناءً، ويبقى الباقي على الأصل.

نيجي مثلاً في مسائل أخذناها في قضية الصيام عن الميت. مثلاً من مات وعليه قضاء من رمضان، مذهبنا مذهب السادة الحنابلة: لا يمكن للشخص إذا مات وعليك قضاء ولم تقضِ مع أنك غير معذور، أما إذا كنت معذوراً فخلص، لكن من مات وكان يستطيع أن يقضي ما عليه من رمضان ولكنه لم يصم بدون عذر، هل يصوم عنه ورثته وأولياؤه؟ قالوا: لا يصوم عنه ورثته وأولياؤه، وإنما يطعمون عنه إطعاماً، فلو صاموا عنه هذا لا يجزئ نيةً عن الورثة. لكن في باب النذر، من مات وعليه صيام نذر، لا، هنا أولياؤه يصومون عنه، ونية صيامهم تجزئ عن الميت.

إذن سنلاحظ أن هذا الحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى» يضع قاعدة عامة أو ضابطاً فقهياً، وهي قاعدة لأنها حقيقية في كل الأبواب ستأتي كقاعدة فقهية، وهو أن الأصل أن الإنسان لا يحصل من الأعمال إلا ما نواه هو، وأما ما نواه عنه غيرك فلا يحصله، ثم نقول إلا ما استُثني. لماذا استُثني؟ يبحث في كل مسألة على حدة، ما هذا؟ قد يكون من باب تخفيف الله عز وجل في باب الحج والعمرة لأن طبيعتها فيها سفر وانتقال، بخلاف الصلاة والزكاة والصيام. وفي النذر هذا يبحث في كل مسألة، قد يكون استثناءً تعبدياً. كل ما استُثني فهو مستثنى، لكن يبقى الأصل العام أنك لن تحصل إلا ما نويته، ولا يحصل المرء شيء نواه عنه غيره، وهذه أطردها في أبواب الفقه جميعها.

من الفوائد الفقهية مثلاً: الإمام النووي رحمه الله يقول: هذا اللفظ من الحديث يدل على اشتراط التعيين في النية. أنتم تعرفون في مذهب السادة الحنابلة، ولو حتى الشافعية والجمهور، الحقيقة أن الصلوات المكتوبات لابد وأن تعينها؛ فإذا أتيت تصلي الظهر، نحن في مذهبنا لا يحتاج أن تنوي أنها فرض لكن يحتاج أن تعين أنها ظهر، كذلك العصر والمغرب والعشاء. فيقول النية في الصلوات الخمس تحتاج إلى تعيين، كذلك إذا أردت تصلي نفلاً مقيداً، وتر أو ضحى، تحتاج إلى تعيين أنه أريد أن أصلي ضحى، أريد أن أصلي كذا، حتى يصح لك ما نويت. فيقول لفظه «وإنما لكل امرئ ما نوى» تدل على أن التعيين شرط في النية، لأنك إذا لم تعين أنها ظهر أو أنها وتر أو أنها استخارة، فلن تحصل شيئاً؛ لأن أحداً سيقول لك «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فإذا أنت لم تحدد بالضبط ما الذي تريد من الصلاة أو من الصيام فإنت هنا لن تحصل شيئاً لأنك لم تنوِ. فيقول النووي رحمه الله: هذا يدل على اشتراط تعيين المنوي.

أيضاً مما يمكن أن يستفاد من هذا الحديث ما ذكره الصنعاني هنا في الحاشية، أنه الحديث يدل كذلك على أن من نوى شيئاً حصل له، سواء عمله له أو منعه عنه مانع يعذر شرعاً معه بعدم العمل. شوف الفائدة الفقهية الثالثة، الحديث قال «وإنما لكل امرئ ما نوى»، لم يقل ما عمل بل قال ما نوى، إذاً هذا يدل على أن باب النوايا أوسع من باب الأعمال؛ فالله عز وجل أو النبي ﷺ يقول: «إنما لك ما نويت»، سواء عملت فعلياً وقدرت تعمل أو لم تعمل.

بسبب مانع شرعي أو عذر مقبول شرعًا، وهذه من رحمة الله بالمكلفين أنه يعطيهم ثوابًا على ما نووه وإن لم يعملوه في الخارج، إذا كان هناك مانع يمنع من ذلك. وتعرفوا حديث الرجل الذي قال إن الإنسان إذا كان يصوم ويقوم فمرضه، فإن الله يجري له أجر ما كان يفعله من الصيام والقيام في أثناء مرضه؛ ليه؟ لأنه هو نيته أنه يريد أن يصوم ويقوم ولكن هناك مانع هو الذي منعه، فهذا يدخل في «إنما لكل امرئ ما نوى» وإن لم يعمل، بشرط أن يكون ذلك لعذر شرعي.

كذلك الحديث: «ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا»، فهو يقول: لو كان لي مال لعملت فيه مثل عمل هذا، قال: «فهما في الأجر سواء». الحديث طويل، لكن أنا أخذت منه هذا المقطع: رجل عنده علم بس ما عنده مال، فماذا قال؟ لو أنني أوتيت مالًا -انظر للنية- لعملت مثل ما عمل هذا، فماذا قال النبي ﷺ؟ «فهما في الأجر سواء». كيف حصل الأجر مع أنه ما عنده مال؟ ما تصدق! نيته الصادقة والتي حال دون وقوعها في الخارج أمر معذور فيه، أو أنه معه مال ممتاز.

فإذًا هذه ثلاث فوائد مهمة جدًا حقيقة ومؤثرة مأخوذة من قوله: «إنما لكل امرئ ما نوى»: الفائدة الأولى: أن الأصل عدم جواز النيابة إلا فيما دل عليه الدليل. ثانيًا: أن الأصل في النية لابد فيها من التعيين، لأنه إذا لم تعين أنت لم تنوِ بعد، لم تحصل النية المطلوبة. ثالثًا: أن الإنسان يحصل على نيته وإن لم يعمل، لأنه علق التحصيل على النية وليس على العمل، إذا كان طبعًا المانع من العمل هو عذر شرعي مقبول.

نأتي مثلاً إلى مسألة يذكرها أصحابنا، وذكرناها في "الأقصر" وفي بداية "الراغب" وفي غيره، وهي مسألة تغسيل الإنسان للمس للمرأة المسلمة الممتنعة، وتغسيل الإنسان المسلم لزوجته الذمية. هنا هذا مع أي صنف نحصله؟ الآن نحن قلنا إن النية شرط لكل طهارة شرعية، إلا غسل الكتابية لحل الوطء والمسلمة الممتنعة.

رجل مسلم عنده زوجة ذمية، زوجة ذمية حاضت الآن وانتهى حيضها، يريد أن يجامعها أو يواقعها، مش لازم تغتسل من الحيض، هذه ما نيتها؟ قالوا: هذه لا تحتاج إلى نية. وكذلك الزوجة، المعتمد في مذهبنا أن الزوجة لا ينوي عنها، كذلك المسلمة الممتنعة؛ مش قلنا إن الزوج يأتي بها ويضعها في الطشت ويغسلها ولا ينوي عنها؟ بخلاف الزوجة المجنونة والميت، فهنا المغسل ينوي.

هناك فرق فقهي عندنا عند أصحابنا بين الكتابية والمسلمة الممتنعة وبين الميت والمجنونة؛ ففي مسألة الميت والمجنونة، المجنونة زوجها ينوي عنها، والميت الذي ينوي عنه هو مغسله، بينما الذمية والمسلمة الممتنعة لا ينوي عنها أحد، يعني هذا الغسل صحيح بدون وجود نية شرعية. كيف سنفسر هذا على ضوء قوله ﷺ: «إنما لكل امرئ ما نوى»؟

الذمية لو راحت اغتسلت، يحق لزوجها المسلم أن يطأها مع أن هذه النية ليست نية شرعية، وكذلك المسلمة الممتنعة، إذا أجبرها زوجها على الاغتسال هي ما عندها نية، ولكن زوجها ينتفع. فنقول كيف نطبق جملة «إنما لكل امرئ ما نوى»؟ بالنسبة للمرأة، نعم الحديث ينطبق عليها، لن تحصل شيئًا؛ فالمسلمة الممتنعة إذا وضعها زوجها في الطشت وغسلها جبرًا عنها ولم تنوِ هي الغسل، فلن تستطيع بهذا الغسل أن تصلي وأن تقرأ القرآن وأن تمس المصحف ولا غير ذلك من الأعمال الشرعية، وإنما هذا الغسل غسل ضرورة، الذي استفاد منه ليس الشخص الفاعل وإنما الطرف الآخر فقط.

فالحديث ينطبق: «إنما لكل امرئ ما نوى». نحن نقول للذمية وللمسلمة الممتنعة: هذا الغسل ما دام ما في نية شرعية فيه، وللذمية أصلاً ما في نية مقبولة، لن تحصلي منه أنتِ شيئًا، وإنما المنتفع منه حقيقة هو الزوج فقط. فلذلك لو المسلمة الممتنعة أرادت أن تقول خلاص لا تعتبر الحيض قد ارتفع، نقول: لا، الحيض لم يرتفع، هذا غسلك لم يرفع جنابتك، هذا الغسل أباح لزوجك أن يطأك فقط، ولكن لو أردتِ أن تتعبدي الله لن يقبل لأنك لن تحصلي عليه ثوابًا، أنت لم تنويه.

بالتالي هنا يمكن أن نأخذ فكرة، وهي أن بعض الأعمال في الضرورة قد يستفيد منها أشخاص آخرون ويُقبل الاستفادة منها، لكن نفس الشخص الذي فعل هذا الفعل ما دام ما عنده نية لن يقبل منه؛ أنت كشخص فعلت هذا الفعل بدون نية سينطبق عليك «إنما لكل امرئ ما نوى»، أنت ما نويت لن تحصل أنت منفعة أساسًا، لكن هل يمكن أن ينتفع منه أشخاص آخرون للضرورة؟ أي نعم، مثل هذا مقبول شرعًا.

لاحظ أنني ما سمحت للرجل أن يطأ زوجته الممتنعة حتى تغتسل، تقول: طيب هذا عمل شرعي يا شيخ، طب أنت هنا أعطيته أن ينتفع به مع أنه لا يوجد فيه نية؟ نقول: ما يكون في الضرورة غير ما يكون في حالة الاختيار، فهو الرجل ما عنده خيار، فابحنا له الانتفاع بآثار هذا الغسل وإن لم يكن غسلًا شرعيًا. والمرأة طبعًا التي أجبرت الزوج على هذا الخيار هي تكون آثمة؛ هي مسلمة ممتنعة وهي آثمة أنها أجبرت الزوج على هذا الخيار، وكذلك الذمية هي يوم القيامة ستُسأل عن عدم إسلامها، وستُسأل عن عدم اغتسالها الاغتسال الشرعي، فهي مسؤولة عن تقصيرها، لكن هذا لا يمنع أن يُفيد الدائرة التي حولها، وإن كان صورة العمل غير مقبولة شرعًا وفاعلها لم يحصل فائدة منه لا دنيويًا لأنه لن تستطيع أن تصلي به، ولا أخرويًا. فهذا يعطيك تصورًا كيف بعض الأمور قد يُقبل فيها شيء من هذه الاستثناءات.

ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته...»، حتى لا أطيل أكثر بذلك، وإلا هناك فوائد أخرى يمكن استنباطها. يقول ابن دقيق العيد: قوله «إنما لكل امرئ ما نوى» يقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، هو المعنى العام لهذه العبارة؛ إنما تحصل ما نويت والشيء الذي لم تنوه لن تحصله، فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل. ومن هنا عظموا هذا الحديث، يعني كأنه يقول لك: هذه الجملة الثانية ترى هي المقصودة في الحديث، والجملة الأولى إنما...

هي توطئة؛ لأن من هذا البعد من هذه الجملة الثانية عظموا هذا الحديث. وقال بعضهم: يدخل في حديث «إنما الأعمال بالنيات» ثلث العلم، كما قال الشافعي وغيره، قال: هي أربعة أرباع العلم وما شابه ذلك.

فكل مسألة خلافية حصلت فيها نية فلك أن تستدل بهذا الحديث على حصول المنوي، وكل مسألة خلافية لم يحصل فيها نية فلك أن تستدل بهذا على عدم حصول ما وقع فيه النزاع.

فإن جاء دليل خارج يقتضي أن المنوي لا يحصل، أو أن غير المنوي يحصل، وكان راجحًا عمل به وخصص هذا العموم. هذه برضه قاعدة عامة من القواعد المهمة التي ذكرها ابن دقيق العيد في التعامل مع المسائل الفقهية؛ يقول: كل مسألة خلافية حصلت فيها النية فلك أن تستدل بهذا الحديث «إنما لكل امرئ ما نوى» على حصول المنوي، وكل مسألة خلافية لم يحصل فيها نية فلك أن تستدل بهذا الحديث على عدم حصول ما وقع فيه النزاع.

مثل مسألة حكيناها قبل قليل؛ غسل الكتابية وغسل المسلمة الممتنعة، إذا تم تغسيلهما هل يقع ولا لا يقع؟ ترى طرفي خلاف؛ البعض يقول يقع، والبعض يقول لا يقع. البعض يقول غسل المسلمة الممتنعة إذا غسلت يقع وينوي عنها زوجها وتصبح تصلي به وتفعل ما تفعل، والبعض يقول هو لا يقع لكن يباح لزوجها أن يعاشرها به.

فالآن أيهما أسعد بالدليل؟ هل غسل الكتابية أو غسل المسلمة الممتنعة معتبر ولا غير معتبر؟ يقول لك: كل مسألة اختلف فيها الفقهاء هل تعتبر ولا لا تعتبر، اعتمد هذا الحديث قاعدة عندك في الترجيح.

نقول: المسلمة الممتنعة مسلمة ما بدها تغتسل من حيضها بعد أن انتهى، فغسلت، هل يقع غسلها إذا أجبرها زوجها على الغسل؟ هل هو معتبر ولا غير معتبر؟ أنا بدي أعتمد الحديث؛ إذا هي لم تنوِ فهو غير معتبر؛ لأن الحديث يقول: «إنما لكل امرئ ما نوى».

فيقول لك: فكل مسألة اختلف فيها الفقهاء وحصلت فيها النية فلك أن تستدل بهذا الحديث على حصول المنوي؛ يعني إذا كانت المسألة اختلفوا فيها هل هذه تقع ولا لا تقع، وأنت وجدت النية حصلت من الفاعل، فنقول الأصل أنه يحصل الثواب لأنه نوى. والعكس، كل مسألة خلافية اختلفوا هل تقع ولا لا تقع، ووجدت الفاعل لم ينوِ، فاستدل بهذا الحديث على عدم حصولها؛ لأنه لم ينوِ، والحديث يقول: «إنما لكل امرئ ما نوى».

لكن ماذا يقول في الختام؟ فإن جاء دليل خارجي يقتضي أن المنوي لا يحصل، كأن شخص نوى شيئًا ولكن لم يحصل له ثوابه أو حكمه، يمكن نمثل مثلا بمن نوى تحية المسجد في أوقات النهي؛ من نوى تحية المسجد في أوقات النهي هل يحصل شيء من هذه الصلاة؟ أو واحد نوى نفلًا مطلقًا، أو نوى أن يصلي استخارة أو نوى أن يصلي أي سنن في وقت نهي، نقول: أنا نويت، لكن هناك دليل يدل على أن هذه الصلاة لن تقبل لأنها وقعت في وقت النهي، فنقول: فإن جاء دليل يقتضي أن المنوي لا يحصل، هذا دليل خارجي؛ أنت نويت شيئًا ولكن لم نعطك ثوابه لدليل خارجي.

وكذلك العكس، أو أن غير المنوي يحصل؛ وهذا يستدل به من يرى مثلا أن غسل المسلمة الممتنعة يحصل حتى ولو لم تنوه هي، ما دام زوجها نوى بذلك الغرض عنها، فغير المنوي من الفاعل الحقيقي هو أن غير المنوي يحصل اكتفاء بنية الزوج عن نية زوجته. وكان الدليل راجحًا سواء في هذه أو هذه، سنعمل بالتالي: يُعمل بالدليل ويُخصص هذا العموم.

يعني هو يقول لك: هذا الحديث يؤكد قاعدة عامة تعتمدها في مسائل الخلاف الفقهي. كل مسألة خلافية في هذا النوع، هي المسألة أن شخصًا عمل عملاً، هل نقبل ولا لا نقبل؟ هل يعتبر ولا لا يعتبر؟ وكان موضوع النقاش في موضوع النية، فيقول القاعدة العامة: أي عمل عمله الشخص ونوى به فالأصل أنه يعتبر عمله. فإذا جاء الطرف الآخر يقول لك: لا، أنا شايف أن هذا العمل لا يعتبر، فهو الذي عليه الدليل؛ أما أنا متمسك به: «إنما لكل امرئ ما نوى». وكل مسألة خلافية رأيت أن الفاعل لم ينوِ، فتمسك بهذا الأصل أنه ما دام لم ينوِ فالأصل أنه لا يقبل هذا العمل، والذي يرى أنه يقبل هو المطالب بالدليل الجزئي في هذا.

لذلك قال: فإن جاء دليل خارج يقتضي أن عملًا منويًا لم يعتبر شرعًا، أو العكس؛ جاء دليل خارج على أن عملًا غير منوي لكنه اعتبر شرعًا، وكان هذا الدليل راجحًا وجب عليك المصير إلى ما اقتضاه الدليل، وتخصيص هذا العموم المستفاد من قاعدة «إنما لكل امرئ ما نوى».

فهمتم الآن ماذا يقصد هنا في هذا الباب؟ مثلاً من المسائل الخلافية هنا ذكر في العدة، يقول: شخص دخل المسجد فرأى الإمام يصلي الفرض، الآن ليس له أن يصلي تحية المسجد، يجب أن يدخل مع الإمام في الفرض. هل إذا دخل مع الإمام في الفرض هل سيحصل ثواب تحية المسجد؟ أنت الآن منعته من تحية المسجد وقلت له ادخل مع الإمام في الفريضة، ما يصير تصلي تحية المسجد، هل سيحصل الثواب ولا لا يحصل؟

الآن إذا لم يحضر في ذهنه أنه هذه في مقام تحية المسجد ولم ينوِ تحية المسجد، فما هو الأصل؟ أنه لن يحصل ثواب تحية المسجد بصلاة الفرض؛ لأن الحديث يقول: «إنما لكل امرئ ما نوى»، وهو لم يستحضر في صلاته للفريضة أنها في مثابة تحية المسجد. طيب، لو نوى بها، لو استحضر في ذهنه أن هذه الصلاة هي صلاة الفريضة وأريد أن أحسب معها أنها تقوم مقام تحية المسجد، فهو نوى الفرض ونوى أن تقوم مقام تحية المسجد، فالأصل أنه يحصل ثواب تحية المسجد.

لكن سيبقى سؤال هنا يبحث: هل يجوز أن تنوي مع الفرض النفل؟ يعني أنا سأطرح إشكالات وأتركها للبحث؛ البعض يقول لا يجوز أن تنوي بالفرض نية نفل كتحية المسجد، فحتى لو نويت تحية المسجد لن تحصلها.

لماذا لا نعتبر نية الفرض أعلى فلا يدخل فيها؟ سأعطيك الأقوال الفقهية الموجودة في الميدان؛ فلا يدخل فيها تحية المسجد، وبالتالي هذا سيعتبر مما استُثني إن شخص نوى نية الفرض ونوى أن تكون تحية مسجد في نفس الوقت. البعض يفكر بهذه الطريقة باعتبار أن نية الفرض أعلى من تحية المسجد فلا تدخل معها، والبعض يقول لك لا تقبل التداخل.

هي مسألة متعلقة بتداخل النيات، هل تقبل نية الفرض الدخول مع نية نفل أم لا تقبل؟ فلو نويت به تحية المسجد أيضًا لن تقبل، وهناك نقاشات طويلة في هذا الميدان. فيقول البعض عكس ما قلناه؛ فمن دخل فصلى الفرض، حتى ولو لم ينوِ تحية المسجد سيحصل على ثواب تحية المسجد.

شوف هي مسألة واحدة، وانظر إلى الخلاف الذي فيها حتى تعرف أن الباب الفقهي واسع جدًا. البعض يقول: من دخل فوجد الإمام يصلي الفرض فصلى الفرض، يحصل له ثواب تحية المسجد تبعًا وإن لم ينوها. ولماذا يقولون ذلك؟ لأنه قد تحصل فضيلة تحية المسجد لمن دخل فصلى الفريضة وإن لم ينوها، وعللوا ذلك بأن المقصود من «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» هو حصول أي صلاة عند دخول المسجد وقبل الجلوس.

قالوا إن القصد بالتحية هو شغل البقعة، وقد حصل بصلاة الفرض، وبالتالي ما دامت صلاة الفرض قد شغلت البقعة فالأصل أنها تعطيك ثواب تحية المسجد وإن لم تنوِها. هذا كله مثال على الاستثناءات: فعل غير منوي ولكنك حصلت عليه. وكيف ستحصل عليه؟ قالوا بالدليل، وهو أنك بناءً على فهمهم، فهموا أن المراد إيقاع صلاة أول ما تدخل المسجد، فأي صلاة توقعها سواء كانت سنة أو راتبة أو فرضًا، ولو لم تنوِ تحية المسجد أنت ستحصل الثواب.

البعض الآخر يقول: لا، لازم تنوي حتى تحصل، فإذا صليت الفرض بدون ما تنوي تحية المسجد لن تحصل، لأن الأصل هو الاعتماد على حديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن «لكل امرئ ما نوى». فهؤلاء قالوا لك انوِ، والبعض قال: يصير أنوي مع صلاة الفرض أن أنويها تحية مسجد؟ فقالوا نعم، فإذا نويت بصلاة الفرض تحية المسجد حصلت، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» ولأن «لكل امرئ ما نوى».

والبعض قال بالعكس، لا يصير أن تنوي مع الفرض نية تحية مسجد، وإذا نويت تحية مسجد لن تحصلها وسيكون بالتالي مما نويته ولن تحصل. هذه المسألة وحدها فيها القواعد الأربع: أنه من نوى شيئًا حصله، ومن لم ينوِ شيئًا لم يحصله، وأنه قد تنوي شيئًا ولكن لا تحصله، وقد لا تنوي شيئًا ولكن تحصله.

أستطيع أن أطبقها على القواعد الأربع. كيف نعيد سريعًا؟ إذا دخلت فصليت الفرض مع الإمام، فالقول الأول يقول: إذا نويت تحية المسجد مع صلاة الفرض حصلتها، واستدل بـ «إنما الأعمال بالنيات». والقول المعاكس في الجهة الأخرى يقول: إذا دخلت فصليت الفرض ولم تنوِ تحية المسجد لن تحصل ثوابها لحديث «إنما الأعمال بالنيات» وأنت لم تنوِ فلم تحصل.

ثم بعض الفقهاء قالوا هذا فيه استثناء، وهؤلاء اختلفوا إلى رأيين أو طريقتين. الطريقة الأولى تقول: إذا صليت الفرض لا يجوز أن تنوي معها سنة، فإذا نويت مع الفرض سنة تحية المسجد فإنك لم تحصلها، ويكون هذا مما استثني؛ شيء نويته ولكنك لم تحصله. ولماذا؟ لا بد من دليل، قالوا: ما الدليل المرجح أن هناك شيء نويته ولم أحصله؟ قالوا: إن نية السنة لا تجتمع مع نية الفرض، فهل يجوز لشخص أن ينوي مع رمضان صيام الأيام البيض؟ أو ينوي مع رمضان مثلاً صيام سنة ونفل؟ قالوا لا يجوز.

وهناك من عكس، فقال: من صلى الفرض ولو لم ينوِ تحية المسجد حصل ثواب تحية المسجد، ويكون هذا مما لم تنوه ولكنك حصلته. كيف؟ قالوا لأن المراد ليست تحية المسجد صلاة مقصودة لذاتها، وإنما أي شغل للبقعة عند أول دخولك للمسجد بالصلاة هو تحية مسجد، فستحصل تحية المسجد وإن لم تنوِها بأي صلاة توقعها. فهذا يمكن يكون مثالًا على شيء لم تنوه ولكنك حصلت ثوابه؛ فأنظر لمثال واحد على مسألة خلافية واجتمعت فيها الأقوال جميعًا.

السابع: قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 218]. أولًا سنبحث معنى كلمة الهجرة، وهي الكلمة الوحيدة هنا التي تحتاج إلى بحث في الدلالة. يقول ابن دقيق العيد: الهجرة تقع على أمور. الهجرة الأولى: إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة رضوان الله عليهم النبي ﷺ. الهجرة الثانية: من مكة إلى المدينة. الهجرة الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ لتعلم الشرائع ثم يرجعون إلى مواطنهم ويعلمون قومهم، والصحيح أن هذه الثالثة لا تسمى هجرة وإنما تسمى وفادة؛ قضية أن تأتي بعض القبائل إلى النبي ﷺ فيتعلمون منه بعض المسائل، هذه ليست هجرة، فالمهاجر يريد أن ينتقل إلى مكان ويستقر فيه، أما هؤلاء جاؤوا متعلمين وعادوا إلى بلادهم فيسمى وفادة ولا تسمى هجرة على الصحيح.

الهجرة الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة ليأتي إلى النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة، وهذه أيضًا وفادة؛ ما دام فيها رجوع هذه لا تسمى هجرة وإنما تسمى وفادة، حتى ولو ذهبوا إلى النبي ﷺ ليبايعوا ثم يرجعوا، ما دام فيها رجوع إذاً هذه ليست هجرة.

الهجرة الخامسة: والتي لا ينبغي لمسلم أن ينفك عنها في يوم من أيام حياته، وأن يهجر ما نهى الله عنه، كما قال ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»، وهي الهجرة من المعاصي والذنوب إلى الخيرات والطاعات. وطبعًا حقيقة من صور الهجرة أيضًا التي يمكن إضافتها إلى هذا، الهجرة من أرض المعاصي والذنوب إلى أرض يطاع فيها الله سبحانه وتعالى، فليست فقط هجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، بل هي هجرة أيضًا من ديار المعاصي والذنوب إلى ديار الطاعات. وهذا مثال حديث الذي قتل مئة نفس، فلما ذهب إلى العالم فقال: اترك أرض قومك فإنها أرض سوء، فهذه هجرة من أرض فيها المعاصي والذنوب إلى أرض فيها الأصحاب والرفقة الخيرة.

تصاحبهم كذلك؛ قالوا هجر مناطق أهل البدع حتى ولو لم تكن بدعة مكفرة، هجر مناطق أهل البدع إلى مناطق أهل السنة والجماعة، وهذه أيضًا من الهجرة الشرعية.

قال: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع. طبعًا بالنسبة للهجرات السابقة هو تكلم عن وقائع أعيان، هذه وقائع أعيان ما يهمنا منها هو المعنى العام الذي ينطبق علينا نحن في هذا الزمان، وهو الهجرة؛ أن نهجر ما نهى الله عنه، ونهجر ديار الكفار اليوم إلى ديار الإسلام، وأراضي المعاصي إلى أراضي الطاعات، وأراضي أهل البدع إلى أراضي أهل السنة، فالحديث نعم يشمل كل هذه الصور. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، هذا القيد إنما ينطبق على الهجرة التي تكلمنا عنها.

قال: ومعنى الحديث وحكمه يتناول الجميع غير أن السبب يقتضي أن المراد بالحديث الهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنهم نقلوا أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، فسمي مهاجر أم قيس، ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة في الجملة الأخيرة أو امرأة يتزوجها دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد الأغراض الدنيوية، ثم أتبع الدنيا لما قال: «ومن هاجر إلى الدنيا، إلى امرأة يتزوجها».

طبعًا قوله "ثم أتبع الدنيا" ربما يحتاج إلى نظر؛ لأنه أولًا ذكر الدنيا، ثم ذكر المرأة، فقوله "ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون سائر ما ينوى به الهجرة من أفراد أي من أنواع الأغراض الدنيوية ثم أتبع بالدنيا"، في الحقيقة هو لم يتبع بالدنيا وذكر الدنيا أولًا ثم أتبع بالمرأة، هو ذكر الدنيا أولًا ثم أتبع بالمرأة. يعني هنا كما قال الصنعاني: ذكر المرأة بعد الدنيا إنما هو من ذكر الخاص بعد العام؛ لنكتة الاهتمام لكونه السبب في ورود الحديث وزيادة التحذير من الافتتان بالنساء.

الآن هناك عدة نقاط حول هذا المعنى. القضية الأولى: هل ثبت أن سبب ورود هذا الحديث هو مهاجر أم قيس؟ الآن كما أن هناك أسبابًا للنزول، هناك أسباب لورود الحديث، هذه في السنة كما أن هناك أسبابًا للنزول. كنا نتكلم عن قضية مهاجر أم قيس وهل هو فعلاً سبب ورود الحديث؟ هذه مسألة اختلف فيها من تكلم في أسباب ورود الحديث. فممن تكلم أن هذا من أسباب وروده، قصة مهاجر أم قيس؛ أبو بكر الآجري في "الأربعين"، والخطابي في "إعلام الحديث"، والبغوي في "شرح السنة"؛ ذكر هؤلاء أن سبب ورود الحديث قصة مهاجر أم قيس.

وتعقب ذلك الحافظ ابن رجب رحمه الله فقال: «ولم نر لذلك أصلًا بإسناد يصح». يعني كل ما ذكره هؤلاء العلماء الأفاضل، يقول ابن رجب: لم نجد أصلًا يصح في إسناد الحديث وسبب قول النبي ﷺ لهذه القصة. طبعًا له كلام طويل حقيقة، من يريد أن ينظر إلى كلام ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" فله كلام طويل في بيان أين حصل هذا الوهم، وأن البعض لما رأى كلمة "أو امرأة يتزوجها" -وكان الآن يجود رجل هاجر من أجل امرأة- الذي يظهر أنها صحيحة.

قالوا: لكن أن تكون هي سبب ورود الحديث، هذا هو النقاش. فكان بعض الشراح لما وجدوا قصة أن رجلًا هاجر لخطبة امرأة، ووجدوا حديث «أو امرأة يتزوجها»، حصل جمع في الذهن بين الحديث وبين قصة الرجل، لكن هذا قد يكون وهمًا حصل في الأذهان أو محاولة استنباط وربط، لكن لا يوجد شيء علمي دقيق يثبت أن هذا الحديث قيل في هذه الواقعة؛ لأنه قال: "وأصل خبر مهاجر أم قيس رواه سعيد بن منصور في سننه"، إذ هو كقصة موجودة. ومن طريق آخر أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" من حديث الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود، ولكن في حديث عبد الله بن مسعود لم يذكر أن هذا الرجل، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها».

إذًا فهنا ابن دقيق العيد رحمه الله يرى أن معنى الهجرة هو الهجرة من مكة إلى المدينة بالتحديد، طيب من أين أخذ هذا التعيين؟ هو أخذها بناء على أن هذا الحديث ورد في مهاجر أم قيس، خلص هو مشى مع هذا الرأي، وبالتالي فالمراد بالهجرة هجرة من مكة إلى المدينة. نقول والله أعلم الصواب أن هذا الحديث لم يثبت أنه قيل في مهاجر أم قيس، والأصل أن تبقى كلمة الهجرة على إطلاقها، فقد لا نتفق مع الإمام ابن دقيق العيد في تخصيص الهجرة هنا بالهجرة من مكة إلى المدينة، بل هي أعم من ذلك؛ لأن نقطة الخلاف هي مسألة واضحة: هل قيل هذا الحديث لمهاجر أم قيس أو لم يقل في ذلك؟

الآن نذهب إلى الفائدة الثامنة المتعلقة بالجملة الأولى: «فمن كان هجرته إلى الله ورسوله»، سأعود إلى جملة «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها»، دعونا مع الجملة الأولى. الفائدة الثامنة يقول ابن دقيق العيد: المتقرر عند أهل العربية أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لابد أن يتغير؛ أي هل يقول: زيدٌ خالدٌ، الدابةُ الدابةُ؟ لا، الأصل أن الخبر يكون غير المبتدأ، وكذلك في الجملة الشرطية الأصل أن جواب الشرط يختلف عن جزاء الشرط.

لكن هنا في هذا الحديث في الظاهر جاء الشرط والجزاء متحدين؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله». طيب، أليس هذا فيه إشكال؟ فالآن البعض ماذا اقترح؟ البعض قال: إذن لا بد من تقدير دلالة اقتضاء حتى تصح به الجملة من حيث التركيب، فقالوا التقدير: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا»، فقدروا كلمة "نية وقصدًا" في الشرط، «فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا». يعني من هاجر وكانت هجرته نية وقصدًا إلى الله ورسوله، فماذا سيقع له؟

كان هذا كما يقول ابن تيمية هو أصلاً تفريع على جملة «وإنما لكل امرئ ما نوى»، ففرع، فما هذه الفاء تسمى فاء التفريع. «فمن» آه تفريع، كمثال نموذجي على قاعدة «وإنما لكل امرئ ما نوى»، كأنه يقول: وإنما لكل امرئ ما نوى، بالتالي يتفرع على هذا أن من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فستكون هجرته إلى الله ورسوله حكمًا دنيويًا وثوابًا أخرويًا. طيب، الآن هل هذا التقدير يصح حقيقة هنا؟ الصنعاني...

ذكر مشكلة وهو أنه هنا أنتم قدرتم المحذوف. يقولون والحال إذا كانت مبينة وليست مؤكدة لا تُحذف، والحال المبينة هناك حال مؤكدة، وهناك حال غير مبينة هي تؤسس لبيان شيء لازم يُقدر، فهي مبينة للمعنى المقصود. فمن كانت هجرته إلى رسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً.

يقول: الحال المبينة الأصل أنها لا تُقدر، فكيف حذفت؟ وقال الصنعاني: ولهذا منع اليزيدي في شرح الجمل جعل «بسم الله» متعلق بحال محذوف، أي ابتدئ متبركًا؛ لأن حذف الحال لا يجوز. فقال الصنعاني: تأويله على إرادة المعهود المستقر في النفوس من غير ملاحظة حذف.

يرى الصنعاني أن الأولى بقاء الجملة على ما هي، وأن التقدير يكون تقديرًا ذهنيًا وليس تقديرًا إعرابيًا؛ يعني لا نقول إن هناك كلمة محذوفة هي حال أو مضاف إلى مبتدأ، بل قال: خليها على حالها واجعل التقدير فقط تقديرًا ذهنيًا مستقرًا في النفوس كما تقول العرب: «أنت أنت».

هذا من تتمة كلام اليزيدي، وانتهى. ظاهر كلام الصنعاني المهم هو «كما تقول العرب أنت أنت». الآن يقول ما معنى «أنت أنت»؟ أنت الآن مبتدأ، و«أنت» الثانية خبر. ما معنى «أنت أنت»؟ قال: هذه المستقرة في الأذهان أنه أنت الرجل، أنت الإنسان العظيم، لكن يُعبر عنها بجملة «أنت أنت». فهنا في تغاير بين المبتدأ والخبر، لكنه تغاير ذهني دون الحاجة إلى تقدير شيء محذوف.

وحقيقة هذه الطريقة جميلة، يمكن العدول إليها فعلاً وعدم تقدير شيء محذوف لغةً، وإن كان هناك شيء يُقدر في الفهم الذهني. كأنه يقول: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله؛ يعني يكفي أن اسمها هجرة إلى الله ورسوله، هذا الاسم بحد ذاته يكفيك شرفًا. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله؛ لا، هذا في قمة الشرف، في قمة الشرف، وهذه المعاني وهو الشرف والاعتزاز بهذه الهجرة هي معاني ذهنية، لكن لن نقدر لها شيءًا محذوفًا في السياق، سواء كان حالًا محذوفًا أو مضافًا إلى مبتدأ محذوف أو ما شابه ذلك، لن نقدر لها شيئًا محذوفًا في السياق، ولكن نقدر لها معنى في الذهن.

يقول: إذا اتحد لفظ الشرط والجزاء، يقول الصنعاني: هنا يعلق علم منه المبالغة، إما في التعظيم وإما في التحقير. فقولك «أنت أنت» هذا للتعظيم بقرينة المقام والخطاب، ممتاز.

فهذا يعني أنك الآن أمام خيارين: إما أن تقول إن هناك كلمة محذوفة في السياق وعليك أن تحددها، وهنا ابن دقيق العيد ذهب إلى تقديرها حالًا واعترض عليه. لكن الحقيقة يمكن التملص من هذا؛ أن تقدر حالًا، يعني يمكن أن تقدر حقيقة كلمة محذوفة ولكن لا تقدرها حالًا أصلاً حتى تخرج من قضية أن الحال المبينة لا تُحذف، فتقول مثلاً: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله محمودة.

قالوا: تُقدر خبر الشرط، التقدير: فمن كانت هجرته -أي من كان نوى بهجرته الله ورسوله- فهجرته إلى الله ورسوله محمودة، فنقدر كلمة «محمودة» هي خبر المبتدأ. باختصار، المشكلة هي أن الحال لا تُحذف، فنحل المشكلة بتقدير آخر لا يحتاج إلى تقدير حال، كخبر مبتدأ، والخبر كثيرًا ما يُحذف إذا كان معلومًا من السياق.

أيضًا من الأفكار الجميلة في طبعة اللباب للرندي، هناك خطأ في نسخة الصنعاني، ولهذا منع اليزيدي؛ ففي نسخة أخرى يقول الرندي لليزيدي، وهذه في نسخة أخرى ولعل تلك تكون أصوب ما دامت محققة ومنقحة أكثر من هذه النسخة.

الفكرة الثانية: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله». يقول: لماذا أعاد ذكر الله ورسوله مرة أخرى؟ وهذا من وضع الظاهر موضع المضمر. نحن في العادة ماذا نقول؟ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إليهما. لماذا كرر؟ قالوا: هذا تعظيمًا للشأن وتفخيماً بذكر اسم الله واسم رسوله ﷺ مرتين، مرة في الجواب ومرة في الشرط.

بينما لاحظوا في الجملة الثانية لما كان السياق لا يخفض التفخيم، قال: ﴿وَمَن كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَىٰ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّ هِجْرَتَهُ إِلَىٰ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: 218]. استعمل الضمير وكأنه لا شيء يشرف به الدنيا أو المرأة حتى يعاد ذكرهما. فإذا أعاد ذكر الله ورسوله في الجواب مع أنه ذُكر في الشرط، هذا يسمى وضع الظاهر موضع المضمر، والهدف من ذلك تعظيم الشأن والتفخيم، وأيضًا التبرك بذكر اسم الله وذكر رسوله ﷺ.

نأتي الآن إلى الفائدة التاسعة، يقول ابن دقيق العيد: «شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف كتاب في أسباب الحديث». أسباب الحديث، مثل أسباب النزول في القرآن، هي مثل أسباب الحديث بالنسبة للسنة. قال: «كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له».

هنا يقول الحافظ ابن حجر في الحواشي: إن المصنف ابن دقيق رأى تصنيف أبي حفص العكبري، وهو من شيوخ القاضي أبي يعلى، ومن أصحابنا الحنابلة، رأى شرحًا له أو تصنيفًا له في أسباب الحديث، ولعله هذا هو المقصود هنا. وعبر بفتح الباء، هذه منطقة من نواحي بغداد، هذه فقط فائدة، أن العكبري أي الأزجي، وهذه كلها مناطق كانت حول مدينة بغداد.

قال: «وهذا الحديث على ما قدمناه من الحكاية عن مهاجر أم قيس يدخل في هذا القبيل وينضم إليه نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه». كأنه عاد إلى فكرة، يعني يؤكد هنا في صورة مستقلة. قبل قليل ذكر فكرة مهاجر أم قيس، وابن دقيق فقط ليثبت أن الهجرة معناها من مكة إلى المدينة، هنا عاد فذكر هذه القصة كفائدة مستقلة.

«فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وهذا الحديث على ما قدمناه من الحكاية عن مهاجر أم قيس يدخل في هذا القبيل». مع أن عبارة ابن دقيق العيد هنا فضفاضة؛ هل ذكر أبو حفص العكبري في هذا الكتاب الذي اطلع عليه ابن دقيق قصة مهاجر أم قيس أنها سبب لورود الحديث؟ العبارة توهم ذلك، أنه وقف على أن هذه القصة سبب لورود الحديث في هذا الكتاب، لكنها ليست صريحة؛ لأنه يقول: «شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف».

كتابًا في أسباب الحديث، وقد وقفت على ذلك أو على شيء يسير منه. وهذا الحديث على ما قدمناه من الحكاية عن مهاجر أم قيس يدخل في هذا القبيل.

يعني أنت وقفت على هذه القصة، هل ذكرها صاحب الكتاب أم ترى أنه من هذا القبيل؟ ظاهر الكلام يقتضي أن تنظر إليها بزاوية أخرى؛ أنه يريد أن يقول: لقد وجدت بعض العلماء صنفوا في أسباب ورود الحديث، وقصة مهاجر أم قيس التي حكيناها لعلها من هذا القبيل.

لكن هل وجدتها في هذا الكتاب؟ هو لم ينص على ذلك، بل قال: «وهذا الحديث يدخل في هذا القبيل»، أي من جنس أسباب ورود الأحاديث الذي صنف فيه هذا المصنف المتأخر. لكنه لم يقل إنني وجدت هذه القصة في هذا المصنف، وكأنه يقول فقط إن هذا كان ينبغي أن يذكر، أو أنه من هذا الجنس من أسباب ورود الحديث، فانتبهوا. ونحن ناقشنا قبل قليل هل هي فعلاً سبب ورود الحديث في نقاش طويل، والأرجح عند المحققين أنها لم تثبت سبباً لورود الحديث.

وهنا سؤال لطيف ذكره الصنعاني، وهو أن العلماء الذين تكلموا عن قضية هل هذا الحديث سببه مهاجر أم قيس أم لا، اهتموا بمعرفة من هي أم قيس، فقالوا اسمها قيلة وقيل غير ذلك، لكنهم لم يهتموا بالبحث عن هذا المهاجر، مَن هو؟

قال الصنعاني: «فائدة، ولعل ذلك من باب الستر». فالمهاجر هو الذي صدر منه السلوك الخاطئ، ولكن أم قيس ليس لها دخل، فلذلك كان الأفضل عدم ذكره وعدم البحث عنه. ولذلك حتى الرجل الذي لم يحسن في صلاته، كما في حديث المسيء صلاته، لا أعلم أن العلماء اهتموا كثيراً بمعرفة مَن هو، مع أن قضية المبهمات من الرجال هذه في فن معروف في علم مصطلح الحديث، وهو البحث عن الاسم المبهم من الرجال أو النساء المذكورين في الأحاديث، لكنهم لم يهتموا به من باب الستر.

وبالتالي هذا أدب يتأدب به الإنسان من صنيع العلماء؛ فبعض الشباب إذا عرف أن أخاه لديه خطأ أو سلوك كذا، يظل عنده فضول البحث حتى يعرف مَن هو الشاب الذي لديه ذلك العيب، وهذا معيب في الرجال وفي طلب العلم؛ أن يبحثوا عن أسماء المبهمين الذين وقعوا في أخطاء. خلص، مبهم، خله مبهمًا ولا تبحث عنه، فقط.

ثم قال: «ومن كانت رجلته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها» -وفي بعض الروايات العجز: «امرأة ينكحها»- «فهجرته إلى ما هاجر إليه». أولاً كما قال هنا الصنعاني، أو امرأة يتزوجها، هذا من العطف الخاص على العام؛ فالدنيا عامة، والمرأة التي يتزوجها خاصة.

لماذا ذكرت المرأة دون غيرها؟ قالوا: لأنها من أشد الفتن على الرجال، فالرجل قد يفقد عقله وصوابه واتزانه في عشق النساء، فهي من أكثر المحركات، إن لم تكن أكثر محرك، قد تدفع الرجل إلى أن يهاجر من أجل الدنيا. والدنيا تشمل المال، والأعمال والوظائف، والنساء، ولكن الضاغط الرهيب الذي إذا تعلق بقلب الرجل دفعه إلى أن يهاجر ويرتكب الأهوال من أجل الوصول إلى المرأة، وهذا يعطيك كيف أن المرأة قد تكون سبباً في أن يفتد الرجل عن دينه؛ لذلك ذكرت على وجه الخصوص.

وكان فيه تنبيه أن النبي ﷺ قال: «احذروا أن يقودكم النساء»، أي أيها الرجال احذروا أن يقودكم النساء وتجعلوا أهواءكم تبعًا لأهواء النساء. وهذا كلام دقيق؛ فالنبي ﷺ في كثير من الأحاديث يقول: «اتقوا الدنيا»، ثم «اتقوا النساء»، يذكر الدنيا عموماً، ثم يذكر النساء على حدة، وهذا تأكيد أن أكبر الفتن التي قد تواجه الرجال هي النساء، كما أن أكبر الفتن التي قد تواجه النساء هي الرجال، فلا ينبغي التهاون في هذه القضايا كما يفعل العلمانيون والليبراليون في الواقع المعاصر من تهوين شأن هذه الفتنة، وأنها مجرد عقد جنسية عند المشايخ وأصحاب الأفكار المتدينة، بينما هم يفعلون الحرام ويعاقرونه ويختلطون وغرقوا في الشهوات، لكن أمام الإعلام يظهرون التجميلات بأننا لا نفكر في النساء ولا نفعل شيئاً من ذلك، وهذا من الهوى.

ثم قال: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال: لماذا استعمل الضمير هنا ولم يقل: «فهجرته إلى الدنيا» أو «المرأة التي أراد أن يتزوجها»؟ قالوا: تحقيراً لشأنها، فاستعمل «ما» والضمير؛ فليس هناك داعٍ لذكر ما هو حقير دنيء مثله لا يستحق أن يذكر، وهذا من بلاغة النبي ﷺ في التعبير في هذا المقام.

أيضاً فائدة ذكرها الصنعاني في قضية هل مهاجر أم قيس كان آثماً في هجرته من أجل أن يتزوج هذه المرأة؟ هو رجل حصلت له صورة الهجرة إلى المدينة، ونحن نتفق اتفاقاً أنه لم يحصل الثواب، لكن السؤال: هل هو آثم؟

مثل شخص ذهب إلى المسجد، ولماذا ذهب؟ قالوا له إن الشباب سيحضرون منديًا في المسجد، فالشباب كلهم رايحون يصلون إلى المسجد، والهجرة إلى المسجد للصلاة، وهذا الشخص في فعله ليس ذاهباً للصلاة، بل ذاهباً من أجل أن يأكل المندي، أو مثلاً في درس في المسجد، والكل ذاهبون من أجل حضور الدرس والاستفادة إلا هذا الرجل ذاهب فقط من أجل أن ينتظر الطعام الذي بعد المجلس. السؤال: هل هو من حيث إنه لم يحصل ثواب الحضور آثم؟ إلا إذا قلنا: «لا يشقى بجليسه»، كما في الحديث، ففلان جاء ولم يقصد الجلوس معهم، فقد تنزل عليه بركات، لكن لن يحصل على نية حضور مجلس العلم، وقضية أن يشمله الله برحمته وبركة هذا أمر آخر.

فنقول: هل مهاجر أم قيس كان آثماً أم هو فقط لم يحصل الثواب؟ هذا السؤال في الحقيقة المسألة فيه تفصيل، سواء هذا أخونا الذي ذهب إلى المجلس من أجل الأكل، أو مهاجر أم قيس الذي ذهب من مكة إلى المدينة من أجل أن يتزوج امرأة. وهذه أيضاً فكرة تكلمنا فيها قديماً؛ قضية أن الإنسان إذا عمل عملاً وقصد به غرضاً دنيوياً، هل يكون آثماً به؟ نقول إذا...

أظهر في ظاهر أمره أنه يريد الطاعة والخير والحسن، وفي باطنه يعلم أنه لا يريد ذلك. يعني إذا تصنع للناس، أنه والله الحمد لله أنا هاجرت إلى الله ورسوله وكذا وكذا، تصنع بالخير وأنه قاصد للخير، وفي باطنه لم يكن قاصدًا لذلك؛ فهذا إثم لأنه تظاهر بالصلاح وتشبع بما لم يعطَ، وفي واقعه ليس كذلك، وفي نوع من الكذب أصلًا.

أما إذا لم يتظاهر بالصلاح، ولم يتصنع، ولم يصرح ولم يقصد بأنه هاجر إلى الله ورسوله، فهنا حرم نفسه من الثواب لكنه ليس آثمًا. يقول هنا الصعاني، والذي يقتضي به النظر أن ترتب الإثم وعدمه على القصد؛ فإن قصد هذا مهاجر بخروجه طلب ما يحل له من النكاح، يعني هو هاجر من مكة إلى المدينة، خرج من أجل أن يتزوج بالحلال، فنقول لا إثم عليه، بس في النهاية ضيع ثواب الهجرة. يعني أنت إذا ضيعت ثواب الهجرة ولكنك ذهبت فتزوجت بالحلال، لا إثم عليه، وإن قصد التغرير والإيهام بخروجه في صورة من هو راغب في هذه الطاعة العظمى وهي الخروج من الأوطان حبا لله ورسوله، وقصد في الباطن غير ذلك، كان بهذا الإيهام آثمًا.

شوف، أحيانًا قد لا توهم بلسانك، قد توهم بتصرفاتك، وأنك رايح وجالس مجلس علم وماسك الكتاب ومعك كتاب شرعي، ومعك القلم ومجهز وعم تبري، مع أن كل فكرك في المجلس ليس في الكتاب، بل في المندي الذي بعد الدرس. نقول تصرفاتك؛ أنك أخذت كتابًا وقاعد تبري وعامل حالك من كذا ومرتب الشماغ، وشيخنا، ماذا هذه الإيهامات؟ أنت هنا آثم لأنك أظهرت للناس شيئًا أنك من أهل الخير والصلاح، وأبطنت شيئًا آخر، فهو نوع من الرياء ونوع من النفاق فتأثم عليه.

ولكن أنت لست صريحًا، لا أخذت كتابًا ولا أخذت شيئًا، وأي واحد يسألك تقول: أنا حاضر من أجل العلم، لا، أنا حاضر من أجل أن آكل معكم؛ هنا هو ضيع الثواب، لكنني لا أستطيع أن أؤثمه، لأن الإثم متوقف على الرياء، وأن يقصد الناس بالعبادة والنفاق، وأما الغرض الدنيوي فهو يضيع الثواب لكنه لا يوجب العقاب في الأصل؛ ما دام لا فيه رياء ولا نفاق ولا تشبع بما لم يعطَ.

أخيرًا، النقطة العاشرة في كلام ابن دقيق العيد رحمه الله، قال: فرق بين قولنا: «من نوى شيئًا لم يحصل له غيره»، وبين قولنا: «من لم ينوِ شيئًا لم يحصل له». قال: والحديث محتمل للأمرين، أعني قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».

السؤال الآن: ما هو الفرق بين الجملتين؟ بين «من نوى شيئًا لم يحصل له غيره» وبين «من لم ينوِ شيئًا لم يحصل له»؟ الجملة الأولى تركز على أن هناك شخصًا نوى شيئًا، فتريد أن تقول له: ما نويته لن تحصل سواه، يعني العمل الذي نويته لن تحصل ثواب عمل آخر سواه، كوننا نتكلم في الأمور الشرعية. وأما الجملة الأخرى «من لم ينوِ شيئًا لم يحصل له»، فهي تخبر ابتداءً؛ أي عمل لم تنوه لن تحصله.

إذن هناك فرق في الدلالة اللغوية والبيانية بين أن يكون مقصودي أن أقول لك: أي عمل نويته لن تحصل عملًا آخر معه، وبين أن يكون مقصودي أن أخبرك ابتداءً: كل شيء لم تنوه لن تحصله. ففي الحالة الأولى أنا أتكلم مع شخص نوى عملًا، فأعلمه أنه لن يحصل إلا ثواب وأحكام هذا العمل ولن يحصل ثواب وأحكام أعمال أخرى، بينما في الجملة الثانية أنا أتكلم مع شخص هو لم يعمل شيئًا بعد، ماذا أقول له؟ ما لم تنوه لن تحصله.

واضح الفرق بين الجملتين، فهو يقول لك من دقيق العيد: والحديث محتمل للأمرين، أين الحديث المحتمل للأمرين؟ قال أعني قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». الذي يظهر والله أعلم أن جملة «إنما الأعمال بالنيات» هي تفسيرها وشرحها للجملة الثانية «من لم ينوِ شيئًا لم يحصله»؛ لأنه ما معنى الأعمال؟ خلونا الآن على رأي الجمهور، بل رأي ابن تيمية، أن الأعمال إنما وجودها بالنيات.

إذن ما معناها؟ أنه إذا لم تكن هناك نية، فمن لم ينوِ شيئًا لن يحصل عمل، سواء في الوجود الحسي أو على طريقة الجمهور المتأخرين في الوجود الشرعي؛ لأن الأعمال وجودها بالنيات، فمن لم ينوِ شيئًا لن يحصل له عمل. والجملة الثانية «وإنما لكل امرئ ما نوى» هي التي تشرح الجملة الأولى التي قالها ابن دقيق «من نوى شيئًا لم يحصل له غيره»، لأن الحصر هنا؛ أي أن لكل شخص منكم ما نواه، ولن يحصل بالتالي ما لم يدخل في حيز نيته. فهنا العمل الذي نويته هو الذي تحصل عليه دون ما سواه.

فالجملة الثانية تخبر عن شخص نوى، فتقول له: العمل الذي نويته هو الذي ستحصل عليه ولن نعطيك ما لم تنوه، فأنت محصور في دائرة نيتك، وجائزتك وأحكامك محصورة في دائرة نيتك وليس في ما هو خارج عنها.

الآن ماذا يقول بعد ذلك؟ قال: وآخر الحديث يشير إلى المعنى الأول، يقصد التمثيل، ماذا قال؟ «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله»، ثم قال الجملة الأخيرة بالضبط: «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها». هذا المثال لا يقول لشخص: أنت لم تنوِ شيئًا لم تحصله، لا، هنا في هذا المثال الأخير النبي ﷺ يخبر عن شخص عمل عملًا ونوى به نية، فيقول له: إذا كانت هجرتك إلى دنيا تصيبها أو امرأة يتزوجها، فالهجرة إلى ما هاجر إليه، أنت لن تحصل إلا ما نويته دون ما لم تنوه، فهذا معنى أن من نوى شيئًا لم يحصل له غيره؛ فلا يمكن لشخص هاجر إلى دنيا يصيبها أن أعطيه ثواب الهجرة إلى الله ورسوله.

ثواب هجرته إلى الله ورسوله، ثوابك أو عقابك. إذا أخذنا المعنى العام، لأن الحديث على رأي المتقدمين يشمل الثواب أو العقاب؛ فيقول: ما تحصله من الله وفقط ما نويته، فلا تطمع أن يعطيك شيئًا أنت لم تنوه، فهذا معنى قوله، وآخره يشير إلى المعنى الأول.

فكأنه أقول -والله أعلم- يرى أن المقصود أصالة من الحديث هو المعنى الأول؛ أن يخبرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه من نوى شيئًا فلا يطلب غيره. وذكر الجملة الأولى «إنما الأعمال بالنيات»، والتي تدل على أن العمل وجوده متوقف على النية.

وبالتالي دون نية، من لم ينوِ لن يحصل هذا. كلام عن فلسفة وجودية أو شرعية على باب دقيق، توطئة للمعنى الأساسي المقصود؛ فالتمثيل لما جاء على المعنى الذي تدل عليه العبارة الثانية كان في إشارة إلى أن هذا هو المقصود ابتداءً، وذاك هو المقصود تبعًا. والله تعالى أعلم.

ونكتفي اليوم بهذا، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.