بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم أيها المتابعون عبر أكاديمية غراس لهذه الدورة العلمية في شرح كتاب عمدة الأحكام. كتابنا الذي نتدارسه هو عمدة الأحكام في شرح أحاديث سيد الأنام، من إملاء الحافظ المدقق الفقيه الإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله تعالى.
نشرع اليوم مستعينين بالله الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ».
وإن أنصح الأخوة الذين يشرعون معنا في مدارسة هذا الكتاب في حفظ هذه الأحاديث، فالأحاديث المنتقاة في هذا الكتاب أحاديث مختصرة في متناول اليد، والإمام الحافظ عبد الغني المقدسي عليه رحمة الله يختصر حتى رواية الحديث نفسها، يعني متن الحديث يكون أحياناً في اختصار لنفس المتن أو اختصار للقصة التي ورد فيها الحديث، فهو مختصر جيد نافع لمن يريد أن يعرف أصول الأدلة.
لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. بدأ ابن دقيق العيد في ترجمة راوي الحديث أبي هريرة فقال عليه رحمة الله: "في اسمه اختلاف شديد". نعم، اختلفوا على أكثر من ثلاثين قولاً في اسم أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، حتى قال الحافظ أبو أحمد الحاكم: "أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر". وأما ابن عبد البر فيقول: "لا يصح في اسمه ونسبه مع الخلاف الكبير الذي فيه شيء". تخيل ابن عبد البر صاحب كتاب الاستيعاب ماذا يقول: "لا يصح"، قصده لا يثبت في اسمه ونسبه مع الخلاف الكبير الذي فيه شيء.
وقال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ: "كان اسمه في الجاهلية، كما هو متداول في القصص، كان اسمه عبد شمس والنبي ﷺ غيره إلى عبد الرحمن". ولماذا كني بأبي هريرة؟ هل الذي كناه والده أو النبي ﷺ؟ هنا أمور كثيرة تذكر الله تعالى أعلم بصحتها، لكن ابن دقيق العيد قال: "وأشهره عبد الرحمن بن صخر".
أسلم عام خيبر في سنة سبع من الهجرة، ورد في عام خيبر، وقيل إنه لما جاء في ليالي خيبر، ماذا قال لما وصل إلى المدينة أو إلى النبي ﷺ؟ قال: «يا ليلة من طولها وعنائها، على أنها من دار الكفر نجتني». لما خرج مهاجراً من أراضي دوس من أراضي قبيلته وجاء النبي ﷺ وصل في ليالي خيبر، فقال: «يا ليلة من طولها وعنائها، على أنها من دار الكفر نجتني».
الظاهر أن الهجرة كانت متعبة، لكن بقول "الحمد لله أننا افتكينا من دار الكفر"، وشوف الإنسان الذي يهاجر إلى الله ورسوله ويدفع الثمن ويسر بهذه الهجرة. اليوم لما تتكلم مع الناس على قضية الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام يحسبها حسابات طويلة مادية، ماذا سيصير معي؟ ماذا عن وظيفتي؟ أبو هريرة يدرك أن كان هناك تعب في قرار الهجرة عموماً، لكنها الحمد لله التي نجت الإنسان من داره الكفر. الإنسان الذي ينظر إلى آخرته ليس كالإنسان الذي يتعلق بدنيا.
قال: «ولزم النبي ﷺ»، وكان من أحفظ الصحابة وهو من أكثرهم رواية كما هو معلوم لديكم، سكن المدينة وتوفي بها. قال خليفة -يقصد خليفة بن خياط المشهور المؤرخ صاحب كتاب الطبقات- مات سنة 57. وقال الهيثم بن عدي -وهذا أحد المؤرخين- يقول مات سنة 58 من الهجرة. وقال الواقدي -والواقدي أيضاً إمام معروف في السياق، مختلف في حاله اختلافا كبيراً وقد مر معنا كثير من أمره ومناقشة حاله في دراسة كتاب عيون الأثر- قال الواقدي: توفي سنة 59.
إذن هناك خلاف، متى توفي أبو هريرة عليه رحمة الله؟ 57 هجري، 58 هجري، 59 هجري. وابن دقيق العيد يقول: "قال الواقدي: سنة 59 وهو الأصح"، وهو ابن 78 سنة. عاش أبو هريرة عليه رحمة الله طالباً للعلم، مقبلاً على الخير، عابداً عالماً، من أئمة أمة الصحابة في العبادة، ومن أئمة الصحابة في العلم ورواية الحديث عليه رحمة الله.
بعد ذلك نشرع في التعليق على متن الحديث، ثم الكلام عليه من وجوه. الوجه الأول، واللحظ هنا التحليل للألفاظ الذي سيبدع فيه ابن دقيق العيد؛ هناك لفظتان أساسيتان في هذا الحديث: القبول والحدث، لا بد أن نحللهما من الناحية الفقهية.
قال: «لا يقبل الله صلاة أحدكم»، قال القبول. أحدها القبول وتفسير معناه، قال: "قد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة". جماعة من أهل الفقه المتقدمين ماذا قالوا؟ إذا ورد في حديث من الأحاديث نفي القبول عن صلاة، عن صيام، عن عمل من الأعمال التعبدية، نفي القبول قالوا: يدل على نفي الصحة، فيكون العمل باطلاً ليس صحيحاً. إذن استدل جماعة من المتقدمين بمجرد أن يرد في الحديث انتفاء القبول: «لا يقبل الله صلاة أحدكم»، «لا يقبل الله صلاة فلان»، استدلوا بمجرد أن ينفي النبي ﷺ القبول على انتفاء صحة هذا العمل، فيكون العمل باطلاً.
ممتاز، قال كما فعلوا في قوله ﷺ على ما روي: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، أي من بلغت سن المحيض؛ لأن كلمة "حائض" هنا ليس المراد من هي في الحيض، لأن التي هي الآن حائض هذه لا يمكن أن تصلي أصلاً، فالمراد حائض بمعنى بالغ، يعني لا يقبل الله صلاة امرأة بالغ، ولما كانت المرأة في العادة تبلغ بالحيض عبر عنها بالحيض. إذن لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت سن المحيض، أي امرأة بالغ، إلا بماذا؟ بخمار.
والخمار إخواني في العرف اللغوي القديم هو غطاء الرأس، ويستعمل بعد ذلك لتغطية الوجه، هذه قضية أخرى، لكن هو في الأصل الخمار لغطاء الرأس. من هنا تعرف جهل بعض الذين يتكلمون اليوم في لماذا القرآن لم يذكر الحجاب للمرأة، باعتبار أنهم يرون أن كلمة الحجاب هي المعنى غطاء الرأس، ولا يعرفون أن كلمة الحجاب أصلاً المراد بها في العرف اللغوي القديم وفي القرآن الستر، وأن حتى آية الحجاب المراد بها الستر، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]. المراد بالحجاب الستر بين الناس، وإلا فغطاء الرأس في الاستعمال اللغوي في عرف الصحابة والسلف يسمى خماراً. تمام.
فهنا لما قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، قال: المقصود بهذا الحديث الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في صحة الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلاً على انتفاء الصحة.
هو الآن يقول مثلاً: حديث «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، ماذا فهمنا منه جميعاً؟ لا يقبل الله صلاة حائض، أي امرأة بلغت المحيض، أي امرأة بالغة، لا يقبل الله صلاتها حتى تستر شعرها. ما معنى لا يقبل هنا؟ الاتفاق العام أن معنى لا يقبل يعني لا تصح. فقالوا كما هنا ورد: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، ونفي القبول معناه نفي الصحة.
فإذا أصبح هناك عند المتقدمين أن المقصود أيضاً بهذا الحديث، وهو حديث الباب: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، والمقصود بهذا الحديث -أي حديث الباب وليس حديث الحائض- فالمقصود بهذا الحديث الذي معنا هو الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في صحة الصلاة؛ فلما يقول: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، إذاً ما المراد؟ أن الوضوء أو الطهارة من الحدث شرط في صحة الصلاة، لأن المعنى لا يقبل يعني لا يصح، ونفي القبول يعني نفي الصحة، فلا تصح صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. فأخذ من هذا الحديث أن رفع الحدث الأصغر شرط من شروط صحة الصلاة.
قال: ولا يتم ذلك إلا بأن يكون... هذا الفهم لا، انظر إلى التحليلات الدقيقة ماذا بدأت. هذا الفهم أن نفهم أن الوضوء ورفع الحدث شرط من شروط الصلاة ولا تصح الصلاة إلا به، من أين أخذت هذا الفهم؟ من نفي القبول. صحيح، أنت أخذت هذا الفهم من نفي القبول.
يقول ابن دقيق العيد: «هذا الاستدلال الفقهي الأصولي لا يتم إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلاً على انتفاء الصحة». كلامه صحيح؛ إذا كنت تريد أن تستنتج من هذا النص أن الطهارة من الحدث الأصغر شرط من صحة الصلاة، لا يتم هذا الاستدلال إلا إذا أثبتّ أن نفي القبول يساوي أو يلازم أو يؤدي إلى نفي الصحة.
هل هناك احتمال آخر يا شيخ؟ طبعاً في احتمال آخر، خلينا نكمل. قال: «ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول...» أن ينفي لك القبول دليلاً على انتفاء الصحة. ماذا يقول ابن دقيق؟ قال: «وقد حرك المتأخرون في هذا بحثاً»، يعني المتأخرون من المشغلين بشروح الحديث والفقهاء بحثوا في هذه المسألة: هل فعلاً نفي القبول في أي نص نبوي عن أي فعل هو دليل على نفي صحته؟
لماذا حركوا هذا البحث؟ قالوا: لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع من الأحاديث النبوية مع ثبوت صحة العمل؛ يعني عندنا أحاديث نفي فيها القبول مع بقاء العمل صحيحاً في ميزان الشريعة. مثال ذلك كالعبد إذا أبق، حديث: «لا يقبل الله صلاة العبد الآبق». العبد الآبق من هو؟ العبد الهارب من سيده، إذا هرب العبد من سيده فهذا حرام في الإسلام، فإذا هرب من سيده، ما هي عقوبته؟ قال النبي ﷺ: «لا يقبل الله صلاة العبد الآبق».
السؤال: ما معنى لا يقبل الله صلاة العبد الآبق؟ هل يعني حتى يعود إلى سيده، هل معنى خلال فترة هروبه لو صلى صلاته غير صحيحة؟ إذا كنت تقول صلاته غير صحيحة فمعناها سنطالبه بالقضاء لأنها صلاة باطلة، هل هذا هو المراد؟ أم المراد أنه لو صلى صلاته صحيحة من حيث الحكم الوضعي، لكن لا تقبل بمعنى لا يرضى الله عنها ولا يثيبه عليها؟ فنفي القبول معناها نفي الرضا ونفي الثواب، وليس معنى نفي الصحة.
نفس الشيء أيضاً لما ورد فيمن أتى كاهناً أو عرافاً: «لم تقبل له صلاة أربعين يوماً»، وكذلك ما ورد في شارب الخمر: «أن من سكر لم تقبل له صلاة أربعين يوماً». هذه كلها أحاديث وردت في هؤلاء. قالوا: هذه الأحاديث المعروف عند أهل العلم أنه ليس المراد أن السكران أو من شرب مسكراً خلال أربعين يوماً إذا صلى فصلاِته باطلة، إذ لم يرد عن النبي ﷺ أو عن أحد من الصحابة أو السلف أنهم أمروا السكران أو من أتى عرافاً أن يقضي صلاة أربعين يوماً، ما ورد أنه أمره بقضائها، وهذا يدل على أن صلاته من حيث الحكم الوضعي صحيحة.
كيف نفهم نفي القبول عنها؟ قالوا: إذاً لابد أن نفي القبول أحياناً يراد به معنى آخر غير نفي الصحة. فقالوا: «فإن أريد تقرير الدليل على انتفاء الصحة من انتفاء القبول فلا بد من تفسير معنى القبول». الآن بدأ بالعمق، يقول بالتالي: ما دام ورد في أحاديث نبوية نفي القبول مع بقاء الصحة، وإذا أردت تقرير الدليل على انتفاء صحة العبادة من خلال انتفاء القبول عنها، فلا بد من أن تفسر معنى القبول.
إذاً صار عندنا الآن مشكلة أصولية استدلالية نريد أن نصل فيها إلى قرار. إذا أردت أن تستدل بحديث نبوي على انتفاء صحة العبادة مع أن لفظ الحديث هو نفي القبول، أصبحت تحتاج أن تقرر ماذا تقصد بالقبول. أنا أريد أن أستدل بنفي القبول، هنا في حديث الباب «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، أنا أريد أن أستدل بنفي القبول على انتفاء الصحة. هذه القاعدة، أن نفي القبول يدل على انتفاء الصحة، أصبحت تحتاج إلى تحرير؛ لماذا؟ لأنه ورد نفي القبول في أحاديث أخرى وكان نفي القبول لا يعني نفي الصحة، إذاً المسألة أصبحت تحتاج إلى تحرير.
فقال: «فلا بد من تفسير معنى القبول». طيب ما هو القبول؟ خلينا نحاول نفسره. قال: «وقد فُسر بأنه أي القبول ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء»، وهذا قريب من معنى الصحة ومعنى الإجزاء، مش ترتب الآثار المقصودة من العقد، كما نقول في تعريف الصحة في المعاملات. وعموماً يمكن أن نجعل هذا تعريفاً عاماً للصحة: الصحة هي ترتب الأثر المقصود من العبادة أو المعاملة عليها. والقبول هنا بماذا فُسر؟ ترتب الأثر المقصود أو المطلوب من العبادة أو العقد عليه.
فإذا فسرنا القبول بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء؛ ما هو الغرض من العبادة؟ سقوط القضاء في الدنيا، وفي الآخرة الثواب. وما هو الغرض من المعاملة؟ انتقال ملكية السلعة مثلاً إلى المشتري، وملكية الثمن إلى البائع، أليس هذا هو الغرض؟ فيقول: «ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء».
يمكن أن يفسر به القبول فعلاً، فيقال مثلا: قبل فلان عذر فلان، ما معنى قبل فلان عذر فلان؟ قال: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب. ما معنى أنا قبلت عذرك؟ قبلته يعني رتبت الأثر المطلوب من اعتذارك. ما هو الأثر المطلوب من اعتذاري؟ أنك تسامحني وتعفو عني، هذا هو الأثر المطلوب. فلما أقول لك قبلت عذرك، إذا أنا رتبت الأثر المطلوب من اعتذارك وهو أنني سامحتك وعفوتك.
قال: فإذا ثبت ذلك، أنه هذا هو معنى القبول في هذا السياق. فيقال مثلا في هذا المكان، في هذا الحديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». الغرض من الصلاة ما هو؟ ما هو الغرض من الصلاة؟ ما هو الأثر المترتب الذي نريد تحصيله من الصلاة؟ قال: وقوعها مجزئة بمطابقتها للأمر.
طبعاً عندنا إشكال برضه، ما هو الإجزاء؟ سنأتي على الخلاف الأصولي إذا تتذكرون ما بحثناه؛ في لغة الرسول، ما معنى الإجزاء؟ وهو أيضاً موافقة الأمر أو سقوط القضاء. بس يهمني كثيراً الآن هي التفاصيل، اتركها الآن؛ سقوط القضاء، سأمشى على أنها سقوط القضاء، ويمكن تفسرها أيضاً بموافقة الأمر، برضه يمشي الحال.
قال: فإذا ثبت ذلك، فيقال الغرض والأثر المطلوب تحصيله من الصلاة ما هو؟ وقوعها مجزئة بموافقتها أو بمطابقتها للأمر. فإذا حصل هذا الغرض، معناها ثبت القبول؛ لأننا ماذا أخذنا عن القبول؟ ترتب الأثر المطلوب من الشيء على الشيء. فبنجي نحكي عن الصلاة، الصلاة ما هو الأثر المطلوب فيها؟ أن تكون مجزئة مطابقة للأمر. إذا حصل أن الصلاة مجزئة مطابقة وموافقة للأمر، معناها بناءً على هذا حصل القبول.
ينبغي أن يكون حصل القبول، فإذا حصل هذا الغرض معناها ثبت القبول على ما ذكر من التفسير، يعني على ما ذكر من تفسير القبول؛ أن القبول هو ترتب الأثر المقصود من الشيء على الشيء. فإذا الصلاة حصلت مجزئة مطابقة للأمر، إذا حصل القبول، هذا هو التلازم. وإذا ثبت القبول على هذا التفسير للقبول، فلا بد وأن تثبت الصحة. باختصار، إذا فسرنا القبول بما ذكره، ترتب الأثر المطلوب من الشيء على الشيء، فهنا القبول ملازم للصحة؛ فإذا نفي القبول نفينا الصحة، واضحة؟ وإذا انتفى القبول على هذا التفسير ستنتفي الصحة. صارت قاعدة إذا فسرنا القبول بهذا التفسير: ترتب الغرض المطلوب من شيء على شيء، لأنه حقيقة هذا التفسير هو نفسه تفسير الصحة، فهو ملازم للصحة لا يعدو ذلك.
لكن ما هي المشكلة؟ قال: وربما قيل من جهة بعض المتأخرين، إن القبول ليس بالتفسير السابق، الآن سيعطي تفسيراً آخر لكلمة القبول. فيقول: إن القبول معناه كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها. هنا صار معنى القبول غير منحصر في قضية ترتب الثواب والدرجات في الآخرة والإجزاء، وهو كون العبادة مطابقة للأمر. فصار هنا في انفصال بين مفهوم الإجزاء -والإجزاء هنا سيكون منحصر في الدنيا- وبين مفهوم القبول، والقبول سيكون أمراً أخروياً متعلقاً فقط بالثواب ورضا الله سبحانه وتعالى عنك.
فهنا ما عادوا متلازمين؛ هذا تفسير لبعض المتأخرين أن القبول معناه أن العبادة فيها ثواب ويوم القيامة إن شاء الله ربنا سيعطيك عليها الدرجات العلى، وأما الإجزاء فمعناه أنها العبادة وقعت موافقة للأمر الشرعي. طيب، والمعنيان في هذه الحالة ماذا؟ والمعنيان إذا تغايرا وكان أحدهما أخص من الآخر، لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، صحيح؟
الآن في هذه الحالة، على هذا التفسير الثاني، ما هو الأخص؟ الإجزاء والصحة أم القبول؟ صار القبول أخص، دائرة صغيرة، والصحة والإجزاء دائرة كبيرة. ليه؟ لأن حصول الثواب يستلزم وجود الصحة، لكن ليس دائماً؛ إذا وجدت الصحة معناها سيحصل الثواب، ممكن أقول لك أيها العبد: ألبس صلاتك صحيحة مجزئة من حيث الحكم الدنيوي، لكن لن أثيبك عليها. نفس الشيء يا شارب الخمر، أنت مطالب بالصلاة أربعين يوماً، صلاتك مجزئة لأنها وقعت موافقة للأمر، ما معنى موافقة للأمر؟ مستكملة للشروط والأركان، أتيت بشروط الصلاة وأركانها فهي موافقة للأمر، لكن لن أثيبك عليها عقوبة على شربك للخمر.
ممتاز، فالدائرة الكبيرة أصبحت هي الصحة والإجزاء، وفي داخلها دائرة صغيرة هي القبول. فنفي الأخص وهو القبول، وهو نفي الثواب، لا يستلزم نفي الأعم وهو صحة العبادة. إذا قلنا القبول هو الثواب، نفي الثواب لا يستلزم نفي الصحة، صح؟ لكن نفي الصحة عن أصل العبادة الأصل أن يستلزم نفي الثواب عنها.
فيقول: وبناءً على هذا، إذا تغايرا المعنيان وكان أحدهما أخص من الآخر لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، والقبول على هذا التفسير الثاني أخص من الصحة؛ لأن الصحة والإجزاء هنا بنفس الدلالة يستعملها، فلما قال والإجزاء كونها مطابقة للأمر، اكتب الإجزاء هي الصحة نفسها، يستعمل هنا ابن دقيق العوام. إذاً الصحة والإجزاء، قال: «فإن كل مقبول صحيح على التفسير الثاني، ولكن ليس كل صحيح يلزم أن يكون مقبولاً»، بمعنى أنك مثاب عليه. هذا هو التفسير الثاني للقبول.
إذا أنت الآن لما تريد أن تلخص، يجب أن تكتب: القبول له معنيان؛ معنى أول ذكره وهو ملازم للصحة، ومعنى ثانٍ وهو أخص من الصحة. تمام، ثم قال: وهذا إن نفع هذا المعنى الثاني، وهو أن المراد بالقبول فقط نفي الثواب، وإن كان ينفع في تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول مع بقاء الصحة؛ يقصد أحاديث العبد الأبِق، وحديث العراف، وحديث السكران. هذا يخدمكم في تلك الأحاديث، لأنه بقاء الصحة مع انتفاء الثواب يخدمكم في تلك النقطة.
قال: فإنه يضر في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة كما حكينا عن الأقدمين. يعني نقول: شوف تفسير القبول أنه مجرد نفي الثواب، هذا يخدم في أحاديث العبد الأبِق، بس لا يخدم في مثل هذا النوع من الأحاديث التي معنا الآن، حديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». بالعكس، هذا يضر، هذا التفسير الثاني للقبول سيضر.
قال: سيضر، من قال؟ قال: فإنه يضر في استدلال المتقدمين. المتقدمون من علمائنا استدلوا بهذا الحديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» على انتفاء الصحة. فبنقول: إذا فسرنا القبول بمعنى فقط نفي الثواب، هذا التفسير سيضر على استدلال المتقدمين؛ لأنه سيصبح هذا الحديث لا يدل على ماذا؟ على عدم صحة صلاة المحدث، سيصبح يدل على ماذا؟ أنه فقط لا ثواب عليها، لكن لن يلزم منه أنها غير صحيحة، سيكون المعنى لا يقبل، يعني لا يثيب الله على صلاة المحدث حتى يتوضأ، بس كونه لا يثيب...
عليها لا يعني أنها غير صحيحة. قول لك هنا صارت مشكلة إذا سنفسر القبول دائماً بنفي الثواب، فيقول هذا التفسير سيضر في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة كما حكيناه عن الأقدمين. مع أن هي طريقة الأقدمين من العلماء، اللهم إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفت -عفواً فإذا انتفى- فيصح الاستدلال حينئذ بنفي القبول على نفي الصحة.
ويحتاج في الأحاديث التي نفي فيها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج. ماذا يريد أن يقول؟ يعني المتقدمون ممكن يسلموا للمتأخرين بأن القبول معناه نفي الثواب، بس إيش؟ شوف الكلام الدقيق: المتقدمون ممكن يسلموا للمتأخرين أنه نفي القبول معناه نفي الثواب، لكن ماذا سيقولون؟ نحن نسلم لكم هذا تنزلاً أو تسليماً، ما عندنا مشكلة، لكن عندنا ما يدل على التلازم، وهو أنه متى نفي القبول نفي الثواب فهو دليل على انتفاء الصحة.
ها، سلمنا أن القبول معناه الثواب، بدي أقنع شخصية أحد المتقدمين الآن: سلمت لكم يا أيها المتأخرون أن القبول معناه الثواب فقط مش المعنى الأول، لكن عندي الدليل. ها، شايف؟ قال: إلا أن يقال دل الدليل على كون القبول بالمعنى الثاني، الثواب، هو من لوازم الصحة متلازم. بالتالي ما عادت العلاقة علاقة أخص وأعم، لا، صارت العلاقة علاقة تلازم. ركز هنا على هذا التفسير، حتى لو قلنا إن القبول بمعنى الثواب، المتقدم يمكن يقول: أنا أسلم لك أن القبول بمعنى الثواب، لكن ليست العلاقة بينه وبين الصحة علاقة أخص وأعم، لا، علاقة تلازم لا ينفك؛ فمتى نفي القبول نفي الثواب فهذا يعني انتفاء الصحة.
بس هكذا قام الدليل عندي من خلال استقراء إلى الكتاب والسنة مثلاً، قال: فإذا انتفى القبول بمعنى الثواب انتفت الصحة. فيصح إذا ثبت هذا التلازم، إذا استطعتم أن تثبتوا التلازم فيصح إذاً الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة وإن كان القبول بمعنى الثواب. صحيح، وإن كان القبول بمعنى الثواب، يعني كأنه يقول: إن نستدل بنفي القبول على انتفاء الصحة يمكن بطريقتين.
الطريقة الأولى أن نقول إن القبول -بتفسيره الأول- ترتب الأثر المقصود من العبادة عليه، وهنا القبول أصلاً سيكون تقريباً هو نفس الصحة. ويمكن حتى على الطريق الثاني، حتى لو قلنا القبول هو الثواب، فيمكن أن أستدل بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، بس بشرط أن أقيم الدليل على أنه متى انتفى الثواب فإن المراد انتفاء الصحة. عندك طريقتين في التفكير.
قال: ويحتاج... طبعاً إذا فكرنا هكذا، حديث العبد الأبِق، وحديث السكران، وحديث من أتى عرافاً، حينئذ إذا قلنا نفي الثواب يلزم منه نفي الصحة، سنحتاج في تلك الأحاديث التي نفي فيها الثواب مع بقاء الصحة، تلك الأحاديث هي التي تحتاج إلى تأويل أو تخريج، هي التي ستصبح تحتاج إلى تأويل لأنها ستصبح هي التي خرجت عن القاعدة، وليس أنا الذي خرجت عن القاعدة، والذي يخرج عن القاعدة هو المطالب بالدليل. واضح الكلام.
قال: على أنه يرد على من فسر القبول بكون العبادة مثاباً عليها أو مرضية، اللي هو المعنى الثاني أو ما أشبه ذلك، إذا كان مقصوده بذلك أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة. الآن رجع للمتأخرين؛ المتأخرون لا يرون أن نفي القبول بمعنى الثواب يلزم منه نفي الصحة، هذا على طريقة المتقدمين ممكن يضبط، لكن على طريقة المتأخرين عندهم نفي القبول قول لك لا يلزم منه نفي الصحة، فإذا نفي الثواب عندنا لا يلزم منه نفي صحة العبادة.
ماذا يرد على هؤلاء؟ يرد على من فسر القبول بكون العبادة مثاباً عليها إذا كان مقصوده بأنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، ماذا يرد عليه؟ أن يقال له: إن القواعد الشرعية -ويقصد بالقواعد الشرعية هنا النصوص- تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر، يعني صحيحة، كانت سبباً للثواب والدرجات، والأجزاء والظواهر في ذلك، يعني النصوص في ذلك لا تحصى. ماذا يريد أن يقول لهم؟ يريد أن يقول للمتأخرين: قولكم إن نفي القبول لا يستلزم نفي الصحة يتعارض مع ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، اللي هو يسميها القواعد التي تدل على أن العبادة إذا وقعت صحيحة كانت سبباً لحصول النتيجة وهو الثواب والدرجات. فكيف تقولون إنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة؟
لكن حقيقة هذا يمكن أن يجاب عليه، نقول: نعم، نصوص الكتاب والسنة تقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. صحيح، كثير من النصوص الشرعية تتكلم أن من عمل صالحاً فعندئذ يترتب عليه الثواب، وأن يكون العمل صالحاً لا بد فيه من إخلاص النية وموافقة الأمر، بشروط ضوابط العمل الصالح. في باب العقائد إذا أنت استقرأت نصوص الكتاب والسنة أنه عملوا الصالحات، بعد ذلك يترتب لهم الثواب، هذا ما يقصده؛ أن القواعد الشرعية، كل النصوص التي رتبت الثواب على العمل الصالح، ما هو العمل الصالح؟ لا يكون العمل صالحاً حتى يكون مخلصاً لله وموافقاً للأمر. إذاً أنت لن تحصل ثواباً إلا إذا كان عملك موافقاً للأمر.
بس هنا ماذا يمكن يناقش ابن دقيق العيد؟ سيقولون لك: صحيح، العمل الموافق للأمر، العمل الصالح الخالص الموافق للأمر، هو سبب في حصول الثواب. كأنك يا ابن دقيق تريد أن تقول لنا فهذا يقتضي التلازم الدائم. نقول: لا، لأنه السبب قد لا ينتج مسببه في أصول الفقه إذا وجد مانع. أليس إذا وجد المانع فإن السبب -وإن كان سبباً- لكنه لا ينتج مسببه؟ فهذا الاعتراض قد يتملصون منه، يعني كأنهم يقولون للمتأخرين: أنت لا تلزمنا كون أن ما وقع مطابقاً للأمر هو سبب للثواب والدرجات، هذا لا يلزم منه التلازم دائماً بينهما، فإن السبب قد يتخلف عنه مسببه إذا وجد مانع.
فالعبد الأبِق لما صلى، الأصل أن صلاته التي وقعت بشروطها وأركانها الأصل أنها سبب لحصول الثواب، نحن متفقون معك، لكن لم يحصل الثواب بسبب ماذا؟ مانع خارجي، وهذا المانع ما هو؟ معصيته التي ارتكبها. ومن له أحقية أن يضع الموانع؟ الله سبحانه وتعالى، هو الذي وضع المانع لست أنا من اقترحه. فاعتقادي أنه قوله إذا كان مقصوداً أنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، أنه سيرد عليه بأن القواعد الشرعية تقتضي أن العبادة إذا وقعت صحيحة فهي سبب للثواب والدرجات، والأجزاء والظواهر في ذلك لا تحصى. نقول أنت يمكن تجيب أن هذا حقيقة لا.
يرد أنه يمكن التملص منه بأنه ليس تلازماً، وإنما هو سبب؛ فالأصل ينتج مسببه، ولكن متى وجد المانع انفصل.
ولذلك هنا في كلام جميل ذكره الصنعاني عن ابن العربي المالكي، ماذا يقول ابن العربي المالكي في هذه المسألة؟ الصنعاني في الحاشية قال: "ابن العربي المالكي: القبول في لسان السلف الرضا". إذاً كأنه يقول لك إن تفسير القبول بالثواب والرضا ليس فقط كلام المتأخرين، بل هو يثبت أن هذا كلام السلف أصلاً. القبول في لسان السلف معناه الرضا؛ يقال قبلت الشيء بمعنى رضيته وأردته والتزمت العوض عنه، فقبول الله العمل أصل معناه هو رضاه به وثوابه عليه، وهذا هو المعنى الأقرب للقبول.
انظر إلى كلامه، فإنه يفسر القبول بمعنى رضا الله وثواب الله، وربما يكون هذا أقرب إلى الذهن من تفسير القبول بنفس معنى الصحة والإجزاء. قال: "وكذا فسر صاحب المشارق والنهاية -وهذه كلها كتب القاضي عياض وابن الأثير- القبول بالمحبة والرضا". إذا فتحت "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير ستجد أن القبول بماذا يفسر؟ بمعنى الرضا، وهذا هو المعنى الدارج لكلمة القبول.
ثم يقول ابن العربي: «والذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها، وكونها مستوية في نفي القبول، فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض... فإنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة». هذه أول قاعدة، ماذا يقول ابن العربي؟ لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، إذاً هو نفى التلازم.
لكن انظر إلى طريقته، كيف قال: «لكننا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول، فإن كان ذلك العمل الذي نفي عنه القبول -زي صلاة الأبِق- اقترنت به معصية في النص، علمنا أن عدم القبول إنما هو لوجود تلك المعصية، فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضي، لكنه صحيح في نفسه لاجتماع الشروط والأركان فيه، وذلك كصلاة الأبِق ومن ذكر معه من الآتي عارياً ومن سكر».
كل حديث نفي فيه القبول عن صلاة أو عن صيام، انظر إليه؛ إذا كان نفي القبول سببه وجود معصية، فسنستدل به مباشرة على أن نفي القبول لا يعني هنا انتفاء الصحة، فالعبادة صحيحة لكن نفي القبول هو فقط نفي الثواب عنها بسبب المعصية. قال: «فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم؛ الأبِق والسكران؛ للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم».
أما الحالة الثانية فقال: «وإن لم يقترن بذلك العمل معصية...» كالأحاديث التي معناها: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث»، و«لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». لاحظ أن نفي القبول هنا مع عدم وجود معصية في الحديث، قال في هذه الحالة: «وإن لم يقترن بذلك العمل معصية، فعم قبولها...»، هنا يكون إنما هو لفقد شرط من الشروط، فهو غير صحيح؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وهذا كصلاة المحدث، فعدم قبول صلاة المحدث إنما هو لأن ضد الحدث الذي هو الطهارة شرط في صحة الصلاة ولم يقم بعد.
حقيقة كلام ابن العربي كلام متوازن في درجة عالية، وابن العربي مرتبته متقدمة حقاً في الشروح، ومرتبته لا تقل عن مرتبة ابن دقيق العيد، وهو ذكي شروحه عموماً فيها نوع من الذكاء. وهذا يعطيك مؤشراً على مسألة: هل نفي القبول فعلاً هو ملازم لنفي الصحة؟
ابن دقيق العيد وجال صال وغيره من العلماء جال صال، لكن لو أردت أن أعطيك خلاصة، فالذي يظهر أن الأقرب هو كلام ابن العربي هنا، وهو أن القبول شيء مختلف نوعاً ما عن الصحة، فالقبول هو الرضا والثواب، واستعمالها في الثواب والرضا أقرب في الذهن، وبالتالي استعمالها في الأحاديث النبوية ينبغي أن يدرس كل حديث في سياقه. ففعلاً في أحاديث نفي القبول يعني نفي الصحة، كما في الحديث الذي معنا، وفي أحاديث نفي القبول لا يعني نفي الصحة، وهذا يتوقف على طبيعة نفي القبول؛ ما سبب نفي القبول؟ هل لمعصية اقترنت بالعبادة، أو لعدم وجود شرط؟ هذه القرائن هي التي ستحدد لك، وإلا فالأصل أن نفي القبول ليس ملازماً لنفي الصحة، فلا يوجد تلازم. وهذا الذي تعتمده إن شاء الله في حياتك العلمية إن ظهر لك صوابه، وإن ظهر لك في المستقبل خطأ فلك مندوحة أن تذهب إلى ما تعتقده.
انتهينا من البحث الأول في كلمة القبول، وكيف يمكن أن نفسرها لما نقرأ أي حديث نبوي. نذهب إلى اللفظ الثاني: الوجه الثاني في تفسير معنى الحدث، في قوله: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث». يقول: «وقد يطلق الحدث بإزاء معانٍ ثلاثة».
كلمة الحدث إذا أطلقت في النصوص، فما معناها؟ يقول هناك ثلاثة معانٍ أساسية له. المعنى الأول: أن الحدث يطلق على الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء، ويقولون الأحداث كذا وكذا. فالخارج المخصوص يقصد به عادة البول والغائط، فالبول نفسه هذا الخارج يسمى حدثاً، والريح تسمى حدثاً، والغائط يسمى حدثاً. بل حتى حقيقة في باب نواقض الوضوء، حتى الخارج النجس الكثير من أي مكان في البدن يسمى حدثاً. بل حتى -بناءً على كلام ابن دقيق العيد- أي ناقض من نواقض الوضوء كالمس المرأة ولمس الفرج يسمى حدثاً؛ لأنه قال: "الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء"، في باب التوسعات يطلق على كل ناقض من نواقض الوضوء حدث. لكن لنقل إن الدارج أن الحدث يطلق على الخارج المخصوص، وعادة يطلق بها البول والغائط والريح، أو أي خارج بكثرة من أي منطقة من مناطق البدن على رأي من يرى أن خروج النجس الكثير يؤدي إلى نقض الوضوء، لأن هذه مسألة فيها خلاف.
فإذا الحدث يطلق على الخارج نفسه؛ هذا الخارج نفسه، نفس البول الخارج، نفس الريح، نفس الغائط يسمى حدثًا، نفس المذي يسمى حدثًا، صحيح. بل حتى على مذهبنا، حتى الطاهرات، هو ليس لأن الطاهرات هن من ينقضن الوضوء، بل تسمى حدثًا إذا خرجت من أحد السبيلين.
ولذلك سيأتي معنا أنه هذا الحديث في روايته المشهورة في ختامه، فقال رجل حضرمي لأبي هريرة: ما الحدث؟ فقال: «فساء أو ضراط». طبعًا سيأتي معنا لماذا أبو هريرة -رضي الله عنه- قصر مفهوم الحدث على الفساء، وهذا سنناقشه إن شاء الله في النهاية، بس هذا يعطيك أن كلمة الحدث حتى في العرف القديم، في عرف الصحابة، يطلق على الخارج نفسه.
المعنى الثاني الذي تفسر به كلمة الحدث: هو نفس خروج ذلك الخارج، اللي هي عملية الإخراج؛ لأن هذا ربما هو الأصل فيها إذا أردنا أن ننظر في المعنى المصدري مثلاً، فنقول الحدث يطلق ويراد به ماذا؟ عملية الإخراج نفسها. إذا قلنا حدث حدثًا -فرضًا- يعني فعل، وإن كان يحتاج أن ينظر فيه هل يصلح أن يستعمل باستعمال المصادر، لكن هو يقول نفس الخروج اللي هي عملية الإخراج. تسمى أيضًا ماذا؟ حدث؛ فعملية إخراج البول مش البول نفسه.
المعنى الثاني ركزوا شوي معي، المعنى الثاني: عملية إخراج البول تسمى حدثًا، عملية تغوط الإنسان تسمى حدثًا، كما أنه على المعنى الأول، نفس الغائط المادة الخارجة تسمى حدثًا. عرفتم الفرق بين المعنى الأول والثاني؟ على المعنى الأول المادة الخارجة، والمعنى الثاني عملية إخراجها.
المعنى الثالث ما هو؟ قال: المعنى الثالث المنع المترتب على ذلك الخروج. عندنا مادة خارجة وعملية إخراج، الآن إذا أخرج الإنسان بولًا أو غائطًا مثلاً، هناك منع من أشياء معينة سيترتب على ذلك الخروج؛ مثلاً تمنع من الصلاة، تمنع عند أصحابنا من الطواف، تمنع من لمس المصحف بدون حائل، أليس كذلك؟ هذا المنوع الشرعي الذي ترتب على عملية إخراجك يسمى أيضًا حدثًا.
فيطلق الحدث على المنوع الشرعي. في معنى رابع سيأتي إليه بعد قليل، بس هو له وقفة معه، وهو إطلاق الحدث على ماذا؟ على الوصف الاعتباري القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها، وهذا هو أصلًا الدارج عند الفقهاء، المعنى الرابع.
لماذا لم يذكره هنا؟ خلينا نمشي معه ونعرف ليه يقول المعنى الثالث هو المنع المترتب على ذلك؟ وبهذا المعنى، وبهذا المعنى اللي هو المعنى الثالث، المنوع، يصح قولنا: رفعت الحدث. لما أقول رفعت الحدث، ماذا أقصد؟ هل أقصد المعنى الأول؟ لا يمكن، لأن المادة التي خرجت خرجت، ماذا تريد أن ترفع فيها؟ طيب، رفعت الحدث بالمعنى الثاني، عملية الإخراج، خلص ما عملية الإخراج صارت، كيف رفعتها؟ إذاً ما هو الحدث الذي رفعته؟ قال: الحدث الذي يقبل أن يرفع هو المنع. رفعت الحدث يعني رفعت المنوع المترتب على الإخراج. هذا معنى رفعت الحدث في التفسير الثالث، أو كذلك قولك: نويت رفع الحدث، يعني نويت رفع المنوع المترتب على الإخراج.
قال: فإن كل واحد من الخارج -المادة الخارجة- أو الخروج قد وقع، وما وقع يستحيل رفعه. يعني وقع ووجد وانتهى، خلص شيء صار وانتهى، كيف تريد أن ترفعه؟ خلص ما هو صار وانتهى. و"ما وقع يستحيل رفعه" بمعنى "ألا يكون واقعًا"، ركز لأنه هو ماذا يقول؟ ما معنى يستحيل رفعه؟ لأنه هنا قد يعترض عليه أنه كيف الذي وقع لا يمكن أن يرفع؟ في كثير أشياء تقع وبإمكاني أن أرفعها بعدين. لا، يقول ماذا أقصد؟ وشوف هذا يدل لك على ذكاء الرجل وانتباهه لكلماته وكيف يمكن أن تؤاخذ بها.
أنه الشيء الذي وقع لا يمكن رفعه، لا، عندنا كثير في مسائل الفقه أمور تقع يمكن رفعها، النكاح إذا وقع، ألا يمكن رفعه؟ يمكن رفعه كيف؟ بالطلاق؛ وقع النكاح رفعته، خلص. فهو ماذا يقول؟ يقول لا، أنا ماذا أقصد؟ أن الواقع لا يمكن أن يرفع، أقصد لا يمكن أن يجعل غير واقع. لذلك ماذا قال؟ قال: «وما وقع يستحيل رفعه» بمعنى هذا قيد، بمعنى يستحيل أن يكون واقعًا، مش بمعنى يستحيل رفعه بعد أن وجد أصالة؛ لأنه هناك كثير من الأشياء تقع مثل عقد النكاح ويمكن رفعه. فهو يقصد أنه يستحيل أن يرفع، أي يستحيل أن يكون واقعًا. فشخص أخرج ريحًا، هل يمكن أن نقول نجعل هذه الريح مرفوعة بمعنى أنها لم تقع؟ لا، ما هو الشيخ إذا وقع خلص انتهى، لا يمكن أن يجعل غير واقع. الشخص إذا أخرج، هل يمكن أن أرفع الموضوع فأجعله كأنه لم يخرج؟ ما هو أخرج وانتهى، فمعنى أنه يستحيل رفعه بمعنى يستحيل أن يجعل غير واقع.
قال: وأما المنع وهو المعنى الثالث للحدث، المنع المترتب على الخروج، فإن الشارع حكم به ومد غايته حتى يتوضأ. مش هكذا نص الحديث، المعنى: ﴿لَا يُقْبِلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ﴾. قال: وأما المنع المترتب على الخروج، فإن الشارع حكم به ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور حتى يستعمل -يا أيها المكلف ماذا؟- الماء الطهور أو التراب إذا لم يوجد ماء. فباستعباره ماذا يحصل؟ يرتفع المنع. يرتفع ماذا؟ المنع، فيصح قولنا: رفعت الحدث، وارتفع الحدث، أي ارتفع المنع الذي كان ممدودًا إلى استعمال المطهر.
لكن هنا سؤال: هل يقصد ابن دقيق العيد أن كلمة «أحدث» في الحديث هنا في هذا الحديث معناها المعنى الثالث؟ لا، هنا لا يقصد المعنى الثالث، هو يقصد ما معنى رفع الحدث عمومًا، لكن لا يقصد أن كلمة «أحدث» في الحديث هي المعنى الثالث؛ لأنه هنا «إذا أحدث» يعني إذا منع، إذا أحدث يعني إذا حصل له مانع مترتب على الخروج. ما بدي أقول مستحيل، يعني أنا بدي أتراجع عن كلمة مستحيل أنه قد يفكر بها هذه الطريقة. «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث» يعني إذا حصل له مانع بسبب خروج شيء منه.
لكن الأقرب، الأقرب إلى كلمة «أحدث» هنا وهو ما فسر به أبو هريرة، وأصلًا تكملة الحديث في الكتب المشهورة، فقيل له: ما الحدث؟ فقال: «فساء أو ضراط»، فالمراد أحدث إذا أخرج شيئًا، هذا هو المتداول اللي هو المعنى الثاني: عملية الإخراج. إذا أحدث أي إذا أخرج شيئًا، هذا هو الأقرب إلى لفظ أحدث في الحديث. لكن هنا عندما يناقش ماذا يقول؟ لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث، إذا حصلت منه عملية الإخراج حتى يتوضأ. فالوضوء ماذا سيرفع؟ الوضوء سيرفع الحدث بالمعنى الثالث، صح؟ ممكن أقبل هذا، خلينا نقول الوضوء سيرفع الحدث، بس الحدث بالمعنى الثالث. وأما الحدث...
بمعنى الإخراج نفسه، فهذا كما قال لك نفسه ابن دقيق العيد؛ هذا لا يمكن أن تمنع بعد وقوعه، خلص وقع، لا يمكن أن ترفع بعد وقوعه. فيبقى النقاش هل ابن دقيق العيد قصد أن «أحدث» هنا هي بالمعنى الثالث؟ أقول قد يكون له تأويل لذلك، لكن لا يظهر لي أنه قصد ذلك، ولكنه قصد أن يناقش كلمة الحدث عموما؛ يعني هنا هو يناقش كلمة الحدث عموما، وما معنى رفع الحدث؟ إذا قلت رفعت الحدث فالحدث هو المعنى الثالث، أما كلمة أحدث في الحديث هذه قضية أخرى هو لم يتطرق إليها.
وكما قلت، الذي يظهر أن الأنسب بناء على شرح أبي هريرة نفسه أنه كلمة أحدث في الحديث، يعني إذا أخرج شيئًا الآن، فهي أقرب إلى معنى الخروج وهو المعنى الثاني. هو لماذا يناقش هذه القضية؟ نحن ما علاقتنا بالمعنى الثالث؟ يريد أن يناقش الآن المعنى الرابع للحدث، يعني هي مناقشة فقهية عامة ليست متعلقة بنفس الحديث، ويريد أن يناقش أيضًا هل التيمم يرفع الحدث أو لا.
فماذا يقول؟ وبهذا التحقيق لمعنى الحدث، وأنه إذا قلت رفعت الحدث فمعناه رفعت المنع، بهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث. الآن على مذهب أصحابنا الحنابلة التيمم لا يرفع الحدث، وإنما هو مبيح بمعنى يزيل المانع؛ ما معنى التيمم عند أصحابنا أنه مبيح ولا يرفع الحدث؟ شغلك مبيح يعني يزيل المانع بس ما بيرفع الحدث.
ابن دقيق العيد يقول لك هذا الكلام ليس صحيحًا، أو لعل الأقوى يقول لك وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لا مشكلة أن نقول إن التيمم يرفع الحدث، لأنه ما معنى الحدث في كلمة يرفع الحدث؟ ما معنى الحدث؟ المنع. هل هذا الذي صبينا عليه الآن؟ التيمم هل يرفع المنع؟ نعم، وإلا لو لم يرفع المنع لما استطعت أن تصلي به، فأكيد التيمم يرفع الحدث بمعنى يرفع المنع إذا فسرنا الحدث بالمنع.
قال: لأن لما بينا أن المرتفع هو المنع من الأمور المخصوصة: الصلاة والطواف، وذلك المنع قطعًا باتفاق الجميع. المنع يرتفع بالتيمم، وإلا كيف أنت أصلاً صليت؟ وهذا معنى الإباحة أصلاً: رفع المنع، فالتيمم على هذا المعنى يرفع الحدث. غاية ما في الباب أن رفعه للحدث سيكون مخصوصًا بوقت ما، أنه من الصلاة إلى الصلاة، فإذا خرج وقت الصلاة خلص عاد الحدث بمعنى المنع، فيتيمم فيرتفع الحدث مرة أخرى بمعنى المنع حتى يأتي وقت الصلاة.
نحن عندنا التيمم فقط بين الصلاتين، فإذا خرج وقت الصلاة انتهى. فيقول لك خلاصة ما يعني الفرق سيكون بين الوضوء وبين التيمم، أن الوضوء يرفع الحدث مطلقًا حتى يحدث مرة أخرى، وأما التيمم فإنه يرفع الحدث حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى. وعند من يرى أن التيمم لا يبطل بخروج وقت الصلاة -وهذا قول فقهي لبعض المذاهب- فعند هؤلاء متى يبطل التيمم؟ إما بوجود الماء أو بحدث آخر، سيكون الأمر معلقًا عندهم أن تجد الماء.
لذلك ذكر الاحتمال الآخر، وهو ذكي ومطلع على أقوال الفقهاء فهو عارف الاحتمال الآخر، قال: أو بحالة ما، وهي حالة عدم الماء؛ فيكون التيمم إما رفعه للحدث مخصوصًا بوقت ما على من يرى أن التيمم يبطل بخروج وقت الصلاة، أو مخصوصًا بحالة ما وهي حالة عدم وجود الماء، فإذا وجد الماء فإن عليك أن تتوضأ ويبطل تيممك السابق. فالمهم الخلاصة أن التيمم يرفع الحدث كما أن الوضوء يرفع الحدث؛ لأن الحدث معناه المنع.
الآن هو كأنه شاعر أنه خالف كثيرًا من العلماء، فيقول: «وليس ذلك ببدع»، يعني الكلام الذي أقوله لا أحد يقول لي من أين جئت بهذا الكلام يا ابن دقيق وكيف تخالف مذهبك؟ هو مجتهد مطلق، ابن دقيق بحقه يتكلم بالكلام العالي، يقول ما أقوله ليس ببدع، ليس كلامًا لم يسبقه إليه أحد؛ فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها.
ومن أين سيعترض عليه؟ أنه كيف جعلت الوضوء يرفع الحدث مطلقًا حتى يحدث مرة أخرى، بينما جعلت التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا إلى وقت ما أو حالة ما؟ يعني أنت لست شايف أنه صرت عندك نوع من التحكم، أنك جعلت مفهوم رفع الحدث أحيانًا يكون رفعًا كليًا للحدث وأحيانًا رفعًا مؤقتًا. فيقول: فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها.
وقد كان الاستحضار الجميل والفهم الدقيق، أقول لكم ما الدليل؟ وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، وهذا حكم نسخي عند الجمهور. ماذا يعني هذا؟ إذا قلنا كان في بداية الإسلام الوجوب، الوضوء واجب بكل صلاة، معناه إذا خرج وقت الصلاة ارتفع عاد الحدث. في بداية الإسلام إذا صليت الظهر بوضوء، لا تستطيع أن تصلي به العصر حتى لو لم تُحدث، مثل التيمم الآن.
إذًا ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن الوضوء في بداية الإسلام ما كان يرفع الحدث رفعًا دائمًا حتى يحدث مرة أخرى، كان يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى مثل التيمم عندك. فإذا كان هذا في بداية الإسلام، فما المعنى أن أقول إن التيمم يرفع الحدث لكنه رفع مؤقت؟ ما هو الوضوء في بداية الإسلام كان يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا، إذًا هذا المعنى ليس غريبًا عن مفاهيم الشريعة.
قال: «ولا شك أنه كان رافعًا للحدث في وقت مخصوص وهو وقت الصلاة». يعني هذا باتفاق الجميع، أن الوضوء في بداية الإسلام لم يكن لكل صلاة، ولكن ما بين الصلاتين، ألم يكن الوضوء رافعًا للحدث؟ لما كان الوضوء لازمًا لكل صلاة، أنا الآن توضأت للظهر، هل في أحد كان يقول في بداية الإسلام أن الوضوء كان مبيحًا فقط وليس رافعًا للحدث خلال الوقت؟
ما بين الصلاتين كان الوضوء رافعا للحدث قطعا. قال: ولم يلزم من انتهاء الوضوء -بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الوقت، أي في بداية الإسلام- ألا يكون رافعا للحدث؛ أنتم قبلتم هذا المعنى.
قال: ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين كما هو معلوم، وأصبح الوضوء إنما يلزمك فقط إذا أحدثت مرة أخرى. ونقل عن بعضهم أنه مستمر، ولكنه قول شاذ؛ أنه الوضوء لكل صلاة يجب ولم ينسخ هذا الحكم، هذا قول شاذ ضعيف، لكن عند جماهير الأمة أن ذلك الحكم قد نُسخ.
لكن هذا ليس موضوعنا، المهم الفكرة أصلها. قال: ولا شك أنه لا يقول -الذين يرون أن أصحاب القول الشاذ أو الضعيف الذين يرون أن الوضوء لكل صلاة واجب، هؤلاء لا يقولون إن الوضوء لا يرفع الحدث- وإن كان الوضوء عندهم يجب لكل صلاة، فالذين استمروا على هذا القول إلى الآن ما زالوا يقولون إن الوضوء يرفع الحدث، وإن كان مؤقتا بين كل صلاتين.
إذا باختصار هو يقول المعنى الذي ذكرته، وهو أن التيمم يرفع الحدث وإن كان رفعه مؤقتا له نظير. شفت كيف الفقيه يفكر؟ إنه أتى بمعنى ونسبه إلى الشريعة، واستشهد لهذا المعنى بنظير لا ينازعه فيه أحد. شوف كيف الإنسان يرتب فكرته ويستشهد لها بكلام مقنع.
نعم، الآن سيعود، سيقال له: طب لماذا مذهبك ومذهب الحنابلة يرون أن التيمم مبيح وليس رافعا؟ يقول: نعم، ها هنا معنى رابع للحدث يدعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصف، هذا الذي قلته لكم وصف حكمي، يعني وصف اعتباري مقدر قيامه بالأعضاء على مقتضى الأوصاف الحسية.
هذا معنى يقول زاده كثير من الفقهاء المتأخرين، وهو أن الحدث وصف اعتباري، يعني معنوي حكمي، هو ليس مشاهدا يقوم بأعضاء البدن. طبعا في خلاف المذهب عند الحنابلة أنه يقوم بكل الأعضاء سواء كان حدثا أصغر أو حدثا أكبر، بخلاف الشافعية؛ فإن عندهم الوصف الاعتباري في الحدث الأصغر يقوم فقط في أعضاء الوضوء، وبالنسبة للحدث الأكبر يقوم في كل البدن. نحن الحنابلة ما فرقنا، قلنا سواء حدث أصغر أو حدث أكبر، الحدث وصف اعتباري يقوم بكل البدن.
فيقول هؤلاء: جعلوا الحدث وصفا حكميا، يعني ليس محسوسا، هو فقط حكما موجود هذا الوصف، لكنه ليس موجودا حسا. وصف حكمي يعني موجود حكما، بس حسا نحن لا نراه؛ فهل في أحد فيكم لما يحدث يرى أشياء على جسمه؟ لا أحد فينا يرى، صحيح؟ فهو وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على ما تقتضيه الأوصاف الحسية وإن كان ليس حسيا.
قال: وينزلون ذلك الوصف الحكمي منزلة الوصف الحسي في قيامه بالأعضاء، فما نقول فيه إنه يرفع الحدث كالوضوء أو الغسل. ماذا نعني أنه يرفع الحدث عند هؤلاء الفقهاء؟ أنه يرفع الوصف الحكمي. عند الحنابلة والشافعية وغيرهم الذين يفسرون هنا الحدث بأنه وصف اعتباري، يمنع الصلاة.
ها، ما الفرق إخواني بين المعنى الثالث والرابع؟ المعنى الثالث الذي نصرناه هو أن الحدث هو نفس المنع، أما عند المشهور من المتأخرين، فإن الحدث هو وصف اعتباري يؤدي إلى المنع. فرق بين التعبيرين؛ فيقول هؤلاء الذين يقولون إن الحدث وصف اعتباري، فعندهم معنى "رفعت الحدث"؛ أي رفعت الوصف الاعتباري الذي يؤدي إلى المناعة. فعندهم الوضوء والغسل يقويان على رفع الوصف الاعتباري الذي يؤدي إلى المناعة، فيزول بالتالي، فإذا زال الوصف الاعتباري الذي يؤدي إلى المناعة، سيزول ضمنيا أو تلازميا المنع المترتب على ذلك الوصف الحكمي أو المقدر الحكمي.
وإذا رفعت الوصف الذي يؤدي إلى المنع، فإنه تلقائيا سيرتفع المنع، وهذا واضح. وما نقول بأنه لا يرفع الحدث -والأشياء التي نقول إنها لا ترفع الحدث مثل التيمم- فهذا هو يقصد طريق المتأخرين، فيقول: وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى، معنى الوصف الحكمي المقدر القائم بالأعضاء حكما، باق لم يزل، ولكن المنع المترتب عليه فقط هو الذي زال.
فعند الحنابلة والشافعية لما يقولون إن التيمم مبيح وليس رافعا، ماذا تقصدون؟ أن التيمم ماذا أزال؟ أزال المنع، لكن الوصف الاعتباري ما زال قائما. وابن دقيق العيد يقصدها هكذا؛ هكذا يفكر هؤلاء. إنهم أعطوا الحدث معنى رابعا، فأصبحت بالتالي كلمة "رفعت الحدث" عندهم تختلف عن كلمة "رفعت الحدث" عندي. فعند ابن دقيق "رفعت الحدث" معناها "رفعت المنع"، وعند هؤلاء "رفعت الحدث" معناها "رفعت الوصف"، وعندهم الوصف الاعتباري لا يرتفع إلا بوضوء أو غسل، وأما التيمم فلا يرفع الوصف الاعتباري وإنما هو يرفع المنع فقط، فهو مبيح لا رافع. وكأنه يرى أن هذه القضية أصبحت أقرب إلى القضية الجدلية، يعني نحن ما معنى الحدث عندنا وما معنى الحدث عندكم؟ القضية أصبح الاختلاف فيها أقرب إلى أن يكون اختلافا لفظيا.
قال: فبهذا الاعتبار نقول، ماذا نقول إذا قلنا الحدث بهذا المعنى الرابع؟ نقول إن التيمم لا يرفع الحدث بمعنى أنه لم يزل ذلك الوصف الحكمي المقدر، وإن كان المنع قد زال. وحاصل هذا، ما الخلاصة؟ أنهم أثبتوا للحدث معنى رابعا غير ما ذكرناه من ثلاثة المعاني، وجعلوه مقدرا. هذا المعنى الرابع هو معنى قال ذهني اعتباري، لكن جعلوا هذا المعنى الرابع مقدرا وليس محسوسا، قائما بالأعضاء حكما كالأوصاف الحسية، يعني مشبها بالأوصاف الحسية ولكنه ليس في النهاية وصفا حسيا.
طيب، ما رأيك أنت يا ابن دقيق العيد في هذا المعنى الرابع؟ قال: وهم مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع الذي ادعوه. بدكم تجيبوا دليلا، ما لا تقبل القضية، وأي واحد يحدث معنا بدنا نمشي معه، أثبت لنا أن الحدث يطلق على هذا الذي ادعوه مقدرا قائما بالأعضاء. ليه؟ لأنه منفي بالحقيقة، يعني من حيث الحس ليس موجودا، فإنه منفي بالحقيقة، ونحن لا نراه. والأصل موافقة الشرع للحقيقة.
شوف كيف الاستدلال: يقول هذا الوصف الذي أنتم حكيتوه قائم بالبدن، هذا في الحقيقة غير موجود، والأصل في الأحكام الشرعية أنها تأتي مطابقة للأحكام الحقيقية الحسية، وليس للأحكام الوهمية الذهنية. هذا هو الأصل. قال: ويبعد أن يأتوا بدليل على ذلك، أنا استبعد أن تظفروا بدليل على فكرة أن الحدث هو وصف اعتباري قائم، يعني في شيء في الكتاب أو في السنة يدل على هذا. قال: وأقرب... لكن هو يعرف أنه بحث...
هذه المسألة، يقول: وأقرب ما يمكن أن يستدل به ما هو؟ شوف كيف سبحان الله العقود البشرية، يقول إن الماء المستعمل في رفع الحدث، الماء المستعمل في الوضوء والغسل، قد انتقل إليه المانع كما يقال.
الآن أنتم تعرفون في مذهبنا وفي مذهب كثير من الفقهاء أن الماء القليل المستعمل في رفع الحدث خلص، لا يصح استعماله، أصبح من طهور إلى طاهر، وبالتالي لا يصح استعماله في وضوء جديد أو غسل جديد. ليه؟ لأنه صار مستعملاً. شو المشكلة أنه صار مستعملاً؟ قالوا معنى أنه صار مستعملاً، يعني شو الأثر أو المشكلة التي فيه؟ ليست في كونه مستعملاً بحد ذاته، بل إن الوصف الاعتباري الذي كان موجوداً في البدن واستعملنا هذا الماء في إزالته، هذا الوصف انتقل إلى الماء، عشان هيك أصبح الماء المستعمل لا يمكن استعماله مرة أخرى.
فهمت؟ يقول لك هيك استدلوا. قالوا إن الماء المستعمل لماذا لا يستعمل مرة أخرى؟ لأن الوصف الاعتباري الذي كان قائماً بالبدن انتقل إلى هذا الماء، فلذلك لا يمكن استعماله مرة أخرى. قال كما يقال، حتى هو ليس مقتنعاً كثيراً بهذا التعليل.
المسألة متنازع فيها أصلاً؛ مسألة الماء المستعمل هل هي مسألة اتفاقية؟ كلا، فقد قال جماعة من الفقهاء بطهورية الماء المستعمل، أنه طهور أصلاً ويصح استعماله في وضوء جديد وغسل جديد. واعترض ابن تيمية، أنه لا فكرة بأن الماء المستعمل ليس عليه دليل واضح أنه لا يمكن أن يستعمل مرة أخرى في وضوء جديد أو غسل جديد، ما الدليل على ذلك؟ وهذا الذي ذكرتموه هو مجرد تحليل ذهني.
فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل، والقول الثاني هو القول بعدم طهوريته أو بنجاسته، وهو قول البعض، وهؤلاء بالغوا جداً؛ هؤلاء الذين قالوا إن الماء المستعمل أصبح نجسًا. هذا قول قيل به لكنه ضعيف. ولو قال أحدهم إنه بالغ فقال إن الماء المستعمل في رفع الحدث أصبح نجسًا، حتى على هذا قال: لم يلزم منه انتقال مانع إليه، فهي فكرة انتقال المانع إليه غير مقنعة.
شوفوا فكرة أخرى في الاستدلال على أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث، أما فكرة انتقال المانع إليه فهذه كلها مجرد تحليل ذهني لا يوجد عليه دليل من الكتاب أو السنة، والله تعالى أعلم.
إذاً هو حلل لك لفظ "الحدث" وكيف يمكن أن ينظر إليها والمعاني التي تحملها، وإن كان كما قلت لكم الذي يظهر أن كلمة "أحدث" هنا لا يقصد بها -رحمه الله عليه- أن أحدث بالمعنى الثالث في سياق الحديث، وإنما سياق الحديث "أحدث" هو خرج منه شيء، وهذا ما يعين عليه سياق الحديث، يعني سياق تفسير أبي هريرة له أنه فساء.
الوجه الثالث: استعمل الفقهاء الحدث عاماً فيما يوجب الطهارة، فإذا حُمِل الحديث عليه -أي كل ما يوجب الطهارة التي هي نواقض الوضوء- فإذا حمل الحديث عليه، يعني قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحدث»، فإنه يجمع أنواع النواقض على مقتضى هذا الاستعمال.
إذا قلنا إن كلمة "أحدث" هنا المراد بها نواقض الوضوء، استعمل الفقهاء كلمة الحدث على جميع نواقض الوضوء، وإن كانت تستعمل لغير ذلك، وهذا لذلك كأنه نوع من التوسع. نحن قلنا كلمة الحدث تستعمل للمادة الخارجة من الجسم أو عملية الإخراج، بس أنا قلت لكم إن في توسع حقيقة في الاستعمال الفقهي المتأخر، أنه أصبح يطلق الحدث على جميع نواقض الوضوء. فيقول استعمل الفقهاء الحدث عاماً فيما يوجب الطهارة، يعني كل ناقض من نواقض الوضوء حتى ولو لم يكن فيه إخراج لشيء، مثل لمس المرأة بشهوة مثلاً، ما فيه إخراج لشيء، أو لمس الذكر، ما فيه إخراج لشيء، لكن من قبيل التوسع استعمل الفقهاء كلمة الحدث على كل نواقض الوضوء حتى ولو لم يكن فيها إخراج.
قال: فإذا حُمِل الحديث على الاستعمال الفقهي، فإنه إذا أحدث فإنه سيجمع كل أنواع النواقض على مقتضى هذا الاستعمال الفقهي. لكن السؤال: هل الاستعمال الفقهي هو نفس الاستعمال النبوي؟ هذا هو السؤال؛ هل النبي صلى الله عليه وسلم أو في عرف الصحابة كلمة أحدث أو حدث كانت تطلق على جميع نواقض الوضوء، أم كان لها عرف خاص، والعرف الفقهي هو الذي وسع دلالتها؟ لأن الأصل أن ألفاظ الصحابة وألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم تفسر بمقتضى الحقيقة الشرعية الموجودة في الكتاب والسنة، أو اللغوية والعرفية الموجودة في زمانهم، وليس على ما أنشأه الفقهاء المتأخرون من المصطلحات ودلالات مثل كلمة التأويل التي شرحتها لكم سابقاً، أن التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المرجوح.
لو تنزلاً قلنا إن لفظة "أحدث" في الحديث المراد بها جميع النواقض وليست النواقض الإخراجية فقط، فيقول: لو جعلناه على هذا الاستعمال، لكن أبو هريرة نفسه راوي الحديث قد فسر الحدث لما سُئل عنه بأخص من هذا الاصطلاح؛ فسر الحدث بمعنى دقيق قال: «وهو الريح، إما بصوت أو بغير صوت، سواء الريح خرج معها صوت أو كانت بدون صوت». قيل له: لأنه في هذا الحديث، ما تكملته يا أبا هريرة؟ ما الحدث؟ فقيل إنه رجل حضرمي سأل أبا هريرة: ما الحدث؟ فقال: «فساء أو ضراط».
لكن حقيقةً هو بماذا أخذ؟ قال: ولعله قامت له قرائن حالية اقتضت هذا التخصيص. هذا سؤال علمي: لماذا أبو هريرة رضي الله عنه لما فسر الحدث فسره بفساء أو ضراط وهي صورة واحدة فقط؟ بل حتى على المعنى المشهور للحدث -يعني لو ما بدي أمشي على المعنى المتأخر بل لو قلنا الحدث هو الخارج من الجسد من بول أو غائط أو فساء- لماذا أبو هريرة لم يفسر الحدث بالبول والغائط واقتصر على تفسير الحدث فقط بفساء أو ضراط؟ هذا سؤال، وحقيقةً فعلاً سؤال مشروع؛ أنك أتيت بلفظ عام: «لا يغسل صلاة أحدكم إذا أحدث»، وهذا الأصل يحمل على أي صورة من صور الحدث بمعنى الإخراج من الجسد، لماذا لما سُئلت عن تفسير الحدث فسرته بصورة واحدة فقط: فساء أو ضراط؟ هنا ابن دقيقة أتى بكلام عام.
لعل هناك قرائن حالية في حال السائل؛ ما معنى قرائن حالية في حال السائل؟ جعلت أبا هريرة يقصر كلمة الحدث في تفسيره لها على أنها فساء أو ضراط بس.
والصنعاني هنا تكلم بكلام جيد ونقله عن بعضهم، يقول ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري: «إنما اقتصر أبو هريرة على بعض الأحداث؛ لأنه أجاب به سائلاً سأله عن المصلي يُحدث في أثناء صلاته». هذه القرينة الحالية التي يقصدها ابن دقيق العيد هي أن أبا هريرة كأنه فهم من سؤال الحضرمي أنه يسأل عن الحدث في أثناء الصلاة؛ يعني واحد يصلي، ما معنى أنه أحدث في أثناء الصلاة يا أبا هريرة؟
فصورة الحدث في أثناء الصلاة يصعب أن الواحد يبول على نفسه في أثناء الصلاة، فهي صورة نادرة جداً، أو أن يحدث بمعنى يتغوط على نفسه أثناء الصلاة، وما هو الدارج المعروف في عملية الإخراج أثناء الصلاة إلا الفساء والضراط؛ فلما كان حال السائل إنما يسأل عن الحدث المتصور في أثناء الصلاة، فسره أبو هريرة بما هو دارج لأنه لا يحتاج إلى ذكر النادر.
قال: «فخرج جواب أبي هريرة على ما يسبق المصلي من الأحداث في صلاته؛ لأن البول والغائط بل حتى الملامسة تبطل، والملامسة إذا قلنا الحدث يشمل نواقض الوضوء كلها، والملامسة غير معهودة في الصلاة، وإن كانت يمكن عقلاً بس نادرة، فأبو هريرة فسره بالغالب، وهو أن الحدث أثناء الصلاة الذي يحصل عند كثير من الناس إنما هو إخراج الريح».
انتهى. قال الصنعاني: «قلت: إذا ثبت ذلك فهو ما ترجحه الشارح المحقق من القرينة». يعني هذه هي القرينة التي قصدها ابن دقيق العيد، القرينة الحالية، إذا فسرنا القرينة الحالية في كلام ابن دقيق العيد بما ذكره ابن بطال. وإلا في احتمال آخر يذكره الصنعاني، فيحتمل أن أبا هريرة أصلاً من البداية أراد مجرد التمثيل للحصر، وأنه ذكر الفساء والضراط على جهة التمثيل.
في قول آخر لابن حجر العسقلاني في فتح الباري، قال: «وفي فتح الباري إنما خصهما بالفساء والضراط تنبيهاً بالأخف على الأغلظ»، أنه أخف نواقض الوضوء الريح، فهذا تنبيه؛ إذا كان الريح أخف نواقض الوضوء فمن باب أولى لو حصل غير الريح من نواقض الوضوء. ثم قال ابن حجر: «ولأنهما قد يقعان في الصلاة من غيرهما».
وحقيقة أنا ربما أميل للاختيار الثاني الذي ذكره ابن حجر، أنه لأنهما يقعان في الصلاة أكثر من غيرهما؛ أما قضية التنبيه بالأخف على الأغلب فأنا لا أظن السائل سينتبه إلى هذا كثيراً، لأن هذا يحتاج أن يكون السائل فقيهاً حتى ينتقل من الأخف إلى الأغلظ، وطبعاً السائل هذا عارف بنواقض الوضوء، وهذه أمور صعب تصورها في السائل، فلذلك نقول إن أنه ما سأله عن الحدث أثناء الصلاة هذا أقرب، والله تعالى أعلم.
الوجه الرابع والأخير: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة. ليه؟ شوف الآن وجه الاستدلال، قواعد أصولية بدنا نطبق؛ الدليل أنه صلى الله عليه وسلم نفى القبول، قال: ﴿لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ﴾. ما هو حرف الغاية المستعمل؟ "حتى". إن نفي القبول ممتد، إنه صلى الله عليه وسلم نفى القبول ممتداً إلى غاية الوضوء.
هنا بدنا نطبق مفهوم المخالفة، هذه من أمثلة مفهوم المخالفة، قاعدة أصولية: ﴿لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ﴾، "حتى" لا يقبل، نفي القبول. طبعاً هنا في مسألتين أصوليتين: المسألة الأولى وهي عموم مخصوص بغاية؛ لأنه لا يقبل، نفي القبول، لا قبول أبداً، وخص هذا الزمن، الآن نفي القبول جاء عاماً ثم خص بأيش؟ تم تخصيصه بالغاية، فالغاية تعتبر من المخصصات المتصلة، فخص الزمان، الظاهر على عمومها "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث".
وأن كأن في ذهني معنى، وهو أنه أبو هريرة كأنه لما قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث"، كان الحضرمي ماذا كان يفهم مثلاً من الحديث؟ أنه لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث فيها، يعني كأنه زاد كلمة "فيها"، الحضرمي كأنه شعر أن الحديث يتكلم عن الصلاة إذا وقع فيها الحدث، فلذلك أبو هريرة فسر الحدث بالفساء أو الضراط؛ كأن سياق الحديث يتكلم عن صلاة أنت فيها، يقول لك هذه الصلاة ربنا ما بيقبلها إذا أحدثت، إذاً أنت تتكلم عن حدث في أثناء الصلاة.
فلذلك أبو هريرة لما سئل عن تفسير الحدث قال: فساء أو ضراط، لأن سياق الحديث العام يشعرك أنه يتكلم عن صلاة موجودة وشخص أحدث فيها، وإن كان في الحقيقة فيه عموم أكثر من ذلك، لكن أقول لعل الحضرمي فهم من السياق أن الكلام عن صلاة الآن واحد يصليها إذا أحدث فيها حتى يتوضأ، فلذلك أجاب بفساء أو ضراط بس، هذا هو التقييد.
أعود فأقول هنا عندنا عموم في الزمان، أنه قال "لا يقبل" على عمومه خلص، ثم خص هذا العموم في نفي القبول بماذا؟ "حتى يتوضأ"، فـ "حتى يتوضأ" خصه عموم نفي القبول. يعني لا قبول، مش قلنا أي فعل في نكرة بالت، لا قبول، نفت القبول مطلقاً، هذا العموم في نفي القبول مخصوص بالغاية. ثم هذه الغاية تعطيني مفهوم مخالفة، وهو ماذا؟ وهو أنه حتى يتوضأ فإذا توضأ فإن الله يقبل صلاته، صحيح؟
فلذلك قال: وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً وليس مقيداً بزمان معين. هنا نحن نريد أن نستدل على ماذا؟ المسألة التي نستدل عليها: الوضوء لا يجب لكل صلاة. طيب كيف استدللت على ذلك؟ أنه علق الأمر بالغاية، فمفهوم المخالفة: فإذا توضأت فالقبول حاصل مطلق، فلن يكون مقيداً إذاً بزمن.
فمن أراد أن يقول: "لا، إذا توضأت يقبل الله صلاتك حتى يخرج وقت الصلاة"، هذه أنت هنا مطالب بدليل أن تثبت أن القبول بعد الوضوء ليس على وجه الإطلاق وإنما حتى يخرج وقت الصلاة الحاضرة. قال: "ويدخل تحته بالتالي ما دام ما بعد الغاية مخالف لما قبلها فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً".
ويدخل تحت هذا الصلاة الثانية التي ستأتي بعد الوضوء مرة أخرى، فالصلاة التي ستأتي هي داخلة تحت العموم الذي في مفهوم المخالفة؛ لأنه قال: "وما بعد الغاية مخالف لما قبلها"، فهذا يقتضي قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً: ﴿لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ﴾.
إذا توضأ فإن الله يقبل صلاته مطلقا، ومما يدخل تحت مطلقا الصلاة التي ستأتي بعد قليل، فالصلاة الأخرى داخلة تحت مطلقا، ولو لم يتوضأ لها وضوءا.
الحديث الثالث، سنختصر على الحديث الثالث اليوم، لا نطيل أكثر من ذلك ولكن نريد أن نمشي كما يقال. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة، هذا الحديث رواه أو نقله ابن دقيق العيد عن ثلاثة، أو الحافظ عبد الغني المقدسي أصلا نقله عن ثلاثة. قالوا: قال رسول الله ﷺ: «ويل للأعقاب من النار».
من هنا طبعا سيدخل معنا شرح السفاريني، إن شرح السفاريني يبدأ من هذا الحديث الثالث، وسنبدأ نجمع بين السفاريني الحنبلي وبين ابن دقيق في بعض الفوائد وبعض المناقشات. أول قضية سنلاحظها أن ابن دقيق العيد هنا مباشرة دخل في الشرح ولم يتطرق إلى الصحابة الذين رووا الحديث، مع أنه نقله عن ثلاثة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعن أبي هريرة، وعن عائشة.
أبو هريرة طبعاً خلصنا منه، من عرفناه لا نعرفه مرة أخرى، وإنما نذكر من لم نعرف. فعبد الله الصنعاني هنا جزاه الله خيرا، هو تكفل وتبرع بأن يعرفه لك؛ قال فعبد الله هو ابن عمرو بن العاص القرشي، أسلم قبل أبيه عمرو بن العاص، وكان أبوه أكبر منه بـ 13 سنة. وكان هذا الصحابي عابدا عالما حافظا، قرأ الكتب السابقة، واستأذن النبي ﷺ في أن يكتب حديثه، واختلف في زمن وفاته على أقوال كثيرة. روى عنه سروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وخلق سواهما.
وأما عائشة فهي عائشة أم عبد الله، أم المؤمنين، وأصل فاعل من عاش. عائشة هي اسم فاعل من الفعل عاش، فهو عائش، وهي عائشة. ويقرؤها عوام المحدثين «عائشه» بالياء، عفوا، نعم، واما عائشة فقال الزركشي إنها بالهمزة «عائشة» مهموز، مع أن عوام المحدثين يقرؤونها «عائشه» بالياء. سماهم عوام، يعني هؤلاء محدثون ولكن عوام يقرؤونها «عائشه»، قال وهو هذا لحن.
قلت هي اسم فاعل من عائشة مثل قائل وبائع، والكل بالهمز، وقد وقع هذا الوهم أيضا ليس فقط لعوام المحدثين كالصنعاني، بل حتى للحريري في الرسالة الرقطاء من المقامات، لكن أقول الحريري لعله سهل، ليس هو يقصد ذلك، أظن هو متقدم أكثر في هذا، فلعله نوع من التخفيف وليس أنه يقول هذا.
وعائشة هي أم المؤمنين أم عبد الله، تكنى بأم عبد الله بسبب ابن أختها عبد الله بن الزبير، فكنّت به، والذي كنّها بذلك النبي ﷺ. وهي بنت أبي بكر، تزوجها النبي ﷺ، أي عقد عليها بمكة في شوال سنة عشر من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها في المدينة سنة شوال سنة اثنتين من الهجرة، ولها تسع سنين، وبقيت معه تسع سنوات، وماتت وهي في 18 سنة. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث، عارفة بأيام العرب وأشعارهم، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، وهي من المكثرات حقيقة في الحديث. توفيت سنة 57 وقيل 58 من الهجرة، ودفنت ليلا في البقيع، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا يقتضي أن أبا هريرة يكون قد مات بعدها؛ فإذا قلنا ماتت هي 57، يجب أن يكون أبو هريرة مات بعدها، وهما متقاربان في زمن الوفاة رضي الله عن الجميع.
هنا السفاريني في الحقيقة طرق لبعض المسائل المتعلقة بالسند، فقال: روى هذا الحديث من الصحابة جماعة منهم غير الذين ذكرهم المصنف، الحافظ عبد الغني المقدسي ذكر من روى حديث «ويل للأعقاب من النار»، أخرجه عنه الإمام أحمد وابن ماجه، وأيضا الصحابي معيق يخرج حديثه الإمام أحمد، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكل هؤلاء سمعوه من النبي ﷺ، أخرجه عنهم ابن ماجه. وعبد الله بن الحارث أخرجه عنه الإمام أحمد والدارمي والحاكم. وعن ليث عن عبد الرحمن بن ثابط، أو عن أخي أبي أمامة قال: رأى النبي ﷺ قوما... ذكر الحديث، فهذا أيضا في الخبر، هناك صحابي آخر مشكوك فيه هل هو عبد الرحمن بن ثابط أو عن أخي أبي أمامة، لكنه في النهاية صحابي.
قال في الختام: فالحديث متواتر. وممن أشار إلى تواتره الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه الأزهار المتناثرة. هذه أولا فائدة، أن الحديث في حكم المتواتر، طبعاً المتواتر على طريقة المحدثين المتقدمين وليس على طريقة التواتر الأصولي الأرسطي.
الفائدة الثانية: يقول ظاهر صنيع المصنف الحافظ عبد الغني المقدسي إن الحديث مما اتفق عليه الشيخان من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة، صح أنه ذكر ثلاثة صحابة، ثم قال: «ويل للأعقاب من النار»، لكن في التحقيق هو في جانب عبد الله بن عمرو وأبي هريرة متفق عليه، يعني البخاري ومسلم أخرجا هذا الحديث من طريق عبد الله بن عمرو ومن طريق أبي هريرة. قال وأما حديث عائشة فلم يخرج البخاري، هو ليس متفقا عليه من طريق عائشة وإنما أخرجه مسلم، ولفظ حديث عائشة عند مسلم عن سالم مولى شداد قال: دخلت على عائشة زوج النبي ﷺ، ما توفي سعد بن أبي وقاص، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فتوضأ عندها، فقالت: «يا عبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: ويل للأعقاب من النار».
إذاً هذا لفظ الحديث كاملا عند مسلم، وهذا يعطيك أن الحافظ عبد الغني المقدسي يختصر القصص، هو يأتي فقط باللفظ الذي موطن الشاهد، وإلا فلاحظ أنه هو في قصة في حديث عائشة رضي الله عنها.
الآن سأقرأ لكم من كلام السفاريني ألفاظ الأحاديث بسياقاتها المختلفة؛ لأن كلام ابن دقيق العيد لن نعرف مناقشاته إلا ونحن مستحضرون مسبقاً هذا الحديث، ما هي الألفاظ التي ورد بها في السنة وما هي قصته؟ فركزوا معي في الألفاظ العديدة لهذا الحديث.
عن أبي هريرة ذكر هو عدة سياقات، السياق الأول الذي ذكره عن أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمرو بن العاص قال: رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضأوا وهم عجال مستعجلون، قال: فانتهينا إليهم، وصلنا إليهم، لحقناهم وأعقابهم... ركزوا الآن في اللفظة: «لم يمسها الماء».
إذاً ما هي اللفظة؟ والعقب هو خلف القدم، تلوح أي تظهر لنا لم يمسها الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار»، أسبغ الوضوء. هذا السياق الأول للحديث.
وفي الصحيحين من حديثه، هون يقصد حديث عمرو بن عبد الله بن عمرو بن العاص: تخلف عنا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، سافرنا أي تأخر عنا السكان لا لاحقهم فأدركنا، وقد حضرت صلاة العصر الآن. شوف اللفظة الثانية: فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى: «ويل للأعقاب من النار».
شوف الفرق بين الرواية الأولى والرواية الثانية. هسه الرواية الأولى ماذا تقتضي؟ أنه أعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار». فعلى طريقة مسالك العلة، مسلك الإيماء والتنبيه؛ إذا ذُكر وصف ثم ذُكر بعده حكم، سيكون هذا الوصف هو العلة لهذا الحكم. فإذاً يكون «ويل للأعقاب من النار» على الرواية الأولى قالها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رأى أعقاباً تلوح لم يمسها الماء.
وعلى الرواية الثانية، فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: «ويل للأعقاب من النار»، فالوصف هو نمسح على أرجلنا، فقال: «ويل للأعقاب من النار»، فصار علة قوله «ويل للأعقاب من النار» ما هي؟ أنهم مسحوا ولم يغسلوا، أنهم مسحوا أقدامهم هم ولم يغسلوها. الآن النقاش أصلاً هنا في هذا المربع: ولماذا قال عليه الصلاة والسلام: «ويل للأعقاب من النار»؟ هل لأن الماء لم يأتِ على أعقابهم؟ أم على الرواية الثانية لأنهم مسحوا القدم ولم يغسلوها؟
وقال البخاري في رواية للبخاري نكمل: فادركنا صلى الله عليه وسلم وقد أرهقنا العصر، أرهقنا العصر يعني أخرناها، معنى أرهقنا العصر هذا معناها أخرناها، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا. شوف حتى على رواية أخرى، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثة.
البخاري بناءً على هذه الرواية التي نقلها، ماذا ترجم؟ شوف شو ترجم البخاري، ترجم البخاري لهذا الحديث باب: غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين. إذاً ماذا فهم البخاري من الحديث؟ الإمام ماذا فهم؟ أن المشكلة وين هي أنهم تركوا الغسل وذهبوا إلى المسح، فترجم عليه باب غسل الرجلين، أنه ينبغي أن تغسل الأرجل ولا يمسح على القدمين.
والبخاري أخرج الحديث أيضاً في مكان آخر في صحيحه، بس في باب: من رفع صوته بالعلم، أنه فنادى بأعلى صوته صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار»، وترجم عليه أيضاً ترجمة ثالثة: باب من أعاد الحديث ليفهم؛ لأنه قال فنادى مرتين أو ثلاثاً. ثلاث تراجم من البخاري، اللي يهمني منها الترجمة الأولى، أنه ماذا فهم البخاري من الحديث؟ أن المشكلة ليست عدم وصول الماء إلى العقب، المشكلة أنه ماذا؟ أنهم مسحوا ولم يغسلوا.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال: «ويل للأعقاب من النار». أها، رجعنا للفظة، إيش؟ لم يغسل عقبه. في رواية مسلم ما قال لم يمسحوا، قال لم يغسل عقبه. طيب، البخاري عن أبي هريرة قال سياق آخر: أسبغ الوضوء، فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: «ويل للأعقاب من النار». لكن هنا في رواية البخاري لم ينقل، لم يقل أنه رأوا رجلاً لم يغسل عقبه، لا، ذكرت الرواية مباشرة أن أبا هريرة قال: أسبغ الوضوء فإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول، فيها ذكر للعلة.
الآن هنا السفاريني في كشف اللثام بالتالي ذهب إلى أن هذا الحديث ما قصته أو ما علته؟ قضية المسح بدل الغسل، وعلى هذا شرح فقال: وفي هذه الأحاديث من الوعيد الشديد ما يفيد وجوب غسل الرجلين، ويمنع صحة المسح حيث لا حائل شرعي على القدمين. يعني هذا هو الذي فهمه، وهذا واضح أنه فهم البخاري أيضاً. هذا مش فاهم السفاريني، وتاخذ هذا فهم البخاري أنه هذا الحديث يدل على وجوب غسل الرجلين، وأنه يمنع صحة المسح لأنه أنكر المسح على فهمهم، ويمنع صحة المسح حيث طبعاً لا حائل شرعي، شو الحائل الشرعي؟ الخف، حيث لا حائل شرعي على القدمين.
طيب أيضاً ابن خزيمة ممن فهم هذا من الحديث، الإمام الكبير يقول: لو كان المسح مؤدياً للفرض لما توعد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالنار، لو كان مسح القدم يجزئ عن غسلها لما توعد عليه النبي عليه الصلاة والسلام بالنار. إذاً عندنا طائفة كبيرة من أهل العلم ومن المتقدمين فهموا أن الحديث يتكلم عن المسح، وأنه هذه هي المشكلة، وكأنهم رجحوا رواية المسح وليس رواية أن الأعقاب لم يكن عليها ماء.
ابن دقيق العيد، مع من دعونا نذهب إلى صاحبنا؟ يقول ابن دقيق العيد: فيه دليل ليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر. إذاً من البداية ابن دقيق العيد ذاهب لأنه المشكلة ليست أنهم مسحوا ولم يغسلوا، لا، هو ذهب إلى رواية لم يمسها الماء، فلذلك قال الحديث دليل على ماذا؟ على وجوب تعميم الأعضاء بالماء، وأنه ما يصير تغسل بعض قدمك وتترك جزء من عضو الوضوء لم يصل إليه الماء. هذه هي طريقة تفكير ابن دقيق العيد، وأن ترك البعض منها غير مجزئ.
ونصه: أنما هو في الأعقاب. الحديث تكلم عن الأعقاب، وإن كان أي مكان من القدم أنت بتتركه مشكلة؟ يعني هذه المشكلة أنك تترك العقب فقط؟ ولا لو تركت إصبع من أصابع قدمك برضه مشكلة؟ يقول لك أي عضو، أي جزء، أي جزء من القدم أو أي جزء من أي عضو، في مشكلة.
طيب لماذا ذكر الأعقاب بالتحديد؟ قال وإنما خص الأعقاب بالذكر ليه؟ لأنها سبب ورود الحديث. هذا منطق، رأى أعقابهم تلوح لم يمسها الماء، إنه قد ورد على سبب وهو أنه صلى الله عليه وسلم رأى قوماً وأعقابهم تلوح. طيب أي لم يصبها الماء. بالتالي قولك «ويل للأعقاب»، هذه التي في الأعقاب هل هي للعموم؟ ال التي في الأعقاب، يلا نطبق قواعد أصول الفقه، هل هي ال استغراقية، «ويل لكل عقب من النار»، ولا هيك معناتها رح تكون كل الأعقاب في النار؟
هو يقول في احتمالين: الاحتمال الأول أن تكون العهدية، وأن العهد للأعقاب التي رآها تلوح لم يمسها الماء، فقال: «ويل للأعقاب»، أي الأعقاب التي رأيتها. وهذا قد يكون عهد ذهني، صغرى من صور العهد الذهني أنه رأى أعقاباً فقال: «ويل للأعقاب»، أي تلك التي رأيتها لم يصبها الماء، فتكون للعهد. فقال الألف واللام يعني للتعريف، يحتمل أن تكون للعهد والمراد الأعقاب التي رآها كذلك، أي على تلك الصورة لم يمسها الماء. قال يحتمل أن تختص بتلك الأعقاب التي رآها، لو قلنا العهدية صار الأمر مخصوصاً بالأعقاب فقط التي رآها في زمنه عليه الصلاة والسلام، وحقيقة الموضوع أعم، بل كل عقب لم يمسه.
الماء، فهو متوعد إلى يوم القيامة. كيف نحل هذه؟ ماذا سنجعل؟ ويحتمل أن تختص بتلك الأعقاب التي رآها، وتكون الأعقاب التي صفتها هذه الصفة؛ يعني لا بد وأن نقدر وصفًا محذوفًا، هذا الوصف دل عليه السياق: «ويل لكل عقب هكذا صفته».
بدنا نقدر، ما في مشكلة. الاحتمال الثاني الاستغراقية، لكنها مخصوصة. ممكن نجعله من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، أو من العام المخصوص بصفة وإن لم تُذكر لكن دل عليها السياق. ممكن تجعل من العام الاستغراقية ونجعله من العام الذي أريد به الخصوص، كالذين قال لهم الناس والمراد عدد معين، فنقول: وتكون الأعقاب -وإن كانت الاستغراقية فيها- لكنها مخصوصة من العام الذي أريد به الخصوص أو العام المخصوص.
وهذا فرقنا فيه في الأصول: العام الذي أريد به الخصوص، والعام المخصوص. وأدنى المراد: الأعقاب التي بتلك الصورة التي لا يوصل صاحبها الماء إليها. فإما أن نجعلها استغراقية، وإذا جعلناها استغراقية أنت مضطر أن تجعله من العام المخصوص أو العام الذي يريد به الخصوص.
لذلك قال: ويحتمل أن تختص بتلك الأعقاب التي رآها، وتكون الأعقاب التي صفتها هذه الصفة؛ هذا يكون مراد الاستغراقية، والتقدير: الأعقاب التي صفتها هذه الصفة، أي التي لا تعمّم بالمطهر. قال: ولا يجوز أن تكون الألف واللام للعموم المطلق بالإطلاق، بل إذا جعلت الاستغراقية بدك تجعلها من العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنه إذا جعلناها من العام مطلقًا معناتها كل الأعقاب راح تروح على جهنم، أو كل الأعقاب على الأقل متوعدة بجهنم، فهذا لا يجوز، ويأباه العرف والشرع.
قال: وقد ورد في بعض الروايات -ورأينا الآن بدأ يناقش الإشكالية التي فهمها البعض- ورد في بعض الروايات: «رأينا النبي ﷺ ونحن نمسح على أرجلنا فقال: ويل للأعقاب من النار». قال: فاستدل بهذه الرواية على أن مسح الأرجل غير مجزئ، أي لا بد من الغسل.
فاستدل به، هو الآن يشير إلى استدلال البخاري. ليش أنا قرأت لكم كلام السفاريني أول حتى تفهموا ماذا سيقول ابن دقيق العيد؟ لما يقول: «فاستدل به على أن مسح الأرجل غير مجزئ»، هو يتكلم عن استدلال البخاري، عن استدلال ابن خزيمة، عن كل من فهم الحديث أنه يتجه إلى موضوع المسح، وأن المسح لا يجزئ عن الغسل.
ماذا يقول ابن دقيق العيد؟ قال: «وهو عندي ليس بجيد». هو يعتقد أن هذا الفهم ليس بجيد. والإمام البخاري إمام عظيم في الحديث، لكن الفقهاء يرد؛ يعني هو في الفقه إمام يرد عليه من قبل الفقهاء، مثل غيره في باب الفقهيات يناقش، ويمكن أن نقول والله هذا الحديث أريد به كذا أو كذا، لا مانع. البعض قد يهاب من مناقشة البخاري رحمه الله عليه في تراجمه أو في فهومه، فنقول: هذا فقه، كما أنك تناقش مالك، وتناقش أحمد، وتناقش الشافعي، والبخاري أتى بعدهم أصلاً، فلا مانع من مناقشة البخاري في فهم الحديث.
يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: «وهو عندي ليس بجيد»؛ لماذا؟ لأنه قد تُفسر بالرواية الأخرى. وجهة نظره ابن دقيق العيد أنه نحن لازم نجمع روايات الحديث ونقول: السؤال، هل الحديث يتكلم عن واقعة واحدة أو عدة وقائع؟ إذا اتفقنا أنها واقعة واحدة فلا بد أن يكون الذي حصل أحد أمرين: يا إما أنهم مسحوا بدل أن يغسلوه فتكون هذه المشكلة، أو أنه رأى أعقابًا لم تمسها الماء فقال: «ويل للأعقاب من النار»، إذا قالها في واقعة واحدة، فينبغي أن يكون هذا التعليق منه ﷺ إما لأنهم مسحوا بدل أن يغسلوا، وإما لأن هو رأى أعقابًا لم يمسها الماء.
فهو يرى أن معنى الرواية التي «مسحنا على أرجلنا» أنها رواية مجملة أو محتملة، وأنها فُسرت بالرواية الأخرى وهي رواية «لم يمس الماء». فيقول: لأنها قد تُفسر بالرواية الأخرى، فوجدنا نمسح على أرجلنا، وهذه تقبل أن تُفسر بالرواية الأخرى أن الأعقاب كانت تلوح لم يمسها الماء. ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، وهي أنه في جزء لم يمس الماء، هذا بالاتفاق موجب للوعيد.
أما قضية أن المسح بدل الغسل موجب للوعيد، هو يرى أنه في بعض الفقهاء ناقش في هذا، وإن كان هو رأي بالنسبة لنا أنه ضعيف جداً -وهو يغلب على رأي الشيعة أنه المسح يجزئ عن الغسل- بس عموماً رأى أن هذه ليست متفقًا عليها ١٠٠٪، أما كون في جزء من القدم لم يمس الماء أبدًا، فهذا باتفاق الجميع موجب للوعيد.
قال: والذين استدلوا بهذا الحديث على أن المسح غير مجزئ، إنما اعتبروا لفظ هذه الرواية فقط، فقد رتب فيها الوعيد على مسمى المسح؛ لأنه كما قلنا على طريقة مسلك الإيماء، قال: «ويل للأعقاب من النار» بسبب أنهم مسحوه، فأصبحت هذه العلة. إذاً، اكتب هذا مثالًا على مسلك الإيماء والتنبيه؛ رتب الوعيد على مسمى المسح، بمعنى ها رأينا نمسح فقال: «ويل للأعقاب»، جاء الحكم على وصف، فجعل الوصف علة للحكم، لأنه لو لم يجعل علة لكان ذكره في السياق عبثًا.
قال: وليس فيها في هذه الرواية الثانية أنهم تركوا بعض الوضوء على بعض العضو، ما فيها أنهم لم يغسلوا الأعقاب. ثم ختم فقال: «والصواب إذا جمعت طرق الحديث أن تستدل ببعضها على بعض، ونجمع ما يمكن جمعه، فبه يظهر المراد». والله أعلم.
وأنا أذكر أن شيخنا الشيخ مصطفى مخدوم نبهنا على هذا في قضية شرح الحديث عمومًا، كان يقول الشيخ مصطفى: إنه من أراد أن يتفقه في الحديث فلا بد وأن يكون مطلعًا على رواياته، لأن الروايات يكمل بعضها بعضًا في الشرح. وهذا كلام صحيح ١٠٠٪، وهذا يقصد عند كثير من الطلاب؛ يخلص يأخذ الحديث بالرواية الأولى ويمشي، ولا يعلم أن الحديث إنما يشرح بعضه بعضًا.
ولذلك كثير من جهال العلمانيين أو الليبراليين أو غيره ممن يأتي لينتقص في الإسلام، أو يسعى -أظنه المسكين يريد أن يقدح- يأتي لرواية حديث فيرى مشكلة، يقول لك: ها الحديث في البخاري في صفحة كذا وكذا. طب أنت هل جمعت روايات الحديث حتى يفسر بعضها بعضًا؟ فلا ينبغي لمن أراد أن ينصب نفسه للاستدلال بالحديث ويزعم أنه مجتهد ويستنبط من الحديث مباشرة، لا يصح له أن يحكم بحديث حتى يجمع طروقه، لأن الطرق يفسر بعضها بعضًا، أو قد يظهر لك معنى معين.
الآن، حقيقة هل نحن ضرورة نتفق مع كلام ابن دقيق العيد أيضًا؟ أن الذين قالوا إن الحديث يتكلم عن المسح وليس عن ترك غسل عضو، بناءً على أنهم رأوا هذه الرواية.
أم أنه هناك احتمال أنهم وجدوا أن الروايات التي تكلمت في المسح أكثر من الروايات التي تكلمت في قضية أن العقب لم يمسه الماء. نقول قد يكون أحد طرق الترجيح عند البخاري وابن خزيمة لذلك المعنى، أنهم رووا أن أكثر روايات الحديث جعلت هذا القول منه ﷺ «ويل للأعقاب من النار» مبني على ماذا؟ على أنهم مسحوا بدل أن يغسلوا، وأن رواية أو روايتين هي التي ذكرت قضية أنه رأى أعقاباً لم تغسل بالماء.
يعني باختصار أنت لا تسلم مباشرة؛ والله ابن دقيق العيد قال إنهم اعتمدوا فقط على هذه الرواية، هو قال اعتبروا لفظ هذه الرواية فقط. لا، ليس فقط؛ لأنه مر معنا عند السفاريني أنه هناك أكثر من رواية في الموضوع، كان يعني مسحناها، يعني على الأقل في روايتين إلى الآن بين أيدينا، غير أننا نحتاج أن نتتبع كل طرق الحديث؛ لأنه الحديث متواتر أصلاً. بدك تنظر في كل الصحابة الذين رووا هذا الحديث حتى تعرف أي الروايات أوثق.
قد تكون في اعتقاد البخاري فقد يكون رأى رواية أن المسح -رأينا نمسح- أقوى وأكثر طرقاً من رواية رأى أعقاباً لم يمسها الماء. فأنت باختصار لا تسلم مباشرة للإمام ابن دقيق العيد؛ لأنه في النهاية في طرف آخر أيضاً له وجهة نظر، وأما كبار من الفقهاء.
هذا أقول ابتداءً، لكن عندي مناقشة هنا ذكرها الصنعاني في "العدة" وهي مناقشة جميلة، وقد تقوي جانب ابن دقيق العيد قليلاً. ما هي؟ يقول: ومراد ابن دقيق العيد أنه قد ورد الحديث بألفاظ؛ منها «أعقابنا تلوح لم يمسها ماء»، ومنها «ونحن نمسح على أرجلنا». ابن دقيق العيد رأى أن الحديث ورد بألفاظ، بعض الألفاظ «أعقابنا تلوح لم يمسها الماء» وبلفظ آخر «ونحن نمسح على أرجلنا»، فالوعيد على ترك الإمساص للأعقاب؛ لأنه اتفاق بين من استدل برواية المسح وبرواية أنها تركت -أو تركت أعقاباً تلوح- أن تركته محل الوعيد.
الآن، ما محل الاتفاق بين الطريقتين؟ هو قال: شوف لفظ الحديث «ويل للأعقاب من النار»، صح؟ هذا قدر مشترك بين الفريقين، بين فريق البخاري خلينا نقول، وبين فريق الروايتين، ما هو القدر المشترك؟ يقول: فالوعيد على ترك إمساص الأعقاب، أنه الوعيد ورد على الأعقاب، فالوعيد على ترك مس الأعقاب؛ لأنك تركت مس العقب، لأنه اتفاق بين من استدل برواية المسح وبرواية أنها تركت الأعقاب تلوح، أن ترك العقب هو كان محل الوعيد، يعني على كلا الروايتين محل الوعيد العقب. صح، محل الوعيد العقب، قال: «فمن حمله على ذلك فقد عمل بالروايتين»، يعني من جعل المشكلة فقط في العقب وأنه لم يصله الماء، فيكون عاملاً بكلا الروايتين.
صحيح، يعني هناك من رجح رواية المسح وهناك من رجح رواية أنها لم تغسل، حقيقة في كلا الروايتين النبي ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار». فإذا قلنا حتى على رواية المسح، ما هي المشكلة في رواية المسح؟ برضه أن العقب لم يمس الماء. يعني هو بده يقول لك إذا قلنا إن العقب لم يمسه الماء وفسرنا -جعلنا هذا هو المشترك بين كلا الروايتين- نحن خلصنا من المشكلة.
لاحظوا ماذا يقول، طبعاً هنا أنا قلت: ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق. هنا الصنعاني قال كلاماً جيداً يقول: المراد بالاتفاق هنا لا يقصد باتفاق الأمة جميعها. أنا قبل قليل لما قلت بالاتفاق ماذا قلت؟ باتفاق الجميع. ماذا يقول الصنعاني؟ ولعل الكلام يكون في وجهة نظر أقوى، يقول: أراد بالاتفاق هنا الاتفاق بين الخصمين المتناظرين في هذه المسألة وليس اتفاق الأمة؛ لأنه سيأتي أن ثمة من يقول بكفاية التطهير لما دون العقب، وإن كان هذا قولاً شاذاً جداً، بس هو يقول هناك من جوز التطهير حتى ولو لم تغسل العقب، لكن هذا قول شاذ.
فالمهم أن كلمة الاتفاق هنا، طبعاً هذا كله على تحرير الصنعاني. يعني في النهاية، هل قصد بالاتفاق فعلاً فقط بين المتناظرين؟ إنه ممكن أحياناً ينقذ الاتفاق ويرى أن القول الشاذ لا قيمة له، ففي اعتقاده يمكن يكون دقيق قصد بالاتفاق بين الأمة، لكن الصنعاني حاول يعمل التحليل، والتحليل نوعاً ما معقول أنه قال لعل ابن دقيق العيد يقصد بالاتفاق الاتفاق بين الفريقين المتناظرين.
إنه لما قال: ولا شك أن هذا موجب للوعيد بالاتفاق، وهو أن ترك العقب مع عدم وصول الماء إليه هذا موجب للوعيد بالاتفاق بين فريق البخاري وفريق ابن دقيق العيد. لماذا؟ ومراده أنه قد ورد الحديث. الآن كيف هذا يكون محل اتفاق بين الطائفتين؟ قال الصنعاني حاول يشرح لك ما مراد ابن دقيق العيد، أنه قد ورد الحديث بألفاظ؛ منها «أعقابنا تلوح لم يمسها ماء» هذا قد يتعدم مس الماء، واللفظة الأخرى «ونحن نمسح على أرجلنا».
عن هذين الروايتين، خليهم قبالة بعض، قال: فالوعيد على ترك إمساص الأعقاب، فالوعيد أن العقب لم يمسه الماء على كلا الروايتين. يقول ابن دقيق العيد ليه؟ قال لأنه اتفاق بين من استدل برواية المسح، لأنه يرى -يعني البخاري وابن خزيمة- لا يرون أن العقب إذا لم يوصل الماء يوجب الوعيد، وبرواية لأنه اتفاق بين من استدل برواية المسح وبرواية أنها تركت الأعقاب تلوح لم يصلها الماء، أن الترك لوصول الماء هو محله للوعيد ويستحق الوعيد على كلا الروايتين.
قال: «فمن حمله على ذلك»، فإنا يا إخوة كأنه ابن دقيق العيد بيقول لابن خزيمة والبخاري: إذا حملنا الحديث على أن المشكلة هي عدم وصول الماء للعقب، بكون أنا عملت بروايتكم وأنتم عملتوا بروايتي، أو عملنا بكلا الروايتين. شوف النقاش الدقيق؛ إذا نحن وإياكم حملنا الحديث أن المشكلة على عدم وصول الماء للعقب فهذا يصح هذا المعنى سواء على رواية المسح مسحناه على أرجلنا، وكذلك على الرواية الأخرى على رواية أعقاب تلوح لم يصبها الماء، فبنكون يا إخوان جمعنا بين الروايات وما قدمنا رواية على رواية.
وأيها أولى: الجمع أو الترجيح بين الروايات؟ الجمع، فهذا المعنى الذي أذكره أنا كابن دقيق العيد يجمع يعني كل الروايات ومشترك بين كل الروايات. طيب، قال: «فمن حمل على هذا المعنى وهو أن العقب لم يصله الماء وجعل هذا هو موطن المشكلة فقد عمل بالروايتين»؛ لأنه حمل رواية المسح على أن الوعيد فيها مراد به ما في الرواية الأخرى وهو عدم وصول الماء للعقب، ولهيك نحن عملنا بكل الروايات. طيب، ومن حمل الوعيد على نفس المسح وأنه المشكلة أنهم مسحوا ولم يغسلوا؟ من قال هذه هي العلة؟ ومن حمل الوعيد على نفس المسح فقد...
أخل بالرواية الأخرى، شوف الكلام الفخم. كلامه صحيح، ليه؟ لأنه إذا قلت أنت المشكلة فقط أنهم مسحوا بدل أن يغسلوا، صارت الرواية الأخرى، رواية: «فرأى أقدامًا تلوح لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب من النار»، صارت هذه الرواية غير معمول بها، لأن المشكلة باقية هي المسح، والمسح لم يذكر في هذه الرواية، إنما ذكر في هذه الرواية: «رأى أعقابًا تلوح لم يصبها الماء، فقال: ويل للأعقاب».
فأنتم ماذا تقولون؟ تقولون المشكلة أنهم مسحوا، طيب المسح مش مذكور في تلك الرواية، فكأنكم تركتم العمل برواية «أعقاب تلوح لم يصبها الماء» وعملتم فقط برواية «إننا نمسح على أرجلنا». فهذا المعنى الذي اخترته يا بخاري ويا ابن خزيمة سيجعلنا نعمل بإحدى الروايتين ونترك العمل بالرواية الأخرى.
أما المعنى الذي ذكرته، وهو أن يكون الوعيد على عدم وصول الماء للعقب، هذا يصح على كلا الروايتين؛ أنهم مسحوا على أقدامهم فلم يصل الماء للعقب، أو أنه رأى مباشرة أعقابًا لم يصبها الماء، فهذا مقبول على كلا الروايتين في المعنى. وأما أنه إذا جرى على المسح وعدم الغسل، هذا لا يقبل إلا على رواية المسح، لكن لا دلالة في الرواية الأخرى، فيكون صار عندكم نوع من الترجيح، كأنكم عملتم برواية وتركتم رواية أخرى.
ولذا قال الشارح: «ومن حمد الوعيد على نفس المسح فقد أخل بالرواية الأخرى». لذلك ماذا قال الشارح، وهو ابن دقيق: «فقد رتب الوعيد فيها على مسمى المسح، وليس في رواية المسح ترك بعض العضو». ولذا قال الشارح: «وليس فيها ترك بعض العضو»، يعني وقد ورد الوعيد عليه، أي على ترك بعض العضو بلا ريب في الروايات الأخرى، فكيف أهمل؟ يقول الصنعاني: «فكيف أهمل؟».
يعني أنت الآن عندك رواية الوعيد فيها ورد على ماذا؟ مش قلنا في روايتين للحديث؟ في رواية الوعيد فيها ورد على أن العضو لم يصله الماء، العقب، وفي رواية ورد الوعيد فيها على ماذا؟ في ظاهره أنهم مسحوا بدل أن يغسلوا. صحيح، أنت إذا أخذت أن الوعيد على المسح، أنت أخليت بالرواية الأخرى، تركتها، التي جعلت الوعيد على عدم وصول الماء للعقب.
لكن لو أخذتم بقولي -وتعتبر حال ابن دقيق- وهو أن المشكلة هي عدم وصول الماء للعقب، سواء على رواية المسح فهم مسحوا ولكن الماء لم يصل للعقب بسبب أنهم اعتمدوا المسح، وعلى الرواية الثانية اعتبرتم صريحة، سنكون هكذا نحن عملنا بكل الروايات، مش أخذنا برواية وتركنا رواية أخرى.
ولا يقال تُحمل تلك الرواية على الوعيد على المسح؛ لو واحد قال: رواية «رأى أعقابًا لم يمسها الماء» أحملها على رواية أنهم مسحوا ولم يغسلوا، أقول لك: هذا بعيد. يعني كيف بدي أحمل أن «رأى أعقابًا تلوح لم يمسها الماء» أقول والله المقصود بها أنهم مسحوا أقدامهم ولم يغسلوها؟ يعني هذا منطقيًا ولغويًا ما يضبط. فيقول: «ولا يقال تُحمل تلك الرواية رواية أعقاب لم يصبها الماء على الوعيد على المسح، والأخرى وهي رواية المسح على أنهم تركوا الأعقاب». يعني كأنه يقول لك: تُحمل هذه على هذه وما يضبط، يعني نحمل هذه على هذه وهذه على هذه.
ليه؟ قال لأننا نقول هي رواية واحدة وواقعة واحدة بدنا نتفق على هي، نحن بنحكي عن قصة واحدة. لو كان أكثر من مشهد لقلنا إنه مرة قال: «ويل للأعقاب من النار» لما رآهم يمسحون، ومرة في واقعة أخرى في حدث آخر قال: «ويل للأعقاب من النار» لما رأى أقدامًا تلوح لم يصبها الماء، لكن مخرج الحديث يدل على أنها رواية واحدة في الظاهر، وإن كان قد يناقش قضية أنها أكثر من واقعة.
قال: «ما دامت رواية واحدة، فلا بد من جمع حديثهما على معنى واحد». أنا نسختي عند الصنعاني هنا فيها نقص، مكتوب عندي: «ولا بد من جمع حديثهما على معنى واحد، وقد أمكن على أحد اللفظين دون الآخر، فيتعين...». لابد من جمع حديثهما على معنى واحد، وقد أمكن على أحد اللفظين.
الآن جمع الحديثين، الروايتين، على معنى واحد، صح؟ على أي معنى؟ على معنى عدم وصول الماء للعقب أصلاً. لكن إذا اخترت المعنى تبعك يا بخاري أو يا ابن خزيمة، أنا فعليًا ما جمعت بين الروايتين، أنا سأضطر أن آخذ برواية وأترك وأهجر الرواية الأخرى. قال: «وقد أمكن الجمع على أحد اللفظين دون الآخر فيتعين»، ويكون المراد «إننا نمسح على أرجلنا»، يكون المراد بالمسح هنا ماذا؟ ما المراد بالمسح؟ الغسل.
وأبو زيد اللغوي وغيرهم، وهذا ذكرناه سابقًا في دروس أخرى، ذكروا أن المسح يطلق على الغسل الخفيف. فيكون المراد «إننا نمسح على أرجلنا» أي نغسلها، ويكون المراد غسلًا خفيفًا، وهذا الغسل الخفيف أدى إلى ماذا؟ إلى ترك الأعقاب، تاركين للأعقاب.
أما حمل المسح على الغسل، طب هذا من أين أتيت به؟ هو يقول: هذا مجاز مقبول في اللغة كما قلنا، وقال أبو زيد وغيره للإشارة إلى أن الغسل خفيف، وإلى خفة الغسل، وأنهم غسلوه غسلًا خفيفًا، فعبر عنه بماذا؟ بأنه مسح وإن كان غسلًا. فباختصار هو يقول لك كلمة المسح هنا، يقول ابن الصنعاني شرحًا لكلام ابن دقيق: «المسح هنا لا تجعلوها مسحًا بالمعنى المتبادر إلى أذهانكم، فسروها بمعنى الغسل الخفيف»، لأنه هكذا سنجمع الروايتين مع بعضهما البعض.
لكن لو أننا بقينا مصرين أنهم مسحوا مسحًا وأنه هذا غير شرعي، صارت الرواية الأخرى «إن أعقابًا لم يصبها الماء» ما لها دلالة. فأنا حتى أجمع بين الروايتين، أجعل رواية «أعقاب لم يصبها الماء» هي الأصل، والرواية الثانية «إنهم مسحوا» قابلة للتأويل أن المسح هو الغسل الخفيف، ولأنه غسل خفيف لم يصل للعقب، فأكون استطعت أن أجمع بين الروايتين.
لكن لو جعلت الأصل رواية المسح العكس، وأنه لم يكن مسحًا ولا كان فيه أي غسل، هنا رواية «رأى أعقابًا لم يصبها الماء» كيف بدي أولها على الرواية تلك؟ سيكون التأويل متعسفًا صعبًا جدًا، وسأضطر سعيتها إذاً أن آخذ برواية المسح وأترك رواية أنه «رأى أعقابًا لم يصبها الماء». فحتى نجمع باختصار، اجعل رواية «أعقاب لم يصبها الماء» الأصل، وأول رواية المسح أن المراد بالمسح الغسل الخفيف، وهذا الغسل الخفيف سبب عدم وصول الماء للأعقاب.
وبالتالي هنا ستظهر مشكلة، اللي ابن دقيق الوعيد ما هي بس في مشكلة صغيرة على هذا التحليل، أنه إذا حملنا المسح على الغسل الخفيف، قضية أن الغسل الخفيف أدى إلى أن بعض الأعقاب لم يصبها الماء، هذا نحن كملناه من عندنا، هو لم يذكر في النص هو رآهم يمسحون، فجعلنا نمسح على أرجلنا فقال: «ويل للأعقاب».
هنا اضطررنا لعمل دلالة اقتضاء، وشوف كيف تكون تطبيقات القواعد الأصولية. عملنا دلالة اقتضاء، أي أننا قدّرنا شيئًا محذوفًا حتى يتم به الكلام. على طريقة ابن دقيق العيد، ماذا سيحدث؟ فجعلنا نقول: «فمسحنا على أرجلنا حتى لم يصل الماء إلى الأعقاب». هل هذه الجملة مذكورة؟ لا، نحن أضفناها.
من أين أضفناها؟ ليس أن كل واحد يريد أن يضيف ألفاظًا على كيفه، بل قال: هذا من حمل المطلق على المقيد. حتى هو ممكن ألا يجعلها من دلالة الاقتضاء، بل يقول إنها من حمل المطلق على المقيد. فما هو المقيد؟ الرواية الأخرى رواية: «رأى أعقابًا لم يصبها الماء»، هي رواية مقيدة. أما رواية: «فمسحنا على أرجلنا»، فقال: «ويل للأعقاب»، فهي رواية مطلقة ما فيها التقييد، أي لم يذكر فيها أننا مسحنا حتى لم يصل الماء إلى أعقابنا، هذه رواية مطلقة، لكن سنقيدها بالرواية الأخرى التي قال فيها: «فرأى أقدامًا تلوح لم يصبها الماء».
ممتاز، قال: فيُحمل من باب حمل المطلق على المقيد. وأما التقييد بتاركين؛ فالآن ماذا يعني كلام الصنعاني؟ "أما التقييد بتاركين" يعني أننا قيدنا رواية المسح بأننا «فمسحنا على أرجلنا تاركين أعقابنا». من أين جئت بهذا؟ هو غير مذكور، ولكننا جئنا به من حمل المطلق على المقيد، حملنا هذه الرواية المطلقة على الرواية المقيدة، وانتهى الموضوع هنا. الصنعاني أحب أن يضع بصمته وأضاف فكرة حقيقية فيها جانب إقناعي لا بأس به.
يقول الصنعاني: «وقلت وهنا ما هو أوضح في رد الاستدلال بالحديث على عدم الإجزاء بالمسح». هو كان الصنعاني يميل مع ابن دقيق العيد إلى أن الحديث ليس موضوعًا للإنكار على المسح نفسه، بل قال: «وهو أنه لو أريد الإنكار على المسح لقال ويل للأقدام من النار ولم يقل ويل للأعقاب».
هذا كلام جميل وصحيح؛ فلو كانت المشكلة أنهم مسحوا بدل أن يغسلوا، وليس أن الماء لم يصل إلى الأعقاب، لكان لماذا خَصَّ العقب بالذكر؟ إذا كانت المشكلة أنكم مسحتم ولم تغسلوا أقدامكم، فمسح الأقدام يقع على كل القدم، فكان ينبغي أن يقول: «ويل للأقدام من النار». لكن لما قال في رواية المسح: «ويل للأعقاب»، فهذه إشارة إلى أن هناك مشكلة حدثت في العقب، وهذا كلام علمي صحيح. أنا عندما أراك تمسح على رجلك وأقول لك: «ويلي عقبك»، ماذا ستفهم؟ ستفهم أنني لا أنكر عليك المسح، بل أنكر أن شيئًا لم يصل للعقب. ولو أردت أن أنكر المسح نفسه، لما قلت «ويل عقبك»، بل قلت «ويل رجلك من النار» لأنك مسحتها بدل أن تغسلها.
فلما خَصَّ الويل بالعقب في رواية المسح، فهذا يدل على أن هناك شيئًا حدث في العقب، ولذلك ذكره. فإذن هذا يؤيد أنه في تقييد لا بد منه، وهو: «فمسحنا على أرجلنا ولم يصل الماء إلى أعقابنا»، ويكون المسح المراد به الغسل الخفيف، فتكون كل مشكلة الحديث في ترك بعض العضو بعدم إصابة الماء إليه. نحن نتفق عمومًا أن المسح بدل الغسل لا يجزئ، لكن نقول هذا الحديث لا يدل على ذلك، والله أعلم، وليس هذا سياقه.
لكن إذا قرأت الآن للسفاريني في «كشف اللثام»، ستجد أنه يرى أن الحديث كله يتكلم عن مسألة أن المسح للقدم لا يجزئ، وأن الغسل أولى منه. طبعًا هذا رأي، ونحن في النهاية نحترمه ونقدره، فهو رأي أئمة كبار، لكن الإنسان يحاول أن ينظر بين كلام العلماء: أيها أقرب للدلالة في فهمنا واجتهادنا؟ ونسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكل العلماء الخير والتوفيق والسداد.
أظن بقي شيء في الحديث معلق عليه من كلام ابن دقيق، قال: «ويستدل به على أن العقب محل للتطهير، فيبطل قول من يكتفي بالتطهير فيما دون ذلك». وهذا هو الذي أشار إليه الصنعاني؛ أن هناك قولًا ضعيفًا يرى أن القدم إذا غسلتها لا تحتاج أن تغسل العقب. ولما ذكر العقب وتوعد عليه، فهذا يدل على أن الأعقاب -وهي مؤخر القدم- هي من محل التطهير، وبالتالي كل من يقول إن غسل القدم يجزئ ولو لم يصل الماء إلى العقب فكلامه مردود بهذا الحديث.
قال الصنعاني: «فيبطل قول من يكتفي بالتطهير بما دون ذلك»، كأنه يشير إلى قول الإمامية. لذلك قلت لك إنه قول ضعيف، وهو قول الشيعة الإمامية وغيرهم من القائلين بالمسح، فإنهم يقولون ما دام المسح يكفي بدل غسل القدم، فعاملوا المسح مثل مسح الخف؛ فأنت عندما تمسح على الخف هل يجب أن تمسح العقب؟ لا، فقالوا كذلك إذا مسحت رجلك مباشرة لا يلزم أن تمسح العقب، ولا يجب تعميم القدم بالمسح.
قال العاملون من الإمامية في شرح الأربعين: «لهما لفظة لا يجب استيعاب الرجل». والصنعاني خبير بقول الشيعة، لأنه يمني ومطلع ودرس مذهب الزيدية، فإطلاعه على مذهب الرافضة اطلاع قوي، يقول: «لا يجب استيعاب الرجلين بالمسح، بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين»، وتلاحظ أنه لم يذكر العقب، وقال: «ولو بإصبع واحدة، وهو إجماع فقهاء أهل البيت».
علق الصنعاني قائلاً: «ومنه تعرف أنه لا يجب عندهم مسح الأعقاب، لأن العقب مؤخر القدم، ومن لا يجب عنده استيعاب ظهر القدم لا يجب عنده مسح العقب». وإن كان حتى النص محتمل أنه حتى لما ذكر قال: «لا يجب استيعاب الرجلين بل يكفي المسح من رؤوس الأصابع إلى الكعبين ولو بإصبع واحدة»، فحتى ظاهر القدم لم يستوعبه. فممكن يكون السياق: «ومن لا يجب عنده استيعاب ظهر القدم أصلاً فلا يجب عنده مسح العقب من باب أولى»، إلا إذا كان يقصد أن مذهبهم هو استيعاب ظهر القدم فقط، لكن كلمة «ولو بإصبع واحدة» جاءت في السياق السابق.
لكن في الحاشية قال: «ويجب عندهم استيعاب القدم طولًا فقط». إذن هو يقصد ذلك، لأنه قال بعد ذلك في نقل آخر: «أوجب عند الشيعة الإمامية استيعاب القدم طولًا فقط». فلعله إذا مشى على الكلام السابق: «ومن لا يجب عنده إلا استيعاب ظهر القدم لا يجب عنده مسح العقب»، وأما من أوجب الغسل، فلا أعلم قائلاً منهم يقول إنه لا يجب غسل العقب.
صلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل