بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التاريخ على كتاب «إحكام الأحكام في شرح حديث سيد الأنام» صلوات ربي وسلامه عليه، في إملاء الإمام الحافظ ابن دقيق العيد رحمه الله، على كتاب الحافظ عبد الغني المقدسي «عمدة الأحكام». وصلنا إلى الحديث الرابع، وقبل أن أشرح في الحديث الرابع كنت أود أن أنبه في الدرس الماضي على قضية متعلقة بالحديث الأول، فاتني التنبيه عليها وذكرتها بعد الدرس لأذكرها حتى ولو تأخر المقام، من باب أن يستفيد الطالب.
وهو أننا عندما تكلمنا في حديث «إنما الأعمال بالنيات» نجد أن الحديث تكلم عن صورتين بعد قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى﴾ [البقرة: 286]؛ فالصورة الأولى صورة من هاجر إلى الله ورسوله فنيته خالصة للهجرة إلى الله ورسوله، فقال: ﴿فَمَن كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 15]، وجعل الصورة المقابلة لمن هاجر ونيته محصورة في الدنيا أو امرأة يتزوجها، فقال عليه الصلاة والسلام: «فهجرته إلى ما هاجر إليه».
فهناك خياران في الحديث: الهجرة إلى الله ورسوله، أو الجهة المقابلة تماماً، الهجرة إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها. ثم بحث الفقهاء والعلماء بعد ذلك صورة ثالثة محتملة، وهي أنه إذا هاجر هجرة مشتركة؛ ماذا يقصد بهجرة مشتركة؟ جمع فيها بين النيتين بأن هاجر بنية الله ورسوله مع غرض دنيوي يقصده، فإذا جمع بين النيتين فما حكم هذه الهجرة؟ وهل يجوز أن يجمع بين النية الشرعية بنية دنيوية، أو ما يسمى بالغرض الدنيوي؟
بحث هذه القاعدة مجموعة من العلماء، منهم العز بن عبد السلام والقرافي وغيرهم، وأثبتوا أن الأصل باستقراء نصوص الشريعة أنه يجوز أن يجمع بين الغرض الديني والغرض الدنيوي إذا لم يكن نفاقاً ولا رياءً. بمعنى لو أن شخصاً ذهب إلى الحج بنية الحج وقصد أيضاً الاتجار، فالله سبحانه وتعالى أذن له بذلك: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]، كما نص سبحانه وتعالى في موسم الحج.
كذلك لو أن رجلاً خرج إلى الغزو في سبيل الله، وأراد بذلك إعلاء كلمة الله مع إصابة حظ من الدنيا من الغنيمة، فهذا أيضاً جائز. وقد جاء رجل النبي ﷺ طلب منه أن يساعده في مهر، فالنبي ﷺ أنكر عليه أنه وضع مهراً عالياً ثم وعده خيراً، فجاءت سرية من السرايا فأخرج الرجل معهم، قال: «لعلك تصيب منها إذاً»، فالرجل لم يخرج فقط للقتال، بل هو أحب أن يصيب شيئاً من الدنيا يعينه على الزواج، وهذا يدل على هذا الأصل؛ وهو أنه يجوز أن يشرك بين النية الشرعية الصالحة وبين نية غرض من الدنيا.
وإن كان القرافي قال: «ولا يمنع ذلك أن نقول إن من شرك ضعف أجره»، يعني هل من فعل الطاعة فقط ابتغاء وجه الله كمن فعلها ابتغاء وجه الله مع غرض إصابة أمر دنيوي، أم قد ينخفض أجره؟ قال: لا يمنع، نحن لا نجزم لكن نقول لا يمنع أن يقل أجره، وإن من جعل العمل خالصاً لله ولم يشركه بنية دنيوية أن يكون أجره أعظم. أما إذا كانت النية المشركة مع النية الشرعية هي ابتغاء وجه الناس والرياء والنفاق وحب الظهور، فهذا هو التشريك الذي يؤدي إلى إحباط العمل وإبطال النية الشرعية.
وهذا نبينه حتى يضاف إلى الصور المذكورة في الحديث لتتسع دائرة فهمك؛ لأن الحديث ذكر صورة النية الشرعية فقط أو النية الدنيوية فقط، فنزيد نحن من باب التنقيح والتحرير وفهمنا لنصوص النبي ﷺ وكتاب الله عز وجل بعض الصور التي يمكن أن يُسأل عنها، وهي التشريك بين النية الشرعية والمنفعة الدنيوية، وبين التشريك بين النية الشرعية والرياء والسمعة. فالأول جائز وإن كان قد يقلل الثواب، وأما الثاني حرام؛ أن تشارك بين النية الشرعية والرياء والنفاق وحب الظهور والسمعة، وهذا يؤدي إلى إبطال النية الشرعية.
ثم بعد ذلك يفصل الفقهاء في الحالة الثانية، وهي أن من شرك بين النية الشرعية والرياء؛ هل إذا كانت نية الرياء موجودة مع النية الشرعية ابتداءً فهذا يؤدي إلى إحباط العمل؟ وبين إذا ما كانت النية الشرعية هي التي كانت في البداية ثم في أثناء العمل طرأت نية الرياء أو النفاق أو حب الظهور، فهنا اختلفوا؛ فمنهم من قال تبطل النية الشرعية من البداية ويبطل العمل من بدايته، ومنهم من قال تحدث المقاصة، وهو أنه ما كان من العمل بنيته الشرعية فهذا القسم من العمل مقبول عند الله، والقسم الذي دخله الرياء والسمعة فهذا القسم الذي لا يقبله الله سبحانه وتعالى.
وأما إذا كانت نية الرياء طرأت ما بعد العمل، والعمل تم تماماً بنية شرعية صالحة، فالأظهر من كلامهم أن العمل مقبول وإنما يأثم على تلك النية وحدها، إذا طمع عندها وأحبها ومال إليها، أما العمل نفسه فقد تم بنية شرعية صحيحة فلا تؤثر النية الطارئة بعده. فهذه فقط مسائل أحببت أن أشير إليها، يمكن أن تضيفها إلى ذلك الموطن.
نشرح في حديث اليوم مستعينين بالله الحديث الرابع من «عمدة الأحكام» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء».
وفي لفظ، وهذا اللفظ الثالث انتبهوا له من توضأ في النسخ المتداولة من «عمدة الأحكام» وشُرح عليها كثير من الشراح: «من توضأ فليستنشق»، هكذا هي النسخة التي بين أيديكم، ولكن ما شرح عليه السفاريني في «كشف اللثام» وهو المشهور حقيقة في الصحاح، أن اللفظة هي: «من توضأ فليستنثر» وليست «من توضأ فليستنشق».
مع أن يا شيخ النسخ التي بين أيدينا والمتداولة وأكثر ما عليه الشروح لفظها: «من توضأ فليستنشق»، يقول: لعل هذا قد يكون إشكالاً من النساخ وقع في النسخ وتكون هذه النسخ هي التي وجدت واعتمدها الناس، لكن كما قلت لكم السفاريني رحمه الله انتبه لهذا، والكتب التي بين أيدينا من الصحاح تثبت أن اللفظة الثالثة في هذا الحديث هي: «من توضأ فليستنثر»؛ فلذلك سنشرح بناءً على هذا التعديل.
راوي هذا الحديث هو أبو هريرة رضي الله عنه، وقد تم التعريف به سابقاً، فلا.
نعيد ما تم بيانه؛ هنا فقط من باب تسلسل الأحاديث. الحديث الأول كان يتكلم عن النيات، وعرفنا لماذا ابتدئ بهذا الحديث في عمدة الأحكام. الحديث الثاني كان يتكلم عن قاعدة عامة في باب الطهارة، وهو أن الطهارة هي مفتاح الصلاة، فلا بد من الطهارة من الحدث؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، والحديث هنا وإن كان عن الحدث الأصغر فمن باب أولى الحدث الأكبر.
فهذه قاعدة؛ الحديث الثاني الكلام عن ضرورة الطهارة من الأحداث، وأن الطهارة كما عرفناها هي ارتفاع حدث وما في معناه، وزوال ما في معناه. فالحديث الثاني يركز على مركزية وأهمية ماذا؟ أن الصلوات لا تقبل إلا إذا رُفع الحدث.
والحديث الثالث كان يتكلم عن ضرورة إسباغ الوضوء؛ فما دام الحديث الثاني يتكلم عن لزوم الوضوء، فالحديث الثالث ركز على قضية ضرورة إسباغ الوضوء، وأن لا يترك الإنسان موضعًا من أعضاء الوضوء لم يصبه الماء، وكذلك بالتالي تقيس عليه الغسل؛ إذا كنت تغتسل غسل جنابة أو شيء من ذلك فلا يجوز أن تترك موضعًا لم يصبه الماء، وهو حديث: «ويل للأعقاب من النار».
حديث اليوم حقيقة أيضًا من الأحاديث الأساسية في باب الطهارة، حديث متفق عليه، مشهور معلوم، فيه جملة من الأحكام حقيقة وليس حكمًا واحدًا. نتكلم أولًا عن حكم الاستنشاق والاستنثار، والمسألة الثانية تتعلق بالاستجمار، والمسألة الثالثة متعلقة بغسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم. كل مسألة من هذه فيها بحث عميق ودقيق يحتاج منها إلى وقفة لنفهم كيف تستنبط الأحكام وكيف تحلل النصوص تحليلًا عميقًا من العلماء الأكابر رحمه الله تعالى.
يقول ابن دقيق العيد رحمه الله: «فيه مسائل؛ الأولى في هذه الرواية: "فليجعل في أنفه"، الآن في النسخ المشهورة، قال: ولم يقل ماء. الآن الحديث بين أيدينا هو: "فليجعل في أنفه ثم لينتثر"، أين كلمة ماء؟ هنا في نقاش ابتدأنا فيه؛ لماذا قال فليجعل في أنفه ثم لينتثر ولم يقل ما الذي سيجعله في أنفه؟ طبعًا هنا ابن دقيق العيد يقول: هذه الرواية مبنية على الحذف للمعلومية، وحذف ما يعلم جائز، كما تقول زيد في بعد من عندكم، كما قال ابن مالك في الألفية: يجوز حذف ما يعلم».
فيقول ابن دقيق العيد: "فليجعل في أنفه" ولم يقل "ماء"، وهو مبين في غيرها، أي في الأحاديث الأخرى، مبين أن الذي سيجعله في الأنف هو الماء، وتركه لدلالة الكلام عليه. لكن السؤال: هل كل ألفاظ وروايات هذا الحديث لم تذكر فيها كلمة ماء؟
هنا يقول الصنعاني رحمه الله: «وقد ثبت لفظ الماء في صحيح البخاري في رواية أبي ذر الهروي وسقط في رواية غيره، إذا في صحيح البخاري في رواية أبي ذر الهروي بالتحديد وردت: "فليجعل في أنفه ماء"، أيضًا وكذلك ثبتت كلمة الماء في رواية مسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد، كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري».
فإذًا ليس متفقًا في روايات هذا الحديث على إسقاط لفظ الماء، ولذلك الصفاريني في كشف اللثام شرح على النسخ التي فيها الماء، فهكذا أورد الحديث: "فليجعل في أنفه ماء". وأما ابن دقيق العيد فلعله النسخ التي بين يديه هي النسخ التي ليس فيها لفظ الماء، فتوهم أن لفظ الماء غير وارد في سياق الحديث فقال: حُذف للمعلومية وتعرف من أدلة أخرى أو تُبين في أماكن أخرى.
فإذاً هذه تنبه على أن الفائدة الأولى التي ذكرها ابن دقيق العيد مبنية على أنه لم يجد لفظ الماء في الحديث، ولكن نحن عدلنا الآن وبينا أن لفظ الماء وارد في صحيح البخاري؛ طبعًا صحيح البخاري الذي هو أكثر من رواية، منها رواية أبي ذر الهروي هذه الرواية فيها لفظ الماء غير الرواية الأخرى، أيضًا التي في صحيح مسلم من طريق سفيان عن أبي الزناد فقد ورد فيها لفظ الماء أيضًا.
الآن هل ابن دقيق العيد لما قال: "في هذه الرواية فليجعل في أنفه ولم يقل ماء، وهو مبين في غيرها"، هل يقصد بقوله "وهو مبين في غيرها" رواية مسلم؟ محتمل، يعني حتى أضع له كل الأعذار، هل يقصد رواية مسلم الأخرى أم يقصد "وهو مبين في غيرها" أي في سياقات الأحاديث الأخرى؟ هذا الذي ظهر لي أنه يقصد أحاديث أخرى في صفة الاستنشاق أنه يجعل، وليس في روايات هذا الحديث بالتحديد. ويقصد ابن دقيق العيد -وإن كان هذا الاحتمال يبقى قائمًا لأنه قال وهو مبين في غيرها- ماذا يقصد "وهو مبين في غيرها"؟ في روايات أخرى، أو يقصد من الأحاديث الأخرى في سياقات هذا الموضوع؟ الطهارة مسألة فيها احتمال والله أعلم.
بسم الله، الثانية: "تمسك من يرى وجوب الاستنشاق"؛ تمسك به، أي بهذا الحديث، من يرى وجوب الاستنشاق، وهو مذهب أحمد، ومذهب الشافعي ومالك عدم الوجوب، حملًا للأمر على الندب. دعونا نحلل الحديث أصوليًا، وهذا أول تطبيق على قاعدة أن الأصل في الأمر الوجوب ما لم تأتِ قرينة تدل على الندب.
ما هي القرائن التي يلتفت لها العلماء؟ وهذا الحقيقة سنتعمق فيه في هذا الحديث، أن تبدأ تتقوى في فهم ما هي القرائن فعلاً التي يلتفت لها العلماء فيصرفون بها الأمر عن الوجوب إلى الندب؛ ستجد أن هناك قرائن كثيرة وغريبة وعجيبة لا تظهر للطالب المبتدئ إلا بالتمرس، فيفهم بعد ذلك: "آه، والله لماذا قال العلماء بالندب وليس بالوجوب".
وللأسف أن كثيرًا من الطلبة الذين يبتدئون دون دراسة أصول الفقه والتعلم على المشايخ مباشرة يقول: "الأمر يقتضي الوجوب، إذًا هذه المسألة على الوجوب، ومن قال فقد خالف ذلك، فقد خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم"؛ يعني يتعامل مع الموضوع ببساطة زائدة، ولا يعلم أن هناك قرائن علمية يعتمد عليها العلماء، ولا يحق لك أيها المبتدئ أن تعترض على عالم لماذا قال بالندب ولم يقل بالوجوب بحجة أن الأمور واضحة. نعم بالنسبة للطالب المبتدئ كل شيء واضح، لكن العالم لا يرى أن الأمور تُفكر فيها بهذه الطريقة وبهذا المنطق، وإلا سيقع في كثير من الإشكالات.
فلنبدأ الآن باللفظ، الجملة الأولى من الحديث: "إذا توضأ أحدكم"، هناك صيغة أمر: "فليجعل في أنفه". دعونا نشرح على رواية الماء: "فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر". عندنا "ليجعل" و"لينتثر"، هاتان لفظتان: فعل مضارع متصل بلام الطلب، فهو يفيد الأمرية هنا، والقاعدة عند الجمهور أن الأصل في الأمر إذا تجرد عن القرائن أنه يفيد الوجوب. وبالتالي كما قال ابن دقيق العيد، اختلفوا في هذا الأمر؛ هل الأمر في "ليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر" يفيد الوجوب؟ وجوب ماذا؟ طبعًا الاستنشاق.
هل الاستنثار واجب؟ نعم، لو أن واحداً استنشق لكنه لم يستنثر؛ فالاستنثار سنة يا إخواني حتى على مذهب أحمد. الواجب هو المضمضة والاستنشاق.
يقول النبي ﷺ: «فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر». يقول ابن دقيق العيد: تمسك به من يرى وجوب الاستنشاق بناءً على «فليجعل في أنفه ماء»، وهذه صيغة أمر. وبالتالي مذهب أحمد في المعتمد مشى على أن الاستنشاق ركن في الوضوء وفي الغسل كذلك.
لكن الشافعية والمالكية ماذا قالوا؟ قالوا لا، الاستنشاق مع المضمضة ما كانت المضمضة هي لم تُذكر في الحديث، فجمع بعضهم أنهما ليسا واجبين، وحملا الأمر بـ «ليجعل في أنفه ماء» على الندب.
لماذا حملتم على الندب؟ تحتاج إلى قرينة. لاحظوا ما هذه القرائن التي اعتمدتم عليها؟ قالوا: بدلالة ما جاء في الحديث من قوله ﷺ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، فأحال على آية المائدة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. هل في آية المائدة ذكر المضمضة أو الاستنشاق؟ قالوا: لا، قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، بالتالي في آية المائدة لم تُذكر المضمضة والاستنشاق، والنبي ﷺ أحال الأعرابي عليها، وعادة الأعراب يُطلب منهم الأساسيات ولا يُطلب منهم الندب حتى لا يُضيق على مسكين بسيط. فقالوا: ما دام أحاله على الآية، وفي الآية لم تُذكر المضمضة والاستنشاق، فهذا يدل على أن المضمضة والاستنشاق اللذين كان يفعلهما ﷺ إنما كان يفعلهما على سبيل الندب وليس على سبيل الوجوب، وهذه هي القرينة مما قاله للأعرابي.
لذلك قال ابن دقيق العيد: وليس فيها ذكر الاستنشاق. لكن هل هذه القرينة سنوافق عليها؟ حقيقة فيها نقاش. أولاً يقول أصحابنا: النبي ﷺ أحال على آية المائدة، لكن في آية المائدة قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، والنبي ﷺ بفعله بين صفة غسل الوجه، وأنه من غسل الوجه المضمضة والاستنشاق. يعني ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هي أيضاً تحتاج لتفسير كما أن ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ستحتاج إلى تفسير؛ كم نمسح من الرأس؟ الربع أو ثلاث شعرات أو جميع الرأس؟ هذا خلاف بين المذاهب، ونعتبر فعل النبي ﷺ مبيناً لهذا الإجمال.
كذلك لما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، من الوجه الفم والأنف، فعرفنا ما الذي يدخل في غسل الوجه. فلذلك مجرد الإحالة على تلك الآية لا يعتبر بالنسبة لنا قرينة واضحة على أن هذا يُصرف من الوجوب إلى الندب، وأنه إحالة على عدم المضمضة والاستنشاق.
هناك لفظة كنت أبحث عنها في حديث، نعم هنا في العدة، كنت أظنها في كشف اللثان، لكن ماذا يقول الصنعاني؟ إلا أنه قد أخرج أبو داود من حديث رفاعة في قصة الأعرابي، وفيه أنه قال ﷺ: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى». هنا «كما أمره الله تعالى»، ثم شرح النبي ﷺ في رواية أبي داود فقال: «فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».
في هذه الرواية، هو شرح ﷺ للأعرابي كيف يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، فقال: «فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين»، ولم يبين للأعرابي أنه الآن في موضع بيان، ولم يبين له أن غسل الوجه يدخل فيه المضمضة والاستنشاق. فهذه الرواية أقول: قد تقوي وجهة النظر التي تكلم فيها ابن دقيق العيد، أن هو لم يقتصر في رواية أبي داود على مجرد الإحالة، بل هناك زيادة الشرح: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين». فهنا لما فصل له، قالوا لم ينص على المضمضة والاستنشاق، وهذا قد يكون قرينة تساعد، أن الأصل هذا موطن بيان وموطن شرح، لما ذكر له: «فيغسل وجهه»، لم يذكر له قضية المضمضة والاستنشاق.
فأقول: هذا فيه قوة على ما ذهب إليه المالكية والشافعية. وإن كان البعض يعتبر أنه حتى في هذا الحديث لما قال: «فيغسل وجهه»، ثم لما توضأ ﷺ فعل فعلاً، وفعله يعتبر حتى شارحاً لهذا القول؛ فلما قال للأعرابي: «فيغسل وجهه»، يقصد بذلك المضمضة والاستنشاق عند أصحابنا أنها داخلة، لأن البيان الفعلي هنا سيكون أوضح من البيان القولي؛ أوضح من أن أقول لك اغسل وجهك ولا أطبق أمامك كيف تغسل وجهك.
هنا البيان الفعلي سيكون أوضح من مجرد البيان القولي، ونحمل قوله: «فيغسل وجهه» نفس الفكرة، يغسل وجهه بالطريقة التي كان النبي ﷺ يغسل وجهه فيها. لأنه نفس المشكلة ستتكرر في قضية «ويمسح رأسه»، هنا النبي ﷺ قال: «فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين»، طيب ويمسح رأسه؟ سيحتاج الأعرابي أن يعرف كيف أمسح رأسي، فيحتاج أن يسأل عن البيان الفعلي كيف كان النبي ﷺ يمسح رأسه. فبالتالي هي ليست قرينة حقيقة ملزمة للحنابلة، لأن سيبقى كما أنه «اغسل وجهك» فيها إجمال و«امسح رأسك» فيها إجمال، سيبقى الأمر متعلقاً بالبيان الفعلي، فتبقى القرينة ليست في أقوى درجاتها، ويبقى عندنا ظواهر أفعال النبي ﷺ التي جاءت مبينة لآية المائدة، ولم يتوضأ ﷺ وضوءاً نُقل إلينا بدون مضمضة واستنشاق، مع أنه كان من سنته وعادته أن يترك بعض الأمور لبيان الجواز، ولكنه لم ينقل إلينا في مما ثبت أنه ترك في وضوئه المضمضة والاستنشاق، فيبقى عند أصحابنا الأمر على الوجوب.
نأتي الآن، الأفكار كثيرة حقيقة لأنني أنا أقرأ من أكثر من كتاب، هناك بعض الأفكار يجب أن نجمعها. انتقل إلى النقطة الثالثة من دقيق العيد. قال: المعروف أن الاستنشاق... سنبدأ بتعريف الاستنشاق. الآن نحن عندنا ثلاث روايات ذكرها الحافظ عبد الغني المقدسي؛ ذكر الرواية الأصلية ثم ذكر الرواية الثانية: «ليستنشق بمنخريه من الماء»، هذه الرواية في لفظ مسلم، وتتمتها: «ثم لينتثر». لكن هو ذكر لفظة الاستنشاق لأنها مهمة بالنسبة له كون لم تُذكر في الرواية الأصلية. الرواية الأصلية: «فليجعل في أنفه ماء». لماذا ذكر رواية مسلم هنا؟ لأنه فيها تصريح بالاستنشاق، والاستنشاق مفهوم أخص من «فليجعل في أنفه ماء»، لأنه إذا قلت اعتمدت الرواية الأولى فقط: «فليجعل في أنفه ماء»، فظاهرها أنني آخذ الماء أجعله في أنفي ولا حاجة للجذب.
جعلت في أنفي ماء ثم أفعل كذا وانتهى الملف، وأكون أنا حققت المطلوب، لكن ليس هذا هو المطلوب؛ ليس المطلوب فقط أن تجعل في أنفك ماء، المطلوب أن تجعل الماء ثم تجذبه، وإذا لم تجذب كما قال أصحابنا لم يتحقق الواجب. وكذلك عند المالكية والشافعية لم تتحقق السنة؛ لأن السنة ليست فقط في وضع الماء في الأنف، لأنك يمكن أن تضع الماء في الأنف لكنك لا تجذب.
فلذلك من حسن تصنيف الحافظ عبد الغني المقدسي أنه جاء برواية مسلم التي فيها التنصيص على «فليستنشق». هنا ابن دقيق العيد علق ماذا قال؟ قال: الاستنشاق هو جذب الماء إلى الأنف، أنت تضع الماء هنا ممكن تجعله في الأنف لكنك تجذب بعد ذلك جذب الماء إلى الأنف. قال: والاستنثار ما هو في المقابل؟ قال: دفعه للخروج، هذا هو المشهور؛ المشهور أن الاستنشاق هو جذب الماء إلى الأنف، والاستنثار هو دفعه للخروج.
قال: ومن الناس من جعل الاستنثار لفظاً. انظر كيف العالم الذي أنتج لك هذا الفقه يبحث في الدلائل بطريقة للأسف لا يبحثها الطلاب المعاصرون، ولا ينتبهون إلى ضرورة الأبحاث اللغوية التحريرية للألفاظ. قال: من الناس من جعل الاستنثار لفظاً يدل على الاستنشاق الذي هو الجذب، وأخذه من النثره. يقولون الاستنثار ما أصله؟ يقولون من النثره وهي طرف الأنف، فلما تقول الاستنثار هي النثره وهي طرف الأنف، فقالوا الاستنثار على وزن استفعال يدخل بالتالي تحته الجذب والدفع والإخراج.
إذا قلنا هو سؤال: الاستنثار مأخوذ من ماذا؟ اشتقاقه اللغوي حتى نفهم ما دلالة الاستنثار؟ يقول ابن دقيق: بعض العلماء يقول الاستنثار مأخوذة من النثره، وهذه النثره كما أنها تصلح لدفع الماء تصلح لإدخال الماء، هي منها يدخل ومنها يخرج، فإذا قلت استنثر نسبة إلى النثره، إذاً هذه ما الذي يلزم أن تكون هي الإخراج؟ لماذا ما تكون هي أيضاً الإدخال؟ فلذلك هو قال: ومن الناس -ويقصد من الناس هنا أهل العلم، هذه عبارات الفقهاء مش الناس- قال: ومن الناس من جعل الاستنثار لفظاً يدل على الاستنشاق الذي هو الجذب وأخذه من النثره.
طبعاً الصنعاني يقول: وهناك احتمال آخر أن تكون الاستنثار مأخوذة ليس من النثره وإنما من نثر الشيء؛ قال إذا كان اشتقاقها من نثر الشيء إذاً ألقاه، فهنا الاستنثار سيكون خاصاً بالإخراج، أما إذا قلنا إنه مأخوذ من النثره وهي طرف الأنف، فعندئذ كلامه صحيح، يكون الاستنثار يصلح أن يطلق على الاستنشاق وهو الإدخال، ويصلح أن يطلق على الإخراج وهو الدفع.
الآن ماذا أكمل؟ قال: والاستفعال، الاستنثار (الألف والسين والتاء) يدخل تحته الجذب والدفع معاً. طبعاً كلمة معاً هنا ماذا قصد بها ابن دقيق العيد؟ هذه وقفات كثيرة مع ابن دقيق العيد، ماذا يقصد هنا لما قال: والاستفعال يدخل تحته الجذب والدفع معاً؟ هل يقصد بكلمة معاً أن كلمة استنثار تصلح أن تطلق على هذا الاستنشاق (الإدخال) وهي تصلح أن تطلق على هذا؟ قد يكون مراده أنه يصلح -يعني كلمة استنثر يصلح أن تطلق- حتى إذا قرأتها في الأحاديث النبوية يصلح أن تشرح استنثار بمعنى إدخال الماء بمعنى الاستنشاق، ويصلح أن تشرحها على معنى إخراج الماء. أم يقصد بكلمة معاً أنه كلمة استنثر أو الاستنثار إذا وردت في الحديث نحملها على المعنيين معاً: الإدخال والإخراج؟
هذا سيقودنا إلى قاعدة أصولية، المعنى الثاني وهي أن اللفظ المشترك هل يحمل على جميع معانيه إذا لم يكن بينها تعارض؟ الآن الألفاظ المشتركة أيها الكرام، مثل لفظ العين؛ لفظ العين تطلق على العين الباصرة، وتطلق على عين الماء، وتطلق على الجاسوس. فإذا قلت رأيت عيناً، هل يصح أن أقول رأيت عيناً وأقصد كل المعاني التي يصلح عليها لفظ العين؟ رأيت عيناً وأقصد بها الجاسوس والماء والذهب؟ هل يجوز هذا أن يحمل في الشرح أن يفسر الكتاب والسنة إذا ورد فيها لفظ مشترك أن يحمل على جميع معانيه، أم أنا ملزم في اللفظ المشترك أن أحمله على معنى واحد؟
هذه مسألة اختلف فيها الأصوليون، مسألة حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه، بس بشرط؛ هم يقيدون هذه القاعدة: اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه إذا لم يكن بينها تعارض. أحياناً قد تكون لفظاً مشتركاً معانيه متعارضة، مثل القرء؛ مشترك يطلق على الحيض وعلى الطهر، فلا يصير أن أقول والله اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه، فقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِنَّ أَجَلَهُنَّ﴾، أو في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، لا نحمل القرء على الحيض والطهر معاً؛ لأنهما أضداد لا يجتمعان، هذا عكس هذا. لكن العين تفسيرها بالجاسوس أو بالماء وهذا ليس تضاداً.
فالقاعدة في هذا النوع: اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد وتعارض. فالمعتمد والمشهور عند الشافعية وعند أصحابنا الحنابلة كما ذكر المرداوي في التحرير، وذكر ابن النجار أيضاً، المعتمد عند الحنابلة والشافعية نعم، يجوز حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه. وبالتالي إذا قلت إن ابن دقيق العيد يقصد بكلمة معاً أنه يجوز إذا ورد لفظ استنثر في الحديث أن أحملها على الاستنشاق والإخراج، يجوز بالتالي أن أفسر الحديث بهذا، بشرط أن يأتي معي الحديث الذي ورد فيه لفظ الاستنثار فقط دون لفظ الاستنشاق معه. يجوز أن يحمل الاستنثار فيه على ماذا؟ على الجذب والإخراج معاً.
طيب، هل في حديث مثل كذا؟ نعم، وهو حديث يستدل به أصحابنا الحنابلة، ما رواه أبو داوود في سننه قال صلى الله عليه وسلم: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا». فلا تجده في شرح المنتهى وشرح الكشاف والمغني، يعني هذا من الأحاديث المشهورة المعتمدة عندنا في شروح أو أدلة الحنابلة، وأدلة من يعتمد قولنا أيضاً من الفقهاء، أنه قال صلى الله عليه وسلم مباشرة هكذا: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا»، ما قال استنشقوا واستنثروا، لا، قال مباشرة: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا».
طيب هنا على ماذا سأفسر الاستنثار؟ هل ستقول لي "استنثروا مرتين" هو يطلب مني أن أخرج الماء؟ طيب أين إدخال الماء؟ ففي هذه الحالة إذا ذكر الاستنثار وحده، فهنا ينبغي أن يحمل الاستنثار على العمليتين معاً: الإدخال والإخراج؛ لأن كليهما صحيح بناءً على أن الاستنثار من النثره. فهمتم الآن كيف تسلسل الأفكار؟ إذا قلنا الاستنثار من النثره، وبالتالي كما قال ابن دقيق العيد هو يصلح أن يطلق على الجذب والدفع معاً، فالأصل إذا ورد في لفظ الحديث فقط لفظ الاستنثار كحديث أبي داوود: «استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا»، الأصل أن يحمل الاستنثار على ماذا؟ على الإدخال.
والإخراج خاصة إذا اعتضدنا بالقاعدة الأصولية أن اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه إذا لم يكن بينها تعارض. وهنا رح تقول لي: طيب يا شيخ في تعارض؟ لا، ما نقول هي تعارض هنا، بتقول لي الجذب غير الدفع؛ أقول له هي ليست تعارضًا، إنما هي عملية تتميمية، وهذا عرفته من فعله عليه الصلاة والسلام. يعني هو ما قال لي اجذب وأخرج في نفس الوقت، لا، أنا صرت أفهم أن المراد: اجذب ثم أخرج، وسمى كل العملية استنثارًا.
ولذلك هنا الصنعاني أفاد فائدة جيدة؛ يقول الصنعاني معلقًا على كلام ابن دقيق العيد: «ولك أن تقول إذا أفرد في الإطلاق، يعني إذا ذكر الاستنثار وحده، إذا أفرد في الإطلاق كان للمعنيين الجذب والدفع، وأما إذا ضم إليه الاستنشاق في لفظ الحديث، قال استنشق واستنثر كما هو بين أيدينا هنا، كان الاستنثار للدفع فقط لأن الاستنشاق سيكون هو الذي للجذب ويكون الاستنثار للدفع فقط»، وهذا يمكن أن نقرره بالتالي كقاعدة في شرح الحديث، كأصل عام أنه الاستنثار إذا ذكر وحده يحمل على المعنيين، وإذا قرن بذكر الاستنشاق فيكون خاصًا بالإخراج، ويكون الاستنشاق للإدخال. وهنا ما دام في الرواية الأخرى ورد لفظه: «فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر»، إذا هنا الاستنثار ورد مع الاستنشاق فيُحمل الاستنثار على الإخراج والاستنشاق على الإدخال.
حررنا هذا المعنى، لكن في لفظ الحديث هنا يشير السفارين إلى قضية، وهو يقول: في الحديث الذي بين أيدينا اللفظة وردت هكذا: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر». قال: كذا هي في رواية أبي ذر الهروي والأصيلي: «لينتثر» على وزن ليفتعل، ولغير أبي ذر الهروي في روايته للبخاري والأصيلي قال: «ثم لينثر» وليس «لينتثر». إذن في رواية -ولنقل هي نسخ في نسخ البخاري، في خلاف في نسخ- «ثم لينتثر»، وهنا ستكون «لينتثر» مأخوذة من الفعل: انتثر، ومضارعه: ينتثر. وأما على النسخة الأخرى «ثم لينثر»، «ينثر» هنا سيكون مأخوذًا من الفعل الثلاثي: نثر. إذاً عندي: انتثر ينتثر، ونثر ينثر.
قال الفراء: «يقال نثر الرجل وانتثر واستنثر»، إذا حرك النثر وهي طرف الأنف، فكلها جائزة. يعني هذا فقط تعليق لغوي؛ يقول إن الفراء بين أنه إذا قلت نثر أو انتثر أو حتى استنثر، كلها بنفس المعنى، وهي إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف في الطهارة.
إذن هذا تحرير لأبرز اللغويات الواردة في هذه اللفظة، فكيف يا إخواني ستحللون اللفظة؟ طبعًا هو بماذا انتهى ابن دقيق العيد رحمه الله ورأى هنا في هذا الحديث لفظة «لينتثر»، ما المراد بها؟ قال: «والصحيح هو الأول»، يقول والصحيح هو الأول أن لفظة «لينتثر» في هذا الحديث المراد بها الإخراج فقط. لماذا؟ قال: لأنه قد جمع بينهما، أي بين لفظه «استنشق»؛ لأنه على رواية مسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر»، هكذا هي الرواية، فما دام جمع بينهما إذاً «لينتثر» هنا المراد بها الإخراج فقط، ولا يمكن حملها على الإدخال والإخراج معًا، ولا يمكن حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه. ونحن نتفق مع ابن دقيق العيد على هذا؛ لأنه يقول: لأنه جمع بينهما في حديث واحد، وهذا يقتضي التغاير؛ فالجمع والعطف دائمًا يقتضي التغير، «ليستنشق ثم لينتثر»، العطف يقتضي أن الاستنثار غير الاستنشاق، فالعطف يقتضي التغاير، وكلامه دقيق هنا رحمه الله.
هذا بحث متعلق باللفظة الأولى، والمعتمد عند أصحابنا في فهم هذه الجملة أنها على الوجوب، أنها على الوجوب من جهة الاستنشاق. طيب، لماذا لم يجعلوا الاستنثار واجبًا؟ قالوا لأن الاستنثار هو عملية تبعية تكميلية، صحيح وردت بصيغة الأمر وهذه قد تحتاج إلى قرينة لإخراجها من الوجوب إلى الندب؛ لأنه قال: «فليستنشق بمنخريه ثم لينتثر». هذه أمر وهذه أمر، والأصل أن تقتضي الوجوب، فتقول هذا للوجوب وذلك للوجوب، لكن القرينة التي تجعل «ثم لينتثر» للاستحباب أن الإخراج لا يكون من أركان الوضوء، ومن صور إخراج الماء هي عملية تتميمية تكميلية فلا تصل إلى حد الوجوب.
فكأنهم اعتبروا تصور الفعل نفسه هو المطلوب، أي إيصال الماء إلى العضو، أليس هذا هو الوضوء؟ وإيصال الماء تم بالاستنشاق انتهى، وأما الاستنثار فقال هو بطبيعته عملية تتميمية تكميلية، ليست متعلقة بأنني أريد أن أغسل عضوًا من الأعضاء، فبالتالي سيتم غسل العضو بدونه؛ يعني لو أنا جذبت الماء بس ما أخرجته، أنا حصلت المطلوب من إيصال الماء إلى الأنف، خلص حصلت الركن، الآن تصبح العملية الثانية هي عملية تتميمية تكميلية. هل يوجد شيء في الوضوء ركن أو واجب وهو مجرد نفض الماء أو إخراجه من البدن؟
ولذلك حتى عملية المضمضة، ماذا قال أصحابنا؟ المضمضة هي إدارة الماء في الفم. الآن الأصل في المضمضة المعروفة في السنة: تمضمض ثم تمج ماء. لو بلع قالوا: صحيح، لأنك أنت فعلت الركنية، الركنية هي إدارة الماء في الفم، ثم يقولون إن المضمضة هي أدنى إدارة، هكذا يتحصل الركن وتمام الإدارة، لكن السنة أن تبص، وهذا ما فعله ﷺ، ما قال تمضمض ثم مجّ، لماذا؟ لأنه عادة المضمضة إذا أطلقت في العرف يتبعها مجّ، يعني عادة تقول لك تمضمض إيش بتفهم أنت؟ تمضمض ثم مجّ، لكن لو أنك لم تمج الماء وبلعته، نقول أنت لم تفعل السنة تمامًا، لكن المضمضة حصلت ووقعت والركن تم. فكما أن بلع الماء لا يعتبر تركًا للركن، كذلك ترك الاستنثار لا يعتبر تركًا للركن.
نذهب إلى الجملة الثانية، ثم قال ﷺ: «ومن استجمر فليوتر». ما معنى استجمر؟ هنا سيذكر لك الخلاف الذي وقع، طبعًا هم يعتبرون خلافًا غريبًا، البعض يقول وقع، لكن هو ليس غريبًا تمامًا، ولكن نقول خلاف في نوع من البُعد في فهم استجمر. الأصل في استجمر هو في العرف الفقهي المشهور أنه استعمل الجمار، وهي الأحجار الصغيرة؛ استجمر مأخوذ من الجمار، والجمار ما هي إلا في الحج رمي الجمار هي الحجارة الصغيرة، فاستجمر يعني استعمل الحجارة الصغيرة في تنظيف القبل أو الدبر.
لا يخفى عليكم أن الإنسان عند أصحابنا كما قالوا وعند غيرهم من جماهير أن الاستنجاء جاء مما يخرج من أحد السبيلين، الاستنجاء واجب وهو إزالة ما خرج من النجاسة من القبل أو الدبر، والأصل في الاستنجاء أن يكون بالماء، ولكن النبي ﷺ وسماحة الشريعة جعلت طريقة أخرى لتنظيف القبل أو الدبر مما خرج منهما وهي استعمال الحجارة، ويقوم طبعًا مقام الحجارة كل قالع طاهر مباح منقٍّ.
فكل يابس طاهر مباح، يقوم أيضا مقام الحجارة، من المناديل الورقية المعاصرة وما شابه ذلك. المهم إذا الاستجمار هو نوع من أنواع الاستنجاء؛ الاستجمار هو نوع من أنواع الاستنجاء، نوع من أنواع تنظيف القبل أو الدبر مما خرج منهما، وهو استعمال الحجارة أو ما يقوم مقامها في إزالة الخارج من أحد السبيلين.
طبعا شروطه وأركانه وكذا هذه أو صفته، هذه تدرس في كتب الفقه، ونحن لسنا في صدد ذكر شروطه وأحكامه لأن هذا يطول به المقام، نحن نقتصر على ما عندنا من المادة. لكن فهمنا الآن ما معنى استجمر؟ فمعنى استجمر أي طلب الحجارة من أجل أن ينظف بها ما علق على أحد السبيلين.
لكن كلمة استجمر لها دلالة لغوية أخرى حقيقة، وهي أن المراد بها استجمر أي استعمل البخور في التطيب. ولذلك كثير من بعض السلف كانوا يسمى "المجمر"، ما معنى المجمر؟ قال الذي كان يضع البخور في المسجد. وبالتالي كلمة استجمر لها دلالة لغوية أخرى قد تقصد، وهي استعمال البخور للتطيب، وهذه أشار إليها ابن دقيق العيد في نفس الفائدة لما قال: «وقد حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب».
نفس الفائدة الرابعة في ختامها، وهذا نقل عن مالك، لكن نقل عن مالك وإن كان السَفاريني في كشف اللثام قال غريبة؛ يعني هكذا سماها، قال غريبة: «حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب، فإنه يقال تجمر واستجمر»، وقد روي هذا عن الإمام مالك. قال القاضي عياض: اختلف قول مالك وغيره في معنى الاستجمار في هذا الحديث بالتحديد؛ فقيل هذا -الذي فسرناه أولا- أن الاستجمار هو استعمال الحجارة للمخرج، وقيل المراد به البخور.
طيب، بس على هذا المعنى -البعيد خلينا نقول عنه عن الذهن نوعا ما- ماذا سيكون معنى «من استجمر فليوتر»؟ إذا قلنا الاستجمار يعني من استعمل البخور فليوتر، سيكون المعنى: من استعمل البخور فليأخذ منه ثلاث قطع، ألا تأتي أنت على علبة البخور تأخذ منها ثلاث قطع، أو يبخر ثلاث مرات، يعني إما تأخذ ثلاث قطع أو يبخر ثلاث مرات، يستعمل واحدة بعد أخرى، لكن قالوا هذا المعنى بعيد.
ويقال أي أن مارقا راجع عنه بعد أن جاء أعرابي فنبهه أنه لعل المراد بالحديث الأول أنه الاستجمار بالحجارة وليس المراد بالحديث التطيب. فهذا فقط استشكال ورد على «من استجمر»، هل المراد بها استعمال الحجارة لتنظيف السبيلين أو المراد بها التطيب؟ حقيقة أيضا سياق الحديث يدل على أنه كله يتكلم في الطهارات، فيبعد أن يكون في أثناء الكلام عن الطهارات وتطهير الأعضاء وما شابه ذلك يكون المراد ماذا؟ يعني إدخال موضوع الطيب والبخور من الاستجمار، فيبعد، لا نقول لا يجوز ولكن نقول يبعد. لذلك الأظهر، وهذا ما صرح به عموم الشراح، أن المراد به الاستجمار المعلوم.
طيب، ماذا يقول ابن دقيق العيد هنا: «من استجمر فليوتر»، الظاهر أن المراد به... قال الظاهر، ولاحظ كيف العلماء دائما يكونون دقيقين في عباراتهم، ما قال هي نص، قال الظاهر، هذا هو المتبادر وإن كنا لا نقول إنها نص. الظاهر أن المراد به استعمال الأحجار في الاستطابة، في الاستطابة يعني في الاستنجاب بتنظيف أحد السبيلين؛ قال: «من استجمر فليوتر».
ما هو المطلوب هنا في هذه الجملة؟ يأمر النبي ﷺ بالإيـتار. هل الوترية واجبة؟ الآن من اقتصر فقط على الاستجمار ولا يريد استعمال الماء معها، فعند الشافعية والحنابلة يجب أن يستعمل ثلاث أحجار، أو على الأقل حجر واحد بثلاث مسحات؛ فليس مطلق الوترية هو الواجب، وإنما الواجب هو الثلاث بالتحديد، هذا الرقم المعين من الوتر. فالحديث أعم من الثلاث، الحديث قال: «من استجمر فليوتر»، ما قال: «من استجمر فليثلث»، قال: «فليوتر»، والوتر يكون بالواحد وبالثلاث وبالخمس وبالسبع وبالتسع.
فإذا كما قال ابن دقيق العيد: «والإيتار فيها -أي في الاستجمار- بالثلاث واجب عند الشافعي»، نقول أيضا وعند أصحابنا الحنابلة؛ فإن الواجب عندنا عنده، أي عند الشافعي في الاستجمار أمرين: أولا إزالة العين، وهذا ما يعبر عنه أصحابنا الحنابلة بأن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، وهذا هو الاستجمار، يعني أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء. والثاني استيفاء ثلاث مسحات، فهذا تعبدي، هذا الرقم ثلاثة تعبدي، فيقول لابد من ثلاث مسحات، وهذا أخذ من حديث آخر من رواية سلمان الفارسي رضي الله عنه: «أمرنا النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار».
ومن حديث ابن مسعود أنه لما ذهب النبي ﷺ كان في طريق فذهب تحت شجرة، وأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار. لكن ربما نقول رواية ابن مسعود على الأقل هي فعل، يعني هو أمره أن يأتي بثلاثة أحجار ليس فيها نص «ائتني»، يعني يسمونه حكاية الأمر، لكن في رواية سلمان، يعني حتى هي رواية سلمان قد نقول إنه أمرنا أن لا نستنجي بأقل، يعني هي فيها قرائن على أن رقم ثلاثة مطلوب: «أمرنا أن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» في رواية سلمان، إذا هذه كلها قرائن تدل على أن هذا الرقم مطلوب لذاته، فالأصل فيه الوجوب.
طيب، قال واستيفاء ثلاث مسحات، طبعا قال أصحابنا يعني هنا الثلاث صحيح هي في الحديث أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، لكن هم نظروا إلى معنى الثلاث؛ لأنهم قالوا: هل المراد ثلاث أحجار أنه لازم تكون ثلاث أحجار منفصلات، أم المقصود بالثلاث أحجار أن يحصل ثلاث مسحات للمكان؟ قالوا لا يتصور أن نكون متعدين، أنه لازم أحجار كأحجار، وإنما هو يريد أن يحصل للمحل ثلاث مسحات، عادة الثلاث مسحات تحتاج ثلاث أحجار، لكن إذا صدف أن يكون الحجر والله كبيرا وفيه ثلاث زوايا مختلفة فإنه سيؤدي الغرض المطلوب. فهذا نظر إلى روح النص كما يقولون، وهو أنه لا يريد ﷺ الثلاث بالتأكيد، وإنما يريد تحقيق ثلاث مسحات للمكان، ولما كانت عادة تحتاج إلى ثلاثة أحجار ذكر الأحجار.
وإن كان هناك أيضا استدلالات أخرى لفكرة أن الثلاث مسحات تكفي عن الثلاث أحجار، ومنها مثلا ما استدل به من حديث ابن مسعود نفسه السابق، أنه أمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا فأتيت به رَوْثه فأخذهما وألقى الروثه، في الروايات المشهورة لهذا الحديث لم يأتِ أنه أمره بأن يأتي بحجر ثالث بديل، فماذا قالوا؟ قالوا لعله لم يطلب منه أن يأتي بالثالث لأن أحد الحجرين أو أحد الحجرين كان يمكن استعماله من جهتين.
شوف كيف فهم العلماء أنه أحد الحجرين كان يمكن استعماله من جهتين، فلذلك لم يطلب منه حجر ثالث. وإن كان في رواية أخرى عند الإمام أحمد: «ائتني بغيرها». وفي رواية أخرى لأنه طلب منه حجراً ثالثاً.
وبالتالي طبعاً هناك نقاشات كثيرة إخواني؛ لأنه عند المذهب الآخر الذي يرى أن الثلاث ليست ملزمة في الاستجمار، بعض أهل العلم يقول إن الثلاث ليست ملزمة، بل لو أدى زوال العين بحجر أو حجرين يؤدي الغرض. هم استدلوا بحديث ابن مسعود أنه لم يطلب منه حجراً ثالثاً فأخذهما وألقى الروث ولم يطلب منه حجراً ثالثاً، في الرواية المشهورة. قالوا: إذاً هذا يدل على أن حجرين يكفيان أيضاً، وإن المطلوب هو حصول الإنقاء، وأن الثلاث هي استحبابية.
لكن كما قلنا نحن كشافعية وحنابلة، كيف يمكن أن نعالج مشهد حديث ابن مسعود؟ نقول إنه لم يطلب منه إحضار الثالث لأنه قد يكون أحد الحجرين مجزئاً أن يعمل منه مسحتين. وعندنا أيضاً رواية أخرى عند الإمام أحمد، وإن لم تكن في قوة الأصل، أنه طلب منه حجراً ثالثاً؛ فهذه كلها نقاشات تدور حول المطلوب وجوباً: هل هو ثلاثة، أم يمكن أن يحصل الإجزاء في الاستجمار بأقل من ثلاثة؟
فهنا كما قال لك ابن دقيق العيد: إن الإيتار بالثلاث بالتحديد واجب عند الشافعي، وكما قلنا عند الحنابلة؛ لأن الواجب عنده في الاستجمار أمران: إزالة العين، واستيفاء ثلاث مسحات. وهنا قال الخطابي معلقاً على هذه المسألة بالتحديد: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة. ويشير لحديث سلمان أنه لماذا قال: «أمرنا ألا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار»؟ يقول الخطابي: لو كان القصد هو فقط حصول الإنقاء لما كان في ذكر حديث سلمان: «لا تستنجوا بأقل من ثلاثة أحجار»؛ لما كان لهذا الرقم بالتحديد فائدة، لقال: «إذا استجمرتم تأكدوا من الإنقاء» دون أن يذكر رقم ثلاثة.
ذكر رقم ثلاثة في حديث سلمان يشير إلى أن العدد أيضاً متعبد به. قال: فلما اشترط العدد لفظاً وعلم الإنقاء، ففيه معنى دل على إيجاب أمرين: الإنقاء والعدد، وأنه ليس المطلوب في الاستجمار هو فقط الإنقاء. وهذا يؤكد ما ذكره ابن دقيق العيد، أن الاستجمار فيه ناحية تعبدية غير الناحية المعقولة؛ الناحية المعقولة هي الإنقاء، أما الناحية التعبدية فهي الرقم ثلاثة. ومن أين أخذنا أنه في ناحية تعبدية الرقم ثلاثة؟ أنه لو كان المطلوب فقط الإنقاء لما كان في ذكر العدد مقصد معين في رواية سلمان الفارسي، وهذا واضح.
نعود إلى ابن دقيق العيد، قال: «وظاهر الأمر الوجوب»، لكن هل يمكن أن نأخذ وجوب الثلاثة من هذا الحديث الذي بين أيدينا؟ لا، لأن هذا الحديث يتكلم عن ماذا؟ «ومن استجمر فليوتر»، والوتر قد يكون بواحد، وقد يكون بثلاث، وقد يكون بخمسة، وهذا انتبه له. فماذا قال؟ قال: «لكن هذا الحديث لا يدل على الإيتار بالثلاث»، فيؤخذ بالتالي وجوب الإيتار بالثلاث من حديث آخر.
ويقصد بحديث آخر حديث سلمان وغيره من الأحاديث التي دلت على ذلك. لكن هذا الحديث بالتالي ماذا سيأخذ منه الشافعية والحنابلة؟ سيأخذون منه استحبابية الإيتار مطلقاً. لأنه نحن في المذهب إذا استعملت ثلاث أحجار أو ثلاث مسحات ولم يحصل الإنقاء، أنت يجب الزيادة. فقالوا: إذا احتاج أن يزيد على الثلاثة إلى أربعة، فنقول له: إذا حصل الإنقاء بأربعة فيسن أن تزيد مرة خامسة لتطبق هذا الحديث: «ومن استجمر فليوتر»، وإذا حصل الإنقاء بالحجر السادس يسن أن تزيد واحدة ليصبح سبعة لتطبق هذا الحديث: «فليوتر».
كلمة «فليوتر» هنا على الاستحباب، وأخذ الثلاثة أحجار أنها واجبة هذا من حديث آخر كما قال لك. ليس هذا معنى كلام ابن دقيق العيد، قال: «وظاهر الأمر الوجوب ولكن هذا الحديث لا يدل على الإيتار بالثلاث»، يعني هذا الحديث يدل على سنية الإيتار، أما أن يكون رقم ثلاثة واجباً بحد ذاته فهذا نأخذه من حديث آخر. فنجمع بين الأحاديث التي تلزم بالرقم ثلاثة وبين هذا الحديث، فيكون الخلاصة ماذا؟ أنه يستحب لك الإيتار، ولكنك ملزم بماذا؟ ألا تقلل عن الثلاثة، وهذا مفهوم يؤخذ من حديث آخر، وهذا حديثنا يدل على قضية استحباب الإيتار عموماً.
لكن هنا نركز أن استحباب الإيتار أصبح في هذا الحديث مخصوصاً على طريقة الشافعية والحنابلة؛ أن هناك إيتاراً لا يجزئ، ما هو الواحد؟ فنقول هذا الحديث لابد وأن يخصص أو يقيد إطلاقه، نقول يقيد إطلاقه بأن الوتر هنا الثلاثة فصاعداً. يعني هذا كان ينبغي أن يذكره ابن دقيق العيد فيما يظهر لي. نعم، هذا الحديث يدل على مطلق الإيتار واستحبابيته، لكن بجمعه مع الأحاديث الأخرى سنعرف أن المراد بالوتر هنا عند الشافعية والحنابلة هو الثلاث فصاعداً، وأن الواحد لا يجزئ، فنقول هذا الحديث «من استجمر فليوتر» محمول عند الشافعية والحنابلة على الثلاثة فصاعداً وليس على إطلاقه حتى نقول إن الواحد يجزئ.
ثم بعد ذلك قال ابن دقيق العيد: «وقد حمل بعض الناس الاستجمار على استعمال البخور للتطيب»، أنه يقال فيه تجمر واستجمر، فيكون الأمر للندب على هذا بالاتفاق. يعني إذا قلت إن المراد بالاستجمار هو التطيب فبالإجماع سيكون المراد بهذا الأمر الندبية، لأن الطيب ليس واجباً بإجماع الأمة، فيكون هذا الإجماع صارفا للأمر من الوجوب إلى الندبية، وإن كان الظاهر هو الأول، أعني أن المراد هو استعمال الأحجار.
نذهب إلى اللفظة الثالثة وهي الأكثر إشكالاً واختلافاً بين أهل العلم، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». ينبه أن لفظة «ثلاثاً» لم ترد في صحيح البخاري، وإنما وردت في صحيح مسلم، ذكر الرقم ثلاثة لم يرد في صحيح البخاري وإنما ورد في صحيح مسلم، طبعاً ولكن زيادة صحيحة فيؤخذ بها.
يقول ابن دقيق العيد معلقاً على هذا: «ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء». لاحظ هنا ماذا قال: «في ابتداء الوضوء». قيد هنا ابن دقيق العيد في ابتداء الوضوء، وقوله في ابتداء الوضوء هذا أخذاً من ماذا؟ على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل يديه ثلاثاً في بداية كل وضوء، هكذا ورد في صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام أنه كان يغسل كفيه ثلاثاً، مع أن الرواية التي معنا لم تخص الأمر عند ابتداء الوضوء، قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً»، سواء كان ناوياً يتوضأ أو...
ما يريد أن يتوضأ، يريد استعمال الماء الذي في الإناء لأي غرض، صحيح؟ فهنا ماذا؟ لما قال ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم، هي زيادة "ابتداء الوضوء". نقول الحديث لم ينص عليها، وإنما الحديث أطلق هذا الأمر، لأن كون بعضهم أوجب ذلك في ابتداء الوضوء بالتحديد عند الاستيقاظ من النوم، إذا أوجبوا ابتداء الوضوء فهذا رأي لبعض الفقهاء، ولكن ليس هو رأي الحنابلة في المعتمد.
لذلك ماذا يقول الصنعاني؟ يقول: هذا يعلق على عبارة "ابتداء الوضوء" التي ذكرها ابن دقيق العيد، ويقول: هذا القيد غير مفاد لحديث الباب الذي الكلام فيه. يعني الحديث الذي معنا ما تكلم أنه في ابتداء الوضوء، قال: أي واحد فقط يقض من نومه. قد أخرج الترمذي من وجه صحيح، وأخرجه غيره أيضًا كما يأتي، بلفظ: «إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح فليغسل يديه ثلاثًا». فكأن ابن دقيق العيد لما حكى هذا القول الفقهي، يشير الشارح إلى هذه الرواية، وكأنه على رأي الصنعاني يجعله قيدًا لهذا المطلق.
إذا هل هناك رواية أخرى في حديث آخر قيدت الأمر بالوضوء؟ نعم، في صحيح أو في جامع الترمذي رواية: «إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح فليغسل يديه ثلاثًا». فكأنه ابن دقيق العيد لما ذكر هذا القول، يشير إلى أن أصحاب هذا القول -عفوًا- هو في الحقيقة يذكر الآن ويسرد أقوالًا، فكأنه يبين أن مأخذ هؤلاء الذين قالوا بوجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء أنه عند ابتداء الوضوء، إنما مأخذهم تلك الرواية الأخرى التي في جامع الترمذي.
قال: في ابتداء الوضوء عند الاستيقاظ من النوم لظاهر الأمر، لكن نقول هذه الرواية التي في حديث الباب لا تدل على رأي هؤلاء في تقييد الأمر عند ابتداء الوضوء. قال: ولا يفرق هؤلاء، هؤلاء الذين يقولون بوجوب غسل اليدين ثلاثًا عند ابتداء الوضوء، إذا استيقظ الإنسان من نومه عند ابتداء الوضوء. يعني كأن هناك رأيًا فقهيًا لبعض العلماء يقول: إذا استيقظت من نومك وأردت أن تتوضأ بالتحديد، هنا يجب غسل الكفين ثلاثًا، أما إذا لم تستيقظ من نومك وأردت أن تتوضأ، فغسل الكفين ثلاثًا مستحب.
هذا رأي هؤلاء الفقهاء، وهم يرون أنه إذا استيقظت من نومك -سواء كان نوم ليل أو نوم نهار- وذلك لإطلاق قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه»، ولم يقيد نوم ليل أو نوم نهار. يدرك ابن دقيق العيد أن هذا ليس هو مذهب أحمد، فماذا قال بعد ذلك؟ ذهب أحمد بن حنبل إلى وجوب ذلك، وجوب ماذا؟ وجوب غسل الكفين ثلاثًا، ولكن مذهبنا ليس مقيدًا ذلك عند إرادة الوضوء. ذهب أحمد إلى وجوب غسل الكفين ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم، ولكن أي نوم؟ من نوم الليل دون نوم النهار.
ثم قال: وذهب بعضهم إلى التفريق بينهما. طبعًا هذا البعض منهم أحمد، فهو كأنه يشير إلى قول ثالث، لا، هو هذا البعض منهم أحمد، أي للتفريق بين نوم الليل ونوم النهار. والذين فرقوا بين نوم الليل ونوم النهار ومنهم أحمد، ما قرينته على أن المراد بالنوم هو نوم الليل؟ قال: تتمة الحديث الذي بين أيدينا: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخل ما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
في نسخة من هذا الكتاب لا يوجد فيها: "وذهب بعضهم إلى التفريق بينهما"، وهذا جيد حتى يتناسق الكلام، أنه يبين علة أحمد في التفريق بين نوم الليل ونوم النهار. في نسخة أخرى، وحتى في نسخة الصنعاني، نقرأ: "وذهب أحمد إلى وجوب ذلك من نوم الليل دون نوم النهار لقوله صلى الله عليه وسلم: «أين باتت يده»". وهذا منطقي حقيقة، يعني لعل في نسخة أسفار زيادة في غير محلها؛ لأنه لما تقول: "وذهب أحمد إلى التفريق بين نوم الليل ونوم النهار" ثم تقول: "وذهب بعضهم"، أنت توهم أنك تتكلم عن قول ثالث، مع أننا هنا نتكلم عن نص أحمد نفسه. لماذا أحمد فرق بين الليل والنهار؟ فنقول لعل هذه زائدة في نسخة أسفار، فينبغي أن يوضع تنبيه بجانبها أنها غير موجودة في النسخة الأخرى.
المهم، أحمد أو كل من جرى على ما جراه في التفريق بين نوم الليل ونوم النهار، ما دليله؟ قال: التعليل لقوله عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، والمبيت يكون بالليل. إذاً أحمد أخذ بظاهر دلالة البيان، وأن البيات يكون بالليل، وبالتالي مفهوم المخالفة له هو أنه إذا لم يكن بياتًا -أي لم يكن نومًا ليلاً- فهذا الحكم لا ينطبق عليه، وهذا مفهوم المخالفة من مجموع السياق.
الأكثر الذين لم يجعلوا الأمر بالليل فقط ذهبوا إلى أن البيان هنا للأغلبية، إنما ذُكر لأن أغلب النوم وأطول النوم وأعلاه يكون في الليل، فقالوا: إنما ذكره هنا للغلبة. وهذا مر معنا في مفهوم المخالفة؛ أن بعض الأوصاف أو حتى الأفعال التي تتضمن أوصافًا قد لا يكون ذكرها لإرادة مفهوم المخالفة منها، وإنما على سبيل الغلبة، مثل: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]، قالوا: "في حجوركم" هذا قيد أغلب، وليس المراد به أن الربيبة إذا لم تكن في الحجر فيجوز لك أن تتزوجها.
فالجمهور -أو الأكثر- لم يقيدوا النوم بالليل، مع أن لفظ "البيات" موجود في الحديث، لأنهم رأوا أن ذكر البيات للأغلبية؛ لأن أغلب النوم إنما يكون في الليل، وليس للاحتراز والتقييد. أما أحمد فاعتبر أن ذكر البيات للاحتراز والتقييد عن نوم النهار؛ انظر كيف اختلف العلماء في اعتبار الألفاظ والقيود الواردة في الحديث.
قال: وذهب غيرهم، وهذا هو القول الثالث، إلى عدم الوجوب مطلقًا، وهم الأكثر؛ حقيقة هنا قول الجمهور أن غسل الكفين ثلاثًا مستحب. ولذلك في العادة، في الكتب عادة ما يقولون من مفردات الحنابلة: "إيجاب غسل الكفين ثلاثًا للمستيقظ من نوم الليل"، يقول هذا من مفردات المذهب، لأن الجمهور على أن غسل الكفين ثلاثًا عند الاستيقاظ من النوم، سواء نوم...
نوم الليل أو نهار كله استحبابي وليس على سبيل الوجوب. قال وهو مذهب مالك والشافعي، إذاً هؤلاء هم المطالبون بالدليل الآن. مالك والشافعي لِمَ؟ لأن أحمد أخذ القاعدة أن الأمر يقتضي الوجوب.
النبي ﷺ يقول: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا». «فَلْيَغْسِلْ» مضارع اقترن بلام الطلب فيدل على الأمر، والأمر الأصل فيه الوجوب، فأحمد أخذ بظاهر القاعدة أن الأمر للوجوب ولم يرَ هناك قرينة صارفة. أما الشافعية والمالكية فوجدوا قرائن صارفة.
دعونا ننظر، انظر في تحليلهم: ما هي القرائن التي يمكن أن تصرف؟ أنت لما تقول الجمهور رأوا أن هناك قرائن صارفة، إذاً في ثقل، فدعونا ننظر ونتأمل ما هذه القرائن. سنقرأها أولاً من عند ابن دقيق العيد، بعدين نقرأ ماذا نقل السخاوي في كشف اللثام عن ابن تيمية رحمه الله في ذكر القرائن الصارفة.
قال: القرينة الصارفة الأولى، قال: والأمر محمول على الندب عند هؤلاء، عند المالكية والشافعية، واستدل على ذلك بوجهين. قال أحدهما: ما ذكرناه في حديث الأعرابي، حديث الأعرابي الذي مر معنا في الفائدة الأولى أو الثانية. نعم، الحديث: «توضأ كما أمرك الله». الفائدة الثانية لما قال النبي ﷺ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله»، أين القرينة من حديث الأعرابي على عدم وجوب غسل الكفين ثلاثًا؟
نفس الفكرة، أن النبي ﷺ أحال الأعرابي على ماذا؟ على آية الوضوء، وفي آية الوضوء قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، ولم يطالبنا بغسل الكفين ثلاثًا في آية المائدة قبل الوضوء. لكن هنا ماذا سنقول في هذه القرينة؟ نقول: هذه القرينة لا تصلح في هذا الحديث؛ لأن الحديث هنا لم يتطرق إلى أن غسل الكفين ثلاثًا بسبب الوضوء، الحديث يقول: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا»، لم يأتِ إلى قضية الوضوء أصالة.
فنقول: إحالتك على حديث الأعرابي لا تصلح؛ لأن حديث الأعرابي يتكلم عن الوضوء، وأحمد بن حنبل لم يخص الأمر بالوضوء. لكن ابن دقيق العيد ذكي، ذكر هذه القرينة الأولى لأصحاب القول الأول، وسيعترض عليه هنا، أعترض عليه الصنعاني، لكن الحقيقة لا يعترض عليه؛ لأنه هنا لم يذكر قولاً واحداً فقط بالوجوب. الذين قالوا بالوجوب هم أحمد بن حنبل، وإن كان لم يقيده بالوضوء، لكن أصحاب القول الأول الذين قالوا بالوجوب من نوم الليل أو نوم النهار قيدوه بالوضوء، فهؤلاء يرد عليهم ابن دقيق العيد.
فهذه قرينة ترد على من قيد ذلك بالوضوء، فنقول له: لا يا أخي الكريم، إذا كنت ترى أن ذلك مقيد بالوضوء فحديث الأعرابي يرد عليك، وهو أن النبي ﷺ أحاله على آية المائدة، وحتى لما وصف له الوضوء قال: «فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ» -على رواية الترمذي التي ذكرناها من حديث الرفاعة- قال: «فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»، ولم يقل له إنك تغسل كفيك ثلاثًا.
في اعتقادي، أنا أناقش وأرد حتى تعرف كيف يمكن أن يُناقش؛ يمكن أن يرد على ابن دقيق العيد حتى وإن كنت ترد على أصحاب القول الأول. ماذا يمكن أن يقوله أصحاب القول الأول؟ حديث الأعرابي مطلق، ما تكلم عن النوم، هذا أعرابي قال: «يا رسول الله، كيف أتوضأ؟» فأشار إلى الوضوء الطبيعي، ونحن إنما أوجبنا غسل الكفين ثلاثًا في الوضوء في حالة واحدة فقط، وهو استيقاظه من نومه، وهذه لم تتطرق لها الآية، ولم يتطرق لها النبي ﷺ، فهمتم ماذا سيدافعون به عن أنفسهم؟ قالوا: هذه حالة.
طيب، ابن دقيق العيد بماذا يستطيع أن يجيب عن هذا الرد الذي يمكن أن يوجهه أصحاب القول الأول؟ يمكن أن يرد فيقول: الآية ماذا قالت؟ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6]، وهنا القيام على عمومه، إذاً هي وقتية، دائمًا يستقبل من الزمان في أي وقت تقومون إلى الصلاة، فهي بعمومها تشمل أيضًا حالة الاستيقاظ من النوم؛ لأن هذا وقت من الأوقات وهو وقت الاستيقاظ من النوم.
طبعًا سيبقى النقاش حقيقة دائرًا بينهما، لأنهم سيقولون: تمام، حالة الاستيقاظ من النوم داخلة في عموم الآية، فكأن الآية تقول بعمومها: إذا قمتم في أي وقت إلى الصلاة؛ حتى ولو كان وقت استيقاظكم من النوم «فاغسلوا وجوهكم وأيديكم»، ولم ينص على غسل اليدين. هم سيقولون: هذا عام، وما من عام إلا وقد خُصص، أنت تستدل بعموم، وفي النهاية هي ليست خاصة بحالة الاستيقاظ من النوم، هي عامة في حالة الاستيقاظ وغيرها.
وحديث: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ» -حديث الترمذي-، أو «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلْوُضُوءِ حِينَ يُصْبِحُ» -رواية الترمذي-، هذه خاصة بحالة معينة فيخصص بها عموم الآية. إذاً نحن الآن في ذهاب ورجوع في النقاش الفقهي.
حقيقة استقر الأمر عندي على أنه يمكن أن يرد على هذا بأن نقول: الآية على عمومها صحيح، «إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا»، فهي بعمومها تدل على عموم الأوقات، ولكن رواية الترمذي: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلْوُضُوءِ حِينَ يُصْبِحُ»، تدل على أن حالة الاستيقاظ من النوم هذه قد تكون مخصوصة بزيادة شيء، وهو ماذا؟ غسل الكفين ثلاثًا. النبي ﷺ لما بين للأعرابي وأحاله على آية الوضوء، أحال على عام، وهذه تكون خاصة.
طبعًا تبقى قضية: لماذا؟ أليس هذا تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة؟ لأن قضية الاستيقاظ من النوم شيء متكرر في حال الإنسان. الآن إذا أخذنا بالرواية الإضافية، رواية التي قال فيها للأعرابي: «فَاغْسِلْ يَدَيْكَ، فَاغْسِلْ وَجْهَكَ وَيَدَيْكَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَامْسَحْ بِرَأْسِكَ وَرِجْلَيْكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»، هذه الرواية أيضًا لم يذكر فيها النبي ﷺ غسل يديه، مع أن قضية هذا الأعرابي أن يكون مستيقظًا من النوم هي حالة واقعة ومتكررة، فهل نقول إن هذا الحكم جاء بعد ذلك؟ هل هذا الحكم جاء بعد ذلك؟
قضية غسل الكفين ثلاثًا بعد أن سأله الأعرابي، نقول: إذا جاء بعد ذلك، إذا أنت تتكلم عن إضافة وزيادة على الوضوء، وردت بعد قصة الأعرابي، وردت بعد ذلك في القياس كاحتمالات ذهنية، فهذا كله من النقاش الظني الاجتهادي. وكما ترون الأمور، ربما تميل مع أصحاب القول الأول في قضية أن حديث الأعرابي ليس قرينة واضحة، لكن تبقى في باب الظنيات.
قضية تأخير البيان عن وقت الحاجة إحدى القواعد التي ستحتاجها في هذا، لأنه واضح أن ابن دقيق يلتفت إليها، أنه هو يبين للأعرابي، ولو كان هذا الشيء واجبًا عليه لما أخر بيانه، خاصة أن الوضوء عند الاستيقاظ من النوم هو الحالة المتكررة في حياة إنسان؛ لمن سهر من الليل ويستيقظ عند الصباح، فلماذا أخر البيان عن وقت الحاجة لولا أن هذا الشيء يبقى في حيز السنية؟ فهذا أيضًا مجال للنظر في ميزان ابن دقيق العيد، وهذا كله نقاشنا في حديث الأعرابي وهل يصلح قرينة صارفة.
القرينة الثانية التي اعتمد عليها قال إن الأمر -وهنا شوف الكلام الفخم حقيقة في التحديث بغض النظر عن توافقه أو لا- شوف كيف طريقة تفكير الفقهاء، يقول: «والثاني أن الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يصرف عن الظاهر بقرينة ودليل، وقد دل الدليل وقامت القرينة ها هنا، ما هي؟ قال: فإنه ﷺ علل غسل اليدين ثلاثًا عند الاستيقاظ بأمر يقتضي الشك».
الآن قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، هذا يعتبر على طريقة الأصوليين لما يتكلموا في مسالك التعليل من مسلك النص، مسلك التعليل بالنص، وهل هو من صريح النص أو من غير الصريح في النص؟ فإن هي تعتبر عندهم تعليلية، والبعض يعتبرها من الصريح، وفي بعض كتب أصول الفقه يعتبر من غير الصريح، لكن هو في النهاية من مسلك النص؛ لأن "فإن" التعليلية مع وجود الفاء كذلك، وهذه أقوى وأقوى، ولذلك البعض يجعلها من قبيل التصريح، والبعض يقول لا، تبقى ضمن غير الصريح وإن كانت مسلك النص.
فإذا هنا في تعليل ورد من النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، يقول هذا التعليل -خلونا نفكر فيه- قال: «فإن أحدكم لا يدري»، يعني أم شاك؟ كل واحد لما يستيقظ من النوم وشاك أين باتت يده، صح لا يدري، يعني أنت مش عارف، أنت شاك هل يدي باتت ودخلت على الفرج؟ والله ممكن، هل يدي أثناء النوم أثارت جرحًا أو لمست حيوانًا؟ ممكن، وممكن يكون ما صار شيء.
طبعًا قال خاصة إذا عرفنا أن طريقة الأقدمين في الأجواء الحارة في المدينة أنهم كانوا ينامون عراة، في المدينة كانت العادة أنهم تحت اللحاف ينامون من الحر الشديد، ولذلك حتى جاء حديث «لا يفتر الرجل الرجل في الثوب الواحد والمرأة في الثوب الواحد»، قالوا إن هذا كانوا عراة، ولأن هذه أصلاً طبيعة المدينة التي خاطبهم فيها النبي ﷺ، أنهم لشدة حرها كانوا ينامون تحت اللحاف أو الشعار عراة من باب تخفيف الحرارة أثناء النوم.
هذا كان حال الأغلب، مش شرط، ممكن واحد يقول لك يا شيخ لا، ليس هذا معناه أن الكل، خاصة النساء قد لا تنام هكذا استحيائًا، لكن طبيعة الرجل وهذا عمومًا في الأجواء الحارة أنهم ينامون بهذه الطريقة، اليوم عندكم مكيفاتكم طيبة، لكن قديمًا الأجواء الحارة تحتاج إلى تخفيف.
قال: علل بأمر يقتضي الشك، قال: «لا يدري أين باتت يده»، والقواعد تقتضي ماذا؟ أن الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، يعني الأصل إذا بدي أقول لازم تطحن، إذا على القواعد لازم أكون متيقن من وجود نجاسة، لما أقول لك لازم تغسل يدك، إذا هذا متى يكون وجوب غسل اليد؟ إذا كنت متيقن من وصول النجاسة إليها.
فيقول القواعد تقتضي أن مجرد الشك لا يقتضي وجوبًا في الحكم، أي حكم غسل اليدين، لماذا؟ قال: «إذ كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا وهو أن الأصل في الجسد الطهارة حتى تثبت النجاسة». فإذا قلت لك القواعد، طبعًا هو ماذا يكتب القواعد هنا؟ النصوص استقراء النصوص يدل على أن الأصل في الإنسان الطهارة حتى يتيقن النجاسة.
وعندنا حديث من الرجل شكا إلى النبي ﷺ أنه يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، مش قال لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا كما أخذنا في المنحة الإلهية، فإذا النبي ﷺ علمنا أننا لا نعتمد الشك، وأن الأصل في الإنسان يبقى معتمدًا على اليقين، فإذا جاء تعليل أمر بالشك فهذا يجعل هذا الشك لا يصلح للإيجاب، وإنما يصلح فقط للندبية.
شوف الكلام العالي، هكذا تفهم النصوص إخواني، بغض النظر أن وافقوا على النتيجة أو لا، بشوف كيف التحليل العميق للمشهد؛ أن أنا لا آخذ القواعد فقط من حديث أو لفظة، لا بد أستقرئ عموم الشريعة وعموم نصوص الكتاب والسنة، هذا هو التضلع الحقيقي، أنك تفهم طريقة قراءة النص، كيف تقرأ النصوص، أن أنا عندي نصوص كثيرة النبي ﷺ يطالبني فيها فليطرح الشك وليبني على ما استيقن.
أيضًا في حديث ما شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، فهذه كلها تدل على أن الشريعة لا تبني ابتداءً حكمًا إيجابيًا إلزاميًا على الشك، وإنما قصارى ما يمكن أن يُبنى على الشك حكم الندب من باب الاحتياط لا أكثر. ولذلك لما شك النبي ﷺ في ولد زمعة قال: «واحتجب منه يا سوداء»، تمام، جعل الشك هو الأصل، لكن قالوا احتياطًا. ولذلك قالوا هل هو على سبيل الإيجاب أو الندبية؟ يعني في حق السوداء فيه نقاش في ذاك الموطن.
قال: «لا يقتضي وجوبًا في الحكم إذ كان الأصل المستصحب على خلافه موجودًا»، ما هو الأصل المستصحب في اليد؟ الطهارة، قال: «والأصل الطهارة في اليد، فليستصحب أن الأصل أنها طاهرة»، والتعليل بالشك يدل على استحباب ذلك احتياطًا.
قال: «وفيه احتراز»، هذه القاعدة التي ذكرتها فيها احتراز عن مسألة الصيد التي ستأتي معنا في باب الصيد إن كان لنا في العمر بقية ووصلنا إلى حديث الصيد، ما هي مسألة الصيد؟ مسألة الصيد وهو أن الحديث الذي سيأتي معنا أن النبي ﷺ لما تكلم: «وإذا أرسلت كلبك فامسك عليه»، قال: «فإن أكل فلا تأكل»، الآن في إرسال الكلاب المعلمة للصيد يجوز صيد الكلب المعلم صحيح لكن...
النبي ﷺ قيد حل هذا الصيد بماذا؟ إنه الكلب المعلم، إذا صاد لك الصيدة وجابها وهي مقتولة في فمه، انظر فيها، قال: «إن وجدت كلبك المعلم...» يقول عليه الصلاة والسلام: «أكل منها؟»، قال: فلا تأكل، خلص؛ حُرِّم ليه؟ قال: «فإنما أمسك على نفسه»، وأما إن لم يأكل قال: «فكل».
الآن ماذا يقول ابن دقيق العيد؟ يقول ابن دقيق العيد للشافعية قولان في جواز الأكل من الصيد الذي أكل منه الكلب: القول الأول عند الشافعية أنه لا يجوز له أن يأكل من هذا الصيد لهذا الحديث، وإن أكل فلا تأكل؛ لما أشار إليه من العلة وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنما أمسك على نفسه». ثم ذكر القول الآخر وهو جواز الأكل، واستضعف القول الآخر بأنه علل بعدم الأكل في الرواية الأولى أو في القول الأول بخوف؛ قال: «فإنه إنما أمسك على نفسه»، هل هنا نحن متيقنون أنه أمسك على نفسه؟ ولا إنما يخشى أن يكون أمسك على نفسه؟ ولا أدري قد تكون إحدى الألفاظ التي وردت في الحديث لفظه الشك؛ أنه قد يكون هنا في رواية أخرى: «فإني أخاف».
نعم، أظن يعتمد على رواية «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» أو «فإني أخاف»، وإذا هو أيضًا هنا علل بالخوف وهو شك، ويريد أن يقارن بين هذا الحديث وحديث الباب هنا، حيث قال: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، وبين حديث الصيد: «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه». أيضًا هذا الشك: هل هو أمسك على نفسه الكلب ولا لا؟ لما يأكل من الصيدة، معناته هو فعلاً أمسك من أجله ولا من أجل صاحبه؟ في شك، وبناءً على الشك النبي ﷺ ألزم بعدم الأكل، قال: «إذا أكل لا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه».
الآن ماذا يقول ابن دقيق العيد في ذاك الموطن؟ يقول: «والتعليل بالشك والتخوف، هذه علة لا تناسب إلا...»، الآن هو يقصد العلة الأصلية؛ أنه إذا أمسك على نفسه، فالإمساك على النفس يقتضي التحريم، قال: «وهذه علة لا تناسب إلا التحريم». يعني أن يمسك على نفسه، اللهم إلا أن يقال إنه علل بخوف الإمساك لا بحقيقة الإمساك. يعني إذا نحن تيقنا أن الكلب أمسك على نفسه، هذا فعلاً يقتضي تحريم أن تأكل، بس الحديث ما علل أننا متيقنون أنه أمسك، قال: «إني أخاف أن يكون إنما أمسك»، والعلة كانت بخوف الإمساك لا بحقيقة الإمساك.
هذا دليل من يرى أن عدم الأكل من الصيدة التي أكل منها الكلب هو فقط على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الإلزام. الشافعية عندهم قولان: قول عدم جواز الأكل من هذه الصيدة، والقول الثاني أن هذا على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الإلزام. الذين قالوا إن عدم جواز الأكل من الصيد الذي أكل منه الكلب إنما هو على سبيل الأفضلية وليس على سبيل الإلزام، قالوا لأنه علل بالخوف وليس بالحقيقة، قال: «إني أخاف».
وابن دقيق العيد حتى تضطرد أن التعليل بالشك كما لا يقتضي الإيجاب في باب المأمورات لا يقتضي التحريم في باب المنهيات، وإنما يقتضي الكراهة، صحيح، لا يجب أن يصل إلى التحريم؛ فلذلك أصحاب القول الثاني لهم وجهة نظر، الذين قالوا يجوز أن يأكل وإن كان مكروهًا، قالوا لأنه علل بخوف الإمساك على النفس وليس بحقيقة الإمساك لأنها مشكوك فيها.
لكن بماذا أجاب ابن دقيق العيد؟ شوف الكلام مرتب ودقيق، قال لك: «لكن يجاب عن هذا أن في باب الطهارات ما هو الأصل في الأعضاء؟ الطهارة»، والشك طارئ في النجاسة؛ يعني التخوف والشك طارئ في النجاسة فاستصحبنا الأصل وهو الطهارة. لكن هنا ما هو الأصل في الصيود؟ التحريم، هذا هو الأصل فيها، العكس تمامًا، وجاء التعليل بالتخوف من الإمساك، فإذا بدنا نقول على نفس الطريقة الأصولية، فالأصل أن نستصحب القاعدة العامة؛ نقول القاعدة العامة في الصيود التحريم، فيبقى الصيد محرمًا حتى تثبت حليته. وهنا يبقى العضو طاهرًا حتى تثبت نجاسته، فلذلك يقول: لا تعترض.
أنه في كل باب يستصحب ما هو الأصل فيه، في باب الأعضاء اليد والجسم الأصل فيه الطهارة حتى تثبت نجاسته، وأما في باب الصيد الأصل في الصيد التحريم حتى تثبت حليته، فلذلك وفي كلا البابين أنا مضطرد أن الشك لا يوجب تحريمًا ولا يوجب إيجابًا. الشك والتعليل بالشك يجعل الأمر في مساحة المستحب أو المكروه ولا يوصل إلى اليقينيات، لكن أنا هنا لم أعتمد على التعليل، أنا اعتمدت على استصحاب الأصل في كل باب؛ فهنا الأصل الطهارة وهناك الأصل التحريم، فأنا مضطرد في قاعدتي في الفهم. كلام عالي، فهمتوا كيف أفكر في هذه المسألة؟
ويقصد هنا «وقد دل الدليل وقامت القرينة»، يقصد بها الدليل والقرينة في هذا الموطن بالتحديد. الآن أيها الكرام، الحنابلة ماذا سيفعلون الآن؟ ابن دقيق العيد يواجههم بقرينة قوية ينصر بها رأي الجمهور أنها للاستحباب، ما هي قرينته؟ التعليل بالشك، وأن التعليل بالشك لا يؤدي إلى الوجوب، هذه القاعدة الاستقرائية التي وجدها ابن دقيق العيد وغيره من العلماء من الشافعية والمالكية.
الحنابلة ماذا قالوا؟ قالوا: ومن قال لكم إننا جعلنا «فإنه لا يدري أين باتت يده» هي العلة؟ هي العلة في وجوب غسل اليدين ثلاثًا؟ ماذا العلة عندكم يا حنابلة؟ هي مذكورة في الحديث؟ قالوا: هذا إنما يذكرنا، قالوا: وإنما غسل اليدين ثلاثًا عندنا تعبدي، ولذلك على ماذا نص في الأخصر؟ قال: «وغسل اليدين ثلاثًا تعبدًا».
فالحنابلة أصلاً قالوا كلامًا وجيهًا، ابن دقيق العيد فهم ما واجهوه في علته، هم قالوا: نحن القضية عندنا غسل اليدين ثلاثًا لمن استيقظ من نوم الليل هي قضية تعبدية بحتة. وجعلوا -وهذا انتبه له، الحنابلة أكيد هم أصوليون- «لا ترون العلة، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، وهذه عندكم من مسالك التعليل، أنتم كحنابلة ماذا فعلتم بها إذا قلتم غسل اليدين ثلاثًا لمن استيقظ من نوم الليل مسألة تعبدية؟ أين ذهبتم بها؟
قالوا بالعكس، هم الآن سيقلبون الطاولة على ابن دقيق، قالوا: التعليل بالشك هو الذي دل على أن الأمر تعبدي. التعليل بالشك هو الذي دل على أن الأمر تعبدي؛ لأنه لو عُلل بالنجاسة لكان الأمر ليس تعبديًا بمعنى أنه معلوم العلة، لكن لما عُلل بالشك، والشك في الأصل لا يوجب... ألم نقل إن الشك لا يوجب إيجابًا؟ يعني الأصل أن الأحكام تُبنى على ماذا؟ على الجزم بوجود الوصف.
الأحكام تُبنى على الجزم بوجود الوصف، فلما عُلل بالشك، هذا الذي أكد لنا أن الأمر تعبدي. إذاً لاحظوا، هكذا إخواني اختلفت الأحكام الفقهية رغم أن المأخذ نفسه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. الحنابلة نظروا، فلما رأوا التعليل بالشك قالوا: لما عُلل بشك النجاسة، عُلِم أن القضية تعبدية، فنحافظ على أن الأمر للوجوب، والتعليل بشك النجاسة دل على التعبدية.
الجمهور قالوا: لا، الأمر للاستحباب، لكن هنا قرينة تدل على الندبية، وهو أنه عُلل بالشك، والتعليل بالشك لا يقتضي الوجوب في القواعد الشرعية، فنستصحب الأصل في اليد وهي الطهارة.
هنا نذهب برحلة سريعة، سنكمل مع دقيق العيد، ثم نذهب في رحلة مع السفاريني في "كشف اليتام" لنعرف ما هي القرائن التي يمكن أن تكون صارفة أيضاً وتقوي رأي الجمهور في الاستحباب.
السادس: قيل إن سبب هذا الأمر -إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه- أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، فربما وقعت اليد أثناء النوم على محل الاستجمار، وهو عرق فتنجست؛ خاصة كما قلنا إخواني أن كثيراً من الرجال في ذاك الزمن كانوا يباتون عراة لشدة الحرب، فبينما أنت نائم ربما جالت يدك فوقعت على المحل، وهو القبل أو الدبر، والمحل يكون عليها عرق، وهذا العرق عند أصحابنا صحيح فتنجست. فإذا وضعت في الماء بعد الاستيقاظ من النوم سيتنجس الماء الذي في الإناء؛ لأن الماء المذكور في الحديث هو بالتأكيد ما يكون في الأواني التي يتوضأ منها، والغالب عليه أنه قليل، أقل من قلتين، فسيتنجس بمجرد الملاقاة.
وقيل أيضاً -وهذا قاله الشافعي- إن الإنسان لا يخلو من حك بثرة في جسمه أثناء النوم، فتقوم بحك بثرة وأنت لست منتبهاً، فيخرج على يدك دم، والدم ممكن يجف لأنه صغير، فلما تغمس يدك ينتقل بالملاقاة. أو مصادفة حيوان ذي دم فيقتله، فأحياناً تكون نائماً وتجيء عليك شيء من الذباب فتقوم بضربه فيكون في مثلاً شيء من الدم فيقتله، لكن هل هذا الدم معفو عنه أصلاً؟ ليس من السهل أن يتصور أن الإنسان سيقتل حيواناً كبيراً وهو نائم، أما ما لا سائله من الحشرات الصغيرة فدمه غير داخل معنا ومعفو عنه أصلاً على القواعد، لكن الأشياء الدسمة ليس من السهل تصور قتلها أثناء النوم، ربما في نوع من المبالغة، لكنه قال بشكل عام: "فيعلق دمه بيده"، فهو نوع من الاستئناس.
ما هو سبب هذا الأمر؟ لماذا قال: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»؟ شرح ذلك الشافعي بقضية، شرحها من أولها؛ أنه يمكن أن تضع يدك على مكان الاستجمار، ويمكن أن يكون هناك دم تحكه من جسدك، وهذه واقعية القضية.
الثالثة ينظر فيها السابع: قال الذين ذهبوا إلى أن الأمر على الاستحباب: استحبوا غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء مطلقاً، سواء قام من نوم أم لا. هذه مسألة أخرى لا أريد الدخول فيها حتى أناقش مع السفاريني.
ماذا ذكر ابن تيمية في قضية القرائن؟ ابن تيمية في شرحه للعمده، شرح "عمدة الفقه" لابن قدامة، تكلم بإسهاب عن هذه المسألة عندما قالوا: «ويغسل كفيه ثلاثاً». اقرؤوا الآن من شرح العمدة: يقول ابن تيمية: «ويغسل كفيه ثلاثاً، قال: هذا مسنون لكل متوضئ سواء أن تحقق طهارتهما أو شك في ذلك، وهذه من جملة الوضوء. ثم قال: فأما إذا كان المتوضئ قد قام من نوم الليل، كان غسلهما أوكد حتى يكره تركه».
يعني كان ابن تيمية يميل إلى رأي الجمهور، حتى يقول: «فأما إذا كان المتوضئ قد قام من نوم الليل كان غسلهما أوكد حتى يكره تركه». وهذا ربما قد يشير لي بعد قليل، أنتم على رأي الجمهور تقولون إن غسل الكفين ثلاثاً مستحب في الوضوء حتى ولو لم يستيقظ أصلاً من النوم، حتى لو كنت صاحياً في الصباح وذاهباً إلى العمل، أنتم تستحبون غسل الكفين ثلاثاً، فما فائدة هذا الحديث إذا كانت القضية هي سنة عامة في الوضوء سواء استيقظت من النوم أو كنت صاحياً؟
قالوا: فائدة هذا الحديث زيادة استحباب غسل الكفين ثلاثاً عند الوضوء لمن كان مستيقظاً من نوم الليل، وكراهية ترك ذلك. يقولون: من استيقظ من نوم الليل وأراد أن يتوضأ -سواء كان نوم ليل أو نهار- لماذا ينص على قضية غسل الكفين ثلاثاً بالتحديد في حالة الاستيقاظ من النوم؟ قال: لأن هذه الحالة أوكد من غيرها أن يغسل فيها الكفين ثلاثاً لما ذكره من علة: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
فهمتم؟ وبالتالي في هذه الحالة يكون ترك الغسل مكروهاً. إذا قلنا إن غسل الكفين كله على الاستحباب سواء استيقظ من النوم أو لم يستيقظ، فإن التنصيص على حالة الاستيقاظ يكون لإخبارنا بأكدية غسل الكفين ثلاثاً في هذه الحالة وتأكيد كراهية ترك ذلك.
هنا مثل مسألة نقول فيها: إن من كان مجنباً فأراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يعاود الوطء، يسن له الوضوء، غسل الفرج والوضوء، لكن في واحدة من هذه الصور يكون مكروهاً، قالوا: إذا لم يتوضأ إذا أراد النوم. هم قالوا: من كان عليه جنابة فأراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أو يعاود الوطء يسن له الوضوء ويكره تركه، لكن في صورة واحدة منها وهي في حال النوم فقط، فقلنا: لماذا خصصتموها بالكراهة؟ قالوا: لأن النص ورد فيها بالتأكيد أكثر وأكثر.
فهنا نفس الفكرة؛ النصوص هكذا. والآن أشرح رأي الجمهور، الجمهور ماذا يقولون؟ غسل الكفين ثلاثاً سنة في كل وضوء، ممتاز في أي وضوء.
ولكن يزداد استحبابه ويكره تركه إذا كان هذا الوضوء لمن استيقظ من النوم. ليش هي الحالة الوحيدة التي يكره فيها الترك؟ لأنه فيها نص خاص فيها، هكذا فهم الجمهور المسألة، وهكذا ابن تيمية أيضًا؛ كأنه يشير إلى هذا لما قال: «فأما إذا كان المتوضئ قد قام من نوم الليل...». طبعًا الجمهور الأمر أوسع عندهم حتى من نوم النهار، بس خليه ابن تيمية ماشي مع المذهب الآن، هنا في التقييد بنوم الليل: «وإذا كان المتوضئ قد قام من نوم الليل كان غسلهما...»، حتى إنه يكره تركه.
لكن ماذا قال بعد ذلك؟ قال: «وهو واجب» في إحدى الروايتين، طبعًا هي التي ستصبح الرواية المعتمدة بعد ابن تيمية على يد المرداوي. لماذا قال القاضي وأصحابه هي واجب؟ قال: «لا عن حدث ولا عن... ولكن تعبدًا»، كما أقول هي تعبدية، وسبب التعبدية هي التعليل بالشك أصلاً. واختارها أبو بكر وأكثر أصحابنا، يعني الرواية بالوجوب هي رواية أكثر الأصحاب. ابن تيمية يقر أنها رواية أكثر المتقدمين وممن جاء قبل ابن تيمية، قال: «وهو اختيار أبو بكر». وأكثر أصحابنا؛ أبو بكر هو أبو بكر عبد العزيز غلام الخلال.
لما روى أبو هريرة: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده»، متفق عليه. قال: إلا أن البخاري لم يذكر العدد، حتى ابن تيمية منتبه أنه كلمة «ثلاثة» لم ترد في البخاري. قال: «ومقتضى الأمر الإيجاب»، هكذا قال أصحابنا. شوف أصحابنا كيف فكروا، أن الحنابلة برضه لهم وجهة نظر، ماذا قالوا؟ قالوا الأمر هنا للإيجاب لا سمًا، وإن غسل اليد للوضوء مستحب في الأصل، فهذا الحديث ما دام ركز على حالة الاستيقاظ من النوم إذا هو يريد أن ينقلك من مربع الاستحباب إلى مربع الوجوب، وليس فقط من الاستحباب إلى أكدية الاستحباب.
قال: «فلما خص هذه الحالة دل على وجوبها»، هذا رأي أكثر الحنابلة من رأى بالوجوب. قالوا: «وهذا يختص بنوم الليل دون نوم النهار»، قال: «لأن المبيت إنما يكون بالليل»، وعلى هذا، ما دامت المسألة تعبدية ودليلها التعليل بالشك، إلى ماذا اتجهوا؟ اتجهوا أنه حتى ولو انتفى الشك أنت تغسل كفيك ثلاثًا.
قال هنا: «فإن بات ويده في جراب أو مكتوفًا وجب غسلهما» على رأيهما. لماذا؟ يعني لو أنا حطيت يا شيخ على يدي أكياس قبل ما أنام، هنا أنا عارف أين باتت يدي، باتت جوا الكيس، حتى في هذه الحالة بدك تغسل ليه؟ لأنه خلاص نحن كمعتمد مذهب رأينا أنه الشك وحده لا يوجب حكمًا، فإذا قلنا بالوجوب معناتها بنحكي عن شيء تعبدي، وكان الشك هو الذي نقلنا إلى التعبدية. الشك، التعليل بالشك في وجهة نظر الحنابلة، هو الذي جعلهم يقولون بأن الحكم تعبدي، وما دام تعبديًا فهنا سواء شككت أو لم تشك بدك تغسل يديك ثلاثًا.
لكن شوف الجمهور كما قلت، الجمهور رأوا أن التعليل بالشك لا يوجب التعبدية، يوجب النقل من الاستحباب إلى الاستحباب الأعلى فقط. الجمهور رأوا أن الحكم معقول المعنى، والحنابلة رأوا أن الحكم تعبدي. تعرف الفرق بين وجهتي النظر؟ الجمهور رأوا أن الحكم معقول المعنى، والمعقولية أين هي؟ وهي أن الإنسان لا يدري أين باتت يده في أثناء النوم، فلذلك قلنا إن الاستحباب يزداد أكدية؛ شيء معقول أنه والله ممكن يكون باتت يدك في شيء أو لا، أما الحنابلة فلا، الحنابلة عندهم القضية ما دام تعليل بالشك إذا هو أشار إلى التعبدية، فالأمر تعبدي سواء شككت أو تيقنت أن يدك لم يصل إليها شيء. اختلاف تمامًا في فهم المسألة وفي فهم هل التعليل هنا يقود إلى التعبدية ولا سيبقى معقولية المعنى. أرجو أن يكون الكلام واضحًا.
قال: «فإن بات في جراب أو مكتوفًا وجب غسلهما في أظهر الوجهين عند أصحابنا»، وتشترط النية لذلك في أشهر الوجهين. بتعرفوا الآن عند الحنابلة أصلاً غسل الكفين ثلاثًا يحتاج إلى نية، ويحتاج إلى ماذا؟ إلى تسمية؛ لأنه هذا قال هو حكم تعبدي تمامًا، يعني حالة تعبدية زيها زي أي وضوء وغسل يحتاج إلى نية وتسمية. وتمشي على هذا الموضوع أصلاً، قالوا ما له علاقة بالوضوء، قال: «ويجوز تقديمهما على الوضوء بالزمن الطويل لأنهما ليست من جملته»، ما لهم علاقة بالوضوء، كل هذا الملف أصلاً عند الحنابلة يعني هي طهارة مستقلة.
قال: «والرواية ثانية عند أصحابنا أنها سنة على رأي الجمهور». الرواية الثانية عند الحنابلة موافقة الجمهور، هذه اختارها الخرقي. إذا الرواية الأولى اختارها أبو بكر غلام الخلال والأكثر، والرواية الثانية اختارها الخرقي؛ لأن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعم القائم من النوم وغيره، صح كما قلت قبل؛ إذا قمتم يعني في أي وقت تقومون إلى الصلاة، وهذا يشمل القائم من النوم ونوم الليل ونوم النهار، أو حتى مش قائم من النوم، القائم من كرسي.
قال: لا سمًا، يعني هو لاحظ أدلة الجمهور، قالوا هذا يعم القائم من النوم وغيره، ولما قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ولم يأمرنا بغسل الكفين ثلاثًا، قال: دل هذا الآن -وهو قال لك إذا قمتم- تدل على العموم سواء قمتم من نوم أو لا، ومباشرة قال لك ابدأ بغسل وجهك، إذا هذا يدل على أن غسل الكفين ليس واجبًا وإنما سنة. قال: لا سمًا، وقد فسره زيد بن أسلم بالقيام من الليل، كما قلت لكم إن زيد بن أسلم فسر الآية ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ أي من الليل أو من نوم الليل إلى الوضوء فقطًا، هذه الصورة داخلة نعم، الآية ليست محصورة فيها لكن قطعًا هذه الصورة داخلة.
قال: «ولأن الطهور الواجب»، شوف الآن سيذكر أدلة كثيرة على السنية وعدم الوجوب، قال: «ولأن الطهور الواجب إما أن يكون عن خبث»، الآن نحن عندنا الطهارة إما عن حدث أو عن خبث، فيقول الطهور الواجب إما أن يكون عن خبث، واليد هنا طاهرة بالإجماع؛ لأن الأصل فيها الطهارة، مش هيك اتفقنا؟ أصحاب الأصل أنك لما تستيقظ من النوم أنت لست متيقنًا من النجاسة فهي طاهرة بالإجماع، وإما عن حدث؛ ولو كان ذلك، ولو كانت قضية غسل كفين ثلاثًا بسبب حدث، لآجزى غسلهما في جملة أعضاء الوضوء بنية الحدث.
ويكتفي لهما بغسلة واحدة، يقول: ولو كانت عن حدث قام بها، فلما احتجنا إلى تخصيصها بغسل مستقل قال: ولو كان... وأما عن حدث، ولو كان كذلك، لو كان فيها حدث لأجزى غسلهما.
جملة أعضاء الوضوء بنية الحدث، ماذا يريد أن يقول؟ مش أنت بعد ما تغسل وجهك، بعد ما تغسل وجهك تغسل إيديك، إذا ما يرفقين، صح؟ لو كانت القضية أنه المستيقظ حل بيده حدث خاص فيها، لكان هذا الحدث سيرتفع عنها لما تأتي إلى غسل اليد من هنا إلى هنا، خلص بيرتفع. يعني ليش أنا أغسلها أولاً بعدين أرجع أغسلها؟ بعد اليد بعد غسل الوجه، يقول لك لو كانت القضية هناك حدث حقيقي قام في اليد بالتحديد، هنا لكان أثناء الوضوء لما أغسل وجهي ثم أنتقل لغسل اليد من هنا إلى هنا سيرتفع الحدث عنها، ما أثناء غسل اليدين المرفقين؟
فدل هذا على أنه اليد لما استيقظت من النوم وأمرناك تغسلها ثلاثاً، لا يوجد فيها ولا حدث، يعني هي قضيتها مش ولا حدث، وإنما هي قضية استحبابية. يقول هنا قالوا: لأن الطهور الواجب... بدي أقول لك الطهور الواجب متى يكون يا إخواني؟ هو استقراء للطهور الواجب، نحن استقرأنا الشريعة، فيقول وجدنا أن الطهور الواجب إما عن خبث وإما عن حدث.
هل اليد أنت متيقن أنه عليها خبث؟ لا، الكل متفق أنها الأصل فيها الطهارة، لما يستيقظ من النوم. طب هل فيها حدث؟ قالوا ما فيها حدث، شو دليل أنه فيها حدث؟ قال لو كانت القضية وهي مجرد وجود حدث، ما هو خلص بعد غسل الوجه مش أنت رح تغسل يدك إلى المرفقين فبيرتفع الحدث. فتخصيصها بالذكر هنا يدل أن الموضوع مش حدث.
أيضاً، والذي يؤكد أنه أيضاً مش حدث، قال: ولكتفي فيها بغسلة واحدة، والحديث قال: «فليغسلها ثلاثاً». طيب، نحن أعضاء الوضوء الطبيعية، أعضاء الوضوء كم مرة لازم تغسلها وجوباً؟ مرة، والثانية والثالثة استحباب. تخصيص الكفين أنه ثلاثاً وجوباً، يعني قالوا مشكل، يعني هذا لا يمكن أن يكون عن حدث.
طبعاً هذا كله هو بس عمدة الآن على من قال بالوجوب، فالآن هو هذا رد على من قال بالوجوب؛ أنتم يا من قلتم بالوجوب سنناقشكم، نقول لكم يا إخوة: الطهارة الواجبة في الشريعة إما عن خبث وإما عن حدث. الخبث هنا باتفاق الجميع مش موجود، لأنه نحن مش متيقنين، والأصل في اليد الطهارة. طيب في حدث؟ الذي ينفي الحدثية أمرين: أنه لو كان هذا الأمر كله لأنه في حدث قام سيجزئ عنه، ماذا؟ أنه بعد غسل الوجه أغسل اليدين من هنا إلى المرفق، وبالتالي سيرتفع الحدث. ولو كان عن حدث لكان مثل باقي أعضاء الوضوء، غسلة واحدة بترفع عنها الحدث، فلماذا نص على الثلاث؟
إذاً الموضوع مختلف، الموضوع ليس عن حدث ولا عن خبث. اكتفي بمقدمة، يعني الطهارة الواجبة إما عن حدث وإما عن... وهنا لا حدث ولا خبث، إذاً ما النتيجة؟ إذا ما في طهارة واجبة هنا، النتيجة لا بد تكون طهارة مستحبة، فهمتوا الآن؟ هو كيف الدليل على الرواية الثانية، وهذا أيضاً دليل الجمهور. الطهارة الواجبة إما أن تكون عن حدث وإما عن خبث، وعرفنا ليش لا حدث ولا خبث، إذاً الطهارة هنا ليست واجبة، وإذا لم تكن واجبة فهي مستحبة، فما في طهارة مباحة، هي إما واجبة يا مستحبة، فالطهارة مستحبة.
وبالتالي حملوا الحديث على الاستحباب، واستدلوا أيضاً بأمور أخرى، قالوا: باتفاقنا نحن حملناها على الاستحباب، اتفاق الخرقي مع غلام الخلال في أحاديث تشبه هذا الحديث، أنتم عملتموه على الاستحباب، ما هي؟ قالوا: حديث «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه». تعرفوا هذه السنة طبعاً، هنا فليستنثر، بس هيك سريعاً، أطلق الاستنثار وحده فيحمل على الاستنشاق والاستنثار، هذا مثال آخر على قضية إطلاق الاستنثار وحده.
طيب، قال: «فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، متفق معنا أن هذه سنة، طب هذا استيقظ من النوم وقال: «فليستنثر ثلاثاً»، وهذا قال: استيقظ من النوم «فليغسل كفيه ثلاثاً»، لماذا هذه للوجوب ولماذا هذه للاستحباب؟ قلت إذا هذه للاستحباب، وهذه للاستحباب، أو أنك تضطرد وتقول هذه للوجوب كما أن هذه للوجوب، أما أن تفرق فهذا تفريق تحكمي.
قال: وللتعليل أيضاً بوهم النجاسة. الآن الرواية الثانية، الخرقي هم موافقون فيها للجمهور، هم يقولون إنه هنا التعليل بوهم النجاسة، وأيضاً قرينة على أن المراد الاستحباب وليس الوجوب، وليس بالطريقة التي فكرت فيها يا أبا بكر غلام الخلال والقاضي، أنتم جعلتم وهم النجاسة دليلاً على التعبدية، لا، وهم النجاسة هذا على الاستحبابية، وأن الأمر ليس على سبيل التأكد، ولأنه قد روي في لفظ صحيح: «إذا أراد أحدكم الطهور فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها»، وهذا يدل على أنه أراد به غسل اليد المسنون عند الوضوء مطلقاً. وهنا سيزيد الحديث استحباباً فقط عند الاستيقاظ من نوم الليل.
قال: وعلى هذه الرواية حكم غسلهما هنا حكم غسلهما عند إرادة كل وضوء، إلا أنه مؤكد هنا أي في حال الاستيقاظ منه، ويكره تركه، اللي هو اللي اختاره ابن تيمية في البداية. قال: وهل يختص ذلك بمن يريد الوضوء أو يعم غيره بحيث يغسل عند وضع الطعام وغيره؟ قد يحتمل وجهين.
إذاً هذه كلها مناقشات ابن تيمية، وكان ابن تيمية في الحقيقة هنا يميل إلى الرأي الثاني، وأن الرأي الثاني في التفكير، يعني أقول أتى بقرائن كثيرة أقوى من الرأي الأول، فترجع كفته، وإن كنت أنت الآن كحنبلي تلتزم معتمد المذهب، الآن لست بصدد أنك ترجح الآن أحد الأمرين، لكن أنا في صدد أن أعلمك كيف يتناقش الفقهاء وكيف تفهم النصوص وما هي المعاني التي يعقل النقاش فيها حتى تتدرب، حتى تتدرب.
نذهب الآن إلى المعنى الذي يليه مما ذكره العيد، يقول: السابعة، الذين ذهبوا إلى أن الأمر على الاستحباب استحبوا غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء ابتداءً، أو في ابتداء الوضوء مطلقاً سواء أقام من النوم أو لا. نحن قلنا هيك رأي الجمهور، أن غسل الكفين ثلاث ومستحب سواء قمت من النوم أو لا، لكن تزداد استحبابيته عند الاستيقاظ من النوم. قال: ولهم فيه ما أخذت، أن ذلك وارد في صفة وضوء النبي ﷺ من غير تعرض لسبق نوم، أنه أصلاً صفة وضوء النبي ﷺ فيها غسل الكفين ثلاثاً حتى ولو لم يسبقه نوم، والثاني أن المعنى الذي علل به في...
الحديث، وهو جولان اليد، ترى موجود في حال اليقظة فيعم الحكم لعموم علته. شوف هي إحدى الأفكار والقواعد: عموم الحكم لعموم علته؛ يعني العلة إذا وردت على صورة خاصة، وهي في الحقيقة لم ترد بصيغة خاصة بل وردت عامة، فيجب أن تعمم الصور تبعًا لتعميم العلة.
الآن العلة عامة، ما هي؟ «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». طبعًا هذا على رأي ابن دقيق العيد، هذه علة عامة؛ أنت لا تدري أين باتت يدك أحيانًا حتى وأنت مستيقظ، فمن الممكن أن تعمل هكذا، مثل حك بثور ويخرج دم وأنت غير منتبه، أو مثلاً تصلح ملابسك فتدخل اليد وتصير موط النجاسة وأنت غير منتبه.
فهو ويرى أن «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» علة عامة. ممتاز، فهي وإن ذكرت على صورة خاصة، وهي صورة إذا استيقظ أحدكم من نومه، لكن عموم العلة لحال اليقظة وحال النوم يجعلنا نعمم الصورة، وأنها ليست خاصة بحال النوم بل أيضًا في حال اليقظة. شفتوا كيف يفكر؟ أين عموم العلة؟ لا يدري أين باتت يده، هي حقيقة ليست خاصة بالنوم أو باليقظة، بل تشمل النوم واليقظة؛ لا تعرف ماذا يمكن أن أصابت يدك. عموم العلة يؤدي إلى أننا لا نجعلها خاصة بالصورة المذكورة في الحديث، بل نعمم الحكم في الصور، فيشمل صورة النوم وصورة عدم النوم.
الفائدة الثامنة: يقول فرق أصحاب الشافعي رحمه الله، أو من فرق منهم، بين حالة المستيقظ من النوم وغير المستيقظ، فقالوا في المستيقظ من النوم -وهذا كما ذكر ابن تيمية نفس الشيء، لاحظ التوافق بين هذه الفكرة وفكرة ابن تيمية- قالوا في المستيقظ من النوم يكره له أن يغمس يده في الإناء قبل غسلها ثلاثًا؛ يعني بدك تتوضأ يكره أن تغمس يدك في الإناء قبل أن تغسلها ثلاثًا.
وأما في حال غير المستيقظ من النوم، فنقول يستحب لك أن تغسلها قبل إدخالها في الإناء، ولكن لا يكره ترك ذلك. قال: وليعلم الفرق بين قولنا يستحب فعل كذا، وبين قولنا يكره تركه، فلا تلازم بينهما؛ باختصار ليس كل شيء مستحب يكون تركه مكروهًا. فقد يكون الشيء مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك، مثل صلاة الضحى، فعلها سنة، بس إذا تركتها ليست مكروهة، وكثير من النوافل.
المهم، فغسل الكفين لغير المستيقظ من النوم قبل إدخالها الإناء من المستحبات، وترك غسلها للمستيقظ من النوم من المكروهات؛ ليه؟ قال فقد وردت صيغة النهي عن إدخالها في الإناء قبل الغسل في حق المستيقظ من النوم؛ لأنه قال في الحديث: «وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا»، وفي روايات أخرى: «فلا يغمس يده في الإناء». هذه الرواية التي يشير إليها؛ قال فقد ورد النهي بالتحديد عن إدخالها في الإناء قبل الغسل في حق المستيقظ من النوم، وذلك يقتضي الكراهة على أقل الدرجات.
وهذه التفرقة هي الأظهر، لكن رواية «فلا يغمس يده» هي بتقوي جانب أبي بكر الخلال، في أنه لم يأتِ فقط بأمر بوجوب غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، بل جاء نهي أيضًا عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثًا لمن استيقظ من نوم الليل، والنهي الأصل فيه يقتضي التحريم. فبرضه رواية الوجوب لها ثقلها، فهي لم تعتمد فقط على الأمر بوجوب غسل الكفين، بل اعتمدت أيضًا على وجود نهي عن غمس اليد في الإناء قبل إدخالها، والنهي الأصل فيه يقتضي التحريم. فنحن في رواية المعتمد مشينا على الأصل في الأمر، والأصل في النهي، والطرف الآخر خرج عن الأصل في الأمر وخرج عن الأصل في النهي، فهو يحتاج إلى قرائن قوية حتى يخالف الظواهر.
الفائدة التاسعة: استنبط من هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء. هذه مسألة من المسائل الشائعة في باب المياه، أنهم يقولون في الماء القليل: إذا وردت عليه النجاسة ينجس بالملاقاة، هذا رأي الجمهور، أن الماء القليل إذا وردت النجاسة عليه فإنه ينجس بمجرد الملاقاة.
وأما العكس، وهو أن الماء القليل إذا هو ورد على النجاسة، ففي محل التطهير -ركز في محل التطهير مع أنه لاقى النجاسة- لا ينجس بالملاقاة، ولا نحكم بنجاسته حتى ينفصل عن المحل. طيب، ما الفرق بين الصورتين؟ الآن تخيل ماءً قليلًا، هذا الماء نفسه إذا النجاسة هي التي جاءت فيه مباشرة نحكم بنجاسته بالملاقاة، إذا صار العكس، الماء القليل هو الذي ورد على النجاسة، لا نحكم بالنجاسة بالملاقاة ما دام الماء على النجاسة حتى ينفصل عن محل التطهير. الآن هذا رأي الشافعية والحنابلة وأكثر أهل العلم.
طيب، هل عندكم دليل على هذه التفرقة؟ مع أن مر معنا في الدرس الماضي أن ابن دقيق يقول إن الشريعة تبني أحكامها على الأوصاف الحسية، مش على الأوهام والعلل الاعتبارية؛ يعني أن الماء وارد أو مورود هذه قضية اعتبارية في ذهنك، بس الصورة النهائية الحسية هي التقاء الماء والنجاسة، سواء كان واردًا أو موردًا. من أين أتيت بهذه التفرقة؟ وممن اعترض على هذا؟
فعلاً الغزالي، وهو من أذكياء العلماء، قال في الإحياء: «وهذه قضية لا تظهر لي إلا أنها من صنيع الفقهاء، التفريق بين الماء الوارد والمورود». يعني قال إن هذا التفريق ما في دليل عليه. ابن دقيق راح يدخل له ويقول: لا، تعال أعطيك ما يشبه أن يكون دليلًا. ما الذي يشبه أن يكون دليلًا في هذا الحديث؟ قال: ووجه ذلك أنه قد نهى عن إدخالها، أي اليد، في الإناء؛ ليه؟ مش قلنا الاحتمال ورود النجاسة على رأي الجمهور؟ وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر في الماء.
ولاحظ ماذا يقول لك، شوف اللفتة الجميلة؛ يقول لك الآن على رأي الجمهور، لماذا نهي المستيقظ؟ لماذا نهي المستيقظ وشدد عليه: «لا تغمس يدك في الإناء أيها المستيقظ حتى تغسلها»؟ لمجرد احتمال ورود النجاسة على الماء، وذلك يقتضي -لاحظ أنا عللت بالاحتمال- هذا يقتضي أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه. قال: وأمر بغسلها بإفراغ الماء عليها، بالعكس، أنه يأخذ الماء وهو الذي أفرغه عليها للتطهير.
قال لك: ما تدخل يدك في الإناء، لا، خلي الماء في الإناء هو اللي يجي على يدك، ركز، شو بده يحكي؟ لا تخلي يدك تدخل، خلي الماء هو اللي يجي عليها.
طيب، إذا كانت هي القضية مجرد الالتقاء، سواء يدي دخلت أو الماء هو اللي جاء عليها، فالالتقاء صار في الحالتين. إذاً لما فرق النبي ﷺ بين أن أدخل يدي في الإناء أو أخلي الإناء هو اللي يجي عليها، هذا يدل على ماذا؟ قال: وأمر بغسلها بإفراغ الماء اللي في الإناء عليها، وذلك يقتضي أن ملاقاتها -أو أن ملاقاتها للماء على هذا الوجه، على وجه أن الماء هو الذي يلقى عليها- غير مفسد له بمجرد الملاقاة، بل لا بد وأن ينفصل.
وصح أنه ما دام على محل التطهير هنا، الملاقاة ليست مفسدة، وإلا كما قلنا وكما عللنا حتى في المذهب، وإلا لما حصل المقصود من التطهير؛ يعني عمرك ما رح تطهر شيء لو كان مجرد ماء قليل ورد على نجاسة سيفسد بالملاقاة، عمره ما بتطهر شيء. لكن طبعًا هذا أنت بتعترض فيه على مين؟ على غير ابن تيمية ممن يرى أن الماء ينجس بالملاقاة في الوضع الطبيعي، هذا نعم يصلح.
لكن على رأي ابن تيمية ومن يرى أنه الماء لا ينجس إلا بالتغير أصلاً، فهؤلاء قد يدافعون عن وجهة نظرهم: من قال لكم إن الماء ينجس بالملاقاة أصلاً؟ ومن قال لك إنني سواء النجاسة وردت على الماء ولا الماء ورد، من الذي قال لك إنني أحكم بالنجاسة على الماء بمجرد أنه لاقى؟ فهؤلاء قد يخرج من هذا فيقضيه أنه لا يعتقد قضية الماء القليل ينجس بالملاقاة.
لكن سنقول له: طيب، لو ماء قليل أو كثير ورد على نجاسة فتغير في محل التطهير، هل تحكم بنجاسته؟ هنا سيناقش ابن تيمية: لو ورد ماء قليل أو كثير على نجاسة فتغير في المحل، هل ستحكم بطهارته أم ستقول إنه هنا -إذا قال إن الماء القليل أو الكثير إذا ورد على النجاسة وتغير- نبقى نحكم بطهوريته؟ سنقول: إذاً أنت متفق معنا على التفريق بين الوارد والمورود.
نرجع، هذا نقاش مع ابن تيمية، ومن يرى مذهب ابن تيمية، وهو مذهب بعض الفقهاء، كثير من مجموعة فقهاء الأقدمين، ممن يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ هؤلاء عندهم إذا ألقي الماء على مكان لتطهيره وتغير الماء في مكان التطهير، سنسألهم الآن: هل الماء متغير في مكان التطهير؟ المتغير مش مجرد ملاقٍ، هو متغير، فهل ستقولون إنه سيبقى طهورًا حتى ينفصل؟ إذا قلتم سيبقى طهورًا حتى ينفصل، إذاً أنتم وافقتونا على الفرق بين الوارد والمورود.
ليه؟ لأنه هذا الماء القليل أو الكثير إذا كانت النجاسة دخلت فيه فغيرته، ستقولون إنه نجس، وأما إذا كان هو ورد على النجاسة ليطهرها فتغير بها، ستقولون في محل التطهير يبقى طهورًا حتى ينفصل. إذاً أنت وافقتنا عمومًا على التفريق بين الماء الوارد والمورود بغض النظر عن مذهبك، وصلنا إلى النتيجة.
لكن متى ستخالف النتيجة؟ إذا قال إن الماء إذا ورد على النجاسة ليطهرها فتغير يكون نجسًا في محل التطهير، هنا يكون هو لم يفرق بين الوارد والمورود. أما إذا بقي على أن الماء في محل التطهير ولو تغير يبقى طهورًا، وأما إذا النجاسة هي التي دخلت عليه فإنه إذا تغير يكون نجسًا، نقول: أنت ما زلت تمشي على قضية التفريق بين الوارد والمورود.
العاشرة والأخيرة نكتب بها اليوم إن شاء الله، استنبط من هذا الحديث أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه ولو لم يتغير؛ ليه؟ قال: فإنه منع من إدخال اليد فيه، أي في الماء القليل، لاحتمال النجاسة، وذلك فيه دليل على ماذا؟ على أن يقين النجاسة مؤثر فيه، وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة المنع، صح ولا لا؟ ولما أقول لك لا تدخل يدك في الإناء لأنني لا أدري أين باتت يدك، فأنا منعتك من إدخال اليد في الإناء وألزمتك بغسلها لاحتمال النجاسة.
إذاً هذا نقول فيه ماذا؟ أشارة، هي ممكن نعتبرها من دلالات الإشارة، وأرجو أنكم تكتبوا معي أمثلة القواعد الأصولية التي أذكرها حتى تبقى لك مخزون مستقبلي: دلالة الإشارة، اقتضاء، مفهوم مخالفة، كليات؛ هذه أمور. هذا فيه دلالة إشارة على ماذا؟ على أن يقين النجاسة مؤثر، ليه؟ لأنه أنا إذا بقول لك لا تغمس يدك -وعلى طريقة الجمهور أكره لك غمس يدك، وعلى طريقة الحنابلة يحرم عليك غمس يدك- ليه؟ لاحتمال فقط، لاحتمال النجاسة.
إذاً هذا فيه إشارة إلى أن يقين النجاسة مؤثر، وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة المنع؛ سواء المنع على التحريم عند الحنابلة أو على الكراهة عند الجمهور. إذا كان احتمال النجاسة يقتضي المنع، إذاً يقين النجاسة مؤثر بقوة. طيب، إيش يعني ماشي يقين النجاسة مؤثر بقوة؟ يعني يقين النجاسة مؤثر ولو لم يغير الماء، هذا الذي يريد أن يصل إليه، بل بمجرد الملاقاة.
فهمتم الآن أين وصل؟ قال: وفيه نظر عندي. الآن هو سيعطيك نظر، قال: لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، قال: ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس. الآن رجع كأنه يناقش نفسه، نحن نقول احتمال ورود النجاسة هو الذي اقتضى المنع، قال: اقتضى احتمال النجاسة المنع، صحيح، لأنه احتمال النجاسة سيؤثر.
طيب، سيؤثر إيش؟ قال: وفيه نظر عندي، لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر فيه، يعني حتى مش احتمال ورود النجاسة بل حتى يقين ورود النجاسة. قال: مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر، لكن أي ما هو التأثير بالضبط؟ قال: هو يدل على مطلق التأثير.
شو الآن؟ ارجع للسطر السابق لما قال: وذلك دليل على أن يقينها مؤثر فيه، من هنا بدأ النقاش: يقين النجاسة مؤثر، ماشي، بس إنه تعال يعني، يقين هذا الحديث يدل على أي نوع من أنواع التأثير؟ يعني يقين النجاسة مؤثر في إيش؟ فيقول: مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر، صح، لأنه أنا لما أقول لك لا تضع يدك في الماء إذا استيقظت من نوم الليل لاحتمال وجود نجاسة، أي واحد عربي يسمع هذا الكلام شو بده يفهم؟ أنه إذا في يقين نجاسة، إذاً هذا سيؤثر، عشان هيك هو منعني عند الاحتمال، فما بالك عند اليقين. إذاً يقين النجاسة مؤثر، كلامه صح، هذا المقتضى الدلالة اللغوية للنص، بس يقين النجاسة مؤثر إيش؟
النص ما تكلم عن طبيعة التأثير، ولا يشير إلى طبيعة التأثير؛ النص يشير إلى وجود تأثير ما، لكن ما هو هذا التأثير بالتحديد؟ النص لا يشير إليه، فيقول: مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء يؤثر في الماء، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، يعني التأثير بالتنجيس هو نوع من أنواع التأثير، بس هو مش كل التأثير، قد يكون تأثيراً آخر.
قال: ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، أن يكون التأثير أنه سينجس الماء بالتحديد. ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص المعين. وهي تقول لك إخواني، هذه قواعد يجب أن تكون حاضرة في طالب العلم: ثبوت الأعم لا يعني ثبوت الأخص المعين.
قال: فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهاً، فهو قد وافقني على ماذا؟ إذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يقيناً يكون مكروهاً، فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم منه ثبوت خصوص التأثير بالتنجيس. والله أعلم. كأنه هو يقول: هذه الطريقة في التفكير الأولى لا توافق، لا تصفوا في جنبكم.
بعض الفقهاء استدل بهذا الحديث على ماذا؟ استدل بهذا الحديث على أن الماء القليل ينجس بالملاقاة. شوفوا كيف استدلوا، وشوف كيف ابن دقيق العيد نقض الاستدلال ابتداءً. شو قال؟ هم كيف استدلوا؟ قالوا: الحديث منعنا من إدخال اليد في ماذا؟ في الآنية، والآنية في العادة هي مياه قليلة. طب لماذا منعني من إدخال اليد إذا استيقظت من النوم وهي مياه قليلة؟ قال: لأنه لاحتمال النجاسة فقط، إذاً هذا فيه إشارة على أن يقين النجاسة سيؤثر.
هؤلاء ماذا كان اعتقادهم؟ أن طبيعة يقين النجاسة سيؤثر التنجيس بس، سيؤثر التنجيس؛ إذا تيقنت وجود نجاسة فإن الماء سيتأثر بالتنجيس. فيقول: هي الطريقة في التفكير لا تصلح ليه؟ لأنه نعم، نحن نتفق معكم أن مقتضى الدلالة اللغوية، إذا كان احتمال النجاسة اقتضى المنع، إذاً يقين النجاسة مؤثر.
حتى أقرب لك الصورة أكثر وأكثر من الحياة العملية، ناخذ مثالاً، بس خلي المثال يختر على دين أول شيء. لو قال لك المعلم للطلاب: لا تقرب بجانب هذا الباب، باب هذه الغرفة. الاحتمال وفهمت إيش ليش وعللت؟ قال الاحتمال مثلاً أن تقع عينك على شيء، أو احتمال أن تقع عينك على أسئلة الاختبار أو شيء؛ هذا يدل على أنه يقين دخولك من هذا الباب مؤثر.
أنا لما أقول لك لا تقرب حول هذا الباب، المثال مش ضابط صح، أنا حاسه بده تركيبة أكثر، اللي هي فكرة أني أنا أمنعك من شيء لاحتمال وقوع شيء. أقول لك: لا تفعل هذا الفعل، لا تغمس يدك لأنك لا تدري أين باتت، نحن شاكين أين باتت. إذاً ما المفهوم؟ أنه إذا تيقنا من وقوع... يعني هو أكيد لما قال إنك ما بتعرف شو إجا عليها، يعني إنه إجت عليها نجاسة أو لا، إذاً أنا شو رح أفهم؟ أنه إذا تيقنت أنه إجا عليها اللي أنت خايف منه، إذاً أنت بس خايف يحصل شيء فقلت لك لا تفعل هذا الشيء، والله لأني خايف يحصل هذا الشيء، بس أنا بالخوف عللت.
إذاً أي واحد لغوي بيفهم اللغة العربية، أنه إذا حصل المخوف قطعاً ووقع، صار من باب أولى وأولى. فهو يقول لك: إذا استيقظت اغسل يدك ولا تغمسها في الإناء لأنه خايف يكون عليها نجاسة، معناها إذا تيقنت وجود النجاسة فإنها قطعاً ستؤثر في الماء. يعني أنا منعتك تحط يدك في الماء فقط خوفاً من وجود شيء عليها، إذا وجد شيء عليها سيكون فيه تأثير ولا بد على الماء.
فهم حصروا التأثير، هؤلاء الفقهاء، أن التأثير هو بالتنجيس. فابن دقيق العيد يقول لهم: من حيث الدلالة اللغوية أنا أتفق معكم أنه الحديث يدل على أنه إذا تيقنا وجود النجاسة على اليد فإن هذا سيؤثر على الماء، لكن من قال لكم إن التأثير هو بالتحديد التنجيس؟ هو يدل على عموم وجود تأثير، لكن ليس لزاماً أن يكون هو التنجيس بحد ذاته، فبالتالي فشلت فكرتكم في أن تستدلوا بهذا الحديث على أن ورود النجاسة على الماء القليل يجعله ينجس بالملاقاة. يعني ما فيها دليل واضح على أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه من خلال طريقتكم في التفكير، لأن التأثير لا يجب أن يكون هو التنجيس بالتحديد، ولا يلزم من ثبوت العام ثبوت الأخص المعين.
لكن هنا قال: وقد يرد عليه ماذا؟ يقول: وقد يرد أن الكراهة ثابتة عند التوهم، فلا يكون أثر اليقين هو الكراهة. الآن هو ماذا قال في السطر السابق؟ إذا سلم الخصم أن الماء القليل بمجرد وقوع النجاسة فيه سيكون فقط مكروهاً، حصل التأثير، خلص هذا تأثير مش لازم يكون هو التنجيس. فبماذا سيعترض على هذا؟ يقول: هذا يمكن أن يرد عليه، فنقول الكراهة ثابتة عند مجرد توهم وجود النجاسة، لأن الحديث -مش اتفقنا أنه يدل على كراهة غمس اليد في الإناء إذا توهمنا وجود النجاسة؟- فلا يمكن أن يكون التأثير عند تيقن وجود النجاسة هو أيضاً الكراهة.
نحن اتفقنا أن الكراهة حاصلة عند حالة توهم احتمال وجود النجاسة، فلا يمكن أن تكون يقين وجود النجاسة وفقط الكراهة، لازم شيء أعلى منها. إن الكراهة ثابتة عند التوهم، فلا يكون أثر اليقين هو فقط الكراهة، لازم شيء أعلى. لكن وقد يجاب عنه بأنه ثبتت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة، يعني كان مكروهاً لدرجة معينة لكنه أصبح مكروهاً لدرجة أعلى، تجديد في الكراهة.
لكن برضه هذه الإجابة مش قوية، يعني هل فعلاً هذا هو المقصود؟ أنه مع احتمال ورود النجاسة كراهة 50%، مع تيقن ورود النجاسة فقط انتقلنا لكراهة 100%؟ يعني هذا ما أعتقد أنه جواب مقنع كثيراً. الأصل أن ورود الحديث يدل على شيء أعلى، لا، يعني هنا احتمال يوقفك مع الكراهة، اليقين يجب أن ينقلك لمربع أعلى من الكراهة، ولشيء مخوف جزمي حتمي، وهو التنجيس وأثر حقيقي أكثر، فلذلك طريقة التفكير هذه وإن لم تكن قطعية لكن فيها...
احتمالية فعلاً أن تدل على أنه تأثير خاص، وهو تأثير بالتنجيس. وأن فكرة أنه نجعل التأثير هو مش تأثير التنجيس، هو تأثير الكراهة، فيها نوع...
والله تعالى أعلم، كما قلت ليست كل القضايا نحسمها، لكن الهدف هو إثارة التفكير ومعرفة أنظار العلماء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل