بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمداً ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس التعليق على «أحكام الأحكام» للإمام ابن دقيق العيد عليه رحمة الله. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الفهم الصائب، وأن يرزقنا الهمة العالية لقراءة كلام أهل العلم، والنظر فيه وتفهمه وتحليله، والتمكن في أساليبهم والأصول إلى ملكاتهم؛ فإن هذا شأن عظيم.
من نظر في كلام الكبار من المحققين من أهل العلم وهم يعلقون على الأحاديث ويحللونها ويشرحونها، عرف عظمة هذا العلم. وأن هذا العلم لم يصل إلينا براحة الجسد، وإنما وصل إلينا بسهر الليالي وتعب العلماء وكد الذهن في الاستنباط والتنقيح والتحليل والتحرير؛ لمحاولة الوصول إلى الصواب في شرع الله سبحانه وتعالى.
فيعرف الطالب قدر المذاهب الفقهية الأربعة والجهد الذي بذل في تحقيقها وتحريرها، ويعرف قدر العلماء الكبار فيجل هؤلاء العلماء ويحترمهم. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ولهم، وأن يجعلنا ممن يسير على خطاهم. ويعرف الطالب قدر العلم فيصبح يتعب في التحرير والتحضير للدرس، والضبط بعده والمراجعة للمادة؛ وهذه كلها من فوائد النظر في كلام العلماء الكبار، رحمة الله تعالى عليهم، نسأل الله عز وجل أن ينزل شآبيب رحمته على قبورهم.
نحن في الدرس الماضي أنهينا الحديث الرابع في الكتاب، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
طبعاً هذا الحديث كما لاحظتم فيه العديد من المسائل المهمة. وبقيت هناك مسألة تكلمنا عنها ولكن طلب الإخوة إعادة الحديث عنها، وهي متعلقة بمذهب الحنابلة، وهي كيف أن الحنابلة اعتبروا أن التعليل بالشك في هذا الحديث دليل على أن غسل اليدين ثلاثاً واجب تعبدي وليس واجباً معقول المعنى.
نحن لما نظرنا في الحديث وعرفنا أقوال أهل العلم، عرفنا أن الجمهور ذهبوا إلى الاستحباب، وأن هذا الحديث الأمر فيه ليس محمولاً على الوجوب وإنما هو محمول على الاستحباب. لكن الحنابلة وطائفة من أهل العلم ماذا قالوا؟ في المعتمد من المذهب -لأن هناك رواية أخرى في المذهب توافق رأي الجمهور- ذهب الحنابلة إلى أن الحديث يدل على الوجوب، وأن الأمر «فليغسل يديه»، هذا الفعل المضارع المتصل بلام الطلب هو أمر يفيد الوجوب وليس الاستحباب.
واستدلوا على ذلك بماذا؟ قالوا بأن العلة المذكورة في الحديث، أو ما يظهر أنه علة إذا أردت أن نحرر الكلام، وهو قوله: ﴿فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ﴾. قالوا: التعليل بالشك دليل على التعبدية. طبعاً إذا قلنا إن غسل اليدين ثلاثاً تعبدي، فهذا هو الذي سيجعل غسل اليدين ثلاثاً يحتاج إلى نية وإلى تسمية وإلى كل ما يتعلق بالشرائع التعبدية. لذلك الحنابلة في معتمد المذهب لما قالوا إن غسل اليدين ثلاثاً عند الاستيقاظ من نوم الليل يحتاج إلى نية وتسمية، فالذي جعلهم يقولون بلزوم النية والتسمية هو القول بالتعبدية.
ولذلك هنا ابن دقيق العيد في كتابه «الإلمام» أو «شرح الإلمام بأحاديث الأحكام» يقول: «فعل التعبد»؛ لأنه أيضاً هو شرحه في كتابه «شرح الإلمام» قال: «فعل التعبد». إذا قلنا إن الموضوع تعبدي تثبت هذه الأحكام: أن غسل اليدين ثلاثاً عند الاستيقاظ من نوم الليل يجب ولو كانتا مغطيتين، وهذا هو معتمد مذهبنا. أن الغسل حتى مع تيقن الطهارة -يعني لو باتت اليد قبل أن تنام وضعت عليها قطعة قماش أو وضعت عليها كيساً وباتت هذه اليد في كيس، فأنت لما استيقظت مدرك أنها لم تصل إلى مكان مكروه لأنها باتت مغطاة- فيقول: إذا قلنا إن غسل اليدين ثلاثاً تعبدي، فهذا الذي سيلزم عليه الغسل مع تيقن الطهارة.
وغسلهما مفردتين؛ أي ليس متعلقاً بذلك بالوضوء، أن غسلهما ثلاثاً ليس متعلقاً بالوضوء، يعني حتى ولو لم ترد الوضوء تغسلهما، واشتراط النية، وإلى غير ذلك من الأحكام. ونحن أضفنا على اشتراط النية التسمية. فإذا لاحظ الآن نحن أصبحنا نفهم مذهبنا؛ مذهبنا لما رأى أن غسل الكفين ثلاثاً تعبدي، كل ما تفرع عن ذلك من أنهما تغسل ولو باتتا مغطيتين، وأنهما ليستا أو أن غسلهما ليس متعلقاً بالوضوء، وأنه يجب النية والتسمية؛ كل هذه الأحكام هي فرع لجزئية أن الأمر تعبدي وليس معقول المعنى. لكن السؤال الآن هو الذي نريد أن نعيده: كيف وصل الحنابلة إلى هذه النتيجة؟ هذا ما أردتم أن أعيده.
هنا ابن دقيق العيد أحتاج إلى شرحه «شرح الإلمام»، وسيكون معنا حتى رفيقي اليوم، وهو حقيقة من مفاخر الشروح. هذا الكتاب قدر الله أنه لم يصل كاملاً، أو لعل ابن دقيق العيد لم يكمل، لكن النفس البحثي الموجود في كتاب «شرح الإلمام» نفس عالٍ جداً جداً. ولن تفهم أصول الفقه عملياً إلا من خلال التمرس على الأحاديث الخمسة والعشرين التي وصلت إلينا؛ هذه الأحاديث الخمسة والعشرون طريقة الطرح الأصولي فيها عالٍ، والذي يجعلك تفهم فعلاً كثيراً من القواعد الأصولية التي درستها نظرياً كيف توظف عملياً. وبدون هذا الفهم العميق التحليلي ستبقى هناك نوع من الضعف أو فجوة بينك وبين علم الأصول وبين علم الحديث وتفسير القرآن.
أريد أن أقف على نص معين ذكره رحمه الله في الفائدة الرابعة والعشرين في شرحه لهذا الحديث في كتابه «شرح الإلمام». هو يبين طريقة مذهب المالكية في المسألة، ثم يضع دليلاً للمذهب المالكي، وأنا يهمني تفاصيل الدليل هي التي ستعينك على فهم مذهب الحنابلة. يقولون: لو كان الأمر للوجوب -المالكية ماذا يقولون؟- يقولون: لو كان الأمر في هذا الحديث «فليغسل يديه ثلاثاً» لو كان الأمر للوجوب لكان تعبداً. طبعاً هذه المقدمة الأولى بطريقة القياس الاستثنائي المنطقي، ثم قالوا: ولا يكون تعبداً، إذن فلا يكون الأمر للوجوب.
أنا يهمني المقدمة الطويلة التي يسمونها بيان الملازمة. هم يقولون المالكية: لو كان الأمر للوجوب لكان تعبداً، كأن المالكية أصلاً يقولون بالاستحباب، لكنهم يقولون: نحن مع الحنابلة في فكرة أنه لو كان الأمر للوجوب في هذا الحديث لكان تعبداً. لماذا؟ قالوا بياناً للملازمة: لو كان الأمر للوجوب لامتنع التعليل بالعلة التي دل الحديث على اعتبارها.
بشكل عام نحن في الظاهر، حتى الحنابلة في الظاهر متفقون أن الحديث فيه نوع تعليل؛ لأنه قال: ﴿فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ﴾. الفاء، وإن كلاهما يعتبر من مسالك التعليل كما قلنا في الدرس الماضي من مسالك التعليل بالنص. والإنسان العربي لما يسمع "فإن أحدكم" سيفهم منها أن هناك نوعًا من التعليل.
لكن ماذا قالوا؟ قالوا: لو كان الأمر للوجوب لامتنع التعليل بالعلة التي دل الحديث على اعتبارها، وهو عدم دراية مكان مبيت اليد. لماذا؟ قالوا: لأن هذا التعليل الظاهر لا يوجب الحكم، لا يمكن أن يوصل الحكم للوجوب. إذا قلنا أن الحكم للوجوب، فهذا التعليل لا يصلح حكمًا للوجوب؛ لأن مخالفة الأصل -وهو أن الأصل في اليد الطهارة- بمجرد الاحتمال والشك غير سائغ.
قالوا: أليس الأصل في اليد أنها الطهارة حتى نتيقن نجاستها؟ أليس كذلك؟ فأنوجب غسل الكفين ثلاثًا مع أن الأصل طهارتهما ولم نرَ فيهما نجاسة، أنوجب هذا الغسل بناءً على الشك والاحتمال؟ قالوا: هذا ليس من طريقة الشريعة.
إذاً الحنابلة كيف فسروا هذا الموضوع؟ الحنابلة يقولون: نعم، ورود العلة الشكية هو دليل على أن هذه العلة ليست مقصودة هنا، وإنما الشك إشارة إلى التعبد. كأن ورود "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" -على ما قواعد الحنابلة- ليس المقصود أن هذه هي العلة، وإنما هو إيماء وإشارة إلى أن الأمر تعبدي. فقالوا: قوله "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" ذكر الشك والاحتمال على صورة التعليل هو إيماء، هكذا فهمه الحنابلة، إيماء إلى أن الأمر تعبدي.
ولذلك حتى هنا هو في مبحث آخر في الفائدة الحادية والعشرين، ماذا يقول أيضًا ابن دقيق العيد؟ الذين أخرجوا الأمر عن ظاهره في الوجوب، وهم الجمهور الذين قالوا: فليغسل يديه للاستحباب وليست الوجوب، يستدلون على عدم الوجوب بأن الحكم معلل بالشك. يقولون: الدليل على عدم الوجوب أن الحكم معلل بالشك، والشك لا يوجب حكمًا في الشرع. ما معنى ذلك؟ أن العلل الشكية لا يمكن أن توصل الأمر إلى الوجوب. الشكوك، أي علة شكية: أخاف، أشك، فإني أشك؛ هذه لا توصل الأمر للوجوب، وإنما قصارى العلل الشكية أنها توصل الأمر للاستحباب.
لاحظوا أن هناك نوعًا من الإكثار من هذه القضية؛ أن العلل الشكية لا تنتج وجوبًا وإنما قصارى ما يمكن أن تنتج ماذا؟ استحباب. هل هذا كلام صحيح؟ هل ينبغي أن نقول هكذا فعلاً كما يقولون إن العلل الشكية لا تنتج وجوبًا؟
إذا ذكرت فيما ظاهره الوجوب، فأنت أمام خيارين: إما تقول إذاً هذه قرينة على أن الأمر ليس الوجوب وإنما للاستحباب، وهذا فعل الجمهور أو بعض الجمهور، وإما أن تقول أن هذه العلة ما دامت شكية إذاً هي ليست العلة الحقيقية، وإنما هي إيماء إلى أن الأمر تعبدي. لكن هنا أنا أحب دائمًا أن نفكر؛ الهدف الآن في هذا الكتاب هو إعمال الذهن والقريحة الذهنية بغض النظر الآن عما ستتبناه.
ابن دقيق العيد يقول: واعترض على هذا بوجهين، على فكرة أن الشك لا يوصل للوجوب. يقول: اعترض عليه بوجهين، أحدهما منع المنع؛ منع كون الشك لا يوجب حكمًا. من الذي قال أن الشك لا يصلح أن يكون علة للوجوب؟ هل عندكم مثال نأخذ به؟ قالوا: نعم.
قالوا: فإن النائم يجب عليه الوضوء، أليس النوم علة للوضوء؟ لماذا النوم علة للوضوض؟ قالوا: لأن الأصل عدم خروج الخارج منه. يعني هل أنت متيقن أن النائم وهو نائم أخرج ريحًا؟ الأصل المتيقن عدم خروج شيء منه أثناء النوم حتى يثبت خلاف ذلك. قال: وليس الظاهر خروج الحدث، ولا الغالب أن يخرج الحدث من النائم، ممكن لكن ليس شيئًا ظاهريًا أو غالبًا حتى يحكم به على الأصل ونقول هنا غلب الظاهر على الأصل. وهو يقول: ليس الظاهر خروج الريح حتى يأتي شخص فيقول لي: صحيح ليس الأصل خروج الريح لكن الظاهر خروج الريح، ونقول حتى الظاهرية، يعني الوصول إلى الظاهر هنا ليس صحيحًا؛ ففي أكثر الناس ربما لا يخرج وهو نائم ريحًا، أو يخرج مثلاً كل أربع أو خمس أو ست نومات مرة واحدة ريحًا وهو نائم دون أن ينتبه، فليس ظاهرًا.
المهم، لماذا النوم يوجب الوضوء؟ إلا بقي التعليل ما هو؟ مجرد احتمال خروج الريح، والاحتمال ما هو إلا شك. قال: فليس إلا مجرد الاحتمال المخالف للأصل، فليكن كذلك إذاً غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما الإناء. يعني كما نقول إن النوم يوجب الوضوء وجوبًا، من نام يجب عليه الوضوء وجوبًا إذا أراد أن يصلي، مع أن النوم هو مظنة احتمال فقط، هو احتمال لخروج الريح، فكذلك نقول يجب غسل اليدين ثلاثًا عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لأنها مظنة احتمال أن تكون يده لامست نجاسة.
فإذا أنتم رأيتم أن النوم -وهو مجرد مظنة واحتمال- أوجب وضوءًا، إذاً لا مانع باختصار في الشريعة من أن يكون الشك والاحتمال يوجب حكمًا. هكذا فكروا. وبالتالي هذا ممكن حتى على طريقة الحنابلة أن نقول إن غسل اليدين ثلاثًا، هل يجب أن نقول إنه تعبدي؟ طبعًا هو معتمد في المذهب أنه تعبدي، لكن نقول حتى لو قلنا بالوجوب لا يوجد بناءً على هذا التفكير ما يلزم أن تكون القضية تعبدية، بل يمكن أن نقول إنها معقولة المعنى والتعليل بالشك الاحتمالي، لكن كما قلنا هذا ليس معتمد المذهب.
الوجه الثاني طبعًا، الذي يدل على أن التعليل بالشك قد يوصل الوجوب، قالوا: إن مسألة الكلب والصيد، تذكرونها؟ أن الذي يرسل سهماً أو كلبًا على الصيد إذا وجد مع ذلك أمرًا يمكن أن يكون له مدخل في الموت حرم الصيد. ألم نقل إذا الكلب أرسلته فأكل من الصيد، أو وجد مع الكلب كلب آخر، أو وجد الصيد غريقًا في الماء؛ كلها كما ورد في الأحاديث، إذا وجد مع الكلب كلب آخر، أو وجد مع الكلب أنه أكل من الصيد، أو وجد الصيد بعد أن صاده الكلب أو السهم قد غرق في الماء، هنا ماذا يقولون؟ قالوا: ألا تقولون بحرمة تناول هذا الصيد؟ لماذا قلتم بحرمة هذا الصيد؟ ما هو؟ تعليل بالخوف أيضًا، فإني أخاف أن...
يكون إنما أمسك على نفسه. مش تقولون إن الكلب إذا أكل من الصيد لا يجوز أن نأكل وإيش العلة؟ أننا نخاف أن يكون أمسك على نفسه. إذًا هذا هو التعليل بالخوف أدى إلى التحريم، فالتعليل بالخوف يؤدي إلى الوجوب، والتعليل بالخوف يؤدي إلى التحريم.
طبعًا هذا التعليل الثاني، هذه القضية الثانية بيناها في الدرس الماضي، وعرفنا أنه يمكن أن يخرج منها بقوله ماذا؟ أن الأصل في الصيد التحريم، فإذا استعملت الكلاب هذه رخصة. فإذا وجد الشك فالشك يرجعنا إلى استصحاب الأصل وهو التحريم.
فلذلك هنا ابن دقيق العيد رد على هذا الوجه بهذه الطريقة أنه هذه ممكن تختلف قليلًا. لكن الوجه الأول، وهو الاستدلال بأن النوم شكي ومع ذلك يوجب الوضوء، فلا مانع من أن نقول إن جولان اليد شكي ومع ذلك يوجب الغسل، ذكر هنا ردًا لأحد العلماء الشافعية، الجوري الشافعي ذكر له ردًا هنا، ولا أريد أن أطيل عليك في ذلك حتى لا أشغلك ولا أتعبك حتى ننتقل لحديث اليوم إن شاء الله.
لكن خلاصة ما أريد أن أقوله أن تفهم طريقة الحنابلة في فهم التعبدية؛ لأنك ستقول أنا كحنبالي الآن أسمع هذا الشرح، أريد أن أعرف لماذا مذهبي مع أن الحديث واضح في النص التعليلي: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». لماذا الحنابلة اختاروا أن غسل الكفين ثلاثًا تعبدي ولم يقولوا إنه معلل مع أن العلة أمامنا في الحديث؟
عرفنا الآن لماذا؟ لأنهم ذهبوا إلى طريقة من يرى أن التعليل بالشك لا يوصل للوجوب. فما دام الأمر علل بالشك، فالحنابلة اختاروا أن الشك هو أمارة على التعبدية، هو أمارة على أن القضية تعبدية وليس أن الأمر معقول المعنى بحد ذاته.
إيه الآن بقيت أيضًا فائدة التي ختمنا بها الدرس الماضي. ختمنا الدرس الماضي بماذا؟ بقضية ربما الإخوة وصلوا لها وقد استوت تمامًا. سنعيدها سريعًا وهي قضية كيف يستدل بحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغمس فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده».
الفائدة العاشرة التي ذكرها ابن دقيق العيد، وهي استنبط من هذا الحديث أن الماء القليل ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه بالملاقاة. كيف استنبط من هذا الحديث؟ قال: فإنه منع من إدخال اليد فيه، أي في الإناء، لماذا؟ لاحتمال النجاسة، وذلك دليل على أن يقين النجاسة مؤثر.
لما أقول لك أنا منعتك من أن تدخل يدك في الإناء لما تستيقظ من النوم ليه؟ لاحتمال أنه يكون عليها نجاسة. ماذا سأفهم؟ إذا كانت فعلاً عليها نجاسة إذًا هي مؤثرة، لأنني منعتك لمجرد الاحتمال. فالمنطق أنه إذا كانت يقينًا عليها نجاسة، ستؤثر في الإناء، والإناء إنما في العادة يكون فيه أقل من قلتين. فإذاً يقين النجاسة سيؤثر في الماء إذا لاقاه، وما هو التأثير؟ التنجيس. هكذا هي دليل هؤلاء القوم. قال: «وذلك دليل على أن يقين النجاسة مؤثر فيه، وإلا لما اقتضى احتمال النجاسة، مجرد احتمال النجاسة المنع».
الآن ماذا يقول؟ يقول: «وفيه نظر عندي». لماذا؟ قال: «لأن مقتضى الحديث أن ورود النجاسة على الماء مؤثر». صح؟ لما قال لك: «لا تغمس يدك فإنك لا تدري أين باتت»، هي تدل على أن ورود النجاسة فعلاً يقين ورود النجاسة مؤثر، لكن ما هو التأثير؟ قال: «أن ورود النجاسة مؤثر، لكن مطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس». يعني لماذا ألزمتم أن يكون التأثير هو تأثير التنجيس؟ لماذا قلتم إن هذا هو التأثير؟ هو تأثير التنجيس، لماذا لا يكون التأثير شيءًا آخر؟
قال: «ولا يلزم إذا ثبت أن كلمة التأثير أعم من التأثير بالتنجيس بحد ذاته، فلا يلزم من ثبوت الأعم، وهو ثبوت مطلق التأثير، ثبوت الأخص، وهو ثبوت التأثير بالتنجيس بحد ذاته». فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون مكروهًا -المراد إذا لم يتغير، لأن هذا هو القول- فقد ثبت مطلق التأثير، وهذا هو مذهب المالكية.
مذهب المالكية إخواني ما هو؟ إنه الماء القليل -وهو مذهب شيخ الإسلام طبعًا- أن الماء القليل مثل الكثير لا ينجس إلا بالتغير. لكن ماذا يقولون؟ أن الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة ولم يتغير يكون طهورًا بس مكروهًا. كيف نقول إنه طهور مكروه مراعاةً للخلاف؟ هم نفس الشيء عملوا معنا المالكية، قال المالكية: الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة لا ينجس بالملاقاة إذا لم يتغير، فيبقى عندهم طهورًا بس مكروهًا، ليش مكروه؟ والله مراعاةً لخلاف الحنابلة والشافعية.
فالحنابلة والمالكية إذًا المسألة العاشرة هي نقاش بين من ومن؟ المسألة العاشرة نقاش بين الحنابلة والشافعية من جهة، والحنفية كما سيأتي معنا اليوم إن شاء الله، وبين المالكية وشيخ الإسلام من جهة أخرى. الجمهور يقولون لهم: الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة، والمالكية ماذا سيقولون لهم؟ لا، الماء القليل لا ينجس إلا بالتغير، ومجرد الملاقاة لا تنجسه.
فسيقول لهم الجمهور: هذا الحديث دليل على مذهبنا. فالمالكية سيقولون: كيف دليل على مذهبكم؟ سيقول لهم الجمهور: ألم يقل النبي ﷺ: «فليغمس يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا»؟ ثم علل ذلك بأنه لا يدري أين باتت لاحتمال النجاسة؟ فإذا كان احتمال النجاسة هو الذي أدى إلى إيجاب غسل الكفين ثلاثًا، أو على الأقل استحبابها، فإن تيقن وقوع النجاسة في الماء القليل هو بحد ذاته مؤثر ويؤدي إلى التنجيس، مجرد الوقوع مؤثر ويؤدي إلى التنجيس.
فابن دقيق العيد الآن هو متقن للمذهب المالكي والشافعي، فأخذ دور المالكية في الدفاع، قال: أنا كلامكم ليس منطقيًا كثيرًا ابتداءً، ليه؟ لأنه صحيح نحن متفقون عقليًا والدلالة اللغوية، لما أقول لك أنا خائف تكون على يدك نجاسة، إذا كان يقينًا في نجاسة راح تؤثر، نحن متفقون. لكن مجرد تيقن وجود النجاسة ووقوعها في الماء دون أن تحدث تغييرًا، هذا لا يدل على أن الأثر لازم يكون هو التنجيس. لماذا لا يكون تيقن ورود النجاسة على الماء القليل دون تغييره يكون أثره هو الكراهة؟
شو المشكلة؟ مش أنتم بدكم أي أثر؟ إحنا بنقول الأثر هو الكراهة كمالكية، أنتم بدكم تجعلوا الأثر هو أن الوقوع بحد ذاته تنجيس. نقول الحديث دل على وجود تأثير ما، أنتم افترضتم يا جمهور أنه التنجيس، لكنكم لا تستطيعون إلزامنا كمالكية لأننا نرى أن التأثير أعم. كلمة تأثير أعم، وإذا الأعم لا يثبت فيه الأخص فلا، ما المشكلة أن يكون التأثير هو الكراهة فقط.
فإذا سلم الخصم -وهو هنا المالكي لأن الخصم هنا اكتب المالكي حتى تبقى مستحضراً لها- أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يصبح طهوراً مكروهاً، إذاً هو دل على وجود تأثير؛ يعني سلم على وجود تأثير وإن كان التأثير الذي يقول به المالكي ليس هو التأثير الذي تقولون به أنتم. ولا يلزم من ثبوت خصوص التأثير -هكذا سيقول المالكية- لا بد أن يكون التأثير هو التنجيس، نقول التأثير هو الكراهة.
فبماذا نرد على المالكية؟ قالوا الكراهة ثابتة عند مجرد توهم وجود النجاسة، فلا يكون يقين وقوع النجاسة أيضاً يؤدي إلى نفس النتيجة وهي الكراهة، لازم يعطي نتيجة أعلى. فبماذا أجاب المالكية؟ قالوا بأنه ثبتت عند اليقين زيادة في رتبة الكراهة؛ المالكية قالوا لا، إذا كان احتمال وقوع النجاسة يؤدي إلى الكراهة، فيقين وقوع النجاسة يؤدي إلى كراهة أعلى، وهذا تأثير. تلاعبوا في درجات الكراهة.
انتهى كلامه، أنا فقط أردت أن أقول لكم هو نفسه ابن دقيق العيد ماذا يقول في شرح الإلمام بعد أن ذكر هذا الدليل كاملاً؟ تقريباً بنفس السردية، لكن بماذا ختم؟ يقول: «ومع هذا ففي الدليل متانة». ختم بهكذا، وقف هنا. نفس السردية التي سردها في الأحكام سردها في شرح الإلمام وختم بماذا؟ قال: «ومع هذا ففي الدليل متانة». يعني كلام الجمهور منطقي أكثر من كلام المالكية.
قال: «ومع هذا يبقى دليل الجمهور في متانة أعلى». يعني هو -خلينا أكون دقيقاً- ما قصد أنه يقف مع دليل الجمهور قطعاً، هو يقول أن دليل الجمهور متماسك، في متانة. يعني كيف أقول لك؟ كلامك موزون. ليه؟ لما ذكرناه في الدرس الماضي، وهي قضية أن يكون التأثير هو غير التنجيس، مجرد الكراهة عند يقين وقوع النجاسة بعيد نوعاً ما.
يعني أن تقول لي احتمال ورود النجاسة يقتضي الكراهة، فيكون يقين وقوع النجاسة فقط كراهة أشد، هذا من حيث النظر الفقهي بعيد. ثم إشكالية المياه بالنسبة للشريعة الإسلامية هي إشكالية التنجيس بحد ذاته. فأن يكون صحيحاً أن ورود النجاسة يدل على مطلق التأثير، لكن ما هو التأثير المتوقع هنا حتى نكون منطقيين؟ ما هو التأثير المتوقع هنا لما أقول لك: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»؟
إحنا ما بنتكلم عن مطلق تأثير هكذا بحيث نقول إن الذين قالوا أن التأثير هو التنجيس فيه نوع تحكم. لا، هو في النهاية الشيء المخوف عادة على المياه القليلة هو نجاستها، فأن يكون التأثير هو التنجيس هو الأقرب إلى الذهن. لذلك هو قال: «ففي الدليل متانة»، يعني أن يكون التأثير هو التنجيس هو الأقرب إلى الذهن خاصة في مسائل المياه في الشريعة.
أما تقول لي من ناحية عقلية صحيح مطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، هذا من ناحية عقلية بحتة، لكن من حيث من يعرف الشريعة ومواردها والنصوص المتعلقة بباب المياه يغلب على ظنه أن التأثير المقصود هنا هو تأثير التنجيس عند يقين وقوع النجاسة، وليس مجرد زيادة رتبة الكراهة. والله تعالى أجل وأعلم.
بسم الله. نبدأ الآن إن شاء الله بالحديث الخامس، وهذا الحديث ربما يطول معنا قليلاً، لكن الهدف حقيقة هو إثراء البحث الأصولي، وإثراء الممارسة العملية، وأن يدرك الطالب منازع العلماء في الفهم وطرقهم في الاستدلال، ويعرف كيف أن القاعدة الأصولية فعلاً إذا لم تملك منهجاً معرفياً على مذهب من المذاهب المتبوعة ستضيع.
إن شاء الله من خلال هذا الحديث سأثبت لك أنه إذا لم تملك منهجاً معرفياً على مذهب من المذاهب المتبوعة ستضيع، وسيكون كلامك مجرد ذوقيات واقتراحات فقط لا يمثل قيمة علمية حقيقية. ولذلك طولوا أنفسكم معنا في هذا الحديث حتى نستفيد الفائدة المرجوة والتطبيق العملي.
الحديث الذي معنا هو الحديث الخامس، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه». طبعاً في روايات أخرى للحديث: «ثم يغتسل فيه»، وعند الترمذي: «ثم يتوضأ منه»، سنجد أنه في أكثر من رواية لهذا الحديث. وفي رواية لمسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب».
حقيقة هو نفسه في الإلمام، تعرفون أن الإلمام أصلاً هو كتاب حديثي لابن دقيق العيد اختصره من الإمام ابن دقيق العيد، الإمام ضخم وموجود الآن ككتاب متني، فالاختصار كان في الإلمام. لأنه رآه كبيراً فاختصره في الإلمام ثم شرح الإلمام، فشرح ما بين أيدينا 25 حديثاً فقط منه.
الإلمام هو جعل حديث: «لا يغتسلن أحدكم في الماء وهو جنب» جعله بحديث مستقل وبحثه كحديث مستقل، لأن الحديث أصلاً له زيادة، فقيل: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ فقال: «يتناوله تناولاً». ولذلك سنشرحه كحديث مستقل، لأن الاستدلال فيه استدلال مختلف نوعاً ما، ومسائله الفقهية مختلفة نوعاً ما عن مسائل الحديث الأصلي.
فسيكون كلامنا اليوم إن شاء الله على القسم الأول، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه». الآن طبعاً عبارة "الدائم الذي لا يجري"، التعليق على راوي الحديث علقنا عليه سابقاً، فمن روى ذكرنا قصته من الصحابة لا نعيدها.
لكن الآن كإلماحة أولى متعلقة بالرواية، قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، لفظة "الذي لا يجري" هذه موجودة عند البخاري في روايته لهذا الحديث، لكن رواية مسلم لهذا الحديث بهذه الصيغة لا يوجد فيها "الذي لا يجري". وإنما مسلم عنده زيادة "الذي لا يجري" في قوله ﷺ في رواية أخرى وسياق آخر: «لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري»، بصيغة الخطاب للواحد. الآن هنا صيغة الحديث: «لا يبولن أحدكم» بهذه الصياغة.
زيادة الذي لا يجري عند البخاري. هل عنده هذه الإضافة الذي لا يجري؟ موجودة، بس بصياغة أخرى للحديث وهي: «لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل فيه».
الآن سنبحث في قضية، سنبدأ تحليل الحديث من حيث المفردات والتراكيب، ثم ندخل في الأحكام رويدًا رويدًا. الماء الدائم هذه لفظة أساسية في الحديث؛ «لا يبولن أحدكم»، يعني أصلًا هي المشكلة أو الصراع في هذا اللفظ وما ينبني عليه من أحكام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم».
يقول هنا ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام»، وشرح الإلمام راح يكون مرافق لنا اليوم إن شاء الله، يقول: الماء الدائم هو الماء الراكد الذي لا يجري. فهذا أول سؤال: هل الماء الدائم هو نفس الماء الراكد في العرف النبوي؟ لأنه في رواية أخرى لهذا الحديث نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الراكد.
إذًا طبعًا هكذا لفظه، إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن البول في الماء الراكد. وهنا في الرواية التي معنا قال ﷺ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري». إذًا عندنا لفظة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن البول في الماء الراكد، وعندنا رواية «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، هل الماء الدائم هو نفسه الماء الراكد؟ هي تحتاج إلى تحرير لغوي. هل كلمة ماء دائم هي نفسها ماء راكد؟
الآن ماذا يقول ابن دقيق العيد هنا؟ يقول في «شرح الإلمام»: الماء الدائم هو الماء الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحاديث «الذي لا يجري»، قال: وهو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه. إذا قلنا الآن أن الماء الدائم هو نفسه الماء الراكد، فزيادة هذا الوصف «الذي لا يجري» هل هي قيد احترازي ولا وصف توضيحي كاشف؟ ستكون وصفًا توضيحيًا كاشفًا.
إذا قلنا الماء الدائم هو نفسه الماء الراكد، فقوله في هذا الحديث الذي معنا «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، سيكون وصف «الذي لا يجري» هو وصف كاشف شارح وليس المقصود منه الاحتراز. هو متى يكون الوصف للاحتراز؟ إذا كان الماء الدائم له أكثر من صورة، فيكون قوله «الذي لا يجري» هو نعت لصورة منه، فيكون هنا قيدًا احترازيًا، فكأنه هناك ماء دائم يجري وماء دائم لا يجري، ويكون هذا الوصف إذًا هنا احترازًا من الماء الدائم الذي يجري.
والاختيار الأول، وهو اختيار الأكثر فيما يظهر، أن الماء الدائم هو الماء الراكد، وبالتالي هذا الوصف المذكور «الذي لا يجري» في وصف الماء الدائم هو وصف تفسيري شارح إيضاحي وليس المراد منه الاحتراز. ثم قال: وقال بعضهم يحتمل أن يكون احترز عن راكد يجري بعضه كالبرك ونحوها.
بدي أترك كلام ابن دقيق، أحطه على جنب، بدي أذهب لك للصنعاني، وقال بعضهم، أنا هذا اللي يهمني. يقول الصنعاني: وقال بعضهم الدائم هو الذي له نبع، والراكد الذي لا نبع له، وكلاهما مقابلان للجارِي.
الآن البعض فرق بين الدائم والراكد، فقال: الدائم ما هو؟ الدائم هو اللي بيكون فيه منبع، بينبع منه، بس بيظل محصورًا في مكان واحد. بتعرفوا بعض المياه الحارة اللي بتنبع من تحت الأرض، بس في النهاية محوطة بماذا؟ بأحجار، فالماء ينبع لكنه يظل في نفس المنطقة، لا يجري كمياه الأنهار. وأما الراكد قال: هذا الذي لا نبع له، مثل مياه المسابح والبرك. مياه مسبح، يعني عنده مسبح، المسبح ما فيه منطقة ينبع منها الماء من تحت، أنت بتعبي المنطقة اللي بانيها مي، وبيظل الماء فيها راكد.
البعض قال: هذا هو الفرق بين الماء الدائم والماء الراكد، بس حتى على هذا القول، إنه برضه هما ما لهم علاقة بالماء الجاري، صح؟ إنه كلاهما يبقى في نفس المكان، بس الفرق أن الماء الدائم فيه منبع ينبع منه وبيظل قاعد في نفس المربع، أما الراكد فما فيه منبع أصلًا، هو مية تم تعبئتها في مكان وركدت مثل مياه المسابح.
سريعًا في «كشف اللثام»، بسم الله، يا رب، ماذا يقول؟ أظن هو نفس الكلام اللي ذكره ابن دقيق العيد، وقيل احترز به عن راكد يجري بعضه كالبرك. يعني البعض يقول إن المراد هنا بالماء الدائم الذي لا يجري كأن الدائم أصبح له نوعين: هناك ماء دائم يقبل الجريان -طبعًا ليس الجريان الكامل، يجري بعضه كالبرك- وهناك ماء دائم راكد لا يوجد فيه أي شكل من أشكال الجريان.
طبعًا هم لماذا يمثلون بالبرك؟ باعتبار أن البرك قالوا تكون مناطق دائرية، فتجد أن الماء يجري ولو بشكل دائري فيها، بخلاف المسابح الثابتة. وهذا يعني بعض التفصيلات هنا لا أريد أن أتعمق فيها، قال بها البعض، التفريق بين الماء الدائم والماء الراكد. يقول الماء الدائم الذي لا يجري ويساوي الراكد، والماء الدائم الذي يجري قالوا مثل مياه البرك، اللي هي صحيح في مكان واحد لكنها تجري بمعنى تنتقل من مكان إلى آخر وتتحرك ولو بصورة دائرية.
وهذا طبعًا السفاريني يقول: ولهذا في الرواية الأخرى نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الراكد، في هذه الرواية لم يتم وصف الماء الراكد بأنه لا يجري، خلاص نهى عن البول في الماء الراكد وسكت الحديث. فهذا يدل على أن الماء الراكد هو صورة من صور الماء الدائم. باختصار أن الماء الراكد هو صورة من صور الماء الدائم؛ فالماء الدائم ينقسم إلى ماء دائم راكد وهو الدائم الذي لا يجري، وماء دائم غير راكد وهو الماء الذي يجري في البرك بحركة دائرية أو ما شابهها.
طبعًا الذي يظهر لي أنه على كلا يعني حتى على هذا هو يختلف عن الماء الجاري بصورة مستمرة ومنتقل كالأنهر، ومنتقل من نقطة إلى نقطة كالأنهر. فالفكرة إذًا هي بس نقاش لغوي، هو نقاش لغوي مفاده وخلاصته حتى لا أشتتك: أن القول الأول من يرى أن الدائم والراكد مترادفان تمامًا، وعلى هذا القول «الذي لا يجري» ذكرها في هذا الحديث فقط من باب الإيضاح.
القول الثاني من يرى أن الدائم أعم من الراكد، فالماء الدائم قد يكون راكدًا، الراكد ساكن، يقول لك ماء راكد أي ساكن ما فيه ولا حركة، وقد يكون ماء دائم غير راكد، يعني بيتحرك حركة دائرية، وهذا والله أعلم هو الذي يقصدونه ربما بالذي له منبع، إنه لما يكون الماء فيه منبع من تحت بتحس إنه بيظل يتحرك.
لو كان محصورًا، لا يضل فيه حركة. حتى بتعرفوا اليوم في المسابح المعاصرة، مش بتشوفوا بنحط فيه مضخات وبتشتغل المضخات ويصير الماء يضخ جوا؟ هو فعليًا في تانك وفي مضخة وكذا، فهو في حركة في الماء، بس حركة ضمن مكان محصور هي لا تنتقل إلى أماكن أخرى ولا تصب في البحار ولا في السيول ولا في الأودية، أنت تبقى محصور في نفس المكان.
ربما هذا يقرب لك فكرة الماء الذي له منبع، أنه الماء الذي له منبع راح يضل يعمل حركة في المياه، فالمياه مش راكدة بمعنى أنها مياه ساكنة لا تتحرك، لكنها حتى لو كانت في المقابل عم بتجول بسبب المنبع، لكنها بتضل تجول في منطقة محصورة ولا تنتقل بصورة متكررة إلى أماكن أخرى وإلى جولات أخرى. فلذلك في اعتقادي هنا الكلام فقط من الناحية اللغوية، أما التأثير الفقهي ليس ذا بال كبير، على الأقل عند جماهير الفقهاء.
إذًا وضح إخواني الفرق. القول الأول أن الدائم هو نفس الراكد، فالوصف إذًا وصف توضيحي. القول الثاني أن الماء الدائم أعم، فالراكد هو عبارة عن صورة من صوره؛ فهناك ماء دائم راكد وهناك ماء دائم غير راكد. والمراد بالحديث بناءً على قول هؤلاء ما هو؟ الماء الدائم الذي لا يجري، المراد به الماء الدائم الراكد، لذلك وصفه بالدائم الذي لا يجري إشارة إلى أنني أتحدث عن الماء الدائم الراكد، فيكون قيدًا احترازيًا.
عند هؤلاء طبعًا الذين يرجحون به قولهم، أن الرواية الأخرى أن النبي ﷺ نهى عن البول في الماء الراكد لم يأت بها لفظ «الذي لا يجري»، هذه الفكرة. بس طبعًا سيعترض عليهم فنقول لهم: أيضًا في رواية لمسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، ورد في رواية بدون وصف «الذي لا يجري». يعني حتى في رواية «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، ورد عند مسلم هذا اللفظ بدون زيادة «الذي لا يجري»، فهذا يعكر استدلالهم برواية الماء الراكد.
لكن أنت ستقول لي: طب هؤلاء الذين يقولون إنه الماء الدائم هنا وصفه بأنه لا يجري وصف احترازي، إذًا هؤلاء يرون أن الحديث يتكلم عن صورة من صور الماء الدائم وهو الماء الراكد، وأما الصورة الأخرى للماء الدائم وهو الماء الدائم الذي يجري في مكانه -حتى ولو كان فيه- لكنه يجري سيكون حكمه مختلفًا. أقول لك أخي هذا قول قال به بعض الفقهاء فعلًا؛ بعض الفقهاء فرقوا بين الماء الدائم الراكد وبين الماء الدائم الذي يجول وله منبع.
لكنني لست في صدد الآن إدخالك في هذا المربع، عشان أقول لك على رأي جمهور الفقهاء، لن تجد خلافًا أو فرقًا كبيرًا بين الراكد والدائم، لكن على قول قلة منهم ربما سيؤثر التفريق بين الماء الدائم والراكد في الحكم. طيب، حتى لا أطيل ويستهلكنا الوقت في هذه الجزئية فقط أردت أن أنبه عليها، أنتقل إلى المربع الآخر.
يقول ابن دقيق العيد في «الإلمام» في شرح الإلمام في الفائدة الثانية: «إذا ثبت أن الراكد هو الساكن غير المتحرك فمقابله هو الجاري يكون هو المتحرك». إذًا بدنا نتفق الآن خلاص على أنه كلمة الماء الدائم هنا هي نفسها الراكد ويقابلها الجاري؛ لأن هنا الخلافات الفقهية الحقيقية: هل الماء الجاري حكمه حكم الماء الراكد؟ وهي بحثناها في كتب الفقه الحنبلي، وهناك روايتان في المذهب عندنا وعند الشافعية.
هل الماء الراكد الدائم يعني حكمه حكم الماء الجاري؟ فيقول ابن دقيق العيد: «إذا ثبت أن الراكد هو الساكن غير المتحرك فمقابله هو الجاري في هذا السياق سيكون هو المتحرك». والشافعية -رحمة الله عليهم- قالوا: استنبطوا من الحكم المتعلق بالراكد معنىً يقتضي أن يحكم... هذه فائدة تفصيلية جزئية عندهم، ما بديش أغرقك فيها. سأذهب إلى الفائدة الثالثة مباشرةً ذكرها في «الإلمام».
قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه». الآن نبدأ مع بعض؛ هذا الحديث عبارة عن جملتين، خلينا في الجملة: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه». فيه نهي عن شيئين يقول ابن دقيق العيد. والنهي عن الشيئين تارةً يكون على الجمع، وتارةً يكون عن الجمع.
نعود إلى الشاشة حتى يكون الكلام أكثر وضوحًا لكم بإذن الله. إذا نهى النبي ﷺ عن شيئين -والكلام في اللغة عمومًا بس أنا الآن رح نطبق على هذا الحديث مباشرة- فإما أن يكون النهي على الجمع وإما أن يكون النهي عن الجمع. وهنا نركز على المراد بالنهي على الجمع، وبعبارة أسهل هو لو قال نهي على الجميع، يعني أنك تكون منهي عن كل خصلة على حدة. فيكون «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»؛ هذه نهي عن هذه الصورة، نهي عن البول في الماء الدائم الذي لا يجري، «ثم يغتسل فيه»؛ نهي عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري، فتكون أنت منهي عن هذه الخصلة بحد ذاتها، وهذا موضوع، ومنهي عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري بحد ذاته.
الاحتمال الثاني أن يكون النهي عن الجمع، يعني منهي عن أن تجمع بين الصورتين وليس منهي عن كل صورة على حدة؛ فالنهي إذًا عن الصورة المركبة، أن تقوم بالبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم بعد ذلك تقوم بالاغتسال فيه. إذًا فهمنا الفرق بين النهي على الجمع والنهي عن الجمع؟ بالتالي سيكون كل واحدة منهي عنها بحد ذاتها بصورة مستقلة في النهي على الجمع، أو نهي عن الجمع أنت منهي عن الصورة المركبة المجمعة، عن البول فيه ثم بعد ذلك الاغتسال فيه.
يقول ابن دقيق العيد: «أما النهي على الجمع فيقتضي المنع من كل واحد منهما، وأما النهي عن الجمع فمعناه المنع من فعلهما معًا بقيد الجمعية». ولا يلزم بالتالي، إذا قلنا إن النهي هنا عن الجمع، لا يلزم أن كل صورة على حدة منهي عنها. لما أقول لك: «لا تأكلي السمك وتشربي اللبن»، هذا المثال المشهور، إذا قلنا نهي عن الجمع معناته إني آكل السمك لحاله ما في مشكلة، وإني أشرب اللبن لحاله ما في مشكلة، المشكلة هي فقط أجمع.
إذا قلنا في هذا الحديث هو نهي عن الجمع، إذاً البول في الماء الدائم الذي لا يجري بدون الاغتسال ما فيه مشكلة، والاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري دون البول ما فيه مشكلة. طيب، إذاً ليش المشكلة؟ هي الجمع؛ إنك تبول ثم تغتسل، هذا معنى أن يكون النهي عن الجمع.
فلذلك قال: ولا يلزم منه، أي من النهي عن الجمع، المنع من أحدهما، إلا مع الجمعية؛ لأنه النهي فقط على صورة الجمعية، فيمكن أن يفعل أحدهما من غير أن يفعل الآخر، هكذا ما فيه مشكلة فيه. فإذا أردت، وإذا كان -وهذه ركز فيها فقط على الهامش- إذا كان النهي عن الجمع، فلا يجوز الاستدلال به كما قلنا على النهي عن كل صورة على حدة إلا بدليل خارجي.
فإذا أنت بتقولي بس إحنا يا شيخ الحنابلة عندنا عموماً لا يجوز البول في الماء الدائم الذي هو الماء الراكد، بنقول هذا من دليل آخر. حديث نهى عن البول في الماء الراكد هناك استدللنا، لكن إذا قلنا هذا الحديث هو نهي عن الجمع ما لا يصلح أن تستدل به على ماذا؟ على أن البول في الماء الدائم أو الماء الراكد لا يجوز وحده؛ لأن المشكلة في هذا الحديث على الجمعية. فإذا أردت أن تستدل على النهي عن كل واحد على حدة، بدك تشوف لك دليل آخر.
فسيأتي هنا دليل أنه نهى عن البول في الماء الراكد، وسيأتي هنا لوحده دليل في الرواية الثانية، وهي رواية: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». بتصير هنا تبحث عن روايات أخرى، أما هذه الرواية فإذا حملتها على الجمع، إذاً هي فقط نهي عن الصورة المركبة من مجموع الأمرين فقط.
هنا أعطاك فائدة، يقول: النهي على الجمع منشأه أن يكون في كل واحدة منهما مفسدة خاصة تستقل بالمنع. إذا أردت أن تحمل هذا الحديث أنه نهي على الجمع عن كل واحدة على حدة، هذا يقتضي ماذا في التفكير الفقهي؟ أنه كل واحدة فيها مفسدة خاصة مستقلة فيها تقتضي النهي عنها؛ فيكون البول في الماء الدائم الذي لا يجري فيه مفسدة خاصة فيه، ويكون الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري فيه مفسدة خاصة فيه. فهذا الذي سيجعلك تحمل الحديث أنه نهي على الجمع.
قال: وأما النهي عن الجمع فحين تكون المفسدة ناشئة عن اجتماعهما فقط. إذاً بدك تحمله على الجمع، فهذا يكون المفسدة ناشئة عن اجتماعهما فقط، هذا ما يريد أن يوصله الحديث. طبعاً لما أقول فقط في دلالة الحديث، لكن لا يعني هذا أنه ممكن يكون في مفسدة مستقلة مثلاً، بس هذا من حديث آخر، لكن هنا المفسدة التي يراد التنبيه عليها هي المفسدة الناشئة عن اجتماعهما، هذا الذي يراد إليه. هذا كله تفكير، لازم تفكر أنت حتى توصل لنتيجة من أي حديث نبوي.
قال: وإذا ثبت هذا، فهذا الحديث الذي نحن فيه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» هو من باب النهي عن الجمع؛ أي لا يجمع بين البول في الماء الراكد والاغتسال منه.
قال وأما الرواية الأخرى التي ذكرها أبو داود، وأما الرواية التي سيأتي ذكرها من حديث محمد بن عجلان بطريق آخر: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه». هذا الحديث له رواية أخرى مش في البخاري ومسلم عند أبي داود، من طريق محمد بن عجلان، ما نصها؟ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه». طبعاً لاحظ من هنا أن الماء الدائم لم يوصف بأنه لا يجري، وهذا بيأكد نوعاً ما نظرية أن الدائم والراكد هنا نفس الشيء والله أعلم.
«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، شو قال؟ «ولا يغتسل فيه». تكرار حرف النهي في الرواية الأخرى. قال: هذه فيها دليل، يعني الرواية الأخرى فيها دليل على النهي على الجمع، وأنه كل واحد منهي فيه على حدة. أما هذه الرواية فهي تشير إلى أن المقصود فيها النهي عن الجمع.
ممتاز، جيد أنك تعرف الحديث له روايتان؛ رواية البخاري ومسلم، وهذه الرواية فيها النهي عن الجمع، ورواية أبي داود من طريق محمد بن عجلان كانت: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه» كما يقول هنا. ابن دقيق العيد يقول إن النهي فيها على الجمع، يعني على كل خصلة على حدة.
وبالتالي إحنا قد نكون وصلنا لخلاصة عموماً فيما يتعلق بهذا الحديث، أنه نحن منهيون عن الجمع بين الصورتين، وهذا مقتضى هذه الرواية، ونحن منهيون عن كل واحد منهما على حدة بس من رواية أخرى ومن أحاديث أخرى. هذه النتيجة، طبعاً النهي على التحريم أو الكراهة بين المذاهب هي منطقة خلاف مش موضوعنا، لكن نحن وصلنا من خلال هذه الرواية مع الروايات الأخرى إنه هذه الرواية تتكلم عن الصورة المركبة أنت منهي عنها، وأن عن كل واحدة منها على حدة أنت منهي عنها. وجه النهي، علة النهي، درجة النهي، هذا مربع آخر بين المذاهب الفقهية نبحثه في حينه.
الفائدة التي تليها في مسألة لغوية: هذا الحديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل»، ما هو إعراب يغتسل؟ هل هي منصوبة؟ مجزومة؟ مرفوعة؟ هل هي منصوبة بالفتحة مثلاً؟ أو مجزومة بالسكون؟ أو مرفوعة بالضمة؟
الآن هو ذكر كلام طويل عن القرطبي في شرحه لصحيح مسلم، يقول فيه القرطبي: أما النصب فلا يجوز، لأن النصب على ماذا؟ على المعية، والمعية لا تأتي مع "ثم"، وإنما مع الواو. فتقول لي والله يغتسل، ما هو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً على المعية، ما يضبط لأنه هنا الحرف ما هو؟ "ثم" وليس الواو، فهذا النصب لا يصح، إذًا مش منصوبة.
أما السكون، هو رأى أن السكون في وجهة نظره من ناحية لغوية لا يصلح، هكذا قال؛ لأنه لو كان سكوناً سيكون مجزوماً، وإذا كان مجزوماً سيكون إذًا من عطف الفعل على الفعل. ثم قال جملة أو كلمة أخذت عليه أو نوقش فيها على الأقل، قال: وإذا جعلتها إذا قلت ساكن، إذًا سيكون فعل مضارع مجزوم، وإذا كان مجزوماً سيكون من عطف الفعل على الفعل، إن هذا الفعل الأول مجزوم. لا، الناهية "يبولن" فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم. فيقول: سيكون هنا هذا مجزوماً عطفاً على هذا، وهذا سيقتضي إذا جعلت هذا مجزوماً أن يقول "ثم"...
«لا يغتسلن». هذه وجهة نظر. يقول لك لماذا؟ قال: لأنه الأولى وردت «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم». وأنت تريد أن تقول إنها مجزومة عطفًا على هذه، عطف فعل على فعل.
قال القرطبي: يقتضي أن تكون نفس الطريقة إذن. لماذا هي مؤكدة وهي ليست مؤكدة؟ قال: ينبغي أن يكون ما دام كلاهما متعلقًا بالماء وعلى نفس المورد، فينبغي أن تكرر «لا» وأن تقول: «لا يبولن أحدكم ثم لا يغتسلن». قال: هكذا ينبغي أن يكون السياق، والسياق ليس هكذا.
إذن، السكون برضه الجزم رأى أنه خطأ. عرفت لماذا رأى أنه خطأ؟ قال لك: إذا جعلته مجزومًا سيكون من باب عطف فعل على فعل وليس عطف جملة على جملة. وإذا كان عطف فعل على فعل -وهو يرى القرطبي مع بعض من اتبعه أو أخذ عنه- فالمهم أنه لا بد إذا كان عطفًا مجزومًا وعطف مفرد على مفرد أن يكون هنا في تكرار لـ «لا» الناهية ولنون التوكيد.
قال: لأن النهي عن الماء، يعني موردهما واحد، كله متعلق بالماء الدائم، فينبغي أن يتوحد الأسلوب؛ فتقول: «لا يبولن»، ثم «لا يغتسلن». الحديث ما قال: «ثم لا يغتسلن». إذن هذا ليس من قبيل الجزم، وليس بالتالي من قبيل عطف المفردات. إذن هذا من قبيل ماذا على رأي القرطبي؟ قال: من قبيل عطف الجمل. فلا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري جملة، ثم حرف عطف، وما بعدها جملة أخرى معطوفة عليها، والتقدير: ثم هو يغتسل فيه؛ فيغتسل فيه الجملة خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم هو يغتسل فيه واكتفينا.
الآن شوفوا، قضية أنه ليست منصوبة، هذه عمومًا نحن نتفق عليها، لكن قضية أنها لا يصح فيها الجزم، لا، هذه محل نقاش. فالإمام ابن مالك النحوي المشهور صاحب الألفية، وعطفك الفعل على الفعل يصح، مش هيك قال في باب العطف؟ الإمام مالك قال: لا، هنا يصح الجزم. هو طبعًا هو لغوي وفقيه ومحدث، له علاقة أو أحد المعلقين على صحيح البخاري من الناحية اللغوية، قال: يجوز فيها الجزم، وليس كما قال القرطبي. قال: ما في دليل على أنه لا يجوز الجزم.
وقضية أنه كان ينبغي أن يكرر «لا»، بالعكس. في عطف الفعل على الفعل، ابن هشام -يعني هنا قصة نقلت عن ابن هشام- أن أحد التلاميذ سأله: كيف يكون عطف الفعل على الفعل؟ لا صورة له؛ لأن أي صورة عطف فعل على فعل يمكن أن نحملها على عطف جملة على جملة. فقال له ابن هشام: فكيف تقول إذا قلت: زيد لم يقم ويقعد، وزيد لن يخرج وينهض؟ عبارة زي كده.
قال: لو أنت قلت زيد لم يقم ويقعد، هذه ما الذي جزمها؟ لولا أنها معطوفة على الفعل فقط، لأن هنا العامل هنا «زيد لم يقم ويقعد»، قال: هذا ما الذي جزم «يقعد»؟ عطفها على الفعل السابق وهو «لم». ممتاز؟ فهذا ليس عطف جملة على جملة. قال: لأنه لو كان عطف جملة على جملة لم تجزم «يقعد»، وإنما نقول زيد لن يقوم وينهض. طبعًا «ينهض» إيش اللي نصبها؟ ما في «لن» هنا مقدرة. قال: هذه معطوفة على الفعل السابق، والعامل في الفعل السابق هو الذي... مش عطف على نية تكرار العامل، مش هيك بيقولوا؟ فالعامل في «يقوم» هو العامل في «ينهض».
فمن الذي قال إنه إذا كانت هذه مجزومة ينبغي أن نقول «لا» مرة أخرى؟ لا بالعكس. المتصور المثال الذي ذكره ابن هشام أنه في عطف الفعل على الفعل في باب النصب أو الجزم، حتى تقول إنها فعلًا عطف مفردات، عطف فعل على فعل ليس عطف جملة على جملة، لا يتكرر العامل لفظًا، وإنما خلص تقول: زيد لم يقم ويقعد، زيد لن يقوم وينهض. يقول هكذا تكون عطف فعل على فعل. فباختصار ما ذكره القرطبي من أنه كان ينبغي أن يقول «لا» مرة أخرى ويؤكد «لا يغتسلن»، وأنه على مورد واحد وهو الماء فكان ينبغي أن يكون الأسلوب واحد لو كان المراد للجزم، بعيد.
ولا أشكر ولا يعني أثقل عليكم أكثر في الناحية اللغوية، لكن دعونا نشوف المناقشة هنا. هم قاسوا الأسلوب على ماذا؟ طبعًا نحن الآن سنمشي مع رأي الرفع حقيقة، راح نأتي على أن المراد -يعني ما سنرجحه هو الرفع صحيح- لكن لن نقول إن الجزم ممنوع، هي قضية نحن نميل فيها مع رأي الجمهور على أنه: «ثم يغتسل فيه»، ممتاز، ونقول: «ثم هو يغتسل فيه»، والجملة الفعلية خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. سنمشي مع هذا، لكن الفكرة أننا لن نقول بمنع الجزم.
طب هل هذا له نظائر هذا الأسلوب؟ أن يكون أولًا نهي، بعد ذلك يأتي «ثم»، ثم يكون فعل مضارع مرفوع؟ قالوا له نظائر في الأحاديث النبوية، فمن ذلك قوله ﷺ: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها». اكتبوا عندكم هذا المثال: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها». قالوا هذا الحديث بعيد أن يكون «يضاجعها» بالجزم. لماذا؟ لأنه لو قلنا «يضاجعها» بالجزم -وسأقول لإخواني بس تركيز سريع هنا على من يرى أن «يغتسل» مجزومة- سيقول: هذا نهي ليس عن الجمع، نهي عن الجمع إذا اخترت الجزم؛ لأنه سيقول: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم لا يغتسلن فيه من الجنابة».
فيكون نهي عن هذا ونهي عن هذا وإن كان أتى فيه بـ «ثم»، وتكون «ثم» إما ترتيب زمني لكنه مؤول، أو يكون «ثم» للترتيب الذكري. قالوا الحديث: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم... أو ضرب الأمة ثم يضاجعها»، قالوا لو قلنا بالجزم: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها»، سيكون النهي عن إيش؟ عن الضرب، ثم نهي عن المضاجعة بعد الضرب، أو نهي يعني تقريبًا سيكون نهي عن الضرب ثم نهي عن المضاجعة. فهذا منهي عنه وهذا منهي عنه. ممتاز؟
فيقول: هل هذا يقوله أحد؟ يعني هل النبي ﷺ لما قال: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها» هو يريد أن ينهاني عن أن أضرب امرأتي ضرب العبد ثم يريد أن ينهاني عن أن أضاجعها بعد هذا الضرب إذا قلنا إن «ثم» للترتيب الزمني؟ لا، بالعكس، أنت بتشوف إنه لا، أصلاً لا ينهيه أن يضاجعها بعد الضرب، بل المفروض العكس؛ إنه من باب الإحسان أصلاً إذا أسأت لمرأتك وضربتها أن تضاجعها حتى تخفف عنها الجرح الذي أحدثته.
صحيح؟ لو كان الحديث هكذا: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها»، قلنا الجزم سيقتضي أنه هذا منهي عنه وهذا منهي عنه على الترتيب؛ إذا قلنا «ثم» للترتيب، فسيكون النهي عن ماذا؟ لا تضرب امرأتك ضرب الأمة والعبد، ثم لا تضاجعها إذا ضربتها ضرب العبد.
ستقول هذا معناه نافق، إذاً «يضاجعها» بالجزم لا يصلح؛ لأنه سيكون النهي عن المضاجعة. فما هو الأنسب؟ أن يكون «ثم يضاجعها»، والتقدير: لا تضرب امرأتك ضرب الأمة ثم أنت تضاجعها. والمعنى أي ثم سيكون مآلك أن تضاجعها. فهذه الصورة المركبة هي صورة المراد بها الاستقباح، وكأنه يقول لك: لا تضرب امرأتك ضرب العبد ثم أنت في الليل تذهب تضاجعها.
ففي هذه الصورة المركبة أنت منهي عن ماذا؟ عن الضرب المؤلم الموجع مع معرفتك بالتقدير، ثم أنت تعرف من حالك أنك ستضاجعها ليلاً، فهو يقبح لك صورة هذا الضرب. وسيأتي معنا أنه «ثم هو يضاجعها»، قالوا هي فيها إشارة للعلة؛ لماذا لا تضربها ضرب العبد؟ لأنك بالليل سوف تضاجعها، فمش مصلحتك تضربها ضرب العبد، فهي إشارة إلى العلة، قال «ثم هو يضاجعها» إشارة إلى العلة بأسلوب رائق لطيف.
لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم هو يغتسل فيه، ونفس الشيء سنلاحظ أنه نفس الفكرة؛ لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم هو يغتسل فيه على قراءة الرفع، وهي التي سنعتمدها، وهي نفس الشيء المراد بها نوع من التعليل. كأني أقول لك: لا تغتسل في الماء الدائم، لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم ما لك تغتسل فيه وأنت حي، ثم ما لك وأنت تغتسل فيه؟
ففيه قالوا: رواية الرفع هي فعلياً تتضمن إشارة إلى نوع من التعليل بصورة لطيفة، كأنه يقول لك: هذا الماء الدائم الذي لا يجري، مياه الينابيع والبرك، يا أخي لا تبول فيها، ثم هو يغتسل فيه؛ طبعاً أنت أو غيرك، ولكن الكلام عنك، كأنك تخرب وتفسد على الناس وعلى نفسك.
ابن دقيق العيد الآن سيعلق على كلام القرطبي يقول: «وفي بعض إطلاقاته هذه نظر»، وهو يقصد المسألة الإعرابية؛ الجزم، أنه هو نفى الجزم وقال لا يصح. وذكر شيخنا أبو عبد الله ابن مالك، وهذا كلام النووي، النووي ينقل عن ابن مالك أنه يجوز أيضاً جزمه عطفاً على «يبولن»، بل ذكر ابن مالك أن النصب جائز؛ تخيلوا قال بل ذكر نصبه بإضمار «أن» بشرط.
ونعطي ثم حكم واو المعية، يعني قالوا أقول لك حتى النصب يجوز بأن نجعل «يغتسل» منصوباً بأن مضمرة وجوباً، ونعطي ثم حكم واو المعية، بس في اعتقادي أن هذا سيكون في نوع من التكلف، والله أعلم، ما في داعي ما دام في مساحة للأقوال البعيدة عن التكلف.
لذلك النووي ماذا علق على قول ابن مالك؟ النووي رحمه الله يقول: «أما الجزم فظاهر»، يعني أنا أوافق شيخنا ابن مالك أن الجزم منطقي وله معنى صحيح، قال: «وأما النصب فلا يجوز». لماذا يقول النووي النصب لا يجوز؟
يقول لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل له أحد، بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا، والله أعلم ما معنى هذا الكلام. يقول النصب لا يجوز لأنه النصب على طريقة ابن مالك أنه «ثم» بمعنى واو المعية، قال لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما.
كيف يعني النهي المنهي عن جمعهما دون إفراد أحدهما؟ قال: «وهذا لم يقل له أحد، بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا». إذا كنت تقصد البول أثناء عملية الاغتسال، فبتفق معك أنه لا أحد يقول بهذه الطريقة، لكن ظاهر كلامه أنه لا يقصد هذا المعنى؛ لأنه ماذا قال؟ قال: «بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا».
أنا شاهد أن النووي يريد أن يقول إن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون محمولاً على النهي عن الصورة المركبة؛ لأنه لا أحد يقول بالنهي عن الصورة المركبة، ولا يوجد نهي عن كل واحدة على حدة، أو على الأقل عن الصورة الأولى على حدة، فنقول له: نحن نتفق معك أنه كل من قال بالنهي عن الصورة المركبة، هو يقول بالنهي عن هذه الصورة على حدة حتى ولو كان لا يريد الاغتسال.
لكن من ناحية معنوية، أنا أتفق أن رواية النصب ضعيفة، بس أنا حتى إذا أردت أن أخطئها، فليست بالطريقة التي أخطئ بها النووي رحمه الله؛ لأنه لو قلنا إن «ثم» بمعنى الواو، والواو واو المعية، ما في مشكلة نقول هنا في هذه الرواية نهي عن الصورة المركبة: صورة أن تبول ثم تغتسل، وقضية النهي عن البول دون أن تغتسل يؤخذ من روايات أخرى.
فتعليل النووي في اعتقادي يحتاج إلى تعليل، أو فيه نظر؛ لأنه أنت تقول: «بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا»، نحن ما عندنا مشكلة نقول يا إمام هذا الحديث نهي عن الصورة المركبة، والنهي عن البول وحده دون إرادة الاغتسال يؤخذ من روايات أخرى، فقولك إن النصب لا يجوز من هذا الملحظ ليس قوياً. أما من ملحظ أن «ثم» تكون بمعنى الواو، فهذا فيه تكلف أو تأول بعيد، أنا أتفق فيها، أما الكلام الذي قاله فلا أتفق فيه معه.
المهم، الكلام للنووي وابن مالك في مناقشات لغوية على الهامش، نرجع لما نحن فيه. كما قلنا ابن دقيق العيد ناقش القرطبي في نهيه عن الجزم، قلنا ابن دقيق العيد قال: «وفي بعض إطلاقاته نظر»، وهذا المعنى الذي ذكره يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البول في الماء الراكد. طبعاً أنا لم أكمل لكم كلام القرطبي في تعليقه على حديث «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها»، يقول القرطبي سريعاً: قال برفع «يضاجعها»، قال ولم يروه أحد بالجزم ولا...
يتخيله فيه؛ لأن المفهوم من حديث «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب العبد ثم يضاجعها» إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني الحال فيمتنع عليه ما شاءه بما أساء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصود إلى الجماع لأجل الضرب.
فتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وفي هذا الحديث التقدير: ثم هو يغتسل. الآن ابن دقيق العيد كما قلنا رأى أنه ربما حديث «ثم يضاجعها» بنتفق مع بعضنا عمومًا أنه على الرفع، يعني بعيد عن الجزم، وإن كان حتى البعض قال بالجزم، بس هو بعيد. لكن أن تقول إن الجزم بعيد يا قرطبي، فيه نظر؛ واضح أنه في تيار من العلماء كابن مالك بل حتى النووي وغيرهم يرون أن الجزم محتمل.
على الرواية التي اختارها القرطبي ومشى عليها الأكثر وهي رواية الرفع: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». ماذا سيكون معنى «ثم يغتسل فيه» أو «ثم هو يغتسل فيه»؟ يقول ابن دقيق بناءً على كلام القرطبي: وهذا المعنى الذي ذكره القرطبي يقتضي أنه كالتعليل، أن الجملة الثانية كالتعليل، هي ليست عبارة تعليلية على طريقة الأصوليين، لكنها تشبه التعليل للنهي عن البول في الماء الراكد.
لأنه التقدير كما قلت لكم سيصبح: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم مآله كأنك تغتسل منه. أنت ماذا تفهم من هذا السياق؟ كأني أقول لك: لماذا لا أبول في الماء الدائم الذي لا يجري؟ التقدير: لأنني سأغتسل منه أنا أو غيري. فأصبحت هذه الجملة على رواية الرفع تعليلية أو تشبه التعليل للحكم السابق. هذه فائدتها هنا؛ فائدتها التعليل.
وهذا المعنى الذي ذكره يقتضي أنه كالتعليل للنهي عن البول في الماء الراكد لا عن الغسل منه، ويكون النهي عن الغسل منه ليس من مدلول اللفظ المباشر بل من مدلولاته التزامًا. هذا سيأتي معنا؛ أنه إذا قال: «ثم يغتسل فيه» بمنطوقها تتكلم عن الاغتسال جوّا، أما الاغتسال منه بالاغتراف، فقد قال: هذا سيؤخذ من اللازم استنباطًا وليس من منصوصه؛ لأن منطوقه نهي عن الاغتسال في داخله، وأما الاغتسال منه فليس من مدلول اللفظ المباشر بل من مدلولاته التزامًا.
وهذا سيأتي معنا إن شاء الله؛ من حيث إنه لو لم يكن البول فيه مانعًا من الغسل أو الوضوء منه لما صح تعليل النهي عن البول فيه بأنه سيقع منه الغسل فيه. لكن التعليل صحيح على حسب مقتضى الكلام عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعد البول بطريق الالتزام.
باختصار: هل المشكلة هي فقط في أنك تغتسل فيه؟ ولا أيضًا الاغتسال منه بالاغتراف؟ بل حتى الوضوء منه؟ نفس المشكلة؛ أقول لك هي حقيقة كلها نفس المشكلة، سواء «ثم يغتسل فيه» أو «ثم يغتسل منه» أو «ثم يتوضأ منه»، كلها نفس المشكلة. ما أحد يقول إن المشكلة أنك تغتسل جوّا بس، ما راح يكون في مشكلة إنك تغتسل منه أو تتوضأ منه إذا كانت المشكلة أن البول ينجس الماء الراكد.
وإذا كانت المشكلة أن البول ينجس الماء الراكد، سواء اغتسل فيه ولا منه ولا توضأ، كلها نفس الحكم. ولذلك الحديث فيه ثلاث روايات: «ثم يغتسل فيه»، وفي رواية «ثم يغتسل منه»، وفي رواية عند الترمذي «ثم يتوضأ منه»، وقالوا هذه الروايات كلها متوافقة إذا قلنا إن المشكلة في التنجيس؛ لأنه سواء غسل ولا وضوء فيه ولا منه، كلها نفس المؤدى؛ لأن الماء ليس بطهور ولا طاهر.
لكن ماذا يختم ابن دقيق العيد؟ ابن دقيق العيد بتعرف ما الجميل فيه، وفي نفس الوقت ممكن يكون مشكلة عند البعض أنه يترك بعض المسافات مفتوحة، فيقول: «وفي تعيين هذا المعنى الذي ذكره لأن يحمل عليه اللفظ نظر»، وسكت. يعني كأنه يقول: هل فعلاً هذه الجملة هي تعليلية لهذه الجملة؟ هل المراد «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم هو يغتسل فيه» وأن المراد أن تكون هذه تعليلًا له؟ هل هذا هو المراد أم في احتمالات أخرى؟
كأن ابن دقيق العيد يرى أن القضية ما زالت في قيد التردد؛ محتمل كلامه أنها فعلاً تعليلية، وقد تكون هناك احتمالات أخرى. من الاحتمالات التي ذكرناها قبل قليل، أن يكون المراد على رواية النصب، أنه نهي فعلاً وليس تعليلًا؛ هو نهي عن الاغتسال بعده، استعمال الماء هو هذا الذي أراده، ما لم يرد التعليل بحد ذاته، هو أراد النهي عن الاغتسال فيه بعد البول منه.
يعني الكلام فقط في التدقيق اللغوي: هل المراد «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم مآله أنه يغتسل فيه»، ولا أراد النهي عن الصورة المركبة: لا تبول وتغتسل؟ هو لم يرد أن يقول ثم مآلك أنك تغتسل، بل لا تبول وتغتسل فيه.
قد تقول لي سيشكل عليه أمر الوضوء منه، فأقول: هذا فهم بالالتزام، هو نص على صورة وأنت تقيس عليها الصور الأخرى. كأنني أقول لك: هل هناك فرق بين أن أقول لك لا تبولن في الماء الدائم الذي لا يجري ثم مآلك أنك سوف تغتسل فيه؟ هنا أنا لم أنهك عن الاغتسال أصلاً، أنا فقط أخبرك خبرًا أن مآلك سوف تغتسل فيه، ولم آتِ بسيرة النهي عن الاغتسال أبداً.
الاحتمال الآخر، وهو الذي ناقشناه في نوع رواية النصب، هو: هل يمكن أن نقول لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه على رواية النصب، بمعنى أنه نهي عن البول ونهي عن الاغتسال فيه بعد البول؟ ويكون الاغتسال منه والوضوء منه مأخوذًا بالقياس؟ هذا المعنى الثاني معقول، لكن المشكلة: هل رواية الرفع تسوق إليه أم لا؟ لأنه على رواية الرفع نحن أمام عطف جمل وليس عطف مفردات؛ فأنا أقول لك: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم هو يغتسل فيه، أنت تتحدث عن عطف جملة كاملة على جملة كاملة؛ هل هذه الجملة منهي عنها؟
على رواية الرفع، هذه ليست منهي عنها؛ هي عطف جمل على جمل. أنا عندي جملة كأني أقول لك: لا يقوم زيد، ثم يقوم عمرو. يقوم عمرو مثبتة ولا منفية؟ مثبتة. هذه عطف على هذه، عطف جملة على جملة؛ فهذه مثبتة معطوفة على جملة منفية.
فسيصبح الإشكال أنه لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم هو يغتسل فيه. فهذه جملة مثبتة. ما معنى الإثبات سيكون؟ ابن دقيق العيد وضع الاحتمال كأنه قال: فيه نظر، لكنه لم يضع ما هو المعنى الأنسب بعد ما قال: فيه نظر. وضع قال: فيه نظر، فيه تردد وذهب. فأقول على رواية الرفع، ما ذكره القرطبي حقيقة قريب. حقيقة ما ذكره القرطبي قريب أن المراد التعليل. وقول ابن دقيق العيد: فيه نظر، فليأتنا بهذا النظر حتى نحاكمه. أما أن أقول فيه نظر وأذهب، أنا بدي أعرف ما هو النظر حتى أستطيع أن أحاكم على هذا المعنى، فلذلك سنعتمد نحن ما ذكره القرطبي.
وأن على رواية الرفع لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم مآلك أنك ستغتسل منه. الآن من اختار رواية أخرى غير رواية الرفع؟ من اختار رواية الجزم؛ خلص أنت أمورك واضحة أنه نهي عن البول، ونهي عن الاغتسال، وهذا منهي عنه على حدة. وهذا منهي عنه على ماذا؟ على حدة، أو ممكن حتى تقول إنه نهي عن البول ثم نهي لأنه في "ثم"، ثم نهي عن الاغتسال بعد البول. الاغتسال وحده بدون "بعد البول" هذا يؤخذ من حديث آخر. ممتاز؟ بس بده يكون في اختصار في نهيين، إذا قلت بالجزم هنا في نهي وهنا في نهي.
وأما إذا قلنا بالنصب، وإن كان ضعفه النووي لكن حتى ابن مالك جوزه، فجوزه على رواية المعية. فيكون النهي عن ماذا؟ عن البول؛ إذا لا يبولن مع كونك ستغتسل فيه، فيكون نهياً فعلاً عن الصورة المركبة. وحقيقة رواية النصب أنا شايف مآلها مآل رواية الرفع كمآل حكمي؛ لأنه رواية النصب نهي عن الصورة المركبة، بس مش فيها تعليل. رواية الرفع نهي عن الصورة المركبة، بس هو المراد من الجملة الثانية التعليل، صحيح؟ يعني رواية النصب: لا يبولن أحدكم ثم يغتسله، يعني ويغتسله، فنهيتك عن الصورة المركبة، بس ما أشرت لك إلى التعليل. رواية الرفع ما هي مآلها نهي عن الجمع، مش هيك قال لك أصلاً؟ لكن "ثم يغتسل" سيكون المراد فيها هنا أن تكون جملة تعليلية، فهذه أقرب ما يمكن أن يقال من حيث الأحكام الإعرابية.
سبحان الله، الآن جاءت عيني على كلام ابن دقيق العيد في تضعيفه لكلام النووي في تعليله بس هكذا سريعاً. يقول: «وهذا التعليل الذي علل به النووي امتناع عن نصب ضعيف». مش قلنا كلام النووي في تعليله فيه مشكلة؟ لماذا؟ قال: لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في الماء الراكد بمفرده، وليس يلزم أن يدل هذا الحديث على الأحكام المتعددة بلفظ واحد، فيؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر، زي ما قلنا قبل شوي. الآن وقعت عيني على كلام ابن دقيق العيد ما كانت في ذهني. لذلك هو ضعف تعليل النووي، وكما قلت تعليل النووي ضعيف؛ أنه كأن النووي شاف أنه إذا قلنا بالنصب معناتها ما في مشكلة في البول في الماء الراكد دون الاغتسال، ونقول لا في مشكلة حتى ولو لم يكن اغتسال، بس بالروايات الأخرى كما قلنا.
الآن نذهب إلى تجميع المعلومات الأساسية، مع العلم أن الظاهر طبعاً هي معلومات ظنية اجتهادية، لكن هذا الذي سنسير عليه. الظاهر أن هذا الحديث هو نهي عن الجمع، نهي عن الصورة الجمعية. كيف نهي عن الصورة الجمعية على رواية الرفع؟ واضح. سنمشي مع طريقة القرطبي، أنه نهى عن البول في الماء الدائم، والتقدير: ثم مآله كأنك تغتسل فيه. هذا معنى النهي عن الصورة الجمعية؛ إنه أنت لا تغتسل في الماء الدائم لأنه مآلك رح تغتسل فيه، فهذا سيكون معنى النهي عن الجمع.
وعلى رواية النصب، النهي عن الجمع واضح بأكثر وأكثر إذا صححناها وإن كان فيها تكلف. إن صححناها فيكون النهي واضح كأنه يقول: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم لأنه لو ثم معنى له مع الاغتسال فيه، فهو نهي عن الصورة المركبة بصورة واضحة. وأما على رواية الرفع فهو نهي عن الصورة المركبة لكن على نوع من المعنى الذهني الذي تريد الوصول إليه؛ لأنه قال: لا يبولن مع ثم كونك تغتسل فيه، فإنه يقول لك هذا مشكل أنك تغتسل في ماء أنت بلت فيه، نهي عن الصورة المركبة بس بطريقة أبعد قليلاً. وبالتالي رواية الرفع بالنسبة لنا مقدمة؛ لأنها هي الأظهر من حيث اللغة. رواية النصب جوزها ابن مالك بس فيها تكلف ومآلها مآل رواية الرفع.
رواية الجزم ستدل على ماذا؟ على لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم لا تغتسلن فيه. إذا بدي آخذ بمقتضى "ثم" بكون نهي عن كل واحدة على حدة؛ نهي عن البول في الماء الدائم، ثم نهي عن الاغتسال فيه بعد البول، فيكون نهاني عن كلا الأمرين. بس نهاني عن كلا الأمرين بمعنى إيش؟ نهاني عن الاغتسال في الماء الدائم بعد البول فيه. من وين أنا مضطر أزيدها "بعد البول فيه" على رواية الجزم؟ استعمال "ثم" راح تقتضي ذلك؛ لأنه على رواية الجزم إذا كان النهي عن كل واحد على حدة بصورة مستقلة تماماً راح تصير "ثم" وجودها مقلق.
ولذلك النهي عن كل واحد بصورة مستقلة تصلح معه رواية محمد بن عجلان: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه»، هذيك واضحة النهي عن كل واحدة على حدة ما لهاش علاقة بالأخرى. لكن على رواية "ثم" أظن أن الظاهر لا بد أن يقيد "ثم يغتسل فيه" بمعنى النهي عن الاغتسال فيه بعد البول؛ يعني لا تبول في الماء الدائم، طب بولت؟ ثم لا تغتسل فيه بعد البول. بس هذا أنت نفسك شو شايفه؟ ركيك، كأنه يقول لك: لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم لا تغتسل فيه بعد البول. ما أنت كأنه على سبيل التنزل، وفي حال كونك بولت لا تغتسل فيه بعد البول. هل الأحاديث النبوية تأتي بهذه الطريقة في التعبير؟ هذا هو النقاش، ولماذا الكثير ضعفوا رواية الجزم؟
لأنه أنت سيكون لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم لا تغتسلن فيه؛ أي بعد البول. هكذا يكون معنى «ثم» هنا. بصير المعنى فيه قلق من جهة أنه ينهاك عن البول في الماء الدائم، ثم ينهاك عن الغسل بعد البول.
ينهاك عن الغسل بعد البول؛ نحن قلنا هذا كأنه على سبيل التنزل، بمعنى إن فعلت فبلت لا تروح تغتسل. التعبير عن الأفكار بهذه الطريقة أو بهذا الأسلوب اللغوي ليس معتادًا، خلص يقول لك لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري، وبعدين يقول لك لماذا؟ ويجيب لك بالتعليل لأنك راح تغتسل فيه، أن يكون علة أقرب. أما أن يكون على سبيل التسليم: «وإن بلت فيه فلا تغتسل»، ليس هذا هو المعتاد في العرف النبوي في التعبير، والله تعالى أجل وأعلم.
نأتي الآن إلى الوجه السادس، وهو وجه من الأوجه التي ذكرها في بحث هذا الحديث في شرح الإلمام. يقول: أهم القواعد الأصولية المؤثرة في بحث هذا الحديث. سيذكر الآن أبرز القواعد الأصولية التي ستحتاجها في بحث هذا الحديث، وأنا أسردها سردًا فقط حتى تعرف كمية القواعد التي تحتاجها في كل نص أو في كثير من النصوص، ليست قاعدة واحدة ستحتاجها.
أولًا: القاعدة أن القياس في معنى الأصل حجة شرعية؛ القياس في معنى الأصل الذي هو إحنا كنا نسميه القياس بنفي الفارق حجة شرعية، وهذا سنحتاجه حتى مع كلامه في الأحكام في رده على الظاهرية. القاعدة الثانية الأصولية: هل المفهوم حجة أو لا؟ القاعدة الثالثة الأصولية: أن المفهوم هل يخصص العموم؟ إذا قلنا المفهوم حجة، فهل يقوى على تخصيص العمومات أو لا؟
رابعًا: حكم العمومين إذا عارض كل منهما صاحبه من وجه؛ إذا كان الحديث عامًا من وجه وخاصًا من وجه، وعارضه حديث آخر عامًا من وجه وخاصًا من وجه، كيف يتعامل؟ القاعدة الخامسة: اللفظ العام هل يستنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص؟ القاعدة السادسة: استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين؛ هل يجوز استعمال الأمر في الوجوب والندب في نفس الوقت؟ هل يجوز استعمال صيغة النهي في التحريم والكراهة في نفس الوقت؟ هذه من القواعد المؤثرة في هذا الحديث.
سابعًا وأخيرًا: ذكر حديث القلتين والكلام في تصحيحه وطريق الاستدلال به؛ حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». من أين ستكون نقطة البداية معي الآن؟ ستكون نقطة البداية من حديث القلتين، لأن الإشكالات الفقهية عند الفقهاء إنما نشأت من كيف نتعامل ونجمع بين هذا الحديث مع حديث ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث».
فسأذهب إلى صورة جديدة، فنقول: هذا الحديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه» يتعارض تعارضات واسعة مع حديث «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس»، وطبعًا له روايات كثيرة، مثل: «لم ينجسه شيء»، أو «لم يحمل الخبث»، وأنا لست في صدد ذكر الروايات الكثيرة. هذا يتعارض مع هذا في عدة نقاط.
فالآن أول قضية سنذهب إليها هي قضية متعلقة بعلم الحديث والتصحيح والتضعيف. الآن هذا الحديث ما فيه نقاش لأنه متفق عليه. شوف هنا دقيق العيد يعلمك منهجًا؛ قبل ما تبدأ في المسائل الأصولية ومحاولة فهم الاختلاف والترجيح والجمع، أولًا ثبت صحة النص. الحديث الأول متفق عليه، لا أحد يناقش في صحته، النقاش هو في الحديث الثاني لأنه ليس حديثًا متفقًا عليه، ولم يروه البخاري ومسلم، إنما رواه أكثر أصحاب السنن.
الآن يقول ابن دقيق العيد: هذا الحديث فيه عدة إشكالات حديثية، وسنبدأ الآن بموضوع حديثي. هذا الحديث مضطرب من جهة السند ومن جهة المتن، هكذا يقول ابن دقيق. نبدأ الآن من جهة السند، طبعًا هو سيقول إنه فيه اضطرابات، لكنه يقول ستجد أن ابن دقيق العيد سيقول إن هذه الاضطرابات يمكن أن تُحل؛ سيعطيك طريقة ذهنية علمية في محاولة حل الاضطرابات، لكنه سيعود إلى تضعيفه وعدم الأخذ به من جهة معينة نتركها للأخير كمفاجأة.
خلينا الآن مع الاضطرابات المذكورة؛ قال نبدأ الاضطرابات في الحديث من جهة السند، قال هذا الحديث ورد من عدة طرق. قال الطريق الأول: من طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير، ثم بعد ذلك الوليد بن كثير اختلف عمن روى هذا الحديث؛ فقيل رواه من جهة محمد بن جعفر، وقيل لا، رواه من طرف محمد بن عباد. اختلفوا، أنه هناك أكثر من رواية؛ رواية أنه رواه عن طريق الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير، ورواية لا، أنه رواه عن طريق محمد بن عباد بن جعفر. فجعفر موجود هنا وهنا، بس جعفر في الطريق الأول محمد بن جعفر بن الزبير، وفي الطريق الثاني محمد بن عباد بن جعفر، ففي اضطراب عند الوليد بن كثير عمن روى هذا الحديث، هل عن هذا أو عن هذا؟
ثم يعلق قال: والاضطراب أحد أسباب الضعف. نحن أنا لست عارف من روى عن هذا أو عن هذا، لو كان كلاهما صحيحًا من الثقات هنا ليست مشكلة هذا الاضطراب، بيصير اضطراب بس بيسموه اضطرابًا لا يؤثر على الصحة. لو كان هذا ثقة وهذا ثقة، هل في مشكلة؟ هو في اضطراب بس بيسموه اضطرابًا غير مؤثر، لأنه كلاهما ثقة، سواء هذا ثقة ولا هذا، لكن إذا كان أحدهم ضعيفًا والآخر قويًا ونحن غير متأكدين هو روى عن هذا ولا عن هذا، لا، هذا سيكون اضطرابًا مخلًا.
الطريق الثاني: عن طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبي عبد الله بن عمر. ورواية أخرى رواية ابن إسحاق صاحب المغازي، لكن ابن إسحاق في عدة طرق عنه؛ الطريق الأول برواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر هذا. والرواية الثانية رواية ابن إسحاق عن الزهري، لكن الزهري رواه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، لكن ليس عن ابن عمر، عن أبي هريرة. وفي إسناد آخر عن ابن إسحاق عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر، يعني في طريق أخرى عن الزهري، بس الزهري عن مين؟ عن سالم عن عبد الله بن عمر. إذاً ابن إسحاق رواه عن الزهري من طريقين؛ الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة، والزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر. هنا حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن...
عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر. هنا أبو أسامة عن الوليد عن محمد بن جعفر، ومحمد بن عباد. طبعًا تكملة الحديث في الرواية السابقة، يعني في إسناد أبي أسامة إذا أردت تكملتها: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
هذا من حيث قال: هذه مجموعة من الإشكالات المتعلقة بالسند. نأتي الآن للإشكالات المتعلقة بالمتن. قال: اختلف في المتن، وفي إشكال ثالث سيأتي معنا، والأصل يوضع في السند.
قبل أن آتي لإشكال في المتن، هناك إشكال آخر، وأنا أفضل أن أقدمه قليلًا. إشكال آخر متعلق بالسند، وهو أن هذا الحديث اختلف في رفعه وفي وقفه. هذا الحديث فيه مشكلة أخرى من حيث الإسناد، أنت تعتبرها مشكلة سندية، أنه اختلف أيضًا: هل هو مرفوع أم موقوف؟
فحماد بن سلمة رواه عن عبيد الله بن عمر عن ابن عمر مرفوعًا عن النبي ﷺ. خالفه هناك رواية أخرى ولم نذكرها هنا، وهي حماد بن زيد؛ حماد بن زيد روى عن نفس هذا الشخص، عن عاصم بن منذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر موقوفًا. يعني أنت عندك هنا هذا الطريق لم نذكره.
حماد بن زيد روى عن نفس هذا الشخص، عن عاصم بن منذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر موقوفًا وليس مرفوعًا. إذًا الحديث فيه خلاف: هل هو مرفوع أم موقوف؟ ورواه أيضًا إسماعيل بن علية عن عاصم بن منذر، هذا أيضًا عن رجل ما، ومن هو؟ لم يقل أحد، قال عن رجل وأبهمه، عن عبد الله بن عمر موقوفًا أيضًا. إذًا الخلاف الثاني في جهة هل هو موقوف أو مرفوع؟
الخلاف الأول من جهة السند، والخلاف الثاني من جهة المتن. الخلاف في لفظة "القلتين"، فيقول هنا: واختلف في المتن. ففي رواية حماد بن سلمة وردت: «إذا بلغ الماء قلتين»، كما هي عندكم في رواية حماد بن سلمة. وقيل: «قلتين أو ثلاثة». وفي رواية أخرى: «إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثًا» على الشك. وروي حديث من وجه آخر غير هذا الوجه فيه "أربعون قلة"، وآخر من وجه آخر: «إذا بلغ الماء قلتين»، إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاث.
هناك فرق بين «إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاث» وبين «إذا زاد الماء عن قلتين أو ثلاث». طبعًا التي هي الحد المساو؛ إذا كان قلتين نقول «إذا بلغ قلتين»، فالقلتان داخلات. إذا زاد عن قلتين صاروا قلتين مع الذي تحت، وليس مع الذي فوق. فبقولك القلتين فيها روايات كثيرة.
بعد أن ذكر كل هذه المشاكل في المتن من جهة لفظ القلتين، والمشاكل التي في السند من جهة اختلاف الرواة وتباينهم، ومن جهة هل هو مرفوع أو موقوف، أعطانا منهجًا علميًا، وهذا هو هدفي منه. نحن الآن في مستوى قد تقول فيه: أنا يا شيخ والله سندخل الآن في القضايا الحديثية، لكن أنا أريد أن أعطيك منهجًا علميًا حتى تعرف كيف تناقش الأمور وتعرف في النهاية.
إن قضية ترك المذهبية، والذهاب إلى أنك أنت نفسك كطالب مبتدئ تمسك "عمدة الأحكام" وتبدأ تأخذ منه الأحكام، هذا نوع من الوهم الذي تعيشه أو يعيشه البعض؛ الظن أن القضية سهلة. أنا فعلًا متعمد اليوم أن أطيل، لأني أريد أن أوصل رسالة إليك؛ أنه على الأقل، بجوز ما تفهم كثيرًا من الكلام الذي يقال، لكن ستعرف أن أمر الدين عظيم، وأنه ربما لست بقدر هذا الكلام، ولا حتى كثير من مشايخي الذين يتكلمون بالترجيح، وأن القضية قضية كبيرة جدًا؛ قضية الاستنباط الأصولي والجمع بين الروايات والأحاديث وطرق الفهم.
يقول: «وهذه الوجوه التي ذكرناها، كلام ابن دقيق العيد، قال: يمكن على طريقة الفقهاء أن يسلك فيها طريق يفضي إلى التصحيح، يعني ممكن نعمل خطوات معينة؛ نجمع ونشيل ونحط، لنصل إلى أن الحديث لا يمكن تصحيحه». كيف؟ قال: «وهو أن ينظر إلى هذه الاختلافات الواقعة إسنادًا ومتنًا، فيسقط منها ما كان ضعيفًا». يعني نرى هذه الطرق، الطريق الضعيف نحذفه، ونحافظ على الطريق الصحيح. هل كل هذه الطرق صحيحة وفي نفس القوة؟ وإذا كانت في نفس القوة، فهل يمكن الجمع بينها أصلًا؟
يقول: «وأن يكون الحديث تعددت مخارجه، فيسقط منها ما كان ضعيفًا، إذ لا يعلل القوي بالضعيف». يعني لا يصير حديث له طريق قوي وطريق ضعيف، فأقول خلص الحديث كله ضعيف لأنه أحد طرقه ضعيفة؛ لا يصير أعلل، أي أضعف القوي بسبب وجود طريق ضعيف، وإلا على هذا الكلام حديث «إنما الأعمال بالنيات» سيكون ضعيفًا.
«وينظر فيما رجاله ثقات، فما وقع في بعضه شك طرح، وأخذ ما لم يقع فيه شك من رواية، وما وقع فيه من اختلاف يمكن الجمع فيه جمع». يعني بعض أنواع الاختلافات في السند يمكن الجمع فيها، مثلًا نقول: عبيد الله بن عبد الله بن عمر روى مرة عن والده ومرة عن أبي هريرة، فهل في هذه مشكلة؟ هذا لا يكون ضعفًا.
قال: «وما وقع فيه من اختلاف يمكن الجمع فيه جمع». كالمثال الذي فيه من جهة إسماعيل بن علية؛ رواية إسماعيل بن علية عن عاصم بن المنذر كانت عن رجل عن عبد الله بن عمر، فهذا الرجل يمكن حله، وهو نفسه عبيد الله بن عبد الله بن عمر ابنه، وقد ذكر منصوصًا في الروايات الأخرى، فحللنا المشكلة. فمثلًا يقول: «كالرواية التي فيها من جهة إسماعيل بن علية عن عاصم عن رجل لم يسمه، فإنه يمكن أن يكون ذلك الرجل الذي لم يسمه في هذه الرواية هو المسمى في غيره، الذي هو عبيد الله بن عبد الله».
وما كان من اختلاف مثلًا لم يضر أيضًا، لم يعلل به؛ أي لا يقول الحديث فيه علة إذا كان في نوع من الاختلاف في بعض الأسماء، مثلًا إذا كان محمد بن جعفر ومحمد بن عباد، وكلاهما ثقة، هل هذا اختلاف يضر؟ برضه ما يضر. لاحظ أنه نفسه مثل به، قال: «كالاختلاف بين محمد بن عباد ومحمد بن جعفر، فإنه إن كان الحديث عنهما معًا، فممكن يكون الوليد سمعه من الاثنين أصلًا، فقد أمكن الجمع». وإن كان اضطرابًا من الرواة، فالاحتمال الثاني الذهني، والحديث عن...
أحدهما مع جهالة عينه، فإن كانا معًا ثقتين، هذا ثقة وهذا ثقة، ما ضر الخلاف؛ لأن كيفما انقلبنا انقلبنا إلى ثقة عدل، ولا يضر الجهالة، هو هذا هو العدل ولا هذا، ما هو كلاهما عدل، فهذا اضطراب زي ما قلنا غير مؤثر. وكذلك يقال في الاختلاف الواقع بين عبيد الله بن عبد الله، وفي بعض الروايات عبد الله بن عبد الله بن عمر، في رواية طلعت كمان مش سالم عن عبد الله، في رواية طلع فيها عبد الله بن عبد الله بن عمر، ولعلها قد تكون رواية سالم، يحتاج إلى نظر. لماذا باختصار؟ إما سواء عبيد الله بن عبد الله، ولا حتى رواية مثلًا الزهري عن سالم، طب ما هو سالم بن عبد الله بن عمر، أو عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ما هو كلاهما ثقات، مش مشكلة عندي.
قال: وأما الاختلاف الواقع في الرفع والوقف، فإن صح إنه فعلًا في خلاف في الرفع والوقف، بأن كان كلا الطريقين صحيح، المرفوع والموقوف، قال: فإن صح الرفع يقدم على ما قرره أهل الأصول إذا صح طريقه. قال: فهذا طريق يمكن أن يذكر فيه التصحيح على طريقة الفقهاء والأصوليين. فإذاً هو ماذا يعطيك منهج هون؟ أنه هذا الحديث أنت بدك تطلع للإشكالات في إسناده قصة، والإشكالات في المتن برضه فيها قصة. فهل مجرد وجود إشكالات واختلافات وتبينات يجعلك تطرح الحديث؟ يقولك لأ.
أنت كفقيه مطالب أنك تحاول، كفقيه بتعرف علم الحديث طبعاً، تحاول تحل الإشكالات هذه، أنك تشوف الطريق الصحيح الثبت والطريق الضعيف ما يؤثر على القوي، إذا كانت اضطرابات لا تؤثر على الصحة، الاثنين والله ثقة. يعني تحاول تحل، ما بيصير تستعجل في التضعيف لمجرد وهم وجود اضطراب سريع، أو والله وهم أنه مرفوع أو موقوف ولعله موقوف، يا أخي إذا صح المرفوع يثبت مرفوع، إلى غير ذلك من الطرق. هو بس بيعلمك المنهج إذا كنت تحسن التعامل بين الروايات.
ولذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني يقول... لا عفواً ليس لابن حجر. وإذاً هنا في كلام عن ابن حجر والزيلعي، أبدأ بكلام ابن حجر. ابن حجر يقول بعد أن ذكر الحديث: «وقد أطنب الدارقطني في استيعاب طرقه، ووجد ابن دقيق العيد في الإمام تحرير الكلام عليه». بدك هذا الحديث الآن هنا كل الكلام اللي ذكره ابن دقيق العيد في شرح الإلمام هذا مختصر فقط، وإلا ارجع لكتاب الإمام لابن دقيق العيد، مسك هذا الحديث فصله تفصيل تفصيل، رجلاً رجلاً؛ لأنه ابن دقيق العيد مجتهد مطلق في الحديث، في الرجال، في الفقه، في النظر، يعني هو يقولك لا يقل مرتبة عن ابن تيمية علماً ونظراً ودراية وفهماً.
فلذلك ابن حجر يقولك ابن دقيق العيد ما قصر في تحليل هذا الحديث. كذلك الزيلعي الحنفي في نصب الراية يقول: «وقد أجاد الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في كتاب الإمام جمع طرق هذا الحديث ورواياته واختلاف ألفاظه وأطال في ذلك إطالة». تلخص منها، طيب شو الخلاصة؟ يعني الآن اللي بيسمع كلام ابن دقيق يظن إنه إيش؟ إنه خلص هو يرى إنه يمكن إنه يعدل الحديث ويصوب، لا. ولم يأخذ بالحديث، تلخص منه تضعيفه له، فلذلك أضرب عن ذكره بعد أن ذكره في الإمام، أضرب عن ذكره في كتاب الإلمام ما ذكره؛ لأنه رأى أن الحديث لا ينبغي العمل به، حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»، قال: مع شدة احتياجه إليه.
وأنا أذكر ما قاله ملخص المحرر. المهم، ونقل الحافظ ابن حجر في كتابه التلخيص الحبير ما نقل عن ابن دقيق العيد، فقال ابن دقيق: «هذا الحديث حديث: ﴿إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ﴾ لم ينجسه شيء، قد صححه بعضهم، قال: وهو صحيح على طريقة الفقهاء». صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كان مضطرب الإسناد مختلفاً في بعض ألفاظه، فإنه يجاب عنها بجواب صحيح، بأنه يمكن الجمع بين الروايات، ويرى على طريقة الفقهاء كل هذه الإشكالات يمكن حلها، ولكني تركته.
لماذا؟ قال: لأنه لم يثبت عندنا بطريق... اه هنا مفاجأة ابن دقيق العيد، لم يثبت عندنا بطريق استقلالي يجب الرجوع إليه شرعاً تعيين مقدار القلتين. هذه كل مشكلة ابن دقيق، إنه يقول لك كلمة القلتين كلمة مبهمة، ما مقدار القلتين؟ ما حدا عنده معرفة. طيب يا ابن دقيق العيد مش القلتين هنا في قلال هجر؟ حتى ما يعني أثقل على الإخوة الذين يتابعون، هو بعث هذه المسألة: هل فعلاً القلتين هي قلال هجر؟ وبالتالي كما تقولون يا حنابلة وشافعية والجمهور أنه القلتين هي 191 لتر، ويرى أن لفظة قلال هجر هذه لفظة لم تثبت عن النبي ﷺ، وإنما هي اجتهاد من بعض رواة الحديث أن القلتين هي بقلال هجر. وأنا كابن دقيق أو كأي واحد مجتهد هو غير ملزم بتفسير بعض رواة الحديث من المتأخرين لأن القلة هنا بقلال هجر.
بس طبعاً الجمهور لهم يعني وجهة نظر يقولون القلة يجب أن تكون مدركة في زمن الصحابة، يعني تمام ما دام النبي ﷺ عبر بالقلة، يعني خليني حتى آتي لك باللفظ الآن، خش راح آتيك بكلام ابن دقيق في كتابه شرح الإلمام يقول: «فإن قلت ما ذكرتموه أي من العلل يقتضي انتفاء العمل بالحديث من جهة عدم العلم بقدر القلتين، ولا يجوز على النبي ﷺ أن يعلق الحكم: ﴿إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ﴾ لم ينجسه شيء على أمر لا يبين ما هو، ما هي القلتان؟» قلت يقول ابن دقيق: هذا صحيح، لا بد منه إن كان الحديث صحيحاً.
يعني ما ذكرتموه من انتفاء العمل بالحديث من جهة عدم العلم بمقدار القلتين، شو يقول ابن دقيق العيد؟ كلامكم صحيح، ينتفي العمل بهذا الحديث ليس من جهة المشاكل السندية والمتنية بل من جهة عدم العلم بمقدار، بس ايش؟ يقول: هذا صحيح إذا أنت كنت ترى الحديث من حيث السند ثابت عن النبي ﷺ. إن كان الحديث صحيحاً عن النبي ﷺ، شوف الكلام الغريب اللي أنت ممكن تستغربه، يعني بقول لك: إن كان الحديث صحيحاً سنده عن النبي ﷺ، ووصلت أنت لقناعة أنه من الجهة الحديثية ثابت عنه، فإنك لن تعمل به. إيه؟ إذا كنت أنا ما أعتقد أنه ثابت عن النبي ﷺ لن أعمل به، كيف؟ قال: لن تعمل به لأنك لا تعرف ما مقدار القلتين.
نكمل. قال: ولا بد وأن يكون إذا كنت تعتقد ثبوته عن النبي ﷺ لا بد أن تعتقد شغلات معينة، وهي إيش؟ قال: لا بد وأن يكون النبي ﷺ بينه بين القلتين لبعض الصحابة اللي سمعوا الحديث.
وليس يلزم من بيانه مقدار القلتين للصحابي الذي سمع الحديث وصول ذلك البيان إلينا؛ لأنه قد يكون الصحابي لم ينتبه أن ينقل لنا التفسير أو الشرح النبوي، فتكون الجهالة بالمقدار للقلتين بالنسبة إلينا نحن، لا من جهة كون النبي عليه الصلاة والسلام لم يبين ذلك في الأصل وتكلم بكلام غير مفهوم للصحابي، لا يمكن، فالمشكلة أن الصحابي الذي فهم مقدار القلتين لم ينقل هذا الفهم إلينا.
قال: وقد جاء في علم الأصول التوقف عند التعادل في نظر الناظر. يعني يقول: ما أحد يلومني؛ لأنه في علم الأصول مر معنا أنه إذا كان الحديث سنده صحيحًا لكن لم يعرف له وجه، يجب الوقف فيه. أو حديثين تعارضا كلاهما صحيح ولم يعرف وجه جمع، مش قلنا يجب التوقف فيهما والبحث عن المسألة في مكان آخر؟ فلا تقل لي كيف حديث أعتقد ثبوته أتوقف عن العمل به، لأن هذا له نظائر في الأصول، أنكم تقولون الأحاديث الصحيحة المتعارضة التي لا يعرف وجه الجمع فيها يتوقف عن العمل فيها ونبحث عن الحكم في مكان آخر، المسألة مسألة منهجية علمية وليس هذا بقادح في الأحاديث النبوية، فهمتم الآن ماذا يدافع؟
طبعًا تبقى قضية أنه هل فعلاً الصحابة لم ينقلوا لنا هذا الفهم؟ وهل فعلاً راوي الحديث فسر القلال بقلال هجر باجتهاده؟ هذه كلها نقاط تناقش مع ابن دقيق العيد. لذلك الخطابي ماذا يقول؟ يقول الخطابي بعد أن نظر: «وكفى شاهدًا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به، وهم القدوة، وعليهم المعول في هذا الباب».
يعني إذا كان أحمد بن حنبل عمل في هذا الحديث ومشى عليه، وإذا كان الشافعي عمل بهذا الحديث ومشى عليه، وهؤلاء أئمة وأقمار ونجوم ومعروفون برواية الحديث، فهذا يعطي ثقلًا ووزنية لتفسير القلتين بقلال هجر، وبالمقدار الذي وضعوه للقلتين وهو 191 لترًا. وقول ابن دقيق العيد يبقى اجتهادًا لعالم كبير جليل يحترم، وإن كان ابن دقيق العيد يرى نفسه مجتهدًا مطلقًا، وبالتالي له أن ينافس الكبار ويرى، وهذا حق، فمن يقرأ كلامه يعرف أنه مجتهد مطلق ولو في هذا الرأي، لكن في النهاية نحن إلى ماذا نميل الحقيقة؟ أنا أميل كوني أتباعًا للمذاهب، أحمد بن حنبل والشافعي، ولست أنت عفواً مجتهدًا مطلقًا في مرتبة ابن دقيق العيد، الأصل أن تتبع الأئمة الكبار كما سماهم الخطابي النجوم الأوائل، الذين أكثرهم أخذ بهذا الحديث وعمل على مقتضاه وأخذ بتفسير القلتين بأنها بقِلال هجر.
فنحن نجل ابن دقيق العيد في هذا المقام والبحث العميق العالي جدًا، ولكن هل نوافق على عدم الأخذ بالحديث بسبب عدم تفسير قِلال هجر ولا نتبع تفسير الأئمة المتقدمين الذين قبل ابن دقيق العيد للقلتين بأنها قِلال هجر؟ نتبع تفسيرهم، فهم القدوة في هذا الباب، وأعلى وأحكم وأقرب إلى جيل الصحابة من ابن دقيق العيد، مع بقاء كلام ابن دقيق العيد كلامًا له وزنيته، واضح؟
فهذا كله كلام عن هذا الحديث إسنادًا ومتنًا ونقاشًا وقبولًا وردًا، ونحن عرفنا أن ابن دقيق العيد يرى أنه لا يقبل، لكن في بحثنا الآن هو لا يلزمك برأيه، هو سيتكلم بناءً على أنه قُبل وسيعطيك كيف ستتعامل معه كشافعي كحنفي وقس على ذلك. اللهم يسر لنا.
نذهب نقرأ من الأحكام، نعود الآن إلى كتاب الأحكام؛ نعود إلى أحكام الأحكام أيها الكرام بعد هذه الجولة السريعة مع الإلمام ومع بعض القضايا اللغوية والإسنادية والحديثية. نعود الآن لنبني، لأن الكلام في الأحكام لن يفهم بتمامه وحقيقته وإشكالاته حتى تفهم كثيرًا من المقدمات. يقول هنا ابن دقيق العيد رحمه الله في الأحكام: «الأول: الماء الدائم هو الراكد، وقوله الذي لا يجري تأكيد لمعنى الدائم أو كما قلنا توضيح وكشف»، نختصر المسافة مباشرة وجعل الدائم هو الراكد ولم يفرق بينهما، وهذا يسهل عليه في هذا المقام.
قال: «وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة في تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين، فإن الصيغة صيغة عموم»، يقصد بتنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين ولو لم يحصل تغير. قول الحنفية هنا عكس قول المالكية تمامًا. نأتي إلى الإمام الطحاوي ماذا نقل عنه ابن دقيق في كتابه شرح الإلمام؟ يقول الطحاوي الحنفي في مختصره: «وإذا وقعت نجاسة في ماء ظهر فيه لونها أو طعمها أو ريحها أو لم يظهر ذلك فيه فقد قليلًا كان الماء أو كثيرًا، قال: إلا أن يكون جاريًا أو حكمه حكم الجاري كالغدير»، وذكر التفاصيل.
إذًا الذي نقله عن المذهب الحنفي ما هو؟ أن الماء سواء كان قليلًا أو كثيرًا ينجس بالملاقاة، طبعًا بالإجماع ما لم يصبح مستبحرًا، هذه مسألة إجماعية، ما لم يصبح مستبحرًا كثيرًا لهذا لا يحتاج إلى تغير، ممتاز، ففي استثناء بإجماع الجميع أنه المستبحر مش داخل معنا.
يقول: هذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة في تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين؛ لماذا؟ قال: لأن الصيغة فيه صيغة عموم، قال: ﴿لَا يُبَوِّلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ﴾، الماء هنا أل الاستغراقية، يعني في كل ماء دائم، في كل ماء ما دامت أل الاستغراقية، والتقدير في كل ماء، إذًا هذا يشمل الأقل من قلتين والأكثر من قلتين. طيب، حديث ابن عمر: «إذا بلغ الماء قلتين»؟ قالوا لم يؤخذ به الحنفية.
الحنفية لم يأخذوا بحديث القلتين أصلاً على الكلام الذي ذكره هنا، قد يكون بعض الحنفية، مدرسة كبيرة الحنفية، لكن نحن نشرح على المادة الموجودة عندنا، فالحنفية لم يأخذوا بحديث القلتين، وهم كأنهم وافقوا ابن دقيق العيد في ماذا؟ في رده، مش ابن دقيق العيد رده؟ هذا رأيه، الحنفية ردوا هذا الحديث وأخذوا بعموم ﴿لَا يُبَوِّلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ﴾، التقدير: لا يبولن أحدكم في كل ماء.
شوف الآن طريقة التفكير هذه، بنيت على أن حديث القلتين ضعيف وأن هذا الحديث فيه عموم فيشمل القليل والكثير، فلما ينهاك النبي عليه الصلاة والسلام عن مجرد البول، ما قال لك إذا تغير ولا ما تغير، ما علق الموضوع على كل التغير، لما نهى عن مجرد البول في الماء الدائم الذي لا يجري، قليلًا كان أو كثيرًا، فدل هذا على أن الماء القليل أو الكثير ينجس بمجرد الملاقاة، هكذا فهم الحنفية المشهد.
القول الثاني، قال: وأصحاب الشافعي، الآن نريد أن نرجع للحديثين المتعارضين، ليش الآن قدمت كل هذه المقدمة؟ عشان نعرف أنه حديث «إذا بلغ الماء قلتين» هناك من يضعفه ويرده. الرأي الثاني، رأي الشافعية والحنابلة، أن هذا الحديث مقبول، وسنعتمد الآن طريقة التخصيص للعمومات.
قال: وأصحاب الشافعي يخصصون هذا العموم في حديث «لا يبولن أحدكم في الماء». العموم الذي في كلمة الماء بماذا؟ يخصصون هذا العموم ويحملون النهي على ما دون القلتين. فكلمة الماء في حديث «لا يبولن أحدكم» مخصوصة بما دون القلتين؛ لحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء».
طبعًا نحن بدنا نتفق إخواني أن الكلام هنا في حالة ماذا؟ عند الحنابلة والشافعية في حالة عدم التغير. الكلام الآن في حالة عدم التغير. فيقول: لا يبولن أحدكم في كل ماء دائم. كلمة الماء يجب أن تخصص بحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء». فحديث القلتين جعل كلمة الماء في الحديث الأول مخصوصة بما دون القلتين.
قال: وعدم تنجيس القلتين فما زاد، قال: إلا بالتغير. هذا سيكون مأخوذًا من حديث القلتين. فأصبح عندنا قاعدة تخصيص العموم؛ فيحمل هذا الحديث العام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، في النهي على ما دون القلتين، جمعًا بين الحديثين. فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما إلا بالتغير، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه: «لا يبولن أحدكم». والخاص مقدم على العام، إذاً هي قضية تخصيص عموم، وأظنها واضحة.
قال: ولأحمد طريقة أخرى. الآن هنا راح يناقش قول الحنابلة؛ قول أكثر المتقدمين والمتوسطين من الحنابلة، والآن أنت راح تعرف مأخذهم. الرواية التي اعتمدها أصلاً صاحب زاد المستقنع الحجاوي، في أن بول الآدمي وعذرته تنجس بمجرد الملاقاة، سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً.
نحن الحنابلة المعتمد قول الشافعية عندنا، لكن هناك رواية أخرى قال ابن تيمية هي قول أكثر المتوسطين، وقال الزركشي بل وحتى أكثر المتوسطين، وهي التي ذكرها صاحب الزاد؛ وهي أن الماء الذي دون القلتين ينجس بالملاقاة، هذا متفق عليه، لكن الذي أكثر من القلتين فأكثر، إذا كان تنجيسها بول الآدمي وعذرته، فهذا برضه ينجس بالملاقاة ولا يحتاج إلى تغير. وأما إذا كان تنجيسه بغير بول الآدمي وعذرته، فهذا الذي يحتاج إلى تغير.
هذه رواية أخرى تقوم على أن بول الآدمي وعذرته في القلتين فأكثر برضه ينجس بالملاقاة. مأخذ هذا القول، الذي هو قول أكثر متقدمي الحنابلة وأكثر متوسطي الحنابلة، هو هذا الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه».
قال: ولأحمد طريقة أخرى، وهي الفرق بين بول الآدمي وما في معناه، من عذرته المائعة، وبين غير ذلك من النجاسات. فماذا قالوا في هذه الرواية؟ فأما بول الآدمي وما في معناه من عذرته المائعة فينجس الماء بمجرد الملاقاة، وإن كان الماء قلتين فأكثر. وأما غير بول الآدمي وعذرته المائعة من النجاسات فيعتبر فيه القلتان؛ أي أنه إذا كان أقل من قلتين ينجس بالملاقاة، وإذا كان قلتين فأكثر لازم يغير.
بس طبعًا لازم نقيد أنه بول الآدمي وعذرته في القلتين فأكثر إنما يعتبرونه ينجس بالملاقاة ما لم يكثر بحيث يشق نزحه كمصانع طريق مكة؛ لأنه إذا كان الماء كثيرًا جدًا الذي وقع فيه بول الآدمي وعذرته، بحيث يشق نزحه وتنظيفه، قالوا هنا يعفى عنه ونحكم بأنه لا ينجس إلا بالتغير. ويمثلون لها بمصانع كانت على طريق مكة زمان، والله أعلم بها. بس هذا استثناء، هو قد لا يهمك هنا لكنه استثناء جيد أن تعرفه، أنه حتى هذه الرواية إذا أصبح الماء كثيرًا جدًا ووقع فيه بول الآدمي وعذرته، الضابط بحيث يشق نزحه وإصلاحه، قالوا هنا يعفى عنها ولا ينجس إلا بالتغير، بس هذه على الهامش.
قال: الآن بدي أفكر ابن دقيق العيد، ما مأخذ هذا القول عند المتقدمين والمتوسطين؟ لأنه أيام ابن دقيق العيد المرداوي ما كانش موجود، بالتالي كان هذا هو القول الذي يظهر أنه الأكثر قبولًا عند الحنابلة، عشان هيك هو عم يبحثوا الآن.
قال: «وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي». هذا الحديث يتكلم عن البول بالتحديد: «لا يبولن»، فهو خاص في نوع معين من النجاسة وهو البول. وحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» أو «لم يحمل الخبث»، هذا عام في كل النجاسات.
إذًا أيها الكرام، الحنابلة الآن على هذا الرأي تمامًا، مقابل الشافعية على الرأي ذاك. الحنابلة رأوا أن حديث «لا يبولن» يخصص عموم حديث القلتين من جهة النجاسات؛ فهو يقول: وكأنه رأى أن الخبث المذكور في حديث القلتين عام بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فيقدم الخاص على العام بالنسبة إلى النجاسات الواقعة في الماء الكثير.
ويخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في القلتين فصاعدًا لخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النجاسات فيما فوق القلتين. ويلحق بالبول المنصوص عليه ما يعلم أنه في معناه من عذرته المائعة. إذًا هنا عندنا مسألتان أصوليتان نحتاجهما: المسألة الأولى تخصيص العموم، والمسألة الثانية القياس بمعنى الأصل؛ لأننا قلنا البول هو المنصوص، طب العذرة المائعة؟ قالوا هذا قياس بمعنى الأصل وقياس بنفي الفارق، وهو عالٍ جدًا.
قال: واعلم أن هذا الحديث لا بد الآن أنا حقيقة سأعود إلى تخصيص العام عند الحنابلة هنا، لكي نعمل الفرق بينه وبين الشافعية. دعوني أبدأ الآن أرسم الأمور حتى تفهموا الاختلافات بين العلماء في تخصيص العموم. الآن أيها الكرام، هذا تطبيقه للقاعدة الأصولية مباشرة. نقول الحديث الأول: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، هو عام من جهة الماء، كلمة الماء تشمل الأقل من قلتين والأكثر من قلتين والقلتين، لكنه خاص من حيث النجاسة لأنه يتحدث عن البول: «لا يبولن»، لم يتحدث عن نجاسة أخرى. والمقابل حديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء».
هو خاص من جهة الماء لأنه يتكلم عن قلتين فصاعدًا من حيث المنطوق، لكنه عام من جهة حديثه عن النجاسات؛ لما قال: «لم ينجسه شيء»، أي شيء من النجاسات سواء بول أو كلب أو خمر، أي نجاسة من النجاسات.
الآن، مقتضى الحديث الأول أن البول، هذه النجاسة بالتحديد، إذا وقعت في أي ماء أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، تنجس بمجرد الملاقاة؛ لأن الموضوع لم يقيد بالتغيير، فينجس بمجرد الملاقاة. ومقتضى الحديث الثاني أن الماء القلتين فصاعدًا فقط، إذا وقعت فيه أي نجاسة ومنها ضمنيًا البول، لا ينجس بالملاقاة، بل لا بد من تغيير.
فالآن عندي هذا الحديث عام من وجه وخاص من وجه، يعارضه حديث آخر عام من وجه وخاص من وجه. وهذا ما قصده ابن دقيق العيد في شرح الإلمام لما قال: «إن قاعدة العام من وجه والخاص من وجه سنحتاجها كثيرًا في هذا الحديث». هناك تعارضات كثيرة بين هذا الحديث وهذا الحديث من هذا النوع، وليس فقط هذا، بل في أكثر من تعارض سيأتي معنا.
فالحنابلة ماذا اختاروا؟ قالوا لا يمكن أن نجمع، فنخصص هذا العموم بهذا الخاص، وهذا العام بهذا الخاص. الأصل الآن أن نحاول، لكن لن يصلح، فلا بد من أن نرجح أحد التخصيصين؛ إما أن نرجح هذا العام بهذا الخاص، أو نرجح هذا العام بهذا الخاص، فاختاروا أحد الأمرين.
فهم ماذا اختاروا؟ اختاروا أن يجعلوا هذا العام مخصوصًا بهذا، فقالوا: حديث «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء» هذه لازم نخصصها بتقدير: «إلا البول». هكذا أصبح المعنى لديهم: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء بالملاقاة -لأنه الكلام عن الملاقاة- إلا البول. وهذه البول من أين أتينا بها؟ من الحديث الذي في الأعلى، وطبقنا قاعدة أخرى وهي القياس بنفي الفارق، فقالوا: ومثل البول العذرة المائعة، والغائط المائع. هكذا فعل متوسطو ومتقدمو الحنابلة.
أما الشافعية فقالوا: لا، لا نريد هذا الاستثناء، بل يبقى هذا العام على عمومه ولن نخصصه بهذا الخاص. بل سنقول: حديث «لا يبولن أحدكم في الماء»، الذي يدل بعمومه على أن البول ومثله سائر النجاسات تؤثر في الماء أقل من قلتين أو أكثر من قلتين ولو لم يتغير، هذا العموم نخصصه بهذا الخصوص وهو أن الماء القلتان فصاعدًا يخصص هذا العموم، فيكون هذا العموم فيما هو أقل من قلتين.
هذا العموم مخصوص بهذا، فيكون التقدير: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم -لأنه ينجس بالملاقاة، ليس هكذا التصور الذهني- ثم يغتسل فيه، يكون المراد بالماء الدائم الذي هو أقل من قلتين. من أين خصصتم أنه أقل من قلتين؟ قالوا بهذا الحديث؛ لأنه يقول بماذا: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء»، وهذا الحديث مفهومه أن الماء الأقل من قلتين هو الذي ينجس بالملاقاة، سواء بملاقاة البول أو غير البول. فرأوا أن البول ذكرها هنا ليس له مفهوم، وأن مثلها مثل سائر النجاسات، ولكن الذي دخله التخصيص هو كلمة الماء؛ أن الماء هنا جاءت تحمل أقل من قلتين وأكثر، قالوا نخصصها بالأقل من قلتين، والسبب هو الحديث الآخر: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء». طبعًا هذه وجهة نظر الشافعية، وهي وجهة نظر الحنابلة في المعتمد، أصبحت هي وجهة نظر الحنابلة في المعتمد من المذهب.
واضح إخواني؟ طيب، خليني الآن. يقول: «واعلم أن هذا الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص أو بالتقييد». يعني هذا الحديث لا يمكن أن يبقى على عمومه الكامل الشامل بكل الأحوال، لا يمكن. لماذا؟ يقول ابن دقيق في الأحكام: «لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير -مثل مياه البحار أو المياه الضخمة- لا تؤثر فيه النجاسة». فلا يمكن أن يكون حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» المراد به مياه البحار، وإن كان ممكنًا أن نقول إن مياه البحار ممكن نقول جارية، أو اعتبرت ماءً مستبحرًا دائمًا، ليس عندي مشكلة، اعتبرت ماءً مستبحرًا مسافة ثلاثمئة كيلو، بركة ضخمة جدًا خلقها الله في العالم، موجود، ممكن مثل البحر الميت أو ما شابه ذلك.
فيقول لك: هذا الحديث لا بد أن يكون فيه شيء من التخصيص؛ لأنه لا يمكن أن نقول: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» محمول حتى على الماء المستبحر زي البحر الميت، ما في مشكلة لو بلت في البحر الميت مثلًا. قال: «لأن الاتفاق واقع على أن البحر المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع أيضًا على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله»، هذا باتفاق الجميع، على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، قليلًا كان أو كثيرًا، بالبول أو بغير البول من النجاسات.
فنبدا الآن بالمالكية، قال: «فمالك إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير». الآن نحن قلنا ما رأي المالكية؟ هو جيد أن تعرف أقوال المذاهب حتى تفهم ما النقاش؛ المالكية يرون أن أقل من قلتين وأكثر من قلتين لا ينجس إلا بالتغير، وهو رأي ابن تيمية. فيقول: فمالك إذا حمل النهي في هذا الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» على الكراهة، لماذا؟ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير ولا ينجس بالملاقاة، فلا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة عن الحكم بالكراهة ثمة، فإن الحكم ثمة بالتحريم. فإذاً لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل، حتى عند المالكية.
شوف الحنفية، نحن عرفنا ما مذهبهم؛ أنه الماء قليلًا كان أو كثيرًا ينجس بالملاقاة. بالتالي عند الحنفية، حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» هو المعمول فيه، وحديث القلتين قلنا لا يعمل به الحنفية، لكن بماذا سيخصصون الحديث؟ بالمستبحر؛ فالمستبحر عند الحنفية لازم يكون مستثنى.
عند المالكية ماذا سيكون وجه التخصيص في الحديث؟ المالكية حملوا الحديث على الكراهة وقالوا: «لا يبولن» ليس نهي تحريم وإنما نهي كراهة، حتى لو قلتم إنه نهي كراهة لن يبقى على عمومه.
يكره البول في الماء الدائم سواء كان أقل من قلتين أو أكثر من قلتين. هم الذين اعتبر المالكية قالوا: لا، لن يؤثر هذا الحديث على هذا الحديث، نحن لا نأخذ به في هذا الموضوع. لماذا؟ لأنه هذا الحديث خلص على عمومه: يكره البول في الماء الدائم، أقل من قلتين أو أكثر من قلتين.
ومن قولهم أيضًا، ستأتي عندكم مشكلة في الماء إذا تغير بالنجاسة، سواء كان أقل من قلتين أو أكثر من قلتين؛ هل سيكون النهي عن البول فيه للكراهة أم للتحريم؟ إذا كان البول علمتم أنه سيؤدي إلى التغيير، هل البول في الماء الدائم -سواء أقل من قلتين أو أكثر من قلتين- سيبقى عندكم للكراهة أم سيصبح للتحريم؟ قالوا: لا، سيصبح للتحريم.
إذاً هذا الحديث برضه عندكم مخصوص. مخصوص إذا قلتم إنه محمول على الكراهة، سيكون مخصوصًا بماذا؟ يكره البول في الماء الدائم الذي هو أقل من قلتين أو أكثر من قلتين إذا لم يغير، هذا تخصيص. وأما إذا غير، سيكون الحديث عندكم على التحريم.
إذاً الحنفية مضطرون لتخصيص هذا الحديث بالماء المستبحر للإجماع. والمالكية مضطرون لتخصيص هذا الحديث بالماء الذي لم يتغير، لأنه إذا تغير، سيخصصون الماء المتغير على المتغير، وسيكون على التحريم وليس على الكراهة. أما الشافعية، فأصل عملهم أنهم خصصوا عموم هذا الحديث تلقائيًا بماذا؟ بخصوص هذا الحديث وهذه الرواية المعتمدة عند الحنابلة. فلذلك بقولك هذا الحديث سيدخله التخصيص أو التقييد عند الجميع.
قال: فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا -وهنا في نسخة خطأ واضح، في نسخة أصفار- فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه، أي خرج عن هذا الحديث المستبحر الكثير جدًا بالإجماع. فيبقى ما عداه على حكم النص، فيدخل تحت هذا الحديث ما زاد عن القلتين؛ لأننا نحن أصلاً عرفنا أن الحنفية لا يأخذون بحديث القلتين، فهذا الحديث ليس من القلتين والأكثر والأقل فقط، ولكن بماذا خصصناه؟ فقط خرج منه الماء المستبحر الكثير جدًا.
ويقول أصحاب الشافعي: عند الشافعية في استثناءين؛ عندهم خرج الكثير المستبحر بالإجماع الذي ذكرتموه، فهو خارج من تحريم البول في الماء الدائم. وخرج أيضًا مقدار القلتين عند الشافعية ومعتمد الحنابلة، وخرج مقدار القلتين فما زاد بمقتضى حديث القلتين. ففي الشافعية والحنابلة قال: فيبقى ما نقص عن القلتين هو الداخل والمقصود في هذا الحديث عند الشافعية ومعتمد الحنابلة.
قول ضايقني: قول المتوسطين والمتقدمين من الحنابلة، ويقول: "من ينصر قول أحمد المذكور وهو المتوسطين والمتقدمين"، خرج ما ذكرتموه وهو المستبحر، نفس الشيء، سيكون قد خرج المستبحر من عموم «لا يبولن أحدكم»، وبقي ما دون القلتين داخلًا فيه على عموم النجاسات، وزائد برضه ما زاد على القلتين داخل فيه لخصوص البول؛ لأن الحديث يتكلم عن البول. إلا أن ما زاد عن القلتين مقتضى حديث القلتين فيه عام في الأنجاس، فيخصص ببول الآدمي.
فباختصار عندهم عند الحنابلة على قول المتوسطين والمتقدمين، هذا الحديث لماذا خُص؟ بالماء المستبحر، هذا المآل. لا، هذا المآل؛ لأنه الماء الذي أقل من قلتين والذي أكثر من قلتين على هذه الرواية لم يُخص منه شيء؛ لأنهم خصصوه بالبول. يعني هو مخصوص فقط الماء المستبحر، أما الماء الأقل من قلتين أو أكثر من قلتين لا، سيبقى على عمومه لأن البول الآدمي وعذرة المائع عند المتوسطين والمتقدمين تنجس بالملاقاة.
فهو طريقته: ما دون القلتين داخل. أنا أعتبرها شيئًا واحدًا، إن الحنابلة على هذا القول والحنفية اتفقوا على أن المستثنى هو فقط المستبحر، هكذا اتفقوا. وإذا لاحظتم، الحنابلة والحنفية اتفقوا على أن المستثنى ليس المخصوص فيه إلا المستبحر. الشافعية اعتبروا أن الاستثناء في شيئين: في المستبحر، وفي الذي زاد عن القلتين، فصاعدًا؛ في تخصيصين. والمالكية وين التخصيص عندهم؟ في المتغير؛ أن هذا ليس على الكراهة إلا إذا تغير فسيكون على التحريم، فهم حملوا الحديث على الكراهة، ولكن سيضطرون لإخراج صورة التحريم، فيقولون: التحريم فيما هو أقل أو أكثر سيؤخذ من حديث آخر وهو أحاديث التغير.
إذا فهمت الآن، أبيك تفهم كيف أن المذاهب الأربعة خصصت هذا الحديث بنوع من التخصيص. الحنفية والحنابلة -قول المتقدمين والمتوسطين- التخصيص بالإجماع، هذا مثال على تخصيص بالإجماع؛ على أن الإجماع على أن الماء المستبحر ليس داخلًا في هذا الحديث.
أما الشافعية، قالوا هذا الحديث يخص منه الماء المستبحر، بس عندهم يخص منه شيء آخر وهو ما زاد عن قلتين فصاعدًا، فالقلتان فصاعدًا ليستا داخلتين في هذا الحديث لأنها لا تنجس عندهم إلا بالتغير.
طب بقي المالكية، كيف خصصوا هذا الحديث؟ إنهم حملوا الحديث على الكراهة، فقالوا: لا يجوز البول في الماء الدائم قليلاً كان أو كثيرًا، بس عندهم مخصوص بإيش؟ إذا لم يتغير، هكذا معنى الكراهة. أما إذا كان البول يغير، فهذا خارج من هذا الحديث، وسيكون البول على الكراهة أم على التحريم؟ على التحريم بنصوص أخرى. فإذاً هذا الحديث برضه عندهم مخصوص بنصوص أخرى تدل على أن البول إذا كان سيغير فسيكون ليس على الكراهة بل على التحريم. إذاً المذاهب الأربعة كلها تخصص بطريقة ما.
قال: ولمخالفهم أن يقول: قد علمنا جزماً أن هذا النهي إنما هو لمعنى النجاسة وعدم التقرب إلى الله بما خالطها. الآن سيناقش قول متوسطي ومتقدمي الحنابلة؛ يقول: القول الذي يرى أن بول الآدمي وعذرته ينجس القلتان فصاعدًا بالملاقاة. فيقول: ولمخالف الحنابلة في هذا أن يقول: قد علمنا جزماً أن هذا النهي «لا يبولن أحدكم» إنما هو لمعنى النجاسة وعدم التقرب إلى الله بماء خالطها، صح؟ ما يصير تتوضأ بماء خالطته النجاسة. وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس؛ يعني كيف أنتم قلتم المشكلة فقط في الماء، في البول؟ فلا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى، فإن المناسبة لهذا المعنى -وهو التنزه عن الأقذار- أن يكون ما هو أشد استقذارًا من البول أوقع في هذا المنع وأنسب له.
ويقصد إيش هو؟ بول الكلب. يعني أنتم، سؤال: أيهما أشد سوءًا؟ بول الكلب والخنزير أم بول الآدمي؟ ستقولون بول الكلب والخنزير، فهل يعقل أن بول الكلب والخنزير يكون أخف؟ لأنه أنتم على كلامكم أن بول الآدمي وعذرته يؤثر في القلتين فصاعدًا ولو لم يغير، وأما بول الكلب والخنزير لا يؤثر في...
القلتين فصاعدًا إلا بالتغير. قال: «وهل هذا يعقل؟». فهمتم استشكال ابن دقيق العيد؟ كلام منطقي؛ أن يكون، فهل يعقل أن يكون ما هو أشد استقذارًا أوقع؟ فينبغي أن يكون ما هو أشد استقذارًا، اكتب، كبول الكلب والخنزير، أوقع في هذا المنع وأنسب له.
قال: «وليس بول الآدمي بأقذر من سائر النجاسات». بل قد يساويه غيره أو يرجح عليه مثل بول الكلب. قال: «فلا يبقى لتخصيصه، أي البول الآدمي، دون غيره، بالنسبة إلى المنع معنى». فيحمل الحديث على أن ذكر البول ورد فقط تنبيهًا على غيره مما يشاركه في معناه، يعني في علته، وهو الاستقذار شرعًا، ما يشاركه في علة النجاسة.
ذكر البول هنا تنبيه على ما يشاركه في ماذا؟ في علة النجاسة، وبالتالي عندنا أصبح مفهوم موافقة. فلا تقل لهما «أف»، مثلها إيش؟ لا تضربهما، نفس الشيء، لا يبولن. مثلها إيش؟ سائر النجاسات. طب مفهوم موافقة أولوية ولا مساوي؟ خلينا نقول مساوي في بعضها، وأولوية في بعضها. بالنسبة لبول الكلب، هذا مفهوم موافقة أولوية؛ إنه ما تخلي كلب يبول فيه ولا خنزير يبول فيه إذا كان بإمكانك تمنعه، ومساوي في بعضها. هذا معنى التنبيه هنا، مفهوم موافقة. اكتب عندك مثال على مفهوم موافقة كما يقول ابن دقيق العيد.
قال: «وأما مالك لا»، استنى خلينا نرجع شوي. قال: «فيحمل الحديث على أن ذكر البول ورد تنبيهًا على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، وليس بالقياس». الصواب أن هذا مفهوم موافقة، ومفهوم موافقة الأقرب أنه لفظي. قال: «والوقوف على مجرد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة». ولذلك الحمد لله أن معتمد الحنابلة ما أجازوا على كذا، لأنه واضح فيها نوع من الظاهرية، طبعًا فيها نوع من الجمود بقولك أنت لا يبولن، معقول بس الفكرة بالبول الآدمي؟
قال: «وأما مالك رحمه الله فإذا حمل النهي على الكراهة ليستمر حكم الحديث عنده في القليل والكثير الذي لم يتغير». طبعًا غير المستثنى باتفاق، زي ما حكينا، وهو المستبحر، مع حصول الإجماع على تحريم الاغتسال. طبعًا مالك، أنا خلت إنه يخصص عنده الحديث بالذي لم يتغير، لأنه إذا تغير سيكون على التحريم، وأيضًا يخصص الحديث عنده بالماء المستبحر، فهو أيضًا ماشي معانا، ماشي مع الجميع أن الماء المستبحر مش وارد هنا.
باختصار، ليس هناك عالم يقول لك إن الماء المستبحر لا يجوز البول فيه، فكلهم هذه قضية المستبحر تعتبر عندهم مخصصة بالحديث تخصيص إجماع. فهذا طبعًا مثال على التخصيص بالإجماع. أنا بنصحكم وأنتم تقرأوا معي، اكتبوا أمثلة، يعني كل قاعدة أصولية بنذكرها اكتبوا عليها تطبيقها، حتى تخرجوا من كل حديث بعشرات التطبيقات الأصولية، وهذه هي الفائدة إخواني. نحن لماذا نقرأ هذا الكتاب؟ ليس الهدف عندي أنك تعرف معتمد الحنابلة، المعتبر عندي أن تعرف كيف تطبق القواعد الأصولية وترى هذا التطبيق حيًا أمام ناظريك.
وأما مالك، فإذا حمل النهي على الكراهة ليستمر حكم الحديث في القليل والكثير الذي لم يتغير كما قلت لكم، إلا ما استثني وهو المستبحر وحصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول، يعني كما نقول إذا تغير، أكيد مالك معنا أنه ما يصير الاغتسال فيه. فهذا يلتفت إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي من القواعد التي ذكر في الإلمام أنها ستؤثر في الحديث.
هل يجوز حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز في نفس الوقت؟ مر معنا في الدرس السابق قضية أنه هل يجوز حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه إذا لم تتعارض؟ وقلنا نعم. طب سؤال: هل يجوز حمل اللفظ الذي له حقيقة ومجاز على الحقيقة والمجاز معًا؟ كيف سيؤثر هذا في هذا الحديث؟
فهذا يلتفت فيه إلى قاعدة أصولية وهي حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي مسألة أصولية. فإذا جعلنا النهي للتحريم، كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني هل يقبل مالك أن يقول لنا إن هذا النهي «لا يبولن» أحمله على الكراهة والتحريم في نفس الوقت؟ فأحمله على الكراهة إذا كان الماء لن يتغير، وأحمله على التحريم إذا كان الماء سيتغير؟ وبالتالي الحديث أنا لست محتاجًا لتخصيص من نص خارجي، لا، هو نفسه الحديث، أنا أقدر أحمله على الكراهة وفي نفس الوقت بحمله على التحريم؛ بحمله على الكراهة في صورة وعلى التحريم في صورة.
فهو قال: الأكثرون على منع هذه الطريقة، أنك تأتي إلى لفظة مثل هذه اللفظة فتقول الحديث مراد به يحمل على الكراهة وعلى التحريم، لأنه هو شوف حقيقة الكراهة والتحريم هنا في هذه الحالة كالمتضادين؛ لأنه لما أقول لك كراهة كأني بقول لا عقاب، ولما أقول تحريم كأنني أقول بعقاب. يعني لو قلنا بجواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، فينبغي أن يكون أيضًا في حال أو بصورة ما يكون فيها نوع من التعارض نوعًا ما. فإذا قلت والله هذا النهي محمول على التحريم والكراهة، كأنك تشعر فيه نوع تعارض بين المعنيين معًا، لأنك تقول تحريم يعني فيه إثم، وكراهة يعني لا إثم. هل مثل هذا يقبل في الدلالات الأصولية الفقهية؟ أنا لا أقول حقيقة أنه تعارض، لكن أقول كالتعارض، كالتعارض.
هنا ماذا قال ابن دقيق العيد؟ يقول: «والأكثرون على منعه». وبالتالي أنت يا مالك إذا حملته على الكراهة، التحريم سيؤخذ من نص آخر؛ لا تقل لي إنه هو نفس النص سأحمله على الكراهة في جهة وعلى التحريم في جهة أخرى وتوزع لي إياه، لا، خلص قل هو محمول على الكراهة. امشي مع هذا الكلام واعتبر التحريم في حالة التغير مأخوذ من نص آخر وليس من دلالة النهي نفسها الموجودة في هذا الحديث.
وقد يقال على هذا أن حالة التغير، إذا قلنا إنه لا يجوز حمل النهي هنا على التحريم والكراهة في نفس الوقت، وأنك كمالك ملزم أن تحمله على أحد الوجهين وأنت اخترت الكراهة ابتداءً، خلص خليك على الكراهة؛ قال: «قد يقال على هذا أن حالة التغير مأخوذة أي حكمها من غير هذا اللفظ»، زي ما قلت، يروح يأخذ التحريم في حالة التغير من نص آخر، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين. فمالك، أنت لا تستطيع أن تقول له إن حالة التغير برضه يلزمك أن تأخذها من هنا، ممكن مالك يقول لي خلص بأخذها من جهة أخرى، قال: «وهذا متجّه»، إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث، ومش مشكلة، التخصيص في هذا الحديث الكل خصص، يعني وقفت على أنني أخص منه حالة التغير من حديث آخر. فهو مالك باختصار ليس ملزمًا أن يقول بأن النهي.
هنا يحمل على الكراهة والتحريم في آن واحد حتى يثبت وجهة نظره، لا، هو يستطيع حمله على الكراهة ويأخذ التحريم في المتغير من نص آخر.
قال: الوجه الثاني، اعلم أن النهي عن الاغتسال هذا سهل الوجه، لا يخص الغسل. نرجع لهذا الحديث، حديث الباب معنا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». هي ذكرتها في البداية، هذا الموضوع خاص بأنك تغتسل فيه، لا، يقول: بل التوضؤ في معناه، وقد ورد مصرحاً في بعض الروايات عند الترمذي: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه».
قال: ولو لم يرد هذا اللفظ الآخر لكان معلوماً قطعاً استواء الوضوء والغسل في هذا الحكم. حتى ولو لم ترد هذه الرواية نحن تلقائياً سنقوم بالتعدية من باب القياس بنفي الفارق، وسنقول لا فرق بين الغسل والوضوء في هذا الباب. لو لم ترد هذه الرواية لكان معلوماً قطعاً استواء الوضوء والغسل في هذا الحكم لفهم المعنى الذي ذكرناه، وهو أن المشكلة في الماء، سيصبح على الأقل -خلينا نمشي على رأي الشافعية ومعتمد الحنابلة- المشكلة ليست أن الماء أقل من قلتين، الماء الأقل من قلتين سينجس بورود البول عليه، فسيصبح ماءً لا نستطيع أن نغتسل منه، وكذلك لا نستطيع أن نتوضأ منه. وفهم المعنى الذي ذكرناه وأن المقصود هو التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات.
ثالثاً: ورد في بعض الروايات «ثم يغتسل منه»، وفي روايات أخرى «ثم يغتسل فيه». قال: ومعناهما مختلف. «يغتسل فيه» يعني يغط حاله جوا الماء، «يغتسل منه» يعني يتناول من الماء، ففيه غير، لكن ماذا قال؟ قال: ومعناهما مختلف، يفيد كل واحد منهما حكماً بطريق النص، وآخر بطريق الاستنباط.
ثم قال: ولو لم يرد -هنا سقط في نسخة أصفار- ولو لم يرد فيه لفظة -افتح قوسين فيه- لاستويا لما ذكرناه. الآن سأعلق على القضية الأولى ثم على القضية الثانية. الآن ماذا يقول لك؟ «ثم يغتسل فيه»، «ثم يغتسل منه»، يقول هذه لها حكم مباشر وحكم استنباطي، وهذه نفس الشيء لها حكم مباشر وحكم استنباطي.
ابن حجر العسقلاني علق على هذه العبارة، ابن حجر عن ابن دقيق العيد بيّن، فيقول ابن حجر: «وأما الحكمان المستنبطان»، فقال الحافظ ابن حجر: وجهه أن الرواية بلفظ «فيه» تدل مباشرة على معنى الانغماس بالنص، وعلى معنى التناول بالاستنباط. والرواية بلفظ «منه» على العكس من ذلك؛ يعني «ثم يغتسل فيه» تدل مباشرة على المنع من الانغماس، وبالاستنباط على المنع من الاغتراف. ورواية «منه» تدل بالمباشرة على المنع من الاغتراف، وبالاستنباط على المنع من الانغماس.
طبعاً على رواية «منه» الأمور واضحة؛ يعني إذا أقول لك لا تغتسل منه، لا تؤخذ منه، فمن باب أولى أنه لا تنغمس فيه. لكن على المعنى الآخر وهو المنع من تمام؟ هو في نفس الوقت منع من الاغتراف، هذا ليس أولويّاً لأنه قد يكون الانغماس أشد أثراً، لكن إذا عرفنا العلة، والعلة هي ورود النجاسة في الماء، فهنا سنقول لا فرق بين الانغماس وبين الاغتراف. إذا كانت العلة هي نجاسة الماء، فلا فرق بين أنك تنغمس في الماء أو تغرف منه. فمن هذا قال ابن دقيق العيد: مباشرة على الانغماس واستنباطاً على الاغتراف، والثانية بالعكس.
ثم بماذا ختم؟ قال: ولو لم ترد لفظة «فيه»، لو كان الحديث هكذا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل» بدون زيادة «فيه»، ماذا ستفهم؟ ستفهمها على إطلاقها وعمومها، سواء لا يغتسل فيه أو منه. يقول لك: ولو لم ترد لفظة «فيه» لُفهم من الحديث أصلاً مباشرة على كل صور الاغتسال، سواء الاغتسال فيه أو الاغتسال منه، ولم نحتج لقضية مباشرة تدل على كذا واستنباطاً تدل على كذا. لذلك كلمة «عرفتم الخطأ في نسخة أصفار»، ولو لم ترد فيه، أي في الحديث لفظة «فيه»، ثم يغتسل فيه، ورد ثم يغتسل وسكت، لكان «ثم يغتسل» تحتمل كل الاحتمالات: فيه ومنه وكل الاحتمالات المتصورة.
قال الرابع: مما يعلم بطلانه قطعاً ما ذهب إليه الظاهرية الجامدة، وهذه مشكلة مع ابن حزم، نعم هو بذاته من الظاهرية، الظاهرية الجامدة ماذا قالوا؟ قالوا قضية أضحكت عليهم العقلاء في الاستنباط، من أن الحكم المخصوص بالبول جوا الماء مباشرة. قال: «لا يبولن أحدكم في الماء»، قال: حتى لو بال في كوز، لو جئت على رأي ابن حزم يقول لك لو جبت أنت إناء وبلت فيه بعدين درت الإناء جوا الماء، ليس هناك مشكلة، لأنه هو على ماذا نهاك؟ «لا يبولن أحدكم في الماء»، نهاك عن البول المباشر في الماء، فلو أنك بلت في إناء أو كوز أو شيء، بعدين درته في الماء، قال: لم يضر عندهم. أو لو بال خارج الماء فجر البول وحده ودخل إلى الماء، لم يضر أيضاً عندهم. وذكروا أشياء أكثر في شرح الإلمام من الأمور التي انتقدت عليه.
قال: والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم لاستواء الأمرين، سواء بلت جوا الماء مباشرة أو بلت في إناء وبعدين درت الإناء في الماء، ما الفرق من حيث المنطق العقلي والفقهي؟ لاستواء الأمرين في حصوله في الماء، وأن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء. في النهاية البول وصل للماء أم لا؟ بلت فيه مباشرة، أو بلت في إناء، في النهاية النتيجة واحدة.
قال: وليس هذا من مجاري الظنون، يعني أصلاً هذا الخلاف يا ابن حزم ليس مسألة اجتهادية التي تحكيها، قال: بل هو مقطوع به أنه كلامك غلط. وكان ابن حزم يعني هذا من الجمود وعدم قبول القياس بمعنى الأصل، لأنه لم يقبل القياس بنفي الفارق، ونحن هنا أيضاً من صور القياس بنفي الفارق. انظر، الحديث فيه كثير صور من قياس بنفي الفارق: نفي الفارق بين البول وغيره من النجاسات، ونفي الفارق بين البول مباشرة والبول جوا إناء وإدارته، وهذا كله آت من قياسات بنفي الفارق.
أختم بهذه الفائدة، يقول هنا في شرح الإلمام صفحة 198: «ارتكب الظاهرية ها هنا مذهباً وجه سهام الملامة إليهم، وأفاض سيل الازدراء عليهم»، ابن دقيق العيد، حتى أخرجهم بعض الناس من أهل الاجتهاد، واعتبار الخلاف في الإجماع، قالوا: هؤلاء القوم لا تعتبروهم معنا في الإجماع، يعني لا ينقض الإجماع بسببهم. فقد قال ابن حزم منهم: إن كل ماء قل أو كثر من البرك العظام وغيرها، بال فيه إنسان، فإنه لا يحل لذلك البائل...
أصعب وأصعب. ابن حزم يرى أن هذا الحديث خاص فقط في الذي يبول هو؛ أنه أنت ما تبول بعدين أنت تغتسل، لو أنت بلت واحد غيرك اغتسل ما فيش مشكلة عنده. يعني بقولك إنه نهاك أنت، لا تبول وتغتسل أنت.
شوف الظاهرية الجامدة، يعني لو بلت أنت واغتسل غيرك ما فيش مشكلة عنده، يقول: «فإنه لا يحل لذلك البائل خاصة الوضوء من هذا الماء الذي بال فيه ولا الغسل، وإن لم يجد غيره ففرضه التيمم، وجائز لغيره الوضوء منه ولا الغسل». قال: «وهو طاهر مطهر لغير الذي بال فيه، ولو تغوط فيه».
الآن عنده، ولو تغوط فيه، بقولك الغائط مش زي البول، لو تغوطت فيه أنت واغتسلت فيه أنت عادي؛ لأنه الحديث قال: «لا يبولن»، مش «لا يتغوطن». أو أنت بلت لكن بلت في الخارج، فسال البول إلى الماء الدائم، أو بال في إناء وصبه في ذلك الماء.
حتى ابن دقيق العيد، كأنه في الأحكام ذكر أكثر أشياء منطقية في كلامه، الأشياء الأخرى ما ذكرهاش أصلاً، بقولك هذا مش منطق، يعني أكثر شيء منطقي غلط، فما بالك من أبعد عن المنطقية. قال: «أو بال في إناء وصبه في ذلك الماء ولم تتغير له صفة، فالوضوء منه والغسل جائز لذلك المتغوط أو الذي سال بوله فيه ولا غيره».
وممن شنّع على ابن حزم الحافظ أبو بكر ابن مفوز، فقال بعد حكاية كلامه: «فتأمل رحمك الله، ما جمع هذا القول من السخف، وحوى من الشناعة، ثم يزعم أنه الدين الذي شرعه الله وبعث به رسوله ﷺ، والمعقول ضحكت علينا العقلاء». قال: «واعلم أكرمك الله أن هذا الأصل الذميم مربوط إلى ما أقول ومخصوص على ما أمثل، من أن البائل على الماء الكثير ولو نقطة واحدة أو جزءًا من نقطة فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حملًا أو جمع بوله في إناء شفر، ثم صبه فيه فلم يغير له صفة، جاز له الوضوء منه، فأجاز له الوضوء منه مع أنه حمل الغائط، أو حب -أي جرة- أو حب من بول صبه فيه، وحرم عليه إذا بلت بصورة مباشرة نقطة».
جل الله تعالى عن قوله، وكرم دينه عن إفك، هذا كلام ابن مفوز. قلت: يعني هذا كلام أقرب إلى السخف منه إلى العلم. طبعًا رحمة الله على ابن حزم وغيره، بس أنت هذا كلام العلماء، في رد بعضهم على بعض، وغفر الله للجميع، لكن نقر أن كلام ابن حزم غير معقول، يعني ما أحد في أجهل الاستنباط يكون، مع أنه ابن حزم الذي يعجبك، أن ابن حزم من أذكياء الدنيا.
لكن الذي يؤول الإنسان إلى هذه النقاط هو الابتداع إخواني. ابتدعوا هم قضية عدم الأخذ بالقياس، فحتى يطرد في بدعته، أتى بما يضحك منه العقلاء، وهذه دائما أقولها للإخوة: كل مبتدع ولو كان من أذكياء الدنيا تجره بدعته إلى قول تضحك منه العقلاء. ابن تيمية كثير ما كان يشير إلى بعض أقوال ابن رشد في الفلسفة عن بعض أقوال تشبه كلام المجانين، مع أنه ابن رشد من الأذكياء، لكن سبحان الله الذي يريد أن يأتي بقول من البدع يخالف فيه أصول أهل العلم الأكابر، حتى لو كان من الأذكياء ستجد أن الله عز وجل يوقعه في مثل هذه العثرات التي يكشف بها سوءة هذا القول.
قال: «وشناعة كلها راجعة إلى ما قررناه من قوة القياس في معنى الأصل، ما يصير أنتم كظاهرية تقولوا ليس في قياس في معنى الأصل، هذا غير مقبول أبداً». فإنه قد ظهر للعقول ظهورًا قويًا لا يرتاب فيه بحيث يدعى فيه القطع، أن النهي عن استعمال ما وقع فيه البول إنما هو لأجل ما تقتضيه صفته من الاستقذار، ومتى وجد هذا المعنى بأي طريق كان وجب أن يكون الحكم ثابتًا.
إذًا مشكلة الظاهرية أنهم لم يأخذوا بالقياس بنفي الفارق، وإن كان بإمكانهم أن يأخذوا به كما يفعلونه في بعض الصور الأخرى؛ من جهة اعتباره يا أخي اعتبره مفهوم موافقة، ومن جهة لفظية. يعني يا أخي أنت ليس هناك داعٍ تعتبره قياسًا، مش لأن عندك مشكلة في القياس، اعتبره مفهوم موافقة، وهو أنه من بال مباشرة كمن جمع ماله في إناء وألقاه، اعتبره مفهوم موافقة ودلالة لفظية، وأنت هكذا تحافظ على أصلك. إذا أنت مصر تحافظ على أصلك بنفي القياس، لكن أحيانًا حتى مفهوم الموافقة لا يأخذون به ويأخذون بالظاهرية البحتة التي توقعهم في مثل هذه الأخطاء.
بقي علينا مسألة كبيرة جدًا، مسألة تتعلق بالمفاهيم المأخوذة من هذا الحديث، وهل للمفهوم عموم؟ وتعارض المفهوم؟ لأن المسألة هذه ستؤثر على قضية التفريق بين الماء الراكد والماء الجاري. هذا الحديث يتكلم عن الماء بهذا القيد: الماء الدائم، والأصل أن هذا الوصف له مفهوم مخالفة: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم». مفهوم المخالفة للوصف ما هو؟ أنه لا إشكال في البول في الماء الجاري.
طب الماء الجاري أقل من قلتين ولا أكثر من قلتين؟ إذا قلنا أن الماء الدائم هنا على عمومها تشمل الأقل والأكثر، فإذن الماء الجاري أيضًا في العكس ماذا ستكون؟ هل هي على عمومها؟ وأن الماء الجاري أقل من قلتين وأكثر من قلتين لا يتأثر ولا يتأثر؟ كلام طويل، ليس هذا موطن بحثنا وسيدخلنا في ثلاث قواعد أصولية البحث فيها يطول: قاعدة عموم المفاهيم، وهي مسألة مهمة جدًا، وقاعدة أيضًا تخصيص المفاهيم، وكيف يتم تخصيص المفاهيم نفسها.
إذا قلنا أن المفهوم له عموم كيف يتم تخصيصه؟ وإذا كان عموم يعم من وجه ويخص من وجه، يقابله إذا كان مفهوم يعم من وجه ويخص من وجه مفهوم آخر، بطلنا نحكي عن المنطوقات. مفهوم آخر يعم من وجه ويخص من وجه، كيف نتعامل معها؟ هذه بدها ذهنًا صاحيًا وراكدًا. خلونا للمحاضرة القادمة، صلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل