بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا حبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على كتاب «أحكام» لابن دقيق العيد، أو إملاء ابن دقيق العيد على عماد الدين بن الأثير عليهم رحمة الله جميعاً. ما زلنا نعيش في ظلال الحديث الخامس، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه».
في الدرس الماضي شرحنا ما يمكن شرحه من كلام ابن دقيق العيد، سواء من كتابه «الأحكام» أو من كتابه «شرح الإلمام»، وكان في إثراء كبير للمادة، الهدف منه هو أن يعرف الطالب طرق العلماء في مناقشة أي نص حديثي مناقشة أصولية، يراد منها الخروج بالأحكام الفقهية، ويعرف كم الأمر دقيق وفيه تفاصيل ودهاليز كثيرة كما يقولون، يحتاج إلى طالب أصولي متمكن في القواعد الأصولية قبل أن يقتحم أبواب الاستنباط الفقهي من الحديث النبوي.
اليوم في البداية أحببت أن ألم -خلينا نقول نلم مع بعضنا- ما ذكرناه في الدرس الماضي هكذا ذكراً عاماً، ونكمل ما بقي علينا من جزئيات يسيرة في هذه الرواية، ثم ننتقل إن شاء الله للكلام عن الرواية الأخرى، وهي حديث آخر: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم»، وهو جنب، رواية الإمام مسلم رحمه الله.
دعونا الآن نعيد كما قلنا في بداية المجلس، لمثل ما ذكرنا في الدرس الماضي، ومناقشة بعض الأفكار التي طرحناها مناقشة سريعة. كما ترون، أنا رتبت الأمور قبل أن آتي إلى الدرس حتى لا نشغل أنفسنا بالكتابة وإنما نشغل أنفسنا بالملاحظة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه». أنتم تلاحظون كل لفظة تقريباً عندنا معها وقفة أصولية فقهية لغوية استنباطية ينبني عليها حكم شرعي.
نبدأ من البداية بـ «لا». والنقاش الذي سيدور في «لا»، هل النهي هنا للتحريم أو للكراهة؟ أم يجوز خيار ثالث وهو أن يكون للتحريم والكراهة معاً؟ وهذا ناقشه ابن دقيق العيد مع المالكية، لكنني سأبين لكم الآن أنه هذا النقاش أيضاً يصلح مع غير المالكية. لكن يهمني الآن للطالب الذي يريد أن يسمعني أن يكتب هكذا: «لا».
أول مسألة أصولية فيها هي مسألة: هل النهي في هذا الحديث للكراهة أو للتحريم؟ الآن ستقول يا شيخ القاعدة الأصولية ماذا تقول؟ الأصل في النهي أنه للتحريم حتى تأتي قرينة لتحمله على الكراهة. هكذا أنت ستبدأ التفكير، وأنا يهمني منهجية التفكير. ستقول الأصل في النهي أنه للتحريم حتى تأتي قرينة تدل على ماذا؟ الكراهة، ممتاز.
الآن الواقع الفقهي ما هو؟ الواقع الفقهي أن هناك علماء حملوا النهي فعلاً على ظاهره للتحريم وقالوا: «لا يبولن»، النهي للتحريم. طبعاً دعك مما سيأتي بعد ذلك أنه هو الحديث فيه تخصيص وتقييد وما شابه ذلك، لكن أقول هكذا بس: هل النهي للتحريم أو للكراهة؟ سأناقش أصل المسألة. هناك من قال إن النهي للتحريم، وهذا بالتالي مشى على الأصل ولا يطالب بقرينة، يقول لك: النهي للتحريم.
القول الثاني من ذهب إلى أن النهي للكراهة. الذين ذهبوا إلى أن النهي للكراهة لماذا؟ الآن فهمنا هل النهي للتحريم أو للكراهة، أو يجوز احتمال ثالث وهو أنه يكون للتحريم بصورة وعلى الكراهة في صورة، وينبني على مناقشة العلة التي عليها بني الحديث.
سريعاً نقول: النبي ﷺ لما قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، هناك من قال هذا الحديث يريد فيه النبي ﷺ تحريم البول في الماء الراكد القليل، واضطروا أن يخصوا بالقليل تحريم البول في الماء الراكد، لكن قيدوها بماذا؟ بالقليل. لماذا؟ قالوا لأنه سينجسه بالملاقاة. فإذاً من اختار التحريم جعل العلة عنده ماذا؟ إفساد الماء بتنجيسه، وذهب إلى أن يقيد الماء بماذا؟ بالماء القليل.
طبعاً عند الحنفية مثلاً ستجد أنه لا داعي لأن أقيد الماء بالقليل، لأن الحنفية -كما ذكر الطحاوي ونقلنا عنه في المجلس الماضي- يرون أن الماء الراكد سيفسد إذا سقطت النجاسة فيه بالملاقاة قليلاً أو كثيراً. فقضية التقييد بالقليل أو عدم التقييد بالقليل هذه دعوها فيها نقاش بينهم، لكن الفكرة أن من رأى أن النهي للتحريم قال: لماذا؟ لأنني سأفسد، قال العلة أننا سنفسد الماء بماذا؟ بوقوع النجاسة فيه، فلا بد وأن نقول بتحريم البول في الماء الراكد.
من قال إن النهي للكراهة، مثلاً ممن قال بهذا المالكية أو كثير من المالكية، لماذا قالوا؟ نحن عرفنا مذهبهم أن الماء سقوط النجاسة فيه لا تؤثر تنجيسه إلا بالتغير، بالتالي قالوا: هذا الحديث هو فقط نهي علته الاستقذار، أن الماء إذا بلت فيه فإنك ستقذره في حال لم يتغير، في حال لم يتغير، فالنهي فقط هو للاستقذار لأنك إذا بلت فيه ستقذره على غيرك، وقالوا هذا لا يجعلنا نصل به للتحريم، لا، هذه كأنها من قبيل الآداب ما دامت قضية الاستقذار كأنها من قبيل الآداب فنجعلها للكراهة فقط.
الآن حتى لا أوتركم في كثرة الأقوال، خلوني آتي لمثل الحنابلة. كون الحنابلة هنا، الحنابلة هل هم يرون أن الماء القليل ينجس بالملاقاة؟ نعم. هنا أنت إذاً سيذهب ذهنك إلى ماذا؟ إذاً الأصل أن الحنابلة لا بد أن يحملوا الحديث على التحريم، صحيح في معتمد المذهب. الآن في معتمد المذهب لا بد يذهبوا إلى التحريم، وأن النهي هنا للتحريم، ليه؟ لأنكم يا حنابلة ترون أن البول في الماء الدائم إذا كان قليلاً سينجسه، فإذاً تحملون هذا النهي على التحريم، لكن في الماء إيش؟ القليل.
لكن حقيقة لما تذهب إلى معتمد المذهب، معتمد المذهب هو كراهة البول في الماء الراكد وليس تحريمه، كراهة البول في الماء الراكد قليلاً أو كثيراً. طب ليه؟ إذاً أنتم ترون أن الماء الراكد القليل ينجس بالملاقاة ومع ذلك لم تحملوا الحديث على التحريم، حملتموه على الكراهة، لماذا؟ قالوا لأن الماء حتى لو تنجس، لو صار، يمكن إعادة تأهيله وإصلاحه بإضافة ماء كثير، طرق تطهير الماء، فقالوا ما دام هو لا يفسد فساداً لا يمكن تداركه، بل إذا فسد بالنجاسة يمكن تدارك ذلك بالإصلاح من خلال إضافة ماء جديد إليه، زي ما مر معنا في طرق قالوا، إذاً النهي هنا لا يتعدى الكراهة. إذاً ما أريد أن أقوله أن طرق تفكير...
العلماء مختلفون، أنا فقط أريد أن أعطيك مساحة. التفكير الفقهي إذاً ليس كل من قال بأن الماء الراكد القليل ينجس بالملاقاة هو ملزم أن يقول إن الحديث للتحريم، لأن هناك طريقة أخرى في التفكير. وهذه الطريقة قد لا تخطر في ذهن طالب العلم، ويظن أن الحديث فقط له وجه واحد لا مناصب منه.
أنا أريدك أن تفهم أن النص الواحد يمكن أن يقرأ بعدة قراءات، وعندما تنظر في أقوال الفقهاء وطريقة تفكيرهم تجد أن هذا عالم ضخم. هناك من قال إن الحديث على التحريم، والتحريم على الماء الراكد القليل والكثير. وهناك من قال إن هذا الحديث للتحريم، لكنه تحريم في الماء الراكد القليل لأنه هو الذي ينجس بالملاقاة.
وهناك من قال إن هذا الحديث للكراهة. الذين قالوا بالكراهة تختلف مآخذهم؛ فهناك من قال بالكراهة في القليل والكثير باعتبار أنه لا يرى أصلاً أن الماء ينجس بالملاقاة، فيقول لك هذا الحديث هو فقط للاستقذار، كالمالكية. وهناك من يقول إن الحديث على الكراهة مع أنه يرى أن الماء الراكد القليل ينجس بالملاقاة، لكن يقول لك الحديث عن الكراهة لأنه إذا نجّس فمعناه سنفسده إفساداً لا يمكن تداركه بالإصلاح، وهذا هو مذهب الحنابلة. حتى لو قلنا إن الماء الراكد الدائم القليل ينجس بالملاقاة، فشخص بال هذا كراهة لأنه يمكن تداركه من خلال الإضافة عليه.
أعطيك الآن وجهة النظر الثالثة؛ هناك من يحمل على التحريم، وهناك من يحمل على الكراهة، وهناك من يقول يجوز أن يحمل على التحريم والكراهة على ما ذكرناه في الدرس الماضي من إمكانية الجمع بين الحقيقة والمجاز. فنقول: هذا النهي يمكن أن يصح حمله على التحريم وعلى الكراهة، فيحمل على التحريم في صورة ويحمل على الكراهة في صورة. فعند المالكية مثلاً رأي اقترحه ابن دقيق العيد، وطبعاً ذكره عن بعض المالكية، أن هذا النهي نحمل على الكراهة في حال أنه لم يغير الماء: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، يكون محمولاً على الكراهة إذا لم يغير، ويحمل على التحريم إذا أدى البول في الماء الدائم إلى التغيير. هذه طريقة لبعضهم.
وطريقة أخرى ممن رأى إمكانية الجمع بين التحريم والكراهة، مثلاً عند الشافعية. الشافعية قالوا: يحرم في الماء الدائم القليل؛ لأنه سينجسه كما حكينا قبل قليل، لكن قالوا: يكره في الماء الدائم الكثير. قال النووي وجمهور الأصحاب إنه في الكثير مكروه. إذن هذا القول معتمدهم: أنه في القليل حرام وفي الكثير مكروه. إحدى تطبيقاته أنه جعل النهي هنا يحمل على التحريم فيما كان دائماً قليلاً دون القلتين، ويحمل على الكراهة فيما كان من القلتين فصاعداً. جمعوا بين التحريم والكراهة في نفس الصيغة؛ التحريم في صورة والكراهة في صورة أخرى.
لكن نحن مذهبنا الحنابلة، نحن قلنا إن البول في الماء الدائم مكروه مطلقاً، أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، ما عندنا هذا التفريق، ما لم يستبحر هذا عند الجميع. بالتالي ما في عندنا حاجة أن نحمل النهي في صورة على التحريم في صورة والكراهة في صورة أخرى. أنا يهمني فقط أن تعرف البحث الأصولي الدائر بين أهل العلم في لفظه: هل نحملها على التحريم فقط وما أسباب ذلك؟ هل نحملها على الكراهة فقط وما أسباب ذلك؟ وقد يكون عند المالكية حملوها على الكراهة لوجهة نظر، بينما الحنابلة حملوها على الكراهة لوجهة نظر أخرى.
وإذا قلنا بالقول بالاحتمال الثالث وهو أنه يجوز أن تحمل على التحريم في صورة والكراهة في صورة، أيضاً ما أوجه ذلك؟ فعند المالكية طريقة تفكير معينة، وعند الشافعية طريقة تفكير أخرى. فأنت مطالب في بحثك الفقهي الأصولي أن تعرف الأقوال المحتملة في النهي وتعرف مآخذها وتعاليلها.
ولماذا نقول إخواني إن الفقه بحر لا ساحل له؟ نحن أستاذنا في ولادنا لسه ما دخلنا باب البيوع، ولا باب المناكحات، ولا باب الإقرارات، ولا باب القضاء، ما زلنا في بدايات الباب وبدايات أحاديث الطهارة، وأنت تلاحظ أنه في أفكار كثيرة. ولماذا نقول دوماً إن الترجيح عملية مضنية وهي عمل الأكابر؟ أنا أريدك فقط أن تقتنع تماماً أنك أيها الطالب المبتدئ عيب أن تقحم نفسك في مساحات تناطح فيها العلماء الكبار وأنت ربما هذه الأفكار أصلاً غائبة عن ذهنك. تقول: ما هذه المادة التي يشرح فيها ابن دقيق العيد؟ ما هذه القواعد التي يتكلم بها؟ ما هذه المآخذ التي لم تخطر في ذهني؟ هذا فقط يجعلك تهدأ وتعرف قيمة العلماء الأكابر وأنت تقرأ في مصنفاتهم.
انتهينا من الفكرة الأولى وعرفنا أن علل النهي لهذا الحديث محتملة بشكل عام؛ إما أن تكون علة التنجيس، وإما أن تكون علة الاستقذار. الكلام الدائر بين أهل العلم في حديث «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» -بناءً على الأقوال التي قلناها سواء كان للتحريم أو للكراهة أو لكليهما- أن الموضوع إما لقضية التنجيس، فيُنهى عن البول في الماء الدائم، وإما لقضية الاستقذار. ثم أنت توزع هذه العلل على الأقوال.
نذهب إلى اللفظة الثانية: «يبولن». ما هي المسألة الأصولية التي بحثناها فيها؟ مسألة هل يقاس على البول سائر النجاسات أو لا؟ فهل «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» مثلها: لا يتغوطن في الماء الدائم، لا يلقين نجاسة، لا يلقين دماً في الماء الدائم، لا يلقين خمراً في الماء الدائم؟ هل كل النجاسات تقاس على البول قياساً بمعنى الأصل؟ وهذا هو القياس بنفي الفارق.
فذكرنا في الدرس الماضي أن جمهور العلماء يرون نعم، إن سائر النجاسات ينبغي أن تقاس على البول، وأنه ذكر البول تنبيهاً على غيره من النجاسات مهما كان شكلها ولونها وهيئتها. والقول المخالف كان هو قول الحنابلة من المتقدمين والمتوسطين فقط، أنهم قالوا لا؛ قالوا هنا البول لا يقاس عليه غيره من النجاسات سوى ما كان بمعناها، وهو العذرة المائعة. إذاً هنا مسألة أصولية: هل القياس بمعنى الأصل (القياس بنفي الفارق) سيطبق أم لا؟ فالجمهور قالوا نعم، إن البول هنا ليس مقصوداً لذاته بل هو تنبيه على سائر النجاسات الأخرى. أما رأي الحنابلة من المتوسطين والمتقدمين فلا، إن هنا المقصود.
لذاته، وقالوا مثله فقط ما كان ملاصقاً له ملاصقة شديدة، وهي العذرة المائعة، وهذا أدى إلى اختلاف في فهم الحديث؛ فأصبح متوسطو ومتقدمو الحنابلة عندنا ماذا فهموا الحديث؟ أن البول والعذرة المائعة تؤديان إلى تنجيس الماء، سواء كان قليلاً أو كثيراً.
ممتاز، لكن هل هذا القول ملزم المتقدم أن يقولوا إن النهي للتحريم، أم يمكن أن يبقوا على فكرة أنه على الكراهة؟ لأنه حتى لو قلنا بالتنجيس، فإن طريقة تفكير الحنابلة هي أن هذا التنجيس يمكن تداركه ويمكن أصلاً إصلاحه، فقولنا إن البول يؤدي إلى التنجيس سواء في الماء قلتين أو أكثر أو أقل، ولو لم يغير، لا يلزم هؤلاء المتوسطين والمتقدمين ضرورة أن يحملوا النهي على التحريم، بل يمكن أن يبقوا على الكراهة ويعتمدوا حجة المعتمد، وهو أن التنجيس يمكن إصلاحه ومعالجته.
فهذه قضية باختصار؛ أصبح التنجيس قضية، والقول بالتحريم في البول قضية أخرى غير ملازمة لها، أي ليس قوياً ينجس، فمعناه لازم التحريم، يمكن ينجس ولكن نقول بالكراهة.
المسألة الثالثة، والخلاف أيضاً في نفس القاعدة الأصولية "القياس بمعنى الأصل" أو "نفي الفارق". ممكن هنا برضه تنتقل فيه لدلالة لفظية تقول مفهوم الموافقة، وكان فيها الخلاف مع الظاهرية، وناقشهم ابن دقيق العيد وشدد عليهم في الكلام لما قالوا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم».
ماذا قال الظاهرية؟ المشكلة فقط أن تبول فيه، أما لو بلت في إناء ثم درت فيه، قالوا هذا ليس وارداً وليس مشمولاً في الحديث. فقال لهم الجمهور: هذا كلام سمج، فإن النبي ﷺ لم يقصد أن تبول مباشرة، بل هو يقصد عدم إيصال البول للماء الراكد سواء من خلال البول المباشر أو أي طريقة أخرى؛ بلت فيه إناءً ورجعت درت في الماء الراكد، أي طريقة وصل بها البول بأي طريقة من الطرق، المشكلة حاصلة.
فهنا في «لا يبولن أحدكم في الماء»، نقيس عليها قياساً بنفي الفارق، كل ما كان بمعناه، أن تبول فيه أو أن تبول في إناء ثم يدار فيه، وكل ما يؤدي إلى نفس المؤدى. العلماء هنا لهم طريقتان: هناك من يقول مثلاً القياس بنفي الفارق، وهناك من يمكن يعتمد مفهوم الموافقة، فالقضية هذه فيها مساحة، سواء قلت بالقياس بنفي الفارق أو بمفهوم الموافقة.
المسألة الرابعة، "الماء" الآن هنا استغراقية، فالأصل العموم، لكن اتفقنا أن جميع المذاهب هذا العموم عندهم مخصص. عند الحنفية، هذه الاستغراق في الماء يخرج منه ويخص منه الماء المستبحر. وعند الشافعية، إذا قلنا الحديث محمول على التحريم فتكون الماء يخص منها ما كان قلتين فصاعداً، وهذا ليس داخلاً مع المستبحر.
طب عند المالكية؟ الماء يخرج منها المستبحر. المستبحر عند كل المذاهب، فبسرعة حالك يخرج منها المستبحر، ويخرج عندهم الذي لم يتغير. إذا قلنا عند المالكية إن النهي للكراهة فقط، فسيكون الماء هنا هو الماء الذي لم يتغير، ويخرج منه الماء المتغير، فإنه سيكون حكماً آخر للتحريم.
والحنابلة، إذا قلنا المعتمد في المذهب أن النهي للكراهة مطلقاً، فخلص يخرج المستبحر فقط، فلا كراهة فيه، مثل الحنفية. إذا قلنا معتمد المذهب إن النهي عن البول للكراهة في القليل والكثير، فستبقى على عمومها للماء إلا في صورة المستبحر. وإذا قلنا بآراء أخرى، ساعتها أنت ترى أي رأي هذا يدخل فيه وأي شيء يخرج منه؛ لأنه إذا قلت مثلاً سأحمل الحديث على الكراهة والتحريم، مش قلنا الشافعية والمالكية يمكن يحملوا الحديث على الكراهة والتحريم معاً؟ على الكراهة في صورة والتحريم في صورة؟ فمثلاً عند الشافعية، إذا قالوا هو للتحريم في ما دون القلتين وللكراهة في القلتين فصاعداً، هنا سيصبح الماء الذي خرج منها فقط المستبحر، وهكذا صار القليل والكثير كله داخلاً، بس القليل على صورة التحريم والكثير على صورة الكراهة، وهكذا.
هذا كله يجب أن تكون مستحضراً إذا أردت أن تعرف مأخذ العلماء. والله مش قادر أعرف مأخذ العلماء على الأقل مذهبك؛ فأنت كحنبلي تقول ما دمنا قلنا بكراهة البول في القليل والكثير، أنت كمذهبك الآن... ربما بعض الإخوة الذين يسمعونني يقولون لي: يا شيخ أنا مش قادر أعرف ما أخذ العلماء جميعاً، واضح أن القضية تحتاج ترتيباً وتنسيقاً. لا، أقول له: على الأقل، أنا أنصحك الآن أن تسمع كلامي وتعرف المأخذ وطريقة التفكير، لكن لا تضبط إلا مذهبك حتى لا تشوب نفسك.
خلص، مذهبي المعتمد عند الحنابلة هو: أن النهي هنا للكراهة، وأن البول يقاس عليه سائر النجاسات في معتمد المذهب، وأن في قياس بمعنى الأصل، وأن الماء يخرج منه فقط المستبحر. فهمت علي؟ تمشي بهذه الطريقة، رتب مذهبك في ذهنك، وتأتي على كل مسألة أصولية بعد ما عرفت طريقة التفكير ترتب مذهبك حتى ترى معتمد الحنابلة في قراءة هذا النص. وهذا دوماً ذكروني فيه أيها الإخوة، كلما أنهيت حديثاً، أننا بعد ما ندخل في دوامة الآراء والمناقشات، خلينا نرجع إلى معتمد الحنابلة؛ كيف قرأوا النص وما هي القواعد والمسائل الأصولية التي اعتمدوها في تحليله؟ لأن هذا هو الذي يهمك في معهد ملكه، إذا أردت أن تفهم كيف نحن قرأنا النص.
طيب، نأتي إلى كلمة "الدائم". الدائم هذه سأؤجل الكلام فيها لأنها درس اليوم، ستكون فيها ابتداءً. هي قضية مفهوم المخالفة للصفة؛ قال: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، فالدائم الذي هو الراكد، نحن قلنا إنه صفة للماء، إذاً أنا عندي الآن احتمال كبير أن يكون عندي مفهوم مخالفة؛ لأنه قال لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم.
إذاً مفهوم المخالفة: لا مشكلة في البول في الماء الجاري، لأن الماء الدائم الراكد ما يقابله إلا الجاري. إذا قلنا بمفهوم المخالفة للصفة، ستأتي قضية: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"، إذاً يجوز البول في الماء الجاري؛ لأنه نهى عن البول في الماء الراكد، ومفهوم المخالفة للراكد أنه يجوز البول في الماء الجاري. هل نقول بهذا المفهوم أو لا نقول به؟ هذه سأخليها لكم في مجلس اليوم إن شاء الله.
الذي لا يجري، هذه كان فيها بحث سريع وهو: هل "الذي لا يجري" صفة كاشفة أو صفة مقيدة؟ هذه أول شيء بحثناه في الدرس الماضي، وهذا بناءً على هل الدائم هو مثل الراكد؟ إذا قلنا الدائم هو...
الراكد لا فرق بينهما، فإذا قلنا إن الذي لا يجري صفته، فإذا قلنا "لا الدائم أعّم من الراكد"؛ فالدائم قد يكون دائمًا وراكدًا في مكانه، وقد يكون دائمًا ولكنه يدور، ففيه نوع من الجريان اليسير، ولكنه ليس جارياً بل يدور في مكانه. فعلى هذا القيد إذا قلنا إن الدائم أوسع شوي من الراكد، بتكون "الذي لا يجري" صفة مقيدة، وأن المراد بالدائم الذي لا يجري في مكانه.
وإن كان هذا بعيدًا، ومع أني كما قلت لكم لا يظهر لي أن هذا هو المقصود، بل المقصود -والله أعلم- هو التوضيح والتأكيد والتفسير؛ وأن "الدائم" هنا بمعنى "الراكد"، وأن "الذي لا يجري" كما قال هي توكيد وتوضيح وكشف، لكن صار نقاش سريع فيها.
بعده انتقلنا لكلمة "ثم"؛ فقد جاءت في هذه الرواية كلمة "ثم"، كما قلنا في رواية أخرى: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة». رواية ابن عجلان عند أبي داود جاءت بالواو، أما هنا فجاءت بـ "ثم". ففتح لنا هذا نقاش: هل النهي في هذه الرواية عن الجمع، أو عن الجمع بين الأمرين؟ بمعنى هل النهي هنا عن كل خصلة، أو النهي عن الجمع بين الأمرين؟ أي النهي أن تجمع بين البول ثم الاغتسال؛ هل هي الصورة المجموعة، أم النهي عن البول في الماء الدائم ثم نهي خاص عن الاغتسال فيه بعد البول؟ هذه مسألة.
إذا قلنا الصحيح على هذه الرواية أن النهي عن الجمع، ولكن لا يعني هذا أن كل صورة ليست منهيًّا عنها على حده من روايات أخرى، لكن هنا فقط. ويمكن أن يُناقش في "ثم" هل المراد بها الترتيب الذكري، وإن كان هذا بعيدًا، أم المراد الترتيب الزمني؟ لأنه إذا قلنا الترتيب الزمني سيكون النهي عن الجمع؛ فما هي صورة النهي عن الجمع؟ صورة النهي عن الجمع يعني: لا تبل في الماء الدائم ثم بعد ذلك تغتسل فيه، يعني بعد البول، وهذا هو الظاهر حقيقة.
لكني أقول يمكن للبعض أن يقول إن "ثم" هنا للترتيب الذكري، وأن النهي عبارة عن: "لا يبولن في الماء الدائم"، ثم كترتيب ذكري في الأحكام: "لا تغتسل في الماء الدائم". فيكون الاغتسال في الماء الدائم مسألة مستقلة ليس لها علاقة بالبول، هذا إذا قلنا إن "ثم" هي فقط ترتيب ذكري لترتيب الأحكام المذكورة في الحديث، وليس المراد الربط بين موضوع الاغتسال بعد البول. لكن أقول هذا بعيد، والذي يظهر أنها "ثم" للترتيب الزماني على ما هو الحقيقة، وإن النهي عن ماذا؟ عن أن تبول ثم بعد أن تبول تغتسل.
هذا هو الظاهر من اللفظ، لكن هذا الظاهر سنناقش فيه إعراب "يغتسل"؛ إن كان النقاش المؤثر. فهناك من قال إنها "يغتسلُ" بالرفع، وهناك من قال إنها "يغتسلَ" بالنصب، وما ناقشنا مع ابن مالك أن نجعلها منصوبة بأن مضمرة وجوبًا على أن "ثم" بمعنى الواو. وهناك من قال بالجزم: "ثم يغتسلْ". إذن عندك ثلاث احتمالات: يغتسلُ، يغتسلَ، يغتسلْ.
كل احتمال لغوي ماذا سينتج لي فقهًا؟ إذا قلنا "ثم يغتسلُ" (بالرفع)، قالوا المراد أن "ثم" هي للتعليل ابتداءً أو الإشارة إلى التعليل، وهذا ما ذكره القرطبي وشرحنا عليه. وأن التقدير على رواية الرفع: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم هو ماله يغتسل فيه"، فكأنه ما أشار إلى العلة: لماذا لا نبل في الماء الدائم؟ لأنه ما قال لك إنك ستذهب لتغتسل فيه، فهو أشار إلى العلة، نبه إلى العلة التي من أجلها ورد هذا النهي.
وإذا كان المراد برواية الرفع الإشارة إلى التعليل، فإن هذا التعليل يُستنبط منه النهي عن الجمع استنباطًا؛ لأنني لا أقول لك لا تبول في الماء الدائم لأنك ستغتسل فيه، فماذا سأستنبط من هذا استنباطًا بعيدًا؟ إذاً في مشكلة؛ فما دام بلل لي أنه أنت ستغتسل فيه، لا تبول فيه، إذاً في مشكلة أن تجمع بين أن تبول فيه ثم بعد ذلك تغتسل منه، وهذا بالاستنباط على قراءة الرفع.
أما على رواية النصب إن صحت -وإن كان كثير من أهل العلم يقول سيبقى فيها إشكال واعتراضات، لكن ابن مالك إمام كبير في النحو، ويصعب عليّ أن أستدرك على الكبار هؤلاء- فيقول لك يجوز أن نجعل "ثم" بمعنى الواو المعية، وبالتالي "ثم يغتسلَ". طبعًا النووي اعترض عليها، وتذكر مناقشتنا للنووي؛ حيث قال النووي: كيف "ثم يغتسلَ"؟ هي فيها مشكلة لأن معناها سيكون الجمع، وأن النهي عن أي شيء؟ أنك تبول مع أنك ستغتسل فيه. فقال النووي: الكل يقول النهي عام عن البول سواء كنت ستغتسل فيه أم لا.
هنا جاء ابن دقيق العيد يدافع عن ابن مالك، وقال: يا أيها الإمام النووي، نحن عارفين أنه النهي عن البول سواء كنت ستغتسل بعده أم لا، نحن متفقون على هذا، لكن هذه الرواية إذا قلنا بالنصب تكون خاصة بحالة أنك تبول ثم تغتسل، وقضية أن النهي عن البول في الماء الراكد حتى ولو كنت لن تغتسل، هذه نأخذها من حديث آخر؛ حديث نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الراكد. يعني ما المشكلة أن نقول هذه الرواية تتكلم عن صورة الجمع فقط (أن تبول ثم تغتسل)، وأما النهي عن البول دون إرادة الاغتسال فيؤخذ من حديث آخر؛ حديث نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الراكد، وتلك تُحمل على حال كونه حتى لو لم يغتسل فيه.
على هذه الرواية، رواية النصب إذا صححناها بطريقة ما، ماذا سيكون الفرق بينها وبين رواية الرفع؟ حقيقة رواية النصب تدل على النهي عن الجمع مباشرة، أما رواية الرفع فهي تدل على النهي عن الجمع استنباطًا، يعني مؤداهما واحد، لكن رواية الرفع أعطتني التعليل مباشرة أو أفادت التعليل مباشرة.
والنهي عن الجمع إشارة واستنباطاً، أما رواية النصب فهي مباشرة؛ أعطتني النهي عن الجمع لأنه سيكون هكذا. الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري». ومع أن مع الاغتسال فيه هيك، إذا قلنا «ثم» بمعنى واو المعية، إذاً سيدل على المعية، فيصبح: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري مع الاغتسال فيه»، فهو نهاك عن الجمع زي ما حكينا، نهاك عن الجمع، بس هنا مباشرة، وهنا على رواية الرفع نهاك عن الجمع بالاستنباط. ومن حيث المباشرة، وتعليم رواية الرفع تعليلية وإشارة استنباطية تدل على ماذا؟ على النهي عن الجمع. واضح شو الفرق بين رواية الرفع ورواية النصب؟
طب رواية الجزم؟ رواية الجزم إذا قلنا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، إذا قلنا إن «ثم» زي ما حكينا للترتيب الزمني، رواية الجمع التي يظهر لي أن النهي عن «لا يبول في الماء الدائم الذي لا يجري» نهى عن هذا، ثم نهاك عن ماذا؟ عن الاغتسال فيه بعد البول. وقلنا هذا سيكون على سبيل التنزل، يعني لا تب في الدائم الذي لا يجري، ثم إذا بلت فيه، فهو نهى عن هذا ونهى عن هذا، نهى عن هذا ونهى عن هذا. وهذا طبعاً مؤداه الأخير برضه إيش؟ الجمع. يعني إذا أنت تريد، لأنه يقول لك لا تبل في الدائم الذي لا يجري، أقول مؤداه قد يُفهم أنه الجمع، ثم إذا بلت فيه -وخالف الشخص، أو ممكن شخص بالضرورة تعمد المخالفة- في احتمال أنه أنت حطت كل الاحتمالات: تبول في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل فيه، قد يخالف الشخص معانداً للحديث والعياذ بالله، وقد يبول ناسياً. فكأنه يقول: لا تبل ثم تغتسل فيه بعد البول، يعني ثم لا تغتسل فيه بعد البول؛ لأنه على رواية الجزم سيكون «يغتسل منه» عنها كمان لحالها، فسيصبح: «لا تبول ثم لا تغتسل فيه»، فأقرب تفسير لي: ثم لا تغتسل فيه إذا أنت اخترت رواية الجزم.
القرطبي قال: لا تصح رواية الجزم، صحيح، وكثير من العلماء يقول معناها بعيد، والنووي يقول معناها ظاهر. يعني حتى شوف العلماء نفسهم، تقديراتهم في قراءة النص فيها تباين؛ النووي يقول لك معناها ظاهر والقرطبي يقول لك لا تصح، شوف يعني طريقتهم مختلفات. فالمهم، على قراءة الجزم يكون نهى عن البول في الماء الراكد ثم لا تغتسل فيه، متى؟ بعد البول. طبعاً لماذا أنا مضطر أقول بعد البول؟ لوجود «ثم»، يعني «ثم» هي ترتيب زمني، إذاً «ثم لا تغتسل فيه بعد البول». إذا بدك تقول لي: لا، هو نهي عن الاغتسال عموماً في الماء الراكد ليس فقط بعد البول، ونقول إذاً أنت «ثم» هنا ما عادت للترتيب الزمني، إذا قلت إن النهي «ثم لا تغتسل فيه» المراد لا تغتسل في الماء الدائم سواء بعد البول أو حتى لو لم تبِ قبل، يعني لا تغتسل مطلقاً، فبنقول له إذاً أنت تجعل الجزم هنا النهي عن الاغتسال في الماء الدائم بس بغض النظر بلت ولا ما بلت، بقول له هنا شو صار فائض «ثم»؟ يعني إيش رح يصير معناها؟ رح يقول لي هي فقط للترتيب الذكري الحكمي، بقول له يعني ما قد يجوز هذا لغةً، لكنه بعيد عن السياقات في العادة، ليس هذا ما نعلمه في عرف كلام النبي ﷺ أن يرتب الأحكام بهذه الطريقة، مش مشهور هذا.
فإذا أردت أن أبقي «ثم» على ظاهرها للترتيب الزمني واخترت رواية الجزم، فأنا بالتالي ملزم أن أقول لك: لا تبول ثم لا تغتسل فيه بعد البول، فنهاك عن الأمرين. وهذه أيضاً أقول مؤداها فيها الدلالة على النهي عن الجمع؛ لأن أقول لك: لا تبول في الماء الدائم ثم لا تغتسل فيه بعد البول إن بلت، إذاً هو نهي عن الجمع بين الاغتسال والبول، يعني فيها معنى النهي عن الجمع بين الاغتسال والبول أيضاً على معنى الجزمية. ولذلك صح كلام ابن دقيق العيد أنه على رواية «ثم»، على رواية الرفع والنصب والجزم، وإن كان كل واحدة لها طريقة معينة في طريقة التفكير فيها، لكن بتصب كلياتها في نفس المورد الأخير، أنه الجمع بين الاغتسال والبول مشكلة.
طيب، البحث الثاني في «يغتسل» هو أيضاً القياس؛ هل يقاس على الغسل الوضوء؟ فهل «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري» لو قلنا «ثم يتوضأ فيه» أو «منه» نفس القضية؟ فقلنا أصلاً هناك رواية في الترمذي نعم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يتوضأ منه»، فهذه الرواية أصلاً ريحتنا عن عناء القياس لأن هي نصت على النهي عن الوضوء، وإن الوضوء حكم حكم الغسل. ولو لم ترد هذه الرواية شو قال ابن دقيق العيد؟ أظن في الفائدة الرابعة قال: ولو لم ترد رواية «ثم يتوضأ منه»، هل يمكن أن نقول إن الوضوء بمعنى الغسل؟ نفترض أن الرواية «ثم يتوضأ» بينها مش مذكورة، ممتاز، هل الوضوء سيكون بمعنى الغسل؟ حقيقة بده نقاش، ليه؟ يعني هذا نقاش أنا سأفتحه، يعني الآن ما ذكرته في الدرس الماضي.
إذا قلنا إخواني هذا بيعتمد على طريقة تفكيرك الفقهي؛ إذا قلت إن العلة في الحديث هي التنجيس، أنه لا يبول أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري لأنه إذا كان قليلاً سينجس بالملاقاة، فهنا نعم، الوضوء مشكلته نفس مشكلة الغسل، صح؟ لأن فسيكون التقدير: لا تبول في الدائم القليل الذي لا يجري لأن الماء على رواية الرفع ثم أنت ستغتسل منه أو ستتوضأ منه، فسيكون الوضوء مثل الغسل، فنقول نعم يقاس الوضوء على الغسل، يقاس الوضوء على الغسل لأنه نفس المشكلة ستكون فيه أن الماء فلا يصلح لا للوضوء ولا للغسل على من يرى أن الحديث علته تنجيس الماء الراكد القليل.
إذا قلنا لا، مثلاً المالكية كيف سيفكر إذا كانت علته هي الاستقذار؟ أنه بس هذا الحديث «لا تبول في الماء الدائم» هذا كراهة لأن القضية مستقذرة، الآن هذا الاستقذار الذي سيكون في الاغتسال بنفس درجة الاستقذار الذي سيكون في البول في الوضوء. يعني «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري» لأنك تغتسل فيه. البعض أقول يمكن أن يلحظ... يعني قد يرى أن الوضوء أمر أخف من الاغتسال، مثلاً يقول لك الاغتسال يحتاج إلى انغماس، وبالتالي لما يبول -قلنا على رأي المالكية أنه لن ينجس بالملاقاة- الواحد يستقذر إنه ينغمس فيه ليغتسل، لكن مجرد أنه يتوضأ منه يعني ممكن يسلك حاله. يعني الوضوء ممكن ينظر إليه على أنه أخف من الاغتسال، أن الاغتسال فيه انغماس ودخول وهذا بالتالي يعني قذارة فيه.
عالية أن كل جسدي الغسل، لكن الوضوء يبقى في أعضاء معينة، ليس كل الجسد، فهو ليس في قوة الغسل. ممكن البعض يقول هذا، لكن سأعطيك مقال ابن دقيق العيد لتفهم أن الدرجات المناسبة مختلفة.
فهنا هل الوضوء في نفس درجة الغسل؟ قد يكون في سياقات في نفس الدرجة، مثل سياق التنجيس، لكن في سياق آخر قد تجد الوضوء أهون من الغسل. فقد يرى فقيه أنه لا داعي أن نلحق الوضوء بالغسل هنا؛ إذا قلت إن المشكلة هي الاستقذار، وأن الوضوء أمره أسهل بخلاف الانغماس الكامل الذي قد يكون أصعب على النفس وأكثر قذارة.
لذلك هذا لا تقول إنه قياس بمعنى الأصل؛ لماذا؟ هنا صعب أقول إن هذه زي هذه. هناك أشياء قياساتها بنفي الفارق، وأشياء لا. إذا أردت تطبيق قياس العلة أو قياس الدلالة، فلن يكون قياسًا بنفي الفارق، وإذا جعلته بنفي الفارق سيكون قياسًا بنفي الفارق، لكن ليس أولوي قياس بنفي الفارق، بل هو مساوٍ، ظني وليس قطعياً؛ وهذا أمر مهم جداً أن تعرف درجات المناسبة.
لو قلت إن الوضوء مثله مثل الغسل، ممكن شخص يقول لك: قياس على العلة أصلاً؛ بجامع أن كلاهما لا يصلح فيه الماء النجس، وقد يقول لك: أنا لا أريد، نحن لم نتعلم القياس؟ وأنا أنبه إخواني أن هذا الدرس يحتاج إلى طالب حقيقي حضر "بلغة الوصول" معنا وأتقنها فصاعداً، فلا ينفع أن تأتي إلى هذا النوع من الشرح وأنت لا تزال ترى ما هو القياس بنفي الفارق وقياس العلة والدلالة.
بقول ساعتها: "هذا بدنا نفتح ورشة، بدنا نرجع للبديهيات ونصير نناقش أنه في قياس بنفي الفارق دون الحاجة إلى ذكر الجامع، وفي قياس تحتاج فيه إلى ذكر الجامع". والقياس الذي يُذكر فيه الجامع هو قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه؛ هذه ذكرناها سواء في "النظم الصغير" وذكرناها أيضاً في "بلغة الوصول".
هذه المعاني إذا لم تكن مستحضرة معك الآن، فستبقى تشعر أنك لا تفهم شيئاً. من الطبيعي أن نتكلم هنا عن قاعدة أصولية مقررة في ذهنك، ونحن الآن فقط نطبق كيف نطبقها. فهنا هل قياس الوضوء على الغسل قياس بنفي الفارق، أم قياس بذكر الجامع؟
إذا قلت هو قياس بنفي الفارق، فهذا يكون سعياً للمشابهة الشديدة بحيث لا يكون هناك داعٍ للتطرق إلى ذكر الجامع؛ لوجود مشابهة شديدة بينهما. ولأن هنا يصعب قولنا "فيه الفارق"، فالأقرب أن نقول هو بذكر الجامع. يجب أن تعرف ما الجامع بين الوضوء والغسل، فتقول: الجامع بينهما كلاهما لا يصح بالماء النجس مثلاً، وقد يكون قياس علة أو قياس دلالة، وتنظر ما هو المناسب في هذا المقام.
وإذا قلت لا، فممكن في بعض القضايا تجد حتى العلماء نفسهم يختلفون فيها؛ تجد عالماً يقول لك: هذا قياس علة، وعالماً آخر يقول لك: هذا قياس دلالة. لا تظن أن كل الأمور محسومة، فليس الأمر أبيض وأسود فقط، بل هناك مناطق رمادية، أي أن هناك مساحة لاختلاف وجهات النظر.
هذا بالنسبة لقضية "ثم يغتسل فيه"، ولكن ما دام وردت رواية الترمذي "ثم يتوضأ"، فإذا أصبح يغتسل فيه ويتوضأ، فستكون نفس النتيجة. بقي النقاش في النقطة الأخيرة، وهي التي بحثناها في الدرس الماضي في آخر فائدة مع ابن دقيق العيد: هل الاغتسال في الماء مثل الاغتسال من الماء، أم المشكلة فقط في أن تغتسل فيه؟
إذا قلنا نريد عمل قياس بنفي الفارق هنا، نقول: النهي عن البول في الماء الدائم، ثم أنت ستغتسل فيه؛ فيقولون: اغتسلت فيه بالانغماس أو اغتسلت منه بالاغتراف، ما هي نفس الشغلة؟ هي نفس القضية: "ثم يغتسل فيه"؛ هل هي "فيه" أم "منه"؟ هي نفس القضية، فضلاً أن هناك روايات للحديث "ثم يغتسل فيه"، وفي رواية أخرى "ثم يغتسل منه"، وهذا أكد بالتالي وجود نفي للفارق، وأنه سواء اغتسلت فيه بانغماسك داخله أو اغتسلت منه بغرفك منه، فأنت تتكلم عن نفس النتيجة.
إذاً عندي قياس بنفي الفارق بين "فيه" و"منه". ولذلك قال ابن دقيق العيد: "عندكم في الأحكام ولو لم ترد (فيه) لاستويا أصلاً مباشرة في الذهن"؛ أي أننا لم نكن سنحتاج لقياس بنفي الفارق، لكان قولنا "ثم يغتسل" سواء اغتسل فيه أو منه كافياً. لكن لما وردت كلمة "فيه" صرنا مضطرين لعمل قياس بنفي الفارق: هل "يغتسل فيه" و"يغتسل منه" مثل بعضهما البعض؟
طبعاً هنا خالف الظاهرية. المشكلة عندهم كانت في أنك تغتسل فيه، أما إذا كنت ستغتسل منه فليس عندهم مشكلة. وكذلك خالفوا حتى في الضمير؛ حيث يمكنك أن تقول إن الضمير المستتر قد يخرج لك حكماً آخر: "ثم يغتسل هو منه". هذه المسألة أيضاً بحثناها، ويمكنك أن تضعها خطاً أحمر، فهي مسألة فقهية: "ثم يغتسل هو منه".
هنا خالط النقاش الظاهرية؛ فالظاهرية قالوا: المشكلة أن تبول أنت ثم تغتسل أنت، أما لو بلت واغتسل غيرك فليس هناك مشكلة عندهم. قالوا إن الحديث قال: "لا تبل ثم تغتسل"، فبيتكلمون عن نفس الشخص، أما إذا بلت في الماء الدائم ثم اغتسل غيرك، فليس عندهم مشكلة. طبعاً كما قلت، رأى ابن دقيق العيد أن هذا كلام بعيد عن المنطقية؛ فليس المراد أنه تغتسل أنت، سواء اغتسلت أنت أم اغتسل غيرك، فغيرك بمرتبتك.
وهنا يوجد قياس بمعنى الأصل، وفي نفي الفارق. إذاً الضمير المستتر في "هو ثم يغتسل هو" يمكن أن تضيفه أنت وتضع عليه مربعاً أحمر وتقول: وفيه مسألة أصولية، هل غيري كمثلي؟ أم المشكلة فيّ أنا فقط؟ وتذكر أن الخلاف هنا مع الظاهرية.
إذا لاحظت في هذا السطر الواحد كم مسألة أصولية تحتاج أن تقررها وتصل فيها إلى قناعات. طبعاً نحن قلنا قبل أن آتي بهذه، سنعيش معها اليوم إن شاء الله: مفهوم المخالفة للصفة، وقضية "الجاري كالراكد" أو "ليس كالراكد". ولكن بشكل عام، معتمد الحنابلة هو أن النهي هنا للكراهة، وأن البول يقاس عليه غيره من النجاسات في الماء، وهذا يشمل صوراً أخرى، بل قلت: "درت فيه إناءً"، وأقالوا: القياس بمعنى الأصل، ولم يمانع الظاهرية.
وإن الماء هنا على عمومها، فتشمل القليل والكثير، واستثنينا فقط المستبحر الدائم الذي لا يجري. نكلم طبعاً الدائم، هل أخرجوا منها الراكد؟ هذا رح ينبني، هل معتمد المذهب أن الجاري كالراكد؟ صحيح أن الجاري كالراكد، لكن ماذا قالوا في الحديث بالنسبة لهذه المسألة؟ سياتي معنا أن معتمد الحنابلة كراهية البول في الماء الجاري القليل فقط، أما في الماء الجاري الكثير فمباح.
فهون صار في مشكلة الآن؛ أنتم قلتم بالنسبة للماء الراكد كراهية البول مطلقا، قليل كثير، وبالنسبة للماء الجاري لا، قلتم يكره البول في الماء الجاري القليل لأنه سينجس، وفي الماء الجاري الكثير لا كراهة ولا تحريم وليس داخلا في الحديث. كيف هي ضبطت معكم على قواعد أصول الفقه؟ هي خلوا لي إياها شوي على جنب، نبحثها كمان شوي إن شاء الله.
الذي لا يجري نحن قلنا الحنابلة عموما يعتبرون صفة كاشفة؛ لأن ما في عندهم تفريق بين الدائم والراكد، خلص الدائم هو الراكد، حتى المسألة لغوية. ثم هل النهي عن الجمع أو على الجميع؟ لا، هو النهي هنا عن الجمع. واعتبار الجمع كما قلنا، أن هذا الماء في النهاية إما فلا يصلح أن تغتسل فيه على معتمد المذهب، إما سيكون قليلا فسيكون لا يصلح أن تغتسل فيه، لكنك طبعا قلت ما هو للكراهة، يقول لك: روح أضف عليه وطهره بعدين اغتسل فيه، فبقول لك: لا تبل فيه ثم أنت تغتسل فيه وهو على صورته النجسة، روح طهره بعدين ثم تقوم بالاغتسال فيه، فهو نهي عن الجمع.
طبعا يغتسل، هذه مسألة مش حنبلية، يعني غده رفع نصب جزم هذه ما لها علاقة بالمذهب، هذه مسألة لغوية خاصة، إنه هي كلها في المؤدى قد تصب في نفس الاتجاه، هي مسألة لغوية ما في داعي تقول هذا الوضوء كالغسل. نعم، الوضوء كالغسل؛ أنه إذا كان ما بزبط لا أتوضأ ولا أغتسل فيه. وهل فيه مثلها منه؟ نعم، لأنه إذا كان سواء اغتسلت فيه أو من برضه نفس المؤدى، بالنسبة لنا كحنابلة فيه ومن نفس القضية، واضح يعني هيك نحن مرينا على معتمد مذهب الحنابلة في قراءة النص، بقيت هذه القضية: مفهوم المخالفة.
لما نريد نناقش مسألة مفهوم المخالفة للصفة، أنا محتاج أناقش بعض المسائل الأصولية قبلها. أول مسألة بدنا نناقشها: هل المفهوم، سواء موافقة أو مخالفة، فله عموم؟ هذه مسألة أساسية هنا. لما أقول قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، ما هو مفهوم الموافقة؟ أن كل صور الأذى ممنوعة للوالدين، من الضرب والشتم وما شابه ذلك من صور الأذى، فلما قال: ﴿لَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، أنت قلت لي مفهوم الموافقة أنه مثل «أف» عامة صور الأذى، إذا أنت جعلت مفهوم الموافقة عاما.
نفس الشيء في قضية مفهوم المخالفة، واللي يهمني هنا أناقش صراحة مفهوم المخالفة. فنقول: هناك أقوال عديدة لأهل العلم سنناقشها، وأنا أريد أن نقرأ النص معا في قضية المفهوم هل له عموم أو لا. سأضع الحديثين في الغنم السائمة زكاة، ما رح أركز الآن على عموم مفهوم الموافقة، بدي أركز على مفهوم المخالفة لأن هو الذي يهمني، بس المسألة عموما نقاشها واحد في قضية عموم المفهوم وعدم عمومه. والحديث الذي معنا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم».
هل مفهوم المخالفة له عموم؟ هو النقاش أصلا يبتدئ من أين؟ هل العموم من عوارض الألفاظ أو من عوارض المعاني؟ الأصل أن العموم هو وصف للألفاظ في أصول الفقه، صحيح؟ نقول هذا لفظ عام لأنه في "ال" الاستغراقية، لأنه مفرد مضاف إلى معرفة، لأنه جمع مضاف إلى معرفة، نكرة في سياق النفي، فالأصل لما نقول هذا عام، الأصل أن العام وصف للألفاظ. طب هل يجوز أيضا أن نقول في المعاني أيضا إنها عامة؟
المفهوم، مفهوم الموافقة أو المخالفة، هو لفظ ولا معنى أنت وصلت له؟ هو معنى، المفهوم هو معنى؛ لو كان أصلا لفظا كان منطوقا، نحن اسمه مفهوم إذا هو معنى، فهل نقول المعاني لها عموم؟ هنا النقاش. فالغزالي ماذا يقول؟ الغزالي يقول: «من يقول بالمفهوم فقد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به وفيه نظر». قال لأن العموم لفظ تتشابه دلالته بالإضافة إلى مسميات، يعني في عموم الألفاظ وفي عموم المعاني وعموم الأفعال، مش كل كلمة عموم؛ يعني عموم الألفاظ نعم نتفق عليه، بس عموم المعاني لا، هذا قد ننظر فيه. كلمة عام وعموم، قال هذه كلمة مشتبهة على حسب إلى أين تضيفها، إن نظرت أضفتها للألفاظ في عموم للألفاظ، أضفتها للمعاني لا، هذه بدنا ننتظر، مش كل عموم للمعاني هو عموم.
المهم يقول: والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس يتمسك بلفظ عام لكل مسكوت. هسا إذا أنت أخذت بمفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة، أنت مش عم تتمسك الآن بلفظ، أنت مش عم تتكلم، تتمسك بلفظ عام، عم تتمسك بمفهوم بمعنى... فإذا قال صلى الله عليه وسلم: «في سائمة الغنم زكاة»، فنفي الزكاة الآن، شو مفهوم المخالفة في الغنم السائمة؟ نفي الزكاة عن المعلوفة، هل هو عام؟ فيقول: فنفي الزكاة عن المعلوفة، قال هو ليس لفظا حتى نقول إنه إيش عام أو أنه كذلك يخص حتى يعم أو يخص. أنت لما تقول في الغنم السائمة، السائمة هي لفظ عام، لكن مفهوم المخالفة لها إيش هو؟ المعلوفة، هل كلمة المعلوفة مذكورة أمامك؟ لا، هذا أنت معنى ومفهوم أنت أخذته في ذهنك أنه علق الحكم على السائمة، إذن المعلوفة ما فيها زكاة، بنقول قول كلمة المعلوفة إذا مش واردة هذا مفهوم فقط، ذهني ومعنى ذهني، إذا هو ليس لفظا حتى تقول إنه يعم أو يخص.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، قال دل على تحريم الضرب، اللي هو مفهوم الموافقة، لكن هذا ليس باللفظ المنطوق به حتى نقول إنه إيش هناك عموم، هذا ليس لفظا، الضرب أنت استنتجته استنتاج بمفهوم الموافقة، قال ليس لفظا حتى يتمسك بعمومه، وقد ذكرنا سابقا أن العموم للألفاظ لا للمعاني. إذا كان الغزالي يرى أنه ليس من الصواب إطلاق أنه مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة دائما عام، أنه خلص من صيغ العموم، قول لك هو ليس لفظا، هذا مفهوم.
الرازي بماذا رد صاحب المحصول؟ ماذا يقول في مناقشته؟ يقول: إن كنت يا أيها الغزالي لا تطلق عليه لفظ العام فلك ذلك، يعني أنت وشأنك، الرازي بالعكس، الرازي يرى أن المفاهيم تعم لها عموم.
وإنه إذا قلت: «في الغنم السائمة زكاة»، فمعناها نفي الزكاة عن المعلوفة بعمومها وأشكالها وأنواعها، وهذا من دلالة المفاهيم، سواء مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة.
يقول للغزالي: إذا كانت مشكلتك يا غزالي مشكلة لفظية، أنك لا تريد أن تقول من جهة المصطلح إن المفهوم له عموم كمصطلح، فكذلك لا مشاحة في الاصطلاح؛ تسميه عمومًا أو تسميه أي شيء آخر يؤدي نفس المعنى. وإن كنت تعني يا أيها الغزالي أن المفاهيم لا تقتضي انتفاء الحكم في جملة صور انتفاء الصفة؛ يعني إذا كنت تقصد أن الحكم لا ينتفي حيث انتفت الصفة في جميع أحواله، وإذا كنت تعتقد أنه لا ينتفي الحكم في جملة صور انتفاء الصفة، يعني تعتقد أن المعلوفة ليست بكل أنواعها لا زكاة فيها.
نقول: هل هذا النص «في الغنم السائمة زكاة» يدل بمفهوم المخالفة على أن المعلوفة بكافة أشكالها لا زكاة فيها أم لا؟ الرازي ماذا يقول للغزالي؟ يقول: إذا كنت تعتقد أنه لا يدل على أن المعلوفة بكافة أشكالها لا زكاة فيها، فذلك من تفاريع كون المفهوم حجة أصلاً، وهذا يلغي كل قضية المفهوم؛ يقول له: كلامك يا غزالي يلغي كل القضية أصلاً، ويصبح كل المفهوم فيه مشكلة.
قال: ومتى جعلناه حجة؟ إذا قلت إن مفهوم المخالفة حجة، لزم انتفاء الحكم في عامة صور انتفاء الصفة؛ لازم في عامة صور المعلوفة ينتفي الحكم. ماذا سأستفيد من المفهوم ومفهوم المخالفة إذا قلت: إضافة الزكاة للسائمة لا يستلزم نفي الزكاة عن سائر صور المعلوفة؟ ستقول: إذاً أنا خلصت قضية المعلوفة، لم أعد أعرف ما هي الأنواع التي فيها زكاة وما هي الأنواع التي ليس فيها زكاة؛ لأنك إذا قلت إن المفهوم لا عموم له، فمعناه أنني لا أعرف ما الصور التي فيها زكاة وما الصور التي ليس فيها زكاة.
أما إذا قلت: لا، المفهوم له عموم، فالأصل أن المعلوفة بكل أشكالها ليس فيها زكاة، وأنا هكذا صرت أعتمد على دليل. فكلام الرازي منطقي؛ لأنه إذا نفيت عموم المفهوم فكأنك تنفي حجية المفهوم من أصله، وصار لا فائدة له لأنه لا يوصلك إلى نتيجة، وإنما يوصلك إلى إبهام وعدم معرفة ماذا ستفعل.
ابن دقيق العيد حاول أن يحل المشكلة بين الغزالي والرازي؛ لنرى ماذا يقول ابن دقيق العيد، وهو رجل ذكي في أصول الفقه، يقول: أنتم يا جماعة لم تفهموا الغزالي صح. لدينا احتمالان بالنسبة لمفهوم المخالفة، وسينصب الكلام عن مفهوم المخالفة بالتحديد حتى نركز.
يقول لك ابن دقيق العيد: إذا كان المنطوق مثبتًا، فإن مفهوم المخالفة سيكون منفيًا، والنكرة في سياق النفي تعم. هذا تلخيص لكلام ابن دقيق حتى لا أوجه رأسكم. إذا قلت: «في الغنم السائمة زكاة»، هذه جملة مثبتة، منطوقها إثبات الزكاة في السائمة، فكأني قلت: لا زكاة في المعلوفة. أو مثلاً الصفة نفسها تكون في سياق النفي فتجعلها نكرة.
خلاصة الأمر أن النفي أو النهي يؤدي إلى العموم، مش قلنا النكرة في سياق النفي أو النهي تعم؟ فإذا كان المنطوق مثبتًا: «في الغنم السائمة زكاة»، فسيكون مفهوم المخالفة منفيًا في سياق نفي: «لا زكاة فيه»، وما دام «لا زكاة فيه»، فهذا عموم: لا زكاة في أي شكل من أشكاله، فمفهوم المخالفة سيعم.
والعكس بالعكس؛ إذا كان المنطوق منفيًا، مثل الحديث الذي معناه: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، هنا نحن نريد أن نصل إلى أن الماء الدائم جاء في سياق النهي، فقوله: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» فيها عموم: لا تبل في أي ماء دائم. ما مفهوم المخالفة؟ يجوز البول في الماء الجاري. قال: إذا كان المنطوق منفيًا، فإن مفهوم المخالفة سيكون مثبتًا، أي سيكون إثباتيًا وعكس بعضهما. إذا قلت لك: «لا تبل في الماء الدائم»، معناها: بل، أو لا إشكال للبول في الماء الجاري.
قال: وما كان في سياق الإثبات، فهذا يعامل معاملة المطلق. إذا كان مفهوم المخالفة في سياق إثباتي سيعامل معاملة المطلق، والمطلق يصح بصورة من صوره، فبأية صورة تكون قد حققت المطلق؟ إذا قلت: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، مفهوم المخالفة سيكون إثباتيًا، يعني: بل في الماء الجاري، لأن عكس الدائم هو الجاري. فخذ مفهوم المخالفة: يجوز البول في الماء الجاري.
هنا يقول لك: كلمة «الماء الجاري» ما دام في سياق إثباتي من حيث الحكم، فخذ كلامي بالمجمل ولا تدقق في «الماء»؛ خذه بالنفي والإثبات، وسيكون الماء الجاري في سياق إثباتي. وفي سياق الإثبات يصح إثبات الشيء ولو بصورة واحدة من صوره. كيف يعني يا شيخ؟ عندما أقول لك: «أعتق رقبة»، كم رقبة يجب أن تعتق حتى تكون قد امتثلت؟ صورة واحدة من تحرير الرقبة تؤدي الغرض وتكون قد حققت المطلوب.
فلما نقول: يجوز البول في الماء الجاري، ركز أنا أتكلم عن المفهوم، لذلك قلت لك لا تدقق في ألفاظي؛ لأنني أتكلم الآن بمفاهيم لا بألفاظ. فكلمة «الماء» وتقول لي استغراقية، لا يوجد استغراق ولا شيء، أنا أتحدث عن شيء في الذهن، وهذا كله مفهوم، فلا مجال لتطبيق قواعد اللغة هنا. أنا أقول لك: «لا تبل في الماء الدائم»، ستأخذ أنت ذهنيًا كمفهوم: يجوز في الماء الجاري.
يقول ابن دقيق العيد حتى يصح هنا، يعني يمكن تصحيح مفهوم المخالفة فقط بتطبيق صورة واحدة من صوره، فنقول: يجوز البول في الماء الجاري. والماء الجاري له صور في السياق الذي معنا؛ أن يكون قليلًا أقل من قلتين، أو أن يكون كثيرًا، فالماء الجاري قد يكون أقل من قلتين وهذه صورة من صور الماء الجاري، وقد يكون الماء الجاري كثيرًا قلتًا فصاعدًا. فإذا طبقنا مفهوم المخالفة.
في صورة واحدة، نحن أدينا حق مفهوم المخالفة؛ لأننا في سياق إثبات، والإثبات في حكم المطلق. فإذا قلت هذا الحديث، أو يمكن العكس عفوا، تقول مش القليل، أنا حكيت القليل، خلي على الكثير: يجوز البول في الماء الجاري الكثير.
لو قلت: «لا يَبولُ أحدُكم في الماء الدائم»، ممتاز؛ معناها يجوز البول في الماء الجاري. هل هنا لازم أقول بعموم مفهوم المخالفة؟ هل أنا مجبر أقول بالعموم؟ ابن دقيق العيد يقول لك: لا، زي الغزالي يقول لك: مش مجبر تقول بالعموم في حالة كان مفهوم المخالفة في الذهن. ركز، في سياق إثباتي، أنا لست مضطر أن أقول بالعموم حتى أقول عموم مفهوم المخالفة.
يجوز البول في الماء الجاري الكثير والقليل، بل أستطيع أن أقول -حتى أؤدي حق مفهوم المخالفة في سياق الإثبات- أن الحديث يدل على جواز البول في الماء الجاري الكثير. طيب، والماء الجاري القليل؟ لا، ممكن أقول هذا ليس مستلزماً لأن أنا لا أستطيع أن أقول بالعموم، فيمكن أن أرى أن الماء الجاري القليل ممكن الحق بالكثير فأقول: لا إشكال، وأعمم بقرينة. وبحق لي برضه أني أستثنيه وأقول: لا، هذا بده يلتحق بالماء الدائم، وأقول: الماء الجاري القليل يكره البول فيه أو يحرم البول فيه.
فبماذا سنستفيد؟ الشيخ يقول لك: إذا أنا قلت إنه هنا لا عموم، وأنه ممكن أقول إن القليل مثله مثل الكثير يجوز، ويمكن أقول القليل يلحق بالماء الدائم، إذا قلت إن القليل يلحق بالماء الدائم في النهي عن البول، سيقول لي الطرف الآخر: أنت على خلاف الأصل. أقول له: شو الأصل؟ يقول لي: الأصل العموم. أقول له: لا، ما في أصل العموم هنا، أنا في سياق إثباتي.
لو هنا بتفق معك، يعني لو جئت وقلت المنطوق مثبت، بالتالي مفهوم المخالفة في سياق النفي، فلا بد يكون في عموم؛ فإذا جئت للغنم المعلوفة فقلت: بعض صورها فيه زكاة وبعضها ليس فيه زكاة، سيقول لي: آه، أنت خالفت العموم. أما هنا، سامحني، أنت ما بتقدر تقول لي خالفت العموم؛ لأن مفهوم المخالفة ليس في سياق نفي، بالعكس، هنا في سياق إثبات، فيعامل معاملة المطلق، فتكفي صورة من صوره. بالتالي، إذا أنا طبقت على الماء الجاري الكثير، أنا أديت حق مفهوم المخالفة هنا، تكفي صورة من الصور. وإذا رأيت أن الصورة الأخرى تلحقها، يصير رأيت أنها لا تدخل في مفهوم المخالفة، بل هي أولى أن تبقى ضمن الماء، يعني تقاس على الماء الدائم وتبقى في سياق النهي، يضبط.
ولذلك، ما هو معتمد الحنابلة الآن؟ هذا بقدر أرجع لكم، معتمد الحنابلة أن الماء الجاري القليل هو الذي يكره البول فيه، والماء الجاري الكثير لا يكره البول فيه. طيب، هذا كيف يخرجونه الحنابلة على هذا؟ يعني أنت كحنبلي الآن معتمد مذهبك، كيف بدك تخرج هذا القول؟ قائل لك واحد: أنت مش معتمد مذهبكم أن الماء الجاري القليل يكره البول فيه والماء الجاري الكثير يباح البول فيه. يا جماعة الخير، أعطوني القاعدة الأصولية التي اعتمدتموها في الوصول لهذه النتيجة! غريبين أنتم، الحديث يقول لك: «لا يَبُولُ أحدُكم في الماء الدائم»، إذاً مفهوم المخالفة يجوز البول في الماء الجاري القليل والكثير، من أين خرجتم لنا أيها الحنابلة بأنه الماء الجاري القليل لا حكم له، حكم الماء الدائم؟ بس نحن قلنا نحن أصل معتمد، أثبتنا الكراهة في الماء الدائم، فمثله رح تكون في القليل الجاري. من أين طلعتوا لنا بالتفريق بين القليل الجاري والكثير الجاري؟ كلامكم غلط، مفهوم المخالفة يا عم يقول لا.
نقول القضية تقبل التفصيل. طبعاً رح تأتي تقول لي: شيخ، تعال، أنت ممتاز حليت معتمد مذهبك، لكن أنتم في أصول الفقه ماذا تقررون؟ حقيقة في أصول الفقه نحن نقرر العموم. يعني لو ذهبت إلى التحرير، ستجد أن المرداوي يقول: والعموم... والمفهوم سواء مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة له عموم. لكن بعد ذلك المرداوي يناقش الأقوال، في الشرح يذكر قولاً هنا وقولاً هنا. بل حتى ابن مفلح في أصوله يرى أن الخلاف بين الرازي والغزالي يشبه أن يكون لفظياً، وأنه كذلك.
هكذا يرى أصحابنا وكثير من أهل العلم، يقولون إن المفاهيم لها عموم، ويطلقون العبارة، يعني ما يفرقوا هذا التفريق الدقيق الذي يتحدث فيه ابن دقيق العيد؛ أنه مفهوم المخالفة إذا جاء في سياق إثبات يختلف عما إذا جاء في سياق نفي. هي تحريرات دقيقة جداً. فيقول عموم المذاهب، يعني ليس فقط أصحابنا، عموم الشافعية وعموم الحنابلة يقولون المفاهيم لها عموم، وكما قال لك الرازي، أصلاً هكذا تبقى حجيتها وتبقى فائدتها.
لكن هنا في نوع من التدقيق، خلينا نقول التفصيلي، عند ابن دقيق العيد والغزالي، أنه إذا كان في سياق إثبات، فالعموم ملزم -خلينا نقول الأصل يعني واقع ظاهر- ولكن إذا كان المفهوم في سياق النفي فالعموم ظاهر. كلامكم قريب جداً، لكن إذا كان مفهوم المخالفة في سياق إثباتي، زي ما هو حالتنا في هذا الحديث، والله هذا العموم ليس ملزماً. ممكن تقول بالعموم، وممكن ترى أنه لا، لا عموم هنا في هذا السياق، وتستثني بعض الصور وتلحقها بالمسألة الأصلية بالمنطوق. لست ملزماً أن أقولها بالعموم، بل يمكن بعض صور المفهوم أرى أنها ليست داخلة وأنها ملحقة بالمنطوق.
باختصار، قوة العموم هنا ليست كقوة العموم هناك. حتى لو قلت هنا بالعموم، يعني حتى لو أنت لم توافق ابن دقيق العيد على طريقته في التحليل بين أن سياق إثبات وسياق نفي، لكن على الأقل كن مدركاً أن هنا العموم ليس قوياً. ليه؟ هنا العموم قوي لأن المفهوم جاء في سياق نفي، فالسامع سيأخذ أن النفي على جميع الأحوال. لكن هنا لما أقول لك: «لا يَبُولُ أحدُكم في الماء الدائم»، المفهوم هنا سياقه إثباتي، فيبقى حجم العموم فيه ليس قوياً، لأنه ممكن يقول لك هنا نهى عن البول في الماء الدائم، وبالنسبة للماء الجاري قد يقول لك شخص تفاصيله تؤخذ من مكان آخر. لأن الحديث جاء للتركيز على النهي عن الماء الدائم، فالماء الجاري حتى أحققها -كما قال ابن دقيق العيد- مصدر دقيق، مفهوم المخالفة تكفي صورة من صوره، لست مضطراً أن أقول بالعموم في جميع صور.
مفهوم المخالفة في هذه الحالة، أنا فقط طرحت هذا النقاش حتى أريك طريقة تفكير العلماء واحتمالية الأمور. يعني أن تقول هنا بالعموم وهنا عدم العموم، معقولة؟
وإن كنت أعود فأقول لك، معتمد مذهب الحنابلة من الناحية الفقهية يضبط معنى قول ابن دقيق العيد، لكن من الناحية الأصولية الأصل هكذا يقولون، إن المفاهيم لها عموم. فتقول لي إذا من الناحية الأصولية أنتم لم تطبقوا قاعدتكم هنا، ما في مشكلة، ممكن نقول لك ما طبقنا قاعدتنا الأصولية لملحظ لدينا رأينا فيه أن الماء الجاري القليل ينبغي أن يلحق بالماء الدائم.
أنا أقصد أنه حتى معتمد الحنابلة ليس شرط أن يكونوا ساروا على طريقة ابن دقيق العيد، ممكن نكون اعتمدنا طريقة ابن دقيق العيد بس مش شرط؛ لأنه أنا ممكن آجي أقول لك هكذا: إن الحنابلة يقولون بالعموم في مفهوم المخالفة سواء في سياق النفي أو في سياق الإثبات، وهذا ظاهر إطلاقهم أن مفهوم المخالفة له عموم، فهنا الأصل أنهم قالوا بالعموم وأن الماء الجاري قليلاً أو كثيراً ينبغي أن يكون غير مكروه، ثم خصصوا الماء الجاري القليل أو استثنوه، وقالوا: لا، هذا لن ندخله في عموم مفهوم المخالفة، سنلحقه بماذا؟ بالماء الدائم.
ليش خصصته؟ قال: لاشتراكهما في العلة، ما هي العلة؟ أن القليل ينجس بالملاقاة سواء كان جارياً أو راكداً. فهل الحنابلة حتى يصلوا إلى مذهبهم المعتمد هم مضطرون ليسلكوا طريقة ابن دقيق العيد؟ لا، أنا ممكن أعطيك طريقة أخرى وأبقى فيها منطرداً مع قواعدي. آتي أقول لك: أنا كحنبلي مفهوم المخالفة عندي حتى في سياق الإثبات له عموم، هذا ظاهر كلامنا، ليش ما طبقت العموم هنا؟ أقول لك: ماشي، أنا قلت لك له عموم، بس هذا العموم ممكن أخصصه، لأن العموم يقبل التخصيص حتى في المفاهيم.
فهنا صحيح كان المفهوم ينبغي أن يعم الماء الجاري القليل والكثير، لكن لما رأيت أن أصل النهي في الماء الدائم هو خوف التنجيس بالملاقاة بالنسبة للقليل وبالنسبة للكثير (الاستقذار)، بس خلونا على القليل، مش هو خوف التنجيس بالملاقاة بالنسبة للقليل على المعتمد؟ وهذا التنجيس بالملاقاة بالنسبة للقليل موجود برضه في الماء الجاري القليل لأنه ينجس بالملاقاة؛ فلما اشتركت العلة بين الماء الراكد القليل أنه ينجس بالملاقاة والماء الجاري القليل أنه ينجس بالملاقاة، فهذا الذي ناسب أني أستثني هذه الصورة وألحقها بالماء الدائم في النهي على الكراهة، وتبقى صورة الماء الجاري الكثير هي التي تحقق الإباحة وهي التي حققت لمفهوم المخالفة.
فهمتم كيف يمكن أن يفكر حتى لو أننا أردنا أن نطلع على قواعدنا الأصولية؟ فهذا بالنسبة لقضية هل المفهوم له عموم أو لا. وكما قلت لك دائماً، أعرف مذهبك، معتمد الحنابلة أن مفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة له عموم، لكن حتى هذا العموم في المفاهيم كما أن العموم في الألفاظ يقبل التخصيص، هيك احفظها؛ فالعموم في المفاهيم يقبل التخصيص. ما عندي مشكلة، وأفهم وجهة نظر ابن دقيق العيد الذي صوب فيها كلام الغزالي، أنه يقول: لا، إن العموم في المفاهيم إذا كانت في سياق النفي الذهني لها عموم، لكن إذا كانت المفاهيم في سياق الإثبات الذهني الأصل أنه ما فيها عموم، بل هي كأنها مطلق، والمطلق تكفي صورة واحدة لتطبيقه.
أنا بس هيك ناقشت المسألة كلها. الآن نرجع نناقش أقوال المذاهب الواردة في هذا الحديث بالنسبة لقضية الجاري والراكد من كلام ابن دقيق العيد في الإلمام. الآن نرجع للحديث الأصلي الذي معنا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، نقتصر على الجملة. والآن ضعوا معتمد مذهب الحنابلة على جنب في قضية التفريق بين الجاري والراكد بالنسبة لهذا الحديث؛ أن معتمد مذهبنا أن الراكد قليلاً أو كثيراً يكره البول فيه، والجاري القليل... هذا بس حطوا مذهب الحنابلة على جنب، وأمر الحديث وخلونا نرجع لأصل فكرة: عموماً في الفقه، هل هناك فرق بين الماء الجاري والراكد بالنسبة للتنجيس أو لا؟
الحنفية فرقوا، قالوا نعم، قالوا هذا الحديث يدل على أن الماء الجاري عموماً يختلف عن الماء الراكد في قضية التنجيس. الشافعية والحنابلة في رواية -وهي ليست المعتمدة عندنا- ما هي أن الجاري ليس كالراكد، صحيح، وأن الراكد القليل ينجس بالملاقاة والكثير ينجس بالتغيير، وأما الجاري فالقليل والكثير يحتاج إلى تغيير ولا ينجس بالملاقاة. يعني هناك رواية عندنا كحنابلة أن الماء الراكد هو الذي ينجس بالملاقاة إذا كان قليلاً، وينجس بالتغير إذا كان كثيراً، وأما الجاري فلا ينجس إلا بالتغير قليلاً أو كثيراً، بس هي ليست المعتمدة؛ معتمد المذهب أن الجاري كالراكد عندنا تماماً، أن القليل ينجس بالملاقاة والكثير ينجس بالتغير.
طيب الآن ما أريده دعونا نتركه عموماً لأن مناقشة أصولية، دعونا نركز على الفكرة العامة عند من يرى أن الجاري ليس كالراكد، عند من يرى أن الجاري ليس كالراكد وسيعتمد على هذا الحديث اعتماداً أصلياً. يقول لك الحديث: «لا يبولن في الماء الدائم»، إذا قلنا بعموم المفهوم كأنك بقول لك أن الماء الجاري يختلف، صح؟ هيك أنت فاهم من الحديث لما أقول لك: «أوعوا تبولوا في ماء دائم»، إذاً أنت بتعطيني مؤشر أنه في فرق بين الدائم والجاري، ليش خصصت ذكر الماء الدائم إلا لأن الماء الجاري ليس حاله كحال الدائم؟
الآن سنناقش هذه المسألة، فيقول ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: إذا فرعنا على أن للمفهوم عموماً على وجه الإطلاق، إذا بدنا نمشي مع رأي الأكثرية أن المفهوم له عموم سواء في سياق النفي أو في سياق الإثبات، أن نعتبر أن المفهوم له عموم، اقتضى ذلك إباحة ماذا؟ الإغتسال والوضوء بالماء الجاري بعد وقوع النجاسة فيه. صح أنه إذا قلت إن مشكلة في النجاسة هذه كل فكرة الحديث، فأقول لك: «لا تبول في الدائم ثم تغتسل فيه»، إذاً ما هو مفهوم المخالفة؟ أنه يجوز البول في الماء الجاري ثم الاغتسال فيه. خذها الحديث كاملاً: «لا تبول في الدائم ثم تغتسل فيه»، إذاً المفروض مفهوم المخالفة: يجوز البول في الماء الجاري ثم الاغتسال فيه والوضوء منه.
قال: وجريان الماء صفة محسوسة، شيء أنت بتشوفه بعينك أن الماء جارٍ، بالعين مش صفة اعتبارية، وهي حركته المقابلة لسكونه، فيقتضي ذلك أن يباح الوضوء ومثل الغسل من كل ماء موصوف بالجريان والحركة من حيث المفهوم، إذا قلنا بعموم مفهوم المخالفة، فزي ما حكينا كل ماء جاري يجوز.
البول والاغتسال بعد ذلك منه أو الوضوء بعد ذلك منه؛ قال من حيث العموم في المفهوم: فمن أخرج شيئًا من ذلك، أي صورة بدك تخرجها من الماء الجاري وتجعلها كالماء الراكد، أنت المطالب بالدليل.
هنا يقول للشافعي قول قديم: إن الماء الجاري لا ينجس إلا بالتغير قليلًا أو كثيرًا، وهذا هو الرواية الثانية عند الحنابلة أيضًا، كما قلت لكم اختارها بعض أتباعه، لكن المذهب والذي عليه الجمهور عند الشافعية هو مثل الحنابلة. الفرق بين القليل والكثير كما هو في الراكد، يعني أن الماء الجاري القليل مثل الماء الراكد القليل؛ قليل ينجس بالملاقاة، والماء الجاري الكثير مثل الماء الراكد الكثير لا ينجس إلا بالتغير، هذا كذلك معتمد الشافعية. إذاً المذهب الذي عليه الجمهور: الفرق بين القليل والكثير في الماء الجاري كما هو في الراكد، وأن القليل ينجس بالتالي بمجرد الملاقاة.
قال: «لا يبولن أحدكم»، يستدل به للمذهب؛ لمن؟ لمعتمد مذهب الشافعية والحنابلة، ولا للرواية الأخرى عند الشافعية والحنابلة؟ الرواية الأخرى رواية التفريق بين الجاري والراكد، وهذا الحديث يستدل به للمذهب الأول. إذا قلنا طبعًا بعموم المفاهيم، بقول لك: بدك أول شيء تعتمد لي أن المفهوم له عموم، بعدين نيجي بقول لك إنه هذا يدل على المذهب الأول؛ لأنه إذا قلنا إن المفهوم ليس له عموم وأنه يعامل معاملة المطلق، فهنا لا يدل على المذهب الأول، ويجوز أن تقول إن الجاري صورة منه فقط تدخل في المفهوم، والصورة الثانية لا تدخل، ما في عموم أصلاً.
فيقول لك: هذا الحديث يستدل به المذهب الأول إذا قررنا أن مفهوم المخالفة له عموم، قال لتناوله حينئذ لهذه الصورة المذكورة، وهي إيش؟ أن الماء الجاري بكل أنواعه القليل والكثير مش داخل في الحديث، فسيكون أن الجاري يختلف عن الراكد، وستكون القليل الجاري -وصوره- داخلة أيضًا في عموم المفهوم. قال: لكن حديث القلتين يقتضي الفرق بين القليل والكثير، ودلالته على نجاسة القليل هي أيضًا بطريق المفهوم.
«إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث»؛ ودلالة هذا الحديث على جواز استعمال الجاري قليلًا أو كثيرًا برضه بطريق المفهوم. فالتعارض إذاً الآن بين المفاهيم. دعونا نعود إلى الشاشة مرة أخرى حتى نعطيك قضية: العام من وجه والخاص من وجه، بس هذه المرة مش في المناطيق، في المفاهيم.
الآن ركزوا؛ الحديث الأول ما هو؟ نضع حديث القلتين: «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء». فيقول الكلام الآن: التعارض بين المفاهيم وليس بين المناطيق. فنقول من حيث المفهوم هو عام في الراكد والجاري، لكنه خاص في دون القلتين، اللي هو القليل. وأما الحديث الثاني: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، من حيث المفاهيم، من حيث مفهوم المخالفة هو خاص. شو مفهوم المخالفة؟ «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، شو مفهوم المخالفة؟ جواز البول في الماء الجاري، إذا هو خاص في الماء الجاري.
من حيث المفهوم مقارنة مع هذا، نحن بنتكلم هنا مقارنة مع هذا؛ خاص في الماء الجاري، وعام في القليل والكثير. ركز معي حتى تفهم، أول شيء هي التقابلات. نقول إذا بلغ الماء قلتين -دعني من المنطوق، إيش مفهوم المخالفة؟- إذا كان دون قلتين لم ينجسه شيء، إذاً إذا كان دون قلتين ينجس بالملاقاة، هيك قالوا مفهومه. إذا كان قلتين فصاعدًا لا ينجس بالملاقاة، مفهوم المخالفة: أقل من قلتين ينجس بالملاقاة، صح؟ هيك مفهوم المخالفة لهذا الحديث.
أنا بركز قاعد على مفهوم المخالفة، حتى أكتبه هنا؛ مفهوم المخالفة: ما دون القلتين ينجس بالملاقاة. يعني ينجسه شيء إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء، إذا ما دون القلتين ينجسه شيء. هذا المفهوم ما دون القلتين ينجس بالملاقاة، هذا المفهوم عام من جهة أنه يتكلم عن الجاري والراكد، هو يتكلم عن أي ماء دون قلتين سواء كان جاريًا ولا كان راكدًا، إذاً هذا المفهوم له عموم أنه يتكلم عن الجاري وعن الراكد، لكنه خاص أنه يتكلم عن الكمية، ما دون القلتين خاص من حيث الكمية والمقدار.
الحديث الذي معنا: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم»، إيش مفهوم المخالفة؟ مفهوم المخالفة: جواز البول في الماء الجاري ثم الاغتسال منه. هذا المفهوم المخالفة يتكلم إذاً عن الراكد والجاري، ولا عن الجاري فقط؟ عن الجاري فقط، إذاً هو خاص أنه يتحدث عن الماء الجاري، بعكس هذا، هذا عام أنه يتكلم المفهوم فيه عن الجاري والراكد. ولكن هذا الحديث لابد أن يقف "ماء دائم"، صحيح هو خاص أنه يتكلم عن الجاري، لكنه يتكلم عن الجاري سواء أقل من قلتين ولا أكثر من قلتين، فهو عام من حيث المقدار؛ يقول لك جواز البول في الماء الجاري، هل قلتين ولا أكثر من قلتين؟ عممت.
لاحظ أن المفاهيم نفس الشيء؛ قد يكون المفهوم عام من وجه وخاص من وجه، يقابله مفهوم عام من وجه وخاص من وجه. هذه أول مرة تمر معكم، دائمًا نبحثها في المنطوق، أنها عام من وجه وخاص من وجه، وهي بعثناها في الدرس الماضي في تعارض حديث «لا يبولن» مع حديث «إذا بلغ الماء قلتين»، مش قلنا عام من وجه وخاص من وجه؟ بس كنا الدرس الماضي نبحثها في المناطيق في المنطوقات، هون بنبحثها في المفهومات؛ أن مفهومًا عامًا من وجه وخاص من وجه، يقابله مفهوم مخالفة خاص بالوجه العام.
طيب، الآن ماذا سنفعل؟ هذا هو السؤال. الآن قضية أنه يخصص هذا العموم بهذا الخصوص، وهذا العموم بهذا الخصوص ما رح يزبط، أنت مضطر تختار أحد الخيارين؛ يا أنك تقول هذا العام أخصصه بهذا. فأقول: هذا يدل على أن الراكد بعموم مفهوم المخالفة يدل على أن الراكد والجاري ينجس بالملاقاة، لكنني سأخصصه وأخرج منه ماذا؟ الماء الجاري؛ فإنه لا ينجس بالملاقاة، يحتاج إلى تغير. كيف بدك تخصصه؟ بخصوص المفهوم اللي في الحديث الآخر، لأنه هذا الحديث على ماذا يدل؟ أقول لك: يجوز البول في الماء الجاري سواء كان قليلًا أو كثيرًا. شو رح تفهم؟ يجوز البول في الماء الجاري سواء كان قليلًا أو كثيرًا، قالوا إذاً لأنه لا ينجس بالملاقاة، يحتاج إلى تغير. فإذاً هنا هذا الحديث يدل على أن الماء الجاري لا ينجس بالملاقاة، عشان هيك يجوز البول فيه. بالتالي الماء الجاري رح أستثنيه من عموم مفهوم المخالفة هنا، وسأقول مفهوم المخالفة هنا خلص يتكلم عن الراكد.
فقط أنه ما دون القلتين من الراكد هو الذي ينجس بالملاقاة. كيف طلعت الجاري؟ بخصوص مفهوم المخالفة في الحديث الآخر والاحتمال، طبعاً هذا من الذي فعله الشافعية في القديم والحنابلة في الرواية الأخرى؛ مش منحنابله عندنا أن الجاري مش زي الراكد، فالجاري لا ينجس إلا بالتغير. في الرواية الأخرى مش معتمدة، بس لا ينجس إلا بالتغير.
هذول كيف بدهم يعملوا في منظومة الأحاديث هذه؟ رح يجي يقول لك مفهوم المخالفة هنا الذي على عمومه في الراكد والجاري، سامحونا رح نشيل منه الجاري، ورح نقول مفهوم المخالفة هنا خاص بالراكد ما دون القلتين من الراكد. وأما الجاري فهذا يؤخذ من الحديث الآخر أنه قليل وكثير لا ينجس بالملاقاة، فخصصنا بهذا المفهوم.
إذا رحت على طريقة أخرى وقلت لي: يا شيخ أنا ما بدي أخصص هذا العموم بهذا، بدي أروح على هذا، وراح أخلي كلمة الراكد والجاري على عمومها، والذي سأختاره هو أن أخصص هذا العموم بهذا الخصوص؛ بالعكس، فسأقول هذا العموم هنا في هذا الحديث يدل على ماذا؟ أن القليل والكثير من الجاري لا يتأثر بالملاقاة. رح نيجي نقول: لا، بدي استثني القليل بخصوص هذا الحديث، فسأقول لا: دون القلتين من الراكد والجاري ينجس بالملاقاة. هذا سأخذ خص به هذا العموم، وبالتالي سيبقى إذا خصصت هذا العموم سيصبح هذا الحديث ما دلالته؟ الماء الجاري الكثير هو الذي يجوز البول فيه، وأما القليل -سامحونا أخذناه وخصصناه وأضفناه للحديث السابق- فسيكون الماء الجاري القليل باقي على المفهوم الأول، داخل في عموم أنه ما دون القلتين من الراكد والجاري ينجس بالملاقاة.
وهذه هي الطريقة المعتمدة عند الحنابلة؛ يعني الطريقة الأولى هي رواية في المذهب، والطريقة الثانية هي المعتمد. نحن ايش المعتمد عندنا؟ أن الجاري كالراكد، إذا نحن اخترنا نعمل الثاني مش الأول. نحن ماذا اخترنا أن نعمل؟ أنه هذا العموم في المفهوم -زي ما قلت لكم هذا العموم في المفهوم ممتاز- وهو أن الماء الجاري يجوز البول فيه والاغتسال، بمعنى أنه لا ينجس قليلاً أو كثيراً، خصصنا بأيش؟ بهذا الخاص الذي هو خاص المفهوم الأول، خاص مفهوم إذا بلغ قلتين شيء. فإما أنك تختار هذا العام يخصص بهذا، وسينتج عندك أن الماء الجاري يختلف عن الراكد، وهي الرواية الثانية عند الحنابلة وقديم الشافعية، أو تختار أنه هذا العام يخصص بهذا، وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية والحنابلة.
واضح. إذا كما قلت، نحن النتيجة التي وصلنا لها هي أن الماء الجاري الكثير يباح البول فيه مطلقاً، وكراهية البول في الجاري القليل نحن مش محتاجين نعتمد فيها طريقة ابن دقيق العيد، صح؟ أنا ممكن أمشي على أن العموم له مفهوم عادي وأوصل لنفس النتيجة. يعني أنت مش مضطر تمشي مع ابن دقيق العيد أن العموم له مفهوم فقط في باب النفي وليس في باب الإثبات؛ لا، أنت عدت على معتمد مذهبك أن العموم له مفهوم، ممكن توصل على أن القليل الجاري يكره البول فيه، ممتاز، يكره البول فيه، وأن الكثير يبقى على الإباحة.
بس طبعاً سيبقى عليك هنبلي أن تقول: ما الفرق بين الكثير الراكد والكثير الجاري؟ بس رح تقول لي من ناحية تفكيرية: أنتم الكثير الراكد برضه مكروه مع أنه لا ينجس إلا بالتغير، طيب الكثير الجاري لماذا ليس مكروهاً هنا؟ أنا أظن التعليل واضح؛ أن الماء الجاري يدفع بعضه بعضاً، فما إذا كان كثيراً لا يحصل فيه من الاستقذار؛ لأنه عفواً إذا صرنا نتكلم عن الكثير فهنا لا ينجس إلا بالتغير، بالتالي ستكون علة الاستقذار هي العلة الأبرز الآن، ليس التنجيس بل الاستقذار في الماء الراكد الكثير؛ لأنه راكد في مكانه، أكثر من الاستقذار في الماء الجاري الكثير؛ لأن الجاري الكثير يدفع بعضه بعضاً. بالتالي أصبح متصور الفرق في الكثير، وهذا كله من باب التفكير الفقهي وتقرير كلام أهل العلم.
طيب واضح يا إخواني. إذا هكذا أنت ستتعامل عند تعارض المفاهيم، إذا كان التعامل من وجه خاص ومن وجه، كما تتعامل مع تعارض المنطوقات. طبعاً ابن دقيق العيد قال ما قلته هنا لكن بلغته العالية، وأنا ما حبيت أن أدخلكم الآن نقرأ كلام ابن دقيق العيد حتى لا أوقعكم في الإشكال، تقول لي الكلام صعب، لكن هو خلاصة ما يريده وما ذكرته لك على الشاشة.
طبعاً الآن ستبقى قضية، وهي أن اختيارك لأحد الأمرين؛ يعني اختيارك أن تخصص هذا بعموم هذا أو هذا بعموم هذا، أنت عندك عام من وجه وخاص من وجه يقابل عام من وجه وخاص من وجه، صحيح أنت ستختار أحد الأمرين: إما أن أخصص عموم هذا بخصوص هذا أو العكس. طيب هل هي قضية ذوقية ولا برضه بدك مرجح؟ يعني ما الذي يجعلك تختار هذا أو هذا؟ لا بد من مرجح. ما الذي يرجح أن أخصص هذا بعموم هذا أو بالعكس؟ هنا نتكلم عن مرجحات ابن دقيق العيد في شرح الإلمام؛ تكلم عن مرجحات لأصحاب القول الأول ومرجحات لمن اختار القول الثاني، لكن رح أختصر عليكم حتى لا أثقل أكثر من ذلك، ما راح أتكلم عنها؛ هي سهلة مش صعبة، بس بدها شرح وتفصيل حتى تفهم ما هي المرجحات، فأنا أنصحك أن الطالب الذي يريد أن يتوسع أكثر يروح يقرأ في شرح الإلمام: ما هي المرجحات التي يمكن أن يعتمدها هؤلاء؟ لكن يكفي أنك إذا وقفت عند هذا المقام وعرفت كيف تتعامل مع وجه خاص من وجه وما هي النتائج التي سنصل إليها، هذا يكفي ويمكنك كما قلت أن تعود فتقرأ.
بالتالي الآن، أنا فقط بدي أرجع إلى الصورة الأصلية. هكذا نكون انتهينا من الكلام عن هذا الحديث، وانتهينا أيضاً عن الكلام عن هذه النقطة بالتحديد الأخيرة التي كانت بقيت: هل مفهوم المخالفة للصفة هل الجاري يعتبر ولا لا؟ مفهوم المخالفة لكلمة الدائم هل هو معتبر أو لا؟ باختصار: هل الجاري كالراكد أو عكس ذلك أن الجاري ليس كالراكد؟ إذا اعتبرت مفهوم المخالفة للصفة وأطلقت عمومه، ستقول إن الجاري ليس كالراكد، وهذه رواية في المذهب، وتقول رواية عند الحنابلة اعتبروا فيها مفهوم المخالفة على عمومها وقالوا إن...
الجاري ليس كالراكد، وإنه لا يندس إلا بالتغير. الجاري قليلاً أو كثيراً، لكن هل هي المعتمدة؟ بنقول لا، المعتمدة في المذهب أن مفهوم المخالفة للصفة هنا ليس على عمومه.
الآن أنت كحنبلي أقول لك: معتمد مذهبك. هذه أنا أعرف إخواني أنه الآن ستكون عملية مجهدة مضنية أن تتمرس، بس هو الإجهاد بعده يأتي إن شاء الله الحل، اتعب في البداية وإن شاء الله تجد الفوائد في النهاية. أنا كحنبلي في المعتمد، كيف قرأت النص؟ هل اعتبرت عموم مفهوم المخالفة؟ قلنا قبل شوي لا؛ لأن عموم مفهوم المخالفة سيقتضي أن الجاري قليلاً أو كثيراً ليس كالراكد، وهذا ما قلناه، لأنه معتمد مذهب الحنابلة أن الجاري القليل يكره البول فيه كما يكره البول في الدائم.
إذاً أنا ما اعتمدنا عموم مفهوم المخالفة، هكذا قراءتنا كمعتمد للنص؛ لم نعتبر عموم مفهوم المخالفة، وإنما اعتبرنا مفهوم المخالفة في صورة من صوره وهي الجاري الكثير، فقلنا نعم، هذا يخرج من الحديث بمفهوم المخالفة، وأما الجاري القليل فالحقناه بالدائم.
إخواني بدي أعطيك طريقة في التفكير؛ المفهوم عليك أن تحلله دوماً: هل المفهوم علة التي في المنطوق؟ إذا كانت موجودة في المفهوم فهنا سيكون مفهوم موافقة أو قياس. يعني الشيء المسكوت عنه باختصار. النقطة الآن: الحديث يتكلم عن الماء الدائم، إيش المسكوت عنه؟ الجاري. الآن هل الجاري سأعتبره مفهوم المخالفة وأطبق قاعدة مفهوم المخالفة، ولا سألحقه بالدائم؟ إذا ألحقته بالدائم؛ فإما من خلال مفهوم الموافقة والقياس.
طيب إيش الذي يعتمد؟ شو المسار الذي سأسلكه؟ هل سأعتمد اعتبار مفهوم المخالفة، ولا سأعتمد مسار مفهوم الموافقة أو القياس وألحق المسكوت عنه بالمنطوق؟ نحن قلنا إخواني مفهوم المخالفة هو آخر شيء تروح عليه، مش هيك؟ نحن أخذنا في أصول الفقه أنه لما يأتي شيء ظاهره في مفهوم مخالفة، خلِّ مفهوم المخالفة آخر شيء، لا تجعل المسكوت دائماً مفهوم مخالفة، لا؛ ممكن يكون المسكوت حكم المنطوق.
طيب كيف بدي أعرف أنني أريد أن أفهم حكم المنطوق؟ شو العلة في المنطوق؟ لماذا نُهي عن البول في الماء الدائم؟ بالنسبة للقليل؛ نجاسته. طب هل المسكوت فيه هذا الاحتمال أن ينجس؟ والله الجاري القليل نحن عندنا نعتبره حكم إيش؟ حكم الراكد القليل. إذاً الجاري القليل لن يكون مفهوم مخالفة، لا؛ سيذهب إلى القياس، أقيسه على المنطوق.
وأما الجاري الكثير، لا، هذا عندي لا يندس إلا بالتغير، مثله مثل الجاري الكثير لا يندس إلا بالتغير، مثله مثل الراكد الكثير. طيب بتقول لي: إذاً بس الراكد الكثير هنا داخل في الكراهة؟ أنتم هيك قلتوا في المعتمد أن الراكد الكثير داخل في الكراهة. طب ليش إذاً الجاري الكثير طب ما ألحقتوه بنفس الشيء؟ ليش اعتبرتوه مفهوم مخالفة وقلت يجوز؟ لأنه أنتم أصلاً كحنابلة في المعتمد معتبرين الحديث كله على الكراهة، وعممته؛ قلت كراهة في الماء القليل الراكد والكثير الراكد.
طيب ليش ما عملتم نفس الشيء في الجاري وريحتونا وقلتم إنه في الجاري خلص: القليل مكروه والكثير مكروه؟ وبالتالي نؤكد على مفهوم المخالفة؟ بدنا نأخذ مفهوم المخالفة واعتبرنا الجاري كالراكد، قالوا لا، شوفوا؛ بالنسبة للماء الدائم القليل، المشكلة فيه التنجيس وهي زيها زي الماء الجاري القليل، فبنلحق الجاري بالقائم. بس المشكلة في الماء الراكد الكثير ابتداءً مش التنجيس، الماء الراكد الكثير مشكلته الاستقذار، أنه يصير وسخ على الناس لأنه لا ينجس إلا بالتغير. وهذا في الجاري الكثير لا، مش زيه؛ لأن الجاري الكثير ماشي ورايح، فكمية الاستقذار فيه قليلة جداً، وبالتالي لا ألحقه وأعتمد مفهوم المخالفة، فأقول في مفهوم مخالفة. سينطبق هذا كله في التفكير والتحليل للنص، وهكذا تكون أنت مشيت على كل الألفاظ وعرفت.
طبعاً أنا ما أقول إنه نحن هكذا ختمنا العلم في الحديث، يعني كم من عالم يأتي إلى حديث إخواني يستنبط منه من الأفكار والملاحظات أكثر من هذا؟ فهمتوا؟ الآن لما يقول لك إن الشافعي يأخذ من الحديث 40 فائدة و50 فائدة، شو معنى يأخذ 40 و50 فائدة؟ هي الحفلات. يعني نحن ناقشنا مسألتين، ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر، إحدى عشر، يعني أنت بحثت 12، 13 مسألة مع أنك لأول مرة كنت تقرأ الحديث! يا أخي الحديث واضح: «لا يقول أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه» واضح. شو بتحكوا أنتم يا مشايخ؟ يا أخي أنتم المذهبيين جماعة معقدين! أنتم بتحكوا لي يا أخي يمكن للاستنباط من الحديث لازم الواحد يصل لمستوى الغزالي ومستوى ابن دقيق العيد عشان يناقش الحديث.
أنا ما أقول إننا نحن لا نزعم أصلاً نحن وصلنا لمستوى الغزالي وابن دقيق العيد، نحن مقلدون لهؤلاء، ما أقول لك نحن أصلاً وصلنا. أنا أقر بأن قدراتنا في هذا العصر... طبعاً أنا لا أحجم من قدرة الإنسان على التفكير والنقد حتى ما حد يفهم كلامي غلط، يعني لا أقول إن طالب العلم اليوم ما يقرأ أي كتاب، أنت فقط اقرأ ما تنقد، لا تصور، عادي إذا ربنا رزقك ذكاء وفهم، بكل أدب واحترام وتقدير للعلماء الأقدمين ممكن تناقش؛ لأنني أريد في النهاية ما أقول شيئاً وأنا مش مقتنع فيه، بدي أكون أنا مقتنع أن هذا الكلام هيك، يعني اقنعني يا فلان أن الكلام منطقي، أنا أناقش، لكن في النهاية أدرك تماماً أن كل هذه الأمور...
أعود فأقول إنه كان كثير من الإخوة دائماً يقول لي: «يا شيخ أنتم المتمذهبة من التيار الآخر لما يناقشني تعقدون الأمور». طبعاً البعض يقول لك لا، بعضهم يقول لك: «إحنا عندنا أصلاً ما وصلنا من الكتب والمعلومات كوفره، كتب أكثر مما كان بين يدي الشافعي وأحمد، فإذاً ليش أنت تمنعني من الترجيح؟». هكذا يقول فعلاً، يقول أنا أحجم ما ورد إلينا، يعني الشافعي وأحمد ومالك ما وصلهم البخاري ومسلم والسنن لأنها جاءت بعدهم، فيقول أزعم -هكذا يقول بعضهم- أزعم أن ما لدي من المواد والأحاديث والآثار وصلت إليّ ما وقف عليه الشافعي وأحمد أنها وجدت بعد زمنهم، فليش تمنعني أن أرجح بين الشافعية، بين كلام الشافعي وكلام أحمد؟
أولاً أقول لك أنا لا أمنعك من الترجيح إذا تأهلت، هي أول نقطة. يعني أنا لست ضد التفكير العلمي، بالعكس أنا أحبذ هذا، ولست مع التمذهب المقيت المتعصب حقيقة، لكن لما بدك ترجح، بدك تقنعني أنك مؤهل وأنك تملك منهج معرفة، وأنه لما أسألك: هل المفهوم عندك يعم؟ تكون عندك جواب، ولما أسألك: القياس بمعنى الأصل ما هو وكيف تطبيقه؟ يكون عندك جواب.
ولما أسألك: هل يجوز الجمع بين النهي أنه للتحريم وللكراهة في نفس الوقت؟ يكون عندك وجهة نظر أنت مضطرد فيها، وهذا يعني أنك ستشكل قواعد أصولية لك تمشي ومنطلق عليها. أما أن آتي أسألك وأقول لك: ما رأيك في هذه المسائل أصلاً قبل تقريرها على الحديث؟ إذا قلت لي: لا أدري ما هي المسألة التي تتحدث عنها، مثل الجمع بين الحقيقة والمجاز، ثم أتيت لمربع آخر تقول: أنا لا أتبنى وجهة نظر؛ فما دام صعب تتبنى وجهة نظر أنها مسألة كبيرة وتحتاج إلى استقراءات لغوية وتحريرية والنظر في كلام العرب والاستقراء الكبير الذي عليه المحققون، فيكفيك أن تقنع بأن تتبنى وجهة نظر معرفية حنبلية أو مالكية أو شافعية.
لأنك إذا لم تفعل ذلك، فأخشى والله عليك أن تكون ممن يقولون على الله ما لا يعلمون. كيف تريد أن تفتي، وتستنبط، وتختار الأقوال وأنت ليس عندك منهج معرفي أقمت عليه الأدلة؟ هل تظن أن قضية عموم مفهوم المخالفة هي مجرد "أنا أرى أنه يعم" أو "أنا أرى أنه لا يعم"؟ القضية ليست ذوقًا بأن أرى أو لا أرى، بل هي قضية تحتاج إلى استدلالات واستقراءات لغوية، والنظر في الأساليب، وطريقة العرب الأقدمين في الفهم، حتى آتي وأقرر لك أن مفهوم المخالفة له عموم أم لا.
أنت تلاحظ أن أي كلام للكبار يكون فيه تفاصيل دقيقة؛ مثل ابن دقيق العيد ومناقشته مع الغزالي والرازي وترجيحه لكلام الغزالي ومحاولته. هذا الكلام العالي بدون أن نخدع أنفسنا غير حاضر في عامة الدرس المعاصر. عندما تقرأ لكثير من المعاصرين، تجد هذا البعد الذي يتكلم فيه ابن دقيق العيد أو ابن تيمية أو ابن القيم غير موجود، فتعرف أن هناك للعلم قواعد وأسسًا وأصولًا تجعلك يا طالب العلم تقف وتعرف حجمك الطبيعي أمام تلك الأشجار الكبيرة، وأنك الآن يجب أن تبني نفسك وتبدأ القراءة حتى تصبح عندك ملكات.
إذا وصلت لهذه الملكات الكبيرة، فأنا لا أريدك أن تكون شافعيًا أو أحمديًا، بل أقول لك: اجعل عندك ملكات قريبة من ملكات ابن دقيق العيد وقدرات تحليلية حتى تقنعني أنك مؤهل، وإلا فالأمر خطير جدًا؛ أن تستنبط حكمًا وأنت غير مستحضر للمفاهيم والمنطوقات والاحتمالات والانتقادات والاعتراضات والعلل. كل هذه منظومة معرفية كاملة، وإذا لم تكن مستحضرًا فنحن نتحدث عن إشكال معرفي وتهجم.
طبعًا أنا لا أزعم أن كل الأحكام ستحتاج إلى هذا العمق، فبعض الأحكام تكون ظاهرة في الحديث، ولكن إذا جاءني شخص بحديث تظهر منه أحكام ظاهرة، أقول له: تمام، ولكن هل هذا الحديث له معارضات في أحاديث أخرى؟ هل حاولت معالجة التعارضات بين حديث القلتين وحديث الماء الدائم؟ هذه تعارضات كبيرة وجوهرية تؤثر على حكم الماء الراكد والجاري وطريقة التفاهُم. هناك كثير من الأمور الأخرى مثل العلل وإدراك العلل، وهل هي وصف مناسب يمكن بناء الحكم عليه أم لا، وهنا تحتاج إلى منظومة كبيرة من الأحكام.
لا تظن المسألة أن تأخذ حديثًا وتمشي هكذا، هذا فقط أقوله لتعظيم حرمة العلم، وتعرف قدر العلماء، وكم يحتاج العلم من الجهد والتعب حتى تصل إلى درجة العالم. أنت لا تزال في حديث واحد، وكل الأحاديث ينبغي أن تعالج بهذه الطريقة؛ فهذا تمدريب وتمرين كما قلت، وإن شاء الله يكون فيها فوائد في إنزال مواد أصول الفقه على هذا النحو. بغير هذه الطريقة أنت لم تدرك أصول الفقه، فهذا هو التطبيق؛ مثل النحو حين يقال لك: اذهب وأعرِب.
نفس الشيء في أصول الفقه: أمسك لي حديثًا وتعالَ اشرحه، وبعد أن تشرح أربعمائة حديث، أعتقد أنك إذا أنهيت هذا الكتاب بهذه الطريقة سيكون لك شأن بإذن الله في اتساع مدارك الفهم والتحليل لديك. وصلوا على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل