غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والادواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. حياكم الله أيها الإخوة في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لأبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله عليه، ضمن برنامج المدارسة.
شرعنا اليوم بإذن الله في ختم هذا الكتاب المبارك وهذا السفر الطيب بعد جولة طيبة فيه. وختام هذا الكتاب ربما هو يخالف المطلع الذي من أجله صنف الكتاب؛ فالكتاب كما قلنا هو إجابة عن موضوع مشاركة الكافرين في أعيادهم.
فقدم شيخ الإسلام ابن تيمية أصولاً كثيرة يبين حكم مشابهة المشركين عموماً في أمور حياتهم العبادية والعادية، وقدم التفصيلات المناسبة في ذلك، واحتج لها بالكتاب والسنة والإجماع والآثار. وتكلم عن مسألة الأعياد على وجه الخصوص واحتج لها بالكتاب والسنة والآثار.
ثم تكلم عن مسألة الأعياد البدعية؛ يعني الشيء بالشيء يذكر، لما تكلم عن أعياد المشركين تكلم عن الأعياد البدعية التي استحدثت في الأمة. فغاص بنا في موضوع البدعة وتعريفها وضوابطها والرد على بعض الشبهات المتعلقة بها.
ثم بعد ذلك شرع في ذكر تقسيم عام للأعياد الزمانية والأعياد المكانية. ولما وصل إلى الأعياد المكانية، انُجّر بها الحديث إلى مسألة لا تستغرب أن ابن تيميه أطال النفس فيها، لأن إحدى مشاكل عصره الفكرية وهي مشكلة الأعياد عند القبور.
هذه إحدى المشاكل التي خاض ابن تيمية معارك في الحياة من أجلها؛ مسألة شد الرحال للقبور، زيارة القبور، الدعاء عند القبور، تمام، واتخاذها أعياداً. فهي لا أقول إنها مسألة منفصلة، هي ضمن الموضوع بس بالمفهوم العام العريض موضوع العيد البدعي.
فانتقل الكلام عن الأعياد البدعية المتعلقة بالامكنة ودخل في موضوع اتخاذ القبور أعياداً بمعنى أن يعاد زيارتها، وطنب في هذه المساله وقدم الفوائد الجيدة الجميلة فيها، وهي مسألة تكرر بحث ابن تيمية لها ضمن رسائل كثيرة.
لماذا؟ عليك أن تفهم دائماً كما قلنا هي إحدى المشاكل الفكرية التي كان ابن تيمية يواجهها في عصره مع الصوفية ومع المخالفين له وكان له مخالفون كثر فيها، بالتالي هو في أي مكان وفسحة يجد نفسه قادراً أن يعيد ويدلي بدلوه في هذه المسائل، ويقدم الدلائل على حماية جناب التوحيد وحماية العقيدة من الأفكار الدخيلة أو الأفكار البدعية.
وما خاض فيه حتى للاسف بعض أهل العلم من أمور بدعية في هذا الجانب، تجد ابن تيمية رحمه الله عليه يعالج ويقدم ويسمي. ولذلك ستجدون اليوم أن رحلتنا الختاميه هي كلها إلى نهاية الكتاب متعلقة بموضوع ماذا؟ الأحكام المتعلقة بالقبور وصور اتخاذها أعياداً وكيف نهى الإسلام عن ذلك.
وسيستمر الحديث عن موضوع الدعاء بالتحديد، موضوع قصد القبور للدعاء. وصلنا إلى الوجه الثالث، ولا يا شيخ أسامة؟ قلنا في واجب عليكم تعرفوا هذا الوجه الثالث مرتبط بما هو الوجه الثاني والأول.
أحسنت يا شيخ حذيفة، أحسنت، أحسنت، صفحة 286 آخرها قال: ولو تحر الدعاء عند صنم أو صليب أو كنيسة يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم. ثم أراد أن يبين أن قصد القبور للدعاء، قصد القبور لأجل الدعاء بحيث يعتقد الإنسان أن الدعاء عند قبر الولي الفلاني أو السيد الفلاني هو أرجى للإجابة، هذا مخالف لعقيدة السلف.
ثم ذكر وجهين؛ الوجه الأول: قاس موضوع الدعاء على موضوع الصلاة، فكما أن الإسلام نهى عن الصلاة عند القبور، فالدعاء من مفهوم الصلاة وشكل من أشكال الصلاة، أو الصلاة شكل من أشكال الدعاء. قال: ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو لاستجلاب خير كاستسقاء أو لرفع شر كاستنصار، حاله في افتتانه بالقبور أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية.
هذه كانت خلاصه الوجه الأول، فيقول: إذا كان الإسلام نهى عن الصلاة عند القبور، فكذلك ينهى عن قصد القبور للدعاء. ثم الوجه الثاني قال: والثاني أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة بالدعاء هنالك، رجاء أكثر من رجائها بالدعاء في غير ذلك الموطن، أمر لم يشرعه الله ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين.
ثم اخذ من 287 إلى 312 في الوجه الثاني من 287 إلى 312، وهو يذكر الأحاديث النبوية وكلام السلف في هذه القضية، قضية منع قصد القبور للدعاء عندها. الآن سيبدأ في 312 الوجه الثالث في هذا الموضوع.
فقال: الوجه الثالث، وهذا طبعا من رداءة النسخة أنه وضع النقطتين الراسيتين قبل انتهاء الجملة، هذا خطأ من النسخة. الوجه الثالث في كراهة قصدها للدعاء، نقطتان رأسيتان، تمام. أو خلص الوجه الثالث، نقطتان رأسيتان، لكن الذي يظهر أنه لازم نقطتان رأسيتان تكون بعد الوجه الثالث في كراهة قصدها للدعاء لأنه هنا الآن سيشرع فيه، هذا هو الأصل، فهمتم الآن؟
إذاً، الوجه الثالث مرتبط بصفحة 286، في 286 ذكر الأول، 287 ذكر الثاني، الآن 312 سيذكر الوجه الثالث في كراهة قصد القبور للدعاء. بسم الله، اليوم سأحاول أن أخفف من تعليقاتي ونعتمد على انتباهكم وحرصكم، لعلنا إن شاء الله يكون فيها خدمة.
بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف والحاضرين والسامعين. اللهم نج المستضعفين المؤمنين.
أما بعد، قال رحمه الله تعالى: الوجه الثالث في كراهة قصدها للدعاء؛ أن السلف رضي الله عنهم كرهوا ذلك متأولين في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا». كما ذكرنا ذلك عن علي بن الحسين والحسن بن الحسن ابن عمه، وهما أفضل أهل البيت من التابعين وأعلم بهذا الشان من غيرهما لمجاورتهما الحجره النبوية نسباً ومكاناً.
ومر معنا حديث علي بن الحسين والحسن بن الحسن أنهم كانوا ينهون من رأوه أن يلتزم الحجرة للدعاء عندها، فهذا يدل على أن أهل البيت هم فهموا أن قصد القبور للدعاء هو شكل من أشكال اتخاذها عيداً. ومر معنا هذه الآثار في ثنايا الوجه الثاني.
نعم، قال: وذكرنا عن أحمد وغيره أنه أمر من سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم أراد أن يدعو أن ينصرف فيستقبل القبلة. وكذلك أنكر ذلك غير واحد من العلماء المتقدمين كمالك وغيره، ومن المتاخرين مثل أبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي.
وما أحفظ عن لا عن صاحب ولا تابع ولا عن إمام معروف أنه استحب قصد شيء من القبر للدعاء عنده، ولا روى أحد من ذلك شيئاً، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن أحد من الأئمة المعروفين. وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الآثار، فما ذكر أحد منهم في فضل الدعاء عند شيء من القبور حرفاً واحداً فيما أعلم.
فكيف يجوز والحالة هذه أن يكون الدعاء عندها أجوب وأفضل، والسلف تنكره ولا تعرفه وتنهى عنه ولا تأمر به؟ نعم، صار من نحو المئة الثالثة يوجد متفرقاً من كلام بعض الناس؛ فلان ترجى الإجابة عند قبره، وفلان يدعى عند قبره ونحو ذلك.
ابن تيمية يصنع لك رصد؛ يقول: بدأ ظهور مسألة قصد القبور للدعاء والحديث عن فضيلة الدعاء عند القبور في القرن ما بعد القرن الثالث الهجري. ما قبل القرن الثالث الهجري لا يوجد شيء، صحيح، صحيح، لا في أحاديث موضوعة وباطلة، لكن شيء صحيح قبل القرن الثالث الهجري لا يوجد شيء من ذلك.
نعم، قال: والإنكار على من يقول ويأمر به كائناً من كان، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً فيعفو الله عنه. نعم، فبالتالي لا يحتج علينا بكلام عالم بعد القرن الثالث الهجري حتى لو كان كائناً من كان العالم، احتراماً وفضلاً شيء والإنكار عليه في هذه البدعة شيء آخر.
نعم، قال: أما أما أن هذا الذي قاله يقتضي استحباب ذلك فلا. أما أن يقال إنه الله ما دام الغزالي أو العز بن عبد السلام وشيء قال ذلك، فيقول: والله هذا يقتضي استحباب، لا، هذا لا يقبل، هؤلاء ليسوا من السلف.
نعم، قال: بل قد يقال هذا من جنس قول بعض الناس المكان الفلاني يقبل النذر والموضع الفلاني ينذر له، ويعينون عيناً أو بئراً أو شجرة أو مغارة أو حجراً أو غير ذلك من الأوثان. فكما لا يكون مثل هذا القول عمدة في الدين فكذلك قول الأول.
القول الأول: ولم يبلغني إلى الساعة عن أحد من السلف رخصة في ذلك، إلا ما روى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور بإسناده عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك. يذكر آثاراً ضعيفة يعتمد عليها وتزعم أنها من أيام السلف؛ يعني آثاراً ضعيفة تنقل في مسألة الدعاء عند القبور، وسيفند ابن تيمية هذه الآثار ويبين أن هذا ليس ثابتاً عن السلف.
أول آثار حديث أنس بن مالك؛ قال عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشيخاً وشهيداً يوم القيامة». قال ابن أبي فديك: وأخبرني عمر بن حفص، طبعا هو الاثر الآن هنا ما بعد قال ابن أبي فديك.
نعم قال: أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أراد أن يقوم وجاه النبي صلى الله عليه وسلم وجاه النبي صلى الله عليه وسلم، فليجعل القنديل الذي في القبلة عند رأس القبر على رأسه. قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أن من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآيه... شوفنا هذا بهمك الآن هذا الأثر.
قال ابن أبي فديك: وسمعت بعض من أدركت يقول... مين هذا البعض؟ ما ذكره، أنا في جهالة. يقول: سمعت بعض من أدركت يقول. إيش يقول؟ قال: بلغنا أن... بلغنا! طب وين سند منه إلى النبي عليه الصلاه والسلام؟ برضه مش معروف.
كل كلام مجمل عام، ماذا بلغه هذا؟ ماذا بلغ هذا المجهول اللي احنا مش عارفين من هو؟ نعم قال: إنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، فقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقول سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجه.
فهذا الأثر من ابن أبي فديك قد يقال فيه استحباب قصد الدعاء عند القبر ولا حجة فيه لوجوه. الآن هذا الأثر قال: ابن أبي فديك سمعت بعض من أدركته يقول: بلغنا أنه من وقف عند القبر الشريف وتلى الآية فقال: صلى الله عليه سبعين مرة، البعض استنبط منه ماذا؟ جواز الوقوف عند القبر والدعاء عنده. البعض هكذا استنتج من هذا الأثر جواز الوقوف عند القبر أو قبر النبي عليه الصلاة والسلام والدعاء عنده. فابن تيمية سيبين هذا الأثر لا يجوز الاحتجاج به على هذه المساله من وجوه.
قال أحدها: أن ابن أبي فديك روى هذا عن مجهول، وذكر ذلك المجهول أنه بلاغ عن من لا يعرف، ومثل هذا لا يثبت به شيء أصلاً؛ مجهول عن بلاغ. نعم، قال: وابن أبي فديك ليس متأخراً في حدود المئة الثانية وليس هو من التابعين ولا من تابعيهم المشاهير حتى يقال قد كان هذا معروفا في القرون الثلاثة.
وحسبك أن أهل العلم بالمدينة المعتمدين لم ينقلوا شيئاً من ذلك. ومما يضاعفه أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشرا»، فكيف يكون من صلى عليه سبعين مرة جزاؤه أن يصلي عليه ملك من الملائكة؟
جميل، هذا نقد من حيث المتن. يقول: الحديث السابق ماذا قال؟ من وقف عند القبر فقال: صلى الله عليه وسلم عليا يا محمد سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان. طب بقول: هو اللي بيصلي على النبي عليه الصلاة والسلام عشر مرات الله يصلي عليه، معقول الذي يصلي على النبي عليه الصلاة والسلام عند القبر سبعين مرة فقط ملك من الملائكة يصلي عليه؟!
يعني يقول حتى من حيث المتن؛ المتن لا يتوافق الأصل في (يعني في إشكالية متنية). نعم، قال: وأحاديث متقدمة تتبين أن الصلاة والسلام عليه تبلغهم من عين البعيد والقريب.
والثاني: أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء العام للزائر في ضمن الزيارة، كما ذكر العلماء ذلك في مناسك الحج، وليس هذه مسألتنا؛ فإنها قد قدمنا أن من زار زيارة مشروعة ودعا في ضمنها لم يكره هذا، بل بل كما ذكره بعض العلماء، طبعا أن هذا إنما يقتضي استحباب الدعاء للزائر في ضمن الزيارة.
يعني هذا الحديث أصلاً هو ابتداءً إيش؟ «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً وشهيداً». أولاً هذا يدل على الزيارة كنص حديث، وإن كان حتى في إشكال في السند، لكن كنص حديث يدل على الزيارة، ثم بعد ذلك أنت وأثناء الزيارة لو دعوت عند القبر ضمنياً، تبعاً، مش انك تقصد القبر للدعاء، نحن مشكلتنا الآن إيش هي؟ قصد القبر لأجل الدعاء.
فهذا لو بدي لو لو بدي اعتمد عليه هو لا يدل على أنه قصد القبر لأجل الدعاء؛ هو زار النبي صلى الله عليه وسلم ضمن رحلة للمدينة وعرض لما وصل للقبر دعا، لكن سياتي.
معنا حتى أن هذا يعني الدعاء لا يكون باتجاه القبر بل باتجاه القبلة، كما قال وكما ذكره بعض العلماء، مع ما في ذلك من النزاع. مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف ابتداء، كما أن من دخل قال -مع أن المنقول عن السلف كراهة الوقوف عنده أي عند القبر للدعاء وهذا هو الأصح في فعل السلف- نعم.
قال: وهو أصح، وإنما المكروه الذي ذكرناه قصد الدعاء عندها ابتداء، كما أن من دخل المسجد فصلى تحية المسجد ودعا في ضمنها لم يكره ذلك، أو توضأ في مكان وصلى هنالك ودع في ضمن صلاته لم يكره ذلك، ولو تحر الدعاء في تلك البقعة أو في مسجد لا خصيصة له في الشرع دون غيره من المساجد فنهي عن هذا التخصيص.
نعم، فبالتالي إحنا مشكلتنا ماذا؟ أن تقصد بقعة معينة لأجل الدعاء، أما لو كنت في هذه البقعة وضمنياً عرض لك الدعاء ما في مشكلة، فرق بين من قصد بقعة ابتداء لأجل الدعاء فيها -هذه بدعة إذا لم يكن لها فضي (فضيلة)- وبين من كان في بقعة وضمنياً عرض له الدعاء فدعا ضمناً. قال: هذا شيء آخر لا إشكال فيه في الجملة.
نعم، قال الثالث: أن الاستجابة هنا لعلها لكثرة صلاتها (صلاته) على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الصلاة عليه قبل الدعاء وفي وسطه وآخره من أقوى الأسباب التي يرجى بها إجابة سائل الدعاء، كما جاءت بالآثار (مثل) قول: (ولم تسقط له حاجة) في حديث ابن أبي فديك، لماذا لم تسقط له حاجة؟ هل لانه دعا عند القبر -يعني على تسليم صحة الحديث-؟
قال في ختامه: (ولم تسقط له حاجة من صلى سبعين مرة لم تسقط له حاجة). لماذا لم تسقط له حاجة؟ يقول ابن تيمية: ربما ليس من أنه دعا عند القبر بل لانه صلى على النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرة. وأكيد الذي يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في ثنايا دعائه فإنه يرجى أن تقضى له حوائجه، هناك بعد آخر أصلاً موجود.
نعم، قال: كما جاءت بالآثار مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي روي موقوفاً ومرفوعاً: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك، اللهم صل وسلم عليه.
قال: وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتاب أخبار المدينة فيما رواه عنه الزبير (محمد بن حسن بن زبالة سيأتي أصلاً هو من المضعفين المتروكين المتهمين بالوضع). محمد بن الحسن بن زبالة له كتاب اسمه أخبار المدينة، ماذا روى فيه؟ هذا شبهة أخرى أو حديث آخر سيفنده ابن تيمية.
نعم، قال: فيما رواه عنه الزبير بن بكار، روى عنه عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال: رايت رجلاً من أهل المدينة يقال له محمد بن كيسان، يأتي إذا صلى العصر من يوم الجمعة ونحن جلوس مع ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فيقوم عند القبر فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو حتى يمسي.
فيقول جلساء ربيعة: انظروا إلى ما يصنع هذا. فيقول دعوه فإن للمرء ما نوى.
ومحمد بن الحسن هذا صاحب القصة، أن هناك رجل جاء عند الحجرة الشريفة للنبي صلى الله عليه وسلم فسلم على النبي وجلس يدعو حتى أمسى، مين كان جالس في المسجد النبوي؟ ربيعة الراي -بتعرفوا ربيعة الراي شيخ مالك أحد الأئمة- كان ربيعة الراي موجود في المسجد النبوي وحوله تلاميذه، فتلاميذه أنكروا على رجل جلس عند الحجرة يدعو إلى المساء، فربيع الراي ماذا أجاب؟ قال: دعوه فإن للمرء ما نوى.
بعض المتأخرين من الصوفية يستدل بهذا على ماذا؟ أنه ربيعة الراي قال: دعوه يدعو عند الحجرة، فإنما للمرء ما نوى، الآن وبالتالي احتجوا بهذا التصرف، قالوا: إذاً بعض السلف جوز الدعاء عند الحجرة.
فسيفند ابن تيمية هذا الموضوع فقال: محمد بن الحسن بن زبالة قال محمد بن الحسن هذا صاحب أخبار المدينة، مضاعف عند أهل الحديث كالواقدي ونحوه، لكن يستانس بما يرويه ويعتبر به، إذاً ليس مما يثبت به العقائد وهذه الأمور الكبرى، رجل متروك أصلاً، روايات ضعيفة مثله مثل الواقدي بل قد يكون أضعف من الواقدي حتى، لكن يعتبر اعتباراً به كما أن الواقدي يعتبر ويستانس به إذا تفرد.
وهذه الحكاية قال: وهذه الحكاية قد يتمسك بها على الطرفين. وقول أصلاً ابن تيمية هذه الحكاية قد تكون دليل لمن يمنع قصد القبور للدعاء كما أنه يستدل بها الذي يجوز قصد القبور للدعاء، كيف يعني؟ هي مستمسك للطرفين وليس الدليل لمن يجوز قصد القبور للدعاء فقط.
قال: فإنها تتضمن أن الذي فعله هذا الرجل أمر مبتدع عندهم، لم يكن صحيحاً، هذه القصة أنت أصلاً نظرت في السيناريو تبعها جلساء ربيعة لما رأوا الرجل جالس عند القبر ايش قالوا؟ انكروا، يعني ايش يفعل هذا عند القبر؟ هذا على ماذا يدل؟ على أن هذا الفعل ليس معروفا عندهم بل منكر عندهم أن يجلس أحد عند القبر يدعو، فأصلاً أنتم بدكم تستدلوا فيها علينا بل هي دليل عليكم في هذا البعد.
نعم، قال: لم يكن من فعل الصحابة وغيره من علماء أهل المدينة. وإلا لو كان هذا أمراً معروفاً من عهد أهل المدينة لم يستغربه جلساء ربيعة وأنكروه، بل ذكر بل ذكر محمد بن الحسن بن زبالة في كتابه هذا أخبار المدينة، نعم قال: مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل ذكر محمد بن حسن لها في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه يدل على أنهم على عهد مالك وذويه ما كانوا (عهد مالك وذويه ما كانوا) يعرفون هذا العمل، والا لو كان هذا شائعاً بينهم لما ذكر في كتاب مصنف ما يتضمن اغراب ذلك.
نعم، قال: ثم إن جلساء ربيعة وهم قوم فقهاء -وعلماء مالك وذويه هم جلساء من؟ جلساء ربيعة أصلاً يقول- قال: بل ذكر محمد بن الحسن هذه القصة في كتابه مع رواية الزبير بن بكار ذلك عنه، يدل على أنهم في عهد مالك وذويه (يعني وأقرانه) ما كانوا يعرفون هذا العمل وكانوا ينكرون أن أحد يجلس عند القبر يدعو، وإلا لو كان هذا شائعاً لما كان في حاجة أن يذكر أصلاً في مثل هذا المصنف، في مثل هذا المصنف تذكر مثل هذه القصة أصلاً، مما يدل ذكرها يدل على استغرابها وأنها ليست هي الحالة المعتادة.
نعم، قال: ثم إن جلساء ربيعة هم قوم فقهاء وعلماء أنكروا ذلك وربيعة أقره، فغايته أن يكون في ذلك خلاف. وغاية ما يمكن أن يستدل به المخالف أن تلاميذ ربيعة أنكروا وربيعة أقره على فعله، فعلى الأقل سيكون ماذا في ظاهر الأمر هناك خلاف. جلساء ربيعة قالوا: ماذا يفعل هذا؟ إنكاراً له. وربيعة قال: دعوه. إذاً في خلاف على الأقل بين الجهتين.
تمام، فغايته أن يكون في ذلك خلاف، ولكن تعليل ربيعه له بأن لكل امرئ ما نوى لا يقتضي إلا ماذا؟ إلا القرار على ما يكره، فانه اراد الصلاه هناك فانه لو اراد (عفواً لو هنا ظاهرة ساقطة) فانه لو اراد الصلاة هناك لنهاه، وكذلك لو اراد الصلاة في وقت نهي لنهى.
تمام، هو ماذا يريد أن يقول؟ إنه ربيعة إقراره يدل على ماذا؟ قال: لا يقتضي إلا الإقرار على أمر مكروه، السكوت (لما قال دعوه فانما لكل امرئ ما نوى) هو طلب منهم ماذا؟ ألا ينكروا على هذا الرجل، فيكون طلب منهم ألا ينكروا على أنه يقوم بدعة مكروهة، قد يقول: قد يكون ربيعة يرى أن الامر لا يصل إلى التحريم بل يصل فقط إلى الكراهة، بس لكنها بدعة، إحنا قلنا البدعة قد تكون بدعة مكروهة قد تكون بدعة محرمة، فربيع قد يكون قال: دعوه لأنه راى أن الأمر ماذا يعني لا يتجاوز الكراهة، فما راى أنه ينكر على هذا الرجل، يعني خلص يعني ليس بذاك الأمر الكبير وربنا يؤجره على نيته، لكنه لا يلزم من أن ربيعة مئة بالمئة يرى أن هذا الأمر مشروع وطبيعي، فهمتم؟ يرحمك الله.
لذلك قال: ولكن تعليل ربيعة لما قال: دعوه فإنما للمرء ما نوى، الآن ربيعة ما قال: دعوه فإنما فعله فعل السلف، صح؟ ما قال: دعوه فإن فعله صحيح. قال: دعوه ليش؟ دعوه فإنما للمرء ما نوى. هكذا علل لماذا يتركونه، هذا التعليل ماذا يستوحي منه القارئ أو المشاهد؟ أنه ربيعة يعني لا يوجد جزم أنه يرى أن هذا الفعل مشروع، لكن قد يقول: إن شاء الله ربنا يؤجر على نيته، كيف أنت ترى انسان متلبس في بعض البدعة لكن بيحتفل بالمولد النبوي أو شيء تقول: ربنا يؤجر على نيته، إلا هو يعني الفعل ليس هو هدي السلف عموماً، لكن لا ترى الإنكار لأن الأمر في وجهة نظرك لا يعدو أنه يكون مكروهاً لا يصل إلى التحريم، هذه قد تكون كل وجهة نظر ربيعة التي يستدل بها المخالف علينا.
طيب، وإنما الذي أراده والله أعلم ربيع الرائي ما هو؟ قال: أن من كان له نية صالحة أثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي فعله ليس بمشروع إذا لم يتعمد مخالفة الشرع، فهذا وإن لم يكن مشروعاً لكن لصاحبه نية صالحة يثاب على نيته، هذا هو قد يكون قصد ربيعة.
وإنما الذي أراده ربيع الراي أن من كان له نية صالحة ربنا يثيب على نيته، وإن كان الفعل الذي يفعله ليس مشروعاً إذا لم يكن يقصد ويتعمد مخالفة الدين، هذا رجل عامي ما يقصد معاندة الدين، فعله غير مشروع ولكن هل يمكن يؤجر على نيته الصالحة؟ يمكن يؤجر على نيته الصالحة وليس على عمله البدعي، فهذا الدعاء وإن لم يكن مشروعاً لكن لصاحبه نية صالحة يثاب على نيته.
هكذا يمكن أن يكون قصد ربيعة، فيستفاد من ذلك أنهم مجمعون على أن ما فعله هذا الرجل غير مستحب سواء ربيعة أو جلساؤه، ولا خصيصة في تلك البقعة، وإنما الخير الذي سيحصد عند البقعة من جهة نيته، ثم إن ربيعة لم ينكر عليه متابعة لجلسائه -يعني جلساؤه أنكروا وربيعة لماذا لم ينكر؟- إما لأن ربيع لم يبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عیداً وهذا احتمال قد يكون فيه شيء من البعد، وعن الصلاة عنده، فإن ربيعة كما قال أحمد كان قليل العلم بالأثار. يقولون ربيعة الراي أصلاً هو المسمى ربيعة الراي صحيح هو من شيوخ المدينة لكنه كان يميل إلى طريقة أهل الكوفة، كان قليل العلم بالآثار مقارنة بدرايته بالراي (ولا قيسه) فقيل إنه كان قليل العلم بالآثار، أو بلغه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيداً، لكنه لم ير مثل هذا داخلاً في معنى النهي.
وهذا الذي يحصل أحياناً أنه ماشي أنا أعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ قبره عيداً، لكن لما شاف رجل عامي مسكين هيك وقف عند القبر وجلس يدعو عنده عند المساء، قد يكون هو بتحليله ربيعة أقصى أقصى ما يمكن أن يققال لم ير هذا الفعل داخلاً تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيداً»، لو راى هذا الرجل يفعل هذا مراراً وتكراراً اه ممكن ربيعة سينكر عليه، أصلاً مين قال لك؟ بس ربما راه عرضاً يوم مر ولم يكن هذا على سبيل المعاودة، فلذلك لم ير ربيعة أن هذا داخلاً تحت عموم النهي، أو لأنه لم ير هذا محرماً زي ما قلنا قبل شوي، يرى أصلاً كل هذا الفعل عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام إنما هو مكروه.
طيب مكروه متى؟ إذا دعا الله، لكنه التمس بركة الحجرة، مش إذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن هنا أصبح داخلاً في الاستغاثة.
فيقول: أو لأنه لم ير هذا محرماً وإنما غايته أن يكون مكروهاً عند ربيعة الراي، وإنكار المكروه ليس بفرض، يعني إذا أنت رأيت رجل يفعل فعل مكروه هل لازم أنكر عليه؟ لا، إنما يجب إنكار المنكر إذا كان يفعل إيش؟ حراماً، أما شخص يفعل شيء مكروه ممكن أنصحه ممكن أدع نصيحته على حسب المصلحة.
أو أنه رأى أن ذلك الرجل إنما قصد السلام فقط والدعاء جاء ضمناً وتبعاً، وفي هذا نظر.
باختصار ما حدا يستدل علي بما فعله ربيعة، لأن الموقف مش واضح كثير وهناك احتمالات عديدة، وتعليل ربيعة (دعوه فإنما لكل امرئ ما نوى) يحتمل أن يقدم له أكثر من فهم، فربيع لا يمثل السلف في هذه الفتوى خصوصاً أن جلساؤه هم أنكروا، فلا يمكن تقول والله ربيع يمثل السلف في جواز قصد القبر للدعاء.
نعم قال: أو أنه رأى أن ذلك الرجل إنما قصد السلام ودعاء جاء ضمناً وتبعاً وفي هذا نظر، ولا ريب أن العلماء قد يختلفون في مثل هذا كما اختلفوا في صحة الصلاة عند القبر، ومن لم يبطلها قد لا ينهى من فعل ذلك، والعمده على الكتاب والسنة وما كان عليه السابقون، مع أن محمد والعمدة في النهاية على الكتاب والسنة، يعني ربيعة قال ذلك أو لم يقل ليس فعل الواحد والاثنين هو الذي يحاكم عليه.
نعم، قال: ما أن محمد بن الحسن هذا قد روى أخباراً عن السلف تؤيد ما ذكرناه، فقال: حدثني عمر بن هارون عن سلمة بن وردان (ابن وردان) قال: رأيت أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره
إلى جدار القبر، ثم يدعوه؛ يعني يسند ظهره إلى جدار القبر يعني يعكس وجهه باتجاه القبلة، ما يدل على أن أنس بن مالك ما كان يدعو باتجاه القبر، وهذا من ذكره الأثر. محمد بن الحسن بن زبالة نفسه ذكره في كتابه أخبار المدينة، نعم قال: فهذا كان ثابتا عن أنس؛ فهو مؤيد لما ذكرناه، فإن أنسا لم يكن ساكنا بالمدينة، وإنما كان يقدم من البصرة -هذا أظنها إن كان ثابتا مش- فهذا كان ثابتا، لأنه هو كل آثار محمد بن الحسن بن زبالة ضعيفة، أو أو الرجل ضعيف عفواً، فالذي يظهر لي أن في إن ساقطة، الذي يظهر لي -طبعا هذا- فهذا إن كان ثابتا فهو مؤيد، وإلا نحن لا نستطيع نجزم؛ لأنه محمد بن الحسن بن زبالة قلنا ضعيف الحديث.
نعم قال: وإنما كان يقدم من البصرة، أما مع الحجيج أو نحوهم، فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا أراد الدعاء الذي في حق مثله إنما يكون ضمناً وتبعاً، استدبر القبر. وذكر محمد بن الحسن عن عبد العزيز عن عبد العزيز بن محمد... عن عبد العزيز محمد -عبد العزيز الدراوردي هذا، عبد العزيز الدراوردي، عبد العزيز بن محمد الدراوردي بن عبد العزيز بن محمد الدراوردي- نعم، قال عن عبد العزيز بن محمد ومحمد بن إسماعيل وغيرهما عن محمد بن هلال وعن غير واحد من أهل العلم أن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه قبره هو بيت عائشة الذي كانت تسكن مع، وانه مربع مبني بحجارة سود وقصة، والذي يلي القبلة منه أطوله، والشرقي والغربي سواء، والشامي أنقصه، وباب البيت مما يلي الشام وهو مسدود بحجارة.
طبعا أنت بتعرف أصلا الحجرة كانت مربعة، ممتاز مربعة حجرة عائشة، الجدار اللي أقرب للقبلة هو أطول جدار تمام، والجدار اللي أبعد عن القبلة اللي هو عكسه هو أنقصه، فهمت علي؟ يعني هي مربعة بس يعني مش مربعة تماما، خلينا نقول هي الأصل شكلها مربع، لكن في جدار أقصر من جهة القبلة طويل، والمقابلة قصير نوعا ما، لذلك قال: والذي أنقصه ايش هو والشامي والشرقي والغربي سواء والشامي أنقصه. الشامي هو بده يكون عكس اللي باتجاه القبلة؛ لأنه باتجاه القبلة هو الجنوبي، الشامي باتجاه الشام بده يكون عكسه تماما، فهو أنقصه، وباب البيت من جهة الحائط الشامي.
طيب قال: هم مسدود بحجاره سود وقصة، ثم بنى عمر بن عبد العزيز على ذلك البيت هذا البناء الظاهر، وعمر بن عبد العزيز زواها لا زوا، احنا قلنا عمر بن عبد العزيز كيف حوله الحجرة كانت مكع مربعة، عمر بن عبد العزيز خلاها زاوية، مش قلنا خلاها زاوية اللي هو الموجود حاليا، حتى ما أحد يقصد جدار القبلة لأجل أن يصلي عنده، وأظن الزاوية ممكن تكون مش من الحائط اللي باتجاه القبلة، أظن الزاوية من جهة الحائط الشامي، الزاوية من جهة الحائط الشامي حتى يعني حتى يكون الحائط الشامي جاي زاوية مثلث، فما حد يجي يوقف، لأنه لو كان الحائط الشامي عريض كان الناس كلها بتصل للحجرة، لكن عمر بن عبد العزيز خلى الحائط الشامي بهذه الطريقة، أو بنى عليه بهذه الطريقة حتى لا يقصد القبلة عنده.
نعم قال: ألا يتخذه الناس قبلة تخص فيها الصلاة من بين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كما حدثني عبد العزيز بن محمد عن شريك بن عبد الله بن ابن أبي نمر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». حدثني مالك بن انس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فهذه الآثار إذا ضُمّت إلى ماذا قدمنا من الآثار؛ نُعلم كيف كان حال السلف في هذا الباب، وما عليه كثير من الخلف في ذلك من المنكرات، عندهم أن الخلف خالف منهج السلف في كثير من ذلك.
نعم قال: ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة -وليالي الحرة هي الليالي التي هجم فيها الأمويون على المدينة النبوية لما خرجوا عن طاعة يزيد بن يزيد بن معاويه يزيد بن معاويه، خرجوا عن طاعته، فأرسل إليهم أحد قادته موسى بن عقبة أو شيء من ذلك فغزا المدينة وصارت فيها مذبحة المدينة النبوية- نعم قال: فهذا كله حق، ليس مما نحن فيه، والأمر أجل من ذلك وأعظم.
بس الآن بقول ما حدا يقول لي إنه مثلا سمعوا أحيانا من الحجرة صوت سلام أو سمعوا صوت أذان يخرج من الحجرة، يقول ابن تيميه: هذه الكرامات موضوعها مختلف، يعني ما حدا يقول لي والله سمعنا كرامة عند الحجرة، سمعنا صوت أذان يخرج من الحجرة الشريفة، سمعنا أحد سمعنا صوت سلام يخرج من الحجرة الشريفة، يقول ابن تيميه: هذه كرامات أنا لا أنكرها ما عندي مشكلة، بس هي مش موضوعي، أنا موضوعي ما هو قصد الحجرة الشريفة للدعاء عندها، أما تاتي بقصص كذا قال: هذه كرامة ممكن تحصل، فهذا موضوع مختلف تماما.
نعم قال: وكذلك أيضا ما يروى أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيمر أن أن يخرج يستسقي بالناس، فإن هذا ليس من هذا الباب، ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرف وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجة فتقضى له، فإن هذا قد وقع كثيرا وليس هو مما نحن فيه، وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال.
نعم؛ لأنه قد تستجاب الحاجات ويكون السؤال بدعيا أو غير مشروع كما قلنا في البداية لاضطرار صاحبه. نعم قال: فانه هو القائل صلى الله عليه وسلم: «إن أحدهم لَيسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج بها يَتَبَطَّطُها ناراً». فقالوا يا رسول الله فلما تعطيهم؟ قال: «يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل». لما هم فيه من الحال، لو لم يُجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أن السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أُجيب وامر بالخروج من المدينة -يعني بعض الناس يسأل سؤالا بدعيا عند القبر الشريف، عند يأتي إلى القبر يدعو دعاء بدعيا لثقته بالميت سواء النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره فيقضي الله حاجته، قد يكون لأنه لو لم تقضى حاجته لربما اضطرب إيمانه، شوف شو يقول: لربما ارتد خرج من الدين، فتقضى حاجته حتى يثبت على الدين، وإن كان ما فعله بدعة فأن يبقى مبتدعا أفضل من أن يصبح زنديقا كافرا، وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لو لم يُجابوا لاضطرب إيمانهم، ذهب عند القبر يدعو ويتوسل به، أو يرى لو لم يُجب لربما انتكس وارتد- فقد يجاب من باب أن يثبت ما يمكن أن يثبت، كما أن السائلين له في الحياة عليه الصلاة والسلام مش كان يعطيهم، مع أنه يعرف أن هذا ليس هو الخير، لكن من باب أنه لا يضطرب إيمانه؛ لأن بعض الناس يسكت المال فيهدي إيمانه، فقد يكون هذا من قبيل إجابة بعض السائلين عند القبر فقط من باب أن يثبت، ولكن ليس دلالة على مشروعية العمل، ما في ارتباط بين هذا وهذا، دائماً قلنا: حصول النتيجة، مش حكينا الدرس الماضي هل حصول النتيجة إجابة الدعاء هي دليل على مشروعية السبب؟ لا، هذا الارتباط بيحاول دائما ابن تيمية يفصل فيه.
فهذا القدر إذا وقع يكون كرامه لصاحب القبر أصلا، أما أن يدل على حسن حال السائل؟ لا، لا يدل على حسن حال السائل. نعم قال قال السائل: فلا فرق بين هذا وهذا، فلا فرق بين هذا وهذا؛ فإن الخلق -المقصود: أما أن يدل على حسن حال السائل؟ فلا فرق بين هذا وهذا- يعني نقطة آه صحيح، أحسنت مكان الفاصلة خطأ، أما أن يدل على حسن حال السائل؟ فلا فرق بين هذا وهذا. أيوه أعطيني بالله يا شيخ، فلا فرق بين هذا وهذا، هي نفس الخطأ السابق اللي مر معنا الدرس الماضي، فلا هذه مرتبطه بالجمله السابقة: أما أن يدل على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا. ايش يعني فرق بين أن تحصل كرامه وأن النبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل يظهر له كرامه بعد وفاته وبين أن نقول ماذا: هل يجوز قصد القبر للدعاء؟ حصول الكرامات من الحجرة الشريفة أو حتى من قبور الأولياء والصالحين قد يكون كرامه لصاحب القبر، لكن يبقى قصد القبر للدعاء بدعة.
نعم قال: فإن الخلق فإن الخلق لم ينهوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانه بأهلها، بل بل لما يخاف عليهم من الفتنة، وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سببها، ولولا أنه كان أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهى الناس عن ذلك. نعم هو إذا حتى ما يفهم غلط ابن تيمية يقول: نحن لما نقول لا تقصد القبر للدعاء، هل هو والعياذ بالله نقص أننا نستهين بصاحب القبر؟ لا، إنما منعنا قصد القبور للدعاء من أجل ماذا؟ حماية عقائد الناس وتوحيدهم، واما صاحب القبر فله عند الله المقام العظيم، وقد يحصل من الكرامات بعد موته ما يحصل، فلا يظن أن قولي لا يجوز قصد القبور للدعاء هو استهانه بأصحاب القبور، بل هم على الراس والعين وعلى رأسهم القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، وإنما هو حماية لدين الناس.
وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعن من جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، أن الميت الصالح يشفع لجيرانه من الموتى، واستحباب الاندفاع أنه الإنسان يكتب وصية أن يدفن بجانب قبر أحمد أو بجانب قبر ابن تيمية رغبة أن يكون صلاح أحمد سببا في أنه يرتاح في قبره، وحصول الأنس والسكينة عند هذه القبور، ونزول العذاب بمن يستهين بهذه القبور، فهذا جنسه حق، ما عندنا مشكلة في هذا؛ لأن هذه القبور لها منزلتها ومكانتها، لكن نحن وين نقاشنا يا جماعة؟ هل تقصد للدعاء أو لا؟ نحن بدنا نحمي دين الناس وتوحيد الناس حتى لا يفتنوا بالقبور، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق حتى ما يتوهمه أكثر الخلق -شو بدك أكثر من هيك ابن تيمية يعني هي إن شاء الله مكان عالي- لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، أنا مش هذا موضوعي، كمل.
قال: وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة قصد الدعاء أو النسك عندها؛ لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الامور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه وليس كذلك، فلماذا ذكرت هذه الأمور حتى لا يظن أن حصول كرامات عند القبور دليل على جواز قصدها للدعاء؟ بيحاول ابن تيمية دائما يحلل لك الشبهات اللي ممكن تدخل عند الصوفية؛ إنه يقول لك: هي قبر الولي الفلاني طلعت منه رحة هيك نور من السماء، طب ماشي قد يكون هذا حق، هل هذا يدل على مشروعية قصده للدعاء؟ لا، فحصول كرامات من بعض القبور هذا جنسه حق ولكن لا يدل على المسألة الشرعية التي نحن فيها، فهمتم هذا؟ لذلك ذكره.
طيب الوجه الرابع في كراهة قصد القبور للدعاء: قال الوجه الرابع أن اعتقاد استجابه الدعاء عندها وفضله قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد، وربما اجتمع عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة. نعم هو يقول المشكلة الوجه الرابع في لماذا يكره قصد القبور للدعاء؛ أن اعتقاد ناس أن الدعاء عندها مستجاب أدى إلى ماذا؟ اعتقاد العامة أن الدعاء عند القبور مستجاب أدى لِأيه؟ قد أوجب أن تنتاب لذلك وتقصد، أوجب أنهم جعلوها أعياد يقصدونها بشكل دوري، إذا شوف هذه العقيدة ماذا سببت؛ اعتقاد استحباب قصد القبور للدعاء أدى إلى شيء مخيف، أصبح الناس ينتاب هذه القبور بشكل دوري يتقصدونها وأصبح عندها اجتماعات كثيرة في مواسم معينة، وهذا هو العيد الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدا». فهذه العقيدة لماذا نحن نحاربها؟ حتى لا تؤدي إلى اتخاذ القبور أعيادا، هذا أيضا من أوجه رد هذه البدعة.
نعم قال: وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا القبور مساجد فإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». حتى إن بعض القبور يجتمع يجتمع عندها في يوم من السنة ويسافر إليها، أما في في المحرم أو رجب أو شعبان أو أو ذي الحجة أو غيرها، وبعضها يجتمع عنده في يوم عاشوراء، وبعضها في يوم عرفة، وبعضها وبعضها في النصف من شعبان، وبعضها في وقت آخر بحيث يكون لها يوم من السنة تقصد فيه ويجتمع عندها فيه، كما تقصد عرفه ومزدلفة ومنى في أيام معلومة من السنة، أو كما يقصد المصلى المصري يوم العيدين، بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات مصلى البلد، مش دائما احنا مصلى
متى بتروح على المصلى أنت يوم عيد الفطر وعيد الأضحى، وتصبح هذه لها مواسم. نعم، بل ربما قال: بل ربما كان الاهتمام بهذه الاجتماعات في الدين والدنيا أهم وأشد منها ما يسافر إليه من الأمصار في وقت معين أو في وقت غير معين لقصد الدعاء عنده والعبادة هناك، كما يقصد بيت الله لذلك.
وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافاً في النهي عنه إلا أن يكون خلافاً حادثاً. وإنما ذكرت الوجهين المتقدمين في السفر المجرد لزيارة القبور، فأما إذا كان السفر للعبادة، فإذا بتذكر في الدرس الماضي مر معنا أن ابن تيمية ذكر خلافاً في ماذا؟ وجهين عند الحنابلة، ذكر وجهين عند الحنابلة في ماذا؟ في مسألة شد الرحال لزيارة القبور. قال الخلاف عندنا والوجهان عندنا في المذهب في ماذا؟ في شد الرحال لزيارة القبر فقط هنا الخلاف.
أما أن يكون المراد قصد القبر للدعاء عنده، هذا ما في خلاف؛ قال: ولا أعلم خلافاً بين السلف في عدم جواز ذلك، قال: إلا أن يكون خلافاً حادثاً يعني نشأ بعد المائة الثالثة. حتى بتقول: طيب أنت كيف تقول إنه في خلاف، طيب أنت ذكرت قبل فترة الخلاف عند الحنابلة في مسألة شد الرحال لزيارة القبر؟ بقول لك هذيك المساله فقط هي شد الرحل لزيارة القبر في وجهين، والصحيح أنه لا يجوز عند ابن تيمية. لكن مسألة أن يقصد القبر للدعاء بالسفر إليه هذه ما فيها خلاف. فهمتم الفرق بين المسالتين؟
نعم قال: أفضل عمر، نعم البركة وتحصيل شيء من ذلك، لكن لا يقصد أن يتقصد البقعة للدعاء عندها. أنت قد تقول: قد يستتبع ذلك، لكن الخلاف عندنا هو شد الرحل للزيارة لما يرجى من البركة والرحمة التي تنزل عندها، ممكن يقرأ قرآن عموماً، لكن أن يقصدها للدعاء هذا بعد آخر يحتاج إلى دليل آخر أن تكون يعني هذه نيتك في هذا الذهب.
نعم شيخنا هذا الخلاف نفس سائغ في مجال الأهد الآن متأخر الحنابلة يجعلونه خلافاً سائغاً، يعني حتى تفهم أي القضية، لكن ابن تيمية رحمه الله عليه يرى أن الخلاف غير سائغ، والاحتوط أن يغلق هذا الباب تماماً حتى لا تفسد أديان الناس. نعم جزاكم الله خيراً.
قال: وكل هذا قال: حتى إن بعضهم يسميه الحج، ويقولون نريد الحج لقبر الولي الفلاني. قال: حتى إن بعضهم يسميه الحج، ويقولون نريد الحج إلى قبر فلان وفلان. ومنها ما يقصد الاجتماع عنده في يوم معين من الأسبوع.
وفي الجملة، هذا الذي يفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخذوا قبري عيدا». فإن اتياد قصد المكان المعين في الوقت المعين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه مع العيد، ثم ينهى عن دق ذلك وجله. وهذا هو الذي تقدم من أن الإمام أحمد إنكاره لما قال: قد أفرط الناس في هذا جداً وأكثروا، وذكر ما يفعل عند قبر الحسين، وقد ذكرت فيما تقدم أنه يكره اعتياد عبادة في وقت إذا لم تجئ بها السنة، فكيف اعتياد مكان معين في وقت معين؟
نعم قال: ويدخل في هذا من يفعل بمصر عند قبر نفيسة وغيرها، ومن يفعل بالعراق عند قبر ومصر هي الدولة قبل شوي مصر كانت بمعنى البلد عموماً، أما مصر هنا هي الدولة المشهورة قبر النفيسة في مصر. وما يفعل بالعراق أيضاً عند القبر المزعوم لعلي بن أبي طالب وقبر الحسين وقبر حذيفة بن اليمان وسلمان وجعفر وطيب، وعند قبر أحمد ومعروف الكرخي وغيرهما، وما يفعل عند قبر أبا يزيد البسطامي. وكان يفعل نحو ذلك بحران عند قبر يسمى قبر الأنصاري، إلى قبور كثيرة في أكثر بلاد الإسلام لا يمكن حصرها، كما أنه وعلى كثير منها مساجد، وبعضها أصلاً مساجد مغصوبة، لأن المساجد هي بنيت على ايش؟ على قبور مقابر وقفية، فإنك تبني مسجد في مقبرة وقفية هذا غصب للأرض، كما بنوا على قبر أبي حنيفة والشافعي وهؤلاء الفضلاء من الأئمة أبو حنيفة والشافعي وغيرهم، إنما ينبغي محبتهم واتباعهم وإحياء ما أحيو من الدين والدعاء لهم بالمغفرة، هذا المطلوب، وليس أن نقصد قبورهم للدعاء عندها.
فأما اتخاذ قبورهم أعياداً فهذا مما حرمه الله ورسوله، واعتياد قصد هذه القبور في وقت معين أو الاجتماع العام عندها في وقت معين هو اتخاذها عيدا، هذا الذي نهى عنه الإسلام، ولا أعلم بين المسلمين أهل العلم في ذلك خلافا. ولا يغتر بكثره العادات الفاسدة، لا تقول لي والله مشايخ بلدنا بيعملوا هذه عادات فاسدة ولو كانوا مشايخ بيعملوها، فإن هذا من التشبه بأهل الكتابين.
وأصل ذلك إنما هو اعتقاد يعني من أين نشات كل هذه المفاسد يا أخوة تعظيم القبور وأصبحت عيد والناس تنتابها وتشد الرحال عندها؟ من الاعتقاد الأول اللي هو بداية الوجه الرابع، وإنما نشات كل هذه المفاسد من اتخاذ القبور أعياداً من اعتقاد فضل الدعاء عندها، لاحظوا العقيدة تبدا مشكلة صغيرة تكبر بعد ذلك إلى أن أصبحت سرطاناً. وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلب ابتداء لنمحى كل ذلك، لما اتخذت القبور أعياداً ولما سوفر إليها، لأنه كما تففضل أخونا يعني الاصل الانسان إذا شد الرحال لزيارة القبر ويقصد في العادة ماذا معها تبعا؟ الدعاء عندها. فإذا كان قصدها للدعاء يجر كل هذه المفاسد، فإن قصدها للدعاء يكون حراماً، كما أن الصلاة عندها حرام بل هذا أولى، وكل ذلك فتنه للخلق ففتح لباب الشرك وأغلق لباب الإيمان نسأل الله العافية.
طيب فصل قال رحمه الله تعالى: فصل قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها مساجد وعن الصلاة عندها وعن اتخاذها عيدا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد. وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك. وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها.
وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، شو الفرق بين الصلاة عندها أو إليها؟ آه، تكون بجانب القبر وإن كنت تصلي للقبلة مش باتجاه القبر نفسه هذا منهي عنه، وكذلك أن تصلي إليها أن تجعل القبلة بينك وبين القبر نفسه فهذا صلاة إليها. وكذلك وأمرنا إذا بالسلام عليها والدعاء لها، إذا جاء نهي عن الصلاة عندها أو إليها وأمر بالسلام عليها والدعاء لها، أحد بـالسلام عليكم أهل الديار، هذا الذي أمرنا أن نفعل.
طيب وذكرنا قال: وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء أو الدعاء ضمنه، كثير ما يركز ابن تيمية على هذا، فرق بين لأجل الدعاء وبين أنك دخلت المقبرة ليس لقصد الدعاء بل تسلم على أهلها ثم حصل الدعاء تبعاً، مش أنا خارج من بيتي للمقبرة من أجل الدعاء أريد أدعو الله عز وجل بركة المقبورة، لا أنا ذاهب أسلم عليهم أو أسلم على النبي عليه الصلاة والسلام أو على قبور الصالحين وتبعا حصل مني دعاء عام قلت أستغفر الله وأتوب إليه وكان جنبي قبر، هذا مش بدعة ما حداش يقول لك أن هذه بدعة نعم.
وتمام الكلام في ذلك بذكر سائر العبادات، إذا تكلمنا عن الصلاة عند القبور سابقاً، وتكلمنا عن الدعاء عند القبور وعرفنا أنه لا يشرع قصد القبور للدعاء وقدم لك ابن تيمية أربع أوجه لماذا لا يشرع قصد القبور للدعاء، انتهى الآن من هذا فيقول: ولا يتم كلامنا إلا بذكر أنواع العبادات الأخرى التي تفعل عند القبور، مثل ايش؟ إذا خلصنا الصلاة والدعاء شو يفعل عند القبور؟ قال: مثل ذكر الله وقراءة القرآن أو الصيام عند القبر أو الذبح عند القبر، فبدأ يكلم ابن تيمية الكلام حتى في العبادات الأخرى التي يمكن أن يقصدها البعض عند القبور.
طيب قال رحمه الله: في القول فيها جميعاً كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك أو القراءة عند القبر أو الصيام عنده أو الذبح عنده فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحباً. وما علمت أحد من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك أو الصيام أو القراءة افضل منه في غير تلك البقعة.
فأما ما يذكره بعض الناس من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر، فهذا إذا عُني به أن يصل الثواب إليه إذا قرئ عند القبر خاصة، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين بل الناس على قولين. لو قالك شخص: إذا جيت القبر وقرأت عند الميت الميت سينتفع، بنقول له: إذا كنت تقصد سينتفع أن الميت سيثاب فهذا ما له علاقة أن تكون بجنب القبر، فإنك يمكن تهدي الثواب للميت بقراءة القرآن في أي مكان.
ثم لكن هو الآن سيذكر أصل الخلاف في المسألة قال: الناس على قولين عموماً في مسائل إهداء الثواب للأموات. القول الأول قال: أحدهما أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة وغيرهما يصل إلى الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالإجماع، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقول طائفة من أصحاب الشافعي ومالك وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الموضوع.
إذاً ابن تيمية مع رأي المذهب الحنبلي ومع رأي الحنفية في أن الميت يصل إليه ثواب أي عمل صالح تحديه له، إذا صليت ركعتين وهديت ثوابها للميت بضبط، قرأت قرآن وهديت الثواب للميت بضبط، إذا تصدقت وهديت الثواب للميت بضبط، فسواء كانت عبادة بدنية أو عبادة مالية وأهديت ثوابها للميت أبوك أمك الحج الحج بضبط، وابن تيمية يرى هذا الراي.
الراي الثاني اه قال: نعم ايش؟ القضاء لا، قلنا أنت لا تستطيع تقضي عنه، أنت تستطيع تفعل افعال خاصه فيك وتهدي ثوابها له، أما القضاء فهذه مسألة تفصيلية أخرى، لأنه هنا أنت بدك ترفع ما تعلق بذمته ولم يفعله قبل موته، فمسألة تفريغ ذمته من عبادات بدنية مات قبل أن يفعلها الحج هذه موضوعها مختلف عن مسألة إهداء ثواب أعمال صالحة هذا بعد آخر.
اعمار ما فيش مشكلة بس ما تقصد الفاتحه بحد ذاتها دوماً يعني عرفت يعني ظن أن الفاتحة دون غيرها اقرأ أي جزء من القرآن الفاتحة البقرة أي سورة وتهدي ثوابها للميت. يصلح هو المشكلة المشكلة أنه تحديدها عند الجنازة تحديدها أن الناس يلا بعد كل شي يلا جماعة الفاتحه طريقة وتكرارها يخشى أن يكون فيها شيء من البدع المكروهة، هي ليست بدعة محرمة لكن أخشى أن تكون بدعة مكروهة التخصيص في ذاك الوقت وتصبح مثل الطقوس والرسوم، لكن لو قراها الإنسان عفوياً الفاتحة وأهداها لروح الميت في مشكلة إن شاء الله.
قال: والثاني أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحاله، هو المشهور عند أصحاب الشافعية ومالك. الشافعية والمالكية يرون أن الثواب للميت يصل فقط من الأعمال المالية صدقات أعمال بر، أما الأعمال البدنية لا يصل ثوابها للميت، هذا رأي الشافعية والمالكية وليس رأي الحنابلة والحنفية.
نعم قال: وأما من أحد من هؤلاء يخص مكاناً بالوصول أو عدمه، فأما استماع الميت الأصوات من القراءة وغيرها فحق، لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت. هؤلاء يعني سواء اصحاب الراي الأول أو أصحاب الراي الثاني لا يوجد أحد يخص مكاناً بالوصول أو عدمه، ما حدا بيحكي حتى يوصل الثواب لازم تكون جنب القبر، ما في حدا كذا، في أي مكان كنت وأهديت يصل الثواب.
فأما استماع الميت للأصوات، طب هي مسألة أخرى هل الميت يسمع الصوت إذا كنت أنت بجانبه؟ هذه مسألة غير مسألة انتفاعه. احنا الآن في مسألة انتفاع الميت هذه لا تتعلق أن تكون قريبا من القبر، لكن مسألة أخرى هل الميت يسمع أصوات من يزورونه؟ قال: نعم هذا حق، الأموات إذا زرت قبورهم يسمعون الأصوات من ياتي لزيارتهم. لذلك قال: فأما استماع الميت للأصوات من القراءة وغيرها فحق. قال: ذكرت لكم في مجلس سابق، نعم.
قال: لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله هو بعد الموت، لكن استماع لها هل يعني أنه سيثاب لأنه قاعد بيستمع قرآن؟ اقول يا شيخ خليه يحصل ثواب استماعه القرآن، هينا جالس جنبه وبيسمعني خليه أحصل ثواب استماع القرآن وبحط جنبه مسجل وخليه يظل يسمع قرآن، لا بقول لك: الان انتهى، الآن الميت بعد أن مات أنت ما في له ثواب على أعمال يفعلها بعد موته إلا أنك أنت تهدي ثواب الأعمال أو يكون صدقة جارية فعلها في حياته تحصلها.
أما هل الإنسان إذا مات وحطيت جنبه مسجل قرآن سيثاب الله فضيلة استماع القرآن؟ هذا ليس صحيحاً. اه قال: بعد الموت من استماع أو غيره، وإنما ينعم أو يعذب بما كان يعمله هو أو بما يعمله أو بما يعمله بما يعمل عليه بعد الموت أثر من أثره، يعني إذا أحيا سنة حسنة يبقى يثاب بكل من عمل بهذه السنة الحسنة، أو بما قال: أو بما يعامل به.
نعم قال: كما قد اختلف في تعذيبه بالنحات عليه، وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له وبإهداء العبادات المالية بالإجماع. وكذلك ذكر طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم ونقلوه عن أحمد وذكروا فيه آثار أن الميت يتأتلم بما يفعل عندهم من المعاصي، فقد يقال أيضاً أنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر، وهذا لو صح لم يوجب استحباب القراءه عنده، فإن ذلك لو كان
مشروعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. الآن البعض يقول: الأموات تأذى بما يفعل عندهم من المعاصي، لو مثلاً حفل غناء بجانب مقبرة، لو حفل غناء بجانب مقبرة. قالوا: قال أصحابنا وكثير من العلماء إن أصحاب القبور تأذى بحفل الغناء إذا كانت بجانب مقبرة. قال: في القياس إذاً ماذا يقتضي؟ أنه لو كان في درس علم جوا المقبرة أو قراءة قرآن جوا المقبرة أن أهل القبور يسرون بذلك، مش أنتم بتقولوا إنهم تأذى بالمعاصي بجانبهم، إذاً ينعمون إذا صارت طاعة بجانبه؟
فماذا يقول ابن تيمية لو صح هذا؟ لو قلنا إنهم سيشعرون بالنعيم والراحة إذا فعل الطاعة بجانبهم، لكن مع ذلك هذا لا يوجب استحباب القراءة عند القبر؛ فإن ذلك لو كان مشروعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك لأن هذا وإن كان من نوع مصلحة، أنه والله إن الميت يستريح بسماع القرآن عنده، لكن فيه مفسدة راجحة، وهو ماذا؟ افتتان الناس بالقبور، هي هي المفسدة الراجحة.
فإذاً نقول: نعم، ممكن الميت قد يشعر بالراحة بفعل الطاعة بجانبه، هذه مصلحة ولا مش مصلحة؟ مصلحة أنه يشعر بالراحة لما تفعل طاعة بجانبه. بس احنا سامحونا شوي، هي المصلحة رح نمنعها أو نمنع الفعل الذي يحصلها، لماذا؟ لأننا نخشى من مفسدة راجحة في المستقبل وهي الافتتان بالقبور وأن تصبح عيداً. فمجرد وجود مصلحة تقول والله إن الميت ينعم بفعل الطاعة، لا يستوجب ذلك ماذا؟ أنك تصبح تذهب تفعل ذلك بشكل دوري، خشية من المفسدة الراجحة، وهي اتخاذ القبور أعياداً، كما موضوع الصلاة عندها.
وتَنعُمُ الميت بالدعاء له والاستغفار والصدقة عنه مثلاً وغير ذلك من العبادات، يحصل له به من النفع أعظم من ذلك وهو مشروع ولا مفسدة فيه. بماذا يقصد بذلك؟ أنه لو فعلت هذه الأمور بعيداً عن القبر: دعوت له في ظهر الغيب، استغفرت له في ظهر الغيب، تصدقت عنه، فهنا خلص حصلت أنت، حصل هو النفع. مش أنت بدك تنفعه؟ اعملها في ظهر الغيب، مش عند القبر؛ ادع له، استغفر له، اعمل له صدقات جارية، فتكون حصلت المصلحة التي يريدها الميت وابتعدنا عن المفسدة المخوفة التي نخشاها وهي اتخاذ القبور أعياداً وتعظيمه.
طيب، قال كما في الصلاة عنده، تنعم الميت بـ نعم، ولهذا ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائماً للقراءة عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته. لكن اختلف في القراءة عند القبور، هل تكره أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، فيها ثلاث روايات عن أحمد، إحداها أن ذلك لا باس به، وهي اختيار الخلال وصاحبه وأكثر المتأخرين من أصحابه، وقال: هي رواية متأخرة، أحمد قال: لكن اختلفوا إذاً.
ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائماً للقراءة عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن ذلك ليس بما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته. الآن بدنا نفهم، قال إنه في مسألتين تداخل هون، في مسألة أنك تقصد قراءة القرآن عند القبر تظن أن لها فضيلة هناك، كما أن بعض الناس يعتقد أن الدعاء عند القبر له فضيلة إذا كان القبر صالحاً، هذه هي المسألة التي يتكلم عنها ابن تيمية: مسألة إيش؟ أن تقصد القبر لقراءة القرآن عنده، لا اعتقادك أن قراءة القرآن مثلاً بجانب قبر نفيسة أو قراءة القرآن بجانب الحجرة الشريفة ثوابها أعظم. هسه ها هي اللي بتكلم عنها أنها بدعة، ولا يوجد شيء مما يدل عليها من كلام السلف.
لكن المسألة الآن يطرحها مسألة مختلفة، وهي أنه لو كان الميت أو إنسان يريد أن يقرا قرآن للميت، يعني أنا لا أعتقد أن قراءة القرآن عند القبر لها فضيلة في الإسلام، أنه هل قراءة القرآن عند القبر لا فضلا، لا أعتقد ذلك، لكن أريد أذهب إلى ميت معين أقرأ قرآن عنده لأهدي له، لأهدي له، فهمتم الآن هي المسألة؟ فإنا لا أ- لا أقول إن القراءة عند القبر لها فضيلة، لا لا لا، ما لها فضيلة كقراءة ثواب القراءة في بيتك، القراءة عند القبر، لكن أذهب إلى القبر لأقرا من أجل أن أنفع الميت، من أجل أن أنفع الميت، مش أنفع نفسي، لا، بدي أنفع الميت بس، عشان هيك بدي أجي عند قبره. ها هي التي وقع فيها خلاف والمثل معتمد عند الحنابله جوازها، وسيُذكر لذلك ثلاث روايات.
قال: والمسألة لكن اختلفوا في القراءة عند القبور هل تكره أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات في مذهب الحنابلة؛ إحداها: أن ذلك لا باس به. ولاحظوا هنا إيش الذي لا باس به؟ أن تذهب إلى القبر تقرأ لصالح القبر، مش لأنك تعتقد فضيلة عند القراءة عن عند القبر، فهمتم الفرق بين المسألتين؟ فقالوا: وهو اختيار الخلال وصاحبه، اللي هو غلام الخلال، وأكثر المتأخرين، وهذه الرواية المعتمدة فعلياً في المذهب. وقالوا: هي الرواية المتأخرة، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، ودليلهم ما نعم ما صح عن عبد الله بن عمر أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح البقرة وخواتيمها، ونقل أيضاً عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة.
والرواية الثانية في مذهبنا: أن ذلك مكروه. حتى اختلف هؤلاء -يعني الذين قالوا إنه يكره القراءة عند القبر حتى لصالح المقبور- اختلفوا هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صليت صلاة الجنازة عند القبر؟ لأنكم تعرفوا صلاة الجنازة تصح أن تصلى عند القبر. هؤلاء اختلفوا: هل تقرأ الفاتحة ولا لا؟ لأنهم يعتقدون أنه تكره قراءة القران عند القبور على أي شكل من الأشكال. وفيها عن أحمد روايتان، يعني بناءً على هذا الـ- الرواية الثانية هناك روايتان عن أحمد فرعيتين تتفرع منها: تقرا الفاتحة فيها، والرواية الثانية: لا تقرأ.
وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابنا عنه. يعني ابن تيمية هو لا يعتقد أن الرواية الأولى تمثل المعتمد في المذهب، احنا هي فعلياً المعتمد الآن عند المرداوي ومن بعده، لكن ابن تيمية لا يراها المعتمد. يقول: هذه الرواية الثانية أن القراءة عند القبر مكروهه حتى لصالح القبر، قال: وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحاب أحمد عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق وأبي بكر المروزي ونحوهما، وهي مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده كله بدعة، لذلك لم يتطرق إليه، وقال مالك: ما علمت أحداً يفعل ذلك، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه. إذاً ابن تيمية يقول لك: الرواية الثانية، وإن كانت مش هي عند المتأخرين المعتمد، لكن هي ما عليه جماهير المذاهب الفقهية، أنه حتى الذهاب عند القبر لقراءة القرآن من أجل الميت، ولو لم تعتقد فضيلة، أيضاً مكروهة.
والثالثة، قال: والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا باس بها، كالرواية الثالثة عند الحنابله أن القراءة عند القبر وقت الدفن فقط جائزة، بعد الدفن والانتهاء تصبح مكروهة، ولا يشرع أن يزار القبر يقرا لصاحبه. وبن تيمية قال: أما القراءة بعد ذلك فهذا مكروه، فانه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلاً. شوف شو قال ابن تيمية عن هذه الرواية الثالثة، قال: وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها. ليش اعتبر الرواية الثالثة أقوى؟ قال: لما فيه من التوفيق بين الدلائل؛ لأنه نحن مر معنا الرواية الأولى شو دليلهم؟ أن عبد الله بن عمر أوصى عند دفنه أن يقرأ القرآن على القبر، فهم الحنابلة على الرواية الأولى قالوا: إذاً نوسع، تقول يجوز عند الدفن وبعد الدفن. لكن الرواية الثالثة خصت القراءة للميت وقت الدفن فقط، فهذا يقول ابن تيمية: هذه أقوى دليلاً، لأنها جمعت بين الدلائل، حديث عبد الله بن عمر صحيح ولكنه مخصوص في لحظة الدفن فقط، فنبقى عنده.
نعم قال: والذين كرهوا القراءة عن القبر كرهوا والذين كره كرهها بعضهم وإن لم يقصد القراءه هناك، كما تكره الصلاة؛ فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازه هناك. قول هذه الرواية لعل أقوى من غيرها، طبعا دليلاً، لكن الذي يظهر أنه يراها ما هو أشهر عن أحمد، الرواية الثانية هي رواها أقوى دليلاً مش اعتماداً عند أحمد.
نعم قال: والذين كرهوا القراءة عند القبر كرهها بعضهم إن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة؛ فإن أحمد نهى عن قال: والذين كرهوا القراءة عند القبر وهم أصحاب الرواية الثانية، هم أصحاب الرواية الثانية كرهوا القراءة عند القبر مطلقاً، ولو وقعت قراءة القرآن ضمناً وتبعاً. صح، يعني هو إيش يقول لك؟ كره بعضهم وإن لم يقصد القراءة هناك، يعني لو أنا بهيك عفوياً أتيت زرت أحد أحبابي الميتين، وبعدين سرح في ذهنه خاطر أني أقرأ شوية قرآن، حتى أن تقرا تبعاً عند بعضهم لا تصح ويكره ذلك؛ فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة، صلاة الجنازة على الرواية الثانية، ومعلوم أن القراءة في الصلاة هي ليست مقصودة أصالة بحد ذاتها وإنما هي تبع لصلاة الجنازة. فإذا كان أحمد على الرواية الثانية يقول: إذا صليت الجنازة عند القبر لا تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة، مع أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة هي أصلاً تبع، إذاً لا تقرأ القرآن عند القبور ولو على وجه التبع. ومعلوم أن القراءة ليست.
طيب، فالفرق، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمناً وتبعاً وما يفعل لأجل القبر بين، كما تقدم. يعني ابن تيمية لا يؤيد وجهة النظر هذه، يقول: يعني حتى لو أنت ترى أن قصد القبور للدعاء لقراءة القرآن مكروه، لكن عليك أن تفرق بين ما يفعل ابتداءً وما يحصل ضمناً. لذلك يقول: فالفرق بين ما يفعل ومع هذا، يعني هذه وجهة نظر ابن تيمية، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمناً وتبعاً وبين ما يفعل لأجل القبر ابتداءً بين. فكان ابن تيمية يعني ينتقض هذه الطريقة في التفكير، ويقول: الأصل أن نفرق بين من قرأ، من خرج من بيته لقصد قراءة القرآن ابتداءً، وبين من قرأ القرآن تبعاً عند القبر، فهذا شيء وهذا شيء.
والوقوف، طيب قال: والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وبعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وأن ق- أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين. جميع هيك فائدة ه استطراد يقول ابن تيمية: طب لو شخص وقف وقفا على قبره بعد موته، كتب وصية أنه راء اعمل وقف بعد موتي، وقف إي مثلاً هي العمارة، كل ما يخرج منها أعطوه أجرة لطلاب قران يجوا يقراوا عند قبري يومياً. فهمتم الصورة؟ شخص اعمل وصية قال: ها العمارة بدي اعملها وقف، ما يخرج منها وقف لمين؟ يصرف على حفاظ القرآن يأتون إلى قبري يومياً بعد ما أموت يقرأوا عندي. شو رايك في هذا الوقف؟
يقول ابن تيمية: هذا الوقف، يعني عموماً احنا صح في خلاف في المسألة: هل هي مكروهة ولا جائزة ولا تجوز عند الدفن فقط؟ لكن عموماً ينفع منه حفاظ القرآن هذا الوقف، ويقول: والوقوف التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، يعني بعد موتهم، فيها فائدة أنها إيش؟ تعين على حفظ القرآن، وبيصير واحد لما يعرف أنه في راتب شهري من هي العمارة للي بيروح بيقرا القرآن عن غيب على قبر واحد، شو بيصير يعمل؟ بروح بحفظ القرآن مشان يحصل لي راتب شهري وبيصير بقرا عند هي القبور، ويعين على رزق لحفاظ القرآن، راتب شهري لهم، وباعث لهم على حفظه ودراسته وملازمته، فبقول: يعني هذه مسألة سهلة، يعني لا أقول هذا الوقف باطل، لعله يعني يمشي حاله. ولو قلنا وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته، لأن فعله بدعة، -بقول لك حتى لو قلت إن الفعل غلط، والقارئ لن يثاب لأنه لا فضيلة لهذا العمل، لكنه عموماً قد ينف- ينتفع به ل مسابقة حفاظ القرآن على حفظ القرآن.
طيب قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد الدين بج- كما يحفظ الدين بقراءة الفاجر وجهاد الفاجر. نعم قال: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر». وبسط الكلام في الوقوف وشروطها قد ذكر في موضع آخر، وليس هو المقصود وليس هو المقصود هنا، قال: يس- هنا.
فأما ذكر الله هناك فلا يكره، ولكن قصد بقعة لذكر هناك بدعة مكروهة. الآن خلص موضوع قراءة القرآن، انتقل لعبادة أخرى، وطبعاً النسخه رديئة جداً بتدخل المسائل ببعضها بشكل يعني. فانتقل لمسألة الذكر، قال: فاما ذكر الله، اللي هو الاستغفار، التسبيح، لو واحد خرج من بيته حتى يذكر الله عند القبر بس يسبح، يذكر الله ذكر عام مش دعاء ولا قراءة قرآن، قال: فأما ذكر الله هناك، أي عند القبور، فلا يكره، لكن قصد البقعة للذكر اعتقاداً أن الذكر والتسبيح عندها أحسن من التسبيح في البيت، فهذا بدعة مكروهة، فانه نوع نوع شكل من أشكال اتخاذها عيداً.
وكذلك قصدها للصيام عندها، لو شخص قال: بدي أصوم اليوم بجانب قبر السيدة نفيسة أضلني صايم هناك، بقول: قصدها للصيام عندها بدعة مكروهة. ومن رخص في القراءة فانه لا يرخص في اتخاذها عيداً؛ حتى لو قلنا القراءة عند القبر يا اخي فيها خلاف، بس ما أحد يجوز أن تصبح القبور عيد والناس رايحين جايين للقراءة عندها والذكر عندها، فمن يجوز القراءة لا يجوز أن تصبح القبور عيداً.
مثل أن يجعل له وقت معلوم يعتاد فيه القراءة هناك أو يجتمع عنده للقراءة هناك. كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك لا يرخص في اتخاذه عِيداً، يعني ما أحد يقول لي: طب ما هو يا شيخ يجوز القراءة عند القبر؟ في رواية معتمدة عند الحنابلة، يجوز الذكر عند القبر في رواية معتمدة، إيش بنقول له؟ بنقول له: الحنابلة في المعتمد جوزوا ماذا؟ أنك تروح لقبر تقرأ وخلصنا، بس ما حدا من الحنابلة بقول لك: إنك رايح جاي، رايح جاي، رايح! هي صار عيد! وهذا ما قاله حتى الحنابلة المتأخرون أنها تصبح عيداً، ففرق بين أن نقول: إن معتمد الحنابلة جواز القراءة، وبين أن تقول: إن الحنابلة جوزوا اتخاذ القبور عيداً؛ هذه مسألة وهذه مسألة.
وأما الذبح عند القبور، قال: وأما الذبح هناك فمنهي عنه مطلقاً، ذكره أصحابنا وغيرهم لما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عقر في الإسلام». رواه أحمد وأبو داود. وزاد عبد الرزاق، قال عبد الرزاق: كانوا يعقلون عند القبر بقرة أو شاه. قال أحمد في رواية المروذي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يعقر في الإسلام». كانوا إذا مات لهم الميت نحر جزوراً على قبره، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكره أبو عبد الله أكل لحمه. قال أصحابنا في معنى هذا: ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه؛ فهذه أنواع العبادات البدنية أو المالية أو المركبة منهما؛ المركبة منهما يعني اللي فيها بعد مالي وبدني، وهذا كله بالتالي الخلاصة: لا يجوز أن تتخذ القبور عيداً ومزاراً لفعل هذه العبادات، وإن وقع خلاف في بعضها هل تجوز أو لا تجوز، يعني زي القراءة فهذا في المرة والمرتين، الشيء الذي لا يكرر، أما أن يكون مكرراً على وجه العياد فلا يصح.
ومن المحرمات، قال رحمه الله تعالى: فصل: ومن المحرمات العكوف عند القبر والمجاورة عنده وإدناؤه وتعليق الستور عليه كأنه بيت الله الكعبة؛ فإن قد بينا أن نفس بناء المسجد منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف؟ عرفنا أن بناء مسجد على القبر شو حكمه؟ حرام باتفاق الأمة، فكيف إذا ضُم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد والعكوف، ويصبح هذا المسجد اللي فوق القبر أنت ملازم وكأنه المسجد الحرام! بل عند بعضهم أن العكوف في المسجد الذي عند القبر أحب إليه من العكوف في المسجد الحرام والعياذ بالله! إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حُبّاً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله أعظم عند المقابل حرمته -يقصد الحرمة القداسة- حرمته في نفوسهم والله تجده أعظم من حرمة بيوت الله والمساجد التي أسست على التقوى! وهذا يدل على البدعة.
وقد بلغ الشيطان -نعم يا شيخ، إيش معنى المجاورة؟ مجاورة الملازمه للمسجد يظل جالس في هذا المسجد اللي عند قبر البدوي أو قبر نفيسة- وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور -أما لقبر نبي أو شيخ أو بعض أهل البيت- أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها الحج الأكبر! ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من حج البيت، وبعضهم إذا وصل المدينة رجع وظن أنه حصل له المقصود كملش لمكة! تخيل! إذا وصل المدينة بسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وبيرجع للعراق ولا للشام ما بزور الكعبة! وهذا كله هي البدع لما تكبر في النفوس.
وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لاجل الدعاء عندها والتوسل بها وسؤال الميت ودعائه، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة -لو علموا أن المقصود... اقرأ من الشاملة- ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، لو علموا أن المقصود... إذا في مشاكل كثيرة في النسخ الله المستعان.
أعطنا يا شيخ، إذا هم إيش يقولون هؤلاء الذين يزورون المدينة النبوية ولا يكملون للكعبة؟ ما شبهتهم؟ ظنوا أن زيارة القبور إنما هو لأجل الدعاء عندها والتوسل بها ودعاء الميت وسؤاله والاستغاثة به، ويقولون: ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام أعظم من الكعبة، إذا ليش نكمل للكعبة؟ خلص، ما هو النبي عليه الصلاة والسلام أعظم منها! انتهى النص.
قال: ولو علموا أن المقصود -هذه جملة جديدة- ولو علموا عدلوا إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله الدعاء، والمقصود بزياره القبر... ما المقصود في الإسلام بزيارة القبور؟ يعني هو يريد أن يقول: إنه حدث عند كثير من الناس انقلاب في فهم هذه العبادة، لما النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كنت نهيتكم عن زياره القبور فزوروها»، ما المقصد من زيارة القبور في الإسلام؟ قال: والمقصود من زيارة القبور الدعاء لها، أن تدعو للميت، هو المحتاج أنه أنت تدعي له مش تدعوه أن يقضي لك حوائجك! حتى الولي الصالح محتاج أنه أنت تدعي له، مش هو يدعي لك ويقضي لك حوائجك! فالمقصود من زيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت في صلاة الجنازه لماذا نصلي على الميت؟ حتى ندعو له، قال: كما يقصد بالصلاة على الميت، لو عرفوا أن هذا هو المقصود من زيارة القبور لزال هذا عن قلوبهم، لكنهم للأسف اعتقدوا أن زيارة القبور الهدف منها أنك تتوسل بالاموات وتستغيث بالأموات، فانعكست القضية كاملة عندهم، ولهذا كثير من هؤلاء يسال الميت أن يقضي له حوائجه ويسال الغائب أن يقضي له حوائجه كما يسال ربه والعياذ بالله، فيقول: اغفر لي يا نفيسة، اغفر لي يا بدوي، وارحمني وتب علي، وهذا كله كفر ولا عياذ بالله.
وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، يطلع ليك الشيخ في المنام! يطلع له الشيخ في المنام يقول له: خلاص أنا غفرت لك! أو هذا، وهذا يزيده باطلاً على باطل، ويكون ذلك شيطاناً قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام.
وأعظم من ذلك قصد الدعاء عنده والنذر له أو السدنة العاكفين عليه أو المجاورين عنده من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة أو كشف البلاء؛ فإننا قد بينا بقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن نذر العمل المشروع لا ياتي بخير، وأن الله لم جعله سبباً لدرك الحاجة كما جعل الدعاء سبباً لذلك، فكيف نذر المعصية الذي لا يجوز الوفاء به؟ وعلم أن اهل القبور من الأنبياء والصالحين المدفونين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به، وككما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع؛ فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور عيداً أوثاناً فيه غض من أصحابها، بل هو من باب إكرامهم! يعني بقول يا جماعة ترى أنتم لما لا تروحوا لقبور الأولياء ترى هكذا الأولياء المدفونين بدهم الولي! أنت لما تروح تدعوه وتستغيث وهو في قبره، أنت بتفكر أنه هو الآن بحبك؟ هو الآن ترى كرهان! لأنه أنت بتعمل شيء غلط هو لا يريده؛ فإذا أنت بتحترم البدوي ولا بتحترم غيره من هؤلاء، لا تذهب إلى قبورهم إكراماً لهم إنهم يتاذون من دعائهم وسؤالهم، يتاذون أن واحد يفعل هذا كما يتاذى المسيح من عبادة النصارى له.
وذلك أن القلوب إذا اشتعلت أو اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فنجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته؛ تجد شافعية يعكفون على قبر الشافعي أو حنابله يعكفون على قبر أحمد، ترى أنتم على غير طريقة أحمد الذي تزعمون أنكم تتبعونه وعلى غير طريقة الشافعي! فلذلك قلت: تجد كثير ممن يذهبون للقبور على غير طريقة ذلك المقبور الإمام المقبور أحمد أو الشافعي وعلى غير سنته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، عما أمر به... عما أمر به؛ يعني أحمد ماذا قال؟ لا تتخذوا القبور عيداً، ولا بتروحوا أنتم تتخذوها قبور عيد! طب ما هو مش أنتم أتباعه؟ طب كيف تخالفوا ما أمركم به ودعا إليه؟ ومن كرامة الأنبياء والصالحين أن يُتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح حتى يكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، من دعا إلى هدى كما قال صلى الله عليه وسلم.
وإنما اشتغلت قلوب وطوائف من الناس بانواع من العبادات المبتدعة، أما من الأدعية وأما من الأشعار وأما من السماعات ونحو ذلك، لأعراض عن العبادات المشروعة أو عن بعضها؛ أعراض قلوبهم، وإن قاموا بصورة المشروع شكلياً لكن قلوبهم ما بتدبر القرآن، قلوبهم لا تشتغل بالدعاء، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه عاقلاً لما اشتملت عليه الصلوات الخمس من الكلمة الطيبة والعمل الصالح مهتماً بها كل الاهتمام، أغنته الصلوات الخمس وحدها عن الاشتغال بكل ما هو ما يتوهم أنه خير من جنسها؛ ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من كلام هؤلاء الأتباع منظوماً ولا منثوراً؛ ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته كالأسحار وأدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو عن بعض صفاته. فعلى العاقل أن يشتهر إذن في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتاد عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن، فإنه من يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقى.
فاما قال رحمه الله تعالى: فصل: فاما مقامات الأنبياء والصالحين؛ وهي الأمكنة التي قاموا فيها، أو قاموا أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد؛ فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء. لا، أنت مسألة القبور، راح على مسألة مقامات الأنبياء، إيش الفرق بين المقام والقبر؟ ذكرنا المرة الماضية: المقام ما هو؟ مقام أيوه، مكان مر به النبي عليه الصلاة والسلام أو أحد الأنبياء أو جلس فيه أو نام فيه، لكنه ليس قبراً له؛ مكان مر به أو جلس فيه أو وقف عنده. فما حكم أن يقصد الإنسان هذه البقاع التي مر فيها الأنبياء؟ قال: فلاذ بيغني عن ذلك قولان مشهوران. الأول: قال أحدهما إن النهي عن ذلك وكراهته، وانه لا يستحب قصد بقعة للعبادة إلا أن يكون قصدها للعبادة مما جاء به الشرع؛ مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصد للعبادة، كما قصد الصلاه في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة، وكما يقصد المساجد الصلاة، أوان أسطوانة المصحف، نعم. قال: وككما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك.
إذا القول الأول: مقامات الأنبياء يكره زيارتها وقصدها، يكره ق... نقول: قصدها للعبادة عندها، إلا إذا ثبت أن هذا النبي قصد هذه البقعة للعبادة عندها ليصبح قصدها تشريعاً؛ يعني النبي عليه الصلاة والسلام قصد بعض البقاع للعبادة عندها، فيكون قصدها هو للعبادة عندها، فانتقصدها أنت للعبادة عندها اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قصدها للعبادة عند... ما في مشكلة. لكن بقعة النبي عليه الصلاة والسلام قصدها أم ليبول عندها؟ بقعة قصدها النبي صلى الله عليه وسلم لينام عندها ما قصدها ليدعو عندها، هل روي عنه أني أنا اقصدها للعبادة عندها؟ إذا في فرق بين بين بقعة قصدها للدعاء عندها للعبادة عندها، وبقعة قصدها النبي عليه الصلاة والسلام لأيه؟ للبول أو النوم أو الأكل أو الشرب عندها. النوع الأول الذي قصده للعبادة عنده ما في مشكلة، أنت تقصده للعبادة عنده، كما أسطوانة المصحف اللي في المسجد القديم اليوم، في المسجد النبوي بعض الصحابه كان يتحرى الصلاة عندها لأنه راى النبي صلى الله عليه وسلم يقصدها للصلاة عندها، فهذا ما في مشكلة. لكن مكان بال فيه النبي عليه الصلاة والسلام أو نام فيه أو أكل فيه؛ فالقول الأول هذه الأماكن يكره قصدها، لذلك قال: ولا يستحب قصد تلك البقاع للعبادة إلا أن يكون قصدها النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة. عرفتم الفرق بين الصورتين؟
طيب، القول الثاني؛ قال: القول الثاني، والقول والقول الثاني: أنه لا باس باليسير من ذلك، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد سلكها اتفاقاً لا قصداً. القول الثاني أنه لا باس أن تقصد هذه الأماكن التي أتاها النبي صلى الله عليه وسلم للنوم أو البول أو الاستراحة عندها، لكن على وجه يسير لا مبالغة فيه، يعني مثلاً والله أعرف في شجرة النبي صلى الله عليه وسلم نام عندها والله...
لو رحت هيك حبا للنبي عليه الصلاة والسلام، حبيت أزورها مرة مرتين ما في مشكلة والله. حبيت أطلع أشوف غار حراء مرة مرتين باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل فيه قصداً يسيراً ما في مشكلة، بدون أن تتخذ عيدا في يوم في السنة لازم أزور في حراء، لا لو زرتها مرة مرتين ثلاث من باب المحبة لا إشكال فيه، وإن كنت أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم والله نزل تحت هذه الشجرة اتفاقاً يعني قدراً مش لأنه فيها فضيلة، أو نزل في هذا الشارع في الـغـ... يعني عرضاً وليس لأن فيه فضيلة، فتحريم على وجه اليسير ما في مشكلة على القول الثاني.
القول الأول لا يقول لك ما في يكره. طيب، قال س. الخواتم: نعم، قال سألنا عن أبي عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد مشاهد ويذهب إليها ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأثره، فليس بذلك بأس، وأن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرط في هذا جداً وأكثروا فيه.
إذاً أحمد يرى عموماً أنه لا باس في أن تزور هذه المشاهد، لكن على وجه اليسير؛ لأنه ماذا ختم الفتوى؟ قال أحمد: إلا أن الناس قد أفرط في هذا جداً وأكثروا فيه. يعني لو زرت كما قال يعني مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم أو جلس فيه أو استراح فيه أو مرّة مرتين ثلاث فيش مشكلة، لكن يصبح الناس أفرطت صارت مثل المواسم.
وكذلك نقل عن أحمد بن القاسم المسؤول عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة -شو المشاهد بالمدينة؟ جبل أحد، إيش هنا كمان قبور، يعني في مشاهد بعض الآبار بعض الأماكن معروفة في المدينة أهلنا بيعرفوها أكثر منا، زارها النبي عليه الصلاة والسلام. هس قباء لا، قباء يشرع لأنه كان يذهب إليه عبادة، لكن في أماكن معروف أنه هذه بئر جلس النبي صلى الله عليه وسلم عنده، هذا مكان وقف فيه النبي عليه الصلاة والسلام، حديقة مثلاً- قال إنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة يذهب إليه؟ قال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذ مسجداً، وعلى ما كان يفعله ابن عمر أنه كان يتتبع مواضع سير النبي صلى الله عليه وسلم حتى رؤي أنه كان يصب في موضع ماء، كان ابن عمر عم صب ماء في موضع ما فيش شيء في هذا الموضع، فقال: لماذا تصب الماء في هذا الموضع؟ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب ههنا ماء.
طبعاً هنا عبد الله بن عمر هو يربي نفسه على الاتباع، يعني الذي يظهر لي أن هو مش قضية أنه يتبرك ابتداءً بهذا الفعل، الذي يظهر أن البعد الأعمق عند عبد الله بن عمر ما هو؟ قهر النفس على الاتباع، أنه بدي أعمل زي ما عمل النبي صلى الله عليه وسلم بالسانتي! فهذا نوع من التربية وليس من نوع القصد فقط من أجل البركة. قال: أما على هذا فلا بأس.
ورخص بالتالي أحمد في هذه الحالة، ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جداً وأكثروا في هذا المعنى، فذكر عندئذ قبر الحسين وما يفعله الناس عند قبر الحسين، هذه الآثار ها الخلال في كتاب الآثار فقد فصل. إذاً أبو عبد الله رحمه الله في المشاهد وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين من غير أن تكون مساجد لهم -أه طبعاً ما بصير تبني مساجد، المشاهد هي عبارة عن أشجار، حدائق، طرق قصدها الأنبياء والصالحون، هذه هي معنى المشاهد بس ما بصير تصير هناك مساجد ويصير الناس تعكف في هذه المساجد- قال: كمواضع بالمدينة فرق أحمد بين القليل الزيارة القليلة التي لا تتخذ عيدا، والكثيرة التي تصبح عيدا، كما واضح وفي فتوى. وهذا التفصيل جمع فيه أحمد بين الآثار وأقوال الصحابه، فانه قد روى البخاري عن موسى بن عقبة: رأيت السائب بن عبد الله وهو ابن عبد الله بن عمر يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها، ويحدث أن أباه عبد الله بن عمر كان يصلي في هذه الأماكن، وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة. قال موسى: وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة.
هسه هذا لسه يدخل ربما تحت القسم الأول أنه أماكن النبي عليه الصلاة والسلام فعل عبادة عندها، فتريد أن تصلي أنت في نفس المكان الذي صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام لسه هذا أسهل، لكن الأصعب اللي هو مكان لم يفعل عنده عبادة عليه الصلاة والسلام بل قال فيه أو نام عنده أو بال فيه! قال موسى بن حدثني نافع عن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة فهذا كما رخص فيه أحمد رضي الله عنه.
نعم قال: وأما ما كرهه فروه سعيد بن منصور في سننه قال: حدثنا أبو معاويه قال: حدثنا الأعمش عن معرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال: واما ما كرهه... بالله شيخ الشامل إيش عندك؟ واما ما كرهه؟ طيب يعني أما ما كرهه بيرجع الكلام لمن؟ وما كرهه أحمد ولا هو بـيرجع واما من كرهه مطلقاً اللي هم اصحاب القول الأول، ما في ذكر لأحمد في الرواية لأنه كان آخر شيء بتكلم عن أحمد أنه جمع بين الآثار في الرواية هذه اللي طيب الله أكمل.
طيب قال عن معرور بن سويد عن عمر رضي الله عنه قال: خرجنا معه في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1] و﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: 1] في الثانية. فلما رجع من حجته رأى الناس، رأى الناس ابتدروا المسجد فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض. لذلك أن يكون البقعة صار فيها مسجد ويتبرك بالصلاة في هذا المسجد، لاحظوا أن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك لأنه صار هذا مش مشهد صار مسجد كمان فشدد عمر وقال: هكذا كأنكم جعلتم مثل النصارى. فقد كره عمر اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، وبين أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا. فعمر كان منهج الحسم في هذا تماماً.
وفي رواية عن عمر أنه راى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبياعاً، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد عرضاً فليصل، وأما أن يتقصد الصلاة في هذا المسجد قال: فليمض ولا يتعمدها. ولاحظ أن عمر عم بيشدد حتى في أماكن صلى فيها النبي عليه الصلاة والسلام مش أماكن عامة، أماكن صلى فيها النبي عليه.
وقد روى محمد بن وضاح وغيره، نعم قال: وروى محمد بن وضاح وغيره أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع عندها تحتها النبي صلى الله عليه وسلم لأن الناس كانوا يذهبون تحتها فخاف عمر الفتنة عليهم. قال: وقد اختلف العلماء رضي الله عنه في إتيان المشاهد، فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ما عدا قباء، ما عدا قباء وأحد كانا فقط. مالك يقول: قباء وأحد، وبعضهم يزيد البقيع، غير كده لا تزر أو شهداء أحد.
دخل سفيان قال: ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، لا يعني ما راح لقبة الصخره ولا لغيرها من الأماكن. نعم قال: فهؤلاء يكرهها مطلقاً لحديث عمر رضي الله عنه هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر إذ هو ذريعة اتخاذها عيدا ولا تشبه باهل الكتاب، ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابه، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم.
ابن تيمية سيحاول إثبات أن جمهور الصحابة يخالفون عبد الله بن عمر في منهجه، يعني ما فعله عبد الله بن عمر من قصد تلك البقاع وإن كان عبد الله بن عمر على الرأس والعين وحبيبنا، لكن جمهور الصحابة ما كانوا يفعلون كما يفعل ابن عمر، ابن عمر في النهاية رجل قد يصيب وقد يخطئ. فيقول: فعل عمر والده وفعل جمهور الصحابة على خلاف فعله، فالأصل يعني لك قدوة في غيره من الصحابة في هذا.
طيب والصواب قال جمهور الصحابة، قال: والصواب مع جمهور الصحابة، لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فاذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصار والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحرى ذلك المكان، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
هنا إيش يقول ابن تيمية؟ إذا بدي أرجع حتى أصل المسألة الأولى: إذا النبي صلى الله عليه وسلم قصد مكاناً للعبادة عنده لقصد ذلك المكان لقصد ذلك المكان لخصوص أنا، نعم سافعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لخصوص إذا قصد العبادة في مكان -واضح من السياق أنه صلى الله عليه وسلم يتقصد العبادة عند هذه الأسطوانة أو يتقصد العبادة في هذه البقعة عنده فقصدها للعبادة عندها متابعة له، كما تقصد المشاعر اللي هي منى ومزدلفة وما شابه ذلك- وأما إذا نزل في مكان عرضاً وصادف وقت صلاة مش أنه هو يريد الصلاة في هذه البقعة بعينها، صادف ذلك وقت صلاة فمما يعلم أنه لم يتحرى ذلك المكان، فإذا نحن أصبحنا بعد ذلك نتحرى ذلك المكان لم نكن متبعين له صلى الله عليه وسلم.
فإذا استدل شخص طب عبد الله بن عمر فعل ذلك بتقولوا جمهور الصحابة ما فعلوا ذلك، يعني أنه عبد الله بن عمر كان يفعل ذلك بقول جمهور الصحابة ما فعلوا ذلك.
واستحب آخرون، الآن هذا رأي، واستحب آخرون من العلماء المتأخرين لا إتيان أي مكان كما قلنا نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه، ذكر عنده، نام فيه، وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا الحنابلة في المناسك استحباب زيارة هذه المساجد التي بنيت على بقاع صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم عرضاً، وعدّوا منها مواضع وسموها.
أما أحمد فرخص كما قلنا فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيدا، لأن أحمد رخص كما قلنا في الزيارة اليسيرة، وأما أن تتخذ عيدا مثل أن تنتاب ذلك واجتمع عندها في وقت معلوم كما يرخص يعني فلم يرخص قال: كما أن أحمد مثلاً كان يرخص في صلاة النساء في المساجد والجماعات وإن كان بيتها خير لها، وجمع في بذلك بين الآثار.
واحتج أحمد بحديث ابن أم مكتوم، حديث ابن مكتوم يعني ما وجد دلالة فيه أن ابن مكتوم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أنا رجل أعمى اريدك تاتي إلى مكان في بيتي تصلي فيه حتى اتخذ ذلك المكان مصلى لي، بده يتبرك ابن أم مكتوم بمكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: ماشي وجبر خاطره وراح لمكان في بيت ابن أم مكتوم وصلى فيه، فأصبح ابن أم مكتوم يصلي في ذلك المكان ببركة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه. من هون استدل أحمد أنه إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكان أنك أنت تصلي فيه فيش مشكلة وتتقصد الصلاة فيه لبركة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن على وجه لا يتخذ عيدا ولا يفرط في ذلك إفراطاً كبيراً.
قال: ومثله ما خرجه ما خرجه في الصحيحين أيضا من حديث عتبان بن مالك: أصلي لقومي بني سالم فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني أنكرت بصري -يعني بصره ضعيف- وأن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلو وددت أنك جئت فصليت في بيتي في مكان معين حتى أتبرك في هذا المكان وأتخذه مسجداً، فقال: أفعل إن شاء الله. فغدا علي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه بعد ما اشتد النهار، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي من بيتكم؟ فأشار له إلى المكان الذي أحب أن يصلى فيه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فكبر وصفنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين سلم.
ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فلا باس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته صلى الله عليه وسلم، لكن هذا كان أصل قصه بناء المسجد، إيش بيقول ابن تيميه هسه؟
عتبان بن مالك وابن أم مكتوم هو من البداية كان قاصدا أن يبني مسجدا أو أن يتخذ مسجدا، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي من أجل هذه الفكرة، فأحب أن يكون موضع مسجده موضعا يصلي له فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي رسم حدود المسجد، تمام بخلاف مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا يعني عرضا فاتخذ مسجدا بعد ذلك لا لحاجة إلى المسجد، لكن لأجل صلاته فيه. فهمتم شو الفرق الآن؟ أنتم فهمتم قصة ابن أم مكتوم وعتبان بن مالك صح؟ هسه يقول ابن تيمية: الاستدلال بهذه القصة على التعميم خطأ، ليه؟ لأنه ابن مالك وابن أم مكتوم هما أصلا كان بده يبنوا مسجدا في حوارية في مدينتهم في الحارة هم فيها، فمسجد كان أصلا مخطط له، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ليكون صلاته فيها رسم لحدود المسجد ومكانه، وتحل البركة في هذا المسجد تبعا لزيارته الشريفة. وأما مكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه عرضا في طريقه ثم نحن نتخذه مسجدا بعد ذلك ونبني مسجدا ليس لأن هناك حاجة للمسجد بس لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في هذه البقعة، فهو يقول: لا، هذا الذي نخشى أن يكون هو الذي أنكره عمر، إتباع آثار الأنبياء وبناء المساجد في كل مكان صلوا فيه. فيقول: فرق بين قصة ابن أم مكتوم وبين اتخاذ المسجد بعد ذلك على هذه البقعة.
قال: فأاما الأمكنة -نعم قال- فأما الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء هناك، فقصد الصلاة فيها أو الدعاء سنة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقصد الصلاة عندها، تقصد يعني هذا يدل على أن تقصد الصلاة عند هذا المكان هو أصلا تشريع، هو ايش؟ تشريع، أو الدعاء تشريع، فقصد الصلاة في ذاك المكان وتقصد الصلاة في ذاك المكان تشريع منه صلى الله عليه وسلم، فيكون في هذا اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم اتباع له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء أكيد في ذلك الوقت ستصبح سنة تمام، أي وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب. ومثل هذا ما خرجها في الصحيحين أن سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة، أسطوانة المصحف في المسجد النبوي. قلت له: يا أبا مسلم أراك تتحرى؟ فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ايش؟ يتحرى الصلاة. ما قال: صلى عندها عرضا، لا، سلمة بن الأكوع عم بيتبع النبي عليه الصلاة والسلام وبيصلي، فرأى أن النبي صلى الله عليه وسلم يتعمد تعمدا الصلاة في مكان معين، فعرف أنه أكيد هذا فيه نوع من التشريع ولو على وجه الاستحباب طبعا. ففرق بين إذا الصلاة العرضية والصلاة التي مبنية على تحري.
وطيظن بعض المصنفين أن هذا مما اختلف فيه وجعله والقسم الأول سواء، وليس بجيد تمام! ايش الذي جعله والقسم الأول سواء وليس هذا بجيد؟ الآن في أماكن تقصد النبي صلى الله عليه وسلم العبادة عندها فتقصد العبادة عندها سنة، وفي أماكن لم يتقصد النبي صلى الله عليه وسلم العبادة عندها، وقعت العبادة عندها عرضا اتفاقا، فتقصد الصلاة فيها ليس سنة. فيقول ابن تيمية: بعض العلماء خلطوا، جعلوا هذا كهذا، وفرق بين هذا وهذا فهمتم؟ فإن هذا، فإن هنا أخبر سلمة بن الأكوع مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى، فكيف لا يكون هذا القصد مستحبا؟ نعم، إن توطن إيطان بقعة في المسجد لا تصلي إلا فيها طوال عمرك، هذا الإيطان نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخر، لكن تقصد الصلاة في مكان تقصد فيه النبي عليه الصلاة والسلام، بالتالي هنا يجب على طالب العلم من باب أن يعرف: هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العبادة في هذا الموقع من القرائن، هل فعلها تقصدا ولا فعلها ايش؟ عرضا واتفاقا؛ لأن الحكم سيختلف.
طيب نكمل بعض الصلاة، وصلى الله على سيد... بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نشرف الجلسة الثانية. قال: فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان فيما فعله وبين ابتداع بدعه لم يسنها لأجل تعلقها به. شوف هذه القاعدة الجميلة، قال: فيجب الفرق بين اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاستنان بهديه وبين أن تبتدع بدعة بحجه أنها ايش تتعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام. ليس لأنها تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم هذا يعني مبرر أنك تبتدع، صح؟ ففرق بين أن تتبع السنة الحقيقية وبين أن تبتدع بدعة في الدين بحجة أنها تتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أكمل قال رحمه الله: وقد تنازع العلماء فيما إذا فعل فعلا من المباحات لسبب وفعلنا نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل فعلا من المباحات بسبب، وفعلنا نحن تشبها به مع انتفاء ذلك السبب. زي ما قلنا يعني نام تحت شجره لسبب أنه والله ظلها وفير أو فعل شيئا آخر. قال مثلا: فمنهم من يستحب ذلك، ومنهم من لا يستحبه. على هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في تلك البقاع التي في طريقه لأنها كانت منزلة لم يتحرى الصلاة فيها لمعنى في البقعة. فنظير هذا أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة. فأما قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها اتفاقا فهذا لم ينقل عن غير... يعني لو سالتك سؤال: النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في سفره في أي مكان يتفق له، ما هي السنة التي تؤخذ من هذا؟ قال: فنظير هذا السنة التي تؤخذ من هذا أن يصلي الإنسان في أثناء سفره في أي مكان يتفق له، هذه هي السنة وليست السنة أن تقصد تلك البقعة نفسها التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيها.
لذلك قال: فأما ما قصد تلك البقعة التي صلى فيها اتفاقا أي عرضا فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر أنه فعله من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجا وعمارا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد من الخلفاء الراشدين الأربعة -الذين طلبنا أن نتبع هديهم- أنه كان يتحرى الصلاة في أي مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عرضا. ومعلوم أن هذا لو كان عند الصحابه مستحبا لكان الخلفاء الراشدون اسبق إليه من ابن عمر؛ فإنهم أعلم بالسنة واتبع لها من غيرهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين». وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع. طب ابتدع وفعل صحابي ممكن أخطأ في النهاية! كونه صحابيا...
كأنه ابن تيمية يقول: لو كان صحابيا يمكن يحصل منه شيء من البدع المكروهه، وكونه صحابيا في وجهه لا يعفيه من وقوع مثل هذا الخطا اليسير. قال: وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجه. الصحابي إذا خالفه غيره من الصحابه يكون فعل ابن عمر ليس بحجه؛ لأنه خالفه غيره، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابه؟ هذا مناقشة ابن تيمية لتصرف عبد الله بن عمر الله يرضى عنه. أيضا فان... نعم قال أيضا: فإن تحري صلاتي في هذه الآية، اتخاذها مساجد والتشبه بأهل الكتاب، مما نهين عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المدة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبنهيه عن اتخاذ القبور مساجد. فاذا كان قد نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سدا لذريعة الشرك، فكيف بما لم يشرع قط؟ وهذا يقع في البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما. قال: ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاوز القبور، فانه يقال: إن هذا مقام نبي أو قبر نبي أو لولي، بخبر لا يعرف قائله أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجدا فيصير وثنا يعبد من دون الله تعالى.
هذا المشكلة أنه كثير من المقامات ستصير تثبت بايش؟ بالمنامات، كيف قبور من الأنبياء ادعيت قبور وهي ليست قبور لهم؟ فما بالك لو قلنا إن المشاهد والله يفضل زيارتها؟ إذا كنا لا يفضل زيارتها والناس ألفت من المشاهد ما ألفت بدون علم ولا برهان، فقال: هذا سفتح باب شر على الناس أصلا، فاحنا كما قال الإسلام يحسم هذه المادة. شوف عقلية عمر بن الخطاب الكبيرة، عمر الله يرضى عنه يفكر ببعد دائما بعيد، أن الناس لا تقف عند البدعة الأولى، الناس تتوسع وتخترع، تبدا البدعة بشبر وتنتهي بحفلة، فستصير تخترع مقامات وتحلم فيها وتشوف منامات، واليوم الصبح بقول لك: آه هذا مقام شفته في النوم لسيدنا الخضر وبيعمل عنده مسجد، احنا بدنا نخلص هاي الأمور مش هذه ملفات الأمة يا إخوة.
نعم قال: شرك مبني على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب. شرك مبني على إفك (يعني مكان أصلا مش صحيح ويشركون عنده فهو شرك كففع وافك أنه مش... لم يثبت أصلا أنه مقام)، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» ثلاثا، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]. فكان الشرك دائما مرتبط بالكذب، يقول ابن تيمية... نعم قال: ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: 30-31]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62] تزعون (يعني تكذبون بادعائهم شركاء) فجمع بين الشرك والكذب. وأيضا قول الخليل إذ قال بقومه: ماذا تعبدون؟ ﴿أَفِكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: 86] أي كذبا تدعون آلهة. فالكذب والشرك قرينان، نفس الشيء: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 94] زعمتم كذبا يعني أنهم فيكم شركاء، الكذب والشرك. وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا من دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3] جمع بين الكذب والشرك والكفر، نفس الشيء الآيات التي تليها، ثم نقول: أشركوا مكانكم وأنتم شركاء، فزيلنا بينهم. وقال: ﴿شُرَكَاؤُ مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: 28-29].
طيب وقال تعالى: إن لله ما في السموات... أظن الشاهد اللي في قبل آخر شيء: ما كانوا يفترون، آخر الآية، نعم: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: 53] أحسنت، اللي هي الكذب في كلمة الافتراء، الافتراء مع الشرك. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: 66] يكذبون أيضا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] الكذب. قال أبو قلابة -نعم قال-: هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة، وهو كما قال؛ فإن أهل الكذب والفرية عليهم من الغضب والذله ما أوعدهم الله به. نعم يعني أبو قلابة بيعلق على الآية الأخيرة: إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. قال أبو قلابة: هذه الآية لكل مبتدع إلى يوم القيامة وليست فقط لمن عبدوا العجل.
نعم، والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء، ولهذا كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة. نعم الله أمر بعمارة المساجد لا المشاهد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 114] وقال في ختام الآية: وسعى في خرابها. وقال: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 29] وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 17] وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] ولم يقل: إنما يعمر مشاهد الله. المشاهد إنما يعمرها من يخشى غير الله، من يرجو غير الله، لا يعمرها إلا من فيه نوع شرك، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40] وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: 36-37] وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] ولم يقل: وأن المشاهد لله، قال: وأن المساجد لله.
وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة، كقوله في الحديث الصحيح: «من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة». وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته». وقال في الحديث الصحيح: «من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد...». فالاسلام يركز على المساجد مش على المشاهد، وهذا مما علم بالتواتر والضرورة من دين النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أمر بعمارة المساجد والصلاة فيها، ولم يؤمر ببناء مشهد واحد لا على قبر نبي ولا على قبر غير نبي ولا على مقام نبي، ولم يكن على أحد الصحابة والتابعين والتابعين في بلاد الإسلام لا في الحجاز ولا الشام ولا اليمن ولا العراق ولا خراسان ولا في مصر والمغرب مسجد مبني على قبر ولا مشهد يقصد للزيارة أصلا. ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابه يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ولا عند قبر غيرهم، وإنما كانوا يصلون ويسلمون فقط على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه. نعم.
قال واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يستقبل غيره. وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأظنه منصوص الفقهاء، مختلفون في وتنازعوا عند السلام على النبي صلى الله عليه وسلم هل يستقبل القبر ولا لا؟ هذا فقط عند السلام، فما بالك عند الدعاء؟ نعم.
قال وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه. هكذا في كتب اصحابه. تخيل أن أبو حنيفة رحمه الله عليه، الذي يتهمون أنه هو عامل المشاكل، أبو حنيفة ماذا يقول الله يرضى عنه؟ لما تسلم على النبي صلى الله عليه وسلم تستقبل القبلة، ما تستقبل القبر، حماية لجناب التوحيد، هذا أبو حنيفة. نعم.
قال وقال مالك فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في المبسوط والقاضي عياض وغيرهما: لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو ولكن يسلم ويمضي. وقال أيضا في المبسوط: لا باس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يصلي عليه يعني يقول اللهم صلي على سيدنا محمد نعم. قال ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فقيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدون، فيفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا.
إذاً مالك كان يقول أن زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام كل صلاة في المسجد النبوي، قال: هذا ليس من عمل الفقهاء، وإنما ما عرف عن السلف في زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها تكون عند دخول المدينة وعند الخروج منها، أما كل صلاة يذهب لزيارة القبر الشريف هذا ليس فعل السلف، ولا يصلح آخر هذه الامه إلا ما أصلح أولها. نعم.
قال ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. قال وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من أنهم كانوا إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاه والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده للدعاء. ومن يرخص منهم في شيء من ذلك فإنما يرخص فيما إذا سلم عليه ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة.
يعني الذي رخص في الدعاء عند الحجرة رخص أن يستقبل القبلة عند الدعاء لله ولا يستقبل الحجرة، هذا من رخص أصلا، وأما مستدبر القبر وإما منحرفا عن القبر باتجاه اليسار وإما أن يستقبل القبر عفونا وهو أن يستقبل القبلة ويدعو ولا يدعو مستقبلاً للقبر، وهذا هو المنقول عن الأئمة. نعم.
قال وليس في أئمة المسلمين من استحب للمرء أن يستقبل قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عنده، وهذا ذكرناه عن مالك والسلف، يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه وهي الحكاية التي ذكرت هناك حكاية غير صحيحة عن مالك، ولو صحت فلها تأويل، ما هي الحكاية الغير صحيحة عن مالك والتي تخالف ما نقل عنه أصلا في أماكن أخرى؟
قال التي ذكرها القاضي عن محمد بن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أبو جعفر المنصور بتعرفوا الخليفة العباسي الثاني، ناظر مالك بن أنس في المسجد النبوي، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فان الله تعالى أدب قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، ومدح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 3]، وذم قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ [الحجرات: 4]، وإن حرمته ميتاً كحرمته حيا.
فسكت أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به فيشفع الله. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]. فهذه الحكاية على هذا الوجه أما أن تكون ضعيفة أو مغيرة.
وهذا أبو جعفر يقول لمالك: هل استقبل القبلة وأدعو أم استقبل النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال مالك، هيك نص الحكاية بيحكي أنه مالك قال لأبي جعفر المنصور: ولم تصرف وجهك عنه؟ أي عن قبره وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به.
يفهم من هذه القصة أن مالك يقول لأبي جعفر المنصور: إذا دعوت عند القبر استقبل القبر، لماذا تصرف وجهك عن القبر؟ هذه الخلاصة التي يستدل بها. واضح شو المشكلة في هذه الرواية عن مالك؟
فقال ابن تيمية: هذه الحكاية المنقولة على هذا الوجه إما أصلاً ضعيفة أو مغيرة التفاصيل، وإما أن تفسر بما يوافق مذهبه؛ لأنه المشهور عند المالكية والمعروف أن مالك ينهى عن استقبال القبر عند الدعاء، هذا هو معروف وأقواله.
فلما تأتي قصة وهذا ما يسمى رد المتشابه إلى المحكم أنه لما يكون عالم، وهذه إخوان هي الاستراتيجية اللي طالب العلم لازم يفهمها، أنه لما تناقش أهل البدع بلعوك بقصص، بلعوك بايش؟ بقصص. أنت بدك تكون على سير علمي واضح، أنه أنا يا عمي تعال أشوف مالك ايش وجهة نظره في أقوال أخرى في مسائل، يعني هل هناك نصوص أخرى؟
لما أشوف النصوص الصريحة يقول: لا يستقبل القبر عند الدعاء، وأرى قصة منقولة حكاية وتوتة بينه وبين أبي جعفر، بدي أحط علامة استفهام مش واحدة، عشرة على هذه القصة من حيث سندها، من حيث هل فيها تصحيف، من حيث حتى المقصود بها.
قال: وإما أن تفسر بما يوافق مذهب مالك، إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه، والمعروف بنقل الثقات من أصحاب مالك، أنه لا يختلف مذهب مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء باتفاق المالكية المتقدمين.
وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء أصلا، يعني مالك يقول لك: حتى لما بدك تدعو لا توقف جهة القبر، لا مستقبل ولا مستدبر، امشي ادعو في مكان آخر. وذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو مستقبل إلى القبلة، هذا قول آخر، ويولي القبر ظهره. وقيل: لا يوليه ظهره، يعني ما تحطه ورا ظهرك، امشي عدي عنه بحيث يكون ورا ظهرك شيء ثاني بس مش يقصد لا يولي ظهره يعني يستقبله؛ لأن هذه ما هي موجودة عندهم أبدا.
فاتفقوا إذاً، يعني المالكية كلهم متفقون على استقبال القبلة في المسجد النبوي، وتنازعوا هل يضع القبر وراء ظهره أم أدباً يمشي شوي على اليسار بحيث يكون وراء ظهره جدار أو حائط مش القبر الشريف؟ هذا مكان نزاعهم.
ويشبه والله أعلم أن يكون مالك رحمه الله لما سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه وهو يسمي ذلك ماذا؟ أن يكون مالك سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه، وهو يسمي السلام على النبي عليه الصلاة والسلام ايش؟ دعاء. يعني لما أبو جعفر المنصور ماذا قال له؟ يا أبا عبد الله استقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول ابن تيمية: ما معنى الدعاء هنا؟ يقول: قد يكون قصد أبو جعفر المنصور وقصد مالك بالدعاء ما هو مجرد السلام على النبي عليه الصلاة والسلام: السلام عليك يا رسول الله. قال: فقد يكون مالك سئل عن استقبال القبر عند السلام عليه، والسلام كانوا يسمونه أحياناً ايش؟ دعاء، ولا يقصد الدعاء، الدعاء إلى الله أن يقضي الحوائج. فإنه قد كان من فقهاء العراق، من فقهاء العراق اللي أبو جعفر المنصور قاعد عندهم، لأنه كان في بغداد من يرى أنه حتى عند السلام، وهذا مذهب أبو حنيفة أصلاً، أنه عند السلام على النبي عليه الصلاة والسلام لا تستقبل القبر بل تستقبل القبلة.
فكان مالك يقول: لا، أنا أخالف الحنفية، ما في مشكلة أنك عند السلام على القبر أن تستقبل القبر. فكل النقاش إذاً ما كان عند دعاء الله، وإنما المراد بالدعاء هنا السلام، هذا إن صحت القصة أصلاً.
وكما قال في رواية ابن وهب عنه: ماذا قال مالك؟ قال: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر بيده. وقد تقدم قوله إنه يصلي عليه ويدعو ايش؟ له.
إذاً لما هذه تشهد أن مالكا قد يعبر بالدعاء ولكنه لا يقصد بالدعاء أن يدعو الإنسان ربه، وإنما يقصد ماذا؟ يسلم ويدعو للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني جزاك الله خيراً يا أيها النبي على ما فعلت، اللهم اغفر لنبيك صلى الله عليه وسلم، يدعو له أي النبي عليه الصلاة والسلام. وأما دعائك لنفسك فلا يكون وجهك للقبر.
ومعلوماً قال: ومعلوم أن الصلاة عليه والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليه، فانه من صلى عليه صلاة صلى الله عليه عشرا». اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
نعم، قال: «ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجات في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي».
فقول مالك في هذه الحكاية إن كان ثابتاً عنه، معناه أنك إذا استقبلته وصليت عليه وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم القيامة. فإن الأمة ليوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاء العبد به في الدنيا هو فعل ما يشفع به له يوم القيامة بسؤال الله له الوسيلة ونحو ذلك.
وكذلك ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدعو ويسلم. يعني دعاءه للنبي صلى الله عليه وسلم. إذاً كلمة الدعاء الواردة في القصة إما أن نقول الدعاء هو السلام، أو نقول الدعاء هو أن تدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بأن تسأل الله له الوسيلة والمنزلة الرفيعة وأن يرفع درجته وأن يعطيه. دعاء له، فهذا لو دعوت له صلى الله عليه وسلم وأنت متجه إلى القبر لا إشكال فيه، تمام، كما أنك أنت ممكن تروح لقبور في بلدك وتدعو لأهل القبور ويكون أمامك القبر: يا رب اغفر لهذا الميت ارحمه تجاوز عنه، في مشكلة؟ ما في مشكلة.
فيقول: إذا دعوت له صلى الله عليه وسلم ما في مشكلة، فهذا هو الدعاء الذي يسأل عنه أبو جعفر المنصور، ولا يسأل أبو جعفر المنصور أن يدعو لنفسه عند القبر، فهذا يعني تخريج للقصة على مذهب أهل السنة.
نعم، قال: فهذا الدعاء هو المشروع هناك كدعاء عند زيارة قبور سائر المؤمنين، وهو الدعاء لهم، فإنه أحق الناس أن يصلى عليه ويسلم عليه ويدعى له بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم. وبه تتفق أقوال مالك ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كره وذكر أنه بدعة، أحسنت، هذا توفيق بين نصوص الأئمة.
نعم، واما الحكاية قال وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾، فهي والله أعلم باطلة. فإن هذا لم يذكر. أما هناك حكاية أخرى في نفس القصة في آخرها: وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ ظَلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾، لا أظن في قصة أخرى أيضاً وردت في هذه القصة، طيب، أنه أما الحكاية أن مالك قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: 64]، أن مالك يسقط هذه الآية على الاتيان لقبر النبي عليه الصلاة والسلام لمن كان وقع في معصية، قال: فهي والله أعلم باطلة، فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استغفار ولا غيره.
وكلامه أي كلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله من الأئمة ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية أخرى ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء ثم نسبت إلى مالك، هذه قصة عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلى هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۡا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾، وأنشد البيتين: يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك واحتجوا بهذه الحكاية. قصة، قصة حتوتة، لا يثبت بها حكم شرعي، هذه ليست حكاية تثبت بها أحكام، لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم الذي لو كان مشروعاً ومندوباً لكان الصحابه والتابعون أعلم به وأعمل به من غيره، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب ذكرناها.
سابقاً: أما لاضطراره، وهذا لا يدل على أن فعله مشروع؛ كما قال: «وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون سبباً مشروعاً مأموراً به». هذا ذكرنا نعم، قال: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل في حياته المسألة فيعطيها، لا يرد سائلاً، وتكون المسألة محرّمة في حق السائل؛ حتى قال: «إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتاب ناراً». قالوا: يا رسول الله، فلم تعظهم؟ قال: «يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل».
قد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالماً أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على مشروعيتها؛ قال: «وذلك لا يدل على أنها مشروعه بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها». ثم الفاعل قد يكون متأولاً أو مقلداً فيغفر له خطاه، ويثاب على فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتمع.
وقد بُسط هذا ذكرنا سابقاً في الدرس الماضي، لا حاجة إليه، إقراره، والمقصود هنا: قال والمقصود هنا أنه قد علم أن مالكاً من أعلم الناس بمثل هذه الأمور؛ فانه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما يقولونه عن الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف. وقد أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه فاستسقى بالعباس؛ ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا؛ مع أجدب يعني انقطاع المطر نعم استسقوا به؛ قال: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون؛ في استسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه كإمام والمأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق. نعم فهذا معنى الاستسقاء بالعباس أنه يا عباس ادعو ونحن نؤمن على دعائك، نعم قال: مش يعني نقسم يا الله عليك بالعباس، ليس المراد أنهم اتخذوه وسيلة، فذكروا المراد بدعاء العباس.
كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض من مخلوق، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا، ولم يُعرف أن أحداً ذهب إلى القبر الشريف فدعا هناك. ولهذا قال الفقهاء: قالوا هذا؛ قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء باهل الخير والدين، والأفضل أن يكون من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود؛ يا يزيد ارفع يدك؛ فرفع يديه ودعا ودعا الناس حتى أمطروا، ولم يذهب أحد من الصحابه إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره محتاج، هو من أهل بيت النبوة لكن نحتاج نعرف ما علاقته.
نعم ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره يستسقي عنده ولا به؛ يعني لما كان وقع القحط في زمن عمر هل نقل أنه في واحد من الصحابة راح على قبر النبي عليه الصلاه والسلام فدعا عنده أو دعا بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ما ينقل أنه أحد استسقى عند القبر ولا بالقبر، وإنما استسقوا بدعاء العباس. والعلماء استحبوا السلامة.
نعم والله يا شيخ لا أظن له علاقة، له علاقة بشيء من ذلك، علاقة بس تحتاج أنه يُتاكد منها، ابحث قد يكون زوج لأخذ كذا له علاقة بشيء من ذلك. قال العلماء: يستحب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم؛ الحديث الذي في سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». هذا مع ما في النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبر ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام». وفي سنن أبي داود وغيره عنه أنه قال: «أكثروا علي الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي». فقال يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت أي بليت؟ فقال: «إن الله حرم على النار أن تأكل لحوم الأنبياء»، وحرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
قال فالصلاة عليه بأبي هو وأمي، والسلام عليه مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد ثبت في الصحيح أنه قال: «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً». والمشروع لنا عند زيارة قبور الانبياء والصالحين وسائر المؤمنين هو من جنس المشروع عند جنائزهم؛ فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له، فالمقصود بزياره قبره الدعاء له؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح والسنن والمسند أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستاخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم.
فهذا دعاء خاص للميت؛ كما في دعاء الصلاة على الجنازة الدعاء العام والخاص: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا. ثم يخص الميت بالدعاء. قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] الآية. فلما نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأجل كفرهم، دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يُصلى عليه ويقام على قبره. ولهذا في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم يقام على قبره للدعاء له، وليس أن أدعو لنفسي عند القبر.
قال وهذا في السنن، ولهذا في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الرجل من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول: «اسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل». فإما أن يُقصد بالزيارة سؤال الميت أو سؤال المال، أو أن تزور بقصد أن تسأل الميت أن يقضي حوائجك، اشفِ لي مريضاً، يحقق لي كذا، أو الإقسام به على الله كوسيلة، أقسم على الله بهذا الميت باعتباره وسيلة، أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذه ليست من مقاصد زيارة القبور من سلف الأمة للصحابة ولا تابعينهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك بعد المئة الثالثة.
بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: تخيل أن مالك يقول يكره أن يقول القائل: زرنا قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وقال هذا القاضي عياض: كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عن بعضهم أنه علله بماذا؟ بلعنه صلى الله عليه وسلم زوّارات القبور؛ لذلك كره لفظ الزياره قال: وهذا يرده قوله: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». إذاً المشكله مش في أنه لعن زوّارات القبور فكره استعمال الاسم مالك، وعن بعضهم أن الزائر أفضل من المزور. فاذا قلت: زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام، بتكون أنت الزائر أفضل من المزور، وهو النبي عليه الصلاة والسلام؛ يقول لك في اللغة العربية إذا الزائر افضل من المزور، فمالك كره أن يقال: زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام، حتى لا يتوهم أن الزائر وهو أنا أفضل من المزور وهو النبي عليه الصلاة والسلام القبر؛ فلذلك هذا سبب آخر لماذا كره مالك قول الزياره.
ولكن هذا مش صحيح، ليس لذلك. وأصلاً فكرة أن الزائر أفضل من المزور يعني أصلاً مش دقيقة؛ إذا قلت: زرت بيت الشيخ الفلاني، معناه أنا صرت أحسن من الشيخ الفلاني، يعني هذا أصلاً بحد ذاته مشكلة. قال وهذا مردود بما جاء من زيارة أهل الجنة لربهم؛ صح؟ هل معناها أن أهل الجنة أفضل والعياذ بالله؟ كلا. والأولى أن يقال في ذلك، الأولى أن يقال: إنما كره مالك زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام لإضافة الزيارة إلى قبره عليه الصلاة والسلام، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك؛ بقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فمالك حمى إضافة هذه اللفظة إلى القبر حتى لا يتشبه بمن اتخذوا قبور أنبيائهم مزارات ومساجد قطعاً للذريعة.
ولا يصح حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئاً، لا أهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره. وإنما روى ذلك من جُمع الموضوع وغيره، وأجزل حديث روي في ذلك ما رواه الدارقطني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره، كقوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنة»، و«من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي»، و«من حج ولم يزرني فقد جفاني». ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة.
لكن إن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في زيارة القبور مطلقاً بعد أن كان قد نهى عنها؛ كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة، ولهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك؛ إذاً بالتفصيل يرى ابن تيمية لا أنه مشكلة هذه اللفظة، لماذا كره مالك أن يقول زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام؟ المشكلة مش في لفظ الزيارة كتعبير لغوي، المشكلة العرف الذي غلب على هذه اللفظة، غلب استعمال لفظ زرت قبر فلان على الزيارة البدعية، وليس على الزيارة الشرعية. فلما كثر استعمال هذه اللفظة في الزيارة البدعية، طبعا شو الزيارة البدعية؟ هي الزيارة التي يكون فيها الدعاء والتوسط والإقسام بالميت، هذا كله لا يجوز كما ذكرنا؛ فلما كثر استعمال هذه اللفظة في الزيارة البدعية مالك كرهها، وكره أن يقول: زرت قبر النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يذهب الذهن أنه قام بزيارة بدعية لا شرعية، هذا على الأقل تحليل ابن تيمية لماذا قال مالك هذه العبارة.
وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع فيسلم على موتى المسلمين ويدعو لهم؛ فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين. وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم؛ نعم يعني زيارة القبور لتذكرة الآخرة يجوز أن تزور قبور المسلمين وقبور المشركين، لكن زيارة القبور لأجل السلام والدعاء لهم هذا لا يكون إلا لقبور مين؟ المسلمين. فهذا معنى قوله: وكان يخرج إلى البقيع ويدعو لهم، فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، يعني بقبور المسلمين أنك بدك تدعو الآن، هذا الصلاة عليهم لا تكون للمسلمين.
قال وقد استفاض عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما فعله؛ قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، لكنه كره أن يُتخذ مسجداً. وفي الصحيح أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وهذا في الصحيح. وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك».
وفي السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عِيداً، وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». ومعنى هذه الأحاديث المتواترة عنه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وكذلك عن أصحابه، فهذا الذي ينهى عنه من اتخاذ القبور مساجد مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى والدعاء لهم. فالزيارة المشروعة من جنس الثاني، والزيارة المبتدعة من جنس الأول.
قال: فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد للصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء. فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرّح بتحريم ذلك كما دل عليه النص، واتفقوا أيضاً على أنه لا يشرع.
وقصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عندها والدعاء عنده أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبنى على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وبابطال الصلاة فيها وان كان في هذا نزاع، يعني: هل الصلاة تبطل في المسجد الذي فيه قبر أو لا؟ فيها نزاع مش موضوعنا.
نعم، قال: والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم، بل هو مكروه باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين؛ إحداهما: نجاسة التراب باختلاط بصديد الموتى، وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة، وهذه ذكرناها الدرس الماضي، أن البعض يقول: لماذا لا يسقى القبور خوف من النجاسة؟ وهؤلاء يفرقون بين المقبرة القديمة والحديثة باعتبار أن الجديدة لسه ما صارش فيها نجاسة بعد.
نعم، قال: وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة، وأكثر علماء المسلمين يقولون: إن النجاسة إذا استحالت من صورة إلى صورة هل تبقى نجاسة ولا لا؟ نعم، قال: وأكثر علماء المسلمين يقولون إن النجاسة تطهر بالاستحالة. بني النجار، نعم، قال: وكان قبور من قبور المشركين ونخلا وخرب وخرب، نعم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، وبالقبور فنبشت، وهذا من أقوى الأدلة على أن منع الصلاة عند القبور ليس لأن المقبرة فيها نجاسة اختلاط التراب بالصديد، له أصلًا المسجد النبوي على ايش بني؟ على مقبرة كان فيها قبور المشركين، مش نبشت قبور المشركين وبني المسجد النبوي فوقها؟ فلو كانت تلك المنطقة، لما بني المسجد النبوي فوقها.
اذاً، لماذا نهي عن الصلاة عند القبور؟ يرى ابن تيمية أن التعليل الأول الذي قدمه بعض الفقهاء ضعيف، الموضوع مش موضوع نجاسة تراب المقبرة، لا. قال: فلو كان تراب قبور المشركين نجساً، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل على الأقل ذلك التراب، لأنه لابد أن يختلط ذلك التراب بغيره، والعله الثانية وهي الصحيح: أنه نهي عن الصلاة في القبور لما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور، لما يفضي إليه ذلك من الشرك، وهذه العلة صحيحة باتفاقهم، والمعلل بالعلة الأولى كالشافعي وغيره عللوا بهذه أيضاً، قالوا: هذه، جعلوها علة أخرى وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كالأثرم صاحب أحمد وغيره عللوا بهذه، يعني كل من ذكر العلة الأولى ذكر العلة الثانية، بس مش كل من اعتبر العلة الثانية اعتبر العلة الأولى، وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى، لكن كل من علل بالأولى يضيف العلة الثانية، هذا يريد أن يقول: فالثاني متفق عليها، بس الأولى مش محل اتفاق بين الجميع.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. ذكر ابن عباس وغيرهم من السلف أن هذه اسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، قد ذكر البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره وأصحاب قصص الانبياء كوثي وغيره. قال ويبين صحة هذه العلة أنه صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ قبور الانبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش ولا يكون ترابها نجس، وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد»، وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا»، وبالتالي اكيد يعني قبور الأنبياء هل اجساد الانبياء هل يعني يقول لك هذا بعيد لما يقول لا تتخذوا قبري وثناً أو مسجدا لا تتخذوا قبري مسجدا، هل من أجل صديد الموت واختلاط بالتراب؟ هذا لا يتصور في اجساد الانبياء.
فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس ما نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لان الكفار يسجدون الشمس، الا نشابه الكفار هذا معنى هذا. نعم، قال: فسد ذريعة وحسم للمادة بأن لا يصلى في هذه الساعة، وان كان المصلي لا يصلي الا لله ولا يدعو الا لله، وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد وإن كان المصلي عنده لا يصلي إلا لله ولا يدعو إلا لله، لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها، وكلا الامرين قد وقع، فان من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعو لها بانواع الادعيه والتسبيحات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الاوقات والامكنة والابخره المناسبة لها في زعمه، يعني هو يريد أن يثبت لك يا اخي الاسلام مش حرم الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لماذا؟ حتى لا نشابه النصارى الذين يسجدون للشمس عند طلوع الشمس وعند غروبها، فحتى لو أنت بتصلي لله لا تتحرى الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها حتى لا تشابههم ولو في الصورة الظاهرة، لأنه مع الوقت إذا شبهتهم في الصورة الظاهرة ممكن مع الوقت تصبح تتقصد الشمس وتعبد، ويحدث عندك من البدع ما يحصل، وهذا يقول حصل في الأمة، فإن بعض حتى من المسلمين لأسف أصبح يعبد الشمس ويتقرب إليها.
وهنا سيذكر قال: وهذا من اعظم اسباب الشرك الذي ضل به كثير من الاولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب للإسلام، بل صنف بعضهم بعض المشهورين كتاباً سماه السر المكتوم في السحر ومخاطبته النجوم، مين الف هذا الكتاب؟ الرازي، بس هو هنا يعني أحيانا هذا من أدب الإنسان أنه أنا مش مقام معركه الآن مع الرازي، فقال: خلص، مشي تمام، يعني بقول لك: حتى أين وصلت البدعة إلى بعض الأصل من العلماء أن يكون ألف كتاب في السحر ومخاطبة النجوم على مذهب المشركين من الهند والصابئة أو المشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم الهندي ومكوش البابلي وابن وحشية وأبي معشر البلخي وثابت قرة وأمثالهم ممن دخل في هذا الشرك، وهذا كله ينشأ من بدعة صغيرة تصبح شركاً أكبر، وآمن بالجبت والطاغوت ومنتسبون إلى أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]، وقد قال غير واحد من السلف: الجبت والسحر، وببعضهم قال: الشيطان، وكلاهما حق.
فهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر وبين الشرك الذي هو عبادة الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا بما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام بل ودين جميع الرسل أنه شرك ومحرم، بل هذا من اعظم انواع الشرك.
فهو يقول لك: كما أن الاسلام حسم موضوع في قضية السجود للشمس عند طلوع الشمس وعند غروبها، كذلك حسم مادة الصلاة عند القبور وقصد القبور، ليه؟ لانه هي القضية تبدأ بدعة صغيرة، يا اخي أنا ما بعبد القبر، أنا بس بدعو عنده، أنا بس بصلي عنده، لكن بماذا ستنتهي؟ انك تعبده، فهو يقارن بين مسائل مختلفه، كيف ابتدات بدعة صغيرة ثم انتهت بعبادة الشمس والنجوم؟ نفس الشيء تبتدئ بالصلاة عند القبر ثم تصبح تصلي لصاحب القبر وتدعوه، فود وسواع ويغوث ويعوق لماذا أتى بذكرهم؟ لأنه قضيتهم كيف ابتدات؟ اناس صالحون صوروا على صورة تماثيل وكان يعبد الله بجوارهم، الجيل الرابع أو الخامس أصبح يعبد هؤلاء، فلا تستقل موضوع البدعة فإن الجيل الثاني أو الثالث أو الرابع هو الذي تتطور عنده ويصبح شركاً أكبر والعياذ بالله.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 75]، وكيف إبراهيم لما خاطب الصابئة في قضية القمر والكوكب والشمس، فإن إبراهيم عليه السلام سلك هذا السبيل لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب أرباباً يدعونها ويسألون، ولم يكونوا هم ولا أحد من العقلاء يعتقد أن كوكباً من الكواكب خلق السماوات والأرض، لأنه كما قلنا يعني جميع أو خلينا نقول أكثر أقوام الأنبياء ما كانت مشكلتهم في الربوبية، كانت مشكلتهم في إيه؟ في الألوهية، فقوم إبراهيم ما كانوا يعتقدون أن الكواكب تخلق، لكن كانوا يفزعون إليها ويلجؤون إليها دعاء وقصداً كما كان كفار قريش يفعلون، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين، ولهذا قال الخليل: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 75-77].
قال: لماذا قال فانهم عدو لي الا رب العالمين؟ لانهم كانوا يعرفون رب العالمين، فيقول: كل ما تعبدونه أعداء لي إلا واحد ليس عدوا لي من معبودات، بل هو الذي أعبده وهو رب العالمين. الآن هذا يعني ترجيح من ابن تيمية لأن إبراهيم عليه السلام كان مناظراً لا ناظراً كلام سابق، فإن إبراهيم سلك هذا السبيل لأن قومه كانوا سلك هذا السبيل في المناظرة. نعم، أنه يعني هو يرى أنه كان نعم مناظرة ولا يرى أنه كان يعتقد ذلك أو أنه واقع في حيرة في ذلك، وهذا وإن كان قولك إنه ليس الأظهر والله أعلم، والخليل صلوات الله وسلامه عليه أنكر شركهم بالكواكب العلوية وشركها بالأوان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك، أو هي أمثال قال لمن مات من الانبياء والصالحين لما قال: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 58].
أن البعض يقول: طب هو سيدنا إبراهيم قومه كانوا يعبدون الكواكب ولا كانوا يعبدون الأصنام؟ لأنه هو في النهاية كسر الأصنام، فحيترتم هم كانوا يعبدوا الكواكب واللي كان يعبد الأصنام؟ فهو يقول ابن تيمية هنا -وهذه إحدى التخريجات-: لا، هم كانوا يعبدون الكواكب ويجعلون لها أصنام في الأرض رمزاً لها، فأصنامهم في الأرض كانت صور وطلاسم عن الكواكب التي في السماء، وهناك بعض العلماء يقولون: لا، أولئك قوم، وهؤلاء قوم آخرون، لكن خلونا على هذا الذي يقول ابن تيمية.
والمقصود هنا أن الشرك وقع كثيراً في تاريخ الإنسانية، وكذلك الشرك باهل القبور بمثل دعائه والتضرع إليهم هو يسير بهذا الاتجاه، تبدا بدعة صغيرة وتنتهي بعبادتهم. فإذا كان صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصاً عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع شرك، نوع من الرغبة إليهم، سواء طلب منهم قضاء الحاجات أو تفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله تعالى؟ إذاً كلاهما بدعة لكن أحداهما أسوأ من الأخرى.
قال: فكيف بمن يطلب منهم قضاء الحاجات سواء طلب من الميت أن يقضي حاجته مباشرة بأن يقولوا: اشف لي مريضي؟ ايش بنسميها؟ استغاثة، وهذه شرك أكبر، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله؟ وهذا شرك أصغر، يعني هو ما يقول اشف لي مريضي، يقول: يا رسول الله ادع الله ليشفيني مريضي. آه هسه هذا ليس شرك أكبر، لأن هو لا يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي حاجته، لكن يطلب منه أن يطلب من الله ذلك بناء على تصور بدعي في ذهنه، بس حتى هذا يخشى مع الوقت أن يصبح يدعو نفس النبي عليه الصلاه والسلام، فكلاهما غير مشروعة إن كان الأول شرك أكبر، والثاني يدخل ضمن البدعة.
بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة لنهي عن ذلك، ولو لم يكن عند قبره، لو قال أقسم بجبريل أو أقسم بميكائيل باحد الصالحين لا يجوز ذلك ولو لم يكن عند قبره، كما لا يجوز الاقسام بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة. بتعرفوا الحلف بالمخلوق لا يصح، وإنما الحلف يكون بالله، لكن اختلفوا هل هو نهي تحريم؟ هل لو أقسم بمخلوق هل النهي هنا نهي تحريم أو تنزيه؟ترى البعض ما يعرف أنه في خلاف ه المسألة، لو أقسم بمخلوق، لو أقسم برجل من الصالحين أو بملك، هس منهي عنه صحيح باتفاق الأئمة، لكن في هناك خلاف هل النهي على وجه التحريم أو على وجه الكراهة؟ على قولين أصحها ما أنه نهي تحريم، ولم يتنازع العلماء، الآن العلماء متفقون على أنه الحلف بغير الله ليس مشروعاً سواء على التحريم أو الكراهة، إلا حلف واحد اختلفوا في مشروعيته وهو الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، هل يجوز أن يقسم بمحمد عليه الصلاه والسلام؟ أقسم بمحمد عليه الصلاه والسلام؟
فحقيقة عند الحنابلة عندنا في مذهبنا هناك قولان في جواز القسم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن فيه قولين في مذهب أحمد وبعض أصحابه، وعفواً ففيه قولين في مذهب أحمد، وبعض أصحابه كابن عقيل، طرد الخلاف في سائر الأنبياء، فإن ابن عقيل الحنبلي قال: والخلاف في النبي عليه الصلاه والسلام أطرده أيضاً في الحلف بموسى وعيسى وإبراهيم، فالخلاف أيضاً يستساغ فيهم، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البته حتى بالنبي عليه الصلاه والسلام، ولا يقسم بمخلوق البته وهذا هو الصواب، وإن كان هناك يعني رواية عند الحنابلة أو قول عند الحنابلة بجواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاقسام على الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، تمام مبني على هذا الأصل، على أصل جواز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام، فمن قال بجواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم -اللي يقول يجوز أن تقول أقسم بمحمد عليه الصلاة والسلام- يجوز.
الأقسام على الله بمحمد؟ شو الأقسام على الله بمحمد عليه الصلاة والسلام؟ أن تقول: يا رب أقسم عليك بمحمد صلى الله عليه وسلم أن تقضي حاجتي. طبعا هو أقسام أقرب إلى التوسل، هو أقرب إلى إيش؟ التوسل؛ فمن أجاز هذه الصورة من التوسل فهي أصلا مبنية على جواز ماذا؟ الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام. من جوز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام جوز التوسل به، وأن تقول: اللهم أقسم عليك أو أتوسل إليك بمحمد عليه الصلاة والسلام. ومن قال: لا يجوز الحلف بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا بمخلوق؛ قال: لا يجوز التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا الأقسام به على الله عز وجل. وهذا هو الصواب.
لكن في النهاية أنت تعرف، يعني جيد أنك تعرف على كل حال أن مسألة التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام أو الأقسام به مسألة فيها خلاف، والخلاف ليس حادثا، لا، الخلاف قديم، وهناك قولان حتى عند الحنابله. لذلك ابن تيمية -وإن كان يعني يحرص على الابتعاد عنها- لكنه لا يعاملها معاملة الاستغاثة ولا يعتبرها من البدع الكبرى؛ لأنه يرى أنه في خلاف، على الأقل عند الحنابله في ذلك، على الأقل.
نعم يا شيخنا، درجتها: بدعة مكروهة أو محرمة؟ أو بدعة مكروهة يعني لا، مسألة التوسل خاصة أنه فيها خلاف. نعم، طبعا، التوسل بالنبي عليه الصلاة والسلام هذا الكلام فيه. نعم، قال: واما غير النبي عليه الصلاة والسلام فما علمت بين الأئمة فيه نزاعا، بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم على الله فقط باسمائه وصفاته وليس باحد من خلقه؛ كالدعاء المعروف: اللهم إنا نسالك بانك الله، بان لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السماوات والأرض. اللهم إني أسالك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، إلى آخر الآثار.
واختلف أيضا في مسألة مشهورة: لو أقسم على الله بمعاقد العز من عرشك مثلا، هذا كان من الأدعية التي تققال، فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به، لكن الأثر ليس قويا. ونقل عن أبي حنيفة كراهة هذا؛ قال أبو القدوري -تعرف القدوري، الإمام القدوري الحنفي في شرح الكرخي-: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول القائل: اللهم أقسم عليك أو أسالك بمعاقد العز من عرشك، أو أسالك بحق خلقك. هذا أبو حنيفة الذي يحمي جناب التوحيد وليس كما يصور لكم!
قال أبو يوسف الآن: أبو يوسف جوز الحلف بمعاقد العز، بس إيش وجهة نظره؟ ليش أبو يوسف خالف أبا حنيفة وقال: يجوز الحلف بمعاقد العز؟ قال أبو يوسف: لأنه معاقد العز من العرش ما هو؟ ما هو أعز شيء في العرش الذي استوى عليه هو الله؟ فيقول: معاقد العز هو الله نفسه، فتقول: بمعاقد العز كأنك تقول: أقسم بك. هذه وجهة نظر على الأقل أبي يوسف؛ فيقول: لا إشكال أن تققسم بالله. قال: معاقد العز من العرش هو الله ذاته فلا أكره هذا، ولكن نعم أكره أن يقال بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره.
إذا أبو يوسف هي الحقيقة مخالفته ليس في أصل المسألة، مخالفته في فهم ما هو معاقد العز. قالوا جميعا فالمسألة حق للخلق على الخالق؛ فلا يجوز أن يسأل الله بما ليس مستحقا لشيء عنده، ولكن معاقد العز هل هو الله أو المخلوق؟ هذا يعني شيء وقع فيه خلاف في تصوره بين أبي حنيفة وبين أبي يوسف، ولذلك تنازعوا في النتيجة.
واما أبو يوسف، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه: أسالك اللهم بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم. فبناء على ذلك أبو يوسف جوز الدعاء بمعاقد العز وتأول على ما تأول. وقد نازع في هذا بعض الناس وقالوا في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي يقول الخارج فيه: ﴿اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ﴾. الآن هو سيعتذر شوي في مسألة التوسل؛ لأن كل نقاشنا الآن من عند من الصفحة السابقة من عند قوله: والأقسام على الله بنبيه. بتعرف ابن تيمية أي موضوع يأخذه مباشرة لقضية جانبية وتجلس معها خمس صفحات! هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم هل يجوز التوسل بأمور عامة كالسحب وما شابه ذلك؟
يقول: وقد وقع، وقد نازع في هذا بعض الناس بناء، وقالوا وقال هؤلاء في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور لمن خرج إلى المسجد أن يقول: اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك، اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك. طب هذا نوع من التوسل، وبحق ممشاي هذا فاني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1].
فهؤلاء لما يقول: وقد نازع في هذا بعض الناس، يعني هؤلاء الذين نازعهم الذين يرون جواز التوسل، جواز التوسل بالصالحين. والذين يرون جواز التوسل بالصالحين استدلوا بهذا الحديث: اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك، واستدلوا أيضا بجواز باية: واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام. قال: فالسؤال بالارحام هو نوع من التوسل إلى الله بالرحم. طبعا هذا استدلال غير صحيح؛ سياتي ابن تيمية يفند حجة الذين يجوزون التوسل بالصالحين، سيفند أثناء الدعاء واستدلاله بهذين الموضعين.
قال: وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] على قراءة حمزة وغيره من خفض الأرحام، اللي هي: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. فيكون المعنى: أي تتساءلون بالله وتتساءلون بالارحام. وقالوا في تفسيرها: إن يتساءلون به وبالأرحام. ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار بأن يقال: تساءلون به وبالأرحام؛ فانما قال لما راى غالب الكلام يكون بإعادة الجار، والا فقد سمع من الكلام العربي ونثره ونظمه العطف على الضمير بدون تكرار حرف الجر، كما حكى سيبويه: ما فيها غيره وفرسه. ولا ضرورة هنا كما يدعى مثل ذلك في الشعر.
ولانه قد ثبت في الصحيح أن عمر قال: اللهم إنا إذا كنا أجدنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. هذا الدليل الثالث الذي استدلوا به على جواز التوسل بالصالحين: قول عمر: إنا نتوسل إليك بعم نبينا. ظاهر الكلام التوسل بذاته! التوسل بالعباس، مش بدعاء العباس! الآن هو يسرد حجج من يجوز التوسل بذوات الصالحين؛ استدلوا بحديث: أسألك بحق السائلين عليك، استدلوا بآية: الذي تساءلون به والأرحام، استدلوا بحديث: إنا نتوسل إليك بعم نبينا.
واستدل أيضا الحجة الرابعة: حديث النسائي والترمذي، وهو حديث أعمى مشهور، أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فسأله أن يدعو الله له أن يرد بصره عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ. النبي عليه الصلاة والسلام قال للأعمى: اذهب فتوضأ وصل ركعتين، وقل في دعائك: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله، إنني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي. اللهم فشفعه في. وهذا من أقوى الأدلة التي استدل بها المخالف على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم. فدعا هذا المريض الله بذلك فرد الله عليه بصره.
إذا كم دليل عنده؟ أربعة، تمام؛ ثلاثة أحاديث وآية. سيبدأ ابن تيمية يجيب عن هذه على الأقل الاستدلالات التي فيها شبهة، ويبين أن هذه الأدلة الأربعة لا تدل على جواز التوسل بذوات الصالحين. فقال: والجواب عن هذا يقال أولا: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، وكما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل -وهو ردفه-: يا معاذ، أتندري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. أتندري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق ما عليه ألا يعذبهم. وهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق.
وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازع: هل يجب هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: كتب ربكم على نفسه. إذا الزم نفسه بشيء، هل يجب عليه ذلك الشيء؟ مسألة وقع فيها نزاع. إذا الزم نفسه: إني حرمت الظلم على نفسي، كتب ربكم... هل يلزمه ذلك الشيء؟
نعم قال أو في من جوز ذلك احتج بقوله: كتب ربكم على نفسه الرحمة، قال: وبقوله في الحديث الصحيح: ﴿إِنِّي حَرَمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي﴾. والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر، يعني هذا مش موضوعنا: أنه الله إذا ألتزم نفسه بشيء هل يلزمه ولا يجوز؟ هذا موضوع آخر يذكر فيه.
واما الإيجاب عليه سبحانه وتعالى والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قال: فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وما يعني...
إذا إذا الله أوجب على نفسه شيئا بنفسه، في خلاف هل يلزمه أو لا؟ أما أن نقول بالقياس العقلي: والله هذا الشيء يجب على الله يفعله، هذا الشيء يحرم على الله يفعله، كما تقوله المعتزلة الذين يحكمون بالعقول على الله؛ لا، هذا قول مخالف لطريقه أهل السنة.
ويناقش مسألة هيك استطراد ضمن الاستطراد: إذا الله أوجب على نفسه شيئا، هل يجب عليه؟ إذا قلنا: يجب عليه، ما في مشكلة، وليس في هذا كبير أن هو الذي أوجب على نفسه بنفسه: حرمت الظلم على نفسي. لكن وذا القول الذي يكون مخالف لأهل السنة هو قول المعتزلة الذين يقيسون الله على المخلوق؛ فماذا يقولون؟ كل شيء لا يجوز للمخلوق أن يفعله يحرم على الله أن يفعله! فهمتوا ماذا يفعلون؟ فيجعلون عقولهم هي التي تحرم على الله وتوجب على الله، وليس أن الله يحرم ما شاء على نفسه أو يوجب ما شاء على نفسه.
ولذلك قال: واما الإيجاب عليه سبحانه أو التحريم عليه بالقياس على خلقه، أنه يصير أنت تقول: هذا الشيء لازم ربنا يفعله، هذا الشيء مش لازم ربنا يفعله، لا، هنا أنت تتألى على الله! فقال: فهذا قول القدرية -أي المعتزلة- وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون على الله شيئا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب، من قال: إنه يجب على الله شيء؛ إنما يقوله إذا هو سبحانه أوجب على نفسه بنفسه وحرم على نفسه بنفسه، لا أن العبد نفسه يستحق على الله شيئا يجب على الله أنه يجيب دعائي، لا لا، اخي، ما في شيء يلزم على الله عليك! طيب.
كما يكون للمخلوق على المخلوق؛ هس أنا بيني وبينك، نعم، والله لازم تعمل لي، مش لازم، بيني وبينك سهل. فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير؛ فهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح. ومن توهم من القدرية المعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون على الله شيئا من جنس ما يستحقه الأجير على من استاجره، فهذا قياس باطل، فهو جاهل في ذلك.
واذا كان كذلك، لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله واحسانه. هو على ماذا يعلق؟ يعلق على الشبهة الأولى لهم، وهو حديث: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، مش هذا هو الشبهة الأولى لهم؟ الآن بقولك: شو حق السائلين علي هيك؟ الآن أنت بدك تحلل: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، هل هناك حق لازم على الله من السائلين؟ إذا كنت تقصد حق هم يلزمون به الله، لا، في حدا بيلزم ربنا بشيء! لكن إذا كنت تقول: حق السائلين على الله، حق هو سبحانه أوجبه على نفسه لما قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غؤاف: 60]؛ آه، هذا حق، مش حدا بيلزم في رب العالمين، لا، هو ربنا كتب على نفسه ذلك، وهو سبحانه له أن يكتب على نفسه ما يشاء، إحن ما لنا علاقة، اليس كذلك؟
فاذا فسر حق السائلين بأنه ما كتبه الله على نفسه، لو فسر حق السائلين بهذا، فانت أصبحت، إذا كنت تتوسل بحق السائلين، تتوسل بماذا؟ بفعل من أفعال الله. والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته وأفعاله، ففيش مشكلة. فالدعاء لا يدل: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، الآن بغض النظر عن سنده من حيث المتن ترى ما في مشكله اخواني، ليه؟ لأنه حق السائلين عليه هو فعل أوجب من أفعاله، إلزم نفسه بنفسه، فكانك تدعو الله بفعل من أفعاله، وتتوسل إلى الله بفعل من أفعاله، فلا مشكلة في ذلك. وبالتالي الحديث ليس، لا يدل على منطقة النقاش.
احنا وين مختلفين؟ أن تتوسل بذات مخلوق، برجل صالح أو بأي شيء من المخلوقات. أما أن تتوسل إلى الله بأفعاله، ما عندي مشكلة في ذلك؛ فالدليل ليس لكم.
نعم، مسألة وين الصفحة؟ اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. اها، فهمت عليك، وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده.
الصادق يعني الله عز وجل إذا وعد وعداً صادقاً فإنه سيحصل، لكن اختلفوا هل هو يوجب بنفسه على نفسه؟ يعني هل هذا يصح أن نقول إنه شيء يجب عليه؟ هسه كون وعد صادق يفعل، لكن هل يعبر عن هذا بأنه أوجب على نفسه؟ هذا الذي يظهر لي، ويقول: وقد اتفق العلماء على وجوب، يعني على ثبوت وحصول ما وجب بوعده الصادق، لكن هل يعبر عن هذا أنه سبحانه يوجب على نفسه فيصبح واجب عليه؟ أم يقال خلص ربنا وعد شيء سيحصل بدون ما نقول إن هذا واجب على الله؟ لا نعبر بهذا التعبير، فالنقاش الذي يظهر في هذا التعبير كتعبير، أما أن الله سبحانه وتعالى إذا وعد شيئاً ينفذه أكيد ما في حدا يناقش في هذا، ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثاً.
لكن الخلاف هل يعبر أنه واجب عليه؟ لأن هذا نقاش سهل في إذا هو أوجب على نفسه، أما أن يوجب العباد عليه؟ لا، هذا الذي يخالف فيه أهل السنة المعتزلة، إذا فهمتم الآن هو ماذا يريد أن يقول بكل هذا الكلام، فحق السائليين عليه هو حق أوجبه على نفسه، فإذا دعوت فقلت: اللهم إني أسألك بحق السائلين، أنت تدعو وتتوسل بفعل من أفعاله، فلا أشكال في ذلك.
طيب قال: وأما إذا سئل بشيء ليس بسبب للمطلوب، فإاما أن يكون إقساماً عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإاما أن يكون سؤلاً بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، قفز أنت، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه، هو أوجبه على نفسه، ليس من باب المعاوضة كما تقول المعتزلة، ولا من باب ما أوجب غيره عليه سبحانه، فإنه يتعالى أن يوجب أحد عليه شيئاً.
طيب، وإذا سئل سبحانه، نعم بما قال: وإذا سئل بما جعله هو سببأ مطلوباً، سبباً للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابه بكرامته، وأنه يجعل لهم مخرُجاً ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيستجيب دعاءهم ومن أدعية عباده الصالحين وشفاعة ذوي الوجاهة عنده، فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سبباً.
فأنت إذن التوسل الصحيح يكون إما بالأسماء الحسنى والصفات العلى وأفعال الله، أو التوسل بأعمالك الصالحة، أو التوسل بدعاء الصالحين، هي ثلاث طرق فقط للتوسل الصحيح: إما أن تتوسل بالأسماء الحسنى والصفات العلى وأفعال الله، أو تتوسل بأعمالك، زي قصة أصحاب الغار الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة، أو تتوسل إلى الله بأيش؟ بدعاء رجل صالح.
وكل ما ذكروه من الأدلة الأربعة هي تحوم حول هذا، لا يخرج شيء عن هذه، ولا يدل شيء منها يقيناً على التوسل بذات مخلوق، طيب قالوا: وأما إذا سئل بشيء ليس سبباً للمطلوب، فإما أن يكون إقساماً عليه به، فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالاً بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة ورحمته لهم أن ينعم ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده يقبل من شفاعتهم ودعائهم.
يقول: وأما إذا سئل الله بشيء ليس سبباً، الله لم يجعله سبباً، احنا قلنا الأسباب ثلاثة حصرنا، فإذا دعوت الله بشيء غير هذه الأمور الثلاث، فهذا السؤال بهذا الشيء، إما أن يكون إقساماً عليه به: أقسام عليك يا رب جاه فلان عندك، أقسام عليك يا رب جاه الولي الفلاني، أما أن يكون إقساماً عليه به وهذا لا يجوز، لأن الله لا يقسم عليه بمخلوقاته، وإما أن يكون سؤاله ليس على وجه الإقسام، لكن على وجه التوسل والتضرع بس: يا رب أسألك بحق الولي الفلاني، مش بقسم عليك بس بسألك بحق ولي فلان، فنقول: فهذا سؤال لا يقتضي المطلوب، لأنه ليس بوسيلاً شرعية أرادها الله سبحانه، فيكون عديم النتيجة.
فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم، وبكلماته التامة ورحمته لهم أن ايش؟ ينعم ولا يعذبهم، وهذا حق هو أوجبه على نفسه تماماً، وهم وجهاء عنده سبحانه يقبل من شفاعتهم ودعائهم ما لا يقبله من دعاء غيره، فإذا قال الداعي: يا رب أسألك بحق فلان، محمد صلى الله عليه وسلم أو أبي بكر وعمر وفلان، لم يدع له وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته، بل بنفس ذاته وما جعله ربه من الكرامة، لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب.
ماذا يريد أن يقول؟ إذا أنت بدك تستعين بشخص صالح، إما أن تستعين زي ما حكينا بدعاء الرجل الصالح، فتقول: ادع لي، أو تستعين بماذا؟ باتباعك أنت لذلك الرجل الصالح، فتقول: يا رب اتباعي لمحمد صلى الله عليه وسلم حقق لي أمنياتي، فهو دعاء إما بعمل صالح لك أو بدعاء رجل صالح عنك، وأما أن تتوسل بذات الرجل الصالح: أسألك يا رب بفلان بالنبي صلى الله عليه وسلم بأبي بكر بعمر بذاته، لا، هذا ليست محققاً للمطلوب.
إذا تريد تتوسل برجل صالح وتريد تحقيق المطلوب، كيف يكون؟ ما هو المشروع؟ إما أن تتوسل بدعاء الرجل صالح، وهذا حديث الأعمى الضرير سياتي: اللهم أتوجه إليك بمحمد، يعني بدعائه لي، أو تتوسل باتباعك له، وهذا من الأعمال الصالحة، اتباعك له، أما أن تتوسل قال: وأما بذاته، بنفس ذاته، أتوصل إليك بحذفه، أتوصل إليك بعمار بالذات، مش لا بدعائه ولا باتباع له، فهذا ليس مطلوباً، ولو كان الشخص له مكانة عند الله، لكن التوسل بذاته ليس سبباً أبداً.
لأنه من الذي يضع الأسباب التي تحقق النتائج؟ الله، فما اللي اخترع أنا سبب؟ الله حصر لي في هذه الأمور: إما أن تتوسل إلي باسمائي وصفاتي وأفعالي، أو تتوسل إلي بأعمالك الصالحة، أو تتوسل بدعاء الصالحين لك، أما أن تتوسل بذواتهم، هذا لا يصح وإن كان متأخرو المذاهب يصححون، لكن هكذا ابن تيمية يؤصل المسألة.
وحينئذ فيقال: قال وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها، كدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، نعم، لأنه إما بالأعمال الصالحة أو بدعاء الصالحين، قال: بل هذا من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]، وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]، فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب من يتوسل به، وأن يتوصل ويتقرب به إليه سبحانه، سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر، أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار، ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، والدعاء بمعنى العبادة.
نعم، الدعاء في القرآن هناك دعاء ما يسمى دعاء المسألة، وهناك دعاء العبادة، دعاء العبادة هو أن تدعو الله أن يقربك عنده وأن يتقبلك لديه، ودعاء المسألة أن تدعو الله أن يقضي حوائجك بجلب النفع ودفع المضار، ولفظ الدعاء يتناول هذا وهذا، هناك الدعاء بمعنى العبادة، وهناك الدعاء بمعنى المسألة.
عرفتوا شو الفرق بين دعاء العبادة ودعاء المسألة؟ دعاء العبادة دعاء تقرب، دعاء المسألة دعاء قضاء حوائج، طيب وإن كان كل منهم يستلزم الآخر، يعني يعني الذي يدعو دعاء عبادة هو يريد مسألة يقضيها، والذي يدعو دعاء مسألة هو فعلياً هناك نوع من الخضوع لله، وهذا يتضمن العبادة لأن، لكن قال: لكن العبد قد تنزل به النازله فيكون مقصوده وطلب حاجته وتفريج كرب.
شوف هذا المعنى الجميل الذي يذكره ابن تيميه هنا، شوف هذا معنى جميل، قال: لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده، يعني تنزل نازلة بلاء، مرض، امتحان، زواج أو شيء، فيكون مقصوده طلب حاجته من الله دعاء مسألة، وتفريج كربته فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع إلى الله، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة.
يعني أنت إن شاء الله جزاك الله خيراً، بس أنت في ابتدأت تريد مسألة، قال: ثم يكون في أول الأمر قصد حصول ذلك المطلوب من الرزق أو النصر أو الزواج أو العافية مطلقاً، ثم يكون الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله ومعرفته بالله ومحبته والتنعم بذكره ودعائه، ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي همت.
يعني الله سبحانه يقودك من دعاء المسألة لدعاء العبادة، تبدا تدعو لأنك مريض، لأنك تريد الزواج، فتبدا تدعو الله، تتضرع إليه، فتجد من لذة ذكر الله ومن لذة الإقبال عليه، ما تشعر أنه: أنا بدي أكل دعاء، ما عاد همي أن تقضى حاجتي، عاد همي أو أصبح همي ايش؟ أن أناجي ربي وأتحدث معه للذة هذه المناجاة، فلذلك يقول السلف: الله يقودك بدعاء المسألة إلى دعاء العبادة، فهمتم؟ ولذلك كما قيل: لماذا يبتلي الله عباده؟ من مقاصد البلاء يريد أن يسمع أنينهم في ساعات السحر، يريد أن يسمع أنين الداعين، لأن هذا الأنين وهذا الدعاء وهذا الابتهال يقودهم من قضاء حوائجهم إلى معرفتهم بمولاهم والتلذذ به والانس بمناجاته.
طيب قال: وقد يفعل العبد ما أمر به ابتداء لأجل العبادة لله والطاعة له، ولما عنده من محبته والإنابة إليه وخشيته وامتثال أمره، وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق والنصر والعافية، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60].
طبعاً جميل هي العبارة الأخيرة ما قرأ: وهذا من رحمة الله بعباده، أنه يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العالية الدينية. شوف الكلمة المنمقة: من رحمة الله بعباده أن يسوقك إلى الجنة غصباً عنك، يسوقك إلى الجنة غصباً عنك بالبلاء، فتفتح لك من البلاء قوة إلى معرفته سبحانه.
نعم، الآيات: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾، نعم قال: وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره: «الدعاء هو العبادة»، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكل النوع، وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكل النوعين: ادعوني أي اعبدوني وأطيعوا أمري أستجب دعاءكم، وقيل: سألوني أعطيكم.
فكلمة الدعاء ادعوني تفسر بدعاء المسألة ودعاء العبادة، فدعاء العبادة ادعوني يعني اعبدوني، دعاء المسألة ادعوني يعني سلوني حوائجكم، يفسر بكلا الأمرين، وفي الصحيحين قال الحديث النزول: يند ربنا إلى السماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ فذكر أولاً إجاب الدعاء: فأستجيب له، ثم ذكر إعطاء السائل والمغفرة للمستغفر، فهذا جلب المنفعة وهذا دفع للمضرة، إعطاء السائل جلب منفعة، والاستغفار والمغفرة للمستغفر دفع مضرة، وكلاهما مقصود الداعي المجاب.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، وقد روي أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فانزل الله هذه الآية: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، فأخبر سبحانه أنه قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه، ثم أمرهم بالاستجابه له وبالإيمان به، كما قال بعضهم: فليستجيبوا لي إذا دعوتهم إلى العبادة، وليؤمنوا بي أنني أجب دعوتهم إذا هم سألوني حوائجهم، وبهذين السببين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لألوهيته وبصحه الإيمان بربوبيته، هذين الطريقين هو أن تستجيب له إذا دعاك، وهذه مقام الألوهية، وأن تصدق أنه يقضي الحوائج، وهذا مقام ربوبية.
فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: 26]، يعني يستجيب لهم، يقال: استجابه واستجاب له، فمن دعاه موقناً أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون حتى هذا الداعي مشركاً، لكن دعا الله بيقين كحال المشركين: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَكْتُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: 40].
ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بالربوبية فقط كفار قريش ومن شابههم، وأنه يجيب دعاء المضطر إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته في الألوهية، ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما يعطيهم بدعائهم في الدنيا مجرد متاع فقط، تقضى حوائج الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق ولا نصيب، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].
وقد دعا الخليل عليه السلام بالرزق لأهل الإيمان: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 126]، فقال الله: حتى الكافر سأعطي ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار، فليس كل من متعه الله برزق ونصر إما إجابة لدعائه وإما بدون ذلك يكون هذا دليل محبة عليك.
إذا أردت، يعني إذا أنت تعبد قبراً أو تدعو قبراً أو شيء، أو تتوسل توسل خاطئ واستجاب الله دعاءك واعطاك ما تريد، هذا لا يدل على صدق الدعاء ولا صدق المحبة من الله لك، وإنما منفعة دنيوية قضيت، فعليك أن تحرى الدعاء المشروع وتتعلم آدابه، فهذا هو المهم، ليس المهم مجرد تحقيق الإجابة، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤالهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق.
وقد ذكروا، نعم قال: وقد ذكروا أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مَدينة للمسلمين، فنفذ ماءهم العذب، فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، فأجور ولاة أمر المسلمين، وقالوا: بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فناخذهم، فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله.
فسقاهم، فاضطرب بعض العامة فقال: أيش الفتنة التي حصلت لبعض المسلمين؟ النصارى حاصروا حصنا للمسلمين فنفذ الماء مع النصارى، فقالوا للمسلمين: أعطونا ماء من الحصن ونحن بنترككم وبتروح. فولاة الحصن من المسلمين تشاوروا: نعطيهم؟ ما نعطيهم؟ قالوا: لا تعطوهم، خليهم يموتوا عطشا.
فالنصارى قاموا استسقوا الله. قام النصارى فاستسقوا الله، فسقاهم الله وهم محاصرون أو وهم معاصرون للمسلمين! أنت متخيل؟ قال: فاضطرب بعض العامة. ايش يعني؟ افتتن بعض المسلمين، أنه يا رب نصارى عم حاصرونا واستسقاء! هي فعلا فتنة تصير، يعني تخيل اليهود اليوم حاصلين غزة ويدعو الله عز وجل أنه يا رب تنزل عليهم مطر وينزل، وأنت بتشوفهم ذبحوا أهل غزة، شو راح يصير في إيمان بعض الناس؟ رح يشكوا بدينهم. أنت فاهم ايش الفكرة؟ فاهم شو التصور؟
اليهود محاصرون لغزة يقتلونهم، يذبحونهم، فرضا حصل انه نفذ الماء، فدعا اليهود الله أن يسقيهم فسقاهم، شو راح يصير في الناس المسلمين لما يشوفوا حال غزة واليهود دعوا الله فسقاهم؟ رح يصير اضطراب بلبله؛ أنه يا رب هذول يقتلون المسلمين كيف تم سقياهم؟ الذي لا يفهم أفعال الله وحكم الله لا يثبت له إيمان في هذه المواطن، فيفتن.
فقال: فاضطرب بعض العامة من المسلمين، اضطرب دينهم. فقام الملك، ملك الحصن المسلم، لبعض العارفين، لبعض العلماء اللي في الحصن، قال: أدرك الناس ترى الناس سترتد لما حصل! مشهد مرعب. فامر بنصب منبر له وقال: اللهم أنا نعلم أن هؤلاء... قام الشيخ على المنبر قال: اللهم أنا نعلم أن هؤلاء النصارى من الذين تكفلت بأرزاقهم يعني في الدنيا، كما قلت في كتابك: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقَهَا﴾ [هود: 6]. وقد دعوك مضطرين، وأنت تجيب المضطر إذا دعاك، فاسقهم لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين، لا لأنك تحبهم يا رب ولا تحب دينهم، والآن فنريد يا رب أن ترينا بهم آية يثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين!
فأرسل الله ريحا فهلكت النصارى. مات النصارى! هكذا الإنسان الموحد يفهم أفعال الله، وهذه فائدة طلب العلم؛ إذا طلب العلم إخواني احنا مش جالسين فقط يعني نتفكه ما عندنا فراغ، هو تثبيت للإيمان إخواني، أن تفهم حكم الله في أفعاله حتى تستطيع تثبت الإيمان عند وقوع المحن.
طيب ومن هذا الباب، قال: ومن هذا الباب قد يدعو دعاء يعتدي فيه؛ إما بطلب ما لا يصلح، أو بالدعاء الذي فيه معصية لله شرك أو غيره، فإذا حصل بعض غرضه ظن أن ذلك دليل على أن عمله صالح. نعم، فبعض الناس يعتدي في الدعاء، يدعو شيئا لا يصلح أن يدعوه، يريد الزواج من فتاة متبرجة مثلا لا يصلح، أو بالدعاء الذي فيه معصية الله يعني بجوز هذا في معصية خلينا نحكي على ما لا يصلح، يعني دعا بشيء ما في أي منفعه في دينه ودنياه تمام، أو دعا دعاء فيه معصية الله من شرك وربنا استجاب له، فهل هذا دليل على أنه رجل صالح وأنه دعوته صالحة؟ لا.
هذه أكبر مغالطة يركز عليها ابن تيمية: أحذر أن تستدل باستجابة الدعاء على صحة الدعاء! أحذر أن تستدل! فإن من هذه المغالطة نشأت كل الفتن وكل البدع في الدعاء عند القبور وللأولياء والصالحين والدعاء اللي في معاصي أو أو أو... أحذر أن تستدل باستجابة الدعاء على صلاحية الدعاء، وعلى محبة الله لك، وعلى أنك موفق فيه! هذا موضوع مختلف تماما.
قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مَِّن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 44] كل النعم حتى إذا فرحوا بما أوتوا اخذناهم بغتة. وقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 178]. هذا كله من الإملاء، أن الله يمهلك للدنيا. طيب، وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 55]. والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله فيثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة كما قلنا، فرق بين دعاء العبادة، دعاء التقرب، دعاء مسألة، دعاء قضاء حوائج وهذا دعاء الحاجة.
ثم قد يثاب عليه دعاء. الآن دعاء العبادة هذا دعاء إخلاص، أما دعاء المسألة هذا لا، هذا قد يفعله المشرك والمسلم. إذا دعاء العبادة هذا الأصل لا يفعله إلا موحد لأنه منفعته أخروية وإن حصل به شيء من الآثار الدنيوية. وأما دعاء المسألة التي تقضى به الحوائج لا، هذا قد يفعله المسلم والكافر، كفار قريش كانوا يدعون الله دعاء مسألة وتستجاب لهم. لذلك قال: وقد يكون دعاء مسألة فتقضى به الحوائج، ثم هذا دعاء المسألة قد يثاب عليه صاحبه إذا كان باسلوب وطريقه يحبها الله، وقد لا يحصل له إلا يعني لا يحصل له الثواب في الآخرة ولا تحصل له إلا تلك الحاجة، سقطت الألف، ولا تقصد له إلا تلك الحاجة.
وقد يكون حتى الحاجة لو حصل له واستجاب الله دعاءه سببا لضرر دينه في قادم الأيام فيعاقب على ما ماضيعه من حقوق الله وتعداها من حدوده. فالوسيط الله بابتهاج في عبادته وفي مسالته. طبعا هذا كل استطراد، رجع ابن تيمية للمسيلة اللي احنا بناقش فيها، وهو التوسل بالمخلوقين.
قال: فالتوسل إلى الله بشيء يكون سواء في دعاء العبادة أو في دعاء المسألة، فالتوسل إليه بالأعمال الصالحة التي أمر بها، وتوسله بدعاء الأنبياء والصالحين ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته، لذلك هو مشروع عموما.
طيب، ومن هذا باب استشفاع الناس، من التوسل المشروع هناك توسل يوم القيامة استشفاع الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. وقول عمر: أنا كنا إذا أجبنا نتوسل إليك بنبينا.
الآن سيجيب عن الشبهة الثانية ابن تيمية، قولهم: أن نتوسل إليك بعم نبينا هل هذا يدل على جواز التوسل بذوات الصالحين؟ هذه شبهة لهم، ما معناه طبعا؟ وقول عمر هذه لازم تحطها فقرة جديدة، لانه هنا الآن بدا يجيب عن الدليل الثاني لهم، وهو التوسل بالعباس المراد. وأنا نتوسل إليك بعم نبينا، ليس بذات العباس وإنما بدعاء العباس، نتوسل إليك بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عبه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس: أسألك بجاه فلان عندك.
ويقولون إن نتوسل إلى الله بأنبياء وأوليائه، ويرون حديثا موضوعا: «إذا سالتم الله فسالوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض». فانه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه بالعباس كما ذكر عمر لفعلوا ذلك بعد موته ولا ذهبوا إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام! ما هو القبر جنبهم ايش الفائدة العباس؟ إذا كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام بجانبهم ولم يعدلوا عنه صلى الله عليه وسلم إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به والإقسام به، وهم يعلمون أن السؤال بالنبي عليه الصلاة والسلام والإقسام به لو كان مشروعا بعد موته لكان أعظم من دعاء العباس.
فعلم هذا، فعلم بذلك أن التوسل الذي ذكروه، اللهم نتوسل إليك بعم نبينا، هو مما يفعله الأحياء دون الأموات وهو أن ذلك الحي الصالح يدعو ويستجاب لدعائه، وهو التوسل بدعاء الأحياء وشفاعتهم. فإن الحي يطلب ذلك من ممكن تروح للشيخ تقول له ادعي لي، والميت لا يطلب منه الدعاء، ما بصير تروح على ميت وتقول له الله لي لا دعاء ولا غير دعاء.
وكذلك حديث الأعمى، اللي هي الشبهة الثالثة لهم فانه نعم قال: وكذلك حديث الأعمى، فانه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمر فيه أنه يساله الله قبول شفاعة نبيه فيه، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه.
إذا فقول الرجل: يا محمد إني أتوجه بك إلى الله، اللهم صل على سيدنا محمد، هو لا يقصد أنه يدعو النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يقول: يا محمد أتوجه بك إلى الله، يعني أتوجه بدعائك الذي ستدعو لي إلى الله، فهو يقول: يا رب استجب دعاء محمد صلى الله عليه وسلم في... طبعا هي المشكلة هي قضية يا محمد، هذا النداء هو اللي عامل دربكة عند كثير من الناس لماذا قال يا محمد صحيح؟ هل هو يدعوه يا محمد؟ وماذا قال؟ يا محمد ماذا هو نص الحديث؟ إني أتوجه بك، إذا هو في الحقيقه هو لا يدعو النبي صلى الله عليه وسلم ما قال يا محمد صلى الله عليه وسلم اشفني، ما قال يا محمد ادعوا الله لي، هو فقط هي استحضار الده يا محمد أنا أتوجه بدعائك إلى الله سبحانه وتعالى، فهنا يا محمد هي استحضار وليست طلبية، هي استحضار لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ذهنه وليست طلبية أنه يطلب منه.
أك إلى الله، زي التشهد السلام عليك أيها النبي احسنت زي ماقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أيها يعني يا أيها النبي هل أنت تطلب منه حضوره لا، وإنما هو استحضار، استحضار. السلام عليكم أهل الديار، يا أهل الديار المؤمنين والمسلمين تمام، أنت بتطلب منهم يجوا أو يدعوا لك فهي استحضار وليست طلبية.
طيب قال: وقال، وأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول الشفاعة، وأن قوله: أسألك وأتوجه إليك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، أي بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبينا فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد.
ثم قال: يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي يقضيها، اللهم شفعه في. فطلب من الله أن يشفع أن يشفع فيه نبيه صلى الله عليه وسلم وقوله: يا محمد يا نبي الله، هذا وامثاله نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب. شايف؟ يا محمد إنما هو نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، هذه مهم تحطها تحتها خط، لما؟ لأنه هو الشبهة هون المخالفين بقول لك طيب ليش قال يا محمد؟
فابن تيمية ماذا يقول؟ هذا ليس طلب دعاء، هذا استحضار لشخصية المنادي في قلبك تمام؟ فيخاطب الشهود بالقلب، يعني هو شهود قلبي كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، والانسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج يسمع خطابه.
فالمهم إذا المشكلة إذا هي هذا حصرها ابن تيمية قال: فلفظ التوسل بالشخص توسلنا بالعباس والتوجه به والسؤال به هي مشكلة أن لفظ في إجمال واشتراك سبب خطأ عند العلماء، لفظ مجمل شوي ايش يعني نتوسل بالعباس؟ حصل فيه لذلك قال: فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة من العلماء، فيراد به يعني كلمة أتوسل إليك بالعباس ايش الاحتمالات الواردة؟ قال: فيراد به التسبب بالعباس لكونه داعيا وشافعا إلى الله مثلا، أو أتوسل بفلان لكون الداعي محبا له مطيعا لامره فأقول أتوسل بفلان يعني بمحبتي للنبي بعملي به وهذا توسل بالأعمال الصالحة ما في مشكلة.
يكون التسبب إذا أما لمحبه السائل له واتباعه له، أو بدعاء من أتوسل به الله سبحانه وتعالى، فيعود الأمر أما توسل بعمل صالح وأاما بدعاء الصالحين، هذا هو الاحتمال الأول لفظة أتوسل بفلان.
قال: ويراد به أحيانا الإقسام بذات الشخص والتوسل بذاته، أتوسل بفلان يعني أقسم به يا رب أو أتوسل بذات هذا الشخص أن تقضي حاجتي، فلا يكون التوسل لشيء منه ولا لشيء من السائل... بل بذاته... أظن العبارة فيها مشكلة... فلا يكون التوسل لا لا جيد جيده نعم صحيحه فلا يكون التوسل لا لشيء منه ولا لشيء من السائل من اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام بل بذات المدعو أو بالإقسام به على الله.
فأي الفهمين خاطئ؟ الفهم الثاني إذا هو يقول لك التوسل بالشخص يحتمل الفهم الأول ويحتمل الفهم الثاني. الفهم الأول ما هو؟ أن أتوسل به يعني بدعائه لي أو باتباع له، هذا ما في مشكلة. ويقصد أحيانا التوسل بالشخص يعني التوسل بذاته، وهذا الذي يسمى التوسل بالصالحين فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهى عنه السلف.
وكذلك لفظ السؤال بشيء نفس المشكلة أيضا، يعني كما أن لفظ التوسل بالشيء فيه إجمال كذلك لفظ السؤال بالشيء إذا قلت أسألك يا رب بهذا الشيء فيه نفس مشكلة أتوسل بهذا الشيء فقد يراد به المعنى الأول أتوسل إليك أو أسألك بفلان بدعائه أو باتباعه له، وهو التسبب به لكونه سبب في حصول المطلوب، وقد يراد بسؤالك به ماذا؟ الإقسام على الله والمطلوب إذا توسلت بشيء أو سالت بشيء أن تقصد المعنى الأول.
ومن الأول، ومن السؤال من السؤال المشروع بالشيء هو حديث الثلاثة الذين كانوا في الغار، وهو حديث معلوم يعني لا حاجة أن أقرأه وتقرؤونه وحدكم، فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به إليه ويسأل الله به، لأن الله وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات وأن يزيدهم من فضله.
فإذا أنت عملت الصالحات فدعوت الله بأعمالك الصالحة أنت دعوت الله بما ألزم به نفسه، فانه ألزم نفسه أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهؤلاء دعوه بعبادته وفعل ما أمر.
من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه، ومن هذا يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال: يا رب؛ بحبي إياك إلا فرجت عني! سأل الله بعمل صالح، فليس بمشكلة. وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك، فسألت أن يحيي ولدها فأحياه سبحان الله.
وهكذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنِّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: 193] فهم ماذا فعلوا؟ توسلوا إلى الله أن يغفر ذنوبهم ويكفر عنهم سيئاتهم بسبب ماذا؟ أنهم سمعوا منادياً ينادي للإيمان فآمنوا، فتوسلوا بأعمالهم الصالحة.
فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه، هو كله من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفاً من عذابِهِ، وسؤال الله بأسمائه وصفاته. وهذا هو النوع الثالث: أسألك اللهم بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السماوات والأرض ونحو ذلك، بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ونحو ذلك، يكون كله من باب التسبب المشروع؛ فإن كونه المحمود المنان يقتضي بأن يمن على عباده بإحسانه الذي يحمده، وكونه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد يقتضي توحده في صمديته فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم المستغني عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه لا غنى بهم عنه، وهذا أكيد سبب لقضاء المطلوبات، وقد يتضمن معنى ذلك أقساماً عليه بأسمائه وصفاته.
تمام، وأما قوله تعالى: هذا نعود إليه إن شاء الله بعد الصلاة، وصلى الله على... الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قال رحمه الله تعالى: وأما القول في حديث أبي سعيد: أسألك بحق السائلين عليك وبحق منشاي هذا فهذا الحديث رواه عطية وفيه ضعف.
إذاً الحديث: أسألك بحق السائلين أولاً من الناحية الإسنادية ضعيف، يعني حتى ترتاح هو من الناحية الإسنادية ضعيف. طيب، قال: فيه ضعف ولكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب؛ فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم. في السؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته، أظن في خطأ هنا: أن يثيبهم في السؤال له. نعم قال: أن يثيبهم في السؤال له، قال والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابتها، فهو من التوسل به والتوجه به والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته؛ لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، كما قلت.
إذاً الحديث أولاً ضعيف، وعلى صحته ما في مشكلة؛ لأنه ما هو حق السائلين عليه؟ أن يثيبهم، وأن يكرمهم، وإثابتهم لهم وإكرامهم لهم هو كما قال من... وأن يجيب، من أفعاله وأقواله. فكأنك تقول: اللهم إني أسألك بإثابتك للسائلين، هكذا ايش يعني؟ بحق السائلين: أسألك بإثابتك للسائلين، أسألك بقضائك لحوائج السائلين، وهذا سؤال له بأعماله وأقواله. طيب.
قال: صار هذا في قوله فالسؤال له، أيوه أحسنت. إذاً أنا ربما إذا وحق المطيعين له أن يثيبهم، نقطة؛ فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته. إذاً هذا هو الطريقة الصحيحة، مكان الفاصل خطأ. فصار هذا فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من...» كما تقول: أعوذ برضاك، أنت تستعيذ بماذا؟ برضاه، ورضاه صفة من صفاته. فنفس الشيء: أسألك بحقي، نفس الفكرة. والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد، إذاً هو ليس مخلوقاً، رضاه هو صفة من صفاته، وذلك ما استدل به أصلاً على أن كلام الله غير مخلوق، أنك تقول: أعوذ بكلمات الله التامات، صح؟ لو كانت كلمات الله وكلامه مخلوقاً لما صحت الاستعاذة به، فالاستعاذة... صفة من صفاته وليست مخلوقاً، والاستعاذة... ذلك مخلوق.
فورد بعضهم، طيب قال: فورد بعض الناس لفظ المعافاة فقال جمهور أهل السنة المعافاة من... إلا جمهور المسلمين ورد على الحديث السابق الآن: أعوذ برضاك وأعوذ بمعافاتك. طب هل المعافاة أيضاً صفة من صفات الله حتى تقول: أعوذ بمعافاتك؟ قال: فأورَد بعض الناس الاستعاذة بلفظ المعافاة في الحديث السابق فقال جمهور أهل السنة: المعافاة من أفعال الله. وجمهور المسلمين، أهل السنة وغيرهم، يقولون إن أفعال الله قائمة به، وأن الخالق ليس هو المخلوق، وعلى هذا جمهور أصحاب أحمد والشافعي ومالك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة أهل... الصوفية وطوائف من أهل الكلام والفلسفة، فنفس حتى المعافاة هي من أفعاله سبحانه وتعالى.
نعم وبهذا يحصل الجواب، قال: بهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضاً؛ فإن أهل الإثبات من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم، استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق؛ فإن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، واتصف به ذلك المحل لا غيره. فإذا خلق الله لمحل علماً أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك، كان هو العالم به، القادر به، المتحرك به، ولم يجز أن يقال إن الرب المتحرك بترك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين، بل بما قام به من العلم والقدرة. قالوا: فلو كان قد خلق كلاماً في غيره كالشجرة التي نادى منها موسى، لكانت الشجرة هي المتصف بذلك الكلام.
فتقول: نعم، لو كان كما يقول المعتزله وغيرهم أن الشجرة هي التي كلمت موسى وليس الله، إذاً لا صحة لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]؛ لأن الكلام إذا قام في محل ما فإنما ينسب إلى ذلك المحل، فالذي كلمه موسى سيكون من الشجرة، فكيف تقولون: الله يقول: وكلم الله موسى، ثم تقولون: لكنه كلام قام في الشجرة؟ إذا كان الكلام قام في الشجرة، إذاً... سينسب... يدل على أن كل كلام فارغ، وأن الله هو الذي تكلم حقيقة بما يليق بجلاله.
طيب قال: فتكون الشجرة هي القائلة لموسى إنني... إن الله! ولو كان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيادي وتسبيح الحصى وتسابيح الجبال وغير ذلك كلاماً له كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كل كلام في كل... في الوجود كلامه؛ لأنه خالق كل شيء. وهذا وهذا قد... فذا قيل: لا هي كلام الله؛ لأن الله هو الذي أنطق الشجرة. فنقول: الله أنطق الذراع التي كلمت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: إني مسمومة، إذاً سيكون كلام الذراع كلام الله! وإذا... والحصى والشجر كان يسبح... يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، مش الشجر والحصى كانوا يسلم... فسيكون كلامه كلام... أن الله هو الذي أنطقهم، وبالتالي صار كل كلام لمخلوق هو كلام الله، وهل هذا يقوله عاقل؟
نعم قال: وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص وأمثاله من هؤلاء الجهمية الكرامية، وصاحب الفصوص من هو؟ ابن عربي وأمثاله من الكفار من الاتحادية، هم التزموا مثل ذلك؛ التزموا مثل ذلك فقالوا: نعم ما عندنا مشكلة أن نقول: كل كلام لمخلوق هو كلام الله، لماذا؟ لأنهم يرون أن الله اتحد بالمخلوق، فكل كلام المخلوق هو كلام الله وكل كلام الله كلام المخلوق، وهذا كفرهم فيه ابن تيمية رحمه الله.
طيب قال: فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان؛ فانه يقال إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به... لا، فانه يقال إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به. هذا نتيجة الخلط بين الفعل والمفعول، الفعل قائم في الله، لكن المفعول وهو النتيجة هي التي تكون في المخلوق. فالذي قام بفعل العدل هو الله، لكن النتيجة التي ترتبت هي التي توجد في العالم، المخلوقات.
تمام، الله مثلاً هو الذي قام بالخلق، فعل الخلق قام بمن؟ في ذات الله، لكن أنا واياك ايش اسمنا؟ مخلوق، احنا النتيجة للخلق. فالتخلط بين الفعل والمفعول عند بعض أهل البدع سبب هذه النتائج؛ أنهم يقولون: لا شيء يقوم في ذات الله، لا يقوم في ذات الله أفعاله، وإنما نحن نتائج للأفعال. فالعدل قام في ذات الله كفعل، ونتيجة العدل هي التي وجدت في المخلوقين. وهكذا.
طيب قال: فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه وليس خلقه إلا مخلوقه. وأما من طرد القاعدة وقال أيضاً إن الأفعال قائمة به، ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه، وفرق بين الخلق والمخلوق، فطرد دليله واستقام. نعم هذا الكلام المستقيم؛ أن الفعل شيء والنتيجة شيء، فالفعل يقوم في ذات الله، الله خالق هو الذي فعل الخلق، هو الذي فعل الرزق، هو الذي فعل الإحياء، قام بذاته، لكن النتيجة التي حصلت هي المخلوقة؛ لأن كل ما يقوم في ذات الله ليس مخلوقاً، وكل ما هو منفصل عن الله مخلوق، كل ما هو منفصل عن الله مخلوق وكل ما هو قائم فيه ليس مخلوقاً.
نعم قال: والمقصود هنا أن استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم بعفوه ومعافاته من عقوبته مع أنه لا يستعيذ بمخلوق، كسؤال الله باجابته وإثابته، وإن كان لا يُسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء: لا يُسأل إلا به، لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يُشرع إلا بالله كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. استعاذة... فالاستعاذة بمعافاته هي كسؤال الله بإجابته لعباده، اللي يرجع إلى الحديث: أسألك بحق السائلين. قلنا: ما هو السؤال بحق السائلين؟ يعني: أسألك بإجابتك لهم وإثابتك لهم إلا قضيت حوائجي. فالاستعاذة بالصفات والسؤال بالصفات كله من جنس واحد.
نعم، وإن كان لا يُسأل بمخلوق. ومن قال من العلماء: لا يُسأل إلا به -لو قال شخص: بعض العلماء يقولون لا يُسأل إلا بالله- فسؤال الله بصفاته هو ليس يعني تعدياً؛ لأنك سألت الله بصفاته، أنت تسأله به... لأن الصفة قائمة في ذاته، فمن قال من العلماء: لا يُسأل الله إلا به، هذا لا ينافي أن يُسأل بصفاته؛ لأن الصفة لا تقوم إلا به، فكأنك سألت به، كما أن الحلف لا يُشرع إلا بالله كما ثبت في الأحاديث: من كان حالفاً فليحلف بالله، وفي لفظة: من حلف بغير الله فقد أشرك.
طب لو حلفت بعزة الله؟ أقسم بعزة الله، هل في مشكلة؟ أقسم بحياة الله، حتى اليوم العوام أقسم بحياة الله، مش بيقول لك: هذا أقسام بحياة الله؟ ما في مشكلة؛ لأن الحياة إنما تقوم فيه، فانت كأنك أقسمت به أو حلفت به.
طيب قال: قال الترمذي حديث الحسن ومع هذا فحلف بعزة الله ولاء امر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله؛ لأن لفظ غير قد يراد به المباين المنفصل، ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات الله أنها غيره. نعم هي مشكلة عند المتكلمين في النقاش الفلسفي: هل صفات الله غير الله؟ هي مشكلة الغير هي كلمة، هي كانت عاملة دربكة، وابن تيمية ناقشها كثيراً في كتبه الكبرى: بيان تلبيس الجهمية وغيرهم، أنهم يقولون: يا اخي ما بيصير تقسم بصفات الله لأن صفات الله غير الله! لا، هذا هو المشكلة، ماذا تقصد بالغير هنا أصلاً؟
تمام، الصفة هي لا تقوم إلا في محل، وهذه الصفات قامت بذات الله، فلا يصح أن يُقال إن صفة الله غير الله! تمام، لا يصح أن يُقال إن صفات الله هي غير الله! فإذا أقسمت بالصفة أنت لم تقسم بالله؟ لا، هي تقوم في ذات الله سبحانه وتعالى.
نعم قال: لأن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباين المنفصل فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلاً في لفظ الغير، وقد يراد به ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير الله، فيكون غيراً بهذا الاصطلاح. ولهذا تنازع أهل النظر مسمى الغير.
الآن لو أنت تريد أن تنظر للعزة وحدها كمفهوم، للرحمة، نعم هي ربما ينظر إلى أنها غير الله، لكن إذا نظرت إليها وهي قائمة في ذاتها فهي ليست غيره. ففرق بين أن تتكلم عن الصفة باعتبارها وحدها الرحمة العزة ماشي، هي شيء مفهوم مختلف عن الله كصفة، لكن لما ينظر إليها بإضافتها إلى الله هنا ما عادت مغايرة له؛ لأنها أصبحت قائمة في ذاته. فهو المشكلة في التلاعب بالالفاظ بيعمل دربكة ويشوش الأمور.
نعم، ولهذا تنازع أهل النظر -يعني أهل علم الكلام- في مسمى الغير، ما الذي يدخل تحت الغير؟ والنزاع في ذلك لفظي ليس ذا كبير، ولكن بسبب ذلك، بسبب النزاع في الغير، حصلت في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في الألفاظ من الاشتراك والابهات. وهذا مش نقش... هذا في علم العقيدة نقرا كتاب أنه الألفاظ المشتركة المجمله بسببها وقع كثير من النزاع بين الإسلامية.
طيب، ولهذا يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله. الآن الصفات كصفات نعم هي ليست الذات، هي غيرها، لكن لما تقول: صفة الله غير الله؟ لا، هذه غلط. ففرق بين أن تقول الصفات بالمعنى العام وبين أن تضيفها إلى الله. تمام، فولهذا يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات الله غير الله؛ فإن الثاني باطل، لا، صفات الله لا يجوز أن نقول هي غير الله؛ لأنك ما دمت أضفتها إليه -يعني هي قائمة فيه- فهي ليست غيره، هي قائمة فيه؛ لأن مسمى أصلاً لما نقول مسمى اسم الله يعني اسم...
الله اسم، ما مسماه في الخارج؟ على ما يصدق في الخارج؟ لأن مسمى اسم الله يدخل فيه الصفات والذات، بخلاف مسمى اسم الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات. تمام، ليش قلنا الصفات غير الذات؟ لأنه الذات هي تطلق على الناحية البدنية والصفات تطلق على الناحية المعنوية، صح؟ ذات الشيء هي الجسد بالنسبة للمخلوقين، وصفاته هي الأمور والمعاني القائمة في الجسد، صحيح. ولذلك الصفات غير الذات، لكن لما أقول زيد، زيد هو عبارة بس عن جسد؟ لا، زيد عبارة عن جسد وصفات الجسد، فإذاً لما نقول صفات زيد، غير لما نقول صفات زيد وذات زيد. ذات زيد تختلف عن صفات زيد، لكن لما أقول صفات زيد وأسكت لا يجوز أن تقول هي ليست زيد. شوف عندك جملتين، شوي فلسفة شو نسوي.
هل صفات زيد نعم غير ذات زيد؟ لأنه الذات هي ايش خلينا نقول عموماً الناحية البدنية والصفات هي الناحية المعنوية، فصفات زيد شيء وذات زيد شيء، فالصفات غير الذات هي صح. لكن هل يجوز عبارة ثانية؟ هل يجوز أن أقول صفات زيد غير زيد بدون ما أحكي غير ذات زيد؟ غير زيد لا، لأنه اتفقنا الزيْد شو هو؟ هو الذات زائد الصفات، فإذا قلت صفات زيد غير زيد لا، غلط، لأنه زيد هو مجموع الذات مع الصفات. فلما تقول صفات الله غير الله غلط، لأن الله هو ذات وصفات، فهمتم؟ هو ذات وصفات فكيف تقول صفات الله غير الله؟ هنا المشكلة عندهم، في هذا التلاعب بهذا اللفظ.
قال: لأن مسمى الله يشمل الصفات مع الذات. نقول: بخلاف مسمى الذات فإنه الناحية الجسدية البدنية، فلا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال صفات الله زائدة عليه سبحانه. كأنك تقول صفات الله زائدة على الله، غلط! طب لأنه الله هو أصلاً ذات مع صفات، فكيف تقول صفات الله زائدة على الله؟ تصح العبارة؟ غلط. وإن قيل الصفات زائدة على الذات ممكن نقبلها، اه، لأن الذات قلنا تمثل الناحية المادية بينما الصفات تمثل ما هو موجود في المادة، من ناحية الفلسفة الآن بتكلم تمام.
قال: لأن المراد أنها هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات المجردة. فلو قال شخص من علماء السلف أو طالب علم معاصر: الصفات أو لله صفات زائدة على ذاته، بتقول عبارة صحيحه ولا خاطئة؟ لو قال لك شخص معاصر: يا شيخ صفات الله زائدة على ذاته، في عندي مشكلة، لأنه الذات هنا مقابلة للصفات تمثل ال... طيب، لو قلت صفات الله زائدة على الله؟ لا، مش صحيح؛ لأن الله هو الذات والصفات معاً، فهمتم؟ هذه يعني بس مناقشة فلسفية شوي.
طيب قال: والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، فليس اسم الله متناولاً لذات مجردة عن الصفات أصلاً، ولا يمكن أصلاً في الوجود أن يكون هناك ذات منفصلة عن صفات. نعم، قال: ولهذا قال أحمد رحمه الله في مناظرته الجهمية: لا نقول الله علمه، والله قدرته، والله نوره، ولكن... الآن فهم هذا النقاط ليش بقول لكم يا أخوه ما بينفع تقرا مناظرات السلف قبل ما تمر على ابن تيمية، لان هو بفهمك شو معنى عبارات السلف، اللي بقول لك أنا فاهم كلام السلف بدون ما يمر على ابن تيمية اغسل يديك منه، في العادة هؤلاء بيكون عندهم مشاكل تمام في طريقة التفكير. الآن أحمد كان يناظر الجهمية فيقول: لا نقول الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره.
ليه أحمد يقول: أرفض أقول الله وعلمه؟ هم كان المعتزلة لما ناظروا أحمد يقول: قل الله وعلمه، يعني يريدون أن يفصلوا بين الله وصفته، فيقول: الله وعلمه، الله وقدرته، بدهم يخلوا الله شيء وصفته شيء. فأحمد قال: لا، أنا ما بقول ذلك، لأن الله يشمل ذاته وصفاته، فلا أقول الله وعلمه لأن الله وحدها تشمل كل الصفات، فلا أقبل أن تجعلوني أغير بينهما، كان هم بدهم يجروا لهذا المربع، فأحمد فاهم عليهم شو بدهم إياه يعمل، فقال: لا أقول الله وعلمه، لأن الله تشمل علمه وقدرته ونوره وكل صفاته، فلا أقبل هذه المغايرة، ولكن نقول الله بعلمه وقدرته ونوره، هو إله واحد. نعم قال: وق... يعني الله بها، باء المصاحبة، يعني بما يشمله بمن علم وكذا. نعم قال رحمه الله: وقد بسط هذا في غير هذا الموضوع.
وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحمة، ماذا يقولون؟ استدلوا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]. نقول: أنتم مش فاهمين الآية أصلاً، فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم... نعم قال: فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الأقسام، ولا من باب التوس... يا الله! لو دعوت الله بالرحم الذي بينك وبين فلان، لو دعوت الله وتوسلت إليه: يا رب مثلاً واحد من... مثلاً ال... عليه الصلاة والسلام، أو يا رب أسالك بالنسب اللي بيني وبين النبي عليه الصلاة والسلام أن شفيت مريضي.
الآن السؤال: الله أن تسأل الله وتجعل الرحم وسيلة، إنما هو سؤال ليس بذات الرحم، وإنما سؤال بما تستوجبه الرحم من ايش؟ من صلتها. فكأنك تقول: أسألك اللهم بصلتي للأرحام، وصلتك للأرحام من أعمالك الصالحة، فشو هي مشكلة؟ أسألك اللهم بصلتي للأرحام. لذلك قال: فان الرحم إنما توجب الصلة أن تصلها وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل الله بالرحم إنما هو سؤال ماذا؟ بفعل من أعماله الصالحة. حتى أنت لما تحكي لشخص: أسألك بالرحم اللي بينا، هل أنت تسأل بمخلوق؟ لا، أنت تقول: أسألك بالرحم يعني بما بيننا من صلة ومن إخاء ومعروف، أنك أخ تمشي هذا الموضوع. نعم قال: ولا ب... التوسل بما يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وطاعتهم والصلاة عليهم، ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كنت إذا سالت عليّ رضي الله عنه شيئاً فلم يعطني، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتني، فيعطيني. كان يقول له: بحق جعفر إلا أعطيتني.
طيب شو حق جعفر؟ له صلة الرحم؛ لأنه ابن عمه. نعم قال: فإن بعض الناس ق... من أقاربه. نعم قال: فإن بعض الناس يظن أن هذا من باب الأقسام عليه في جعفر، أو من باب قولهم أسالك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، ونعم قال: وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي»، وقوله: «إن من برهما بعد موتهما الدعاء لهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما».
ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه، لكان سؤاله لعلي بحق النبي صلى الله عليه وسلم وإبراهيم الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر، فكان قال بحق محمد صلى الله عليه وسلم أعطني. مش كان لو كان هو يقصد الأقسام به؟ نعم قال: فكان علي إلى تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره، لكن بين المعنيين فرق، فرقا، لكن بين المعنيين فرق، فإن السائل بالنبي طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه ولا كان مما يقسم به لكان باطلاً. وأقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم للمقسم... لا، من باب تعظيم المقسم بالمقسم به، باب تعظي... دائماً الحلف، لماذا نهينا أن نحلف بغير الله؟ لأنه الحلف بطبيعته يقوم على فكرة تعظيم، صح؟ أنت لما تحلف بشيء أنت بتعظي... الإنسان على غيره بشيء هو يكون من باب تعظيم المقسم بالشيء الذي أقسم به، ولذلك طلبنا ألا نُعطي هذا إلا لله.
واختلفوا في النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحنابلة كما مر معنا. نعم قال: وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر أبرار المقسم. نعم، لما أمرنا بأن نبر المقسم، لأن المقسم لما أقسم بالله هو عظيم عنده، بالتالي أن ترد شيئاً أقسم به بالله. نعم قال: وفي مثل هذا قيل إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. وقد يكون بما بتعظيم، تعظيم المسؤول به، فالأول يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحظ والمنع، والثاني سؤال للمسؤول بما عندهم من محبة المسؤول به وتعظيمه ورعاية حقه، فإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال، كسؤال الإنسان بالرحم، في هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم.
وأما مجرد... وأما بمجرد الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وتعميضه... وتعظيمه لهم ورعايته لحقوق التي أنعم الله بها، فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا بسبب بين السائل وبينهم. أما إذا أقسمت بذوات الأنبياء والصالحين، أقسمت بهم أو دعوت بهم وتوسلت بذواتهم وبما لهم عند الله، يا رب أسالك بمال النبي عندك من المكانة أن تشفي لي مريضي، هذه المكانة ينتفع بها النبي صلى الله عليه وسلم، أما أنت لا يجوز أن تقول: يا رب أسالك بما للولي الفلاني من عندك من المكانة، أنت تسأل الله بمحبتك للنبي عليه الصلاة والسلام بعملك أنت مش بعمل غيرك، تسأل الله بعملك أنت وليس بأعمال غيرك ومحبة الله لغيرك؛ فإن محبة الله لغيرك لا تستوجب إجابة الدعاء لك.
نعم قال: فليس منها ما يجب حصول مقصود السائل إلا بسبب بين السائل وبينهم، أما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، يثاب على ذلك، واما دعائهم له... رجع لقضية: إما أعمالك الصالحة أو دعاء الصالحين لك ما عندك حل آخر. فتوسل... ق... قال: فتوسل بالانبياء والصالحين يكون أمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم. فمجرد دعائه بهم، دعائه بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له فلا ينفعه، وإن عظم جاه أهله... أحدهم عند الله تعالى. حتى لو كان جاه النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عظيم، هذا لا ينفعك أنت إلا إما بدعائه عليه الصلاة والسلام لك أو باتباعك له.
نعم قال: وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، والمقصود هنا أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ وهذا كله ال... كل هذه الحفلة اللي احنا فيها، موضوع التوسل كله، إنما كان المقصود منه ماذا؟ والمقصود هنا أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله سؤال الله بالمخلوق ما قد ذكر، فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ أن تدعو نفس المخلوق الميت، إذا كان أن تسأل الله وتضع واسطة مخلوق: يا رب أسالك بحق فلان، منهي عنه إلا على الوجه الذي ذكرناه، فكيف أن تسأل قضاء حوائجك من نفس المخلوق؟
فكيف بسؤال المخلوق الميت؟ سواء سئل أن يسأل الله (يعني سواء أنت رحت على الميت وقلت له: يا وبلو يا ف... نفيسه ادعوا الله لي)، أو سئل نفس الميت أن يقضي لك حوائجك، وهذه استغاثة شركية مما يفعله بعض الناس، أما عند قبر الميت واما مع غيبته، وصاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حسم المادة وسد الذريعة بلعنه من يتخذ القبور مساجد، هذه احنا أصلاً الفكرة اللي بنبدندن حولها.
قال: ألا يصلى عندها لله، ولا... وألا يصلى عندها لله ولا يسأل إلا الله. وقد حذر أُمته بذلك، فكيف إذا وقع نفس محذور من الشرك وأسباب الشرك؟ وقد تقدم الكلام على الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد، وقد تبين أن أحداً من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته في المواضع التي صلى فيها، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم توضا وصب فضل... فضل وضوئه في أصل شجرة، فضل وضوءه يعني ما تبقى من وضوئه صبه على شجرة.
قال: ففعل ابن عمر ذلك، وهذا من ابن عمر تحر لمثل لمثل فعله؛ فانه قصد أن يفعل مثل فعله في نزوله وصلاته وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها، والكلام هنا... نعم، يعني ابن عمر ما كان يصلي في مكان بال فيه النبي عليه الصلاة والسلام، إنما كان ايش يفعل؟ يبول في مكان بال فيه، ينام في مكان، فهو يقصد الاتباع، يعني حتى ابن عمر ما أحد يقول يستدل به لأنه هو فعلياً مش كان يتخذ المكان اللي بال فيه أو نام فيه مصلى، كان فقط يحاكي الفعل بالفعل بس.
نعم قال: والكلام هنا في ثلاث مسائل: إحدىاها أن التأسي به في صورة الفعل الذي فعله من غير أن يعلم قصده فيه أو مع عدم السبب الذي فعله، فهذا فيه نزاع مشهور، وابن عمر مع طائفة يقولون بأحد القولين، وغيرهم يخالفهم في ذلك، والغالب المعروف عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون كفعل ابن عمر رضي الله عنه، وليس هذا مما نحن فيه الآن. يعني المسألة الأولى أن التأسي به في صورة الفعل، أن تتأسى بالنبي...
في فعل من غير أن يعلم قصده فيه، يعني هل فعله على وجه التشريع صلى الله عليه وسلم، أو فعله على وجه العادة، أو مع عدم السبب الذي دفعه لأن يفعل؟ هل يُتأسى به صلى الله عليه وسلم في هذه الأفعال؟ يعني الآن في أفعال نحن عارفين فعلها النبي صلى الله عليه وسلم تشريعاً لنا فبالتأكيد نأتسي به فيها، لكن في أفعال لم يُعرف على أي وجه فعلها، هل فعلها فقط لأنها عادة، ولا فعلها من باب التشريع لنا؟
فيقول: وقع خلاف، أن التاسي به صلى الله عليه وسلم في صورة الفعل الذي فعله أن نَفعل نفس الفعل الذي فعله من غير أن يُعلم قصده فيه، يعني هل فعله تشريعاً أو إباحةً أو لأنها عادة، أو مع عدم السبب الذي دفعه لهذا الفعل، هل يُتأسى به أو لا؟ هذه مسألة فيها نزاع بين الفقهاء، ابن عمر يرى أنه يُتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء حتى الأشياء التي لم يُظهر منها قصد التشريع، هذه هي، ابن عمر يرى التاسي حتى في الأفعال التي لم يُظهر منها قصد التشريع، كان يبول عند شجرة ونام عند شجرة.
طيب، ومن هذا الباب أنه لو تحرّى رجل في سفره أن يصلي في مكان نزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصلى فيه إذا جاء وقت الصلاة، فهذا من هذا القبيل، وعرفنا أن جمهور الصحابة لا، إنما يأتسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما ماذا؟ فيما فعله وظهر منه قصد التشريع، بخلاف ما لم يظهر منه قصد التشريع.
المسألة الثانية، قال: المسألة الثانية أن يَتَحَرّى تلك البقعة للصلاة عندها من غير أن يكون ذلك وقت للصلاة، بل أراد أن يُنشئ الصلاة والدعاء لأجل البقعة، لأجل البقعة نفسها. نعم، قال: فهذا لم يُنقل عن ابن عمر ولا غيره. آه، هذا حتى ابن عمر ما كان يفعله، لأنه ابن عمر لما كان يتحرى المواطن للنبي عليه الصلاه والسلام، إنما كان يتحرى أن يفعل فعله، يعني إذا بال هون يبول ابن عمر هون، مش يتحرى الصلاة إذا كان موضع صلى فيه يصلي فيه ابن عمر، لكن فكرة ابن عمر المحاكاة وليس أنه أي موقع يصلي فيه، هذه مهم جداً نفهمها.
طيب، قال: وإن ادّعى بعض الناس أن ابن عمر فعله فقد ثبت عن أبيه عمر أنه نهى عن ذلك، وتواتر عن المهاجرين والأنصار أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك، فيمتنع أن يكون فعل ابن عمر، ولو فعل ذلك حُجّةً على أبيه وعلى المهاجرين والأنصار.
والمسألة الثالثة: ألا تكون تلك البقعة في ط طريقه بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفراً قصيراً أو طويلاً، مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال التي يقال فيها مقامات الأنبياء وغيرهم. آه، ابن عمر كل موضوعه كان يحصل أثناء سفر ابن عمر لقضاء حاجة له فيتذكر شجرة مر نزل عندها النبي عليه الصلاه والسلام فيمر على مكان نزل فيه فيفعل فعله، أما الصورة الثالثة هو أن تُشد الرحال إلى شجرة من الأشجار التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى غار حراء.
آه، هذا ابن عمر ما فعله، ما كان يشد الرحال وإنما كان يأتسي في مكان في طريقه عرضاً في سفره، أما شد الرحال قال هي مسألة ثالثة. نعم، قال: أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء مثل ما كان مبنياً على نَعْلِه ومثل ما في جبل قاسيون وجبل الفتح وجبل طور زيتا ببيت المقدس ونحو هذا هذه البقاع، فهذا ممّا يعلم كل من كان عالماً بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه من بعده أنهم لم يكونوا يقصدون شيئاً من هذه الأمكنة، فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره: وراقٍ ليرقى في حراء ونازل، هذا يدل أن جبل حراء كان معروفاً عندهم للتعبد أصلاً.
نعم، قال: وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى الرؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء فيتحنّث فيه وهو التعبد ليالي ذوات العدد، ثم يرجع، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجِئَهُ الوحي وهو بغار حراء، فأتاه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: ﴿ٱقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْجُف بوادره الحديث بطوله.
فتحنّثه وتعبُّده غار حراء كان قبل المبعث، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولا يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء، ثم هجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر، وأمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت، والحديبية يققال له جبل التنعيم والحديبية، وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء ولا يزوره ولا شيئاً من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة وبمنى والمزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عُرَنة، وضربت له القُبّة يوم عرفة بنَمِرَة المجاورة لعرفة، ثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من السابقين الأولين لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاه فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ﴾ [التوبة: 40]، وهو غار بجبل ثور يماني مكة، لم يُشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مسجداً غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره، ولا شَرَع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد، ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعاً مستحباً يثيب الله عليه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بذلك ولكان يعلم أصحابه، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
قال: وإذا كان حكم مقام نبينا صلى الله عليه وسلم في مثل غار حراء الذي ابْتُدِئ فيه بالأنبياء والارسال وأنزل عليه فيه القرآن مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه، وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه، فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يُشرع قصدها والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك إذا كانت صحيحة ثابتة، فكيف إذا علم أنها كذب أو لم يُعلم صحتها؟ كما قلنا نعم.
قال: أو لم يُعلم صحتها، وهذا كما أنه قد ثبت باتفاق أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج البيت لم يستلم من الأرْكان إلا الركنين اليمانيين، فلم يستلم الركنين الشاميين ولا غيرهما من جوانب البيت، ولا مقام إبراهيم ولا غيرهم استلاماً، اللي هو أن تضع يدك على الركن نعم، الركن اليماني اللي هو الحجر الأسود والذي قبله، هذا كان يستلم النبي عليه الصلاة والسلام، أما الركنين الشاميين فهذا ما عرف أنه استلمه.
نعم، قال: وأما التقبيل فلم يُقبل إلا الحجر الأسود، وقد اختلف في الركن اليماني فقيل يقبله، وقيل يستلمه ويقبل يده، وقيل لا يقبله ولا يقبل يده، والأقوال الثلاثة مشهورة في مذهب أحمد وغيره، والصواب أنه لا يقبله ولا يقبل يده فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل لا هذا ولا هذا، كما تنطق به الأحاديث الصحيحة، ثم هذه مسألة نزاع، وأما مسائل الإجماع فلا نزاع بين الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة العلم أنه لا يقبل الركنين الشاميين، ولا شيء يعني مسألة تقبيل الركن اليماني مش مشكلة مسألة نزاع يعني سهلة، أما الركنين الشاميين ما في أحد قال بتقبيلهما أبداً من أهل العلم.
نعم، قال: ولا شيء من جوانب البيت فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، وعلى هذا عامة السلف، وقد روي عن ابن عباس ومعاوية طافا بالبيت فاستلم معاوية الأركان الأربعة، فقال ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستلم إلا ركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس من البيت شيء متروك، فقال ابن عباس لمعاوية بقول له لازم نستلم كل البيت ليس في البيت شيء يترك حتى الشامية، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فعرف معاوية أنه أخطأ فرجع إلى كلام ابن عباس.
نعم، قال: وقد اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يُشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم الذي ذكره الله تعالى في القرآن وقال: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، فإذا كان هذا بالسنة المتواترة وباتفاق الأئمة لا يُشرع تقبيلها بالفم ولا مسها باليد، فغيره من مقامات الأنبياء أولى أن لا يُشرع تقبيلها بالفم ولا مسحها باليد.
وأيضاً فإن المكان الذي كان للنبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه بالمدينة النبوية دائماً لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكه وغيرها، هذا موطن الشاهد، فكذلك الاماكن التي كان يصلي فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة لم يكن أحد من السلف يستلمها ولا يقبلها، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها.
نعم، قال: ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها، فاذا كان الموضع الذي كان يطأه بقدميه الكريمتين ويصلي عليه لم يُشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ وهذا إذا كان النعل صحيحاً، فكيف بما لا يُعلم صحته أو بما يُعلم أنه مكذوب كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحت فيها مواضع قدم ويزعمون عند الجهال أن هذا موضع قدم النبي صلى الله عليه وسلم؟
وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه وقدم إبراهيم الخليل الذي لا شك فيه ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدميه كذباً وافتراءً عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس وغير ذلك من المقامات؟
نعم، لذلك يقول من القصص الطريفة أن الخليفة المهدي جاءه رجل بنعلين وقال يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذان نعلان للنبي صلى الله عليه وسلم فخذهما، طبعا المهدي عرف أنه يكذب كذاب لكنه أعطى، قاله آه أكيد عليه النبي صلى الله عليه وسلم هات فدفع له فيها مئة ألف، هو عارف أن الرجل يريد مال مقابل أنه يعطيه النعلين، فذهب الرجل فقيل للمهدي لماذا أعطيته وأنت تعرف أنه كذاب لا هي نعل النبي عليه الصلاة والسلام ولا شيء؟ قال: لو أنني لم أخذهما منه لصرخ في الناس هذا المهدي يرفض نعل محمد صلى الله عليه وسلم فرح يعمل لي دعاية إعلامية سلبية، قال: بسكت به أنا يعني خليفة وبسكت به، قال: مع أنني أعلم أن لا هو نعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا رآه.
نعم فقضيت الاختراعات هذه قديمة يعني إذا أنت تقول في الدولة العباسية والأموية لأنهم يعرفون أن الناس يستغلون أي شيء عاطفي يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فما أسهل يقول لك والله هذه من ماء النبي عليه الصلاة والسلام ومن ثوب النبي عليه الصلاة والسلام ورجل هذا جلّه كذب لم يثبت فيه شيء لكن يتاجرون بالدين يتاجرون بالدين.
نعم قال رحمه الله تعالى: فان قيل فقد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى فيقاس عليه غيره، قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة وحدها، نعم تخصيص مقام إبراهيم بالصلاة وراءه لا يجوز أن يقاس عليه غيره هي مسائل تعبدية لا يقاس عليها، تقول يقول: إذا نصلي في مقام صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام مسائل التعبد لا يقاس فيها.
نعم قال: سواء أريد به المقام الذي عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر عرفة ومزدلفة ومِنًى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لا يشركها فيه سائر البقاع، يعني أمور تعبدية خاصة بها لا يقاس بقعة على بقعة.
نعم قال: كما خص البيت بالطواف فما خصت به تلك البقاع لا يقاس به غيرها، وما لم يُشرع فيها فالأولى فأولى أن لا يُشرع في غيرها، ونحن استدللنا على أن ما لم يُشرع هناك من التقبيل والاستلام أولى أن لا يُشرع في غيره.
غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها. ومن ذلك القبة التي عند باب عرفات، التي يقال إنها قبة آدم، فإن هذه لا يشرع قصدها للصلاة والدعاء باتفاق العلماء. بل نفس رقي الجبل الذي بعرفات الذي يقال له جبل الرحمة، واسمه «آل» على وزن هلال، ليس مشروعاً باتفاقهم، وإنما السنة الوقوف بعرفات.
أما عند الصخرات، نعم تعود الناس اليوم في عرفة بأنهم حريصون يطلعون فوق الجبل عند هذا الطوب الأبيض. قال: هذا أصلاً لم يصعده النبي عليه الصلاة والسلام. يعني تعجب الناس تقاتل من أجل الصعود على هذه التلة الصغيرة وتتمسك بجبل الرحمة يسمونه الأبيض، مع أن هذا ليس سنة النبي عليه الصلاة والسلام. في أي مكان وقفت في عرفة حصل، ولا يوجد مزية لمن يصعد على هذه التلة أو يصل إلى المنطقة البيضاء، ما في أي مزية هناك عبادية أصلاً، ولكن خلص الناس تعتقد أن هذيك يعني لها مزايا يتمسح بها، وهذا كله من البدع والإشكال.
نعم، قال: وإنما السنة الوقوف بعرفات، أما عند الصخرات حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم، وأاما بسائر عرفات فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عرفة كلها موقف». وارتفع عن بطن عرنة؛ بطن عرنة ملاصق لعرفات لكنه ليس منها.
نعم، قال: وكذلك سائر المساجد المبنية هناك، المساجد المبنية عند الجمرات، وبجنب مسجد الخيف الذي يقال له غار المرسلات فيه نزلت سورة المرسلات، وفوق الجبل مسجد يقال له مسجد الكبش ونحو ذلك، لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم قصد شيء من هذه البقاع لصلاة ولا دعاء ولا غير ذلك.
وأما تقبيل شيء من ذلك والتمسح به فالامر فيه أظهر؛ إذ قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا ليس من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر طائفة من المصنفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت قد كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لنا أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة.
وهنا شوف ابن تيميه يعطيك رصد لحالة في فترة بداية طلب العلم، أصلاً اقتضاء الصراط المستقيم يقولون هو من آخر كتب شيخ الإسلام، هذا الكتاب يقولون من آخر ما كتب شيخ الإسلام، فيقول ابن تيميه: في بداية عمري لما كنت أطلب العلم على أيدي المشايخ كنت أجمع كتب المناسك، منسك ابن بلban، منسك كيف المناسك هذه، فأسجل ما يسجله علماء، فكانوا كنت أزجل زيارة مساجد في مكة، زيارة مساجد في المدينة، زيارة مساجد وكنا نكتبها نظن هذه من السنة.
قال: فلما كبرنا في العلم تبين لنا أن هذا الذي كنا نعتبره من السنة والدين قال: ليس إلا من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة. فقضيت أن يتقدم علم الإنسان، وأن طالب العلم في البدايه قد يقول بعض الأمور قد يتراجع عنها في المستقبل، هذا ليس عيباً، طبيعة الإنسان أن يتقدم في علمه، العيب أن تصر على الخطأ، العيب أن تصر على الخطأ وتستحي أن تصوب خطأك في المستقبل وتقول لا، أنا هذه مسألة دافعت عنها وتكلمت عنها كيف أتراجع عنها أمام الناس؟ وهذه تتراجع عنها يوم القيامة وهو غصباً عنك.
فبالتالي الإنسان العاقل يا شباب لما يتوقع في حياته العلمية أن يتبنى آراء ثم لما يكبر قدمه في العلم يتراجع عنها، شيء طبيعي، بل هي الحالة الطبيعية أن تقدم العلم يوسع أفق الإنسان فيصبح يدرك أموراً في فترة الشباب ما كان قادراً على أن يدركها. والتصميم على الخطأ مع إدراكك ورؤيتك خطأه مع مرور الأيام هو دلالة أنك صاحب هوى ولست طالب علم.
نعم، قال رحمه الله: وإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئاً من ذلك، وإن أئمة العلم والهدى ينحون عن ذلك، وإن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه من مكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام. وما يفعله الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيراً له، بل هذا سنة مشروعه، وأما قصد مسجد غيره هنالك تحرياً لفضله فبدعة غير مشروعة.
نعم، قال رحمه الله: وأصل هذا أن المساجد التي تشد إليها الرحال هي المساجد الثلاثة، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». وقد روي هذا من وجوه أخرى، وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم، فتلقي بالثبوت عنه بالقبول.
قال: فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه. يعني قباء إذا بدك تروحه بتكون جوا المدينة، أما تسافر من الأردن من أجل فقط زيارة قباء لا يشرع.
نعم، قال: فإن في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً. وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: فيصلي فيه ركعتين. وذكره البخاري بغير إسناد. وذلك أن الله تعالى نهاه عن القيام في مسجد الضرار، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 107-108].
وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان المشركون يعظمونه، فلما جاء الإسلام حصل له من الحسد ما أوجب مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان يبحث عن الزعامة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم زالت زعامته، فسد النبي عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن أبي فأراد أن يمكر للإسلام، فقام طائفة من المنافقين يبنون هذا المسجد له وقصدوا أن يبنوه استقبالاً لأبي عامر والقَصة مشهورة، فلم يبنوه لأجل فعل ما أمر الله ورسوله من طلب العلم والصلاة بل لغير ذلك.
فدخل في معنى ذلك، الآن هو يريد يقول ابن تيمية أن كل ما بني من المساجد والمشاهد على غير طاعة الله ورسوله هو داخل تحت مفهوم مسجد الضرار، لذلك قال: فدخل في معنى مسجد الضرار من بنى أبنية يضاهي بها مساجد المسلمين لغير العبادات المشروعة، كمن بنى المشاهد على قبور الصالحين، لا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين أو الأرصاد لأهل النفاق والبدع أن تكون بؤراً، من بنى مشاهد لتكون بؤراً للمبتدعة وأماكن لهم يجتمعون فيها لمحاربة أهل السنة والجماعة ومقدهم، فهذه كلها تدخل في معنى الضرار.
نعم، قال: ولا سيما إذا كان فيها من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين والارصاد لأهل النفاق والبدع المحدثة لله ورسوله ما يقوي بها شبهها كمسجد الضرار. فلما قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]، وكان مسجد قباء أسس على التقوى ومسجده أعظم في تأسيس على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في الصحيح عنه أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: «مسجدي هذا». فكلا المسجدين أسس على التقوى، مسجد قباء والمسجد النبوي.
نعم، قال: ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة ويأتي مسجد قباء يوم السبت. يوم الجمعة أعظم من يوم السبت، فيخطب الجمعة في مسجده لأن مسجد المدينة أعظم من مسجد قباء، ويخلي قباء يوم السبت.
وفي السنن، نعم قال: وفي السنن عن أسيد بن ظهير الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة في مسجد قباء كعمرة». رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة». رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
وقال بعض العلماء: قوله «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء» تنبيه على أنه لا يشرع قصده بشد الرحال، بل إن له قال «من تطهر في بيته ثم أتاه ماشياً» وهذا يكون إذا كانت المسافة قريبة، وليس واحد من الأردن من بيته في الأردن رايح على قباء.
نعم، قال: بل إنما يأتيه الرجل من بيته الذي يصلح أن يتطهر فيه ثم يأتيه فيقصد كما يقصد الرجل مسجد مصره دون المساجد التي يسافر إليها. وأما المساجد الثلاثة فاتفق العلماء على استحباب إتيانها للصلاة ونحوها، ولكن لو نذر ذلك هل يجب النذر فيها؟ قولان للعلماء؛ أحدهما أنه لا يجب النذر إلا إتيان المسجد الحرام خاصة، وهذا أحد قولي الشافعي وهو مذهب أبي حنيفة، وبناه على أصله في أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع. والقول الثاني وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما أنه يجب إتيان المساجد الثلاثة بالنذر، لكن إن أتى الفاضل أغناه عن إتيان المفضول، لو نذر يصلي في بيت المقدس يجزئه أن يذهب إلى المدينة أو المسجد الحرام، فإذا نذرت واحداً منها يجزئك أن تذهب إليه وإلى الأفضل منه، وأما المسجد الحرام ما فيش أفضل منه فإذا نذرته تذهب إليه.
فإذاً هناك خلاف فيمن نذر أن يشد الرحال إلى المساجد الثلاث، فذهب أبو حنيفة ومن سار على هذا القول: لا يجوز أن يوفي بهذا النذر، لأن مسألة شد الرحال ليس من العبادات المطلوبة، فجنس ليس من جنس العبادات المطلوبة فنذره لا يصح. أما الجمهور قالوا: لا، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أذن فيها فبالتالي فيها ثواب عموماً وإن لم تكن من جنس العبادات التي أمر الإسلام بتحصيلها، فبالتالي يصح النذر بها.
نعم، نذر إتيان مسجد إيلياء اللي هو المسجد الأقصى قال أغناه إتيان المسجد الحرام، وإذا نذر إتيان مسجد إيلياء أغناه عن إتيان أحد مسجدي إيلياء اللي هو المسجد الأقصى يا جماعة.
نعم، قال: وذلك أنه قد ثبت أن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه». وهذا يعم كل طاعة، سواء كان جنسها واجباً، فشد الرحال جنسها ليس واجباً. ولو كانت الطاعة يعني بده يقول لك قال: وهذا يعم كل طاعة، قال: وإتيان الأفضل إجراْءً للحديث الوارد في ذلك، وليس هذا موضئاً لتفصيل هذه المسائل، بل المقصود أنه لا يشرع السفر إلى مسجد غير الثلاثة.
قال: ولو نذر ذلك لم يجب عليه فعله بالنذر باتفاق الأمة، باتفاق الأئمة. ولو نذر ذلك لو نذر أن يسافر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة، لو واحد حلف أن يسافر لمسجد في إسطنبول، نذر أن يسافر لمسجد في تونس، هذا باتفاق الأئمة لا يجوز أن يوفي به، لأن الرحال لا تشد إلا للمساجد الثلاثة، فشدها إلى غيرها معصية ولا يصح نذر المعصية.
نعم، قال: وهل عليه كفارة يمين؟ على قولين مشهورين. وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء، وأما سائر المساجد فلها حكم المساجد ولم يخصها المساجد العامة ليس لها خصوصية.
نعم، قال: ولم يخصها النبي صلى الله عليه وسلم بأمكان، لهذا كان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئاً من تلك الأماكن إلا قباء خاصة. وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد الفتح ثلاثاً، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين. مسجد الفتح هذا موجود عند اليوم عند مسجد المساجد السبعة في المدينة، مسجد صغير دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم حاصر الأحزاب المدينة في غزوة الخندق، تلة صغيرة دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فاستجيب له في اليوم الأربعاء بين الظهر والعصر وأصبح اليوم فيها مسجد اسمه مسجد الفتح، فحري عليه في هذا اليوم.
نعم، قال: ويوم الإجابة كان يذهب إلى هذه المنطقة ويدعو فيها لأنه النبي صلى الله عليه وسلم استجيب له وهو فيها، فكان يرجو بركة أن يستجاب دعاؤه في هذه الساعة من الظهر إلى العصر يوم الأربعاء على مسجد الفتح.
نعم، قال: وفي إسناد هذا الحديث كثير بن زيد فيه كلام، يوثقه ابن معين تارة ويضعفه أخرى، وهذا الحديث يعمل به طائفة من أصحابنا وغيرهم، فيتحرى الدعاء في هذا كما نقل عن جابر، ولم يقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان بل تحرى الزمان، فإذا كان هذا في المساجد.
التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وبنيت بإذنه. جابر يقولون، هو يقول، ولم ينقل عن جابر أنه تحرى الدعاء في المكان؛ يعني جابر كان يتحرى الدعاء بين الظهر والعصر يوم الأربعاء، ولم يثبت أنه يتحرى الدعاء في نفس المسجد، وإن كان البعض نقل أنه نفس المسجد.
قال: فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم وبنيت بإذنه، ليس فيها ما يشرع قصده بخصوصه من غير سفر إليه إلا مسجد قباء، فكيف بما سواها؟
وأما المسجد الأقصى، فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال. وكان المسلمون لما فتحوا بيت المقدس على عهد عمر بن الخطاب -حين جاء عمر إليهم فسلم النصارى إليه البلد- دخل إليه، فوجد على الصخرة زبالة عظيمة جداً. كان النصارى يدنسونها مناكفة باليهود وبالمسلمين، والصلبويون كانوا يدنسونها.
قال: كانت النصارى قد ألقت عليها معاندة لليهود الذين يعظمون الصخرة ويصلون إليها. فأخذ عمر في ثوبها منها، وتبعه المسلمون في ذلك، ويقال إنه سخر لها الأنباط حتى نظفوها. ثم قال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبني مصلى المسلمين؟ فقال: ابنه خلف الصخرة.
ويقال إنه سخر لها الأنباط؛ يعني كان أناساً، الأنباط قوم كانوا في بيت المقدس، عمر نظر فنظفوا هذه الصخرة، ثم قال لكعب الأحبار -وعرفنا كعب الأحبار أسلم ويُعتبر من المخضرمين التابعين، أسلم كعب الأحبار- فقال له عمر: أين ترى أن أبني مصلى المسلمين في حرم المسجد الأقصى؟ أنتم تعرفون المسجد الأقصى هو ليس المسجد، ليس هو عبارة عن حرم كامل اسمه المسجد الأقصى، في داخل قبة الصخره. فاستشار عمر كعب الأحبار: أين ترى أن أصلي أو أبني مصلى المسلمين داخل هذا الحرم؟ وهو ليس حرماً من الحرم، لا، أقصد الحرم بمعنى حرم المسجد، سور المسجد.
فقال كعب الأحبار: ابنه مصلى المسلمين خلف الصخرة. طبعاً كعب الأحبار ما زال يقول لعمر متأثراً بيهوديته، فقال لعمر: ابنه مصلى المسلمين وين؟ خلف الصخرة. ليه؟ لأنه الذي سيستقبل القبلة سيستقبل الصخرة هكذا بلا شك، وهي كانت قبلة اليهود.
فقال: يا ابن اليهودية! -طبعاً هو أسلم، بس هو قال له: يا ابن اليهودية بدك تضحك علي؟ بدك نستقبل قبة الصخره اللي هي جماعتكم خالطتكم كاليهودية أو كما قال- بل أبنيه في صدر المسجد؛ أبنيه يعني في صدر الساحة اللي هو المسجد القبلي اليوم، فإن لنا صدور المساجد. فبنى مصلى المسلمين في قبلي المسجد، وهو يسمى اليوم المسجد القبلي لقبته الفضية.
وهذا الذي يسميه كثير من الأئمة اليوم الأقصى، والأقصى هو... لاحظ هذا الخطأ تاريخياً موجود، كثير من الناس حتى في أيام ابن تيمية كان يعتبرون المسجد اللي قبته فضية هو المسجد الأقصى، وقبة الصخرة يسمونها قبة الصخرة، وبيقول لك: هذا خطا. وقال: والأقصى اسم للمسجد كله، مش فقط للمبنى اللي قبته فضية، الأقصى اسم للمسجد كله.
طبعاً ولا يسمى هو ولا غيره حرماً؛ لأن الحرم ما في شيء اسمه ثالث الحرمين، هذه كلمة خاطئة، ثالث الحرمين هذه كلمة خاطئة؛ لأنه ما إلا حرم مكة وحرم المدينة، والأقصى ليس حرماً بالمعنى الفقهي. وكذلك وادي وج اللي في الطائف، وقع خلاف: وادي وج هل هو حرم ولا ليس بحرم؟ والمشهور أنه ليس بحرم.
فقال بعضهم: أجاز كلمة ثالث الحرمين على اعتبار أنه يصح ثالث المسجدين الحرمين؛ يعني مثل رابعهم خامسهم كالب... لا، أنا فاهم، يعني البعض يقول ثالث الحرمين، يعني هو المسجد الذي يثلث الحرمين، مش المراد أنه هو حرم، لا. لكن للاسف هذه العبارة ما عادت تفهم بهذا الوجه، والأصل عدم إطلاقها لئلا تفهم بهذا المعنى، لأن هذا معنى يحتاج إلى ناس يعرفون العربية ليَفهموها.
فبنى عمر المصلى الذي في القبلة، ويقال إن تحته درجاً كان يصعد منها إلى ما أمام الأقصى، فبناه على الدرج حيث لم يصلي أهل الكتاب، ولم يصلي عمر ولا المسلمون عند الصخره ولا تمسحوا بها ولا قبلوها. ويقال إن عمر صلى عند محراب داوود عليه السلام الخارج، وقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا أتى بيت المقدس دخل إليه وصلى فيه ولا يقرب الصخرة ولا يأتيها ولا يقرب شيئاً من تلك البقاع.
وكذلك نقل عن غير واحد من السلف، نقل عن غير واحد من السلف المعتبرين؛ كعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم. وذلك أن سائر بقاع المسجد لا مزية لبعضها على بعض إلا ما بناه عمر رضي الله عنه لمصلى المسلمين.
وإذا كان المسجد الحرام ومسجد المدينة اللذان هما أفضل من المسجد الأقصى بالإجماع؛ فهما قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». والآخر هو المسجد الذي أوجب الله حجه والطواف فيه، وجعله قبلة لعباده المؤمنين. ومع هذا فليس فيهما ما يقبل بالفم ولا يستلم باليد إلا ما جعله الله في الأرض بمنزله اليمين، وهو الحجر الأسود. فكيف يكون في المسجد... لأن الحجر الأسود يمين الله في أرضه كما جاء في الحديث.
فكيف يكون في المسجد الأقصى ما يستلم أو يقبل كما يفعل الجهال؟
وكانت الصخرة مكشوفة، نعم في زمنهم كانت الصخرة مكشوفة ما كان عليها القبة، هذه القبة بناها الوليد بن عبد الملك ولا ما كانت القبة موجودة. ولم يكن أحد من الصحابه ولا ولاتهم ولا علمائهم يخصها بعبادة، وكانت مكشوفة في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما مع حكمهما على الشام، وكذلك في خلافة علي رضي الله عنه وإن كان لم يحكم علي، ثم كذلك في إمارة معاويه وحكم عليها لأنه الشام كانت في يد معاوية بن أبي سفيان، علي ما كانت الشام تحت يده.
ثم كذلك في إمارة معاوية وابنه، وابن ابنه أن الوليد بن عبد الملك هو الذي فعل ذلك. فلما كان في زمن عبد الملك، وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى، كان هو الذي بنى القبة على الصخرة. وقد قيل إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير... يقول عبد الملك -ولا هو الوليد عبد الملك اللي بناها؟ فلما كان في زمن عبد الملك بن مروان بنى القبة، اللي بناها الوليد بن عبد الملك ولا عبد الملك نفسه؟- عموماً.
قال أو يقصدون بحجة الحج، فعظم عبد الملك شأن الصخرة بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها من الكسوة في الشتاء والصيف ليكثر قصد الناس لبيت المقدس فيشتغل بذلك عن قصد ابن الزبير. يعني بيقول لك أصلًا اللي بنى قبة الصخرة كان قصده فاسداً! إذا كان عبد الملك بن مروان كان قصده فاسداً أصلاً لما بنى القبة فوقيها، ليه؟ كان يريد أن يصرف الناس عن الكعبة المشرفة!
طبعاً ليس كفراً منه، بل الخلافات السياسية؛ أن عبد الله بن الزبير كان هو الذي مستولي على مكة، وكان يناهض خلافة الأمويين. فكانت الناس تذهب إلى مكة لتحج وتلتقي بعبد الله بن الزبير، فعبد الملك خاف على ملكه، قال: الناس بتحج وتلتقي عبد الله بن الزبير بكره بجمعهم عليَّ قاتلوني! فأراد أن يصرف الناس عن الكعبة، فبنى قبة الصخرة وزينها وزخرفها حتى الناس تصير تحج بقبه الصخرة. وهذا يعني مشكلة حقيقة، الله المستعان.
والناس على دين الملك، وظهر في ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفون بمثل هذا. وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمه، حتى روى بعضهم كعب الأحبار... شوف الناس على دين ملوكها، شوف شوف هذا الكلام في السياسة الشرعية: الناس على دين ملوكها وتتبعهم.
وظهر في ذلك الوقت من تعظيم صخرة بيت المقدس ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا، وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات في تعظيمه، حتى روى بعضهم عن كعب الأحبار عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضراً: أن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى. فقال عروة: يقول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255]، وأنت تقول إن صخرة عرشه! شو الكذب هذا؟ الله يقول: وسع كرسيه السماوات والأارض، فكيف تكون هي عرشه وكرسيه موضع القدمين أعلى من كل السماوات والأرض؟
ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة ويتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر رضي الله عنهما مع كونه كان ياتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى كان لا يأتي الصخرة. وذلك أنها كانت قبلة ثم نسختها، هي قبلة اليهود، كانت قبلة أيام النبي عليه الصلاة والسلام ستة عشر شهراً، ثم نسخت وحولت إلى الكعبة، فلا عوده إليها، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم.
كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت، وفي تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود، وقد تقدم كلام العلماء في يوم السبت وعاشوراء ونحو ذلك. وقد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن اليمين تغغلظ ببيت المقدس بالتحلف عند الصخرة، كما تغغلظ في المسجد الحرام بالتحلف بين الركن والمقام، وككما تغغلظ في مسجده صلى الله عليه وسلم بالتحلف عند قبره. ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة.
لأنه في أماكن في المسجد الحرام تكون اليمين فيها أمام القاضي أعلى من اليمين في أي مكان آخر. فاليمين مثلاً القاضي إذا أراد يستحلف المدعى عليه، فكان إذا أراد أن يحلفه يمين غليظة يحلفه مثلاً بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبره، يقولون إن اليمين هناك مغلظة أكثر من غيرها. فهناك أماكن يغلظ فيها اليمين شرعاً، منها في مكة ومنها في المدينه، لكن بيت المقدس ذكر بعض الحنابلة والشافعية أن اليمين تغغلظ عند قبة الصخرة. لكن يقول ابن تيمية: هذا لا دليل عليه، ما في دليل أن اليمين تغغلظ عند قبة الصخرة وأن إثمه عند الله أكثر من إثمه في مكان آخر.
بل السنة أن تغغلظ اليمين فيها كما تغغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغغلظ اليمين بالتحلف ععندما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغغلظ بالتحلف عند المشاهد ومقامات الأنبياء ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للشريعة.
وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار المقفولة عن أهل الكتاب من أخذ عنهم ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم. وأمثل من من ينقل عنه تلك الإسرائيليات كعب الأحبار، وكان الشاميون اخذوا عنه كثيراً من الإسرائيليات. وقد قال معاوية رضي الله عنه: ما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كان وإن كنا لنبلوه أحياناً. يعني كعب الأحبار هو أفضل من تكلم بالإسرائيليات، وإن كان بيقول لك حتى كلامه مش دقيق أحياناً، وأحياناً ينقل إسرائيليات مكذوبة.
إن الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ فإما يحدثكم باطل فتصدقوا، وإما يحدثكم حق فتكذبوا».
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة، وإذا حدث بعض أعيان التابعيين عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث، كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأبي العالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين، توقف أهل العلم في مراسيلهم؛ فمنهم من يرد المراسيل مطلقاً، ومنهم من يقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين من عادته لا يرسل إلا عن ثقة -كسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين- وبين من عرف عنه أنه قد يرسل عن غير الثقة -كأبي العالية والحسن-. وهؤلاء وليس ليس بين أحدهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة.
مثلاً بيقول لك: إذا مراسيل كبار التابعين إحنا مختلفين في قبولها، تجي تقول لي إسرائيليات عن كعب الأحبار في قبة الصخرة وقصص وسواليف نبني عليها إحنا؟ منهج المحدثين مراسيل سعيد بن المسيب مختلفين فيها نقبلها ولا لا؟ مراسيل الحسن البصري مختلفين فيها، بدك نبني ديناً على قصة وسواليف من إسرائيليات وكلام غير علمي ونعتبر هذا ديناً، ويصبح الذي ينكر هذا الدين مبتدعاً ويُرصد؟!
ابن تيمية كيف تنتشر الأكاذيب ويبني الناس عليها ديناً، ويصبح اللي ينكرها في القرن الثامن أو السابع منكر لما عليه العلماء قبله؟! هذا الذي يتعرض له ابن تيمية عادة من هجوم أنه يخالف طريقة المتقدمين.
وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتب مرسلة، فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق أهل العلم إلا أن يُعرف أن ذلك من نقل أهل العلم في هذه الأوقات؛ يعني لو اليوم في زمن ابن تيمية أو في زمننا واحد نقل قصة عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن الصحابة أو عن التابعين، هذا لا يقبل أصلاً؛ ما...
له علاقة بالحديث المرسل الذي فيه خلاف، قال هذا لا يقبل أبداً حتى نعرف من أين مصدره؛ لكثرة الكذب بعد القرن الثالث، يعني بعد انتهاء قرن السلف؛ القرن الأول والثاني والثالث، لا تقبل الأحاديث المرسلة هكذا. يأتي الشخص في القرن الخامس ينقل قصة عن النبي عليه الصلاه والسلام بدون ما نعرف إسنادها، وهي ليست موجودة في مصادر الإسلام الأساسية، فهي لا يبنى عليها دين، خاصة أن الناس اشتغلت بوضع الأحاديث وتأليف القصص على الأنبياء والصحابة والتابعين، فينبغي للتنبه لذلك.
نعم قال، لا يعرف أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث الذين لا يحدثون إلا بما صح؛ كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده، وما وقفه كقوله: «وقد ذكر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ونحو ذلك»، فإنه حسن عنده. وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري، فكيف بما يقوله كعب الأحبار عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة أو أكثر وأقل، عم ينقل عن موسى ولا عن عيسى؟
نعم قال، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة، بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود، وقد أخبر الله بتبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئاً من ذلك بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضاً إلا بدليل يدل على كذبه، وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء، وما هو منسوخ في شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وسكنوا بالشام والعراق ومصر وغير هذه الأمصار، وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم، فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه. فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، لم يكن لنا أن يخالفهم في ذلك وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك، لأن اتباع سبيلهم أولى من اتباع سبيل من خالف سبيلهم. نحن لا نتبع سبيل العلماء في القرن الخامس الهجري والرابع الهجري ولو كانوا أصحاب فضل، لكن نحن نتبع سبيل السلف في العقائد، تمسك بسبيل السلف ولا تأخذ بما تجده في كتب المذاهب الفقهية مما يخالف سبيل السلف، لأن البدع نشأت بعد ذلك حتى عند الفضلاء.
نعم قال، فما إن اتباع سبيلهم أي من أضاع سبيل وخالف سبيلهم، من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم، إلا وقد نقل عن غيرهم من هو أعلم وأفضل منه أنه خالف سبيل هذه المخالفة. وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا الموضوع لتفصيلها؛ ما من أحد من المتأخرين خالف منهج السلف إلا وله أقران يبينون أنه مخالف لمنهج السلف، يعني ما في حالة في القرن الرابع أو الخامس أو السادس أن أجمعت الأمة على مخالفة منهج السلف، ما من زمن خرج فيه من ابتدع بدعة إلا ووجد في ذلك الزمن من يرد هذه البدعة، عرفه من عرفه وجهله من جهله.
نعم قال، وثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتى بيت المقدس ليله الإسراء صلى فيه ركعتين ولم يصلي بمكان غيره ولا زاره. حديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقة، مثل ما يرويه بعضهم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى انزل فصلي فيه. وأعجب من ذلك أنه روي فيه قيل له في المدينة: انزل فصلي فيه قبل أن يبنى مسجده، وإنما كان المكان وعجب من ذلك أنه يروى في حديث المعراج أن جبريل أنزله في مكان مسجده النبوي قبل أن يبنى هذه خرافة! تخيل قبل أن يهاجر إلى المدينة صلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكان المسجد النبوي.
طيب، وإنما كان المكان أصلاً في ذلك الوقت شو كان؟ مقبرة للمشركين! مش نحن حكينا المسجد النبوي على مقبرة للمشركين؟ فكيف يصلي في مقبرة والنبي عليه الصلاه والسلام والنبي بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك وقال: «دعوها فإنها مأمورة». نعم قال، فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة. وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى، ليس في إتيانها فضيلة للمسلمين سواء كان مولد عيسى أو لم يكن، بل قبر إبراهيم الخليل لم يكن، بغض النظر ولد عيسى ببيت لحم أو لم يولد هناك عليه السلام، بل قبر إبراهيم الخليل لم يكن الصحابه ولا التابعين له بإحسان من ياتيه للصلاه عنده ولا الدعاء ولا كانوا يقصدونه للزياره أصلاً.
طبعاً قبر إبراهيم في مدينة الخليل اليوم، وهذا فيما يغلب على ظننا أصلاً. طيب، وقد قدم المسلمين قال، وقد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستوطن الشام خلائق من الصحابة، وليس فيهم من فعل شيء من هذا، ولم يبن المسلمون عليه مسجداً أصلاً. ولكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المئة الرابعة لما أخذوا بيت المقدس بسبب استلاء الرافضة على الشام، لما كانوا ملوك مصر والرافضة الدولة الفاطمية الرافضية لما كانت مسؤولة عن مصر في زمنها، احتل الصليبيون بيت المقدس لما كان الروافض هم مسؤولون عن بيت المقدس، لأنهم لما احتلوا مصر احتلوا أغلب الشام، في زمنهم احتل بيت المقدس من الصليبية.
طيب قال، والرافضة أمة مخذولة، شوف شو يقول: والرافضة أمة مخذولة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا حتى دنيا منصورة، يعني حتى الاستنصار بالروافض خطأ لأنهم لا يوفقون في الانتصارات. شوف شو يقول ابن تيمية: الرافضة ليست لهم حتى دنيا، يعني حتى في أمور الدنيا ما بينتصر تمام، ربنا عز وجل سخطهم في الدنيا والآخرة. فلما كان في زمنهم قويت النصارى، قويت النصارى وأخذت سواحل بلاد المسلمين واحتلت فلسطين، الدولة الفاطمية ما عملت شيء، ما واجهت تمام.
وحينئذ قيل إن النصارى هم الذين نقبوا حجرة إبراهيم وحفروها، هي فيها خلاف ذكر سابقاً: هل الذي فتح قبر إبراهيم الخليل وجعل الناس يزروونه هل امرأة كانت متواصلة مع الملوك أم هم النصارى؟ بتذكر ذكر الخلاف ابن تيمية ذلك في صفحات سابقة. المهم يعني قيل إن النصارى هم أصلاً اللي فتحوا على قبر إبراهيم وأصبح الناس يرتادونه، وبعدين صار المسجد الإبراهيمي اليوم الذي تجدونه في مدينة الخليل والناس ترتاده.
طيب قال، فكان اتخاذ ذلك معبداً مما أحدثته النصارى، ليس من عمل سلف من سلف الأمة وخيارها، فوجود مسجد عند قبر إبراهيم هذا من فعل النصارى ولم يكن هذا معبد فعله أهل الاسلام ابتداء، لكن بعدين بتعرفوا المسلمين يبنون وبيكملون، طيب.
وأصل دين المسلمين قال رحمه الله فصل: وأصل دين المسلمين أنه لا تخص بدي أعطيك الخلاصه التي يصل إليها أن هو كل كلام ابن تيمية عن قضية قصد البقاع، تخصيص البقاع بفضيلة أو بدعاء أو شيء، وهو يحذر من هذا وهي المسألة الأخيرة التي أصلاً سجن من أجلها ابن تيمية، السجن الأخير التي مات في سجن دمشق بسببها هي هذه المسألة؛ مسألة عدم شد الرحال وتخصيص البقاع بالزيارات. تآمروا عليه أن الرجل لا يعظم قبر النبي عليه الصلاه والسلام، الرجل كذا وكذا، وهو براء ابن تيمية من ذلك، لكنه يتكلم ببعد عقدي، لكن الهوى غلب على معاصريه فتآمروا أن يسجن، وسجن في دمشق حتى مات.
نعم قال، وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقاع بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة، وما آلت إليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كان في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع، فهو مما جاء الإسلام بمحو وإزالته ونسخه. ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائص المسجد الحرام لا يشارك فيها شيء من المساجد كما أنه لا يصلى إلى غيره. وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى فكل ما يشرع فيهما من العبادات يشرع في سائر المساجد؛ كالصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف، ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء ولا استلامه ولا الطواف به ونحو ذلك، لكنهما أفضل من غيرهما فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما.
إذاً فلسفة الإسلام تقوم أن الإسلام وأن شريعة الله هي التي تخصص البقاع بالفضلية، هذا واحد، ليس لك أن أنت تخترع من عندك أفضلية لبقاع ثم تبدا تخصها بعبادات وطقوس وتصبح عيداً يقصد. هذه أول قضية، الذي يخصص البقاع هو الله، والله لم يأذن لنا بتخصيص إلا المساجد، ومن المساجد هو الذي أعطى الأفضلية للمساجد الثلاث، فكل ما سوى ذلك إنما هو من اختراعات البشر التي ليست من دين الله في شيء، لاحظوا هو يبني فكرة عامة عند المسلم. وهذه المساجد الثلاث التي فضلها الله على سائر المساجد، لا يشرع فيها من العبادات عبادة إلا جنس ما يشرع في المساجد، فهي أفاضليته في تضعيف الحسنات لا في إمكانية اختراع العبادات، فما بتيجي على المسجد النبوي أو المسجد الحرام تخترع عبادة لا توجد في المساجد الأخرى بحجه أنها مساجد مميزة، فالتفصيل هو فقط تضعيف وليس اختراع.
نعم قال، أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح أن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وروي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي هذا آخر المساجد». وفي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
وفي مسلم أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبرأت ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتها ذلك فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت وصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلي ما صنعت، يعني كانت مجهزة شنطة فيها أكل عشان تسافر، قالت لها: اقعدي كلي الأكل اللي عملتيه وصلي في المسجد النبوي. نعم قالت: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة».
وفي المسند عن مسجد الكعبة المسجد الحرام. طيب قال، وفي المسند يعني ابن زبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي بمائة صلاة». قال أبو عبد الله المقدسي: إسناده على رسم الصحيح، رسم الصحيح يعني على قواعد الحديث الصحيح؛ إسناده على رسم الصحيح يعني على قواعد الحديث الصحيح بنقل العدل الضابط.
نعم ولهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في هذه المساجد. نعم قال، بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بغير حراء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم كان اعتكافه أين يكون؟ في غار حراء، تمام؟ ولذلك النبي عليه الصلاه والسلام لما خرج يتحنث تحنث في غار حراء أنه هذه كانت طرائقهم. لكن لما جاء الإسلام منع الاعتكاف في غير المساجد، بدك تعتكف في مسجد، فيش اسمه اعتكاف داخل قبة أو داخل الغار أو ما شابه من ذلك، الاعتكاف الشرعي لا يكون إلا داخل المساجد.
نعم قال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، والاعتكف من العبادات المشروعه بالمساجد باتفاق الأئمة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] أي في حال عكوف في المساجد لا تباشروهن، وإن كانت المباشرة خارج المسجد. ولهذا قال، المباشر يعني الجماع ومقدماته.
نعم قال، ولهذا قال الفقهاء إن ركن الاعتكاف لزوم المسجد لعبادة الله، ومحوره الذي يبطله مباشرة النساء. فأما العكوف والمجاورة عند شجرة أو حجر تمثال أو غير تمثال، أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي أو غير نبي أو مقام نبي أو غير نبي، فليس هذا من دين المسلمين. وإن كان الصوفية يسموننا والله بدي أجاور عند قبر السيدة نفيسة أو أجاور عند قبر هذا كله لا ليس له أصل في الإسلام، بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبر الله عز وجل حيث قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهْ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51] ثم ذكر قصة إبراهيم مع قومه بتمامها في قضية الأصنام وقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] كيف تعكف لصنم إلى الآية والقصص؟ ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ [الأعراف: 138]. فالعكوف على غير المساجد من الأشجار والزوايا والخبايا هو من جنس دين المشركين؛ لأنهم هم الذين كانوا يعكفون عند الأصنام. نعم فهذا عكوف
المشركين، وذاك عكوف المسلمين في المساجد، وعكوف المشركين عند القبور والأشجار والأصنام؛ فعكوف المؤمنين في المساجد عبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه ويخافون من دون الله وما يتخذونه شركاء وشفعاء. فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول إن العالم له خالق، الكل كان يقر بتوحيد الربوبية عموماً، ولا أن الله له شريك يساويه في صفاته، هذا لم يقل حتى المشركون بل كانوا يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض كما أخبر الله عنهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: 38]، ﴿قُل مَنِ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: 86-87].
وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك؛ يعني أنت تملكه ومع ذلك جعلناه شريكا لك في العبادة. فقال الله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [الروم: 28]. وكانوا يتخذون آلهتهم وسائط تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: 43]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: 18].
وقال تعالى عن صاحب ياسين: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس: 22-23]. فهم مقرون أنهم اتخذوا الأصنام شفعاء وليست على أنها أرباب. وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ [الأنعام: 94]، وقال تعالى: ﴿مَّا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَّلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: 4]، ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الانعام: 51].
لذلك من نعمة الله على طالب العلم وعلى المسلم عموماً أن يعرف معنى التوحيد، أيها الأخوة، يعرف معنى التوحيد وأين إشكال الكفار وما التوحيد الذي أراد الله أن يكون؛ لأنه كثير من الناس اليوم مختلطة عليهم مفاهيم التوحيد ما بين توحيد الربوبية والألوهية، فيقعون في شرك الألوهية ويظن أنه موحد لله لأنه فقط قائم بتوحيد الربوبية. وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان ووسط.
فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. ما هي الشفاعة التي أثبتها القرآن؟ شفاعة الأصنام وشفاعة الأوثان لمعبود عند الله سبحانه، ما في شفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قوله فقط. والخوارج والمعتزلة أنكروا كل الشفاعات كطرفين، شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام أنكرها الخوارج والمعتزلة. بل إنكر طائفة من أهل البدع حتى انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه، كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه، وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: 254] هي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الشفاعة، وبقوله تعالى: ﴿مَّا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]، لكن استدلالهم باطل لا يراد بها ذلك.
وأما سلف الأمة ومنهجهم الوسط فماذا قالوا؟ قالوا: من تبع من أهل السنة والجماعة فأثبت ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن شفاعته لأهل الكبائر من أُمّته، وغير ذلك من أنواع شفاعات النبيين والملائكة. وقالوا إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة وما كان في معناها. وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا باذنه، قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]، ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26].
وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طلبت منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، يردونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: «فأذهب إلى ربي فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. قال فأقول: رب أمتي أمتي! فيحد لي حدا وأدخلهم الجنة».
وكذلك في الآية التي تليها، قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: 57]. قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون العزير والمسيح والملائكة، فانزل الله هذه الآية. وقد أخبر فيها أن الذين تعبدونهم وهم عزير والمسيح هم أنفسهم يعبدون الله ويتقربون إلى الله، فلماذا تعبدونهم؟ وفي أن هؤلاء المسؤولين الذين هم عزير والمسيح هم بأنفسهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فحري بكم أن تقتدوا بهم في فعلهم.
وقد ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قال: يا رسول الله، أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «يا أبا هريرة، لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث؛ أسعد الناس بشفاعة يوم القيامة من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله». فالشفاعة يوم القيامة لا تحصل إلا لمن حقق التوحيد الخالص لله، ولا تحصل الشفاعة بالشرك بالله. هم يريدون الشفاعة صحيح، يريدون أن يحصلوها من خلال الشرك بالله وصرف العبادة إلى غير الله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا في هذا الحديث العظيم يقول: «أسعد الناس بشفاعة من وحد الله سبحانه وتعالى»، فلا تنال الشفاعة إلا بالتوحيد.
فكلما كان الرجل أتم إخلاصا لله كان أحق بالشفاعة، وأما من علق قلبه بأحد من المخلوقين يرجوه ويخافه فهذا من أبعد الناس عن الشفاعة. شفاعة المخلوق عند المخلوق تكون بإعانة الشافعي للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه، واما لخوفه منه فيحتاج إلى أن يقبل شفاعته. والله تعالى غني عن العالمين، يشفع إما لحاجة المشفوع عنده إليه؛ يعني حتى ملوك الدنيا لما يقبلوا بعض الشفاعات بيقبلوه لأنه محتاج أصلاً هذا الشخص، فبقول له خلاص بقبل شفاعتك لأني محتاجك، والله أنت رئيس عشيرة وكذا بتمشي معي بتضبط لي ملكي. أما الله عز وجل لما يقبل الشفاعة ليس لأنه محتاج للشافع بل كرماً وجوداً منه سبحانه.
والله تعالى غني عن العالمين، هو وحده سبحانه يدبر العالمين كلهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع في الشفاعة ويقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءه، فالأمر كله لله. فإذا كان العبد يرجو شفيعاً من المخلوقين فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته. فإذا كان العبد يرجو أن يشفع له أحد المشايخ أو أحد الأولياء، فقد لا يختار ذلك الشفيع أنه يشفع لك يوم القيامة؛ كروست البدوي الذي أنت عايش حياتك مشرك به أو نفيسة بجوز يوم القيامة ما تشفعلك أصلاً، يعني ريح دماغك بجوز يوم القيامة ما تشفع لك أصلاً! وإذا اختارت أن تشفع لك فالامر موقوف أن يرضى الله أن تشفع لك، إذا الله قال لها لا تشفعي أو قال لا تشفعي ولن أسمح لك بالشفاعة لهذا الشخص لن يقبل الله الشفاعة، فالامر كله لله.
وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، وقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبيه. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع يشفع لعمه الذي نصره، قال: «لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه»، وقد صلى على المنافقين ودعا لهم فقيل له: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]، وقيل له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]. فقال: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر لهم لزدت»، فأنزل الله: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفَرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6].
وإبراهيم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74]؛ لما إبراهيم حاول أنه يستشفع لقوم لوط أنه يا ملائكة لا تعذبوهم، الان يجادلنا يعني يحاول أن يؤخر العذاب عنهم، أعطوهم فرصة، أعطوهم كذا، الملائكة قالت: انتهى يا إبراهيم هذا أمر الله. فإذا أفضل الخلق النبي عليه الصلاة والسلام ثم إبراهيم ما استطاعوا أن يشفعوا؛ إبراهيم النبي عليه الصلاة والسلام لم يستطع أن يشفع لعمه، وإبراهيم عليه السلام لم يستطع أن يشفع لا لأبيه ولا لقوم لوط لما نزل بهم، فما بالك بمن هو دون سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وسيدنا إبراهيم في المنزله سيشفع بدون إذن الله؟ أنت واهم!
ولم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه إلا بعد وعده بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41]. الله عز وجل قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4] في كل شيء إلا في ماذا؟ ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4]، هذه لا تقتدوا فيها بابراهيم فإنه حرم الله الشفاعة أو الاستغفار للمشركين. ونزلت أيضاً: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفِرُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 113-114].
والله سبحانه له حقوق لا يشركه فيها غيره، ورسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين بعضهم على بعض حقوق مشتركة. ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. يا معاذ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقهم عليه أن لا يعذبهم».
فالله تعالى مستحق أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وهذا أصل التوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب. قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: 45]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
ويدخل في ذلك أن لا نخاف إلا إياه ولا نتقي إلا إياه، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]. فجعل الطاعة لله وللرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وكذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]. فجعل الإيتاء لله وللرسول كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]؛ فالحلال ما حلله الرسول والحرام ما حرمه الرسول والدين ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وجعل التحسب بالله فقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: 59] ولم يقل ورسوله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، أي حسبك وحسب من اتبعك الله، هذا مر معنا في كتاب العبودية. فحسب هو الكافي، والكفاية لا تحصل إلا بالله ولا تحصل حتى بالأنبياء والرسل. الكفاية لا تحصل إلا بأن أقول حسبي الله، ما يكون إلا لله عز وجل، وما ظن أن معنى الآية حسبك الله والمؤمنون فقد غلط، فإن الآية معناها حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، هذا معنى الآية.
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 59]، فجعل الفضل لله، ذكر الرسول في الإيتاء لأنه لا يباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحد يأخذ ما يتيسر له إن لم يكن مباحاً في الشريعة. ثم قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: 59]، فجعل الرغبة إلى الله وحده دون ما سواه.
وكما قال، طبعا هذا كله ايش مقصده من إتيامه هنا؟ أن يربي المؤمن نفسه على الاتباع لا على الابتداع. الذي يخصص الأماكن هو الله، الذي يحدد ماذا يفعل في الأماكن هو الله، الذي يحدد من الذي يشفع ومن لا يشفع هو الله. فكل ما فعله الصوفية وأهل البدع أنهم اخترعوا أماكن من عندهم وقدسوها واتخذوها أعياداً، وقرروا أن هؤلاء المقبورين يشفعون أو لا يشفعون من عندهم. فهو يقول لهم المشاكل الدينية التي يقع فيها هذه البدع سبحان الله القرآن عالجها.
وبينها وبين أُسسها وفسد، لكن يحتاج من يقرأ القرآن بتدبر ليعرف أن ما وقع في هذه الأمة من البدع القرآن حذر منه ومن أصوله ومن جذوره. نعم قال كما قال: ولم يأمر الله قط مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً، وإن كان قد أباح في موضع من مواضع ذلك، لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قط إلا الله، كما ثبت في الصحيح في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب؛ هم الذين لا يسترقون ولا يكتفون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فجعل من صفاتهم أنهم لا يسترقون، أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل لا يرقون، وإن كان طبعاً لا يرقون؛ إنه الإنسان يرقي نفسه بنفسه هذا مطلوب، لكن لا يسترقي، يعني لا يطلب من غيره أن يرقيه، وطبعاً هذا جائز، لكن أعلى أهل الجنة الذين لا يطلبون ذلك من غيرهم توكلاً على الله، ويكتفون برقيته لأنفسهم.
نعم قال: وإن كان ذلك قد روي في بعض طرق مسلم فهو غلط، وبعض الطرق ورد فيها الذين لا يرقون، هذا غلط، أنك ترقي نفسك ما في مشكلة، المشكلة أن تسترقي؛ الألف والسين والتاء تدل على الطلب، فالمشكلة أن تطلب من غيره. طيب فإن النبي صلى الله عليه وسلم رقى نفسه وغيره، لكنه لم يسترقي، لم يطلب أحد أن يرقيه، فمستقل الدعاء من غيره، وهذا وإن كان مشروعاً، لكنه ليس أعلى أحوال المؤمن. قال بخلاف الراقي غيره، فانه داع له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله»، فهو الذي يتوكل عليه، ويستعان به، ويستغيث به، ويخاف ويرجى ويعبد، وتني القلوب إليه، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه.
والقرآن كله يحقق هذا الأصل في التوحيد، والرسول صلى الله عليه وسلم يطاع ويحب ويرضى ويسلم إليه حكمه، ويعزر -يعني يعزر يعني ينصر- ويوقر ويتبع ويؤمن به وبما جاء به. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة: 24]. وفي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»، وقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وقال له عمر: يا رسول الله إنك أو لا، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، قال: فالآن أنت أحب إلي من نفسي، قال: «الآن يا عمر». وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح: 8-9] أي الرسول خاصة ﴿وَتُوَقِّرُوهُ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9]، تمام، أي تسبح الله تبع، فالايمان بالله والرسول والتعزير لله والرسول والتوقير لله والرسول، وأما التعزي وأما التسبيح هل هذا يعود على الله والرسول؟ لا، هذا لله وحده، وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع.
وقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بتحقيق التوحيد وتجريده ونفي الشرك بكل وجه، حتى في الألفاظ؛ حتى الألفاظ بدك تحترس فيها زي ما اخذنا البارح في مجلس إرواء: لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله ثم شاء. وقاله رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندّاً؟ قل بل ما شاء الله وحده».
والعبادة التي شرعها الله كلها تتضمن إخلاص الدين له كله أو إخلاص الدين كله لله تحقيقاً له تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده. فالمقصود من الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر سبحانه بعبادته فيها، ولهذا كان الحج هو شعار الحنيفية ملة إبراهيم، حتى قال طائفة من السلف: حنفاء لله أي حجاج لله، فإن اليهود والنصارى لا يحجون الكعبة، وإنما يحجون إلى البيت المقدس أو ما شابه ذلك أو كنيسة القيامة، هذا حجهم. قال طائفة من السلف لما أنزل الله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، قالت اليهود والنصارى: نحن مسلمون، فانزل الله ليبين لهم ما هو الإسلام، قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. فحج البيت كأنه شعار أهل التوحيد فقالوا لا نحج، فقال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فرفض الحج ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ عام في الأولين والآخرين، فإن دين الإسلام هو دين الله الذي عليه أنبياؤه وعباده المؤمنون، كما ذكر الله ذلك في كتابه عن أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، أو أول رسل، أول رسول بعثه إلى أهل الأرض وهو نوح، ثم إبراهيم، وإسرائيل هو يعقوب، وموسى وسليمان وغيرهم من الأنبياء.
نعم قال: قال الله تعالى في حق نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 71-72]. وقال تعالى في إبراهيم وإسرائيل: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 130-131]. وقال في يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. وقال في موسى وقومه: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]. وقال في انبياء الله، اللي هي ق، هو الآن يركز على الآيات التي ذكر فيها الإسلام كلمة إسلام أو تصاريفه، أنه كل دين الأنبياء هو الاستسلام لله وحده، سواء في نوح أو في إبراهيم أو في يوسف أو في موسى أو حتى في أنبياء بني إسرائيل: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44]، كلمة الإسلام، بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44] أي أمة عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: 111]، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112]. فكل هذه الآيات تفسر لك الإسلام، ما هو الإسلام؟ دين الرسل جميعاً. وقد فسر إسلام الوجه لله بما يتضمن إخلاص القصد له وهو محسن بالعمل الصالح، فإسلام الوجه لله هو الإخلاص، والإحسان هو العمل الصالح المامور به، وهذان الأصلان هما جماع الدين: ألا نعبد الله إلا ألا نعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرع، اللي هو الإخلاص والمتابعة، ألا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا بما شرعه هو، وليس بما تخترعه العقول.
نعم قال وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. قال وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] قال: أخلصه وأصوبه. قالوا يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
قال: وهذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإسلام؛ شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وشهادة أن محمداً رسول الله، فإن شهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الإلهية له، فلا فلا يجوز أن يتأل القلب غيره بحب ولا ولا خوف ولا رجاء ولا جلال ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة، بل لا بد أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]. فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله كان في ذلك من الشرك بحسب ذلك، وكمال الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»، لأنك كل حياتك لله، فقد استكمل الإيمان.
نعم المؤمنون يحبون الله يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. فإذا شهد أن لا إله إلا الله تحقق الركن الأول وهو الإخلاص.
طيب وشهادة أن محمداً رسول الله تتضمن الاتباع؛ تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات، فيخلص من التعطيل والتمثيل، ويكون في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل، وعليهم أن يفعلوا ما أمر به وينتهوا عما نهى عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرع الله ورسوله.
نعم قال: ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما، لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا ديناً لم يأذن به الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: 136] إلى آخر السورة وما ذكره في صدر سورة الأعراف، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهَ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]. فأخبره أنه أرسله داعياً إليه بإذنِه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك. إذاً فمن دعا إلى غير الله، إلى عبادة غير الله، فقد أشرك، ومن دعا إلى الله لكن بغير طريقه، بغير طريق شرعه الله، فقد ابتدع. أنت واحد يقول لك: أنا بدعو إلى الله، لكن الطريقة التي تدعو فيها ليست شرعية، هذه بدعة. طيب والشرك ايش؟ بدعة أصلاً، والمبتدع يؤول إلى الشرك، لأن سبحان الله يقولون البدع باب الشرك، لأنك أولاً أنت تفتح باب البدع على نفسك، تبدع باب أنه أدعو إلى الله بس بالطريقة التي أنا أريد، ثم مع الوقت تصبح تدعو غير الله، أنت أولاً تتجه إلى الله من خلال البدع، ثم مع الوقت الشيطان سيغريه أنه ايش المشكلة أيضاً أن تعبد شيئاً مع الله؟ فيوقع في الشرك الأكبر، فالشرك الأكبر بوابته هي البدع، هذا المراد.
نعم وما يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك، لأنك أصلاً لما اتخذوا أحباراً، لما تشرع شيئاً من دون الله، أنت تزاحم الله في التشريع، أنت تزاحم الله في التشريع لما تخترع البدع. قال كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31] وكان من إشراكهم بهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. وقد قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]. فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما يحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، والمؤمنون يصدقون الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر، فآمنوا بالله واليوم الآخر فأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم، فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق، فإن الله بعث الرسول لا يأمرهم بالمعروف صلى الله عليه وسلم وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فامر بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث.
ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص، ويتضمن الإخلاص من قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر: 29] سلماً لرج، أي مخلصاً له لا يشارك غيره. فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه، وهذه حقيقة قولنا لا إله إلا الله، فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر عن عبادته، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، أفمن الكبر ذلك؟ قال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، لكن الكبر بطر الحق وغمط الناس»، بطر الحق يعني جحده ودفعه، وأما غمط الناس بمعنى ازدراؤهم واحتقارهم. فاليهود موصوفون بالكبر والنصارى موصوفون بالشرك، قال تعالى في
منعت اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُم رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم﴾ [البقرة: 87]. وقال في نعت النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُم وَرُهْبَانَهُم أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31]، اللي هو الشرك بأحبارهم ورهبانهم. ولهذا قال الله تعالى في سياق خطاب النصارى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]؛ لأنه فكرة اتخاذ الأرباب من الأحبار هذه كانت موجودة عند النصارى أكثر من اليهود. وقال في سياق تقريره للإسلام وخطابه أهل الكتاب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]، إلى قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: 140].
ولما كان أصل الدين الذي هو دين الاسلام واحدا، وإنما تنوعت الشرائع بين الأنبياء فقط، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد»، وروي: «الأنبياء إخوة لعلات». الإخوة لعلات من هم؟ اللي أبوهم واحد وأمهم متفرقة. لما يكون أبوكم واحد لكن أنت من أم وهو من أم، قد يسمون أبناء علات، فكذلك الأنبياء ابوهم واحد -يعني الإسلام- وأمهم مختلفة -يعني الشرائع الخاصة بكل دين منهم-. نعم.
قال: فدينهم واحد؛ هو عبادة الله وحده لا شريك له، ويعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو الدين الإسلام في ذلك الوقت. وتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة؛ فكما أن دين الاسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم هو دين واحد مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة، كما أمر المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ويحرم استقبال الصخرة؛ فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته.
فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت ثم نسخ ذلك، وشرع الجمعة؛ فكان الاجتماع يوم السبت واجبا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة، وحرم الاجتماع يوم السبت. فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما؛ يعني من كان لا يجتمع يوم السبت وهذا كان في شريعة موسى، كان ليس ملتزما بأمر الله؛ لان الله شو أمركم في موسى؟ تجتمعوا السبت. ومن يجتمع الآن السبت فهو خارج عن أمر الله؛ لأن الله نسخ السبت وأمر باتباع ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكون الاجتماع الجمعة.
فإذا باختصار، أنت كإنسان عبد للإله؛ الله يضع في كل وقت التشريع الذي يريد ولا يسعك إلا أن تستسلم لله ولا تعترض ولا تقول: لا أنا خلص أنا على الدين القديم، أنا شيء جديد ما بقبلش يا رب العالمين. بل اقبل النسخ، هذا ليس لك. نعم أمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وقال يا الرسل: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: 51]، ثم قال: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].
فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفقون. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: 118-119]. يعني يرى ابن تيمية أن: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ هم أهل الإخلاص، فهؤلاء لا يختلفون بل يتفقون. نعم. قال: فأهل الرحمه متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا دينهم وكانوا شيعا. ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدعة يفترق أهله؛ فكان لكل قوم من مشرك العرب طاغوت يتخذونه نداً من دون الله، فيقرب له ويستشفعون به ويشركون به، وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء؛ فالقديم يعبد منا واحد، يعبد اللات، واحد يعبد العزى، كل واحد يعبد صنما.
كذلك اهل البدع: كل واحد له قبر يزوره، وكل واحد له وجهة يوليها. دائما الابتعاد عن الدين هو الذي يسبب الخلاف والاضطراب، والاقتراب من الدين يسبب الألفة. نعم قال: وهكذا تجد من يتخذ شيئا من نحو الشرك؛ كالذين يتخذون القبور وآثار الأنبياء والصالحين مساجد؛ تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستعانة والتوجه عند من لا تعظمه الطائفة الأخرى.
بخلاف أهل التوحيد، فإنهم يعبدون الله ولا يشركون به في بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد جعلت لهم الأرض مسجدا وطهورا. وإن حصل بينهم تنازع في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك تفرقا ولا اختلافا، بل هم يعلمون أن المصيب منهم له أجران، وأن المجتهد المخطئ له اجر على اجتهاده وخطؤه مغفور. لذلك السلف لم يكونوا يختلفوا في اصول الدين، وإنما كان اختلافات السلف في الفقهيات. صحيح، الأئمة الأربعة بماذا يختلفون؟ ليس في العقيدة، وإنما خلافهم في الفروع الفقهية وهذا اختلاف رحمة لا اشكال فيه.
والله هو معبودهم إياهم يعبدون وعليه يتوكلون وله يخشون ويرجون وبه يستعينون ويستغيثون وله يدعون ويسألون. فان خرجوا إلى الصلاة في المساجد كانوا مبتغين فضلا منهم ورضوانا، كما قال تعالى في نعتهم: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: 29]. وكذلك إذا سافروا إلى أحد المساجد الثلاث لاسيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: 2].
فهم يؤمون بيته ويبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، لا يرغبون إلى غيره ولا يرجون سواه ولا يخافون إلا إياه. وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم إلى أنواع من الشرك، فأصبحوا يقصدون بالسفر -هذا هو الذي يريده بعد كل هذا- أصبحوا يقصدون بالسفر والزيارة إلى القبور رجاء غير الله، يرجو البدوي أو السيدة نفيسة والرغبة إليه، ويشدون الرحال أما إلى قبر نبي أو صالح أو صاحب أو من يظن أنه نبي أو يظن أنه صاحب أو صالح داعين له راغبين إليه.
ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور. ومنهم من يرى أن ذلك انفع له حتى من حج بيت الله الحرام والعياذ بالله. ومن شيوخهم من يحج فإذا دخل المدينة رجع وظن أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام هو الحج ولا يقبل إلى الكعبة المشرفة. ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبر واجبة في المسجد الننبوي. ومنهم من يسأل المقبور الميت كما يسأل الحي أن يقضي له حوائجه فيقول: يا سيدي اغفر لي وارحمني وتب علي، أو يقول: يا سيدي اقض عني الدين وانصرني على فلان وأنا يا سيدي في حسبك أو جوارك. وهذا استقادة الشركية.
طيب، قال: وقد ينذرون أولادهم للمقبور، ويسبون له السوائب من البقر وغيرها، كما كان المشركون يسيب السوائب للطواغيت. قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: 136].
ومن السدنة من يضل الجهال، فيقول: أنا أذكر حاجتك لصاحب الضريح -السدنة هو المسؤول عن القبر أو المسؤول عن الوقف أو المسؤول عن الصنم- أنا أذكر حاجتك لصاحب الضريح وهو يذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم. وبيطلب منه مصاري بدوز كمان؛ حتى يضحك عليه.
طيب قال: ومنهم من يعلق على القبر المكذوب أو غير مكذوب من الستور والثياب، ويضع عندهم من مصوغ الذهب والفضة ما قد أجمع المسلمون على أنه ليس من دين الاسلام. هذا والمسجد الجامع معطل خراب، خراب صورة ومعنى. نعم، تلاقي الناس تاركين المساجد خرابة لا يصلي في المسجد، صورة ومعنى، وإذا صلى حتى فيش خشوع، وتجده جالس عند القبر أو الشاهد أو الشيء يبكي ويتضرع. شوف كيف ضاهى هذه القبور وهذه المشاهد المساجد التي أمر الله أن تعمر!
طيب قال: وما أكثر من يرى من هؤلاء أن صلاته عند هذا القبر المضاف إلى بعض المعظمين -مع أنه كذب أصلاً، بيش قبر أعظم- من صلاته في بيوت الله، فيزتَحمون للصلاة في مواضع الإشراك المبتدعة، التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد وإن كانت على قبور الأنبياء، ويهجرون الصلاة في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، التي قال الله فيها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجۡلٌ لَّا تُلْهِيهِمۡ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 36-37].
كم من يقول: الكعبة في الصلاة قبلة العامة، وصلاة إلى قبر الشيخ فلان من استدبار الكعبة قبلة الخاصة. وهذا وامثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين؛ الكعبة هي للجميع، أنا ما بدي سبيشال خاص فيا، فلازم أروح على قبر ولي أصلي له، الكعبة يعني العامة، والمساكين كلهم يصلوا للكعبة. بده تميز، فيطلع برا الدين عشان يتميز.
قال: وهذا وأمثاله من الكفر الصريح باتفاق علماء المسلمين. هذه المسائل تحتمل في البسط وذكر أقوال العلماء فيها ودلائلها أكثر مما كتبنا في هذا المختصر. الحمد لله أن هذا مختصر الحمد لله. وقد كتبنا في ذلك في غير هذا الموضع ما لا يتسع له هذا الموضع، وإنما نبهنا هنا على رؤوس المسائل وجنس الدلائل والتنبيه على مقاصد الشريعة وما فيها من إخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له، وما سدته من الذريعة إلى الشرك ودقة وجلة؛ فإن هذا هو أصل الدين وحقيقة دين المرسلين وتوحيد رب العالمين.
نعم، من فهم طريقة ابن تيمية ومعالجته للآيات وإسقاطه يعرف أن هذا هو أصل دين الله الذي يجب أن يعلم الناس وينبه عليه، وأن يعرفوا كيف يسد الذرائع حتى لا يقعوا في الشركيات.
وقد غلط في مسمى التوحيد الطوائف من أهل النظر والكلام، ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقتها. فطائفة ظنت أن التوحيد أهل النظر والكلام اللي هم المتكلمون، وأهل الإرادة والعبادة اللي هم المتصوفه، غلط في معنى التوحيد المتكلمون والمتصوفه فلم يحرروه بالمعنى الصحيح. فطائفة ظنت أن التوحيد إثبات القدرة والحدوث، حتى الأسماء الحسنى كلها، وسموا أنفسهم أهل التوحيد.
لذلك من اصول المعتزلة، ما هي التوحيد؟ ما هو التوحيد عند المعتزلة؟ أن تنفي عن الله كل الصفات، وإذا أثبت اسماء تثبتها بدون صفات، وتثبت وجوداً مجرداً عن الصفات أو حتى وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق. وقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول -أي بالعقل والنقل- أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان يا جماعة، فِش ذات ما لها صفات، فِش في الوجود كله ذات ما لها صفات. فأنت لما تثبت للذات بدون أي صفة من الصفات هذا عدم، أنت لم تثبت إلهاً، أنت أثبت عدما. هذا قال: لا وجود له إلا في الأذهان، أما في الأعيان -يعني في الخارج- ما في ذات ليس لها صفات.
زعم هؤلاء المتكلمون أن إثبات الصفات يستلزم تركيبا. أنتم جعلتم الله مركبا من ذات وصفات، شو سموه هذا تركيب؟ شوف، هذه مشكلة الغير والتركيب والعبارات التي مش محررة في إطلاقات، وظنوا أن العقل ينفي التركيب، كما قد كشفنا أسرارا وبينا فرط الجهل في غير هذا الموضع. وهؤلاء هم المتكلمون.
وطائفة ظنوا أن التوحيد ليس هو إلا توحيد الربوبية بس إثبات أن الله الخالق الصانع وهو الذي يسمونه توحيد الأفعال. ومن أهل الكلام من أطال نظره في تقرير توحيد الربوبية، إما بدليل أن الاشتراك في وجود الرب يوجب نقص القدرة وفوات الكمال، واستقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال -تمام، يعني يكون فاعلين كل واحد استقل بنفس المفعول مستحيل- وإما بغير ذلك من الدلائل.
ويظن أنه إذا قرر الوحدانية واثبت أنه لا إله إلا هو، وأن الألهية -طبعا هم الذين يقولون إن التوحيد هو توحيد الربوبية يفسرون لا إله إلا الله بأيش؟ لا قادر إلا الله أو لا مخترع إلا الله، لا يقول لا معبود كما هي طريقه السلف- يقولون إن الألهية لا إله إلا الله هي فقط القدرة على الاختراع ونحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وانه لا شريك في الخلق لله، كان هذا معنى قولنا لا إله إلا الله. هذا هو تفسير أهل البيت بدع أهل الكلام لـ: لا إله إلا الله؛ لا مخترع إلا الله أو لا قادر إلا الله.
ولم يعلم هذا الرجل المسكين أن مشركي العرب كانوا يقولون لا مخترع إلا الله؛ مشركون عرب يقولون ذلك، فمع هذه هي معنى الكلمه التي حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم من أجلها! ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: 61]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: 86-87]. وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون؛ فهم يشركون في ماذا؟ في مقام الألوهية. قال ابن عباس وغيره: تسألهم من خلق السماوات والأرض فيقولون الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره، هذه هي مشكلتهم عبادة اللي هو توحيد الألوهية. وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ايش يعني؟ يقول توحيد الربوبية نحن لا نقلل من شأنه هو توحيد واجب، لكن لا ينتهي الواجب به فلازم تكمل إلى توحيد الألوهية.
من التوحيد الواجب لا شك في ذلك، لكن لا يحصل به الواجب يعني لا يتم الواجب به، بل لابد وأن تكمل إلى الألوهية، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لابد أن يخلص لله الدين فلا يعبد إلا الله فيكون دينه لله.
والإاله هو المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية هذا مستلزم أيضا لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وغيره يوجب الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22].
وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضوع.
نعم، قال: وبينا أن هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله أهل الكلام من ذكر دليل التمانع الدال على وحدانية الرب تعالى.
شوف يعني هل الآن هو يقول ابن تيمية إن هذه الآية ليس المقصود بها دليل التمانع الذي يقوله المتكلمون؟
حتى أفهم كلامه بشكل صحيح، يعني دليل التمانع أحد ما يفهم من الآية، لكن أن نقول الآية لا تتكلم أبدا عن دليل التمانع يعني هذا يحتاج إلى شيء من النظر.
لذلك يقول ابن تيمية: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، يقول: وليس المقصود بها دليل التمانع الدال على وحدانية الرب؛ فإن التمانع -طبعا دليل التمانع ذكرناه البارحة في إرواء، ما بدي أدخل في موضوع دليل التمانع- فإن التمانع يمنع وجود المفعول، لا يوجب فساده بعد وجوده.
طيب، قال: فإن التمانع يمنع وجود المفعول، لا يوجب فساده بعد وجوده؛ وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلية، والثاني يذكر في الحكم والنهاية التي تذكر في العلل التي هي الغايات، كما في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، فقدم الغاية المقصودة على الوسيلة الموصلة، كما قد بسط في غير هذا الموضوع.
طبعا التعليق على هذه الجزئية سيكون في مقام آخر، أنه هو لازم نبسط شو هو دليل التمانع، وأنه يتكلم عن وجود الأشياء؛ التمانع يمنع وجود الأشياء، لكن إذا وجدت الأشياء لا يدل على فسادها، والآن الكون أصبح موجودا فلا حاجة إلى أن يستدل بدليل التمانع بالنظر الكلامي، لأنه خلص صار موجودا، فعليك أن تستدل بما يدل على أنه له رب واحد.
أما التمانع الذي يقصده المتكلمون ويناقش هو، يدل على أنه لا يمكن أن توجد هذه الأشياء إذا كان هناك أكثر من رب، فيقول يعني هو صحيح دليل التمانع صحيح الذي يقوله المتكلمون، لكن ليس هو مفيدا؛ لأنه الكون وجد وانتهى، فأنت تحتاج أن تثبت أن ما هو موجود ليس له أكثر من رب.
طيب قال: ثم أن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريق أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وانه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فهذا هذول أهل التصوف الذين يرون أن الإنسان إذا حقق توحيد الربوبية وأصبح في مرتبة الفناء والدخول مع الله خلص سقط عنه التكليف.
قال: بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد.
نعم، قال: ولم يفرق بين مشيئته الشامله لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات، وبين كلمات الكونيات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر بشمول القدر لكل مخلوق، وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياء وأولياء، ومن أطاعه اختص بها عباده المؤمنون عبدوه ودعوه واتبعوا رسله، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْزِي الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28].
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: 21].
الربوبية وإيمانك أن الله هو صاحب المشيئة التي تنفذ في هذا الكون لا يعني أنك لا تشتغل بعد ذلك بتحقيق العبودية له وتقف فقط عند مشاهدتك للقضاء والقدر، هذا خطأ ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه، وبين ما أمر به وأحبه من الإيمان والأعمال الصالحة وما كرهه ونهاه عنه وأبغضه من الكفر والفسوق والعصيان، مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء، إلا وقع في دين المشركين.
لابد أن تفرق بين مقام الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، بين مقام القضاء والقدر وبين مقام الأمر والنهي؛ هذا ملف وهذا ملف آخر، والمشركون أصلا كانوا يستدلون بالقضاء والقدر على شركهم فيقولون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]، فهم كانوا يشاهدون القضاء والقدر لكنهم ما كانوا يشاهدون الأمر والنهي، فأوقعتهم وقوفهم عند القضاء والقدر على أن دخلوا في نار جهنم.
احذر أن تقف فقط عند مشاهدة القضاء والقدر دون مشاهدة أنه ماشي بس في أمر ونهي، ومطلوب مني أن أدافع القدر بالقدر كما مر معنا في كتاب العبودية.
نعم، قال: والقدر يؤمن به ولا يحتج به.
بل شوف هي القاعدة العامة: القدر يؤمن به لكن لا يحتج به، ايش يعني لا يحتج به؟ لا تستدل بالقدر على معصيتك، لا تقول خلص عصيت ليش يا اخي قدر الله؟ لا لا، عفوا، احنا فاهمين أن نؤمن بالقدر، لكن القدر لا يحتج به على المعاصي والذنوب، لا يحتج به على الشرك، فاذا شخص أشرك ما بيطلعله يحكي ماه خلص قضاء الله وقدره.
شخص عصى ما بيطلعله يقول خلص قضاء الله وقدره، نحن نؤمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، لكن لا يصلح أن تتكئ في تبرير معصيتك وتبرير شركك أنه كل شيء بقضاء وقدر؛ لأنه الصوفية هذا الخطا اللي وقعوا فيه، انهم آمنوا بالقضاء والقدر فأصبحوا يبررون شركهم أو معاصيهم أو أخطائهم بماذا؟ أنه أنت مش مؤمن بالقضاء والقدر يا اخي؟ ماشي، أنا مؤمن بالقضاء والقدر، بس القضاء والقدر لا يعني أن أفعل المعاصي والذنوب ثم احتج عليها بالقضاء والقدر لأنني في لحظة اتخاذ قرار المعصية ما كنت أعرف ايش القضاء والقدر، أنا اتخذتها بإرادتي.
نعم، قال: بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب، واستغفر الله عند الذنوب والمعاتبة.
القدر متى أنا أحتاج استحضره في حياتي يا مشايخ؟ عند المصائب اللي مالك علاقة فيها، مات ابنك مات أبوك، نزلت مصيبة في البلد، هناك يستحضر الانسان القضاء والقدر وبيحكي: قدر الله وما شاء فعل.
أما لما تخطئ وتذنب ما بتقولش قدر الله ما شاء فعل، شو بتحكي؟ استغفر الله وأتوب إليه، لا تيجي تحتجلي بالقضاء والقدر، طبعا في مرة واحدة ذكرنا أن ابن القيم حكيت لكم إياها: يجوز الاستدلال أو الاحتجاج بالقضاء والقدر على المعصي في مقام معين، في مقام جلد الذات الذي يولد وسوسة، لكن هذا مقام آخر استثنائي، هذا ذكرته في الداء والدواء.
آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، آدم احتج بالقضاء والقدر على الأثر الذي نتج عن الذنب وهو النزول إلى الأرض، أنه يا موسى النزول إلى الأرض هذا قدر الله كان كاتبه علي، صح أنا غلطت أنا أذنبت بس أنا النتيجة هاي خلص مكتوبة يعني لا تحاسبني على النتيجة، فلذلك هذه ذكرها ابن تيمية في كتاب العبودية أيضا أن حج آدم موسى، موسى لم يقل له لماذا عصيت، أو لم يعترض على آدم على الذنب نفسه، لأنه آدم أصلا تاب من الذنب، فكيف موسى يعترض على آدم يقوله خلص من تاب من الذنب كمن لا ذنب له؟
موسى اعترض أنه ليش نزلتنا إلى الأرض؟ فآدم قال: النتيجة هاي مش عندي، هذا شي كتبه الله علي، صح نتيجة معصيتي لكن في النهاية هذا قدر الله كتبه قبل أن يخلقني، فحصول هذه النتيجة وهي النزول للأرض قدر الله النافذ.
يعني كيف أنت تفعل معصية أو واحد يفعل معصية ثم هاي المعصية تسبب وقوع شيء في حياته تمام؟ وقوع شيء قدري في حياته هي كانت نتيجة المعصية، هسه المعصية أنت ايش مطلوب موقفك منها؟ معصيتك أني استغفر وأتوب منها، لكن ما ترتب عليها من شي في حياته قدري هنا موقفك أن تقول: قدر الله وما شاء فعل؛ لأنه بتعرف لو ما حكيت قدر الله وما شاء فعل رح تضلك تجلد ذاتك حتى على النتيجة صح؟ رح تضل عندك مشكلة.
مثلا أنت عملت معصية وكان سببها أن ربنا رزقك ولد مشوه فرضا، فايش؟ لو الآن ستبقى تقول هذا الولد المشوه أنا سببه؟ ستبقى تجلد ذاتك وتشعر بتبت الضمير، فوجود الولد المشوه نتيجة معصيتك، معصيتك موقفك منها: يا رب أنا أخطأت استغفرك وأتوب إليك، وقوع هذه النتيجة خلص قدر الله وما شاء فعل حتى لو كان نتيجة معصيتي، موقفي من النتيجة هو موقف التسليم؛ أراد الله أن تقع هذه النتيجة عقوبة على معصيتي سمعنا وأطعنا يا رب، فهمت؟
فالنقاش كان على أثر المعصية وليس على المعصية، ولذلك جاء حج آدم موسى، آدم هو الذي غلب موسى؛ لأن آدم كلامه صحيح، أثر المعصية هذا شيء خارج عن إرادتي، هذا قضاء الله وقدره، فآدم احتج إذن كما قال ابن تيمية: احتج بالقدر على المصيبة اللي وقعت مش على الذنب اللي فعله، المصيبة هي النزول إلى الأرض.
نعم، قال: كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: 55].
ولهذا حج آدم موسى عليهما السلام، لما لام موسى آدم لأجل المصيبة التي حصلت لهم باكلهم عن الشجرة، ذكر له آدم أن هذا كان مكتوبا قبل أن أخلق فحج آدم موسى، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: 22].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، وقال بعض السلف: هو رجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فهذا هو جهة هذا معنى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
شوف ما أجمل هاي الآية! ما معنى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾؟ قال السلف في تفسيرها: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فهذه هي الهداية، يهديك الله للرضا والتسليم، فهذه هي جهة احتجاج آدم بالقدر، فآدم احتج بالقدر على ماذا؟ على وقوع المصيبة، ومعاذ الله أن يحتج آدم أو من دون آدم من المؤمنين على فعله للمعصية بالقدر يقول: أنا فعلت المعصية خلص قدر الله.
فإنه لو ساغ هذا لساغ أن يحتج إليس ومن اتبعه من الجن بذلك، ويحتج به قوم نوح وعاد وكل الكفار، كلهم يحتجون بالقدر، ولا يصح الاحتجاج بالقدر على الكفر والشرك وما دون ذلك، فهذا القول لا يطرده أحد من العقلاء، فإن طرده أنه يحتج بالقدر على الشرك أو المعاصي يوجب أن لا يلام أحد على شيء.
لو واحد سرق بيتك: يا اخي خلص قدر الله ما شاء فعل! واحد ضرب ابنك: يا اخي قدر الله! لو واحد بده يطرق معناته مصيبة صارت أصلا وأنت لن تقبل ذلك أصلا.
واحد درس في الامتحان أبوه ما يذنب ليش؟ يا اخي قدر الله ما شاء فعل، يعني هيك، يعني في النهاية لابد أن يلام المخطئ.
فإن طرده يوجب ألا يلام أحد ولا يعاقب أحد، وهذا المحتج بالقدر هو نفسه هذا اللي بقول لك قدر الله ما شاء فعل لو شخص اغتصب بنته مش راح يحكي قدر الله ما شاء فعل، رح يروح يضربه ويذبحه ويشنقه، طيب مش قدر الله ما شاء فعل؟ مش هي نفسها؟
فإن كان القدر حجه للجاني عليه وإلا فليس حجه لا هذا ولا لهذا، يا بتطرد فتحتج بالقدر على كل شيء، أو بتسكت فلا تحتج بالقدر على اللي عليك ولا تحتج بالقدر على اللي الك، بعض الناس يعني انتقائي.
ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولا لم يمكن للناس أن يعيشوا إذا كان لكل من اعتدي عليهم أن يحتج بذلك فيقبل عذره ولا يعاقب، ولا يمكن اثنان من أهل هذا القول أن يعيشا إذ لكل منهما أن يقتل الآخر مسدا جميع أموره محتجا على ذلك بالقدر.
ثم إن أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات، وهؤلاء الذين أخرجوا عنهم متابعة الأمر، إذا حققوا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق، بل يقولون بوحدة الوجود، كما قال أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد، الذين يعظمون الأصنام وعابديه وفرعون وهامان وقومهما، ويجعلون وجود خالق الأرض السماوات هو وجود كل شيء من الموجودات، ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان، وهم من اعظم أهل الشرك والتلبيس والبهتان، جماعة ابن عربي ومن شابهه.
نعم، قال: يقول عرفهم السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية نظرا إلى الأمر، ثم لا يرى طاعة بلا معصية نظرا إلى القدر، ثم لا طاعة ولا معصية نظرا إلى أن الوجود واحد.
ولا يفرقون بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، مشتركة في معنى الوجود ولكنها متباينه في ذواتها.
والوجود ينقسم إلى قائم بنفسه وقائم بغيره، وواجب بنفسه وممكن بنفسه، كما أن الحيوانات مشتركة في مسمى الحيوان، والناس يشتركون في مسمى الإنسان، مع العلم الضروري بأنه ليس عين وجود هذا الإنسان هو عين هذا الفرس، بل ولا عين هذا الحيوان وحيوانيته، هو عين هذا الحيوان وحيوانيته وإنسانيته، ولكن.
بينهما قدر مشترك تشابه فيه، قد يسمى كلياً ومطلقاً وقدر مشترك ونحو ذلك، وهذا لا يكون في الخارج عن الأذهان كلياً عاماً مطلقاً، بل لا يوجد إلا معيناً مشخصاً. فكل موجود فله ما يخصه من حقيقته مما لا يشركه فيه غيره، بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتراكا فيه، ولكن تشابه ففي هذا نظير ما في هذا، كما أن هذا نظير هذا، وكل منهما متميز بذاته وصفاته عما سواه.
فكيف الخالق سبحانه وتعالى؟ فالخالق وإن كان موجود والمخلوق موجود، هل هناك نقاط اشتراك بينك وبين الخالق؟ هي نقاط اشتراك كلية وهو أن الخالق موجود وأنا موجود، لكن كون الخالق موجود وأنا موجود هل يعني أن وجود الخالق هو نفس وجودي؟ لا طبعا، وجود الخالق وجود يختص بذاته وجلاله وكماله خاص به، ووجودي أنا وجود يختص به كوني فقير ضعيف وفيه من الصفات.
وفرق إسلامية كثيرة ضلت فيها أحلام، يعني عقول والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم. ومن أحكم الأصلين المتقدمين في الصفات والخلق والامر: أن يميز بين المأمور المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما، يعني الأصل أنك تميز أن هناك إرادة كونية وهناك إرادة شرعية وهناك قضاء وقدر، في المقابل هناك أمر ونهي. وأنه ليس في مخلوقاته شيء، وأثبت للخالق سبحانه وتعالى الصفات التي توجب مباينة للمخلوقات، وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فهناك تباين تام بين ذات الله وذات المخلوق.
أثبت التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه كما نبه على ذلك في سورتي الإخلاص، سورتي الإخلاص اللي هم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن. اقرأ قال: إذ كان القرآن باعتبار معناه ثلاثة أثلاث؛ ثلث توحيد وثلث قصص وثلث أمر ونهي؛ لأن القرآن كلام الله، والكلام إما إنشاء وإما إخبار، والأخبار إما عن الخالق وإما عن المخلوق، أمر ونهي وإباحة. فـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها ثلث التوحيد الذي هو خبر عن الخالق.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن». وعدل الشيء وعدل الشيء بالفتح يكون ما سواه من غير جنسه، كما قال تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]. وذلك يقتضي أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر ما ومنحاس وغيرهما. قال: ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن ولا تغني عنه هذه السورة مطلقاً، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجاً إلى الأمر والنهي والقصص. نعم، وسورة ق، فكونها تعدل ثلث القرآن لا يعني الاستغناء بها عن باقي القرآن حتى لا يتوهم أحد ذلك. قال: وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع.
قال: وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العلمي الذي تدل عليه الأسماء وصفاته، وهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2]. وقد بسطنا الكلام عليها في غير هذا الموضع. وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها التوحيد القصدي العملي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تتكلم عن الربوبية والأسماء والصفات، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ تتكلم عن توحيد الألوهية توحيد القصد العملي.
وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره، وإن كان كلاهما يقر بأن الله رب كل شيء. ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه ممن عبد غيره وأشرك به أو نظر إلى القدر الشامل لكل شيء وسوى بين المؤمنين والكفار، كما كانوا يفعل المشركون العذر كثيراً في الصلوات ما يسن قراءة الكافرون والإخلاص في الركعات. صحيح يعني سنة الفجر يسن تقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، كذلك في ركعتي الطواف يسن تقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. لماذا يجمع بين هاتين السورتين؟ لان ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ توحيد ألوهية، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ توحيد ربوبية وأسماء وصفات، فتكون تكلمت عن كل التوحيد بقراءتك لهاتين السورتين.
ولهذا قال الله أنها... صلى أول هذا عفواً قال صلى الله عليه وسلم: «أنها براءة من الشرك» يعني سورة الكافرون من يقراها ويعمل بها فهي براءة من الشرك. وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها إثبات الذات وما لها من الأسماء والصفات اللي هو ربوبية والألوهية، الذي يتميز بثبته عن الرب الأسماء والصفات، الذي يتميز به مثبته الرب الخالق الأحد الصمد من المعطلين له بالحقيقة، وهم نفاة الأسماء والصفات المضاهئ هناه لفرعون وأمثاله ممن أظهروا تعطيل لا عن الصفات الجحود للإله المعبود، وإن كان في الباطن يقر به، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. وقال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: 102].
والله سبحانه بعث أنبيائه باثبات مفصل ونفي مجمل، وهذه من قواعد الأسماء والصفات أن النفي يكون مجمل، فالله لما ينفى عنه شيء نقول الله عز وجل ليس كمثله شيء، لكن في باب الإثبات يفصل الإثبات فتثبت له الأسماء الحسنى وصفات التفصيل، فأثبتوا له الأسماء الحسنى وصفات علا ونفوا عنه في الجملة مماثلة المخلوقات. ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة القضية، فأهل الكلام نفيهم تفصيلي وإثباته مجمل، فينفون عن الله لا مركب ولا أعضاء ولا أدوات، هيك بتلاقي كلامهم كله نفي نفي. طيب شو أثبت لله آخر شيء؟ طيب فهمنا شو الإثبات، فش إثبات حقيقي، أثبت ذات بدون صفات.
فإذا أرادوا إثباته قالوا الله هو وجود مطلق بشرط النفي، بشرط النفي يعني أن تنفي عنه الأدوات والآلات والأعضاء وو وبشرط الإطلاق، يعني وجود المطلق ليس مقيداً بأي شيء من الأمور، لا بصفة ولا باسم ولا ما شابه ذلك، وهذا عدم؛ لأنه فش ذات ما لها أي صفة ولا أي قيد، ما فيش هذا لا يوجد له أصلاً في عالم الوجود. وهم يقرون في منطقهم اليوناني أن المتكلمون هم اعتمدوا على اليونان، أن المطلق بشرط الإطلاق أي أي أي شيء مطلق لا صفة له بشكل من الأشكال هذا ليس له وجود في الحقيقة والواقع، بل هذا فقط وجوده في الأذهان.
لذلك لا إنسان مطلق بشرط الإطلاق، فش في إنسان بدون أي صفة، أقل صفة أنه موجود، يعني ما فيش انسان مالوش أي صفة ولا موجود مطلق بشرط، بخلاف المطلق لا بشرط الذي يطلق على هذا وهذا، وينقسم إلى هذا وهذا، فإن هذا يقال إنه في الخارج لكن لا يكون إلا معيناً مشخصاً. أو يقولون إن الوجود المشروط بنفي كل بنفي بنفي كل ثبوت عنه، فيكون مشاركاً لسائر الموجودات في مسمى الوجود متميزاً عنها بالعدم، وكل موجود متميز بأمر ثبوتي وكل وجود متميز بأمر ثبوتي، أي شيء موجود لابد هناك صفات ثابتة له، والوجود خير من العدم، فيكون أحقر الموجودات خير من هذا الذي ظنوه وجوداً واجباً ولم يعطوه أي صفة. يعني أحقر موجود صار في عنده هو أحسن في وجهة نظرهم، أو على الأقل في زاوية النظر بتاعت من الله لأن الله أصبح عدماً، هذا إذا أمكن أصلاً تحقيقه في الخارج.
فكيف هو ذلك ممتنع وهو وجود شيء لا وجود له بصفة من الصفات؟ لان الذي لأن المتميز بين الموجودين لا يكون عدماً محضاً، بل لا يكون إلا وجوداً. فهؤلاء الذين نعم قال: فهؤلاء الذين يدعون أنهم أفضل المتاخرين من الفلاسفة المشائين يقولون في وجود واجب الوجود ما يعلم بصريح المعقول الموافق لقوانينهم المنطقية أنه قول بامتناع الوجود الواجب، وأنه جمع بين النقيضين، وهذا في غاية الجهل والضلال.
وأما الرسل صلوات الله عليهم فطرائقتهم طريقة القرآن، قال سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]. والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم غفور رحيم سميع بصير عظيم، خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، كلم موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً، يرضى عن المؤمنين ويغضب على الكافرين، إلى أمثال ذلك من الأسماء والصفات.
ويقول النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22]. فنفى بذلك أن تكون صفاته كصفات المخلوقين ولا في شيء من صفاته ولا ولا أفعاله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
فالمؤمن يؤمن بالله وما له من الأسماء الحسنى ويدعوه بها، ويجتنب الإلحاد في أسماءه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: 180] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: 40]. وهو يدعو الله وحده ويعبده وحده لا يشرك بعبادة ربه أحداً، ويجتنب طريق المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَكِنْ تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 56-57].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 22-23]. وهذه جمل لها تفاصيل ونكت تشير إلى خطب جليل، فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والايمان وليتخذ الله هادياً ونصيراً وحاكماً وولياً، فانه نعم المولى ونعم النصير، وكفى بربك هادياً ونصيراً.
وإن أحب وإن أحب دعا بالدعاء الذي رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهاده انت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
وياتي بهذا الدعاء في الختام، أنه يعرف أن هذه المسائل التي بحثها وناظر فيها هناك من يخالفه فيها من أهل البدع ومن أهل الأهواء، فياتيه العامة أو المسلم يقول: والله يا ابن تيمية كلامك أنت الصح ولا كلام غيرك. يعني بعد قراءتنا لكل هذه الكتاب والتاصيل والتقعيد سيخرج شخص يقول: لماذا يعني ابن تيمية هو الصح ولا غيره؟ فيقول لك ابن تيمية: إذا اختلطت عليك الأمور وما تيقنت من صحة كلامه فادع الله عز وجل بهذا الدعاء: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، سل الله أن يهديك.
وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وأن يعيننا على تحقيق التوحيد الخالص والتمسك به حتى نلقاه، أنه ولي ذلك والقادر عليه. وجزاكم الله خيراً على هذا الصبر وعلى احتمال هذه المجالس حتى انهينا من قراءة هذا السفر المبارك الطيب.
ودائماً أيها الشباب كتب ابن تيمية تحتاج إلى إعادة تلخيص الأفكار. الكتاب يعني تكلم عن أعياد المشركين، تكلم عن الأعياد المبتدعة.
تكلم عن مفهوم البدعة، وتكلم حتى عن قبور المشركين، وما الأحكام المتعلقة بزيارة القبور والأحكام المتعلقة بها، وتكلم عن مسائل التوسل. اليوم كان في استفاضة في الكلام في مسائل التوسل؛ فهذا الكتاب مثل وكل كتب ابن تيمية لأنها كتب رسائل، يعني رسائل سريعة وردود، يحسم طالب العلم أن يعيد ترتيب الأفكار التي أخذها بالكتاب حتى يستفيد منها في المستقبل في عطائه.
أولاً، يمكن تضع في الصفحة الأولى من الكتاب أو حتى على مغلف الكتاب: ما هي الأفكار التي عالجها ابن تيمية في هذا الكتاب؟ إنك ستجد أكيد أفكاراً كثيرة في أبواب شتى يقوم ابن تيمية بمعالجتها، حتى إذا في المستقبل أردت أن تعود تراجع شيئاً في هذه المسألة؛ في التوسل، في مفهوم البدعة وتحريرها، في قواعد الابتداع، في مفهوم أعياد المشركين، في مفهوم مشابهة المشركين التي هي القاعدة.
أن تكون عارفاً أن هذا الكتاب تكلم عن هذا وعن هذا في هذه الصفحات وبهذه الآلية، وتكون أنت على الأقل أيضاً لخصت الكلام الذي ذكرناه أثناء التعليق، يعني لخصته بلغة عصرية حتى تستطيع أن تفهم؛ لأنك الآن أنت استوعبت، لكن بعد سنة أو سنتين لما ترجع للكتاب تجد أنك نسيت كثيراً من الكلام الذي قلته لك أثناء الدرس، فتجد مشكلة وصعوبة، كان بإمكانك اختصارها أنه بعد الانتهاء من الكتاب مباشرة يكون هناك تلخيص جاهز لأبرز الأفكار التي تم تداولها.
خاصة مثل هذه الكتب، يعني كتب عميقة جداً وفيها الكثير من الأفكار، ليست كتباً سطحية أو كتباً ثقافية عامة يكتفي الواحد بالقراءة الأولى لها، هذه كتب عميقة تحريرية لمسائل عويصة بين الفرق الإسلامية؛ ابن تيمية يحررها لك بهذا التحرير ويحشد الأدلة من الكتاب، من السنة، من المعقول، من الآثار، ويجيب عن الشبهات.
فضلاً إن الطالب يستفيد أيضاً أن يفهم طرق الحجاج والمجادلة والنظر، وكيف يشابه ويفكك والتحليل للمسائل؛ هذا كله مما يفتح الله عز وجل به على عبده. جزا الله ابن تيمية عنا خير الجزاء، ونسأل الله أن يغفر له وأن يتجاوز عنه، وأن يجعلنا ممن يتمسكون بمنهج السلف الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل