دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى | المجلس 01

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وأن تطيعوه تهتدوا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله. الحمد لله الذي لو أن السماوات والأرضين اجتمعنا على إحصاء ثنائه لعجزت، ولو أن بحار الدنيا مدت مدادا لكتابه محامده لنفدت، سبحانه تجلى لعباده بجمال أسمائه فأنار بصائرهم، وتعرف إليهم بأنوار جلاله فأسير قلوبهم.

والصلاة والسلام على من أشرق به الوجود وانقشعت به الظلمات المبعوث رحمة وهداية، وأدل الخلق على الخالق سيدنا محمد وعلى آله وصحبه نجوم الهدى ومصابيح الدجى.

أما بعد؛ فإن الموقف أمام هذه الوجوه الكريمة موقف الخجل المطرق والحياء الذي يعقد اللسان قبل أن يطلقه، إذ يرى أقواما قد تركوا مشاغل دنياهم، وطووا صحائف أعمالهم، واقتطعوا من أعمارهم هذه الساعة النفيسة ليجلسوا مجلسا يذكر فيه اسم الله.

وإني لأعلم علم اليقين وأشهد الله على ما في قلبي، أنكم ما جئتم لحسن بيان عندي، ولا لفضل علم اختص به دونكم، وما أنا إلا كساعي بريد يحمل رسالة ليست له ويوصلها بأمانة لمن كتبت إليهم.

وما هذا الحضور الكريم وهذا النشر الذي غمرتم به هذا الدرس، إلا لشيء واحد لا شريك له، وهو أن القلوب مجبولة على محبة خالقها ظمأ إلى سماع أسمائه سبحانه وتعالى، تهفو إلى من يذكرها برَبّها، فأنتم إنما أتيتم لله، واجتمعتم لله، وحضرتم لتسمعوا عن الله لا عن المتحدث إليكم، فطوبى لمن ساقته محبة الله إلى هذا المجلس، ويا خجلة من يتحدث إليكم وهو يعلم من نفسه ما ستره الله عنكم.

فجزاكم الله عن سعيكم هذا خير ما يجزي به السائرين إليه، وجعل خطواتكم هذه في ميزان من طلب الهدى فاهتدى. ثم إني أعيد أسماعكم أن تظنوا هذه الكلمات التي ألقيها بين أيديكم اليوم، وإن كان ظاهرها سلس القياد، قريب المأخذ، داني القطاف، أعيدكم أن تظنوا أنها وليدة ارتجال في القول أو ارسال للكلام على عواهنه.

بل هي، والله يعلم، نتاج بحث علمي دقيق وتنقيب في متون الكتب وحواشيها، صيغت أول أمرها بعين الباحث العلمي المدقق الذي لا يقبل حرفا دونه، ثم أعيدت صياغتها أدبيا لتلائم رقة المقام وحاجة القلوب، فما كان من إجلال الله وتعظيم عظيم أسمائه أن أنزل الحديث عنه سبحانه منازل الارتجال، أو أعرضه لهفوات الخاطر وزلات اللسان.

فالحديث عن الله سبحانه وتعالى أعظم من أن يساق إلا على جادة التحقيق والتثبت، ثم يكسى بعد ذلك حلل البيان، فهي مأمونة إن شاء الله، فافتحوا لها قلوبكم.

وبعد هذا، فإن المرء لا يطيل النظر في وجوه الناس اليوم في هذا العصر الذي تكدست فيه الآلات وتزاحمت فيه الأسباب، فلا ترى إلا أرواحا ظمأى في صحراء المادة، وقلوبا تلهث وراء سراب لا يروي، وعيونا حائرة تبحث في زحام الأرض عن شيء من سماء الطمأنينة. لقد بنى الإنسان مدنا من الحديد والأسمنت ولكنه نسي أن يبني في صدره محرابا يأوي إليه إذا عصفت به رياح الأيام.

تأملوا معي تلك الأم التي تتقلب على جمر القلق، تبيت ليلها تحرس أبناءها بنظراتها من فتن تموج كموج البحر. وتلك الفتاة التي تجلس في غرفتها وحيدة تسمع دقات الساعة وكأنها مطارق تضرب قلبها خوفا من قطار عمر يمضي.

وذلك الشاب الذي يحمل أوراقه وكتبه وقد أثقلت هموم الغد كاهله حتى كاد ينوء بها، وذلك الرجل الذي يخرج في طلب رزقه وعينه معلقه بخيط رفيع يخشى أن ينقطع.

كل هؤلاء وكلنا معهم إنما نحن أيتام في مأدبة اللئام ما لم نعرف الركن الشديد الذي نأوي إليه، والباب المفتوح الذي لا يغلق. وهنا يبرز السؤال الذي يهز الوجدان هزّا: كيف نأنس بمن لا نعرفه؟ وكيف نهيم حبا بمن نجهل كماله وجماله؟ وكيف نسلم قياد أرواحنا لتدبير من لا ندرك سعة علمه وعظيم حكمته؟ إن القلب البشري خلق ليملأ بمعرفة الله، فاذا خلى منها صار كالبيت الخرب تعوي فيه رياح الوحشة والضياع.

إن المعرفة بأسماء الله الحسنى ليست سطورا تقرأ ولا ألفاظا تردد على المسبحة وكفى، بل هي الفقه الأكبر وهي صياغة إلهية للإنسان من الداخل، هي أن تقرا اسم الله الرحيم فتتلاشى أحزانك، وتقرأ اسمه الجبار فتنجبر كسورك.

وقد صاغ الإمام ابن القيم رحمه الله هذه الحقيقة صياغة دقيقة جميلة وهي صياغة من ذاق فعرف فقال: لا سعادة للعباد ولا صلاح لهم ولا نعيم إلا بأن يعرفوا ربهم، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتعرف إليه قرة عيونهم، ومتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام. انتهى كلامه رحمه الله.

ويكفيك دليلا على عظمه معرفة الله أن القرآن الكريم الذي هو كلام الله المعجز جعل أعظم سورة على الإطلاق سورة الفاتحة، وما سر عظمتها إلا أنها تدور في محورها كله حول الله؛ ثناء عليه، وتعرفا باسمائه وصفاته، وتذللا بين يديه.

وجعل أعظم آية في كتابه آية الكرسي، وما سر عظمتها إلا أنها تصف الله باعظم صفات الكمال والجلال من الحياة المطلقة والقيومية الشاملة والسعة التي وسع كرسيه السماوات والأرض.

وجعل أعظم سورة أجرا سورة الإخلاص، وما سر هذا الأجر العظيم إلا أنها حين كانت تعدل ثلث القرآن لأنها خالصة للحديث عن الله وحده، تصفه بالأحدية المطلقة والصمدية التي يفتقر إليها كل شيء، فكان الله سبحانه يعلمنا بهذا الترتيب الإلهي البديع أن الحديث عنه هو أعظم الحديث، وأن معرفته هي أشرف المعارف، وأن الاشتغال باسمائه وصفاته هو أجل ما يشغل به العقل والقلب.

ومن هنا كان لزاما علينا أن نقف طويلا أمام هذا السؤال العظيم: لماذا نستهدي بأسماء الله الحسنى؟ لنجيب عنه خلال هذه الدروس بإذن الله سبحانه وتعالى من خلال ثلاثة مقاصد كبرى، كل مقصد ستخرج منه وتُنبت ثمرات يانعة تلامس واقعنا وتنساب في أرواحنا انسياب الماء الزلال في العود الظمآن.

المقصد الأول: إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى. هذا المقصد الأول من مقاصد الدرس لماذا نستهدي بأسماء الله سبحانه وتعالى؟ والمقصد الثاني: إقامة علاقة أخلاقية مع الناس. والمقصد الثالث: إقامة علاقة حقيقية مع النفس.

وكل اسم من أسماء الله الحسنى، كل زمرة من أسمائه سنتناولها من طريق هذه الثلاث مقاصد، سنتكلم أن هذا الاسم كيف يحقق علاقة عميقة مع الله؟ وكيف يحقق علاقة أخلاقية مع الناس؟ وكيف يحقق علاقة حقيقية مع النفس؟ كل اسم من أسماء الله سنتناوله أوله من هذه الثلاث مقاصد، وستكون طريقة الدروس بإذن الله سبحانه وتعالى شبه موحدة حتى نسير على منهاج واضح ولا يكون هناك مجال لأي ارتجال أو تفاوت في الدروس.

أما مقصدنا الأول وهو إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، فلننظور إلى الغاية التي من أجلها خلقت الأرض ورفعت السماء، وهي أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، وما كانت العبادة يوما حركات جوفاء خالية من أي روح. فالعلم بأسماء الله سبحانه وتعالى شمس البصائر، وشرف العلم إنما يستمد من شرف معلومه، ولا معلوم في الوجود أشرف ولا أعظم من الله سبحانه وتعالى جل جلاله.

الثمرة الأولى في إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، وهو إجابة عن سؤال لماذا نستهدي بأسماء الله الحسنى؟ الثمرة الأولى التي ستتحقق في إقامتنا لعلاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى عن طريق الأسماء والصفات، الثمرة الأولى هي: اليقين والتوكل عند نزول الخطوب.

ألسنا نرى ما يمج به العالم من زلازل الحروب، وعواصف الأزمات، وطوارق الأمراض التي تخطف الأرواح بغتة؟ انظروا إلى تلك الأم التي تسمع الأخبار فترتعد فرائصها خوفا على فلذات أكبادها، أو ذلك الموظف الذي يقف على شفا تسريح من عمله في أي لحظة.

هؤلاء وكل من أحاطت به الخطوب وأطبقت عليه الكروب لا يجدون عاصما من أمر الله إلا حين نستهدي جميعا باسم الله الحفيظ والوكيل والقوي والمتين. ففي تلك اللحظة التي تتجلى فيها حقيقة أن نواصي الخلق بيد الله سبحانه وتعالى وفي قبضته، وأن مسبب الأسباب قادر على أن يسلب الأشياء بكلمة كن ويسلبها طبائعها بكلمة كن، يتنزل على القلب برد اليقين حينها، ويطرأ على البال وعلى الروح وعلى الخاطر سكون لا تزعزعه عواصف الأرض.

الثمرة الثانية في إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى عن طريق الأسماء والصفات: محبة الله سبحانه وتعالى والشوق للقائه. لنتأمل حال ذلك الشاب الذي تستهويه مباهج الدنيا وتطوح به في أودية الغفلة، أو تلك الفتاة التي تتسول الحب في سراب العلاقات الزائفة فتخرج منها ظمأى مكسورة.

وتخيل كيف ينقلب حالهم حين تشرق في قلوبهم أنوار أسماء الجمال؟ فحين يستهدي العبد بسم الله الودود، وببسم الله الرحيم، وببسم الله اللطيف، وببسم الله الكريم، يفيض قلبه بمحبه علوية تطيش معها كل محبة أرضية، إذ كيف لا يهيم القلب حبا بمن يتودد إليه سبحانه؟ يتودد إليه بالنعم وهو الغني عنه، وكيف لا يشتاق للقاء من سبقت رحمته غضبه ومن لطف به في الخفاء والعلن؟

الثمرة الثالثة: الخشية والمراقبة في الخلوات. راقب الطالب الذي تراه في قاعة الامتحان حين تغفل عنه عين المراقب البشري، أو الشاب في عتمة الليل في غرفته منفردا أمام شاشته حيث لا يراه أحد، ما الذي يعصم زلته ويمسك بزمام نفسه؟ إنه الاستهداء بأسماء الإحاطة المطلقة.

فحين يستحضر العبد أن ربه هو العليم، وأن ربه هو الخبير، وأن ربه هو الرقيب، وأن ربه هو الشهيد، وأن ربه هو البصير، ويوقن أن الله يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، وأنه سبحانه مطلع على خفاء الصدور ووساوس النفوس، تنبت في قلبه شجرة الخشية وتثمر مراقبة لا تنفك عنه في خلوة ولا جلوة.

الثمرة الرابعة: الرضا والتسليم لأقدار الله. كم تعتصر الغصة قلب الفتاة التي تأخر بها قطار الزواج حين ترى قريناتها وقد مضرب الحياة؟ وكم يتلوع من ابتلي بمرض عضال استعصى على أطباء الأرض؟

لكن هذا الأنين المكتوم يتبدد حين يتعرف العبد على اسم الله الحكيم، واسم الله الخبير، واسم الله الرحيم. فالمؤمن الذي يستضيء بهذه الأسماء يعلم علم اليقين أن ربه لا يقضي قضاء إلا لحكمه بالغة قد تقصر عنها العقول، وأن منعه في حقيقته عين العطاء وابتلاءه هو سلم الرفعة.

المقصد الثاني: بعد أن تكلمن في المقصد الأول عن كيف أن أسماء الله الحسنى تصنع علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، سننتقل إلى المقصد الثاني وهو أن أسماء الله الحسنى ستقيم علاقة أخلاقية مع الناس. معرفة أسماء الله الحسنى والعيش معها والاتهداء بها من مقاصده إقامة علاقة أخلاقية مع الناس.

إن الاستهداء بأسماء الله الحسنى ليس محرابا يعزل فيه العبد عن الناس بل هو نور يمتد أفقه ليضبط موازين المعامله مع الخلق، فالمؤمن الحق هو من يقتبس من معاني الأسماء الحسنى ما يليق ببشريته ليكون رحمة تمشي على الأرض.

الثمرة الأولى المتعلقة بعلاقة البشر مع بعضهم: التراحم والرفق بالخلق. ألسنا نرى ما طرا على القلوب من قسوة وما اعترى معاملاتنا من غلظة وجفاء؟ انظروا إلى ذلك المدير الذي يتعسف في سلطته ويجلد موظفيه بسياط قراراته، أو لننظر إلى الزوج الذي يجعل من بيته سجنا يقسو فيه على أهله.

هؤلاء كلهم لو أشرقت قلوبهم بمعرفه اسم الله الرحمن، ومعرفة اسم الله الرحيم، ومعرفة اسم الله الرؤوف، ومعرفة اسم الله الرفيق، لنضحت جوارحهم بالندى ولفاضت ألسنتهم بالرفق.

الثمرة الثانية المتعلقة بأسماء الله الحسنى وأثرها في إقامة علاقة أخلاقية مع الناس: العفو والتسامح. كم من خصومات قطعت أرحاما كانت موصولة وكم من عداوات فرقت أصدقاء لأتفه الأسباب فباتت النفوس تحمل أثقال الضغائن سنين طوالا.

لكن العبد حين يقف أمام أسماء الله العفو، واسم الله الغفور، واسم الله الحليم، ويتأمل في صحيفة عمره المليئة بالزلات، وكيف أن الله يسبل عليه ستره ويعفو عنه ويحلم عليه، فانه يستحيي من نفسه أن يبخل بعفوه الضعيف على خلق الله، وبذا ينتشر العفو وتنتشر السماحة بين الخلق بفضل الاستهداء بأسماء الله الحسنى.

الثمرة الثالثة من آثار أسماء الله الحسنى في إقامة علاقة أخلاقية مع الناس: الكرم والجود وبذل الندى. في زمن طغى فيه الشح وصار المرء يحسب كل قطرة ينفقها خوفا من جفاف ينبوعه، يبرز أثر الاستهداء بأسماء الله الكريم، واسم الله الجواد، واسم الله الوهاب، واسم الله الرزاق.

فالمؤمن الذي يعيش في ظلال هذه الأسماء يوقن أن خزائن السماوات والأرض بيد ربه وأن ما يبذله من يمينه يخلفه الله عليه أضعافا مضاعفة.

الثمرة الرابعة في مسألة العلاقة الأخلاقية مع الناس وأثر الاستهداء بأسماء الله الحسنى فيها: العدل والإنصاف. في هذا الواقع، خاصة في وسائل التواصل، نشهد تطفيف الموازين، ونشهد أيضا في الحياة الواقعية هضم حقوق الضعفاء والميل مع الهوى في الأحكام والشهادات.

هنا يأتي أثر الإيمان والاستهداء باسم الله العدل، وبسم الله المقسط، وبسم الله الديان، ليكون ميزان القسط الذي لا يميل. فمن علم واستهدى بأنه موقوف يوما بين يدي الديان ليحاسب على مثاقيل الذر، فانه يقيم العدل في أقواله وأفعاله ويخشى كل الخشية أن ينام وهو ظالم لإخوانه.

المقصد الثالث: هذا المحور الثالث قلنا إن أسماء الله الحسنى تؤثر في علاقة الإنسان مع ربه وتكلمنا عن ثمراتها، وتؤثر في علاقة الإنسان مع الناس وتكلمنا عن ثمراتها، المقصد الثالث: إقامة علاقة حقيقية مع النفس.

الآن لنرى كيف للاستهداء بأسماء الله الحسنى أن تؤثر في إقامة علاقة حقيقية مع النفس؟ معرفة الله أيها الأخوة والأخوات هي مرآة الروح التي تبصر فيها النفس حقيقتها. فمن عرف ربه بالكمال المطلق والجلال المحيط عرف نفسه بالنقص والافتقار، وهذا هو حجر الزاوية في تزكية النفس وتربيتها.

لننظر إلى بعض الثمرات المتعلقة بهذا المقصد، الثمرات المتعلقة بأثر أسماء الله الحسنى والاستهداء بها في صناعة وإقامة علاقة حقيقية مع النفس، الثمرة الأولى: الطمانينة وترك الهلع والجزع. ألسنا نعيش في عصر صار فيه القلق وباء لا

فكاك منه، تتسلل هذه الأدواء إلى الأرواح التي صارت مسيطرة على أرواحنا أجمعين؛ صرنا مكبلين. انظروا إلى ذلك الذي يقلب هاتفه كل دقيقة وهو قلق من شيء مجهول، لا يعرف ما هو، أو تلك الفتاة التي تعذبها الأفكار السوداء في الأسحار دون أن تدرك خطراً حقيقياً. لكن الاستهداء بأسماء الله الحي، واسم الله القيوم، واسم الله الملك، واسم الله المهيمن ينزل على الروح سكينة تجعلها تطير فوق أعاصير القلق، موقنة أن من يملك الكون لا ينساها.

الثمرة الثانية: التواضع والانكسار بين يدي الله. حين يغتر الإنسان بما أوتي من علم قليل، أو مال زائل، أو منصب مؤقت متغير، فتراه يشمخ بأنفه ويتكبر محتقراً من دونه، فانه لا دواء لعلته إلا أن يعرض على أسماء العظمة والجلال؛ فيستهدي باسم الله الكبير، ويستهدي باسم الله المتعال، ويستهدي باسم الله العظيم، ويستهدي باسم الله المتكبر. يبصر العبد ضالته أمام عظمة الخالق، فيتلاشى كبرياؤه الكاذب وينكسر قلبه لعظمة ربه.

الثمرة الثالثة: علو الهمة والترفع عن الدنايا. في زمن كثر فيه الغوص في مستنقعات التفاهة، والانشغال بسفاسف الأمور التي تروج وصارت منتشرة في أسواق الوهم، يأتي التعلق باسم الله العلي وبسم الله الأعلى لينتشل النفوس من وحلها. فمن عرف العلي الأعلى واستهدى به، حلقت همته في سماء المعالي وترفعت روحه عن دنايا الأخلاق وسفاسفها.

الثمرة الرابعة والأخيرة المتعلقة بأثر أسماء الله الحسنى في إقامة علاقة حقيقية مع النفس: الأمل وعدم اليأس من التوبة. كم تصلني من رسائل عنوانها الرئيس هو اليأس من إسراف الإنسان على نفسه، أو يأسه من تغيير عادة، أو تغيير واقع، أو ما يكون من أسباب الشكوى التي لا تخفى عليكم. هذا الشيطان صور القنوط وكأن أبواب السماء قد أغلاقت، فتجد هذا الإنسان يستسلم لياسه.

لكن فجر الأمل يشرق من جديد حين يستهدي الإنسان باسم الله التواب، وبسم الله الغفار، وبسم الله الستير. فالاستهداء بهذه الأسماء ينادي المذنبين -وكلنا منهم- للعودة إلى ربهم مهما عظمت ذنوبهم وبلغت عنان السماء.

سنتكلم الآن في بعض مراتب الاستهداء باسماء الله الحسنى. فالإنسان حتى يصل إلى ما يريده من الاستهداء بأسماء الله الحسنى، ولن يصل إلى الرتب العالية وثبة واحدة، هي أشبه بالدرجات التي يرتقيها درجة درجة ومقامات يطويها السالك منزلة منزلة؛ حتى تشرق في قلبه أنوار اليقين ويبلغ منتهى المعرفة البشرية. هذه المراتب أربع.

المرتبه الأولى وهي أدناها -ولا يستوي من طفى على السطح بمن غاص في اللجج-: المرتبة الأولى حفظها وإحصاؤها. حفظ أسماء الله وإحصاؤها، هذه الرتبه الأولى وهي العتبة الأولى التي يقف عليها السالك؛ أن يجمع شتات قلبه على حفظ هذه الأسماء وإحصائها، ليكون صدره خزانة لأسماء ربه ولسانه رطباً بذكرها. وقد وعد الصادق المصدوق صلى الله عليه واله وسلم من أحصاها بالجنة، والإحصاء تحققه هذه الرتب الأربع.

المرتبة الثانية: معرفة مدلولاتها وفقه معانيها. فلا خير في قراءة لا تجاوز التراقي، ولا في حفظ لا يلامس شغاف القلب. إنما الفقه الأكبر العظيم المؤثر أن تعرف ماذا يعني أن ربك هو الجبار، وما الفرق بين الرحمن الرحيم، وكيف يكون الأول والآخر؟

المرتبة الثالثة: شهود أثرها في الكون والحياة. شهود أثر الأسماء والصفات في الكون والحياة، وهذه مرتبة أهل البصائر الذين إذا نظروا إلى الكون لم يروه صماً -يتلقف هذه الهدايات بصمم- ولم يروه بعمى، بل يرون هذا الكون مسرحاً لتجليات أسماء الله الحسنى. فإذا رأوا مريضاً يشفى، شهدوا أثر اسم الله الشافي. وإذا رأوا طاغية يقصم، شهدوا أثر اسم الله القهار. هكذا يعيشون في كل حياتهم، في كل موقف يمر أمامهم يشهدون أسماء الله وأثرها في الكون والحياة.

المرتبة الرابعة: دعاء الله بها -أي بأسماء الله الحسنى- وسؤاله بمقتضاها. وهذه ذروة السنام، أعلى المراتب وثمره المعرفة؛ أن ترفع يديك بالدعاء متوسلاً بالاسم الذي يوافق حاجتك. الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لما أتى إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، قال: يطلب بكل اسم ما يليق به؛ تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني. هكذا، إنه من ثمرات معرفة أسماء الله: فادعوه بها؛ أي أن يدعى لكل حاجة بالاسم الموافق لها.

سأتكلم بحكم أنه الدرس الأول، ودرس لن يطول -وعادة كل الدروس لن تصول إن شاء الله- سأتكلم عن منهج هذه السلسلة. أريد أن أذكرها مرة واحدة ثم نسير مطبقين؛ يعني حتى يكون سيرنا في معرفة أسماء الله الحسنى والاستهداء بها سيراً منهجياً معتدلاً لا يخضع لمزاج ولا لتفاوتات وتقلبات، بل إني أريد ألا نتوقف إلى حدود التنظير، بل أريد أن ننفذ إلى صميم العمل.

قسمت الأسماء الحسنى العظيمة إلى عشرين درساً، بحيث يكون كل درس مخصصاً لزمره من الأسماء التي تشترك في المعاني. أردت أن أعلّق على هذه الأسماء بحسب حال العبد الذي يفتقر فيه إلى تلك الأسماء.

الدرس الأول: استهداء الموحدين، وسنتكلم فيها عن اسم الله، والرب، الواحد، الأحد، والوتر.

الدرس الثاني: استهداء المحاطين بالعظمة، سنستهدي باسم الله الأول، واسم الله الآخر، واسم الله الظاهر، واسم الله الباطن.

الدرس الثالث: استهداء الحامدين الشاكرين، وسنستهدي باسم الله الحميد، واسم الله الجميل، واسم الله الطيب، واسم الله الشاكر، واسم الله الشكور، واسم الله المجيد.

الدرس الرابع: سنتكلم باستهداء المعظمين المنزهين، وسنستهدي باسم الله السبوح، القدوس، السلام، المتكبر، الكبير، العظيم، وما يدور في هذه الاشتقاقات ومعانيها.

سنتكلم في الدرس الخامس: استهداء الرافعين أبصارهم إلى الأعلى، سنتكلم عن اسم الله العلي، الأعلى، المتعال.

في الدرس السادس: استهداء الموقنين بالحياة والكمال، وسيكون معنا اسم الله الحي، القيوم، السميع، البصير.

وفي الدرس السابع: سنتكلم عن استهداء المتحيرين الباحثين عن الحكمة، وسيكون عن اسم الله العليم، الخبير، الحكيم.

في الدرس الثامن: سنتكلم عن استهداء المتعبين الباحثين عن اللطف، وسيكون عن اسم الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الرفيق.

وفي الدرس التاسع: سيكون عن استهداء المستضعفين والمكسورين، وسيكون محور حديثنا اسم الله القوي، المتين، العزيز، القادر، القدير، المقتدر، الجبار.

وفي الدرس العاشر: سنتكلم عن استهداء المفتقرين إلى الغنى، وسيكون معنا اسم الله الغني، الواسع، الملك، المليك.

وسيكون معنا في الدرس الحادي عشر: استهداء المؤملين في الكرم والعطاء، وسيكون مع اسم الله الكريم، الأكرم، الجواد، البر، المعطي، الوهاب، المنان.

وفي الدرس الثاني عشر: سيكون استهداء المتفكرين في بديع الصنع، وسيكون مع اسم الله الخالق، الخلاق، البارئ، المصور، وسنتعرض لأسماء الله الحسنى بحسب ما نثبته بعد البحث.

وفي الدرس الثالث عشر: سيكون استهداء الخائفين طلباً للحفظ والأمان، وسيكون باسم الله الحفيظ، المهيمن، المؤمن، الوكيل.

وفي الدرس الرابع عشر: سيكون استهداء الساعين في مناكب الأرض، وسيكون اسم الله الرزاق، المقيت، القابض، الباسط.

والدرس الخامس عشر: سيكون استهداء التائهين بحثاً عن النور، وهذا فيه اسم الله الحق، المبين، الحكم، الفتاح.

وفي الدرس السادس عشر: سيكون استهداء المحاسبين أنفسهم، وسيكون حول اسم الله الرقيب، الشهيد.

وفي الدرس السابع عشر: سيكون استهداء المحبين المتعلقين، باسم الله الودود، الولي، المولى، الحسيب.

وفي الدرس الثامن عشر: سيكون استهداء الداعين الملجئين، باسم الله السيد، الصمد، القريب، المجيب، النصير.

وفي الدرس التاسع عشر: سيكون عندنا استهداء التائبين النادمين، وسيكون معنا اسم الله العفو، الغفور، الغفار، التواب، الحليم، الحيي.

وفي الدرس الأخير: سيكون استهداء المسلمين للأقدار، وسيكون معنا اسم الله القاهر، القهار، المقدم، المؤخر.

أما عهد الأسبوع، حتى لا يكون مجلسنا هذا صيحة في واد أو ومضة تبرق ثم تنطفئ، فإننا سنعقد في كل درس عهد الأسبوع؛ وهو تطبيق عملي يسير نأخذ به أنفسنا حتى نلتقي في الدرس القادم ليكون حجة لنا لا علينا.

العهد لهذا الدرس: أن نعيش هذا الأسبوع مع اسم الله اللطيف. فنحصي في كل يوم موقفا، أو موقفين، أو ثلاثة، أو أربعة تجلى فيهما لطف الله بنا في خفاء. كيف؟ اجعل لنفسك مذكرة صغيرة أو صفحة في هاتفك مثلاً، وسجل فيها يومياً كل تدبير خفي ساقه الله إليك، خاطر صرفه الله عنك مثلاً في اللحظة الأخيرة، أو خاطر ألقاه في قلبك فأنقذك من زلة، أو باب رزق فتح لك من حيث لا تحتسب. سجل هذه المواقف واكتب بجوارها: لطف الله بي في هذا اليوم.

الهدف -كما لا يخفى عليكم- أن تتدرب عين القلب على التقاط رسائل اللطف الإلهي المخفية في تفاصيل الحياة، فنذوق أجمعين حلاوة الاستهداء العملي بأسماء الله الحسنى، وتمتلئ أرواحنا باليقين أننا لسنا متروكين، بل نحن في عناية اللطيف الخبير.

وسيكون في البداية مواقف اللطف ستكون قليلة، لكن حينما تتدرب أرواحنا على التقاط المواقف الخفية في اللطف سنربطها مباشرة باسم الله اللطيف، وستكون معنا أرشيف متراكم من الاستهداء باسم الله اللطيف في هذا الأسبوع بإذن الله سبحانه وتعالى. وكلما أكثرنا ولاحظنا فنحن نشهد أسماء الله الحسنى في مواقف حياتنا، وهذا عين الاستهداء، فنحن لا نريد المعرفة النظرية فقط، وإنما نريد أن نحولها إلى واقع استهدائي في حياتنا.

أما وقد وصلنا للختام، فنرفع أيدينا ونقول: إلهنا وخالقنا ومولانا، يا من أشرقت لأسماؤه السماوات والأرض، وسبحت بحمده الأملاك والافلاك، وعنت لعظمته الوجوه، وخشعت لجلاله الأصوات، نسألك بأسمائك الحسنى وبصفاتك العليا وباسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت.

اللهم يا رحمن يا رحيم، أنزل على قلوبنا المتعبة من سحائب رحمتك ما يغسل أحزانها، ويطفئ لواعجها، ويجبر كسورها. اللهم يا لطيف يا خبير، الطف بنا في هذه الحياة، وخذ بأيدينا إذا تعثرت الخطى، ونور بصائرنا إذا ادلهمت الخطوب، واجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.

اللهم يا قوي يا متين، اجبر ضعفنا، وقوي عزائمنا، واربط على قلوبنا إذا تزلزلت، وثبت أقدامنا إذا زلت، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك. اللهم يا ودود يا ولي، ازرع في صميم قلوبنا محبتك، ومحبة من يحبك، ومحبة كل عمل يقربنا إلى حبك، حتى لا يكون شيء في الدنيا أحب إلينا منك، ولا أرجى عندنا من لقائك.

اللهم يا فتاح يا عليم، افتح لنا مغاليق العلوم، ويسر لنا مدارج الفهوم، واجعل أسماءك الحسنى ربيعاً لقلوبنا، ونوراً لصدورنا، وجلاء لأحزاننا، وذهاباً لهمومنا وغمومنا. اللهم يا تواب يا غفور، اغفر ذنوبنا، اغفر ذنوبنا، اغفر ذنوبنا، واغفر ذنوباً حالت بيننا وبين أنوار معرفتك، وامح خطايا حجبتنا عن أنس مناجاتك، وتب علينا توبة نصوحاً لا ننتكس بعدها أبداً.

اللهم يا سلام، اللهم يا مؤمن، أنزل السكينة في بيوتنا، والطمأنينة في أرواحنا، والبركة في أعمارنا، والأمن في بلداننا. اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، واصرفها إلى طاعتك، واجعلنا من السائرين إليك بقوة اليقين وصدق التوكل وحراره الشوق حتى نلقاك وأنت راض عنا غير خزايا ولا مفتونين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54].