دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 02 | استهداء الموحدين

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تعرف إلى عباده بأسمائه الحسنى، وتحبب إليهم بصفاته العلى، فأشرقت بنور معرفته القلوب، واطمأنت بذكره النفوس.

الحمد لله الذي لم يتركنا في ظلمات الجهل به، بل فتح لنا أبواب العلم به لنعبده على بصيرة ونحبه على يقين. والصلاة والسلام على إمام الموحدين وسيد العارفين بربه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، أيها الكرام والكريمات؛ اليوم بإذن الله سبحانه وتعالى سيكون عنوان درسنا: استهداء الموحدين، وسنتحدث فيه عن أسماء الله الحسنى: الله، والرب، والأحد، والوتر.

حين يدرك القلب معنى التوحيد، لو سألنا أنفسنا: ما الذي يجعل حياة المؤمن مختلفة عن حياة غيره؟ ليس الجواب في كثرة العبادات وحدها، ولا في التزام الشعائر فحسب، بل الجواب الحقيقي يكمن في شيء أععمق من ذلك كله، في معرفة الله سبحانه وتعالى، وأن يعيش القلب على ضوء هذه الأسماء والصفات.

التوحيد عندنا معاشر المسلمين ليس مجرد كلمة تقال، ولا قضية عقلية تدرس ثم تنسى؛ التوحيد هو عيش القلب حقيقة أن الله سبحانه وتعالى وحده هو المعبود، وأنه وحده هو الرب، وأنه وحده الإله الحق، وأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. هذه الحقيقة حين تستقر في القلب تغير كل شيء؛ تغير كيف ننظر إلى الحياة، وكيف نتعامل مع الناس، وكيف نفهم أنفسنا. يقول الإام ابن القيم رحمه الله: إن أعظم ما في القرآن الكريم هو التعريف بالله وأسمائه وصفاته.

هذا هو جوهر هذه السلسلة؛ أن نتعلم كيف نستهدي بأسمائ الله الحسنى في حياتنا اليومية، وأن نخرج من كونها معلومات تحفظ إلى أن نجعلها أنواراً نسير على ضوئها. وفي هذا الدرس سنقف مع المجموعة الأولى، مع الزمره الأولى من أسماء الله الحسنى، وهي الزمرة التي تمثل قطب رحى التوحيد كله: الله، والرب، والإله، والواحد، والأحد، والوتر. هذه الأسماء الستة هي أساس كل معرفة بالله، ومن فهمها حق الفهم فتحت له أبواب سائر الأسماء.

أولاً: سنعرف بالأسماء الستة. الاسم الأول: اسم الله؛ وهو الاسم الأعظم، وهو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى. قال الشيخ السعدي رحمه الله: اسم الله هو الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل اسم من أسمائه الحسنى داخل في هذا الاسم. ومعنى الله في اللغة: المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وتعبده وتحبه وتخضع له، وهو الاسم الذي لا يطلق على غير الله بحال من الأحوال ولا يشتق منه فعل لغيره. وهو الاسم الذي إذا ذكر استجمع القلب كل ذراته وانجذب إلى ربه. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: فهو الله الذي لا يسكن العبد إلا إليه، فلا تسكن القلوب إلا بذكره، ولا تفرح العقول إلا بمعرفته، لأنه سبحانه الكامل على الإطلاق دون غيره.

الاسم الآخر أو الاسم الثاني هو اسم الرب. الرب هو المربي لجميع عباده بالتدبير وأصناف النعم؛ فهو سبحانه وتعالى يربي جميع خلقه بأنواع من التربية، يربي أصفياءه باصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم. ولهذا كان أكثر دعاء الصالحين بهذا الاسم الجليل: يا رب، يا رب، يا رب، لأنهم يطلبون منه التربية الخاصة. واسم الرب من أكثر الأسماء التي يدعى بها الله عز وجل في القرآن الكريم، فالانبياء والصالحون كانوا يكثرون من دعاء الله بهذا الاسم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، وأيضاً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: 151]، وأيضاً: ﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83]. ومعنى الرب يشمل الخالق والرازق والمدبر والمالك والمصلح والمربي؛ فهو الذي يتولى شأن عباده من أول لحظة في الوجود إلى آخر لحظة في الحياة، ثم في البرزخ، ثم في الآخرة.

الثالث: اسم الإله. الإله هو المألوه؛ أي المستحق أن يؤله ويعبد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الإله هو المألوه، أي المستحق أن يؤله أي يعبد، ولا يستحق أن يؤله ويعبد إلا الله وحده، وكل معبود سواه من لدن عرشه إلى قرار أرضه باطل. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: الإله هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فيدخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى. وهذا يعني أن اسم الإله يدل على أن الله مستحق للعبادة لأنه كامل في ذاته وصفاته وأفعاله.

الاسم الرابع هو اسم الله الواحد. الواحد هو المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له ولا نظير ولا مثيل. والوحدانية في حق الله تشمل وجوهاً منها: وحدانية الذات، وحدانية الأسماء يعني في حسنها؛ فقد تفرد الله سبحانه وتعالى بأسماء لا حسن منها، وأيضاً تفرد بعددها. ووحدانية في الصفات؛ فهو متفرد بأوليته في الوجود بلا ابتداء، ومتفرد بأخريته بالديمومة والبقاء بلا انتهاء. ووحدانيته في الأفعال؛ فلا شريك له ولا ظهير ولا معين ولا منازع ولا مغالب.

أما الاسم الخامس فهو اسم الله الأحد، وهو المتفرد في وحدانيته الذي لا يقبل المشاركة بوجه من الوجوه. وقد صرح بعض العلماء في التفريق بين الواحد والأحد كأن ثمة فرقاً دقيقاً: الواحد يدل على الانفراد في الوجود، أما الأحد فيدل على الانفراد الذي لا يقبل المشاركة ولا التجزي بأي وجه كان. لذا جاء اسم الله الأحد في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، فهو أحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا يشاركه في شيء من ذلك أحد.

الاسم السادس هو اسم الوتر. الوتر هو الفرد الذي لا يشفع، وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن الله وتر يحب الوتر». واسم الوتر يدل على أن الله منفرد في كل شيء؛ فهو منفرد في ذاته، في صفاته، في أفعاله، ومنفرد في استحقاق العبادة. وفي هذا الاسم إشارة لطيفة إلى أن الله تعالى لا يحتاج إلى أحد، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه محتاج إليه. فالوتر يعني الانفراد التام الذي لا يقبل الإضافة ولا النقصان.

المسألة الثانية في هذا الدرس: مراتب الاستهداء بهذه الأسماء، وهذا عنصر سنكرره لأنه مما أحب أن يرسخ في النفوس. قبل أن نتحدث عن ثمرات هذه الأسماء في حياتنا، لابد أن نفهم كيف نستهدي بها، والاستهداء بأسمائ الله الحسنى يمر بأربع مراتب: أولاً: المرتبة الأولى: العلم بالاسم، أن تعرف الاسم ومعناه في حق الله سبحانه وتعالى. المرتبة الثانية: الإيمان بالاسم، ونعني أن تؤمن بهذا الاسم إيماناً حقيقياً يستقر في القلب لا مجرد معرفة ذهنية. المرتبة الثالثة: التعبد بمقتضى الاسم، أي أن نتعبد بما يقتضيه هذا الاسم من عبادات وأحوال قلبية وأخلاق. المرتبة الرابعة: دعاء الله بهذا الاسم، بأن ندعو الله سبحانه وتعالى بهذا الاسم في مواطن الحاجة التي تناسبه. وهذه المراتب الأربع هي الطريق إلى التعبد بأسماء الله وصفاته.

كنا قد قسمنا في الدرس الماضي وقلنا بأننا سيكون عندنا ثلاثة مقاصد ثابته: مع الله، مع الناس، مع النفس. كل زمره من أسماء الله الحسنى سنستهدي بها في ضوء هذه المقاصد الثلاثة. المقصد الأول: مع الله؛ هذه الزمرة من الأسماء تعلمنا ثمرات منها: اليقين التام بأن الله هو الرب الحقيقي. وحين يستقر في قلوبنا معنى اسم الرب، يتولد في نفوسنا يقين عميق بأن الله سبحانه وتعالى وحده هو المدبر لكل شيء في حياتنا، لا شيء يحدث إلا بإذنه، ولا رزق يأتي إلا من عنده، ولا مصيبة تنزل إلا بعلمه وحكمته.

هذا اليقين يحرر القلوب من أسر الخوف والقلق، فالإنسان الذي يعيش بلا يقين بربوبية الله سبحانه وتعالى يتقلب بين الخوف من المستقبل، والقلق على الرزق، والهلع من المجهول. أما من استقر في قلبه أن الله هو الرب المدبر الرازق، فانه يعيش بطمأنينة حقيقية لا تزعزعها الأحداث. فالعبد الذي يعرف أن ربه هو المدبر لا يقلق على شيء، لأنه يعلم بمعرفته بأسماء الله الحسنى أن ذلك المدبر سبحانه حكيم رحيم فلن يضيع عبده. هكذا تكون الارتباطات بين أسماء الله الحسنى.

ومن ثمرات هذا اليقين أن نحسن الظن بالله في كل حال، وأن نعلم أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا. هذا اليقين هو الذي جعل الصحابة رضوان الله عليهم يواجهون المحن بصدر رحب وقلب مطمئن. ولنتأمل معاً كيف أن الأنبياء والصالحين كانوا يعيشون هذا اليقين في أصعب الأوقات؛ فإراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فكانت النار برداً وسلاماً عليه. وبالمناسبة، إبراهيم عليه السلام هو محور مسرح العقول إن شاء الله في الدرس المقبل، الذي سيكون في الأسبوع القادم يوم الأحد، سيكون إبراهيم عليه السلام.

ويونس عليه السلام حين ابتلعه الحوت في ظلمات البحر نادى ربه بالتوحيد: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله له ونجاه. هذا اليقين بالرب المدبر هو الذي يجعل المؤمن صامداً في كل محنة.

الثمرة الثانية: المحبة الخالصه لله الواحد الأحد. حين نتأمل معنى الواحد الأحد ونعلم أن الله متفرد في كماله وجماله، تنبثق في قلوبنا محبة خالصة لا يشاركها شيء. المحبة الحقيقية تتجه دائماً نحو الكمال، وليس في الوجود كمال حقيقي إلا لله سبحانه وتعالى، لذا كان ابن القيم يقول -ما مفاده- بأن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته. فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسان وإنعام وعفو وبر ورحمة! فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا الله فيحبه ويحمده لذاته وكماله.

هذه المحبة تظهر في حياتنا بأن نجد لذة في ذكر الله، وأن نستثقل ما يبعدنا عن الله سبحانه وتعالى، وأن نقدم رضا الله على رضا النفس والهوى. وكلما ازداد المؤمن معرفة بأسمائ الله الحسنى ازداد محبة له سبحانه وتعالى. ومن أعظم ما يغذي هذه المحبة لله سبحانه وتعالى: التأمل في أن الله الواحد الأحد قد اختصنا من بين خلقه بنعمة الإيمان والتوحيد. فكم من الناس يعيشون في الغفلة والشرك، وسبحان الله، نحن قد هدانا الله سبحانه وتعالى إلى معرفته وتوحيده. هذه النعمة تستوجب منا محبة عميقة وشكراً دائماً. هذه المحبة لها طريق يسلكه العبد ليصل إليه: أن يكثر من تلاوة القرآن الكريم باستهداء وتأمل، وأن يتأمل في نعم الله عليه، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى بقلب حاضر. فكلما ازداد العبد معرفة بالله ازداد محبة له، وكلما ازداد محبة له ازداد لذة في عبادته وأنساً بقربه. هذه المحبة هي روح الايمان والاعمال، فاذا خلى القلب من محبة الله فهو كالجسد الميت كما يقول ابن القيم رحمه الله، فلنحرص أن نغذي هذه المحبة بمعرفة الأسماء الحسنى والصفات العلى.

الثمرة الثالثة -ولا زلنا في مقصد العلاقة مع الله-: الإخلاص التام في العبادة. من أعظم ثمرات معرفة اسم الإله مثلاً أن يتحقق في قلوبنا الإخلاص التام؛ فحين نعلم أن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، وأن كل معبود سواه باطل، فإن قلوبنا لا تتجه إلا إليه، ولا يعلق الرجاء إلا به، ولا نخشى إلا منه. الإخلاص حالة يعيشها القلب في كل لحظة، سواء كان في العبادات المحضة كالصلاة والصيام، أو حتى في غيرها في العمل، في التجارة، في العلاقات، في المعاملات. المخلص الذي يستحضر اسم الله الإله يعمل لله ويترك لله، يحب في الله ويبغض في الله، يرضى لرضى الله ويأبى لما لا يحب.

الإخلاص له علامات يعرفها العبد من نفسه، منها مثلاً: أن يكون الناس في قلبه أقل مما نظهره نحن في حياتنا، أن نخفف من انشغالنا بمدح الناس وذمهم إذا كنا نعمل لله، أن نفرح بالعمل الصالح الخفي أكثر من فرحنا بالعمل العلني، وأن نحزن على الذنب في الخلوة كما نحزن عليه في الملا. هذه العلامات لا تتحقق إلا لمن عرف الله الإله الحق وأيقن أنه يراه ويعلم ما في قلبه. ومن أعظم ما يعين على الإخلاص أن نتذكر دائماً أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه؛ فالعمل الذي يشرك فيه العبد غيره مع الله مردود على صاحبه، كما جاء في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

الثمرة الرابعة من ثمار هذه الزمرة -استهداء الموحدين مع الله-: الخشوع والانكسار بين يدي الله. حين يستحضر القلب معنى الوتر، حين يستحضر القلب معنى الوتر ويعلم أن الله فرد في كل شيء وأن كل ما سواه مفتقر إليه، يتولد في النفس خشوع حقيقي وانكسار صادق. العبد الذي يعلم أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً لا يملك إلا أن يخضع لله ويتذلل بين يديه.

هذا الخشوع هو روح العبادة، فالصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، والدعاء بلا انكسار كالطرق على باب مغلق. أما حين يقف العبد بين يدي الله وهو يستحضر أنه بين يدي الله الوتر الذي لا يحتاج إلى أحد، وأن العبد لا يملك شيئاً إلا ما أعطاه الله، فإن الخشوع يتدفق من القلب تدفقاً طبيعياً سلساً. هذا الخشوع يولد في القلب حالة من الذل الحقيقي لله، لا الذل المصطنع الذي يكون في الظاهر دون الباطن. الخاشع حقاً هو من يشعر في قلبه بعظمة الله وصغر نفسه، فيقبل على الله بكل جوارحه، كل حواسه وكل فكره. فمن استضر عظمة الله الوتر في كل كمال لم يستطع أن يقدم على معصيته ولم يجد في قلبه إلا الخشوع والإجلال.

أما محورنا الثاني ومقصدنا الثاني فهو النظر إلى أثر هذه الأسماء والصفات في علاقتنا مع الناس. الثمرة الأولى: التراحم والرفق بالخلق؛ من أعظم ما تثمره معرفة اسم الله الرب في تعاملنا مع الناس التراحم والرفق، فنعلم أن الله هو رب الناس جميعاً، ربهم ومربيهم ومدبر أمورهم، وحين تستقر هذه المعاني في النفوس تتسع قلوبنا لهم جميعاً وتتحقق الرحمة الحقيقية.

الإنسان الذي يعلم أن الله ربه رب سائر الناس، لا يتكبر على أحد ولا يحتقر أحداً؛ لأنه يعلم أن الجميع عباد الله وخلقه. وحين يرى إنساناً في ضيق أو حاجة، يتذكر أن الله هو ربه أيضاً، فيرحمه ويسعى لمساعدته. وقد جاء في الحديث الصحيح: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». فالرحمة بالخلق هي طريق رحمة الخالق، وهي من أعظم ثمرات معرفة أن الله هو الرب. ومن مظاهر هذا التراحم بين الخلق: الرفق بالضعفاء والمساكين، والتلطف مع الأطفال والشيوخ، والصبر على أذى الناس، والعفو عمن أساء. كل هذه الأخلاق تنبع من قلب يعرف أن الله رب الناس جميعاً.

ومن أجمل هذه المظاهر أن نزيل من قلوبنا كل معنى للتعالي، ولما يسمى بالعنصرية، ولما يسمى بالتعصب؛ فالله رب الناس جميعاً لم يخلق خلقاً وترك آخر، ورحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء. قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل إليه أحدهم فيقول: أيكم محمد؟ وهو صلى الله عليه وآله وسلم أرحم الناس بالناس، وأرحم بالصغير والكبير والقريب والبعيد، وكان يقول: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». فالتراحم مع الناس هو طريق رحمة الله سبحانه وتعالى، وهو من أعظم ثمرات معرفة اسم الله الرب.

الثمرة الثانية: العدل والإنصاف في المعاملة. من ثمرات معرفة اسم الواحد في تعاملنا مع الناس العدل والإنصاف؛ فحين نعلم أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، وأنه يرى كل شيء ويعلم كل شيء، فإننا سنلتزم العدل في معاملاتنا حين لا يرانا أحد. العدل هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الاجتماعية السليمة، بل والله حتى علاقة الإنسان بنفسه إن كانت سوية؛ فالإنسان الذي يعيش بلا عدل يفسد علاقاته مع الناس ويفسد المجتمع من حوله. أما من يعلم أن الله سبحانه وتعالى واحد يرى كل شيء ويحاسب على كل شيء، فانه يلتزم العدل في كل موقف.

ومن صور ذلك واستحضاره: إعطاء كل ذي حق حقّه، والحكم بالقسط بين الناس، وعدم التحيز للقرابة أو المصلحة على حساب الحق؛ لأننا نعلم ويستقر في نفوسنا بأن الله واحد وأن الله رب كل الناس، فلا نتحيز لقوم دون آخرين. هذه كلها من ثمرات معرفة أن الله رب واحد عدل لا يضيع عنده مثقال ذرة من الحق. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل في كتابه أمراً صريحاً، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]. العدل فريضة دينية قبل أن يكون فضيلة أخلاقية، وهو من أعظم ما يقرب العبد من الله الواحد.

الثمرة الثالثة: التواضع وترك الكبر. من أعظم ثمرات اسم الله الأحد في تعاملنا مع الناس التواضع وترك الكبر؛ فحين يعلم العبد كمال الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الأحد الذي لا شريك له ولا ند له ولا مثيل له ولا نظير له، وأن كل الخلق سواء في الحاجة إليه والافتقار إليه، فلا يبقى في قلبه مجال للكبر والغرور. ينظر في نفسه فيرى أنه ليس بكامل؛ لأنه يعبد الله الذي قد كملت صفاته، فلا يتكبر على الخلق، ويعلم بأن الله سبحانه وتعالى يعرف نقصه وأنه يستره عن الخلق فيتتواضع ولا يتكبر. الله سبحانه وتعالى فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منها عذبته». فالمتكبر على الناس ينازع الله في صفة هي لله سبحانه وتعالى وحده، وهذا من أعظم المحاذير التي قد نقع فيها.

قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بالله، كان يربط بين هذه الأخلاق وبين معرفتنا بكمال الله. أنظروا إلى حديث: «من تواضع لله رفعه»؛ فالإنسان يشعر بقدر من الانكسار لكمال الله سبحانه وتعالى فيتتواضع للخلق. لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع الفقراء والمساكين، ويزور المرضى، ويجيب دعوة الناس. التواضع ليس ضعفا، بل هو الشعور الحتمي حين تكتمل معرفتنا لله سبحانه وتعالى الأحد.

ومن ثمرات معرفتنا باسم الله الأحد: أن نشعر بأننا -بما أننا خلق- مشتركون في كل شيء، حتى في أبسط الأشياء؛ مثلاً: الإنصات لمن يتحدث إلينا. لسنا وحدنا من يملك حق الحديث في المجلس؛ الله وحده هو الواحد الفرد، أما نحن فنكون مشتركين في المجالس، مشتركين في الأرزاق، مشتركين في الصحة، مشتركين في الجمال، مشتركين في العقل، هكذا. فمن صور الاستهداء ببسم الله الأحد أن نشارك الناس مجالسهم، أن نشاركهم همومهم، أن ننصت إليهم، أن نستمع إليهم، ولا نكون نحن فقط من يتحدث في المجالس ومن يستلم رايتها.

الثمرة الرابعة: الصدق والأمانة. لماذا؟ لأن الإنسان إذا ازدادت معرفته بالله سبحانه وتعالى ازداد شوقه إلى الله، وكلما ازداد شوقه إلى الله أراد أن يرى الله سبحانه وتعالى في الجنة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة»، هكذا بهذا التسلسل. وفي الجنة نرى ربنا. انظروا كيف بدأنا بالصدق وبتمثل الصدق في حياتنا، وكيف انتهى الأمر إلى الحصول على ثمرة كبرى من ثمرات التوحيد، وهي رؤية الله سبحانه وتعالى.

المقصد الثالث والمحور الثالث: هو أثر الاستهداء بهذه الأسماء في علاقتنا مع النفس. الثمرة الأولى: الطمأنينة والسكينة الداخلية. من أعظم ما تثمره معرفة اسم الله في حياة النفس الطمأنينة والسكينة الداخلية. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. هذه الطمأنينة هي سكون الأعضاء وعدم اضطرابها. هذه السكينة ثمره حقيقية لمعرفة الله سبحانه وتعالى باسمائه وصفاته. ألا ترون أن القلب الذي يعرف الله حق معرفته لا يضطرب أمام المصائب ولا يهلع أمام الشدائد؛ لأنه يعلم أن وراء كل شيء في هذه الحياة إرادة الله سبحانه وتعالى؟ أما القلب الذي يجهل هذه المعاني فهو في قلق دائم وفي خوف مستمر؛ لأنه لا يرى في الأحداث إلا الصدفة العمياء.

القلب لا يصلح ولا يفلح ولا يسعد ولا يجد لذة ولا طيب عيش إلا بأن يوحد وجهته إلى الله سبحانه وتعالى، فلا يراعي فلاناً ولا يخشى فلاناً ولا يرجو فلاناً ولا يحب فلاناً محبة زائدة، ولا يقع في قلبه هذا الاضطراب، وإنما تكون وجهته إلى الله سبحانه وتعالى، يكون غاية همه أن يرضى الله سبحانه وتعالى. وهذا لا يتحقق إلا بالإيمان بالله الواحد الأحد، أن يؤمن بأن وجهته واحدة، وأن هذا التوحيد الذي أمرنا الله به يخلف في القلب طمأنينة فلا يضطرب لكل صوت ولا يهلع مع كل أمر، إنما هي أوامر الله وحده، إن رضي الله فلا يهمنا شيء آخر.

الثمرة الثانية مع النفس: حصول الحرية الحقيقية من عبودية ما سوى الله. من أعظم ثمرات معرفة اسم الواحد في حياة النفس الحرية الحقيقية؛ فحين يعلم العبد أن الله وحده هو الواحد الذي لا يحتاج إلى أحد، وأن كل ما سواه من مخلوق محتاج إليه، فانه يتحرر من عبودية الناس. هذه العبودية قد تكون على شكل عبودية للمال، أو عبودية للجاه، أو عبودية لآراء الناس وأحكامهم، أو عبودية لأمزجتهم: رضي فلان فأنا في غاية الفرح، وغضب فلان فأنا في غاية الهلع، وأدبر فلان فأنا في غاية الانكسار. لكن من جعل وجهته إلى الله تحرر من كل هذا، وعلم أن الله سبحانه وتعالى حينما امرنا بالتوحيد وأن لا نركع إلا له -لا نركع للمخلوقين- فهو يشكل منا شخصيات حرة لا تخنع لأحد غير الله سبحانه وتعالى، لا تركع أجسادنا ولا تركع حتى ألفاظنا. الله سبحانه وتعالى لا يحب أن نسمي أحداً بملك الملوك؛ هذه المبالغات في الألقاب قد نهينا عنها؛ لأن هذه الألقاب إذا ضخمت فإنها تخلف في القلب خنوعاً لا يليق بالعبد المسلم. إنما العبد المسلم شامخ حر أَبِي؛ لأنه عبد لله سبحانه وتعالى.

من الناس من يعيش في عبودية عظيمة لكل ما سوى الله، تجده عبداً لهواه، للناس، لصورته المتمتلة في قلوب الناس، يخشى على هذه الصورة المعلقة في جدران قلوبهم أن تنكسر أو أن تسقط. فتجده في البداية يهتم بصناعة صورته أمام الناس، فاذا صنعها بدا يخشى أن يسقط من عيون الناس. لكن الموحد الذي عرف اسماء الله وصفاته وعاش معها، لا يبالي، هو حر وجهته واحدة، يتلقى الأوامر من الواحد سبحانه وتعالى، يهمه رضا الواحد، يخشى غضب الواحد، يكون غالي اشتغاله ليحبّه الواحد. فهذا يكون حراً لا تحركه أمزجة الناس، ولا يحصل له ما يحصل من اضطراب يتبع لأهواء الناس وأمزجتهم وأهوائهم.

الثمرة الثالثة: علو الهمة والطموح الحقيقي. الذي يعلم أن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، لماذا يقيد طموحه؟ مادمت تدرك أن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، وأنه الله الواحد الأحد الذي لا يعبد سواه، وأن خزائنه لا تنفد، وأنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وأن الله واحد أحد لا شريك له، همتك سترتفع لتتجاوز الأهداف الصغيرة إلى الأهداف الكبيرة. هو يرجو من بيده ملكوت كل شيء، فلماذا يتوقف رجاؤه؟ لماذا يرجو عبداً قدرته محدودة؟ لماذا تكون همته مسقوفة بشيء معين؟ لماذا لا يرجو الله سبحانه وتعالى الذي يعطي من يشاء ما يشاء سبحانه وتعالى؟

قد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحملون همماً عالية؛ لأنهم تحرروا من كل صنم في دواخلهم وخوارجهم. كانوا يسألون الله سبحانه وتعالى العمل الصالح والنية الصادقة. هذه الهمم ثمره اليقين بأن الله سبحانه وتعالى واحد أحد قادر على كل شيء. لذلك أنت لما ترجو إنساناً في مال، لما ترجو أن تحصل من إنسان مالاً، فأنت تقدر بأنك لن تطلب طلباً إلا ما يقدر عليه؛ ستنشر وتحسب أن فلاناً هذه مقدرته، إذاً سأطلبه شيئاً أقل حتى يستطيع أن يعطيني، ولذا تصبح همتك دنية. أما حين تسأل الله وحده، فإنه لا حدود لهذه القدرة، وترجو الله سبحانه وتعالى الذي لا حد لعطائه ولا حد لقدرته سبحانه وتعالى، فانت تتحرر من هذه الهمة الدنية في رجاء الخلق، إلى أن تكون همتك معلقة بالعرش.

الثمرة الرابعة في علاقة الانسان مع نفسه في ضوء هذه الأسماء: التوبة والأمل الدائم. من عرف اسم الله الرب فهو في أمل دائم وتوبة مستمرة، يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو ربه ومربيه الذي يتولى شأنه، وأنه لا يياس من رحمة الله إلا القوم الكافرون، فانه لا يقنط من رحمة الله مهما بلغت الذنوب. الله سبحانه وتعالى قادر على مغفرة الذنوب، وأنه سبحانه وتعالى وحده من يغفر الذنوب، فلذا يتعلق قلبك بمن هذه أسماؤه وصفاته سبحانه وتعالى.

ثم هناك أمر آخر: لما نعرف بأن أعظم ما أمرنا الله به هو التوحيد، وأن أعظم ما يحبه الله منا أن نوحده، فإذا حققناه كان الطريق سالكاً إلى أن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدم ما دون ذلك من الخطايا، مادمنا أطعنا الله في أعظم شيء وهو التوحيد، واجتنبنا أعظم المنهيات وهي الشرك. فما كان من ذنوب أصغر من ذلك فهي في كنف ما قد حققناه من توحيد، فيرجو الإنسان ويمتد رجاؤه ويمتد أمله، ويصبح في حالة توبة مستمرة: لماذا أنا حققت التوحيد أعظم الأوامر واجتنبت الشرك؟ فمن جنّبني الشرك وهو أعظم البلايا، قادر أن يجنبني المعاصي الأخرى، وقادر أن يتوب عليَّ، وقادر أن يمحوها سبحانه وتعالى. ومن أعظم ما يقوي الأامل في نفس العبد أن يتأمل في سادات الموحدين من الأنبياء عليهم السلام؛ فآدم عليه السلام تاب فقبل الله توبته وجعله خليفة في الأرض، وموسى عليه السلام تاب من قتل النفس فغفر الله له وجعله كليماً، وأصحاب الكهف فرّوا إلى الله فأكرمهم الله وجعل قصتهم آية للعالمين. هذه القصص تعلمنا بأن من كان أكثر تحقُّقاً بالتوحيد، فإن ما سواها بإذن الله يتحقق.

وبذا أختم ما كنت قد أعددته للحديث عن هذه الأسماء الستة واستهداء الموحدين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم، وأن يرزقنا قلوباً سليمة تلقى الله سبحانه وتعالى لا شركاً ولا غلاً ولا يأساً ولا قنوطاً ولا رجاءً ولا محبةً ولا خوفاً ولا خضوعاً إلا لله سبحانه وتعالى. حينما نتحقق بالتوحيد وبهذه الأسماء والصفات، نصبح بشراً أسوياء فوق ما نظن، تصبح بنا من المعاني ومن الأحوال ما يجعل الإنسان يندم أنه لم يتعرف إلى التوحيد قبل ذلك.

اللهم ارزقنا صدق التوحيد. عهد الأسبوع يا كرام ويا كريمات، أن نكرر -من استطاع: على عشرة، على مئة، على ألف- أن نكرر بكل استحضار وخشوع ومعرفة بأسماء الله التي درسناها اليوم، أن نكرر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. نكررها في اليوم مئة مرة، ألف مرة، بحسب ما نستطيع، لكن نلزمها ورداً مع تحقق المعنى ومع الاستهداء بها ومع تقليب النظر كما درسنا.

أما وقد انتهينا من عهد الأسبوع -والذي أرجو من الله سبحانه وتعالى أن نجد في قلوبنا أثراً ملموساً، أن نكون أكثر طمأنينة في مواجهة الأحداث، وأن نكون في حرية أكبر من خوف الناس، وأن نكون في إخلاص أعمق في عباتنا لله سبحانه وتعالى، وهذه الثمرات لن تتحقق بالمعرفة النظرية، بل هي نتائج حتمية لمن صدق في التزامه بإذن الله سبحانه وتعالى بهذا العهد- أن نكرر باستحضار في قلوبنا، بمعارفنا، بأحوالنا، بجوارحنا، أن نكرر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، نكررها بالاستطاعة.

أما وقد انتهينا، فإنا نرفع أيدينا إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه التي درسناها في هذا اليوم. درسنا وذكرنا الله سبحانه وتعالى في ملأ، وهذا الملأ ممتد في أرجاء العالم، ذكرنا الله سبحانه وتعالى ودللنا

الناس عليه، فإنا نرجوه ونرفع أيدينا فنقول: اللهم يا الله، يا من وسعت كل شيء رحمةً وعِلماً، نسألك فرجاً يمحو كل ضيق، وأُنساً يذهب كل وحشة، وففتحاً ييسر كل عسير. اللهم يا رب، يا من توليت أمرنا، تولنا فيمن توليت، وارضَ عنا رضاً لا سخط بعده، وارزقنا همةً تناطح السحاب في طاعتك، وعوناً وتوفيقاً لا ينقطع.

اللهم غير حالنا إلى أحسن حال، وثبت قلوبنا على دينك، وارزقنا فهماً في كتابك وسنة نبيك، وإخلاصاً في القول والعمل، وتفرغاً لعبادتك، وسلوكاً يرضيك عنا، ونظاماً في حياتنا يقربنا إليك، وجزاءً أوفى في جنات النعيم.

اللهم يا إلهنا، اخلص أعمالنا، واخلص لك قلوبنا وأعمالنا، واجعلنا ممن يعبدك إخلاصاً لوجهك الكريم. اللهم يا واحد يا أحد، أغنِ قلوبنا بمحبتك عن محبة ما سواك، وأعزنا بطاعتك عن الذل لغيرك، اللهم يا وتر، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وكن لنا في كل أمر من أمورنا.

اللهم اجعل هذه الأسماء العظيمة نوراً في قلوبنا، وهدياً في حياتنا، وزاداً ليوم لقائك. اللهم آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وإن تطيعوه تهتدوا.