دخولتسجيل الدخول

الاستهداء بأسماء الله الحسنى 03 | استهداء المحاطين بالعظمة

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أيها الكرام والكريمات؛ تخيلوا معي إنساناً يقف في منتصف صحراء شاسعة لا أفق لها، لا يرى أمامه شيئاً، ولا يرى خلفه شيئاً، ولا يعلم من أين جاء ولا إلى أين يذهب، تتخبطه الرياح من كل جانب، وتتناهبه الأفكار الموحشة في كل اتجاه. هذا هو الضياع الحقيقي، ليس ضياع المكان فحسب، بل ضياع المعنى والغاية، وكل ما يحيط بالإنسان من سبب لوجوده في الحياة. هذا هو حال كثير من الناس اليوم، ليس في الصحراء الرملية بل في صحراء الحياة المادية القاحلة، ضائعون في زمن لا يعرفون بدايته ولا يدركون نهايته، محاطون بكون لا يعرفون سره ولا غايته، تتقاذفهم الأحداث يميناً وشمالاً وهم لا يعلمون أين سترسو هذه السفينة التي قد تحطم نصفها، يعيشون اللحظة الحاضرة مبتورة عن ماضيها ومستقبلها، ويعيشون في عالم الأشياء مقطوعين عن عالم المعاني الإيمانية.

ثم يأتي القرآن الكريم بآية واحدة تحيط بكل هذا الضياع وتعالجه من جذوره: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]. أربعة أسماء من أسماء الله الحسنى في آية واحدة، تحيط بالزمان كله من أوله إلى آخره، وبالمكان من أعلاه إلى أسفله، وبالعلم كله من ظاهره إلى باطنه. فإذا استوعب القلب هذه الأسماء الأربعة لم يعد ثمه ضياع. هذه الزمرة هي زمرة المحاطين بالعظمة، أولئك الذين يعيشون في كنف رب هو الأول والآخر والظاهر والباطن، فلا يشعرون بالضياع لأنهم يعلمون أن ربهم أحاط بهم إحاطة تامة في الزمان والمكان والعلم. فتعالوا نتعلم كيف نستهدي بهذه الأسماء العظيمة.

في البداية سنتعرف على هذه الأسماء الأربعة والتي ستكون محور حديثنا اليوم. الاسم الأول هو اسم الله الأول، إن هذا الاسم يسكن القلب ويريح العقل، فحين نعلم أجمعين أن الله كان قبل كل شيء وأنه لم يكن معه شيء، ينتهي كل تساؤل وتسكن كل حيرة. فالله الأول هو الذي يقف عنده القلب مطمئناً، وتجد الروح عنده راحتها ومستقرها. الأول صيغة تفضيل من مادة أولاً، وهو السابق لكل شيء، وفي حق الله تعالى نقول: الأول هو الذي لا ابتداء لوجوده، ولا يسبقه شيء ولا يتقدمه أحد. وأحسن ما فسر به هذا الاسم ما جاء في الحديث الصحيح الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وفيه: «أنت الأول فليس قبلك شيء». فهذا التفسير النبوي هو أجمع ما قيل في معنى هذا الاسم وأصحه.

فالله سبحانه وتعالى هو الأول الذي لا أول قبله، الغني بذاته الذي لا يحتاج إلى موجد، وكل ما سواه فله بداية ونهاية، أما الله الأول فأوليته لا ابتداء لها، وهذا هو الفارق الجوهري بين الخالق والمخلوق. الغايات والنهايات كما يقول ابن القيم كلها تنتهي إليه، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: 42]. فالغايات والنهايات تنتهي إليه، وليس له سبحانه غاية ولا نهاية لا في وجوده ولا في مزيد جوده، إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.

أما الاسم الثاني فهو اسم الله الآخر، ليس مجرد الباقي زماناً بعد فناء الخلق، بل هو الغاية التي تنتهي إليها آمال العباد والعارفين، والوجهة التي تصمد إليها قلوب السالكين. هذا المبدأ الذي انطلق منه كل شيء واليه يرجع كل شيء، فهو سبحانه وتعالى الأول والآخر؛ منه المنشأ وإليه المرجع. كل هذا الوجود الذي نراه ممتداً في هذه الدنيا يسير نحو غاية، وغاية الغايات ونهاية النهايات هي العوده إلى الله الآخر: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: 42]. وحين يستقر هذا المعنى في القلب تتجه بوصلة الحياة كلها نحو الآخرة، وتصبح الدنيا مجرد معبر وممر.

الآخر الذي لا نهاية لوجوده ولا يأتي بعده شيء، ولا يفنى ولا يزول، وأحسن تفسيراته ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت الآخر فليس بعدك شيء». فالله هو الباقي بعد كل شيء بلا زوال ولا انتهاء، ولانه الآخر الباقي فهو الوارث الحقيقي لكل شيء، كما نطق بذلك لسان زكريا عليه السلام في لحظة الضعف والانكسار حين قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89].

أما الاسم الثالث فهو اسم الله الظاهر. اسم الله الظاهر يحمل دلالتين عظيمتين: الظهور بمعنى العلو والارتفاع، والظهور بمعنى الغلبة والقهر. فالله سبحانه وتعالى ظاهر على خلقه بعلوه الذاتي وعلو قدره وعلو قهره، وهو ظاهر بآياته الباهرات في الكون، فما من ذرة في الوجود إلا وعليها طابع صنعة تنطق بلسان الحال والمقال مبينة عظمة خالقها. فمن طلب الله بحواسه الماديه عمي وبطل سعيه، لأنه سبحانه وتعالى محتجب في الدنيا عن إدراك الأبصار، أما من طلبه بقلبه وبصيرته من خلال آياته الظاهرة وحكمه الباهرة في الكون فستظهر له هذه الآيات ظاهرة جلية لا تخفى على ذي بصيرة.

فهو ظاهر بدلائله باطن عن أبصار خلقه في الدنيا، ولا تناقض في ذلك، بل هو كمال يليق به سبحانه. وفي حق الله سبحانه وتعالى نقول إن الظاهر هو العالي فوق كل شيء، الغالب على كل شيء، وأحسن ما فسر به هذا الاسم ما جاء في الحديث النبوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء». يقول الإمام أبو جعفر الطبري: وهو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء فلا شيء أعلى منه. الإمام ابن القيم يقول: اسم الله الظاهر من لوازم ككونه فوقه شيء، كما في الصحيح: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء». ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ما حاصله: والظاهر يعني اسم الله الظاهر يدل على عظمه صفاته واضمحلال لكل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، وهي دالة على علوه سبحانه.

الاسم الرابع هو اسم الله الباطن. إن اسم الله الباطن يشعر العبد برقابة الله الدقيقة، فهو الذي يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويععلم ما هو أخفى من ذلك من خطرات القلوب وهواجس النفوس. فالله سبحانه وتعالى في الدنيا محتجب عن الأبصار والأوهام، لا يدركه بصر ولا يحيط به وهم، وهو مع ذلك أقرب إلى كل شيء من نفسه. وهذا القرب ليس قرباً مكانياً بل قرب إحاطة وعلم وقدرة، وهذا المعنى يورث العبد مراقبة دائمة لقلبه، لأنه يعلم أن قلبه محل نظر الله سبحانه وتعالى، وهو باطنه وقلبه؛ الله سبحانه وتعالى ينظر إلى باطنه وقلبه لا إلى الظاهر والقالب.

وفي حق الله تعالى يكون اسم الله الباطن له معنيان عظيمان: المعنى الأول أنه ليس دونه شيء أي أنه أقرب إلى كل شيء من كل شيء، والثاني أنه العالم ببواطن الأمور وخفاياها. وأحسن تفسيراته ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت الباطن فليس دونك شيء». يقول الإمام الطبري: وهو الباطن جميع الأشياء فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. ويقول الشيخ السعدي رحمه الله: والباطن يدل على اطلاعه على السرائر والضمائر والخبايا والخفايا ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه. ولا يتنافى الظاهر والباطن لأنه الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في كل النعوت، فهو العلي في دنوه القريب في علوه.

أما سر اقتران هذه الأسماء الأربعة: الأول والآخر والظاهر والباطن. الإمام ابن القيم تكلم عن سر هذا الاقتران فقال: واما في اسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن بغير عطف، يعني السميع العليم، العزيز الحكيم، الغفور الرحيم. وجاءت معطوفة أي بحرف الواو في أربعة أسماء هي: الأول والآخر والظاهر والباطن. فإذا قيل هو الأول، ربما سرى الوهم إلى أن كونه أولاً يقتضي أن يكون الآخر غيره، فقطع هذا الوهم بحرف العطف الدال على أن الموصوف بالأولية هو الموصوف بالآخرية، فكأنه قيل: هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن لا سواه سبحانه.

هذه الأسماء الأربعة تحيط بالوجود كله إحاطة تامة؛ الأول يحيط بما قبل الزمان، والآخر يحيط بما بعد الزمان، والظاهر يحيط بما فوق المكان، والباطن يحيط بما دون المكان، فلا يخرج شيء عن إحاطة الله تعالى لا في الزمان ولا في المكان ولا في العلم. الإمام ابن القيم يقول: فمعرفة هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة. ثم قال: فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه.

وكما اعتدنا عندنا مراتب للاستهداء بهذه الأسماء، وقلنا إننا سنكررها وسنجعلها قالباً نستهدي به في جميع الدروس: المرتبة الأولى العلم بالاسم، فنعرف معنى الأسماء الأربعة ومدلولاتها، وهذه رتبه من الرتب التي حققناها قبل قليل. المرتبة الثانية الإيمان به، وهو التصديق الجازم بأن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا مجرد ترديد ألافاظ. هذا الإيمان يورث في القلب يقيناً راسخاً بأن الله محيط بكل شيء. المرتبة الثالثة التعبد بمقتضاه، ومعناها أن تترجم هذه الأسماء إلى عبادات وأعمال، فمن عرف أن الله هو الأول والآخر أخلص له العمل ولم يرج سواه، ومن عرف أن الله هو الظاهر الباطن ترك الذنوب في السر والعلن. المرتبة الرابعة دعاء الله بها، وهو التوسل بهذه الأسماء في الدعاء كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء النوم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين واغننا من الفقر».

أما مقاصدنا الثلاثة التي ستكون في كل درس، أن ننظر بهذه الأسماء من جهة العلاقة مع الله، كيف تصحح هذه الأسماء علاقتنا مع الله ومع الناس ومع النفس. أما كيف تصحح هذه الأسماء وهذه الزمرة المحاطين بالعظمة، فنقول بعدة ثمار منها: الأنس الكامل بالله وزوال الوحشة. هذه الأسماء حين يدرك القلب أن الله هو الأول الذي كان قبل كل شيء، والاخر الذي سيبقى بعد كل شيء، والظاهر الذي يعلو فوق كل شيء، والباطن الذي يحيط بكل شيء، الوحشة تزول من القلب زوالاً تاما باستحضار هذا المعنى. إذ كيف يستوحش من هو في كنف رب يحيط به من كل جانب؟ الوحشة الحقيقية أيها الكرام والكريمات هي وحشة من يشعر أنه وحيد في الكون، مقطوع الصله بمن أوجده، لا أحد يعلم به ولا أحد يرعاه. انها وحشة الروح حين تنفصل عن خالقها، ووحشة القلب حين يفقد بوصلته.

أما من آمن بهذه الأسماء الأربعة فانه يعلم يقيناً أن ربه كان مدبراً لأمره قبل أن يخلق، وسيبقى معه بعد أن يموت في عالم البرزخ ثم في دار القرار، فهو سبحانه فوقه يرعاه بعينه التي لا تنام، وأقرب إليه من نفسه ويعلم خفايا قلبه ومكنونات صدره. فأي وحشة تبقى بعد هذا اليقين؟ وكيف يضيق صدر قد اتسع بمعرفة الأول والآخر والظاهر والباطن؟ الله سبحانه وتعالى هو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره. والعبد الذي يعيش في هذا الفهم لا يشعر بالوحشة، لأنه يعلم أن ربه محيط به، كان معه قبل أن يكون الخلق، وسيبقى معه بعد أن يفنى الخلق.

الثمره الثانیه في مقصدي مع الله: إخلاص العبادة والتحرر من عبودية نظر الخلق. الرياء كما لا يخفى عليكم ايها الكرام والكريمات هو شرك خفي يتسلل إلى القلوب من حيث لا نشعر، يقوم على فكرة الالتفات إلى نظر المخلوقين وطلب المحمدة عندهم أو هكذا أفهه. ولكن حين يشرق في القلب نور اسم الله الباطن يتلاشى هذا الالتفات تماماً، إذ كيف يرائي من يعلم أن الله يعلم سره ونجواه؟ وكيف يطلب الثناء والمدح عندما تعلم أن الله يعلم أنك تطلبها؟ العبد الذي يعلم أن الله يرى باطنه المظلم بالرياء يستحيي أن يقدم عملاً زائفاً، واسم الله الباطن يربي فينا هذه اليقظة تجاه النوايا فيجعلنا نفتش في زوايا قلوبنا قبل أي عمل لنتاكد من خلوصه لله سبحانه وتعالى.

الإخلاص هنا ليس مجرد نفي الرياء، هذا وجه من أوجهه، لكن الإخلاص في حقيقته توحيد الإرادة والقصد بحيث لا يكون في القلب متسع لغير الله، هذا هو التحرر الحقيقي، هذه هي الحرية الحقيقية؛ لأن المرائي عبد لمن يرائيهم، والمخلص حر لا يعبد إلا الله. لذا إذا كان من أعظم ثمرات الإيمان بهذه الزمرة، من زمرة الاستهداء بالمحاطين بالعظمة، الإخلاص التام في العبادة؛ فحين يعلم العبد أن الله هو الأول الذي كانت عبادته واجبه قبل أن يخلق الخلق، وهو الآخر الذي ستبقى عبادته واجبه بعد فناء الخلق، وهو الظاهر الذي يرى ظاهر العبادة، وهو الباطن الذي يعلم باطن النية، هذا اليقين يطهر العبادة من كل شائبة رياء. الرياء كما أفهم يقوم على أساس واحد: أن يبالي الإنسان بنظر الخلق. أما من يعلم أن الله الباطن يعلم ما في القلوب قبل أن تنطق الألسن، فانه لا يجد طريقاً للرياء. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَجْهَر بالغَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7]. الله سبحانه وتعالى يعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما لم يحدث به الإنسان نفسه بعد، وهذه ثمره عظيمة.

الانقطاع إلى الله وحده في الدعاء من أعظم ما تورثه هذه الأسماء الأربعة، اليقين بأن الله وحده هو المقصود في الدعاء والطلب. فحين يعلم العبد أن الله هو الأول الذي كان قبل كل شيء، وهو الآخر الذي سيبقى بعد كل انقطاع للأسباب وغيرها، فإنه يدرك أن الأسباب مجرد وسائل في يد الأول والآخر سبحانه.

وأن الانقطاع إلى الله هو الأصل؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع في دعائه بين هذه الأسماء الأربعة وبين طلب قضاء الدين والاغناء من الفقر فقال: «اقض عنا الدين وأغننا من الفقر». هذا يعلمنا أن التوسل بهذه الأسماء هو المدخل الصحيح لطلب الحوائج من الله سبحانه وتعالى.

الثمرة الرابعة في محوري مع الله، الاستقرار العقدي واليقين في مواجهة الشبهات. هذا زمان لا يخفى عليكم تتكاثر فيه الشبهات وتتلاطم أمواج التشكيك، وكثير منا وكثير من الشباب يعانون من حيرة فكرية عقدية؛ لكن هذه الأسماء فيها عظمة تعمل حصنا حصينا يحمي العقل من الانزلاق في متاهات الشك: من أين جئت؟ إلى أين أذهب؟ وما معنى حياتي؟ كل هذه التساؤلات تجيب عنها الأسماء الأربعة إجابة تامة كاملة.

فاسم الله الأول يقول لك: جئت من عند الله، واسم الله الآخر يقول لك: مصيرك إلى الله، واسم الله الظاهر يقول لك: ربك فوقك ويرعاك، واسم الله الباطن يقول لك: ربك أقرب إليك من نفسك ويعلم ما تخفيه. وهذا هو الاستقرار العقدي الذي نبحث عنه، استقرار ينبع من معرفة الله باسمائه لا مجرد الجدل والمراء. فمن عرف الله بهذه الأسماء الأربعة سكن قلبه إلى برد اليقين، وأغناه ذلك عن كل جدل وتساؤل.

ومن أعظم ما تورثه هذه الأسماء الاستقرار العقدي وقمع الوساوس الشيطانية. فقد سأل سماك بن الوليد ابن عباس رضي الله عنهما عن شيء يجده في صدره فقال له ابن عباس: أشيء من شك؟ قال: بلى. فقال له: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عز وجل: ﴿فَإِكُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى آخرها. فإذا وجدت في نفسك شيئا فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هذا هو الدواء لكل وسوسة، حين يردد العبد هذه الآية مستحضرا معناها يجد أن الله الأول والآخر والظاهر والباطن قد أحاط بكل شيء علما، فلا يبقى للشك موضع ولا للوسوسة مدخل.

أما محورنا الثاني والمقصد الثاني هو أثر هذه الأسماء في العلاقة مع الناس، كيف تهذب هذه الأسماء تعاملاتنا مع الخلق؟ يكون ذلك بالنظر إلى عدة ثمار أو عدة ثمرات.

الثمرة الأولى: اليقين بنصر الله وتجاوز عقدة الهزيمة النفسية. نحن نعيش في هذا الزمن في مراحل كثيرة نعيش في حالة من الضعف المادي وفي كل أسباب القوة، مما يورث عند بعضنا عقدة وهزيمة نفسية وشعور بالدونية أمام الأمم الغالبه التي تظهر تفوقا تقنيا وعسكريا وغيرها. اسم الله الظاهر أتى ليعالج هذه العقدة من جذورها.

المؤمن الذي يعلم أن ربه هو الظاهر الغالب الذي لا يُقهر، لا يمكن أن يستسلم للياس أو أن يرضى بالهزيمة النفسية. قد نُهزم في معركة عسكرية أو في غيرها، لكننا لا نُهزم من الداخل ما دمنا نؤمن بالله الظاهر. هذا التسامي الإيماني ثمرة يانعة لمعرفه اسم الله الظاهر.

المؤمن يتسامى بعقيدته لا بقوته، يستعلي بربه لا بجاهه، يعلم أن جولة الباطل ساعة وأن دولة الحق إلى قيام الساعة. وهذا الاستعلاء ليس كبرا أو غرورا، بل هو يقين راسخ بأن الله الظاهر الغالب لا يخذل أولياءه.

ومن أعظم ما يورثه الإيمان بالله الظاهر الثقة المطلقة بأن الله ناصر دينه على جميع الأديان. فحين يرى المؤمن ضعف المسلمين وتسلط أعدائهم، فإن الإيمان بالله الظاهر يعيد الأمل ويحيي اليقين. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33].

الثمرة الثانية: العدل في التعامل مع الناس استحضارا لاسم الله الباطن وتفعيل ما يُسمى مبدأ الشفافيه في العلاقات. كثيرا ما نرى في واقعنا المعاش اليومي انفصاما بين الظاهر والباطن في التعامل مع الناس، كلنا نواجه ابتسامات في الظاهر وأحقاد في الباطن، وعود معلنة مثلا ونوايا مبيته للإخلاف.

لكن المؤمن حينما يستحضر اسم الله الباطن، يعلم أن كل ما يخفيه في تعاملاته مع الناس لا يخفى على الله سبحانه وتعالى. هذا الاستحضار يورثه عدلا في المعاملة، وأمانة في الحقوق، وشفافية في كل العلاقات. التعامل مع الناس أيها الكرام والكريمات لا يكون بالتزام القوانين الظاهرة فقط، لكنه قبل ذلك التزام بالقيم والمعاني الباطنة التي لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى.

التاجر الذي يخادع بمهاره ويحتال، قد لا يدركه المشتري ولا يفهم من أين خدع، فهو قد خدع ظاهر الخلق؛ لكن اسم الله الباطن يوقفه على مكمن الخلل. أما التاجر الذي يعلم أن الله الباطن يرى ما يخفيه في الميزان وفي كل تفصيلة ورقم لا يغش، والموظف الذي يعلم أن الله الباطن يعلم ما يخفيه من إهمال لا يقصر، والزوج الذي يعلم أن الله الباطن يعلم ما يخفيه من ظلم لا يظلم ولو خفيت بالبيوت.

وهكذا تتحول معرفتنا بسم الله الباطن إلى رقابة ذاتية أعمق والله وأثبت من أي رقابة خارجية. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120]. هذه الآية من الليلة أنا ساجعلها حالتي في الواتساب؛ لأنها جامعة للمعنى الذي أريد أن أوسله. ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، إذا تركنا ظاهر الإثم وباطنه هل بقي شيء؟ هل بقي سبب للشقاء؟ هل بقي سبب للعصيان؟ هل بقي عائق عن الله سبحانه وتعالى؟ تقصيرنا كله بسبب عدم تطبيقنا لهذه الآية: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾. الإيمان بالظاهر والباطن يقود إلى ترك الإثم في الظاهر والباطن معا، وهذا هو أساس الأمانة الحقيقية في التعامل مع الناس.

الثمرة الثالثة في التعامل مع الخلق وما تهدينا إليه هذه الأسماء منها، ثمرة التواضع الحقيقي وكسر صنم الكبر. الكبر شيء عظيم وهو صنم خفي يعبده المتكبر من دون الله. ومن الأساليب الناجحة والأدوية الناجعة لكسر هذا الصنم هو الاستهداء باسمي الله الأول والأخر.

المعجب بنفسه يتكبر على الخلق، هو في حقيقته ينسى أمرين: ينسى حقيقته وينسى حقيقة ربه. ينسى أنه لم يك شيئا مذكورا، وينسى أنه سيعود إلى التراب، وينسى حقيقة أن الله سبحانه وتعالى هو الأول والآخر. وحين يتأمل العبد في اسم الله الأول واسم الله الآخر، أسماؤه التي سبقت كل شيء وستبقى بعد كل شيء، يدرك العاقل ضآلة حجمه في هذا الوجود الممتد.

هذا الإدراك إذا تحقق صدقا وحقا يكسر في النفس صنم الكبر، ويجعلنا نتواضع للخلق لا تواضع الضعف والمذلة، بل تواضع من عرف ربه ثم عرف نفسه. التواضع الناشئ عن المعرفة تواضع محمود يرفع صاحبه عند الله وعند الناس.

وحين يدرك الإنسان أن الله هو الأول الذي كان قبل أن يخلق الإنسان، وهو الآخر بعد أن يفنى الإنسان، هذا الإدراك يورثه تواضعا حقيقيا أمام الخلق؛ إذ كيف يتكبر من يعلم أنه لم يك شيئا مذكورا وسيكون رفاتا في التراب بعد أن يموت؟ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].

الثمرة الرابعة: الصبر على أذى الناس يقينا بالظاهر الغالب والتعالي عن الانتقام الشخصي. هذه ثمرة نأخذها من تحقيق هذه الأسماء، وهذه الزمرة زمرة المحاطين بالعظمه في حياتنا اليومية وفي تعاملنا مع الناس. الإنسان يتعرض بصورة لا أقول دائمة، لكن بصورة غالبه إلى أذى من كل الأنواع، الناس تؤذي وتظلم، وهذا يشعل في النفس غريزة طبيعية هي غريزة الانتقام، وتدفع الإنسان لاستيفاء حقه؛ لكن الإيمان بالله الظاهر الغالب يورثه صبرا جميلا، ويرثه أيضا ثقة بأن الله سيظهر الحق، فيتعالى الإنسان عن بعض ما يكون من حظ النفس الذي يكون فوق الحق.

المظلوم الذي يعلم أن الله الظاهر فوق كل ظالم ينام مرتاح القلب ويدع الأمور للحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. والمقهور الذي يعلم أن الله الظاهر لا يُغلب ولا يُصاب بالاحباط، بل ينتظر الففرج ولكن من بابه. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]. قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم اجمعين يؤذون في مكة أشد الأذى، كانوا يصبرون لأنهم يعلمون أن اسم الله الظاهر حاضر، وانه سبحانه سيظهر دينه وقد كان ذلك. وعلينا أن نستحضر بأن كل من يؤذى في سبيل الله في سبيل الحق، لنتذكر أن الله الظاهر فوق كل ظالم وأن العاقبة للمتقين.

المقصد الثالث وهو في كيف تهذب هذه الأسماء علاقتنا مع النفس؟ كيف تصلح هذه الأسماء الحسنى أنفسنا من الداخل؟

الثمرة الأولى: علاج القلق والضياع الوجودي والتحرر من هذا الخوف من المجهول. بعض الناس يعاني اليوم -وأظنهم يتزايدون- من قلق عميق: من أين جئت؟ والى أين أذهب؟ وما معنى حياتي؟ هذه الأزمة الروحية في عصرنا دواؤها في الاستهداء باسم الله الأول وباسم الله الآخر. حين يعلم الإنسان أنه جاء من عند الله الأول، وأنه سيرجع إلى الله الآخر، وأن حياته كلها بين يدي الأول والآخر، هذا القلق يزول ما عاد ثم ضياع. إذا عرفنا المنشأ وعرفنا الوجهه، ليس هناك ضياع؛ لا يكون ضائعا من يعرف مبتداه ومنتهاه.

لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]، هذه الآية فيها إجابة لها صلة بدرسنا الليلة: جئنا من الله الأول ونرجع إلى الله الآخر. والإنسان أيها الكرام والكريمات الذي يعيش بلا يقين بسم الله الأول ولا بسم الله الآخر يشبه من يسير في ظلام شديد لا يعرف من أين جاء ولا أين يذهب؛ أما من آمن بهذين الاسمين فقد أضيء له الطريق من أوله إلى آخره.

الثمرة الثانية في علاقة الإنسان مع نفسه: الاستقرار النفسي في مواجهه المصائب وتطهير السريرة. حين تنزل المصيبة بالانسان، فإن أشد ما يؤلمه فيما يظهر لي -والله أعلم ولعلكم تتفقون أو تختلفون- أشد ما يؤلم الإنسان عند تنزل المصائب هو شعوره بأنه وحيد في مواجهتها، وأنه لا أحد يعلم بما يعانيه. والدواء لهذا الشعور الذي يغلب علينا وقت حلول المصائب هو الإيمان باسم الله الباطن الذي يعلم خفايا القلوب وأسرارها.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]. فالله الباطن أقرب إلى الإنسان من نفسه، يعلم ما يخفيه في أعماق قلبه من ألم وحزن وخوف، وهذا العلم الإلهي المحيط هو مصدر الاستقرار النفسي الحقيقي. فإذا استحضر القلب إحاطة الله بكل العالم، وقرب البعيد منه، وظهور البواطن له، وبدو السرائر عنده، ثم بدأ يعمل وليس فقط إيمانه قلبي، وإنما بدأ يسري هذا الإيمان في جوارحه، الثمرة أن الله يطهر سريرته، لأن سريرته تصبح علانية وأصبح غيبه شهادة، فمن زكى باطنه زكى ظاهره. هذا أثر عميق دقيق لاسم الله الباطن: تطهير السريرة وإصلاح الباطن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يرى الباطن كما يرى الظاهر.

ومن ثمرات هذا الاسم في واقعنا أن المؤمن حين يصاب بمصيبة -مصيبة قد لا يستطيع أن يخبرها أحدا لأنه يحسب حسابات: لو قلت كذا، ولو قلت كذا، ولو قلت كذا- والانسان وقت حلول المصائب ليس بكامل عقله يصبح له نوع من -إذا صحت تسميتي له- ارتجاج نفسي، هذا الارتجاج فيه قدر من الهشاشة، وأيضا حتى العاقل يفقد من عقله ربما ربه أو ثلثه أو نصفه، فلا يستطيع أن يخخبر أحدا، يقول: هل أزيد المصيبة مصيبتين؟ أو تبدأ عنده حسابات مختلفة؛ لكنه يجد الطمأنينة في أن الله الباطن يعلم بها، وأن هذا العلم الإلهي يكفيه عن حاجته إلى شكوى الخلق. وهذه ثمرة عظيمة جدا.

الثمرة الثالثة: التحرر من عبودية الأشياء والزهد في الفاني. من أزماتنا الكبرى في هذا العصر عبودية الأشياء، أصبحنا أسرى للماديات وللمستهلكات، نتعلق بها وكأننا مخلدون وكأنها مخلده، ونحزن على فقدها وكأننا لم نكن يوما ما نعيش بدونها. الزهد الحقيقي هو الذي تورثه اسماء الله الأول والآخر، هو هذا التحرر من هذه العبودية.

الإمام أحمد رحمه الله يقول: الزهد في الدنيا قصر الأمل. طيب، فمن أين يأتي قصر الأمل؟ قصر الأمل لا يتأتى إلا لمن عرف اسم الله الآخر الذي تنتهي إليه الآمال. فحينما توقن أن كل ما حولك زائل وفان، وأن الباقي هو الله سبحانه وتعالى وحده، تسقط قيمة الأشياء من قلبك، وتصبح مجرد أدوات نستخدمها لمرضاة الله؛ لكن ننزع عنها تسمية أنها غايات ونسعى إليها ونتحسر عليها، لا، هذا تحرر عظيم يورث في النفس خفة ونشاطا في سيرها إلى الله. المتعلق بالدنيا ثقيل الخطى مكبل بالقيود، أما الزاهد حر طليق يطير إلى ربه بجناحي الشوق والمحبه.

ابن القيم يقول -ما معناه- بأن من نعيم أهل الجنة أن نعيم الجنة لا نهاية له؛ لأنه متصل باسم الله الآخر الذي لا نهاية له، فلا يتعلق بالدنيا الزائلة المنقطعة. وهذا الزهد، كما لا يخفى عليكم أيها الكرام والكريمات، ليس في ترك الدنيا والإنعزال عنها، بل هو في عدم التعلق القلبي بها والسعي فيها مع اليقين بأنها ليست الغاية. المؤمن يعمل في الدنيا ويكسب فيها، لكن قلبه معلق بالآخرة وباسم الله الآخر الباقي لا بالدنيا الفانية.

الثمرة الرابعة في إصلاح العلاقة مع النفس عبر هذه الأسماء: الخبيئة الصالحه والعمل لله. من أجيمل ثمرات الإيمان باسم الله الباطن أن يكثر المؤمن من الأعمال الصالحة التي لا يعلمها إلا الله. الباطن يحب أن يكون لعبده خبايا من أعمال صالحة يتقرب بها إليه. وقد روي في الحديث: «من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل». الخبيئة الصالحة عمل لا يعلمه إلا الله.

الصدقة السرية تطفئ غضب الرب، دعاء في جوف الليل والناس نيام، بكاء من خشية الله في خلوة، ذكر لله لا يسمعه أحد ولا يطلع عليه بشر. هذه الأعمال هي أصفى الأعمال وأخلصها؛ لأنه لا يراد بها إلا وجه الله الباطن العليم. هذه الخبيئة الصالحة دعونا نقول بأنها رصيد المؤمن الاستراتيجي في الدنيا في وقت الأزمات وأيضاً في الآخرة يوم تبلى السرائر.

تحقق الأمان الذي يعصم القلب من الانزلاق في مهاوي النفاق والرياء، وكلما كثرت خبايا الإنسان الصالح زاد ثباته في المحن وعظمت بصيرته في الفتن؛ لأن الله الباطن يكافئه على خفائه بنور يقذفه في قلبه، وبثبات يرزقه إياه في المواقف الصعبة. وفي الحديث: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». فالخفاء المحمود هو خفاء عن الخلق مع يقين بأن الله سبحانه وتعالى الباطن يراها ويثيب عليها.

هذا ما كان عندي من حديث حول هذه الزمرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الاستهداء بأسمائه وصفاته، وأن يرزقنا تمام الأدب والعلم بها. اللهم يا أول يا من كنت قبل كل شيء ويا من كنت ولم يكن معك شيء، نسأجل أن تجعل قلوبنا أولى بك من كل شيء، ونسألك أن تكون أول من يخطر ببالنا حين نستيقظ، وأول من نلجأ إليه حين تنزل بنا الشدائد. اللهم يا أول، اللهم يا أول، اللهم يا أول، لا نرجو سواك ولا نتوكل إلا عليك.

اللهم يا آخر يا من ستبقى بعد أن يفنى كل شيء ويا من لا نهاية لوجودك ولا لفضلك ولا لعطائك، نسألك بأخريتك التي لا انتهاء لها أن تجعل آخر أعمالنا أحسنها، وآخر أيامنا خيرها، وآخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله. اللهم يا آخر يا من يبقى بعد فناء كل شيء، لا تعلق قلوبنا بشيء فان ولا بشخص زائل. اللهم لا تجعلنا نقدم على رضاك شيئا زائلا. اللهم جعل الآخرة أكبر همنا وأوسع فيك أملنا وقرب غايتنا.

اللهم يا ظاهر يا من علوت فوق كل شيء ولا شيء فوقك، يا من غلبت كل شيء ولا شيء يغلبك، نسألك بظهورك وعلوك وغلبتك وقدرتك أن تظهر الحق على الباطل وتعلي كلمتك على كل كلمة، وأن تنصر دينك على كل دين. اللهم يا ظاهر، أنت الغالب فلا نخشى غالباً سواك، وأنت العلي فلا نتطلع إلى علو من سواك. اللهم أنت الظاهر فلا نياس من نصرك مهما طال الليل، اللهم اجعل قلوبنا معلقة بك وابصارنا ناظرة إليك وأنفسنا مطمئنة بغلبتك.

اللهم يا باطن يا من لا شيء دونك، يا من أنت أقرب إلينا من حبل الوريد، يا من تعلم ما توسوس به نفوسنا قبل أن نحدث بها أنفسنا، نسألك بقربك المحيط وعلمك الشامل أن تطهر بواطننا كما تطهر ظواهرنا، وأن تصلح ما خفي من أمورنا كما تصلح ما ظهر. اللهم يا باطن، أنت تعلم ما نخفيه من هموم لا نخبر بها أحداً، وجراحات لا يراها غيرك، وتعلم دموعاً تسقط في الخلوات ولا يراها إلا أنت سبحانك. اللهم اشف ما في صدورنا وفرج ما ضاق علينا وأنر ما أظلم من امورنا.

اللهم يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن، أنت قد أحطت بنا من كل جانب، وأحاطت أسماؤك الحسنى بالزمان كله والمكان كله والعلم كله، فلا ضياع لمن أحطت به، ولا وحشه لمن آنسته، ولا خوف لمن حفظته. اللهم اجعلنا ممن يستهدي بهذه الأسماء العظيمة في كل لحظة من لحظات حياتنا، واجعلنا ممن يجد فيها الأنس والسكينة والثقة واليقين. اللهم اختم لنا بخير واجعل آخر أعمالنا أحسنها وآخر أيامنا خيرها وأسكنا في جوارك في دار كرامتك. آمين يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.